← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وسُكوتُها لا يَدُلُّ على رضاها. (وَمَتَى اخْتَارَتِ الْمُعْتَقَةُ الفُرْقَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ (١)؛ فَالْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ (٢)، وكذا إن اخْتارَت الفَسْخَ قبلَ الدُّخول (٣)؛ لأِنَّه وَجَبَ بالعَقْد، فإذا اخْتارَت المقامَ؛ لم يُوجَدْ له مُسقِطٌ، والواجِبُ المسمَّى مطلَقًا. (وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ فَلَا مَهْرَ) لها، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّ الفُرقةَ جاءت مِنْ قِبَلِها، فهو كما لو أسْلَمَتْ أو ارتدَّتْ أوْ أرْضَعَتْ مَنْ يُفسَخُ نِكاحُها. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِسَيِّدِهَا نِصْفُ الْمَهْرِ)، ونَقَلَه مُهنَّى عن الإمام أحمدَ (٥)؛ لأِنَّه وَجَبَ للسَّيِّد، فلا يَسقُطُ بفِعْلِ غَيرِه. وأُجِيبَ: بأنَّه وإنْ وَجَبَ للسَّيِّد؛ لكِنْ بِواسِطَتِها، وفيه شَيءٌ. فلو كانَتْ مُفوِّضةً، فَفَرَضَ لها مَهْرَ المِثْل؛ فهو للسَّيِّد؛ لأِنَّه وَجَبَ للسَّيِّد في ملْكِه لا بالفَرْضِ، وكذا لو مات أحدُهما وَجَبَ. وإنْ كان الفَسْخُ قَبْلَ الدُّخول والفَرْضِ؛ فلا شيء (٦) إلاَّ على القَول بوجوب المتعة، حَيثُ تَجِبُ لِوُجُوبه، فلا يَسقُطُ بفِعْل غَيرِه. (وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَهُوَ مُعْسِرٌ؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ

стр. 4412

والأكثرُ؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيها، ولا يَصِحُّ قِياسُها على المنصوص، وعلَّله أحمدُ (١): بأنَّ النِّكاحَ صحيحٌ، فلا يُفسَخُ بالمختلَفِ فيه، وهذه مختَلَفٌ فيها. فلو زوَّج مُدبَّرةً له لا يَملِكُ غَيرَها، وقِيمتُها مائةً، بعبدٍ على مائتَينِ مَهْرًا، ثُمَّ مات السَّيِّدُ؛ عَتَقَتْ، ولا فَسْخَ قَبلَ الدُّخول؛ لِئَلاَّ يَسقُطَ المهرُ أوْ يَتنَصَّفُ، فلا يَخرُج من الثّلث، فيُرَقُّ بعضُها، فيَمتَنِعُ الفَسْخُ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَهَا الْخِيَارُ)، هذا روايةٌ، وقدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّها قد صارت أكملَ منه، فثَبت لها الخيارُ، كما لو عَتَقَ جميعُها. أمَّا لو كان مُوسِرًا؛ فإنَّ العِتْقَ يَسْرِي، ويَثبُتُ لها الخيارُ بلا نِزاعٍ، وكذا إذا قُلْنا بوجوبِ الاِسْتِسْعاء. فرعٌ: إذا عَتَقَ زوجُ الأَمَة؛ لم يَثبُتْ لها خيارٌ؛ لأِنَّ الكَفاءةَ تُعتبَرُ (٢) في الرَّجُل فقطْ، فلو تزوَّج امرأةً مطلَقًا، فبانَتْ أَمَةً؛ فلا خِيارَ له، ولو نَكَحَتْ رجُلاً مطلَقًا، فبانَ عبدًا؛ فلها الخِيارُ، وكذا في الاِسْتِدامة، لكِنْ إنْ عَتَقَ وَوَجَدَ الطَّولَ لِحُرَّةٍ، فهل يَبطُل نكاحُه؟ على وَجْهَيْنِ. (وَإِنْ عَتَقَ الزَّوْجَانِ مَعًا؛ فَلَا خِيَارَ لَهَا) في المشهور عنه، والنِّكاحُ باقٍ، سَواءٌ أعْتَقَهُما واحدٌ أو اثْنانِ، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ حرِّيَّةَ العَبدِ لو طَرَأَتْ بعدَ عِتْقِها؛ لَمَنَعَت الفَسْخَ، فإذا قارَنَتْ كان أَوْلَى أنْ تمنَعَ (٤) كالإسلام. وعنه: لها الخيارُ؛ كما لو عَتَقَتْ قَبلَه. (وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا)، نَقَلَه الجماعةُ (٥)؛ لأِنَّ العِتْقَ معنًى يُزيلُ الملْكَ

