← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

الصِّنفَينِ بالكُلِّيَّة عندي، وظاهِرُ قَولِ أصحابنا: لا يُمنَعُ من الصِّنف الأوَّل إنْ عاد إليه، وإنْ عاد أوَّلاً وقد نَكَحَ؛ انْفَسَخَ نكاحُه من المرأة دُونَ الرَّجل، وفي نكاحه لِمَا يَستقْبِلُ الوجْهانِ. فائدةٌ: لا يَحرُم في الجنَّة زيادةٌ على العدد، والجَمْعُ بَينَ المحارِم وغيرُه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١).

стр. 4377

(بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ) (وَهِيَ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ)، وفاسِدٌ؛ لأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فانْقَسَمَ إلى ذلك؛ كالبيع. والأوَّل نَوعانِ: أحدهما: شَرْطُ ما يَقتَضِيهِ العقدُ؛ كتسليم المرأة، وتمكينه من الاِسْتِمْتاع بها، فهذا لا أثَرَ له، وجودُه كالعدم. والثَّاني: شَرْطُ ما تَنتَفِعُ به المرأةُ، وهو المعبَّرُ عنه بقوله: (مِثْلُ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ، أَوْ نَقْدٍ (١) مُعَيَّنٍ)، فهذا صحيحٌ يَجِبُ الوَفاءُ؛ كالثَّمَن في البيع. (أَوْ) شَرْطِ (أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا، أَوْ بَلَدِهَا)، هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ؛ لِمَا رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ مرفوعًا قال: «إنَّ أحقَّ الشُّروط أنْ تُوفُوا به؛ ما اسْتَحْلَلْتُم به الفُروجَ» رواهُ الشَّيخانِ (٢)، ولِعُموماتِ الأمْرِ بالوَفاء بالعُقود والعُهود، ولأِنَّ الشَّارِعَ حرَّم مالَ الغَير إلاَّ عن تَراضٍ منه، ولا شكَّ أنَّ المرأةَ إذا لم تَرْضَ ببذلِ فرْجها إلاَّ بهذا الشَّرطِ، وشأن الفرْجِ أعظمُ من المال، فإذا حرُمَ المالُ إلاَّ بالتَّراضِي، فالفَرْجُ أَوْلَى، مع أنَّ الأثرمَ رَوَى: أنَّ رجلاً تزوَّج امرأةً، وشَرَطَ لها دارَها، ثُمَّ أراد نَقْلَها، فخاصَموهُ إلى عمرَ، فقال: «لها شَرْطُها» (٣).

стр. 4378

وعنه: لا يَلزَمُ، وحكاها أبو الحُسَين عن شَيخه؛ لقوله ﵇: «كلُّ شَرْطٍ لَيس في كتاب الله؛ فهو باطِلٌ» (١)، وعن عَمرِو بنَ عوفٍ: «المسلِمونَ عندَ شُروطهم، إلاَّ شَرطًا حرَّم حلالاً، أوْ أحلَّ حرامًا» رواه التِّرمِذِيُّ، وقال: حَسَنٌ صحيحٌ (٢). وجوابُه: بأنَّ معناه: «ليس في كتاب الله»؛ أيْ: في حُكْمه وشَرْعه، وهذه مشروعةٌ، ومَنْ نَفاهُ فعليه الدَّليلُ، وعن الثَّاني: بأنَّها لا تُحرِّم الحلالَ، وإنَّما يَثبُت للمرأة خيارُ الفسخ. وقال القاضي في «الجامع»: يَثبُتُ لها الفسخُ بالعزم على الإخراج. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ هو قَولُ عمرَ (٣)، وسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ (٤)، ومُعاوِيةَ، وعمرِو بنِ العاصِ (٥)، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عصرهم، فكان كالإجماع. (أَوْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى؛ فَهَذَا صَحِيحٌ)؛ لقَولِ عمرَ: «مَقاطِعُ

стр. 4379

الحقوق عندَ الشُّروط» (١)، ولأِنَّه شَرْطٌ لها (٢) فيه منفعةٌ؛ كاشْتِراط نَقْدٍ مُعيَّنٍ؛ (لَازِمٌ إِنْ وَفَّى بِهِ، وَإِلاَّ فَلَهَا الْفَسْخُ)؛ كاشْتِراطِ صفةٍ في المبيع؛ ككونه كاتِبًا أوْ صانِعًا. ومُقتَضَى كلامِ أصحابنا: أنَّ الزَّوجَ لا يجبَرُ على الوفاء بالشَّرط، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُه. تنبيهٌ: ظاهِرُ إطْلاقِ المؤلِّفِ، وذَكَره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ظاهرَ (٣) المذهب، ومَنصوصَ الإمام: أنَّه كالشَّرْط فيه (٤)؛ لأِنَّ الأمْرَ بالوفاء بالشُّروط والعُقود يَتناوَلُ ذلك. والثَّاني: لا يُؤثِّرُ إلاَّ إذا اشْتُرِطَتْ في العَقْد، وهو مُقتَضَى كلامِ القاضي في مَواضِعَ، واختاره في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كالشُّروط. والثَّالثُ: يُفرَّقُ بَينَ شَرْطٍ يَجعَلُ العَقْدَ غَيرَ مَقصودٍ، كالتَّواطُؤِ على أنَّ البَيعَ تَلْجِئةٌ لا حقيقةَ له، فيُؤثِّرُ، وبَينَ شَرْطٍ لا يُخرِجُه عن أنْ يكونَ مقصودًا؛ كاشْتِراطِ الخيارِ، فهذا لا يُؤثِّرُ، قاله القاضي في «تعليقه». (وَإِنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا؛ فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ)، وهو روايةٌ، ذَكَرَه جماعةٌ، وجَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأِنَّ لها فيه نَفْعًا وفائدةً، أشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ أنْ لا يَتزَوَّجَ عَلَيها. لكِنْ قال المؤلِّفُ: (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ)، هذا قَولٌ في المذهَب؛ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِئَ مَا فِي صَحْفَتِهَا،

стр. 4380

وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَها») رواه البخاريُّ من حديثِ أبي هُرَيرةَ (١)، والأشَهَرُ: مِثلُه بَيعُ أَمَتِه. قال في «عيون المسائل» وغيرها: إذا شَرَطَتْ أنْ (٢) يُسافِرَ بها إذا أرادت انْتِقالاً؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه اشْتِراطُ تصرُّفٍ في الزَّوج بحُكْمِ عقدِ النِّكاح، وذلك لا يَجوزُ، كما لو شَرَطَتْ أنْ تَستَدْعِيَه إلى النِّكاح وَقْتَ حاجَتِها وإرادتها، وهنا شَرَطَتِ التَّسليمَ على نفسها في مكانٍ مخصوص، فاقْتَصرتْ بالشَّرط في تصرُّفه فيها على بعضِ ما تَستَحِقُّه من التَّصرُّف بإطلاق العقد، وذلك غَيرُ ممتَنِعٍ، كما بيَّنَّا أنَّ الشَّرعَ قَصَرَ تصرُّفَه على مكانٍ وعددٍ، فلا يَخُصُّ الشَّرعُ الزَّوجةَ بالتَّصرُّف في الزَّوج. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: لا تَبعُد صحَّتُه، وأنَّه يُخرَّج من شَرطِها طَلاقَ ضرَّتها. أصلٌ: ذَكَرَ الشَّيخُ شمسُ الدِّين بنُ القَيِّمِ (٣) في «الهَدْيِ» في قصَّة هاشِمِ (٤) ابنِ المغيرةِ لَمَّا استأْذَنوا أنْ يُزوِّجُوا عليَّ بنَ أبي طالِبٍ ابنةَ أبي جَهْلٍ، قال فيه: إنَّه تَضمَّنَ هذا مسألةَ الشَّرْطِ؛ لأِنَّه ﵇ أخبر أنَّه يُؤذِي فاطمةَ، ويُريبُها، ويُؤذِيهِ ويُريبهُ (٥)، وأنَّه معلومٌ إنَّما زوَّجه على عَدَمِ ذلك، وأنَّه إنَّما دخل عليه وإن لم يشترط في العقد. وفي ذِكْرِه ﵇ صِهْرَه الآخَرَ بأنَّه حدَّثه فصَدَقَه، ووعَدَه فَوفَّى له؛ تعريضٌ لعليٍّ، وأنَّه قد جرى منه وعدٌ له بذلك، فحثَّه عليه.

