← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

عُنُقَه» رواه أحمد، وأبو داود، وقال (١): حسَنٌ غَرِيبٌ (٢). وسواءٌ في هذا امرأةُ أبيه، وامرأةُ جَدِّه لأبيه، وجدِّه لأمِّه، قريبٍ أوْ بعيدٍ، ولا فَرْقَ (٣) بَينَ مَنْ وَطِئَها (٤) بملكٍ أوْ شُبْهةٍ. (وَأَبْنَائِهِ)؛ أيْ: يَحرُم عليه أنْ يتزوَّجَ بامرأةِ ابنه، وابن بنته، من نَسَبٍ أوْ رضاعٍ، قريبًا كان أوْ بعيدًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٥). (فَيَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ)؛ لعُمومِ ما تقدَّم، ولو كان نكاحُ الأب الكافر فاسِدًا، ذَكَرَه الشَّيخ تقيُّ الدِّين إجْماعًا (٦). وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيه بَينَ العَقْد الصَّحيح المفيدِ للحِلِّ، والفاسِدِ، على ظاهرِ كلامِ القاضي في «المجرد»؛ لأِنَّ حُكمَه كالصَّحيح، إلاَّ الحِلَّ والإحْلالَ والإحْصانَ والإرْثَ وتَنَصُّفَ الصَّداق قَبْلَ المسيس، وظاهر كلامه في

стр. 4342

«التعليق» خلافُه. (دُونَ بَنَاتِهِنَّ)؛ أيْ: يَحِلُّ له نكاحُ ربيبةِ أبيه وابنِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ … ﴾ الآية [النِّسَاء: ٢٤]. (وَالرَّبَائِبُ: وَهُنَّ بَنَاتُ نِسَائِهِ اللاَّتِي دَخَلَ بِهِنَّ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ … ﴾ الآية [النِّسَاء: ٢٣]، (دُونَ اللاَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ)؛ لأِنَّ تقييدَه بالحِجْر خَرَجَ مَخرَجَ الغالِبِ، وما كان كذلك لا مَفْهومَ له، اتِّفاقًا (١)، ولا فَرْقَ فيها بَينَ أنْ تكونَ قريبةً أوْ بعيدةً، وارِثَةً أوْ غَيرَ وارِثَةٍ، مِنْ نَسَبٍ أوْ رِضاعٍ، فإذا دَخَلَ بالأمِّ؛ حَرُمَتْ عليه، سواءٌ كانَتْ في حِجْرِه أوْ لَا. وحُكِيَ عن ابنِ عَقِيلٍ، وهو مَرْوِيٌّ عن عمرَ وعليٍّ (٢): أنَّه يُرخَّصُ فيها إذا لم تَكُنْ في حِجْرهِ.

стр. 4343

(فَإِنْ مُتْنَ قَبْلَ الدُّخُولِ)، أوْ بانتْ؛ (فَهَلْ تَحْرُمُ بَنَاتُهُنَّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: أنَّها لا تَحرُمُ، وهو قَولُ عامَّة العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، وكالطَّلاق، والموت لا يَجرِي مَجْرَى الدُّخول في الإحْلال والإحْصان. والثَّانيةُ: بلى، اخْتارَه أبو بكرٍ؛ قياسًا على تكميلِ الصَّداق. (وَيَثْبُتُ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ (١) بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ)، اتِّفاقًا (٢)، (وَالْحَرَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وفيها دَلالةٌ تَصرِفُه إلى الوطء دُونَ العقد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النِّسَاء: ٢٢]، وهذا التَّغليظُ إنَّما يكونُ في الوطْءِ، وعن ابن مسعودٍ قال: «لا يَنْظُرُ الله إلى رجلٍ نَظَرَ إلى فرجِ امرأةٍ وابْنَتِها» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ ضعيفٍ (٣)، ولأِنَّ ما تعلَّق بالوطء المباحِ تعلَّق بالمحظور؛ كوطْءِ الحائِضِ، ولأِنَّ النِّكاحَ يُفسِدُه الوطءُ بالشُّبهة، فأفْسَدَه (٤) الوطءُ الحرامُ كالإحرام. وذَكَرَ في «المستوعب» و «المغْنِي» و «التَّرغيب»: ولو بوَطْءِ دُبرٍ، وقِيلَ: لَا.

стр. 4344

ونَقَلَ بشرُ بن موسى (١): لا يُعجِبُنِي. ونَقَلَ الميمونيُّ: إنَّما حرَّم الله الحَلالَ على ظاهِرِ الآية، والحَرامُ مُبايِنٌ للحَلال (٢). (فَإِنْ كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ مَيْتَةً، أَوْ صَغِيرَةً) لا يُوطَأُ مِثلُها؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَنشُرُ الحُرمةَ؛ كالرَّضاع. والثَّاني، وهو ظاهِرُ «الوجيز» وغَيره: أنَّه لا يَنشُرُها؛ لأِنَّ التَّحريمَ يتعلَّق باسْتِيفاءِ منفعةِ الوطءِ، وذلك يُبطِلُها. وفي «المُذهب»: هو كنِكاحٍ، وفيه: بشبهة وجهان. (وَإِنْ بَاشَرَ امْرَأَةً، أَوْ نَظَرَ إِلَى فَرْجِهَا)، أوْ قبَّلها، (أَوْ خَلَا بِهَا لِشَهْوَةٍ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وفيه مَسائِلُ: الأولى: إذا باشَرَها دُونَ الفرج لشهوةٍ؛ فالأشْهَرُ: أنَّه لا يَنشُرُها، كما لو لم يكن لشهوةٍ، والثَّانية: بلى، وهو قَولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عَمْرٍو (٣)؛ كالوطء، والفَرْقُ بَينَ الوطء وغيرِه ظاهِرٌ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا باشَرَها دُونَ الفرج لغَيرِ شهوةٍ؛ أنَّه لا يَنشُرُ الحُرْمةَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤). الثَّانية: إذا نَظَرَ إلى فَرجِها لشهوةٍ؛ ظاهِرُ المذهب: أنَّه لا يَنشُرُها (٥)؛ كالنَّظَر إلى الوجه، والثَّانيةُ: يَنشُرُها في كلِّ مَوضِعٍ يَنشُرُها اللَّمْس، رُوِيَ عن

стр. 4345

جماعةٍ من الصَّحابة (١). وعنه: لا فَرْقَ بَينَ النَّظَر إلى الفَرْج وإلى بقيَّةِ البَدَن، ذَكَرَها أبو الحُسَين، ونَقَلَه الميمونيُّ وابنُ هانِئٍ (٢)، منها أو منه إذا كان لشهوةٍ، والأصحُّ خِلافُه؛ فإنَّ غَيرَ الفرج لا يُقاسُ عليه. وإنْ وَقَعَ ذلك من غَيرِ شهوةٍ؛ لم يَنشُرْها بغَيرِ خلافٍ فيه (٣)، وهذا فِيمَنْ بَلَغَتْ تِسْعَ سنينَ فما زاد، وعنه: وسبعٌ، إذا أصابَها حَرُمَتْ عليه أمُّها. الثَّالثة: إذا خَلَا بها لشهوةٍ قَبْلَ الوَطْء؛ فرِوايَتانِ؛ إحداهما: وهي اخْتِيارُ القاضي وابنِ عَقِيلٍ، والمؤلِّفِ: لا يَنشُرُ (٤)؛ بِناءً على أنَّ النَّظَرَ كِنايَةٌ عن الدُّخول. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّه تعالى أطْلَقَ الدُّخولَ، وهو شامِلٌ للخلوة، والعُرْفُ على ذلك، يُقالُ: دَخَلَ بزوجته، إذا كان بَنَى بها وإنْ لم يَطَأْ، وأمَّا إذا فَعَلَتْ

стр. 4346

هي ذلك؛ فالحُكْمُ كما ذَكَرَه. (وَإِنْ تَلَوَّطَ بِغُلَامٍ؛ حَرُمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُمُّ الآْخَرِ، وَابْنَتُهُ)؛ أيْ: يَحرُمُ بِوَطْءِ الغلام ما يَحرُم بِوَطْء المرأةِ، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ، فنَشَرَ الحُرْمةَ إلى مَنْ ذُكِرَ؛ كوطْء المرأة. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ كَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ)، فيَكونُ في تحريم المصاهَرة؛ حكمَ المباشَرَة فِيمَا دُونَ الفَرْج لشهوةٍ؛ لكَونِه وطئًا في غير محلِّه، (وَهُوَ الصَّحِيحُ) عندَ المؤلِّف؛ لأِنَّه لَيسَ بمنصوصٍ على تحريمه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على النِّساء؛ لأِنَّ وَطْأَها سببٌ للبعضة (٢)، ويُوجِبُ المهْرَ، ويُلحَقُ به النَّسبُ، وتصير المرأةُ به فِراشًا، قال ابن البَنَّاء وابنُ عَقِيلٍ: وكذا دَواعِيهِ. والأوَّلُ هو المذهبُ. (الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْمُلَاعَنَةُ تَحْرُمُ عَلَى الْمُلَاعِنِ) إذا لم يُكذِّبْ نفسَه، في قَولِ الجماهير؛ لقَول سهلِ بنِ سعدٍ: «مَضَت السُّنَّةُ في المتَلاعِنَينِ: أنْ يُفرَّق بَينَهما، لا يَجتَمِعانِ أبَدًا» رواه الجُوزَجانِيُّ (٣)،