стр. 4413

عنهما لا إلى مالِكٍ، فجاز أنْ تَقَعَ فيه الفُرقةُ؛ كالموت. وفي «المغْنِي»: مَعْناهُ - والله أعْلَمُ - أنَّه إذا وَهَبَ عَبدَه سُرِّيَّةً، وأَذِنَ له في التَّسَرِّي بها، ثُمَّ أعْتَقَهما جميعًا؛ لم يُصِبْها إلاَّ بنِكاحٍ جديدٍ، واحتجَّ أحمدُ بما رَوَى نافِعٌ، عن ابن عمرَ (١). أمَّا إذا كانَت امرأتَه فَعَتَقَا؛ لم يَنفَسِخْ؛ لأِنَّه إذا لم يَنفَسِخْ بإعْتاقِها وحدَها؛ فَلَأَنْ لا يَنفَسِخَ بإعْتاقِهما معًا أَوْلَى. وهذه التي ذَكَرَها المؤلِّف هي كاحْتِمالٍ في «الواضح» في عِتْقِه وحدَه؛ بِناءً على غِناهُ عن أَمَةٍ بِحُرَّةٍ، وذَكَرَ غَيرُه: إنْ وَجَدَ طَولاً، فَلَوْ أعْتَقَ نصفَهما؛ فهو كما لو عتقا. مسألةٌ: يُستَحَبُّ لِمَنْ له عبدٌ وأَمَةٌ مُتزَوِّجانِ (٢) البَداءَةُ بعِتْقِ الرَّجلِ؛ لِئَلاَّ يَثْبُتَ للمرأة الخِيارُ عليه، فيُفْسَخَ نكاحُه، واللهُ أعْلَمُ بالصَّواب (٣).

стр. 4414

بَابُ حُكْمِ الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ خِيارُ الفَسْخ يَثْبُت لكلِّ واحدٍ من الزَّوجَينِ؛ للعَيب يَجِدُه في الآخَر، رُوِي عن عمرَ وابْنِه (١) وابْنِ عبَّاسٍ (٢)، وبه قال أكثرُهم. وعن عليٍّ (٣) وابْنِ مَسعودٍ (٤): أنَّ الحُرَّةَ لا تُرَدُّ بعَيبٍ، إلاَّ أنْ يكونَ الرَّجلُ

стр. 4415

مَجْبوبًا (١) أوْ عِنِّينًا، فإنَّ لها الخيارَ، فإن اخْتارَت الفِراقَ؛ فرَّقَ الحاكِمُ بَينَهما بطَلْقةٍ، ولا يكونُ فَسْخًا؛ لأِنَّ وُجودَ العَيب لا يَقتَضِي فَسْخَ النِّكاح؛ كالعَمَى ونحوِه. وأُجِيبَ عنه: بأنَّ المختَلَفَ فيه يَمنَعُ الوَطْءَ، فأثْبَتَ الخِيارَ كالْجَبِّ، والرَّجلُ أحدُ الزَّوجَينِ، فثَبتَ له الخيارُ كالمرأة، وتزوَّج النَّبيُّ ﷺ امرأةً فأبْصَرَ بكَشْحِها بَياضًا فقال: «خُذِي عَلَيكِ ثِيابَكِ» رواه أحمدُ وسعيدٌ (٢). (الْعُيُوبُ الْمُثْبِتَةُ لِلْفَسْخِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ)؛ لأِنَّ مِنْها ما يَختَصُّ الرِّجالَ، ومِنْها ما يَختَصُّ النِّساءَ، ومِنْها ما هو مُشتَرَكٌ بَينَهما. (أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ الرِّجَالَ، وَهُوَ شَيْئَانِ): (أَحَدُهُمَا (٣): أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبًا (٤) قَدْ قُطِعَ ذَكَرُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلاَّ مَا لَا يُمْكِنُ الْجِمَاعُ بِهِ)؛ لأِنَّ ذلك يَمنَعُ المقصودَ من النِّكاح، أشْبَهَ العُنَّةَ، بل أَوْلَى؛ لأِنَّه لا يُرْجَى زَوالُه، بخِلافِ العُنَّة، وحِينَئِذٍ العُيوبُ المثْبِتَةُ للفَسْخِ