стр. 4381

قال: فيؤخَذُ من هذا: أنَّ المشروطَ عُرْفًا كالمشروط لَفْظًا، وأنَّ عدَمه يُملَكُ به الفَسْخٌ، فقَومٌ لا يُخرِجون نساءَهم من ديارهم، أو المرأةُ من بيتٍ لا يتزوَّجُ الرَّجلُ على نسائهم ضَرَّةً، ويَمنَعون الأزواجَ منه، أو يُعلَمُ (١) عادةً أنَّ المرأةَ لا تمكِّنُ من إدخال الضَّرَّة عليها؛ كان ذلك كالمشروط لَفْظًا، وهذا مُطَّرِدٌ على قواعد أهل المدينة، وأحمد: أنَّ الشَّرطَ العُرْفِيَّ كاللَّفظيِّ، وبهذا أَوْجَبوا الأجرةَ على مَنْ دَفَعَ ثَوبَه إلى قصَّارٍ، المسألةُ المشهورةُ. فرعٌ: متى بانَتْ من زَوجها؛ فلا حقَّ لها في الشَّرط، نقل أبو الحارث: وإنْ أعْطَتْه مالاً، واشْتَرَطَتْ عليه أنْ لا يتزوَّجَ عليها: يَرُدُّ عليها المالَ إذا تزوَّج، وأنَّه لو دَفَعَ إليها مالاً على أنْ لا تَتَزوَّجَ بعدَ مَوتِه، فتزوَّجَتْ: ترُدُّ المالَ إلى ورثته (٢).

стр. 4382

(فَصْلٌ) (الْقِسْمُ الثَّانِي: فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ): (أَحَدُهَا: مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ؛ نِكَاحُ الشِّغَارِ)، قِيلَ: سُمِّيَ به؛ لِقُبْحِه، تشبيهًا بِرَفْع الكلب رِجْلَه لِيَبولَ، يُقالُ: شَغَرَ الكلبُ، إذا فَعَلَ ذلك، وقِيلَ: هو الرَّفْعُ، كأنَّ كلَّ واحِدٍ رَفَعَ رِجْلَه للآخَر عمَّا يُريدُ، وقِيلَ: هو البُعْدُ، كأنَّه بَعُدَ عن طريق الحقِّ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الأظْهَرُ أنَّه من الخُلُوِّ، يُقالُ: شَغَرَ المكانُ إذا خلا، ومكانٌ شاغِرٌ؛ أيْ: خالٍ، وشَغَرَ الكلبُ: إذا رَفَعَ رجله؛ لأنَّه أخْلى ذلك المكانَ من رِجْلِه (١). وقد فسَّره الإمامُ أحمدُ: بأنَّه فَرْجٌ بفَرْجٍ (٢)، فالفُروجُ كما لا تُوهَبُ ولا تُورَثُ (٣)، فَلَأَنْ لا يُعارَضَ (٤) بُضْعٌ بِبُضْعٍ أَوْلَى، ولأِنَّه جَعَلَ كلَّ واحِدٍ من العَقْدَينِ سَلَفًا في الآخَر، فلم يَصِحَّ، كبِعْتُك ثَوبِي بمائةٍ على أنْ تَبِيعَنِي ثَوبَكَ بمائةٍ. (وَهُوَ: أَنْ يُزَوِّجَهُ وَلِيَّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآْخَرُ وَلِيَّتَهُ، وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا)، فهذا باطِلٌ؛ لِمَا رَوَى نافِعٌ، عن ابن عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن الشِّغار، والشِّغارُ: أنْ يُزوِّجَ الرَّجلُ ابنتَه على أنْ يُزوِّجَه ابنته (٥) ولَيسَ بَينَهما صداقٌ»

стр. 4383

متَّفقٌ عليه (١)، وأبو داودَ جَعَلَ تفسيرَه من كلامِ نافعٍ (٢)، وعن ابن عمرَ مرفوعًا، قال: «لا شِغارَ في الإسلام» رواه مسلمٌ (٣)، ورُوِيَ نحوُه من حديث عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٤)، وأنَسٍ (٥)، وجابِرٍ (٦)، والنَّهيُ يَدُلُّ على الفساد، والنَّفيُ لنفيِ الحقيقة الشَّرعيَّة، ويُؤيِّده فِعْلُ الصَّحابة، قال أحمدُ: رُوِيَ عن عمرَ وزَيدٍ: «أنَّهما فرَّقا فيه» (٧). وخرَّج أبو الخَطَّاب وجمعٌ روايةً: بِبطلانِ الشَّرط، وصحَّةِ العقد، من نصِّه في روايةِ الأثرمِ: إذا تزوَّجَها بشَرطِ الخِيار، أوْ إنْ جاءَها بالمهر في وَقْتِ كذا، وإلاَّ فلا نكاحَ: أنَّ النِّكاحَ جائزٌ، والشَّرطَ باطلٌ (٨)؛ إذْ فَسادُ التَّسمية لا يُوجب فسادَ العقد، كما لو تزوَّجها على خمرٍ ونحوِه، فعلى هذا: يَجِبُ مَهْرُ المثل. (فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا) مستَقِلًّا غَيرَ قليلٍ حيلةً؛ (صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ (٩)، وعليه أكثرُ الأصحاب؛ لحديثِ ابنِ عمرَ؛ إذ التَّفسيرُ إنْ كان من النَّبيِّ ﷺ ؛ فظاهِرٌ،

стр. 4384

وإنْ كان من نافِعٍ؛ فهو راوي الحديث، وقد فسَّره بما لا يُخالِفُ ظاهِرَه، فيُتْبَعُ. وقِيلَ: يَصِحُّ بمَهْر المثل. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ) وأبو بكرٍ في «الخلاف»، وحكاه في «الجامع» روايةً: أنَّه (لَا يَصِحُّ)؛ لِمَا رَوَى عبدُ الرحمن بنُ هُرْمُزَ الأعرجُ: أنَّ العبَّاسَ بنَ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ أَنْكَحَ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الحَكَم ابنتَه، وأنْكَحَه عبدُ الرَّحمن ابنتَه، وقد كانا جَعَلَا صَداقًا، فكتَبَ مُعاوِيةُ إلى مَرْوانَ بنِ الحَكَمِ يأمُرُه بالتَّفريق بَينَهما، وقال: «هذا الشِّغارُ الذي نهى عنه النَّبيُّ ﷺ » رواه أحمدُ وأبو داودَ (١). وجوابُه: بأنَّ أحمدَ ضعَّفه من قِبَلِ ابنِ إسحاقَ، وبأنَّه يُحمَلُ على أنَّهما كانا جَعَلَا صداقًا قليلاً حيلةً. وحَكَى المجْدُ قَولاً، وصحَّحه: أنَّه لا يَصِحُّ مع قوله: وبُضْعُ (٢) كلِّ واحِدةٍ مَهرُ الأخرى فقط؛ للتَّصريح بالتَّشريك المقتَضِي للبطلان، وقد صرَّح القاضي، وابن عَقِيلٍ، والمؤلِّفُ أنَّه متى صرَّح بالتَّشريك لا يَصِحُّ قَولاً واحدًا، فهذه الصُّورة عندهم مُخْرَجةٌ من محلِّ الخلاف. وظاهِرُ كلامِ ابنِ الجَوزيِّ: يَصِحُّ معه بتسميةٍ (٣). وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وجْهًا اختاره: أنَّ بطلانَه لاِشْتِراطِ عَدَمِ المهر (٤). ومتى قلنا بصحَّة العقد إذا سمَّيَا صداقًا؛ فقيل: تَفسُدُ التَّسميةُ، ويَجِبُ

стр. 4385

مَهْرُ المثل، وقِيلَ: يَجِبُ المسمَّى، وهو المذهَبُ. فإنْ (١) سمَّى لأحدهما صداقًا دُونَ الأخرى؛ فَسَدَ نكاحُهما عند أبي بكرٍ، والأَولَى: أنَّه يَفسدُ في التي لم يُسَمَّ لها صداقًا، وفي الأخرى روايتان. مسألةٌ: إذا قال: زوَّجتُكَ جاريَتِي هذه على أنْ تُزوِّجَني ابنتَك، وتكون (٢) رقبتُها صداقًا لاِبنَتِك؛ لم يصحَّ تزويجُ الجارية. وإذا زوَّج ابنتَه على أنْ يَجعَلَ رقبةَ الجاريةِ صداقًا لها؛ صحَّ. وإنْ زوَّج عبدَه امرأةً، وجَعَلَ رقبتَه صداقًا لها؛ صحَّ النِّكاح، وَوَجَبَ مَهْرُ المثل. (وَالثَّانِي: نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ)، وهو حرامٌ باطِلٌ في قَولِ عامَّة العلماء، (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَحَلَّهَا) للأوَّل (طَلَّقَهَا)، أوْ فلا نكاحَ بَينَهما، أو زوَّجْتُكها إلى أنْ تَطَأَها؛ لِمَا رَوَى ابنُ مَسعودٍ قال: «لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له» رواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، والتِّرمِذِيُّ وصحَّحه (٣)، وعن عليٍّ مِثلُه، رواه الخمسةُ إلاَّ النَّسائيَّ (٤)، وعن أبي هريرةَ كذلكَ، رواه