стр. 4347

ونحوُه عن عمرَ بنِ الخَطَّاب (١). (إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): ظاهر المذهب: أنَّها تحرُم؛ لظاهر الخبر، ولأِنَّه تحريمٌ لا يَرتَفِعُ قَبْلَ الجَلْد والتَّكذيبِ، فلم يَرتَفِعْ بالتَّكذيب؛ كالرَّضاع. والثَّانية: تَحِلُّ، نَقَلَها حنبلٌ (٢)، وذَكَرَ ابنُ رَزِينٍ: أنَّها الأظْهَرُ؛ لأِنَّه لَمَّا أكْذَبَ نفْسَه صارت شبهته بحالها قَبل الملاعَنة، وهي حِينَئِذٍ حلالٌ. وعنه: بنكاحٍ جديدٍ، أو ملك يمينٍ. وينبغي أنْ يُحمَلَ على ما إذا لم يُفرِّق الحاكمُ بَينَهما، أمَّا إذا فرَّق بينهما؛ فلا وَجْه لبقاء النِّكاح، وفيه نظرٌ؛ لأِنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ باللِّعان، وإنْ قِيلَ: لا تَحصُلُ إلاَّ بفُرقةِ الحاكِم؛ فلا تَحرُم حتَّى يقولَ: حلَّت له. وظاهِرُه: أنه (٣) إذا كان اللِّعانُ بَعْدَ البينونة، أو في نكاحٍ فاسِدٍ؛ أنَّها لا تَحِلُّ على الأشْهَر، ولا حدَّ قَولاً واحِدًا. مسألةٌ: إذا وَطِئَ أمَّ امرأته، أو ابنتَها؛ انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأِنَّه طَرَأَ عليها ما يُحرِّمها، أشْبَهَ الرَّضاعَ.

стр. 4348

(فَصْلٌ) (الضَّرْبُ الثَّانِي: الْمُحَرَّمَاتُ إِلَى أَمَدٍ)؛ أيْ: غايةٍ، (وَهُنَّ نَوْعَانِ): (أَحَدُهُمَا: الْمُحَرَّمَاتُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَيَحْرُمُ (١) الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ)، من نَسبٍ أو رضاعٍ، حُرَّتَينِ أو أَمَتَينِ، أوْ حرَّةً وأمةً، من أَبَوَينِ أوْ من أبٍ أو أمٍّ، قَبْلَ الدُّخول أو بَعْدَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]. (وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، أَوْ خَالَتِهَا)، إجْماعًا (٢)، وسَنَدُه: ما رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا، قال: «لا يُجمَعُ بَينَ المرأةِ وعمَّتها، ولا بَينَ المرأة وخالتِها» متَّفقٌ عليه (٣)، وللبخاريِّ عن جابِرٍ مِثْلُه (٤)، وفي «التَّمهيد» عن ابنِ عبَّاسٍ نحوُه (٥)، ولِمَا فيه من إِيقاعِ العداوة بَينَ الأقارب، وإفْضائِه إلى قطيعة الرَّحِم، وبه حصل تخصيص قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٤]، ولا فَرْقَ فيه بَينَ القريبة والبعيدة، من نَسَبٍ أوْ رضاعٍ (٦).

стр. 4349

وضابطُه: كلُّ امْرأتَينِ لو كانت إحداهما ذَكَرًا والأخرى أنثى؛ حَرُم نكاحُه، ولهذا حرُم الجمعُ بَينَ المرأة وبنت أخيها؛ لأِنَّ الأخَ لا يُباحُ له بنت أخيه، وابنُ (١) الأخت لا تُباحُ له خالتُه. وأُبِيحَ الجمْعُ بَينَ بِنتَيْ عَمَّينِ، وبِنتَيْ (٢) خالَينِ، وبِنتَيْ عمَّتَينِ، وبِنتَيْ خالَتَينِ؛ لأِنَّ ابنَ العمِّ يجوز أنْ يتزوَّج ببنتِ عمِّه (٣)، وابنَ الخال له أنْ يتزوَّج بنت خالته. وهل يُكرَهُ لأجلِ قطيعةِ الرَّحِم وإنْ كانت بعيدةً، أو لا يُكرَهُ؟ فيه رِوايَتانِ. لكن لا يَجوزُ أنْ يَجمَعَ بَينَ عمَّةٍ وخالةٍ، بأنْ يَنْكِحَ امرأةً وابنُه أمَّها، فيُولَدُ لكلٍّ منهما بنتٌ، وبَينَ عمَّتَينِ بأنْ يَنْكِحَ أمَّ رجلٍ والآخَرُ أمَّه، فيُولَدُ لكلٍّ منهما بنتٌ، وبَينَ خالَتَينِ بأنْ (٤) يَنْكِحَ كلٌّ منهما ابنةَ الآخَرِ. لا بَينَ أختِ رجلٍ من أبيه وبَينَ أختِه (٥) مِنْ أمِّه، ولو في عقد واحدٍ، قاله ابن حمدانَ وغيرُه، ولا بَينَ مَنْ كانت زوجةَ رجلٍ، وبنتِه من غَيرِها. (فَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ)، أوْ عَقْدَينِ معًا؛ (لَمْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ تصحيحُهما، ولا مزيَّةَ لأِحدهما على الآخَر. (وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ، أَوْ تَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا فِي عِدَّةِ الْأُخْرَى، سَوَاءٌ كَانَتْ بَائِنًا أَوْ رَجْعِيَّةً؛ فَنِكَاحُ الثَّانِيَةِ بَاطِلٌ)؛ لأِنَّ به يَحصُلُ الجَمْعُ، فاخْتَصَّ البُطْلانُ به.

стр. 4350

لكِنْ إن جُهِلَ السَّابقُ؛ فُسِخَ النِّكاحانِ، وعَنْهُ: يُقرَعُ بَينَهما. وعلى الأوَّل: يَلزَمُه نصفُ المهر، يَقتَرِعانِ عَلَيه، وذكَرَ ابنُ عَقِيلٍ روايةً: لا؛ لأِنَّه مُكرَهٌ، اختاره أبو بكرٍ. فرعٌ: إذا تزوَّج أمًّا وبِنتًا في عقدٍ؛ صحَّ في حقِّ البنت فقطْ، وقيل: يَفسُدُ في حقِّهما؛ كالأختَينِ. وَجْهُ الأوَّل: أنَّ الأمَّ تَحرُم بمجرَّد العقد، فكانت أَوْلى بالبطلان، فاختصَّت به. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: إذا تزوَّجَ أُختَينِ في عَقْدٍ، يَختارُ إحْداهما (١)، قال القاضي: هو محمولٌ على أنَّه يَختارُ إحداهما بعَقْدٍ مستأنَفٍ. (وَإِنِ اشْتَرَى أُخْتَ امْرَأَتِهِ، أَوْ عَمَّتَهَا، أَوْ خَالَتَهَا؛ صَحَّ)؛ لأِنَّ الشِّراءَ يُرادُ للاسْتِمْتاع ولغيرِه، ولذلك صحَّ شِراءُ المجوسيَّة وأختِه من الرّضاع، وكذا لو مَلَكَها بغير الشِّراء، (وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)؛ لِئَلاَّ يكونَ جامِعًا بينهما في الفراش وجامِعًا ماءَه في رَحِمِ مَنْ يَحرُم الجَمعُ بَينَهما. (وَإِنِ اشْتَرَاهُنَّ)، أوْ مَلَكهنُّ، (فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ صَحَّ) لا نَعلَمُ فيه خلافًا (٢)؛ لأِنَّ الشِّراءَ يُرادُ لغير الوطء (٣)، بخلاف العقد، وإذا (٤) جاز شراءُ واحدةٍ على الأخرى؛ فمعًا أَوْلَى. (فَإِنْ وَطِئَ إِحْدَاهُمَا)؛ جاز؛ لأِنَّ الأخرى لم تَصِرْ فراشًا في قَولِ أكثرِ العلماء، وذكر جماعةٌ: لا يَقرَب واحدةً منهما، وذَكَرَه أبو الخَطَّاب مذهبًا