стр. 4416

ثَمانِيَةٌ: الجَبُّ، والعُنَّةُ، والفَتَقُ، والقَرَنُ، والعَفَلُ، والجُنونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ. وقال القاضِي: هي سبعةٌ، فالقَرَنُ والعَفَلُ واحِدٌ، وهو الرَّتَقُ أيضًا؛ لأِنَّه لَحْمٌ يَنبُتُ في الفَرْج، وحكاهُ عن أهل الأدب. فبعضُها يتعذَّر الوَطْءُ معه، وبعضُها يَمنَعُ الاِسْتِمْتاعَ المقصودَ بالنِّكاح، وبعضُها يُخشَى تَعَدِّيهِ إلى النَّفس والنَّسل. (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي إِمْكَانِ الْجِمَاعِ بِالْبَاقِي؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا) على المذهب؛ لأِنَّها تدَّعِي شيئًا يَعضُدُه الحالُ؛ ولأِنَّه بالقَطْع يَضعُفُ، والأصلُ عَدَمُه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ)؛ كما لو ادَّعى الوَطْءَ في العُنَّة، وكما لو كان ذَكَرُه قصيرًا، ما لم تَكُنْ بِكْرًا، قاله في «المحرَّر». (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ)، العِنِّينُ: هو العاجِزُ عن الوطء، وربَّما اشْتَهاهُ ولا يُمكِنُه، مُشتَقٌّ من عنَّ الشَّيءُ؛ إذا عَرَضَ، وقِيلَ: الذي له ذَكَرٌ ولا يَنتَشِرُ. فإن اخْتلَفَا في وُجودِ العُنَّة، فإنْ كان للمدَّعِي بيِّنةٌ من أهل الخِبرة والثِّقة؛ عُمِلَ بها، وإلاَّ حَلَفَ المنكِرُ، وقُبِلَ قولُه. فإنْ كان مريضًا يُغْمَى عليه ثُمَّ يَزولُ؛ فذلك مَرَضٌ (١) لا يَثبُتُ به خيارٌ، وإنْ زال المرضُ، ودام به الإغْماءُ؛ فهو الجُنونُ. فإذا ثَبَتَ أنَّه عُنَّةٌ؛ فهو عَيبٌ تَستحِقُّ المرأةُ به الفسخَ بَعْدَ أنْ تُضرَبَ (٢) له مُدَّةٌ يُختَبَرُ بها، ويُعلَمَ حالُه بها في قَولِ الجَماهِيرِ. (فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ)، أو أُقِيمَتْ به بيِّنةٌ عادِلةٌ؛ (أُجِّلَ سَنَةً مُنْذُ تَرَافُعِهِ)؛

стр. 4417

لقَولِ عمرَ (١) وابنِ مَسْعودٍ (٢) والمغيرةِ بنِ شُعْبةَ، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولا مُخالِفَ لهم، ورواه أبو حَفْصٍ عن عليٍّ (٤)، وكالْجَبِّ. وخَبَرُ امرأةِ رِفاعةَ: «إنَّما معه مِثْلُ هُدْبَةِ هذا الثَّوبِ» (٥)؛ لا حُجَّةَ فيه، فإنَّ المُدَّة إنَّما تُضرَبُ مع (٦) اعترافه وطَلَبِ المرأةِ ذلك، مع أنَّ الرَّجلَ أنْكَرَ ذلك، وقال: «إنِّي لَأعْرُكُها عَرْكَ الأَدِيمِ» (٧).

стр. 4418

قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وقد صحَّ أنَّ ذلك كان بَعْدَ طَلاقِه، فلا مَعْنَى لضَرْبِ المدَّة (١)، وحِينَئِذٍ لا يُحتَسَبُ عَلَيهِ منها ما اعْتَزَلَتْهُ فَقَطْ، قاله في «التَّرغِيبِ»؛ ولأِنَّ العَجْزَ عنه يَحتَمِلُ أنْ يَكونَ مَرَضًا، فتُضرَبُ له سَنَةٌ؛ لِتَمُرَّ به الفُصولُ الأربعةُ، وقِيلَ: شَمْسِيَّةٌ، فإنْ كان مِنْ يُبْسٍ زال في الرُّطوبة، وإنْ كانَ من رُطوبةٍ زالَ في فَصْلِ اليُبْسِ، وإنْ كان مِنْ بُرودةٍ زالَ في الحرارة، وإنْ كان من انْحِرافِ مِزاجٍ زالَ في فَصْلِ الاِعْتِدال، فإذا مَضَتِ الفُصولُ الأربعةُ، واختَلَفَتْ عليه الأهْوِيَةُ، ولم يَزُلْ؛ عُلِمَ أنَّه خِلقَةٌ، قال أحمدُ: أهلُ الطّبِّ قالوا: الدَّاءُ لا يُسجَنُ في البدن أكثرَ مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ (٢). وابْتِداءُ السَّنةِ مُنْذُ تَرافُعِه، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جماعةُ القائِلِينَ بتأْجِيلِه، بخِلافِ مُدَّة الإيلاءِ (٣). (فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا، وَإِلاَّ فَلَهَا الْفَسْخُ) في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّه تَثْبُتُ (٤) عُنَّتُه فيَثْبُتُ لها الفَسْخُ. واخْتارَ أبو بكرٍ، وصحَّحه المجْدُ: أنَّه لا يُؤجَّلُ، وتَفْسَخُ (٥) في الحال كالجَبِّ؛ ولأِنَّ المقْتَضِيَ للفَسْخ قد وُجِدَ، وزَوالُه لا يَحتَمِلُ الأَجَلَ، والظَّاهِرُ عَدَمُه. والحاصِلُ: أنَّها إذا ادَّعَتْ عَدَمَ وَطْئِها لِعُنَّته؛ سُئِلَ عن ذلك، فإنْ أنْكَرَ وهِيَ عَذْراءُ؛ فالقَولُ قَولُها، وإلاَّ فالقَولُ قَولُه مع يمينه في ظاهِرِ المذهب؛