стр. 4386

أحمدُ (١)، وعن عقبةَ بنِ عامِرٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ (٢): «ألَا أخْبِركم بالتَّيس المسْتَعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلِّلُ»، لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المحلِّلَ والمحلَّلَ له. رواه ابن ماجَهْ (٣)، وهو ﵇ لا يَلعَنُ على فِعْلٍ جائِزٍ، فدلَّ ذلك على تحريمه وفسادِه، وتسميته محلِّلاً؛ لقَصْده الحِلَّ في مَوضِعٍ لا يَحصُل فيه (٤) الحِلُّ، كقوله ﵇: «ما آمَنَ بالقرآن من اسْتَحَلَّ مَحارِمَه» (٥)،

стр. 4387

وعن جابِرٍ (١) قال: سمعتُ عمرَ يَخطُبُ وهو يقول: «والله إنِّي لا أُوتَى بمُحلِّلٍ ولا محلَّلٍ له إلا رَجَمْتُهما» رواه الأثْرَمُ (٢)، وهو قَولُ الفقهاء من التَّابِعينَ، ولأِنَّه نكاحٌ إلى مدَّةٍ، وفيه شَرْطٌ يَمنَع بقاءَه، أشْبَهَ نكاحَ المتعة. وخرَّج القاضي وأبو الخَطَّاب روايةً: ببطلان الشَّرط وصحَّة العقد، من مسألة اشْتِراط الخِيارِ، وكذلك ابنُ عَقِيلٍ، لكنَّه خرَّجها من الشُّروط الفاسدة. (فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ بِغَيْرِ (٣) شَرْطٍ؛ لَمْ يَصِحَّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وعليه الأصحابُ؛ لعموم ما تقدَّم، يؤيِّده ما رَوَى ابنُ شاهِينَ في «غرائب السُّنَن»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل عن نكاح المحلِّل، فقال: «لا نكاحَ إلاَّ نكاحُ رَغْبةٍ، لا نكاحُ دُلْسةٍ» (٤)، وظاهِرُه شامِلٌ إذا اشترطا التَّحليلَ حالَ العَقْد أوْ قَبْلَه، ولم

стр. 4388

يَرجِعْ عنه؛ لأِنَّ الشَّرطَ السَّابِقَ كالمقارِن، إلاَّ أنَّ هنا النِّيَّةَ كافيةٌ (١) في المنْع، فغايَتُه: أنَّها أُكِّدَتْ بالشَّرط السَّابق. نَعَمْ، لَو شرط في العقد، ثمَّ نوى فيه نكاحًا (٢)، فالمؤلِّف يصحِّحه، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين يقول: إنَّ الشَّرْطَ السَّابِقَ كالمقارِن، فالشَّرطُ لا يَلزَمُ معه العَقْدُ (٣). (وَقِيلَ: يُكرَهُ وَيَصِحُّ)، قَطَعَ به ابنُ البَنَّاء، وحكاه عن أحمدَ، أمَّا الكراهةُ؛ فَلأِنَّه مُختَلَفٌ في صحَّته، وأمَّا صحَّتُه؛ فَلأِنَّه عقدٌ خَلَا عن شرطٍ يُفسِدُه، أشْبَهَ ما لو طلَّقها بغير الإحْلال. ونقل حربٌ عن أحمدَ: إذا تزوَّج امرأةً وفي نفسه طلاقُها؛ فكَرِهَه (٤)، فأخَذَ من ذلك الشَّريفُ وأبو الخَطَّاب روايةً بالصِّحَّة مع الكراهة، وهو مقتضَى كلامِ شيخهما. ومَنَعَ من ذلك الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥)؛ إذْ روايةُ حَرْبٍ فِيمَنْ نَوَى الطَّلاقَ، وذلك إنَّما يكون فيمَنْ له رغبةٌ في النِّكاح، والمحلِّلُ لا رَغبةَ له (٦) أصْلاً، ومن هنا قال القاضي وأصحابه: إذا نَوَى التَّطليقَ في وَقْتٍ بعَينه؛ فهو كنيَّةِ التَّحليلِ، ونَصُّ أحمدَ يَشهَدُ لهم. أصلٌ: لو زوَّج عبدَه بمطلَّقته ثلاثًا، ثُمَّ وهبها العبدَ أو بعضَه ليَفسخَ

стр. 4389

نكاحَها؛ لم يَصِحَّ النِّكاحُ، نَصَّ عليه (١)، وهو كمحلِّلٍ. ولو دَفَعَتْ مالاً هبةً لِمَنْ تَثِقُ به ليَشتَرِيَ مملوكًا، فاشْتَراه وزوَّجه بها، ثُمَّ وَهَبَه لها؛ انفسخ النِّكاحُ، ولم يكن هناك تحليلٌ مشروطٌ ولا مَنْوِيٌّ ممَّن (٢) تُؤثِّرُ نيَّتُه وشَرْطُه، وهو الزَّوجُ، ولا أثَرَ لنيَّة الزَّوجة والوليِّ، قاله في «إعْلامِ الموقِّعينَ»، وقال: صرَّح أصحابُنا أنَّ (٣) ذلك يُحِلُّها (٤). وفي «المحرَّر» و «الفروع»: ومَنْ لا فُرْقَةَ بيده؛ لا أَثَرَ لنِيَّتِه. (الثَّالِثُ: نِكَاحُ الْمُتْعَةِ)، نَقَلَ عنه ابْناهُ وحنبلٌ: أنَّ نكاحَ المتعة حرامٌ (٥)؛ لِمَا رَوَى عليٌّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن نكاح المتعةِ، وعن لُحومِ الحُمُر الأهليَّة» متَّفَقٌ عليه (٦)، وعن سلمةَ بنِ الأكْوَعِ قال: «رخَّص لنا رسولُ الله ﷺ في مُتْعةِ النِّساء عامَ أَوْطَاسٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثُمَّ نَهَى عنها» (٧)، وعن سَبْرةَ الجُهَنيِّ: أنَّه غزا مع النَّبيِّ ﷺ فَتْحَ مكَّةَ، قال: «فأقَمْنا (٨) بها خمسةَ عَشَرَ، فأذِنَ لنا رسولُ الله ﷺ في مُتْعةِ النِّساء، ثُمَّ إنَّه حرَّمها»، ولأِحمدَ وأبي داودَ، عن سَبْرةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ في حجَّةِ الوداع نَهَى عن نكاح المتعة» (٩)، وهو يَدلُّ على

стр. 4390

فساد المنهيِّ عنه، لا سيَّما وقد عَضَدَه أمْرُه ﷺ بالتَّخليةِ، والاِسْتِدامةُ أسْهَلُ من الاِبتداء، والأحكامُ المتعلِّقةُ بالنِّكاح من الطَّلاقِ والظِّهارِ والتَّوارُثِ لا تَجرِي (١) فيه، فدلَّ على أنَّه لَيسَ بنكاحٍ؛ إذْ هِيَ لازِمةٌ للنِّكاح الصَّحيحِ، وانْتِفاء اللاَّزِمِ يدلُّ على انتفاء الملزوم. وسأله ابنُ منصورٍ عن المتعة، فقال: (اجْتَنِبْها أحبُّ إليَّ) (٢)، فأثْبَتَ ذلك أبو بكرٍ في «الخلاف» روايةً، وأبى ذلك القاضي في «خلافه». وقال ابن عَقِيلٍ: إنَّ أحمد رجع عنها، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين يقولُ: توقَّفَ عن لفظ الحرام، ولم يَنفِهِ (٣). وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّه أجازه (٤)، وإليه ذَهَبَ أكثرُ أصحابه، قال ابنُ جُرَيجٍ: وحُكِيَ ذلك عن أبي سعيدٍ (٥) وجابِرٍ (٦)، وعليه قراءةُ ابنِ مسعودٍ: «فما استمتعتم به (٧) منهنَّ إلى أجلٍ مُسَمًّى» (٨)، وعن ابن مسعودٍ قال: «كنَّا نَغْزو

стр. 4391

مع النَّبيِّ ﷺ لَيسَ معنا نِساءٌ، فقلنا: ألَا نَخْتَصِي، فنهانا النَّبيُّ ﷺ (١) عن ذلك، ثُمَّ رخَّص لنا بعدُ أنْ نَنكِحَ المرأةَ بالثَّوب إلى أجلٍ، ثُمَّ قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ … (٨٧)﴾» الآية [المَائدة: ٨٧] متَّفَقٌ عليه (٢). وأُجِيبَ: بمَنْع ثبوتِ قراءةِ ابنِ مسعودٍ، ثُمَّ نسخ الجميع بما تقدَّم. والحاصِلُ: أنَّها كانت مباحةً، ثُمَّ نُسِختْ يومَ خَيبَرَ، ثُمَّ أبِيحتْ، ثُمَّ حُرِّمت عامَ الفتح، قال الشَّافعيُّ: (لا أعْلَمُ شَيئًا أحلَّه اللهُ، ثُمَّ حرَّمَه، ثُمَّ أحلَّه ثُمَّ حرَّمه، إلاَّ المتعةَ) (٣)، وقد رَوَى التِّرمِذِيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه رَجَع عن قوله (٤). (وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ)، سَواءٌ كانَتْ مَعلومةً؛ كإلى شهرٍ، أو مجهولةٍ؛ كنزولِ المطر، وسَواءٌ وَقَعَ بشَرْطه أوْ لَا. وظاهِرُه: أنَّه إذا تزوَّجها بغير شرطٍ، وفي نيَّته طلاقُها؛ فالنِّكاحُ صحيحٌ