стр. 4351

لأِحمدَ، و (لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُولَى بِإِخْرَاجٍ عَنْ مِلْكِهِ)، ولو ببيعٍ للحاجة، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١) وابنُ رجبٍ، وهو الأظْهَرُ (٢)، (أَوْ تَزْوِيجٍ) بَعْدَ اسْتِبْراءٍ، (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ)، وهو قَولُ عليٍّ (٣) وابنِ عمرَ (٤)؛ لأِنَّ كلَّ مَنْ حرُم وَطؤُها؛ تَحِلُّ له إذا أخرجها عن ملكه ببيعٍ أوْ تزويجٍ؛ لأِنَّ الجَمعَ قد زال. وظاهِرُه: ولو كانت الأولى صغيرةً، ويُشكِلُ عليه: أنَّه لا يجوز أنْ يفرِّق في البيع بَينَ ذي رحِمٍ مَحْرَمٍ إلاَّ بَعْدَ البُلوغ على روايةٍ. وشَرَطَ المؤلِّفُ وغَيرُه: (وَيَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ)؛ لأِنَّه إذا كانت حامِلاً لم تَحِلَّ له أختُها حتَّى تَضَعَ حَمْلَها؛ لِئَلاَّ يكون جامعًا ماءَه في رَحِم أختَينِ، فهو كنكاحِ الأخت في عدَّة أختِها. لا يُقالُ: هذا الشَّرطُ لا يُحتاجُ إليه؛ إذْ شَرْطُ الإباحة أحدُ الأمْرَينِ (٥)،

стр. 4352

وكلاهما لا يصحُّ إلاَّ بعدَ العلم أنَّ الموطوءةَ غَيرُ حامِلٍ؛ لأِنَّ في البيع يَجوزُ على روايةٍ، وعلى المنْعِ يُمْكِنُ أنْ يتصوَّر (١) بالعتق، ولكن مِنْ صُوَرِ الإخراجِ: البَيعُ والهبة. وفي الاكتفاء بتحريمها بكتابةٍ، ورهنٍ، وبيعٍ بشرطِ خِيارٍ؛ وَجْهانِ. ولا يَكفِي مُجرَّدُ تحريمها، نَصَّ عليه (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ وحُكِيَ عن عليٍّ: «أحَلَّتْهما آيةٌ، وحرَّمَتْهما أخرى» (٣)، يريدُ قولَه تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣]. (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ؛ لَمْ يُصِبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى)، في ظاهر نصوصه؛ لأِنَّ الثَّانيةَ صارت فِراشًا، وقد رَجَعَت إليه الَّتي كانت فراشًا، فحرُمت كلُّ واحدةٍ منهما بكون الأخرى فراشًا؛ كما لو انفردت. واختار في «المغني»: إنْ عادَتْ قَبْلَ وطء أختها؛ فهي المباحةُ، واختار في «المحرر»: بل أيَّتُهما شاءَ، وأنَّها إنْ عادت بعد وطء أختها؛ فأختها المباحة. وقال ابن نصر الله: هذا إذا (٤) لم يَجِب اسْتَبْراءٌ، فإنْ وَجَبَ؛ لم يَلزَمْه تَرْكُ أختِها، وهو حَسَنٌ، فلو خالَفَ وفَعَلَ؛ لزِمَه أنْ يُمسِكَ عنهما حتَّى يُحرِّم إحداهما.

стр. 4353

وأباح القاضي وطءَ الأولى بعد اسْتِبْراء الثَّانية. (وَعَنْهُ: لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ)، حكاها القاضي والشَّيخانِ معتَمِدَينِ في ذلك على روايةِ ابنِ منصورٍ، وسَأَلَه عن الجَمْع بَينَ الأختَينِ المملوكتَينِ تقول: إنَّه حرامٌ؟ قال: لا، ولكن يُنهَى عنه (١)، وامْتَنَعَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين من إثْبات ذلك روايةً (٢)، وهذا أَدَبٌ في الفتوى، كثيرًا ما يَستعْمِلُه السَّلفُ، لا يُطلِقون لفظَ التَّحريم، بل يَقولُون (٣): يُنهَى عنه. فرعٌ: لو مَلَكَ أختَينِ مسلمةً ومجوسيَّةً؛ فله وَطْءُ المسلمة، ذَكَرَه في «التَّبصرة». (وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ)، أوْ أعْتَقَ سُرِّيَّتَه، (ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا؛ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، قاله القاضي؛ لأِنَّ النِّكاحَ تصير المرأةُ به فراشًا، فلم يَجُزْ أنْ يَرِدَ (٤) على فِراش الأخت؛ كالوطء. (وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَصِحُّ)، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه سببٌ يُستَباحُ به الوطءُ، فجاز أنْ يَرِدَ على وَطْءِ الأخت، ولا يُبِيحُ كالشِّراء. (وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْمَوْطُوءَةَ)؛ لِئَلاَّ يكونَ جامِعًا ماءَه في رَحِم أختَينِ، ولا شكَّ أنَّ ملْكَ اليمين أقْوَى من النِّكاح، بدليلِ أنَّه لو اشْتَرَى

стр. 4354

زوجتَه؛ انفسخ النِّكاحُ، ولو سُلِّم تساويهما، فسَبْقُ ملْكِ اليمين يعارِضُه (١). وعنه: تحريمُهما حتَّى يُحرِّمَ إحداهما. وكذا لو تزوَّجها بَعْدَ تحريمِ سُرِّيَّتِه، ثُمَّ رجعت السُّرِّيَّةُ إليه، لكِنَّ النِّكاحَ بحاله. وإنْ أعْتَقَ سُرِّيَّتَه، ثُمَّ تزوَّج أختها في مدَّةِ اسْتِبرائها؛ ففي صحَّة العقد روايتانِ، وله نكاحُ أربعٍ سواها في الأصحِّ. (فَإِنْ عَادَتْ إِلَى مِلْكِهِ؛ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى)؛ لأِنَّ الأولى عادت إلى الفِراش، فاجْتَمَعا فيه؛ فلم تُبَحْ واحدةٌ منهما قَبْلَ إخراجِ الأخرى عن الفراش. تنبيهٌ: إذا وَطِئَ بشبهةٍ أوْ زِنًى؛ لم يَجُزْ في العدَّة أنْ يَنْكِحَ أختَها، ولو كانت زوجته، نَصَّ عليه (٢)، وفيه احتمالٌ. وفي وَطْءِ أربعٍ غيرِها، أو العقد عليهنَّ؛ وجْهانِ. ومَن وُطِئَتْ بشبهةٍ؛ حَرُمَ نِكاحُها في العِدَّة، وإنْ كان الواطِئُ في قياس المذهب. وعنه: إنْ لَزِمَتْها (٣) عدَّةٌ من غَيرِه حرُمَ، وإلاَّ فلا، وهي أشْهَرُ. وعنه: إنْ نَكَحَ مُعتَدَّةً من زَوجٍ بنكاحٍ فاسِدٍ أو وَطئ (٤)؛ حرُمتْ عليه أبدًا. (وَلَا يَحِلُّ (٥) لِلْحُرِّ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ)، أجمعَ أهلُ العلم على

стр. 4355

هذا، إلاَّ ما رُوِيَ عن القاسم بن إبراهيمَ أنَّه أباح تسعًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النِّسَاء: ٣]، والواو للجمع، ولأِنَّه ﵇ مات عن تسعٍ، وهذا القَولُ خَرْقٌ للإجماع، وتَرْكٌ للسُّنَّة، فإنَّه ﵇ قال لِغَيلانَ بنِ سَلَمةَ: «أمْسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرهنَّ» (٢)، و «أَمَرَ نَوفَلَ بنَ مُعاوِيةَ حِينَ أسْلَمَ على خمسٍ أنْ يُفارِقَ واحدةً منهنَّ»، رواهما الشَّافِعيُّ (٣)، فإذا مُنِعَ من الاِسْتِدامة زيادةً على أربعٍ؛ فالاِبْتِداءُ أَوْلَى، والواوُ أريدَ بها التَّمييزُ بَينَ (٤) الأشياء، كقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ … ﴾ الآية [فَاطِر: ١]، لَيسَ لكلِّ مَلَكٍ منهم تسعةُ أجنحةٍ، والنَّبيُّ ﷺ كان له أنْ يتزوَّجَ بأيِّ عددٍ شاء.