стр. 4419

لأِنَّ الأَصْلَ السَّلامةُ، والأصحُّ: أنَّه يُحلَّفُ، فإنْ نَكَلَ عنها ثَبَتَ عَجْزُه، وأُجِّلَ سَنَةً في قَولِ عامَّتهم. (فَإِنِ اعْتَرَفَتْ (١) أَنَّهُ وَطِئَهَا مَرَّةً؛ بَطَلَ كَوْنُهُ عِنِّينًا)، في قَولِ أكثرِ العُلَماء؛ لأِنَّه قد تجدَّدَتْ قُدرتُه على الوطء، فبَطَلَ كَونُه عِنِّينًا؛ لأِنَّ حُقوقَ الزَّوجِيَّةِ مِنْ اسْتِقْرار المهْرِ والعِدَّةِ تَثبُتُ (٢) بوطْءٍ واحِدٍ، فكذا هذا، وأمَّا الجَبُّ فقد تحقَّقَ به العَجْزُ، فافْتَرَقا. تنبيهٌ: إذا أَوْلَجَ الحَشَفَةَ في الفَرْجِ؛ زالَتْ عُنَّتُه، فإنْ كان مَقْطوعَها؛ كَفَاهُ تَغْيِيبُ قَدْرِها من الباقي في الأصحِّ. وظاهِرُه: ولو في حَيضٍ أوْ إحْرامٍ، نَصَرَه في «الشَّرح». وذَكَرَ القاضي: أنَّ قِياسَ المذهب: أنَّه لا يَخرُج منها؛ لأِنَّه لا يَحصُلُ به الإحْصانُ والإباحةُ للزَّوج الأوَّلِ. وأُجِيبَ: بِأنَّه وَطْءٌ في محلِّه، فخَرَجَ منها كالمريضة. والآخر: لا يَخرجُ من العُنَّة إلاَّ بتَغْيِيبِ جميعِ الباقِي. (فَإِنْ (٣) وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ، أَوْ وَطِئَ غَيْرَهَا؛ لَمْ تَزُلِ الْعُنَّةُ)، جَزَمَ به في «الوجيز» وغَيره؛ لأِنَّ الدُّبُرَ لَيسَ مَحَلًّا للوطء، أشْبَهَ ما لو وَطِئَ دُونَ الفَرْج؛ ولأِنَّ كلَّ امرأةٍ تُعتَبَرُ في نَفْسِها؛ لأِنَّ الفَسْخَ لدَفْعِ الضَّرَر الحاصِلِ بالعجز عن وَطْئِها، وهو مَوْجودٌ هنا وإنْ وَطِئَ غَيرَها. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَزُولَ)، هذا وَجْهٌ حكاه في «المحرَّر» و «الفروع»، رُوِيَ عن سَمُرةَ (٤)، وعمرَ بنِ عبد العزيز، ولأِنَّ العُنَّةَ جِبِلَّةٌ،