стр. 4392

في قَولِ عامَّتهم، خلافًا للأَوْزاعِيِّ، فإنَّه قال: نكاحُ متعةٍ، والصَّحيحُ: لا بَأْسَ به. ولَيسَ على الرَّجل حَبْسُ امرأتِه؛ وحَبْسُه: إنْ وافَقَتْه وإلاَّ طَلَّقَها، وقال الشَّريفُ: وحُكِيَ عن أحمدَ: أنَّه إنْ عَقَدَ بقَلْبه تحليلَها للأوَّل، أو الطَّلاق في وَقْتٍ بعَينه؛ لم يَصِحَّ النِّكاحُ. (وَنِكَاحٌ شَرَطَ فِيهِ طَلَاقَهَا) في وقتٍ معلومٍ أو مجهولٍ، فهو شَرْطٌ مانِعٌ من بقاء النِّكاح. وعنه: يَصِحُّ العَقْدُ دُونَ الشَّرط؛ لأِنَّ النِّكاحَ وَقَعَ مطلَقًا، وشَرَطَ على نفسه شَرْطًا لا يُؤثِّرُ فيه، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ أنْ لا يَطَأَها، وكما لو نَوَى إنْ وافَقَتْه وإلاَّ طلَّقَها. (أَوْ عَلَّقَ ابْتِدَاءَهُ)؛ أي: النِّكاح (عَلَى شَرْطٍ؛ كَقَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا؛ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ)؛ لأِنَّ النِّكاحَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فَبَطَلَ تعليقُه على شَرْطٍ كالبيع. ويستَثْنَى من ذلك: إلاَّ: زَوَّجْتُ، أوْ قَبِلْتُ إنْ شاء الله، وفي «المحرَّر» وغيره: مستقبل، فيصِحُّ على ماضٍ وحاضِرٍ؛ كزوَّجتك هذه إنْ كانَتْ بنتي، أو كنتُ وليَّها، أو انقضت عدَّتُها، وهما يَعلَمان ذلك، أو شئتَ، فقال: شئتُ، وقَبِلْتُ ونحوه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). وعنه: يَصِحُّ دُونَ شرطه. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ذَكَرَ القاضي وغيرُه في «تعليقه» بشرطٍ، والأنَصُّ من كلامه: جوازُه كالطَّلاق، قال: والفَرْقُ بأنَّ هذا مُعاوضةٌ أو إيجابٌ، وذاك

стр. 4393

إسقاطٌ غيرُ مؤثِّرٍ، وبأنَّه يَنتَقِضُ بنذر التَّبرُّر وبالجِعالة (١). مَسائلُ: إذا قال لِأَمَته: إنْ تزوَّجتُكِ نكاحًا صحيحًا فأنتِ حرَّةٌ قبلَه؛ فلا عِتْقَ ولا نكاحَ، ذَكَرَه في «الرِّعاية» في الصَّداق، ويُكرَه تقليدُ مُفْتٍ بها، وذَكَر القاضي وجمعٌ أنَّها كغيرها من مسائل الخلاف، ولا تثبتُ (٢) أحكامُ الزَّوجيَّة، ولم أجِدْ فيه خِلافًا، بل وطء شبهةٍ، وذَكر أبو إسحاقَ وابن بطَّةَ أنَّه كزِنًى. ويصحُّ النِّكاحُ إلى الممات. وإذا عَزَمَ على تزويجه بالمطلَّقة ثلاثًا، ووَعَدَها سِرًّا (٣)؛ كان أشدَّ تحريمًا من التَّصريح بخِطبةِ المعتدَّة إجماعًا، لا سيَّما ويُنفِقُ عليها ويعطيها ما تحلِّل به (٤)، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٥). (النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ (٦) أَنَّهُ (٧) لَا مَهْرَ لَهَا وَلَا نَفَقَةَ، أَوْ يَقْسِمُ لَهَا أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأُخْرَى، أَوْ أَقَلَّ)، أوْ شَرَطَ أحدُهما عَدَمَ وَطْءٍ ونحوِه؛ (فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ)؛ لأِنَّه يُنافِي مُقتَضَى العَقْد، ولأِنَّه يَتضمَّنُ إسْقاطَ حقوقٍ تَجِبُ بالعقد قبلَ انعقاده، فبَطَلَ؛ كإسقاط الشُّفعة قَبْلَ البيع، (وَيَصِحُّ النِّكَاحُ)، نَصَّ عَلَيهما (٨)، كما لو شَرَط فيه صداقًا مُحرَّمًا، ولأِنَّ النِّكاحَ يَصِحُّ مع الجهل بالعِوَض، فجاز أنْ يَصِحَّ مع الشَّرط الفاسِد كالعتق.

стр. 4394

وقِيلَ: يَفسُد، نَقَلَ المرُّوذِيُّ: إذا تزوَّج النَّهارِيَّاتِ أو اللَّيلِيَّاتِ؛ لَيسَ من نكاح الإسلام (١). ونَقَلَ عبدُ الله: إذا تزوَّج على شرطٍ ثُمَّ بدا له أنْ يُقيمَ؛ جدَّد النِّكاحَ (٢). وذَكَرَ أبو بكرٍ فيما إذا شَرَطَ أنْ لا يَطَأَ أوْ لا يُنفِقَ، أوْ إن فارَقَ رَجَعَ بما أنْفَقَ؛ روايتَينِ في صحَّة العقد. وقِيلَ: يَبطُلُ بشَرْطِ تَرْكِ الوطء فقط. ونَقَلَ الأثْرَمُ تَوقُّفَه في الشَّرط، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فيُخرَّج على وَجْهَينِ، واختار صحَّتَه؛ كشَرْطِه تَرْكَ ما يَستَحِقُّه (٣). وفرَّق القاضي: بأنَّ له مَخلَصًا؛ كملْكه (٤) طَلاقَها. وأجابَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: بأنَّ عليه المهرَ، وابنُ عَقِيلٍ سوَّى بَينَهما، فإنْ صحَّ وطَلَبَتْه؛ فارَقَها وأخذَ المهْرَ، وهو في معنى الخُلْعِ (٥). (الثَّالِثُ: أَنْ يَشْتَرِطَ (٦) الْخِيَارَ، أَوْ إِنْ جَاءَهَا بِالْمَهْرِ فِي وَقْتٍ، وَإِلاَّ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ)؛ لِمُنافاته مُقتَضَى العَقْدِ، (وَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «الفروع»: إحداهما: يَصِحُّ العَقْدُ، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه يَصِحُّ مع الجَهْل، أشْبَهَ العِتْقَ.

стр. 4395

والثَّانية: لا؛ لأِنَّ عَقْدَ النِّكاح يَجِبُ أنْ يكونَ ثابِتًا لازِمًا، فَنَافاهُ الشَّرْطُ وأبْطَلَه. ونَقَلَ عنه ابنُ منصورٍ: صحَّتَهما (١)، وبَعَّدَها القاضِي. واخْتارَ الصِّحَّةَ فيهما الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في شَرْط الخِيارِ (٢)، قال: وإنْ بَطَلَ؛ لم يَلزَم العقدُ بدونه، وشَرْطُ الخِيارِ في المهر كذلك. وقِيلَ: يَصِحُّ ويَثبُتُ الخِيارُ، وإنْ طلَّقَ بشَرْطِ خِيارٍ وَقَعَ.

стр. 4396

(فَصْلٌ) (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ، فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً؛ فَلَهُ الْخِيَارُ)؛ أيْ: خِيارُ الفَسْخ؛ لأِنَّه نَقْصٌ، وضَرَرُه يتعدَّى إلى الولد. (وَإِنْ شَرَطَهَا كِتَابِيَّةً)، أوْ ظنَّها مُسلِمةً، ولم تُعرَفْ بتقدُّمِ كُفْرٍ، (فَبَانَتْ مُسْلِمَةً (١)؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ)؛ لأِنَّه زاده خَيرًا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهُ الْخِيَارُ)؛ لأِنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في عَدَمِ وُجوبِ العبادات عَلَيها. وفي «الشَّرح»: إذا تزوَّج امرأةً يَظُنُّها مُسلِمةً، فبانَتْ كافِرةً؛ فله الخيارُ، كما إذا شَرَطَ ذلك. (وَإِنْ شَرَطَهَا أَمَةً)، وكان له نكاحُ الإماء، (فَبَانَتْ حُرَّةً؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ)؛ لأِنَّ وَلَدَه يَسلَمُ من الرِّقِّ، ويَتمَكَّنُ من الاِسْتِمْتاع بها لَيلاً ونهارًا. وكذا إذا شَرَطَها ذاتَ نسبٍ، فبانَتْ أشْرَفَ منه، أو على صفةٍ دنيئةٍ، فبانَتْ خَيرًا مِنْ شَرْطه.