стр. 4356

ذَكَرَ الشَّيخُ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: أنَّه كان في شريعةِ موسى جَوازُ التَّزويج من غَيرِ حَصْرٍ، وفي شريعة عيسى لا يَجوزُ أكثرُ من واحدةٍ؛ لمصلحةِ النِّساء، فَرَاعَت شريعتُنا مصلحةَ النَّوعَينِ (١). (وَلَا لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ)، إجماعًا (٢)، وسَنَدُه: أنَّ الحكمَ بنَ عُيَيْنةَ (٣) قال: «أجمعَ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ على أنَّ العبدَ لا يَنْكِحُ إلاَّ اثنتَينِ، ولا يَجوزُ أكثرُ من ذلك» رواه الشَّافِعِيُّ (٤)، وهو قَولُ عمرَ (٥)، وعليٍّ (٦)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ (٧)، وبه يتخصَّصُ عمومُ الآية، أو يُقالُ: الآيةُ إنَّما تَناوَلَت الحرَّ؛ لأِنَّ فيها ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣]، والعبدُ لا يَملِكُ، ولو مَلَكَ فنَفْسُ ملكِه لا يبِيحُ التَّسَرِّيَ.

стр. 4357

فرعٌ: مَنْ عَتَقَ نصفُه أو أكثرُ؛ جَمَعَ ثلاثًا، نَصَّ عليه (١)؛ كالحدِّ. وقِيلَ: لا يَملِكُ سوى اثنتَينِ؛ لأِنَّهما قد ثَبَتَا له وهو عبدٌ، فلا يَنتَقِلُ عنه إلاَّ بدليلٍ من نصٍّ أو إجماعٍ، ولم يُوجَدْ. (وَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ)؛ أي: نهايةَ عدده؛ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)، أمَّا إذا كان الطَّلاقُ رجعيًّا؛ فلا خِلافَ فيه (٢)، وكذا إنْ كان بائنًا أوْ فَسْخًا، رُوِيَ عن عليٍّ (٣) وابنِ عبَّاسٍ (٤)؛ لأِنَّ بعضَ الأحكام باقيةٌ فيمتنعا منه كالرَّجْعِيِّ، بخلافِ موتِها، نَصَّ عليه (٥). فإنْ قال: أخْبَرَتْنِي بانْقِضاءِ عدَّتها، فكذَّبَتْه؛ فله نكاحُ أختها وبَدَلِها (٦) في الأصحِّ، ولا تَسقُطُ السُّكنى والنفقةُ ونَسَبُ الولد، بل الرَّجعةُ. فَرْعٌ: يجوزُ نكاحُ أَمَةٍ في عِدَّةِ حُرَّةٍ، إذا كان الطَّلاقُ بائِنًا، وكان خائِفًا للعَنَت، نَصَّ عليه في روايةِ مُهَنَّى؛ لِوجودِ الشَّرْطَينِ.

стр. 4358

تذنيبٌ: في «الفُنون»: قال فقيهٌ: شهوةُ المرأة فَوْقَ شهوةِ الرَّجل تسعةَ أجْزاءٍ، فقال حنبليٌّ (١): لو كان هذا؛ ما كان له أن يتزوَّجَ بأربعٍ، ويَنكِحَ ما شاء من الإماء، ولا تزيدُ المرأةُ على رجلٍ، ولها من القَسْم الرُّبع، وحاشا حكمته أنْ يُضَيَّقَ على الأحْوج. وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ عن أبي هُرَيرةَ، وبعضُهم يَرفَعُه: «فضِّلت المرأةُ على الرَّجل بتسعةٍ وتسعين جزءًا من اللَّذَّة - أو قال: من (٢) الشَّهوة -، ولكنَّ الله تعالى ألْقَى عليهنَّ الحياءَ» (٣). وقَوَّى في «إعْلام الموقِّعينَ» أنَّ الرَّجلَ أشدُّ شهوةً من المرأة، وأنَّ حرارتَه أقْوَى من حرارة المرأة، والشَّهوةُ تَتْبَعُها الحرارةُ، بدليلِ أنَّ الرَّجلَ إذا جامَعَ امرأةً أمْكَنَه جماعُ غَيرِها في الحال (٤).

стр. 4359

(فَصْلٌ) (النَّوْعُ الثَّانِي: مُحَرَّمَاتٌ لِعَارِضٍ يَزُولُ)؛ لأِنَّ زَوجةَ غَيرِه إنَّما حُرِّمتْ لأِجْلِ ذلك الغَيرِ. (فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُ زَوْجَةِ غَيْرِهِ)، بغَيرِ خِلافٍ (١). (وَالْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ)؛ أيْ: مِنْ غَيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ … ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]. (وَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْهُ)؛ لأِنَّها في مَعْنَى المعتدَّة مِنْ غَيرِه، ولأِنَّ إباحةَ نكاحها يُفْضِي إلى اختلاطِ المياه واشْتِباه الأنساب، وهو محذورٌ مطلوبُ العَدَم. (وَتَحْرُمُ الزَّانِيَةُ حَتَّى تَتُوبَ، وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)، نَصَّ عليهما (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النُّور: ٣]، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يَلحَقَ به ولدٌ من غَيرِه، فحَرُمَتْ كالمعتدَّة. ويُشْترَط انقضاءُ العدَّة، أمَّا على الزَّاني؛ فَلأِنَّ ولدَها لا يَلحَق به، فيُفْضِي نكاحُه بها إلى اشْتِباهِ مَنْ لا يَلحَقُ نسبُه بأحدٍ ممَّن يَلحَقُ نسبُه به، وأمَّا على غيره؛ فلأنَّها معتدَّةٌ من غيره. وبالجُملة: إذا حَمَلَتْ من الزِّنى؛ فلا يَحِلُّ نكاحُها قَبْلَ الوَضْع؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِر فلا يَسْقِي ماءَه ولَدَ غَيرِه» رواه أحمدُ وأبو داودَ والتِّرمِذِيُّ وحسنَّه (٣)، ولأِنَّها حامِلٌ من غيره، أشْبَهَ سائر الحوامِلِ.

стр. 4360

وقيل: لا يَحرُمُ نكاحُها؛ كما لو لم تَحمِلْ. فعلى الأوَّل: يَلزَمُها العدَّةُ، ويَحرُمُ النِّكاحُ فيها؛ لاِشْتِباه الأنساب. وتُشترَط التَّوبةُ منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٣]، وهي قبلَ التَّوبة في حُكْمِ الزِّنى، فإذا تابَتْ (١) زال ذلك. وتَوبتُها كغيرها، صحَّحه المؤلف، وقدَّمه في «الفروع»، ونصُّه: الاِمْتِناعُ من الزِّنى بعدَ الدِّعاية إليه (٢)، رُوِيَ عن عمرَ وابنِ عبَّاسٍ (٣). وظاهِرُه: لا تُشترَط التَّوبة من الزَّاني. وعنه: بلى إنْ نَكَحَها، ذَكَرَه ابنُ الجَوزيُّ عن الأصحاب. وعُلِمَ منه: أنَّها (٤) إذا تابَتْ (٥) وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ حلَّتْ للزَّاني وغَيرِه، في قَولِ أكثرِهم. فائدةٌ: إذا زَنَت امرأةُ رجلٍ، أوْ زَنَى زَوجُها قبلَ الدُّخول أو بعدَه؛ لم يَنفَسِخ النِّكاحُ في قَولِ عامَّتهم (٦).

стр. 4361

وعن جابِرٍ: «يُفرَّقُ بَينَهما، ولَيسَ لها شَيءٌ» (١)، وعن الحسن مثلُه. ولنا: أنَّ دعواه الزِّنى عليها لا يُبِينُها، ولو كان النِّكاحُ يَنفَسِخُ به؛ لَانْفَسَخَ بمجرَّد دعواه؛ كالرّضاع، ولأِنَّه معصيةٌ أشْبَهت السَّرقةَ، ولكِن اسْتَحَبَّ أحمدُ مُفارَقَتَها إذا زَنَتَ، وقال: لا أَرَى أنْ يُمسِكَ مِثْلَ هذه (٢). ولا يَطأُها حتَّى يَستبْرِئَها بثلاثِ حِيَضٍ، والأَوْلَى بحَيضةٍ. (وُمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، والمرادُ به هنا: الوَطْءُ، فدلَّ أنَّها إذا نَكَحَتْ غَيرَه حلَّت؛ لأِنَّه جَعَلَ ذلك غايةً لتحريمها، وحِلُّها مَوقُوفٌ على طلاق الثَّاني وانقضاء عِدَّته. (وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ)؛ لقوله ﵇: «لا يَنْكِحُ المحرِمُ، ولا يُنكَحُ، ولا يَخطُبُ» رواه مسلمٌ (٣)، ولأِنَّه عارِضٌ مَنَعَ الطِّيبَ، فمَنَعَ النِّكاحَ؛ كالمعتدَّة. (وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ)، لا نَعلَمُ فيه خلافًا (٤)، وظاهِرُه: ولو كان وكيلاً. (وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢١]، وظاهِرُه: ولو كان عبدًا، صرَّح به في «الفروع»، ولا نكاح مرتدَّةٍ وإنْ تَدَيَّنَتْ بدِينِ أهلِ الكتاب؛ لأِنَّها لا تُقَرُّ على دينها، ولا مَجوسيَّةٍ؛ لأِنَّه لم يَثبُتْ لها كتابٌ.