стр. 4420

فلا تَختلِفُ (١) باخْتِلاف المحلِّ (٢) والنِّساء؛ ولأِنَّ الوطءَ في الدُّبُرِ أصْعَبُ، فَمَنْ قَدَرَ عليه كان على غيره أقْدَرَ، وهذا مختارُ ابنِ عَقِيلٍ، ومُقتَضَى قَولِ أبي بكرٍ. فعلى الأوَّلِ: لو تزوَّجَ امرأةً فأصابها، ثُمَّ أبانَها، ثُمَّ تزوَّجها فعُنَّ عنها؛ فلها المطالَبةُ؛ لأِنَّه إذا جاز عَنِ امْرأةٍ دُونَ أخرى؛ ففي نكاحٍ دُونَ آخَرَ أَوْلَى؛ لأِنها قد تَطْرَأُ. وعلى الثَّاني: لا يَصِحُّ، بل مَتَى وَطِئَ امْرأةً زالَتْ عُنَّتُه أبدًا. (وَإِنِ ادَّعَى أَنَّه وَطِئَهَا، وَقَالَتْ: إِنَّهَا عَذْرَاءُ، فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ ثِقَةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّ بَكارتَها أكْذَبَتِ الزَّوجَ؛ إذ الوطءُ مع بقاء البَكارة متعذِّرٌ. ويُقبَلُ في بَقاءِ عُذْرَتِها امرأةٌ ثِقةٌ؛ كالرَّضاع. وعَنْه: ثِنتان، ويُؤجَّلُ. فإن ادَّعَى أنَّ عُذْرَتَها عادَتْ بَعْدَ الوطء؛ قُبِلَ قَولُها؛ لأِنَّ هذا بعيدٌ جِدًّا وإنْ كان مُتَصَوَّرًا، والأصحُّ: أنَّها تُستَحْلَفُ. (وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أيْ: إذا لم يَشهَدْ لها أَحَدٌ؛ لأِنَّ الأصلَ السَّلامةُ وعَدَمُ العَيب، وكذا إذا ادَّعَتْ أنَّ عُذْرَتَها زالَتْ بسببٍ آخَرَ؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُه. (وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا؛ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ) مع يَمِينِه إنِ ادَّعاهُ ابْتِداءً، وإنِ ادَّعاهُ بَعْدَ ثُبوت عُنَّتِه وتأجيلِه؛ قُبِلَ قَولُها؛ لأِنَّ هذا يتعذَّر إقامةُ البيِّنة عليه؛ ولأِنَّه يَدَّعِي سلامةَ العَقْد وسَلامةَ نفسِه من العيوب، والأصلُ السَّلامةُ، فإنْ نَكَلَ؛ قُضِيَ عليه بالنُّكول، قال القاضي: ويتخرَّجُ أنْ لا يُستَحْلَفَ.

стр. 4421

(وَعَنْهُ: الْقَوْلُ قَوْلُهَا)، نَقَلَها ابنُ منصورٍ (١)، وحكاه القاضي في «المجرد»؛ لأِنَّ الأصلَ عدمُ الإصابة، فكان القَولُ قَولَها مع يَمِينها. (وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُخَلَّى مَعَهَا فِي بَيْتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَخْرِجْ مَاءَكَ عَلَى شَيْءٍ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّه لَيْسَ بِمَنِيٍّ؛ جُعِلَ عَلَى النَّارِ، فَإِنْ ذَابَ فَهُوَ مَنِيٌّ، وَبَطَلَ قَوْلُهَا)، نَقَلَه عن أحمدَ مُهَنَّى وأبو داودَ وأبو الحارث (٢)، واختاره القاضِي وأصحابُه؛ إذْ بذلك يَظهَرُ صِدْقُه أوْ صِدْقُها؛ إذِ الغالِبُ أنَّ العِنِّينَ لا يُنزِلُ، فمَعَ الإنزال يَغلِبُ على الظَّنِّ كَذِبُها، فيكونُ القَولُ قَولَه مع يمينه، ومع عَدَمِ الإنزالِ؛ يَظهَرُ صِدْقُها، فيكونُ القَولُ قَولَها، ومع الإنزال إذا أنْكَرَتْ أنَّه يُختبَرُ، فيُجعَلُ على النَّار، فإنْ ذاب فهو مَنِيٌّ؛ لأِنَّ ذلك مِنْ عَلامَاتِه، وإنْ يَبِسَ وتجمَّعَ فهو بَياضُ بَيضٍ، فإنْ ضَعُفَ عن إخْراجِه قُبِلَ قَولُها؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ معها. وذَكَرَ أبو بكرٍ: أنَّه يُزوَّج امرأةً لها دينٌ وحظٌّ من جَمالٍ، فإنْ ذَكَرَتْ أنَّه قَرِبَها؛ كُذِّبَت الأولى، وخُيِّرت الثَّانيةُ بَينَ المقام معه أوْ فِراقِه، ويكون صداقُها في بَيتِ المال، وإن ذَكَرَتْ أنَّه لا يَقرَبُها؛ فُرِّقَ بَينَه وبَينَ الزَّوجَتَينِ، ومَهراهُما في ماله، واعْتَمَد على ما رُوِيَ: «أنَّ امرأةً جاءت إلى سَمُرةَ، فَشَكَتْ إليه أنَّه لا يَصِلُ إلَيها زَوجُها (٣)، أنَّه كَتَبَ إلى مُعاوِيةَ فأَمَرَه بمِثْلِ ذلك» (٤). فرعٌ: إذا ادَّعَتْ زوجةُ مَجنونٍ عُنَّتَه؛ ضُرِبَتْ له مُدَّةٌ عندَ ابنِ عَقِيلٍ، وهل يَبطُلُ بحُدوثه فلا يَفسَخُ الوليُّ؟ فيه خِلافٌ.