стр. 4397

(وَإِنْ شَرَطَهَا بِكْرًا، أَوْ جَمِيلَةً، أَوْ نَسِيبَةً، أَوْ شَرَطَ نَفْيَ العُيُوبِ التِي لَا يُفْسَخُ بِهَا النِّكَاحُ)؛ كالعَمَى والشَّلَل، (فَبَانَتْ بِخِلَافِهِ؛ فَهَلْ لَهُ الخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما رِوايَتانِ عن أحمدَ، أطْلَقَهما في «الفروع»: إحْداهما: لا خِيارَ له، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ النِّكاحَ لا يُرَدُّ بعَيبٍ سِوى العُيوب السَّبعة، فلا يُرَدُّ بمُخالَفَة الشَّرط، كما لو شَرَطَت ذلك في الرَّجل. والثَّانية: له الفَسْخُ، اختارها في «التَّرغيب»، و «الرِّعاية»، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١)؛ لأِنَّها صفاتٌ مقصودةٌ، فصحَّ شَرْطُها؛ كالحرِّيَّة. وقِيلَ: له الفَسْخُ في شَرْطِ النَّسب خاصَّةً. وفي «الإيضاح»، واختاره في «الفصول» في شَرْطِ بكرٍ: إنْ لم يَملِكه؛ رجع بما بَينَ المهرَينِ، ويتوَجَّه مثلُه في بقيَّة الشُّروط. وفي «الفنون» في شَرطِ بِكْرٍ: يَحتَمِلُ فسادُ العقد؛ لأِنَّ لنا قَولاً إذا تزوَّجها على صفة فبانت بخلافه؛ بطَلَ العقد. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويَرجِعُ على الغارِّ، وإنْ غرَّته وقَبَضَتْه، وإلاَّ سَقَطَ في ظاهر المذهب (٢). تذنيبٌ: إذا ظنَّها بِكْرًا فلم تكُنْ؛ فلا فَسْخَ له في الأصحِّ. وإنْ شَرَطَتْه حُرًّا، أو ظنَّتْه، فبان عبدًا؛ بطَلَ، وعنه: يَصِحُّ، ولها الفسخُ، فإن فَسَخَتْ قبلَ الدُّخول والخلْوة؛ فلا مَهْرَ، وبعدَ أحدِهما؛ يجبُ المسمَّى والعدَّة (٣).

стр. 4398

وإنْ شَرَطَتْه (١) بصفةٍ غيرِ الحرِّيَّة، فَبَانَ أقلَّ؛ لم تُخيَّرْ (٢)، وفي النَّسب إن لم يُخِلَّ بالكفاءة وجْهانِ، وإنْ خَرَجَ مُماثِلاً له؛ فوجْهانِ. وذَكَرَ القاضي في «الجامع الكبير»: أنَّ شَرْطَها فيه أبلغُ من شَرْطِه فيها؛ لأِنَّه يَملِكُ طلاقها ولا تملِكُ طلاقَه. وفي «الكافي»: إنْ غُرَّتِ الأمةُ بعبدٍ فتزوَّجَتْه على أنه حرٌّ؛ فلها الخِيارُ، وفيه احْتِمالٌ. (وَإِنْ تَزَوَّجَ أَمَةً يَظُنُّهَا حُرَّةً)، أوْ شَرَطَها حرَّةً، واعتَبَرَ في «المستوعب» مقارَنَتَه؛ لم يَبطُل العقدُ بالغُرور. لا يُقالُ: يَنبَغِي أنْ يَفسُدَ، كما لو قال: بِعتُك هذا الفرسَ، فإذا هو حمارٌ؛ لأِنَّ المعقود عليه في النِّكاح الشَّخصُ دُونَ الصِّفات، فلا يُؤثِّرُ عَدَمُه في صحَّته، كما لو قال: زوَّجْتُك هذه الحسناءَ، فإذا هي شَوهاءُ، وذاتُهما مختلِفةٌ، والبَيعُ يُؤثِّرُ فيه فَواتُ الصِّفات، بخِلاف النِّكاح. (فَأَصَابَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ؛ فَالْوَلَدُ حُرٌّ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لاِعْتِقادِه حرِّيَّتَه، كما إذا اشْتَرَى أمةً، فبانَتْ مَغصوبةً بعدَ أنْ أَوْلَدها، قال ابنُ عَقِيلٍ: كما يَنعَقِدُ ولدُ القُرَشيِّ قُرَشِيًّا باعتقاده، (وَيَفْدِيهِمْ) على المذهب المنصوص عليه في روايةِ الجماعة (٤)؛ لِقَضاءِ الصَّحابة: عمرَ وعليٍّ وابنِ عبَّاسٍ (٥)؛ ولأِنَّه نَماءُ مَمْلوكةٍ، فسبيلُه أنْ يكونَ ملْكًا لمالكها، وقد فوَّته الزَّوج باعتقاده الحرِّيَّةَ، فَوَجَبَ عليه الضَّمانُ؛ كما لو فوَّته بفِعْله.

стр. 4399

ونَقَلَ عنه ابنُ منصورٍ: لا فِداءَ عليه؛ لاِنْعِقادِ الولد حرًّا (١)، والحُرُّ لا يُملَكُ، ووهَّى الخلالُ (٢) هذه، وقال: أحْسَبُه قَولاً رُوِيَ لأِبي عبد الله؛ لأِنَّهم اتَّفَقُوا على الفِداء. ونَقَلَ حنبلٌ: يُخيَّر بَينَ الفِداء، فيكون الولدُ حرًّا، وبَينَ التَّرك فيكون رقيقًا (٣)، وهو ظاهِرُ ما نُقِلَ عن عليٍّ. وشُرِطَ (٤): أنْ تَضَعَه حيًّا لوقْتٍ يَعِيشُ لمثله، وصفةُ الفِداء ووَقْتُه تقدَّما في الغَصْب. (بِمِثْلِهِمْ يَوْمَ وِلَادَتِهِمْ)؛ لقَولِ عمرَ: «مكانُ كلِّ غلامٍ بغلامٍ، وكلِّ جاريةٍ بجاريةٍ» (٥). وعنه: يَفديهم بقيمتهم، وصحَّحه في «المغْنِي»؛ لأِنَّ الحَيَوانَ لَيسَ بمِثْليٍّ، فيُضمن (٦) بالقيمة كسائر المتقوِّمات. وعنه: مُخَيَّرٌ فيهما، رُوِيَ عن عمرَ (٧). فإنْ كان ممَّن يجوز له نكاحُ الإماء، وقد نَكَحَها نكاحًا صحيحًا؛ فلها المسمَّى، وإنْ كان لم يَدخُلْ بها واختار الفَسْخَ؛ فلا مَهْرَ؛ لأِنَّ الفسخَ لعذْرٍ مِنْ جِهَتِها.

стр. 4400

وإن لم تُبَحْ له؛ فباطلٌ؛ كعِلْمِه. وعند أبي بكرٍ: يَصِحُّ، وله الخيارُ، وبَناهُ في «الواضح» على الكفاءة. وحِينَئِذٍ: لا مهرَ قَبلَ الدُّخول، وبعدَه؛ هل يجبُ المسمَّى أو مهرُ المِثْل؟ فيه رِوايَتانِ. وإنْ كان ممَّن يجوز له نكاحُ الإماء؛ فلا مَهْرَ قبلَ الخلوة؛ لفَسادِ العقد، وكذا بعدها على رأيِ المؤلِّفِ، وقِياسُ المذهب: يَجِبُ. (وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ غَرَّهُ)؛ أيْ: من المهر وقيمةِ الأولاد في ظاهر المذهب؛ لقضاء جماعةٍ من الصَّحابة (١)، وكأمْرِه بإتْلافِ مالٍ غَرَّه بأنَّه له فلم يكُنْ، ذَكَرَه في «الواضح». وعنه: لا يَرجِعُ بالمهر، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّه دخل على ذلك، سيَّما وقد استوفَى المنفعةَ المقابِلةَ له، رُوِيَ عن عليٍّ (٢). وقال القاضي: الأظهرُ أنَّه يَرجِعُ به؛ لأِنَّ أحمدَ قال: (كنتُ أذْهَبُ إلى حديث عليٍّ، ثمَّ إني هِبْتُه، وكأنِّي أَمِيلُ إلى حديثِ عمرَ) (٣)، وعلى هذا: يَرجِعُ بأُجْرة الخدمة إذا غَرمَها. وظاهِرُه: الرُّجوعُ مع الظَّنِّ، وهو ظاهر كلامِ أحمدَ؛ إذ الصَّحابة الذين قَضَوْا بالرُّجوع؛ لم يَستَفْصِلُوا، وظاهِرُ الخِرَقِيِّ خلافُه، وصرَّح به المجْدُ وابنُ حَمْدانَ. وعن القاضي: لا يَرجِعُ إلاَّ مع شَرْطٍ مُقارِنٍ، لا مع تَقدُّمه؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ حيث اعتَمَد على ظنه.