стр. 4362

(إِلاَّ حَرَائِرَ أَهْلِ الْكِتَابِ)، فإنَّها تَحِلُّ بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المَائدة: ٥]، ولِإجْماعِ الصَّحابة عليه (٢). لا يُقالُ: ما تقدَّم يَدُلُّ على عدم إباحتهنَّ؛ لِشركهِنَّ، وقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: «آيةُ المائدة متأخِّرةٌ عنهما» (٣)؛ لأِنَّ لفظَ المشركين لا يَتناوَلُ أهلَ الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البَيّنَة: ١]. ونَصَّ على الحرائر؛ لأِنَّ الإماءَ يأتي حكمهنَّ. والأَوْلى تَرْكُه، وكرهه القاضي والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)، كقول أكثرهم؛ كذبائحهم بلا حاجةٍ. وشَمِلَ الحَرْبِيَّات من أهل الكتاب، وهو أحدُ الأقوال، اختاره القاضي، وهو ظاهر «الوجيز» و «الفروع»؛ لدُخولهنَّ في الآية الكريمة. وقيل: لا يجوز؛ حَمْلاً لآيةِ المنْعِ على ذلك، وآيةِ الجواز على غَيرِ الحربيَّات.

стр. 4363

ونَصَّ أحمدُ أنَّه يجوز في دار الإسلام فقط وإن اضْطُرَّ، اختاره ابنُ عَقِيلٍ. وقِيلَ: يَجوزُ في دار الحرب مع الضَّرورة، نَصَّ عليه (١). وعلَّل الإمامُ المنْعَ في دار الحرب: من أجل الولد؛ لِئَلاَّ يُستعبَدَ (٢) ويَصيرَ على دينهم، ومُقتَضاهُ: لا يَتزوَّجُ (٣). ونَقَلَ الأثْرمُ (٤): لا يَطأُ زوجتَه إنْ كانت معينة (٥)، فدلَّ على أنَّه يتزوَّج (٦) آيِسةً وصغيرةً. تنبيهٌ: أهلُ الكتاب هم اليهود، والنَّصارى، ومَن وافَقَهم في أصل دِينهم؛ كالسَّامِرة، والفِرنْج، والأَرْمَن، وأمَّا الصَّابئةُ؛ فقال أحمدُ: هم من جِنْسِ النَّصارى، وقال في مَوضِعٍ آخَرَ: بَلَغَنِي أنَّهم يُسْبِتونَ، فألْحَقَهم باليهود (٧). وفي «المغْنِي»: الصَّحيحُ أنَّ مَنْ وافَقَ اليهودَ والنَّصارى في أصل دينهم، وخالَفَهم في فروعه؛ فهو منهم، ومَنْ خالَفَهم في أصل دِينهم؛ فلا، ومَنْ سِواهم من الكفَّار؛ كالمتمسِّك بصحفِ إبراهيمَ، وشِيثَ، وزَبورِ داودَ، فَلَيسوا بأهل كتابٍ على الصَّحيح، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، فلا تَحِلُّ نساؤهم ولا ذبائحهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ … (١٥٦)﴾ الآية [الأنعَام: ١٥٦]. وقِيلَ: هم أهلُ كتابٍ، فتَنْعَكِسُ الأحكامُ.

стр. 4364

(فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا غَيْرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ؛ فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وفيه مسألتان: الأُولى: قَطَعَ الخِرَقيُّ، وأبو بكرٍ، وابن أبي موسى، والقاضي، وجمهور أصحابه، والمؤلِّف في «الكافي»: أنَّه (١) لا يَحِلُّ لمسلمٍ نكاحُها؛ لأِنَّها مُتولِّدةٌ بَينَ مَنْ يَحِلُّ (٢) ومَنْ لا يَحِلُّ (٣)؛ كالمتولِّد بَينَ مأكولٍ وغيرِه. والثَّانية: بلى؛ لأِنَّها كتابيَّةٌ، فتَدخُل في العموم. وحَكَى ابنُ رَزِينٍ ثالثةً: أنَّها تَحِلُّ إذا كان أبوها كتابيًّا؛ لأِنَّ الوَلَدَ يُنسَبُ إليه. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هذا خطأٌ، وكلامُ أحمدَ يدلُّ على أنَّ العِبرةَ بالدِّين، وأنَّه لم يُعلِّقِ الحُكمَ بالنَّسب البتَّةَ (٤). وكذا ذَكَرَه القاضي في «تعليقه» ردًّا على الشَّافعيَّة أنَّ تحريمَ النِّكاح والذَّبيحة يتعلَّقُ بالدِّين دُونَ النَّسَب، والدِّين المُحرِّم مَوجودٌ، فكان الاعتبارُ به دُونَ النَّسب. وظاهِرُه أنَّه إذا كان أبواه غَيرَ كتابِيَّينِ فالتَّحريمُ، وهو المذْهَبُ، وقِيلَ عنه: لا، وجَزَمَ به في «المغني»، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين اعتبارًا بنفسه. وأما الثانية: فالصَّحيحُ أنَّها تَحِلُّ، رُوِيَ عن عمرَ (٥)

стр. 4365

وابنِ عبَّاسٍ (١)، قال الأثْرَمُ (٢): ما عَلِمْتُ أحدًا من الصَّحابة كَرِهَهُ إلاَّ عليًّا (٣)، ولأِنَّها كتابيَّةٌ فتَشمَلُها الآيةُ، ولأِنَّ بَنِي تَغْلِبَ يُقَرُّونَ على دينهم بِبَذْلِ المال، فتَحِلُّ نساؤهم كأهل الكتاب. والثَّانيةُ: لا، رُوِيَ عن عليٍّ، ولأِنَّه يَحتَمِلُ أنَّهنَّ دَخَلْنَ في دِينِ الكفر بَعْدَ التَّبديل. وقِيلَ: هما في بقيَّة اليهود والنَّصارى من العرب. فإنْ شَكَّ فيه؛ فالأَشْهَرُ: أنَّهما يَحرُمانِ. فرعٌ: لا يَنْكِحُ مجوسيٌّ كتابيَّةً، وقِيلَ: ولا كتابيٌّ مَجوسيَّةً. (وَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ - وَإِنْ كَانَ عَبْدًا - نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ)، رواهُ عن أحمدَ نحوُ عِشْرينَ نفسًا (٤)، قال أبو الخَطَّاب: هو قَولُ عامَّةِ أصحابنا؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، ولأِنَّه اجْتَمَع فيها نقصُ الرِّقِّ والكفرِ، أشْبَهَت المجوسيَّة، فإنَّه اجْتَمَع فيها الكفرُ وعدمُ الكتاب، وحِذارًا من اسْتِرْقاق الولد.

стр. 4366

(وَعَنْهُ: يَجُوزُ)؛ لأِنَّها تَحِلّ بملْكِ اليمين، فتَحِلُّ بالنِّكاح كالمسلمة، فَعَلَى هذا: تَحِلُّ للعبد مطلَقًا، وللحرِّ بشَرْطِه. وعلى الأوَّل: لا فَرْقَ فيها بَينَ أنْ تَلِدَ أوْ لا، ولا بَينَ أنْ تكون لِمُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ، صرَّح به القاضي في «تعليقه». (وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدَ طَوْلاً لِنِكَاحِ حُرَّةٍ)؛ أيْ: لَيس للحرِّ المسلِمِ أنْ يتزوَّجَ أمَةً مسلمةً إلاَّ بوجود شَرطَينِ: عَدَمِ الطَّول، وخَوفِ العَنَتِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً … (٢٥)﴾ الآية [النِّسَاء: ٢٥]، فشَرَطَهما تعالى لنكاحِ الأَمَة، والمعلَّقُ على شرطٍ عَدَمُ عندَ عَدَمِه، وكما إذا كان تحتَه (١) حرَّةٌ. والقَيدُ (٢) الأوَّلُ يُحتَرَزُ به من العبد، فإنَّ له نكاحَها من غَيرِ شرطٍ؛ لِتَساوِيهما. والثَّاني يُحترَزُ به عن الكافر. وقَيْدُ الأمةِ بكونها (٣) مسلمةً؛ احْتِرازٌ من الكافرة، فإنَّه لا يَجوزُ نكاحُها ولا مع الشَّرْطَينِ. والعَنَت فسَّره القاضِيانِ أبو يَعْلَى وأبو الحُسَينِ، والشِّيرازيُّ، والمؤلِّفُ بالزِّنى، وفسَّره المجْدُ: لحاجةِ المتعة أو الخِدْمة؛ لِكَبَرٍ أوْ سَقَمٍ، نَصَّ عليه (٤)، وجَعَلَه ابنُ حمدانَ قَولاً. والطَّولُ: قال أحمدُ تَبَعًا لاِبنِ عبَّاسٍ: السَّعةُ (٥).