стр. 4422

(فَصْلٌ) (الْقِسْمُ الثَّانِي: يَخْتَصُّ النِّسَاءَ)، وهو ظاهِرٌ، (وَهُوَ شَيْئَانِ): (الرَّتَقُ)، بفَتْحِ الرَّاء والتَّاء؛ يَعْنِي: مُلْتَصِقًا لا يَدخُلُ الذَّكَرُ فيه، قاله أبو الخَطَّاب، وقال الجَوهَريُّ: هو مَصدَرُ امرأةٍ رَتْقاءَ؛ أيْ: بيِّنةِ الرَّتَقِ لا يُستَطاعُ جِماعُها؛ لاِرْتِتاقِ (١) ذلك الموضِع مِنْها (٢)، (وَهُوَ كَوْنُ الْفَرْجِ مَسْدُودًا لَا مَسْلَكَ لِلذَّكَرِ فِيهِ)، قاله في «الفروع» وغيره؛ لأِنَّه يَمنَعُ من اسْتِيفاءِ مَقْصودِ النِّكاح، أشْبَهَ الجَبَّ والعُنَّةَ؛ ولأِنَّ المرأةَ أحدُ العِوَضَينِ في النِّكاح، فجاز ردُّها بعَيبٍ؛ كالصَّداق. (وَكَذَلِكَ الْقَرَنُ، وَالْعَفَلُ، وَهُوَ لَحْمٌ يَحْدُثُ فِيهِ يَسُدُّهُ)، كذا قِيلَ. أمَّا القَرَن؛ بفَتْح القاف والرَّاء، قَرِنَت المرأةُ بكَسْرِ الرَّاء، تَقرَن قَرَنًا (٣) بفَتْحِها فيهما؛ إذا كانَ في فَرْجِها قَرْنٌ وهو العَظْمُ، أوْ غُدَّةٌ مانِعةٌ من سُلُوك الذَّكَر. وأمَّا العَفَل بِوَزْنِ فَرَسٍ: شَيءٌ يَخرُجُ من (٤) فَرْجِ المرأةِ وحَياءِ النَّاقة، شَبِيهٌ بما يكونُ في خُصْيَةِ الرَّجُل. (وَقِيلَ: الْقَرَنُ عَظْمٌ، وَالْعَفَلُ: رَغْوَةٌ)، بتَثْليثِ الرَّاء، ورغْوَةُ اللَّبَن مَعروفةٌ، وزَبَدُ كلِّ شَيءٍ: رغْوَتُه، (تَمْنَعُ (٥) لَذَّةَ الْوَطْءِ)، قاله أبو حفصٍ. وقال القاضي: هما والرَّتَق: لَحْمٌ يَنبُتُ في الفَرْجِ.

стр. 4423

(الثَّانِي: الْفَتَقُ)، قال الجَوهَريُّ: الفَتَق بالتَّحْريك، مَصدَرُ قَولِك: امْرأةٌ فَتْقَاء، وهي الْمُنْفَتِقَة (١) الفَرْج، خِلافُ الرَّتْقاءِ (٢)، (وَهُوَ انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ السَّبِيلَيْنِ)، وهو المذهَبُ، واعْتَمَد عليه في «الفروع». (وَقِيلَ: انْخِرَاقُ مَا بَيْنَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ)، قدَّمه في «الكافي»؛ لأِنَّ فيه تَنْفيرًا، أشْبَهَ انْخِراقَ ما بَينَ السَّبِيلَينِ، وفي «المحرَّر»: إذا انْخَرَقَ مَخرَجَا البَولِ والْمَنِيِّ في الفَرْج، فهل يَثبُتُ الخِيارُ؟ على وجْهَينِ. (الثَّالِثُ: مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ)؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ تزوَّج امرأةً من بَنِي غِفارٍ، فرأى بكَشْحِها بَيَاضًا، فقال: «الْحَقِي بأَهْلِكِ» (٣)، فثَبَتَ الخِيارُ بالبَرَص، وباقي العيوب بالقياس عليه؛ ولأِنَّهما يُثِيرانِ نُفْرةً في النَّفس تَمنَعُ (٤) قُرْبانَ أحدهما الآخَرَ، ويُخشَى تعدِّيه إلى النَّفس والنَّسْل. (وَالْجُنُونُ)؛ لأِنَّه يُثِيرُ النُّفرةَ المذكورةَ، ويُخافُ ضرَرُه، (سَوَاءٌ كَانَ مُطْبِقًا)؛ أيْ: دائمًا، (أَوْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ)؛ أيْ: يَعتَرِيهِ وقْتًا دُونَ آخَرَ؛ لأِنَّ النَّفسَ لا تَسكُنُ إلى مَنْ هذه حالُه، وفي «الواضح»: جنونٌ غالِبٌ، وفي «المغْنِي»: أوْ إغْماءٌ، لا إغْماء مريضٍ لم يَدُمْ. (فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ يَثْبُتُ بِهَا خِيَارُ الْفَسْخِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)، وهذا تصريحٌ من المؤلِّف أنَّه (٥) لا خلافَ عنه في ذلك.