стр. 4401

تنبيهٌ: الغارُّ: مَنْ عَلِمَ أنَّها أَمَةٌ ولم يُبَيِّنْ، نَصَّ عليه (١)، ثمَّ لا يَخْلُو: إمَّا (٢) أنْ يكونَ السَّيِّدُ، أو المرأةُ، أوْ وَكِيلُها، أوْ أجنبيٌّ. فإنْ كان السَّيِّدُ، وقال: هي حُرَّةٌ؛ عَتَقَتْ، وبغَيرِها لا تَثبُتُ الحرِّيَّةُ، ولا يَجِبُ له شَيءٌ. نَعَمْ، إنْ قُلْنا: إنَّ الزَّوجَ لا يَرجِعُ بالمهر؛ وَجَبَ للسَّيِّد؛ لاِنتِفاءِ المحذور، ولا يُتصَوَّرُ منه على قَولِ القاضي؛ لأِنَّ شَرْطَه المقارَنةُ. وإنْ كان وكيلَها؛ رَجَعَ عليه في الحال. وكذا إنْ كان أجنبيًّا في ظاهرِ كلامِ أحمدَ، بل صريحِه في روايةِ ابنَيهِ (٣)، وظاهِرُ كلامِ القاضي: لا رجوعَ عليه. وإنْ كانت المرأة؛ ففي الرُّجوع عليها وجْهانِ: أحدهما، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقيِّ والمؤلِّف: له الرُّجوعُ عليها؛ لمكان الغُرور، وهل يتعلَّق (٤) برَقَبتها أوْ ذمَّتها؟ على وجْهَيِ اسْتِدانَةِ العبد بدونِ إذْنِ سيِّده. والثَّاني، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: لا رُجوعَ؛ إذ الولدُ ملْكُ السَّيِّد، وهِيَ لا تَملِكُ بَذْلَ ذلك، أشْبَهَ ما لو أَذِنَتْ في قَطْعِ طَرَفِها. ولمستحقِّ الفِداء مطالبةُ الغارِّ أوَّلاً، نَصَّ عليه (٥). (وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ)؛ لأِنَّا قد تبيَّنَّا فسادَ العقد من أصلِه، أشْبَهَ المنكوحةَ في العدَّة أو بلا رضًا، وكذا إنْ تزوَّجها بلا

стр. 4402

رِضَا سيِّدها أو اختلَّ شرطٌ من شُروطِ النِّكاح. وفي «الواضح»: أنَّ المغرورَ الحُرَّ لا يَبطُلُ نكاحُه في وَجْهٍ، بل له الخِيارُ، واختاره أبو بكرٍ. (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ) بالشَّرطَينِ السَّابِقَينِ في الحُرِّ، وفي العبد: أنْ لا يكونَ تحتَه حرَّةٌ؛ (فَلَهُ الْخِيَارُ)؛ لأِنَّه غُرَّ بحرِّيَّتها، فثَبَتَ له الخِيارُ؛ كما لو غُرَّتْ بحرِّيَّته، ولِمَا فيه من ضَرَرِه بالولد، وهو مَنفِيٌّ (١) شرْعًا. (فَإِنْ رَضِيَ بِالْمُقَامِ مَعَهَا، فَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ رَقِيقٌ)؛ لاِنتِفاءِ الغرور إِذنْ. وعُلِمَ منه: أنَّ الولدَ يَتبَعُ أمَّه في الحرِّيَّة والرِّقِّ، نَصَّ عليه (٢)، مُحتَجًّا بقول عمرَ (٣)، وظاهِرُه: وإنْ كانَتْ قد عَلِقَتْ به قَبلَ الرِّضا، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وعلَّله المؤلِّفُ: بأنَّ أكثرَ الأحكام إنَّما تتعلَّق بالوَضْع، أمَّا هنا فقد جعل الحكمَ مَنوطًا بالعُلُوق، وصرَّح به المجْدُ. وإن اختار فَسْخَ النِّكاح؛ انْفَسَخَ. وعمومُ كلامه يَقتَضِي ثُبوتَ الخيار للعبد؛ كالحرِّ، وهو الصَّحيحُ. وقِيلَ: لا اخْتِيارَ للعبد لتَساوِيهما. تنبيهٌ: مَنْ غُرَّ بحرِّيَّةِ مُكاتَبةٍ أوْ مَنْ بعضُها حرٌّ؛ فكالأَمَة، ولا مَهْرَ في

стр. 4403

الأصحِّ لمكاتَبةٍ غارَّةٍ؛ لعَدَمِ الفائدة، وَوَلدُها مُكاتَبٌ، فيَغرمُ أبوه قِيمتَه لها على الأصحِّ. والمعتَقُ بعضُها يَجِبُ لها البعضُ، فيَسقُطُ، وَوَلَدُها يَغرم أبوه قَدْرَ رِقِّه. ولو أوْهَمَتْه أنَّها زوجتُه، أو سُرِّيَّتُه بظَنِّه (١)؛ فموطوءةٌ بشبهةٍ (٢)، أو أوْهَمَه (٣) سيِّدُها به فلا مهرَ، وإنْ جَهِلت تحريمَه، وتُعزَّرُ عالمةٌ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، قال: وإنْ جَهِل فسادَ نكاحٍ لتغرير (٤) غارٍّ؛ كأخته من رضاعٍ؛ فالمهر على الغارِّ (٥). (وَإِنْ كَانَ الْمَغْرُورُ عَبْدًا؛ فَوَلَدُهُ أَحْرَارٌ)؛ لأِنَّه ساوَى الحرَّ في اعْتِقادِ حرِّيَّته، (وَيَفْدِيهِمْ إِذَا عَتَقَ)؛ كالحرِّ؛ لفوات الرِّقِّ المستَحَقِّ، لكنَّ الحرَّ يجب عليه الفداءُ في الحال؛ كبقيَّة الحقوق اللاَّزمة له، أمَّا العبدُ فلا مالَ له في الحال، فيتأخَّر الفِداءُ إلى وقتِ ملْكِه ويَسارِه، وهو العِتْقُ. وبَناهُ القاضي في «الجامع» على الخلاف في اسْتِدانته بغَيرِ إذْنِ سيِّده، وبَناهُ المؤلِّفُ على خُلْعِ الأَمَة بغَيرِ إذْنِ سيِّدها. وقيل: يتعلَّق برَقَبَته، وهو روايةٌ في «التَّرغيب»؛ كجنايته، والفَرْقُ: أنَّ الجنايةَ مِنْ فِعْلِه، بخِلافِ الفداء، فإنَّه لم يَجْنِ في عِتْقهم، وإنَّما عَتَقُوا من طريق الحُكم. (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ)؛ كالحرِّ، لكنْ يَرجِعُ به في الحال، وأمَّا العبدُ فلا يَرجِعُ إلا حِين الغرْم؛ حِذارًا مِنْ أنْ يَجِبَ له ما يَفُتْ عليه (٦)، نعم،

стр. 4404

يتعلَّق (١) الفِداءُ برَقَبته؛ يَرجِع به السَّيِّدُ في الحال. (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ رَجُلاً عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ تَظُنُّهُ حُرًّا، فَبَانَ عَبْدًا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه لمَّا ثبت للعبد إذا غُرَّ بأَمَةٍ؛ ثبت لها إذا غُرَّتْ بعبدٍ، ومُقتَضاه صحَّةُ العقد؛ لأِنَّ اخْتِلافَ الصِّفة لا تَمنَعُ صحَّة العقد، وكما لو تزوَّج أمةً على أنَّها حرَّةٌ، ولأِنَّها إذا كانت حرَّةً وكانت حُرِّيَّةُ الزَّوج شَرْطًا لصحَّة النِّكاح؛ لم يكن لها الخِيارُ؛ لأِنَّه باطِلٌ من أصله، والخيارُ يَعتَمِدُ الصِّحَّةَ، وحِينَئِذٍ: فإن اختارت الإمضاءَ؛ فلأوليائها الاِعتِراضُ؛ لعدم الكفاءة.