стр. 4367

وعن ابن عبَّاسٍ: لَا يَجِدُ صداقَ حرَّةٍ (١)، وقاله القاضي في «المجرَّد»، وزاد عليه ابنُ عَقِيلٍ: ولا نَفَقَتَها. وزاد المؤلِّفُ تَبعًا لغَيرِه: (وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ)؛ لأِنَّ القادِرَ على ذلك غَيرُ خائفٍ العَنَتَ، ولأِنَّه قَدَرَ على صيانة وَلَدِه من الرِّقِّ، فهو كالقادِر على نكاحِ مُؤمِنةٍ، وإنْ (٢) شَرَطَ حُرِّيَّة الولد؛ صار حُرًّا، ذَكَرَه في «الرَّوضة»، وفي «إعْلامِ الموقِّعِينَ» (٣). وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يَجِدْ طَولاً لحرَّةٍ مسلِمةٍ، وَوَجَدَ طَولاً لحُرَّةٍ كتابيَّةٍ؛ أنَّ له نكاحَ الأَمَة، قاله في «الاِنتِصار»؛ لظاهِرِ الآية. وصرَّح الأكثرُ: بِعَدَمِ اشْتِراط الإسلام، فَمَنْ وَجَدَ طَولاً لحرَّةٍ مطلَقًا؛ لا يجوز له نكاحُ الأَمَة؛ لأِنَّه إِذنْ يأمَنُ (٤) العَنَت، فيَفوتُ الشَّرطُ، وتوقَّف أحمدُ في روايةِ حَرْبٍ (٥). وقد دخل في كلامه: المجْبوبُ ونَحوُه؛ له نكاحُ الأمة بشَرْطه، وأنَّ له

стр. 4368

نكاحَ الأَمَة الوَلودِ وإنْ وَجَدَ آيِسةً، صرَّح به القاضي وأبو الخَطَّاب في «خِلافَيهِما»، وعدم جوازِ نكاحها مع فَقْدِ شَرْطه وإنْ كانَتْ لا تَلِدُ لِصِغَرٍ أوْ رَتَقٍ ونحوهما. واقْتَضَى كلامُه: أنَّه إذا لم يَجِدْ ما يتزوَّج به حرَّةً؛ لم يَلزَمْه الاِقتِراضُ مع القدرة عليه، ولا التَّزوُّجُ بصداقٍ في الذِّمَّة وإنْ كان مُؤجَّلاً؛ دَفْعًا للضَّرَر عنه. ولو وُهِبَ له الصَّداقُ؛ لم يَلزَمْه قَبولُه، نَعَمْ، لو رَضِيَتْ بِدُونِ مَهرِ مِثْلِها، وهو قادِرٌ على ذلك؛ فاحْتِمالانِ للقاضي في «تعليقه». فلو وَجَدَ حُرَّةً بزيادةٍ على مَهْرِ مِثْلِها، لا تُجْحِفُ بماله؛ لَزِمَه للاِسْتِطاعةِ (١)، قاله المؤلِّفُ. ولا يَرِد التيمم على وجْهٍ؛ لأِنَّه رخصةٌ عامَّة، ونكاحُ الأَمَة للضَّرورة، وفي «الترغيب»: ما لم يُعَدَّ سَرَفًا. وحرةٌ لا تُوطَأُ لصِغَرٍ أوْ غَيبةٍ كعدمٍ في المنصوص (٢)، وكذا مريضةٌ. وفي «التَّرغيب» وجهانِ، وفيه: مَنْ نصفُها حرٌّ أَوْلَى مِنْ أَمَةٍ؛ لأِنَّ إرْقاقَ بعضِ الولد أَوْلَى من جميعه. فرعٌ: يُقبَلُ قَولُه في خشية العنت وعدمِ الطَّول، حتَّى لو كان بيده مال (٣)، فادَّعى أنَّه وديعةٌ أوْ مُضارَبةٌ قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّه حُكْمٌ فيما بَيْنَه وبَينَ الله تعالى. (وَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ حُرَّةً؛ فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ). إذا أيْسَرَ بَعْدَ نِكاحها؛ لم يَبطُلْ نكاحُ الأمة على المذهب المجزومِ به عندَ

стр. 4369

الأصحاب؛ لأِنَّ عَدَمَ اسْتِطاعة (١) الطَّول شَرطُ نكاحِ الأَمَة، فلم تُعتبَر اسْتِدامَتُه؛ كخَوفِ العَنَتِ. والثَّانيةُ: بلى؛ لأِنَّه إنَّما أُبِيحَ للحاجة، فإذا زالت؛ لم يَجُزْ له اسْتِدامتُه؛ كأكْلِ الميتة. وفرَّق بَينَهما في «المغْنِي»: من حَيثُ إنَّ أكْلَ الميتة بَعْدَ القدرة ابتداءٌ للأكل، بخلاف عادِمِ الطَّول فإنَّه غَيرُ مُبْتَدئ، وإنَّما هو مُستَدِيمٌ. وفي تزوُّج الحرَّة؛ يَنبَنِي على انفساخه (٢) باليسار وعدمه. وجَعَلَهما في «التَّرغيب» في زوالِ خَوفِ العنت. وفي «المنتخب»: يكون طلاقًا لا فسخًا، ونقله ابنُ منصورٍ إذا تزوَّج حرَّةً على أَمَةٍ: يكون طلاقًا للأَمَة؛ لقَول ابن عبَّاسٍ (٣)، قال أبو بكرٍ: مسألةُ إسْحاقَ مُفرَدةٌ. (وَإِنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً، فَلَمْ تُعِفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلاً لِحُرَّةٍ أُخْرَى؛ فَهَلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لَيسَ له ذلك، قال أحمدُ (٤): يَذهَبُ إلى حديث ابن عبَّاسٍ: «لا يَتزوَّجُ (٥) من الإماء إلاَّ واحدةً» (٦) ولأِنَّ تحتَه زَوجةً.

стр. 4370

والثَّانية: بلى، وهي المذهَبُ؛ لأِنَّه خائِفٌ العَنَتَ، عادِمٌ لِطَولِ حُرَّةٍ، أشْبَهَ مَنْ لا زوجةَ تحتَه. ثُمَّ أكَّده بقوله: (قَالَ الْخِرَقِيُّ: لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الْإِمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ قَائِمَيْنِ فِيهِ)؛ لأِنَّ المعنى الَّذي أُبِيحَ مِنْ أجْلِه نكاحُ الأَمَة الشَّرْطانِ، فإذا وُجِدا؛ وَجَبَ العَمَلُ بهما. وقد يُقالُ: له نِكاحُ الأربعِ دَفْعةً واحدةً إذا عَلِمَ أنَّها لا تُعِفُّه، صرَّح به القاضي في «المجرَّد»، وحَكَى الأوَّلَ عن أبي بكرٍ، وحَمَلَه في «الجامع الكبير» على ما إذا خَشِيَ العَنَتَ، وفسَّره هنا بما إذا كان تحتَه أمةٌ غائبةٌ أوْ مريضةٌ أوْ نَحوُهما. (وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ)، وإنْ فَقَدَ الشَّرطَينِ؛ لأِنَّه مساوٍ لها، فلم يُعتبَرْ؛ كالحرِّ مع الحرَّة، ومُدبَّرٌ كذلك، وكذا مُكاتَبٌ، ومُعتَقٌ بعضُه، مع أنَّ العلة تَقتَضِي (١) المنْعَ فيهما أو في المعتَق بعضُه. (وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): المذهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»: له ذلك؛ للمساواة، وكالحرِّ مع الحرَّة. والثَّانيةُ: لا؛ لأِنَّه مالِكٌ لِبُضْعِ حرَّةٍ، فلم يَجُزْ كالحرِّ. (وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا)؛ أيْ: بَينَ الحرَّة والأَمَة (فِي الْعَقْدِ؛ جَازَ)؛ لأِنَّ كلَّ واحدةٍ منهما يجوز إفرادُها بالعقد؛ فجاز الجَمْعُ بَينَهما؛ كالأَمَتَينِ. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ لَا يَجُوزَ)، هذا روايةٌ؛ لأِنَّه جَمْعٌ، أشْبَهَ ما لو تزوَّج الأمةَ على الحرَّة. ونَقَلَ ابنُ منصور: يصحُّ في الحرَّة فقط (٢)، وقدَّمه في «المحرَّر».