стр. 4424

فَصْلٌ (وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْبَخَرِ وَهُوَ نَتْنُ الْفَمِ)، على المذهب (١)؛ لأنه يُثير نُفرةً (٢) كالبرص. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: نَتْنٌ فِي الْفَرْجِ يَثُورُ عِنْدَ الْوَطْءِ)؛ لأِن النُّفرةَ حاصِلةٌ به، قال في «المغْنِي»: إنْ أراد به أنَّه يُسمَّى: بَخَرًا، ويَثبُتُ الخِيارَ، وإلاَّ فلا مَعْنَى له. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في بَخَرٍ (٣) رِوايتَينِ. فائدةٌ: يُستعمَلُ له السِّواكُ، ويَأخُذُ كلَّ يَومٍ وَرَقَ آسٍ مع زَبِيبٍ مَنزُوعِ العجم قَدْر جَوزةٍ، واسْتِعمالُ الكُرْفس ومَضْغُ النَّعناع جيِّدٌ فيه. (وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ)؛ أيْ: لا يَزالُ يَنقُضُ، (وَالنَّجْوِ)، وهو الغائط، (وَالْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ فِي الْفَرْجِ)، واحدُها قَرْحٌ؛ بفَتح القاف وضمِّها، كالضَّعف، والضُّعف. (وَالْبَاسُورِ)، وهو علَّةٌ تَخرُج في المِقْعَدَة، (وَالنَّاسُورِ)، بالنُّون: العِرْق الذي لا يَزالُ ينقض (٤). (وَالْخِصَاءِ)، بالمدِّ، خَصَيت الفَحلَ خَصْيًا؛ إذا سَلَلْتَ أُنثَيَيهِ أوْ قَطَعْتهما، أوْ قَطَعْتَ ذكرَه، (وَهُوَ قَطْعُ الْخُصْيَتَيْنِ، وَالسَّلِّ: وَهُوَ سَلُّ البَيْضَتَيْنِ، وَالْوِجَاءِ)، بكَسْرِ الواو ممدودًا، (وَهُوَ رَضُّهُمَا)، وفي «المطلع»: وهو رضُّ عُروقِ البَيضَتَينِ حتَّى تَنفَضِخَ، فيَكونُ شَبِيهًا بالخِصاء.

стр. 4425

(وَفِي كَوْنِهِ خُنْثَى)، سَواءٌ كان مُشْكِلاً أوْ لا، قاله جماعةٌ، وخَصَّه في «المغْنِي» بالمشْكِلِ، وفي «الرِّعاية» عَكْسُه، وفي ثبوت الخيار بذلك وجْهانِ: أحدُهما: لا يَثبُتُ؛ لأِنَّ ذلك لا يَمنَعُ الاِسْتِمتاعَ، ولا يُخشَى تعدِّيه، أشْبَهَ العَمَى، بل يُقال: إنَّ الخَصِيَّ أقدرُ على الجماع، والخُنثى فيه خِلْقةٌ زائدةٌ؛ كاليد الزَّائدة. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ فيه نقصًا وعارًا، ويُثِيرُ نفرةً. وألْحَقَ بذلك في «الموجز»: بَولُ كبيرةٍ في الفراش، والقَرَعُ في الرَّأس، وله رائحةٌ مُنكَرةٌ: وجهانِ. (وَفِيمَا إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ عَيْبًا بِهِ مِثْلُهُ (١)؛ لا خيارَ؛ لأِنَّه لا مَزِيَّةَ لأِحدِهما على صاحبه. والثَّاني، وهو الأصح: ثُبوتُه؛ لوجود سببه، أشْبَهَ العبدَ المغرورَ بأَمَةٍ؛ لأِنَّ الإنسانَ قد يَأْنَفُ من عَيبِ غَيرِه، ولا يَأنَفُ من عَيبِ نفسه (٢). وعُلِمَ منه: أنَّه إذا اختلف العيبُ فيهما؛ أنَّه يَثْبُتُ الخيارُ، إلاَّ أنْ يَجِدَ المجبوبُ المرأةَ رَتْقاءَ، فلا يَنبَغِي أنْ يَثبُتَ لهما الخيارُ؛ لاِمْتِناع الاِسْتِمْتاع بعَيبِ نفسِه. واختار في «الفصول»: إنْ لم يَطَأْ لنَضْوتها؛ فكرتقاء. (أَوْ حَدَثَ بِهِ الْعَيْبُ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ هَلْ (٣) يَثْبُتُ الْخِيَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، واختاره القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في