стр. 4405

(فَصْلٌ) (وَإِنْ عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا حُرٌّ)، أو بعضُه؛ (فَلَا خِيَارَ لَهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، هذا قولُ ابن عمرَ (١) وابنِ عبَّاسٍ (٢) والأكثرِ. وعن أحمدَ: لها الخِيار؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذيُّ، وغيرُهم، عن الأسود، عن عائشةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خيَّر بَرِيرةَ، وكان زَوجُها حُرًّا» (٣). وجوابُه: أنَّها كافَأَتْ زَوجَها في الكمال، فلم يَثبُتْ لها خيارٌ؛ كما لو أسلمت الكتابيَّةُ تحتَ مسلِمٍ. وعن الخَبَرِ: بأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: «كان زَوجُ بَرَيرةَ عَبْدًا» رواه البخاريُّ (٤)، ورَوَى مسلِمٌ من حديثِ القاسم وعُرْوةَ عن عائشةَ: «أنَّ بَرِيرةَ كان زَوجُها عبدًا، وقالت: لو كان حُرًّا لم يُخيِّرْها النَّبيُّ ﷺ » (٥)، قال

стр. 4406

البخاريُّ: (قَولُ الأسود مُنقَطِعٌ) (١)، ثُمَّ عائشةُ عمَّةُ القاسِمِ وخالةُ عُروةَ، فرِوايَتُهما عنها أَوْلَى من رواية أجنبيٍّ يَسمَعُ مِنْ وراءِ حِجابٍ. (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا؛ فَلَهَا الْخِيَارُ فِي (٢) فَسْخِ النِّكَاحِ (٣)، بالإجماع، حكاه ابن المنذر وابن عبد البَرِّ (٤)؛ لأِنَّه ﷺ خيَّر بَرِيرةَ، فاختارتْ نَفْسَها، فإن اختارت الفَسْخَ؛ فلها فِراقُه، وإنْ رَضِيَتْ بالمقام فلا؛ لأِنَّها أسْقَطَتْ حقَّها. فإنْ عَتَقَ بعضُها؛ فلا خيارَ لها على المذهب. وعَنْهُ: بلى. وعَنْهُ: أو معتَقٌ بعضُه. وعنه: لَيسَ فيه بقَدْرِ حُرِّيَّتها. وفي «التَّرغيب»: إذا عَتَقَتْ تحتَ معتَقٍ بعضُه؛ فلها الفَسْخُ. (وَلَهَا الْفَسْخُ) على التَّراخي (٥) ما لم تَرضَ به، (بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ)؛ لأِنَّه فَسْخٌ مُجمَعٌ عليه غَيرُ مُجتهَدٍ فيه؛ كالرَّدِّ بالعَيب، بخلافِ خيارِ العيب في النَّكاح، فإنَّه مُجتهَدٌ فيه؛ كالفَسْخ للإعْسار. فإن اختارت الفِراقَ؛ كان فَسْخًا، ولَيس بطلاقٍ في قول الجمهور، قال أحمدُ: الطَّلاقُ ما تُكُلِّمَ به (٦)؛ ولأِنَّها فُرقةٌ من قِبَلِ الزَّوجة، فكانت فَسْخًا،

стр. 4407

كما لو اختلف دِينُهما، أو أرضعتْ مَنْ يَنفَسِخُ نكاحُه برضاعها. فَعَلَى هذا: لو قالت: اخْتَرْتُ نَفْسي، أوْ فَسَخْتُ هذا (١) النِّكاحَ؛ انْفَسَخَ، ولو قالت: طلَّقْتُ نَفْسي، ونَوَت المفارَقةَ؛ كان كِنايةً في الفَسْخ. (فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ فَسْخِهَا)؛ بَطَلَ خِيارُها؛ لأِنَّه إنَّما كان لدَفْع الضَّرَر بالرِّقِّ، وقد زال بعِتْقِه، فَسَقَطَ؛ كالمبِيع إذا زال عَيبُه. (أَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا؛ بَطَلَ خِيَارُهَا)، نَصَّ عليه (٢)، رُوِيَ عن ابنِ عمرَ وحفصةَ، رواهُ مالِكٌ (٣)، ولقوله ﵇ لِبَريرةَ: «فإنْ قَرِبَكِ؛ فَلَا خِيارَ لكِ» رواهُ أبو داودَ والدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ حَسَنٍ (٤). وظاهِرُه: سواءٌ عَلِمَتْ بالخيار أو لا، وهو المذهَبُ. وذَكَرَ القاضي: أنَّ لها الخِيارَ إذا لم تَعلَمْ، فإنْ أصابها بَعْدَ عِلْمِها؛ فلا خِيارَ لها.

стр. 4408

فَعَلَيهِ: إذا وَطِئَها، (وَادَّعَتِ الْجَهْلَ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ جَهْلُهُ)، مِثلَ أنْ يُعتِقَها سيِّدُها في بلدٍ آخَرَ، (أَوِ الْجَهْلَ بِمِلْكِ الفَسْخِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ ذلك، وفي الثَّانية: لا يَعلَمُه إلاَّ خَواصُّ النَّاس، فالظَّاهِرُ صِدْقُها، فلو كانا في بَلَدٍ واحِدٍ واشْتَهَرَ؛ لم يُقبَلْ قَولُها؛ لأِنَّه خِلافُ الظَّاهِرُ. وفي «الفروع»: قِيلَ: يَجُوزُ جَهْلُه، وقِيلَ: لا يُخالِفُها ظاهِرٌ؛ فلا فَسْخَ، نَقَلَه الجماعةُ (١). (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَبْطُلُ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ (٢) أَوْ لَمْ تَعْلَمْ)؛ لقَولِ حفصةَ لاِمرأةٍ عَتَقَتْ تحتَ عبدٍ: «أمرُكِ بيَدِكِ ما لم يَمسَّكِ، فإنْ مسَّكِ؛ فلَيسَ لكِ من الأمر شَيءٌ» رواهُ مالِكٌ (٣)، ولأِنَّه خِيارُ عَيبٍ، فيَسقُط بالتَّصرُّف فيه مع الجهالة؛ كخيار الرَّدِّ بالعَيب. وفي «الوجيز»: فإن ادَّعَتْ جَهْلاً بعِتْقِه؛ فلها الفَسْخُ، وعَكْسُه الجَهْلُ بملْكِ الفَسْخِ. (وَخِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التَّرَاخِي)، في قَولِ ابنِ عمرَ، وحفصةَ (٤)، والأوْزاعيِّ، والزُّهْريِّ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ لهما في الصَّحابة مُخالِفًا (٥)؛ ولأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، فثَبَتَ؛ كخِيارِ القصاص. (مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا)؛ لِمَا رَوَى الحَسَنُ بنُ عمرَ بنِ أُمَيَّةَ

стр. 4409

قال: سمعتُ رجالاً يَتحدَّثون عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إذا أُعْتِقَت المرأةُ فهي بالخِيار ما لم يَطأْها، فإنْ وَطِئَها فلا خِيارَ لها» رواه أحمدُ (١)، ولا يُمنَعُ الزَّوجُ من وَطْئِها. فرعٌ: أذِنَ له سيِّدُه في التَّزويج بأَمَةٍ (٢) فتزوَّجها، ثُمَّ أُعتِق العبدُ؛ فهما على نكاحهما في المشهور. ويَحتَمِلُ: أنْ يُفسَخَ نكاحُهما (٣)؛ بِناءً على الرِّواية: إذا استَغْنَى عن نكاحِ أَمَةٍ بحرَّةٍ. (فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً؛ فَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ) سِنًّا يُعتبَرُ قَولُها فيه، (وَعَقَلَتْ)، ولا خِيارَ لهما في الحال؛ لأِنَّه لا عَقْلَ لهما، ولا قَولَ معتبَرٌ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ: إذا بَلَغَتْ سَبْعَ سِنِينَ. (وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا الاِخْتِيَارُ عَنْهَا (٤)؛ لأِنَّ هذا طريقُه الشَّهوةُ، فلم يَملِكْهُ الوليُّ؛ كالقصاص. (فَإِنْ طُلِّقَتْ) بائنًا (قَبْلَ اخْتِيَارِهَا؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ)، وبَطَلَ خيارُها على

стр. 4410

المذهب؛ لأِنَّه طلاقٌ مِنْ زوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فيُعتَدُّ به؛ كما لو لم تَعتِقْ (١). وقال القاضي: طلاقُه موقوفٌ، فإن اختارت الفَسْخَ؛ لم يَقَعْ، وإنْ لم تَخْتَرْ؛ وَقَعَ. وفي «التَّرغيب»: في وقوعه وجْهانِ. وإنْ كانَ الطَّلاقُ رجْعِيًّا؛ لم يَسقُطْ خِيارُها؛ لأِنَّها زوجةٌ. فعلى قول القاضي: إذا طُلِّقت قبلَ الدُّخول، ثُمَّ اختارت الفَسْخَ؛ سَقَطَ مَهرُها؛ لأِنَّها بانَتْ بالفَسخ، وإنْ لم تفسخْ (٢)؛ فلها نصفُ الصَّداق؛ لأِنَّها بانَت بالطَّلاق. (وَإِنْ عَتَقَتِ الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ)، أوْ عَتَقَتْ ثُمَّ طلَّقها رَجْعِيًّا؛ (فَلَهَا الْخِيَارُ)؛ لأِنَّ نكاحَها باقٍ، ولها في الفسخ فائدةٌ، فإنَّها لا تأمَنُ رَجْعَتَه إذا لم تفْسَخْ (٣). فإنْ قِيلَ: يَنفَسِخُ حِينَئِذٍ؛ فيَحتاجُ إلى عدَّةٍ أخرى، وإذا فَسَخَتْ في العِدَّة بَنَتْ على عِدَّةِ حرَّةٍ. (فَإِنْ رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ؛ فَهَلْ يَبْطُلُ خِيَارُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»: أنَّه يَسقُطُ خِيارُها؛ لأِنَّها رَضِيَتْ بالمقام مع جَرَيانها إلى البَيْنونَةِ (٤)، وذلك يُنافِي الاِخْتِيارَ. والثَّاني: لا يَسقُطُ؛ لأِنَّها حالةٌ يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ المقام؛ فصحَّ اختيارُ الفَسْخ؛ كصُلْب النِّكاح، فإنْ لم تَختَرْ شَيئًا؛ لم يَسقُطْ؛ لأِنَّه على التَّراخِي،