стр. 4371

وفي «الموجز»: في عبدٍ روايةٌ عَكْسها، وكذا في «التبصرة»؛ لفَقْدِ الكفاءة، وأنَّه لو لم يُعتبَرْ؛ صحَّ فيهما، وهو روايةٌ في «المُذهب». فَرعٌ: وكتابيٌّ، وفي «الوسيلة»: ومجوسيٌّ، وفي «المجموع»: وكلُّ كافِرٍ؛ كمسلِمٍ في نكاح أمةٍ، قال في «الترغيب» وغَيره: فإن اعتُبِر فيه الإسلامُ؛ اعتُبر في الكتابيِّ كونُها كتابيَّةً. (وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ)، بالإجماع (١)؛ لأِنَّ أحكامَ الملك والنِّكاح مُتَناقِضانِ. (وَلَا لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ)؛ لأِنَّ ملْكَ الرَّقبة تُفيدُ (٢) إباحةَ البُضْع، فلا يَجتَمِعُ مع عَقْدٍ أضْعَفَ منه. (وَلَا أَمَةَ ابْنِهِ)، دُونَ أَمَةِ والده في الأصحِّ فيهما؛ لأِنَّ له فيه شبهةَ ملْكٍ؛ لقوله ﵇: «أنتَ ومالُكَ لأِبِيكَ» (٣)، وفيه وَجْهٌ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يَجوزُ أنْ يتزوَّجَ أمةً له فيها ملْكٌ، ولا مُكاتَبَتَه. (وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ)؛ لأِنَّ الرِّقِّ قَطَعَ وِلايَتَه عن ابنه وماله، فهو أجنبيٌّ منه. ويَصِحُّ نكاحُ أمَةٍ من بيت المال، مع أنَّ فيه شبهةً تُسقِط (٤) الحدَّ، لكِنْ لا يَجعَلُ الأمَةَ أمَّ ولدٍ، ذَكَرَه في «الفنون». فرعٌ: لا يَجوزُ للعبد نكاحُ أمِّ سيِّده أوْ سيِّدتِه، خِلافًا لأهل العراق. (وَإِنِ اشْتَرَى (٥)، وعبَّر في «الفروع» بِ: (مَلَكَ)، وهو أَوْلى، (زَوْجَتَهُ؛

стр. 4372

انْفَسَخَ نِكَاحُهَا)، لا نَعلَمُ فيه خلافًا (١)؛ لِمُنافاة الحُكْمَينِ، ولأِنَّ النِّكاحَ يُوجِبُ للمرأة حقوقًا تَمنَعها من القَسم، فانفسخ بالملك؛ لأِنَّه اجتمع معه ما لا يُوافِقُه. وكذا إنْ مَلَكَ جزءًا منها، أو مَلَكَتْه هي؛ أو جزءًا منه، وفي الأصحِّ: أو مكاتَبِه. وفي «الشَّرح»: إذا مَلَكَتْ بعضَ زوجها، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ فلَيسَ ذلك طلاقًا، وقال جماعةٌ: هي تطليقةٌ، ولا يَصِحُّ. (وَإِنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: يَنفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأِنَّ ملْكَ الاِبن كملْكه في إسْقاطِ الحدِّ وحرمةِ الاِسْتِيلاد، فكذا هذا. والثَّاني: لا؛ لأِنَّه لا يَمْلِكُها بملْك (٢) الابن، فلم يَنفَسِخْ نكاحُها، كما لو مَلَكَها أجنبيٌّ. فلو بَعثَتْ إليه زوجتُه: حَرُمْتُ عليك ونكحتُ غيرَك، وعليك نَفَقَتِي ونفقةُ زوجي؛ فقد مَلَكَتْ زَوجَها، وتزوَّجت ابنَ عمِّها. فلو قِيلَ: مَلَكَتْ زَوْجَها، وتزوَّجتْ مُعتَقَها، فإذا لم يكن لها مالٌ، وكان للعبد كَسْبٌ؛ أنْفَقَ عليهما منه؛ لأِنَّ المرأةَ إذا كان لها مُعتَقٌ ولَيسَ له نفقةٌ، فنفقتُه على مُعتِقَتِه؛ لأِنَّها عصبتُه. فرعٌ: إذا اشْتَبَهت أختُه بتسع نسوةٍ فأقلَّ؛ حَرُمْنَ عليه قَبْلَ البيان. وكذا إنْ كان بعشرةٍ، وقيل: يتحرَّى. فإنْ كانت بنساءِ قبيلةٍ؛ فله نكاح إحداهنَّ، وفي وجوبِ التَّحرِّي وجهانِ.

стр. 4373

وفي «الشَّرح»: أنَّ حنبلاً نَقَلَ عنه في رجلٍ له ثلاثُ بناتٍ، زوَّج إحداهنَّ برجلٍ، ثُمَّ مات الأبُ، ولم يُعلَمْ أيَّتهنَّ زَوَّجَها؛ أُقرِع بَينهنَّ، فمَن أصابتها القرعةُ فهي زوجتُه، وإنْ مات الزَّوجُ فهي الَّتي تَرِثُه. انتهى. وإن اشتبهتْ مطلَّقتُه دُونَ الثَّلاث بزوجته، أو أمته بمعتقته (١)؛ تحرَّى في الأصحِّ. (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ؛ فَهَلْ يَصِحُّ فِيمَنْ تَحِلُّ لَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «الفروع»: إحداهما: يَفسُدُ فيهما، اختاره أبو بكرٍ؛ كما لو جَمَعَ بَينَ أختَينِ. والثَّانية: يصحُّ (٢) فيمَنْ تَحِلُّ له، ونَصَّ عليه فيمَن تزوَّج حرَّةً وأَمَةً (٣)، وهي ظاهِرُ المذهب؛ لأِنَّها محلٌّ قابِلٌ للنِّكاح، أضيف إليها عَقْدٌ صادِرٌ من أهله، لم يَجتمِع معها فيه مثلُها، فصحَّ؛ كما لو انفردت (٤) به. فعلى هذا: يكون لها من المسمَّى بقِسْطِ مهرِ مثلِها، وقيل: لها نصفُ المسمَّى. (وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا؛ حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ) في قَولِ أكثرهم؛ لأِنَّ النِّكاحَ إذا حرُم؛ لكونه طريقًا إلى الوطء؛ فَلَأنْ يَحرُمَ الوطْءُ بنفسه بطريق الأَوْلى. وجوَّزه الشَّيخُ تقيُّ الدِين؛ كأمةٍ كتابيَّةٍ (٥). (إِلاَّ إِمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ)، في قَولِ عامَّتهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ

стр. 4374

أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣]، وإنَّما حَرُم نكاحُها؛ لِمَا فيه من إرْقاقِ الولد وإبْقائِه مع كافرةٍ، وهو معدومٌ في التَّسرِّي، وكَرِهَه الحَسَنُ.

стр. 4375

(فَصْلٌ) (وَلَا يَحِلُّ)؛ أيْ: لا يَصِحُّ (نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ)، نَقَلَه الميمونيُّ (١)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّه لم يتحقَّق جهة ما يُبيحُ له النِّكاح، فلم يُبَحْ (٢) له؛ كما لو اشْتَبَهت أختُه بأجنبيَّةٍ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ؛ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ)، اختاره القاضي في الرِّوايتَينِ؛ لأِنَّ الله تعالى أجرى العادةَ في الحيوانات بمَيلِ الذَّكر إلى الأنثى، وبالعكس، وهذا المَيلُ في النَّفْس لا يَطَّلِعُ عليه غَيرُه، فرُجِعَ فيه إلَيهِ؛ لتعذُّر معرفته من غَيرِه، كما رُجِع إلى المرأة في حَيضها وعِدَّتها، وهذا في الأمور الباطنة فيما يَختَصُّ بحُكمه، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَعْدُ)؛ لأِنَّه أقرَّ بتحريمه، ولأِنَّه إذا ادَّعى غَيرَ الأوَّل؛ يكون مُكذِّبًا لنفسه، مُدَّعيًا دَعوى تُناقِضُ قَولَه الأوَّل، فلم يُلتَفَتْ إليه؛ كالإنكار بعدَ الإقرار. (وَإِنْ قَالَ: أَنا امْرَأَةٌ؛ لَمْ يَنْكِحْ إِلاَّ رَجُلاً)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: أَنَا امْرَأَةٌ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُ)؛ لِإقْراره ببُطْلانه، ولَزِمَه نصفُ المهر قَبْلَ الدُّخول، وإلاَّ جميعُه، ولا يَحِلُّ له أنْ يَنْكِحَ بعد ذلك؛ لأِنَّه أقرَّ بقوله: أنا رجلٌ بتحريمِ الرِّجال، وأنا امرأةٌ بتحريم النِّساء. (وَلَوْ تَزَوَّجَ بِرَجُلٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ)؛ لأِنَّ النِّكاحَ حقٌّ عليه، فلا يُقبَلُ قَولُه في إسْقاطِ حقِّ الغَير، فإذا زال النِّكاحُ؛ فلا مَهْرَ؛ لأِنَّه يُقِرُّ أنَّه لا يَستَحِقُّه، سَواءٌ دخَلَ بها أوْ لا. وفي «المحرَّر»: إنْ عاد عن قَوله الأوَّلِ، ولَيسَ بمتزوِّجٍ؛ مُنِعَ نكاحَ

стр. 4376

الصِّنفَينِ بالكُلِّيَّة عندي، وظاهِرُ قَولِ أصحابنا: لا يُمنَعُ من الصِّنف الأوَّل إنْ عاد إليه، وإنْ عاد أوَّلاً وقد نَكَحَ؛ انْفَسَخَ نكاحُه من المرأة دُونَ الرَّجل، وفي نكاحه لِمَا يَستقْبِلُ الوجْهانِ. فائدةٌ: لا يَحرُم في الجنَّة زيادةٌ على العدد، والجَمْعُ بَينَ المحارِم وغيرُه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١).

стр. 4377

(بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ) (وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ)، وفاسِدٌ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فانْقَسَمَ إلى ذلك؛ كالبيع. والأوَّل نَوعانِ: أحدهما: شَرْطُ ما يَقتَضِيهِ العقدُ؛ كتسليم المرأة، وتمكينه من الاِسْتِمْتاع بها، فهذا لا أثَرَ له، وجودُه كالعدم. والثَّاني: شَرْطُ ما تَنتَفِعُ به المرأةُ، وهو المعبَّرُ عنه بقوله: (مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ، أَوْ نَقْدٍ (١) مُعَيَّنٍ)، فهذا صحيحٌ يَجِبُ الوَفاءُ؛ كالثَّمَن في البيع. (أَوْ) شَرْطِ (أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، أَوْ بَلَدِهَا)، هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ؛ لِمَا رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ مرفوعًا قال: «إنَّ أحقَّ الشُّروط أنْ تُوفُوا به؛ ما اسْتَحْلَلْتُم به الفُروجَ» رواهُ الشَّيخانِ (٢)، ولِعُموماتِ الأمْرِ بالوَفاء بالعُقود والعُهود، ولأِنَّ الشَّارِعَ حرَّم مالَ الغَير إلاَّ عن تَراضٍ منه، ولا شكَّ أنَّ المرأةَ إذا لم تَرْضَ ببذلِ فرْجها إلاَّ بهذا الشَّرطِ، وشأن الفرْجِ أعظمُ من المال، فإذا حرُمَ المالُ إلاَّ بالتَّراضِي، فالفَرْجُ أَوْلَى، مع أنَّ الأثرمَ رَوَى: أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثُمَّ أراد نَقْلَها، فخاصَموهُ إلى عمرَ، فقال: «لها شَرْطُها» (٣).

стр. 4378

وعنه: لا يَلزَمُ، وحكاها أبو الحُسَين عن شَيخه؛ لقوله ﵇: «كلُّ شَرْطٍ لَيس في كتاب الله؛ فهو باطِلٌ» (١)، وعن عَمرِو بنَ عوفٍ: «المسلِمونَ عندَ شُروطهم، إلاَّ شَرطًا حرَّم حلالاً، أوْ أحلَّ حرامًا» رواه التِّرمِذِيُّ، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ (٢). وجوابُه: بأنَّ معناه: «ليس في كتاب الله»؛ أيْ: في حُكْمه وشَرْعه، وهذه مشروعةٌ، ومَنْ نَفاهُ فعليه الدَّليلُ، وعن الثَّاني: بأنَّها لا تُحرِّم الحلالَ، وإنَّما يَثبُت للمرأة خيارُ الفسخ. وقال القاضي في «الجامع»: يَثبُتُ لها الفسخُ بالعزم على الإخراج. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ هو قَولُ عمرَ (٣)، وسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ (٤)، ومُعاوِيةَ، وعمرِو بنِ العاصِ (٥)، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عصرهم، فكان كالإجماع. (أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى؛ فَهَذَا صَحِيحٌ)؛ لقَولِ عمرَ: «مَقاطِعُ

стр. 4379

الحقوق عندَ الشُّروط» (١)، ولأِنَّه شَرْطٌ لها (٢) فيه منفعةٌ؛ كاشْتِراط نَقْدٍ مُعيَّنٍ؛ (لَازِمٌ إِنْ وَفَّى بِهِ، وَإِلاَّ فَلَهَا الْفَسْخُ)؛ كاشْتِراطِ صفةٍ في المبيع؛ ككونه كاتِبًا أوْ صانِعًا. ومُقتَضَى كلامِ أصحابنا: أنَّ الزَّوجَ لا يجبَرُ على الوفاء بالشَّرط، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُه. تنبيهٌ: ظاهِرُ إطْلاقِ المؤلِّفِ، وذَكَره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ظاهرَ (٣) المذهب، ومَنصوصَ الإمام: أنَّه كالشَّرْط فيه (٤)؛ لأِنَّ الأمْرَ بالوفاء بالشُّروط والعُقود يَتناوَلُ ذلك. والثَّاني: لا يُؤثِّرُ إلاَّ إذا اشْتُرِطَتْ في العَقْد، وهو مُقتَضَى كلامِ القاضي في مَواضِعَ، واختاره في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كالشُّروط. والثَّالثُ: يُفرَّقُ بَينَ شَرْطٍ يَجعَلُ العَقْدَ غَيرَ مَقصودٍ، كالتَّواطُؤِ على أنَّ البَيعَ تَلْجِئةٌ لا حقيقةَ له، فيُؤثِّرُ، وبَينَ شَرْطٍ لا يُخرِجُه عن أنْ يكونَ مقصودًا؛ كاشْتِراطِ الخيارِ، فهذا لا يُؤثِّرُ، قاله القاضي في «تعليقه». (وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا؛ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ)، وهو روايةٌ، ذَكَرَه جماعةٌ، وجَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأِنَّ لها فيه نَفْعًا وفائدةً، أشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ أنْ لا يَتزَوَّجَ عَلَيها. لكِنْ قال المؤلِّفُ: (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ)، هذا قَولٌ في المذهَب؛ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا،

стр. 4380

وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَها») رواه البخاريُّ من حديثِ أبي هُرَيرةَ (١)، والأشَهَرُ: مِثلُه بَيعُ أَمَتِه. قال في «عيون المسائل» وغيرها: إذا شَرَطَتْ أنْ (٢) يُسافِرَ بها إذا أرادت انْتِقالاً؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه اشْتِراطُ تصرُّفٍ في الزَّوج بحُكْمِ عقدِ النِّكاح، وذلك لا يَجوزُ، كما لو شَرَطَتْ أنْ تَستَدْعِيَه إلى النِّكاح وَقْتَ حاجَتِها وإرادتها، وهنا شَرَطَتِ التَّسليمَ على نفسها في مكانٍ مخصوص، فاقْتَصرتْ بالشَّرط في تصرُّفه فيها على بعضِ ما تَستَحِقُّه من التَّصرُّف بإطلاق العقد، وذلك غَيرُ ممتَنِعٍ، كما بيَّنَّا أنَّ الشَّرعَ قَصَرَ تصرُّفَه على مكانٍ وعددٍ، فلا يَخُصُّ الشَّرعُ الزَّوجةَ بالتَّصرُّف في الزَّوج. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: لا تَبعُد صحَّتُه، وأنَّه يُخرَّج من شَرطِها طَلاقَ ضرَّتها. أصلٌ: ذَكَرَ الشَّيخُ شمسُ الدِّين بنُ القَيِّمِ (٣) في «الهَدْيِ» في قصَّة هاشِمِ (٤) ابنِ المغيرةِ لَمَّا استأْذَنوا أنْ يُزوِّجُوا عليَّ بنَ أبي طالِبٍ ابنةَ أبي جَهْلٍ، قال فيه: إنَّه تَضمَّنَ هذا مسألةَ الشَّرْطِ؛ لأِنَّه ﵇ أخبر أنَّه يُؤذِي فاطمةَ، ويُريبُها، ويُؤذِيهِ ويُريبهُ (٥)، وأنَّه معلومٌ إنَّما زوَّجه على عَدَمِ ذلك، وأنَّه إنَّما دخل عليه وإن لم يشترط في العقد. وفي ذِكْرِه ﵇ صِهْرَه الآخَرَ بأنَّه حدَّثه فصَدَقَه، ووعَدَه فَوفَّى له؛ تعريضٌ لعليٍّ، وأنَّه قد جرى منه وعدٌ له بذلك، فحثَّه عليه.
следующие страницы →