стр. 4411

وسُكوتُها لا يَدُلُّ على رضاها. (وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ (١)؛ فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ (٢)، وكذا إن اخْتارَت الفَسْخَ قبلَ الدُّخول (٣)؛ لأِنَّه وَجَبَ بالعَقْد، فإذا اخْتارَت المقامَ؛ لم يُوجَدْ له مُسقِطٌ، والواجِبُ المسمَّى مطلَقًا. (وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ فَلَا مَهْرَ) لها، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّ الفُرقةَ جاءت مِنْ قِبَلِها، فهو كما لو أسْلَمَتْ أو ارتدَّتْ أوْ أرْضَعَتْ مَنْ يُفسَخُ نِكاحُها. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ)، ونَقَلَه مُهنَّى عن الإمام أحمدَ (٥)؛ لأِنَّه وَجَبَ للسَّيِّد، فلا يَسقُطُ بفِعْلِ غَيرِه. وأُجِيبَ: بأنَّه وإنْ وَجَبَ للسَّيِّد؛ لكِنْ بِواسِطَتِها، وفيه شَيءٌ. فلو كانَتْ مُفوِّضةً، فَفَرَضَ لها مَهْرَ المِثْل؛ فهو للسَّيِّد؛ لأِنَّه وَجَبَ للسَّيِّد في ملْكِه لا بالفَرْضِ، وكذا لو مات أحدُهما وَجَبَ. وإنْ كان الفَسْخُ قَبْلَ الدُّخول والفَرْضِ؛ فلا شيء (٦) إلاَّ على القَول بوجوب المتعة، حَيثُ تَجِبُ لِوُجُوبه، فلا يَسقُطُ بفِعْل غَيرِه. (وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ

стр. 4412

والأكثرُ؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها على المنصوص، وعلَّله أحمدُ (١): بأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، فلا يُفسَخُ بالمختلَفِ فيه، وهذه مختَلَفٌ فيها. فلو زوَّج مُدبَّرةً له لا يَملِكُ غَيرَها، وقِيمتُها مائةً، بعبدٍ على مائتَينِ مَهْرًا، ثُمَّ مات السَّيِّدُ؛ عَتَقَتْ، ولا فَسْخَ قَبلَ الدُّخول؛ لِئَلاَّ يَسقُطَ المهرُ أوْ يَتنَصَّفُ، فلا يَخرُج من الثّلث، فيُرَقُّ بعضُها، فيَمتَنِعُ الفَسْخُ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ)، هذا روايةٌ، وقدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّها قد صارت أكملَ منه، فثَبت لها الخيارُ، كما لو عَتَقَ جميعُها. أمَّا لو كان مُوسِرًا؛ فإنَّ العِتْقَ يَسْرِي، ويَثبُتُ لها الخيارُ بلا نِزاعٍ، وكذا إذا قُلْنا بوجوبِ الاِسْتِسْعاء. فرعٌ: إذا عَتَقَ زوجُ الأَمَة؛ لم يَثبُتْ لها خيارٌ؛ لأِنَّ الكَفاءةَ تُعتبَرُ (٢) في الرَّجُل فقطْ، فلو تزوَّج امرأةً مطلَقًا، فبانَتْ أَمَةً؛ فلا خِيارَ له، ولو نَكَحَتْ رجُلاً مطلَقًا، فبانَ عبدًا؛ فلها الخِيارُ، وكذا في الاِسْتِدامة، لكِنْ إنْ عَتَقَ وَوَجَدَ الطَّولَ لِحُرَّةٍ، فهل يَبطُل نكاحُه؟ على وَجْهَيْنِ. (وَإِنْ عَتَقَ الزَّوْجَانِ مَعًا؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا) في المشهور عنه، والنِّكاحُ باقٍ، سَواءٌ أعْتَقَهُما واحدٌ أو اثْنانِ، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ حرِّيَّةَ العَبدِ لو طَرَأَتْ بعدَ عِتْقِها؛ لَمَنَعَت الفَسْخَ، فإذا قارَنَتْ كان أَوْلَى أنْ تمنَعَ (٤) كالإسلام. وعنه: لها الخيارُ؛ كما لو عَتَقَتْ قَبلَه. (وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا)، نَقَلَه الجماعةُ (٥)؛ لأِنَّ العِتْقَ معنًى يُزيلُ الملْكَ

стр. 4413

عنهما لا إلى مالِكٍ، فجاز أنْ تَقَعَ فيه الفُرقةُ؛ كالموت. وفي «المغْنِي»: مَعْناهُ - والله أعْلَمُ - أنَّه إذا وَهَبَ عَبدَه سُرِّيَّةً، وأَذِنَ له في التَّسَرِّي بها، ثُمَّ أعْتَقَهما جميعًا؛ لم يُصِبْها إلاَّ بنِكاحٍ جديدٍ، واحتجَّ أحمدُ بما رَوَى نافِعٌ، عن ابن عمرَ (١). أمَّا إذا كانَت امرأتَه فَعَتَقَا؛ لم يَنفَسِخْ؛ لأِنَّه إذا لم يَنفَسِخْ بإعْتاقِها وحدَها؛ فَلَأَنْ لا يَنفَسِخَ بإعْتاقِهما معًا أَوْلَى. وهذه التي ذَكَرَها المؤلِّف هي كاحْتِمالٍ في «الواضح» في عِتْقِه وحدَه؛ بِناءً على غِناهُ عن أَمَةٍ بِحُرَّةٍ، وذَكَرَ غَيرُه: إنْ وَجَدَ طَولاً، فَلَوْ أعْتَقَ نصفَهما؛ فهو كما لو عتقا. مسألةٌ: يُستَحَبُّ لِمَنْ له عبدٌ وأَمَةٌ مُتزَوِّجانِ (٢) البَداءَةُ بعِتْقِ الرَّجلِ؛ لِئَلاَّ يَثْبُتَ للمرأة الخِيارُ عليه، فيُفْسَخَ نكاحُه، واللهُ أعْلَمُ بالصَّواب (٣).

стр. 4414

بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ خِيارُ الفَسْخ يَثْبُت لكلِّ واحدٍ من الزَّوجَينِ؛ للعَيب يَجِدُه في الآخَر، رُوِي عن عمرَ وابْنِه (١) وابْنِ عبَّاسٍ (٢)، وبه قال أكثرُهم. وعن عليٍّ (٣) وابْنِ مَسعودٍ (٤): أنَّ الحُرَّةَ لا تُرَدُّ بعَيبٍ، إلاَّ أنْ يكونَ الرَّجلُ

стр. 4415

مَجْبوبًا (١) أوْ عِنِّينًا، فإنَّ لها الخيارَ، فإن اخْتارَت الفِراقَ؛ فرَّقَ الحاكِمُ بَينَهما بطَلْقةٍ، ولا يكونُ فَسْخًا؛ لأِنَّ وُجودَ العَيب لا يَقتَضِي فَسْخَ النِّكاح؛ كالعَمَى ونحوِه. وأُجِيبَ عنه: بأنَّ المختَلَفَ فيه يَمنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ كالْجَبِّ، والرَّجلُ أحدُ الزَّوجَينِ، فثَبتَ له الخيارُ كالمرأة، وتزوَّج النَّبيُّ ﷺ امرأةً فأبْصَرَ بكَشْحِها بَياضًا فقال: «خُذِي عَلَيكِ ثِيابَكِ» رواه أحمدُ وسعيدٌ (٢). (الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ)؛ لأِنَّ مِنْها ما يَختَصُّ الرِّجالَ، ومِنْها ما يَختَصُّ النِّساءَ، ومِنْها ما هو مُشتَرَكٌ بَينَهما. (أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ الرِّجَالَ، وَهُوَ شَيْئَانِ): (أَحَدُهُمَا (٣): أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا (٤) قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ)؛ لأِنَّ ذلك يَمنَعُ المقصودَ من النِّكاح، أشْبَهَ العُنَّةَ، بل أَوْلَى؛ لأِنَّه لا يُرْجَى زَوالُه، بخِلافِ العُنَّة، وحِينَئِذٍ العُيوبُ المثْبِتَةُ للفَسْخِ
следующие страницы →