стр. 4426

«الشَّرح»: يَثبت الخيارُ؛ لأِنَّه عَيبٌ أثبت الخِيارَ مُقارِنًا، فأثبته طارِئًا؛ كالإعسارِ والرِّقِّ. والثَّاني: لا، وهو قَولُ أبي بكرٍ وابن حامدٍ؛ لأِنَّه عَيبٌ حَدَثَ بالمعقود عليه بعد لُزوم العقد، أشْبَهَ الحادِثَ بالمبيع. والأوَّل أشْبَهُ؛ لأِنَّه يَنتقِضُ بالعيب الحادث في الإجارة. تنبيهٌ: عُلِمَ مِمَّا سبق: أنَّه لا فَسْخَ بغَيرِ ذلك؛ كعَوَرٍ، وعَمًى، وقَطْعِ يدٍ، بخلاف البيع. وفي «الرَّوضة»: هل يُحَطُّ من مهر المثل بقَدْرِ النَّقص (١)؟ فيه نظرٌ. وقِيلَ لشَيخنا (٢): لِمَ فُرِّقَ بَينَ هذه العيوبِ وغيرِها؟ قِيلَ: قد عُلِم أنَّ عيوبَ الفَرْج المانِعةِ من الوطء لا يُرضَى بها في العادة، فإنَّ المقصودَ من النِّكاح الوطء، بخلافِ اللَّون والطُّول والقِصَر، وأنَّ (٣) الحُرَّةَ لا تُقلَّبُ كما تُقلَّب الأَمَةُ، والزَّوجُ قد رَضِيَ رضًا مُطلَقًا، وهو لم يَشتَرِطْ صفةً، فبانَتْ بِدُونها، والصَّوابُ: أنَّ له الفسخَ. وذَكَر صاحبُ «الهَدْي» في قطعِ يدٍ أوْ رِجلٍ، أوْ خَرَسٍ، أوْ طَرَشٍ، وكذا كلُّ عَيبٍ لا يَحصُلُ به مقصودُ النِّكاح، فَوَجَبَ (٤) الخِيارُ، وأنَّه أَوْلَى من البيع (٥). واخْتارَ بعضُ الشَّافعيَّة: ردَّ المرأةِ بما تُرَدُّ به الأَمَةُ في البيع، حكاه أبو عاصمٍ العَبَادانيُّ (٦).

стр. 4427

وقال أبو البقاء: الشَّيخُوخَة في أحدِهما عَيبٌ، ولو بان عَقِيمًا فلا خِيارَ، نَصَّ عليه، ونقل ابنُ منصورٍ: أعْجَبُ إليَّ أنْ يُبيِّنَ لها (١). (فَإِنْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الْعَقَدِ، أَوْ قَالَ: قَدْ رَضِيتُ بِهِ مَعِيبًا)، فلا خيارَ له بغير خلافٍ نَعلَمُه (٢)؛ لأِنَّه قد رَضِيَ به، أشْبَهَ مُشْتَرِيَ المبيع (٣)، وإنْ ظنَّه يسيرًا فبان كثيرًا؛ فلا خيارَ له، بخلاف ما إذا رَضِيَ بعيبٍ فبان غيرُه؛ لأِنَّه وَجَدَ به عَيبًا لم يَرْضَ به ولا يَحبسُه، وإنْ رَضِيَ بعَيبٍ فزاد بَعْدَ العَقْد؛ فلا خِيارَ له؛ لأِنَّ رضاهُ به رضًا بما يَحدُثُ منه. (أَوْ وُجِدَ مِنْهُ دِلَالَةٌ عَلَى الرِّضَا مِنْ وَطْءٍ، أَوْ تَمْكِينٍ مَعَ العِلْمِ بِالعَيْبِ؛ فَلَا خِيَارَ لَهُ)؛ لأِنَّه عَيبٌ يُثبِت الخيارَ، فبَطَلَ بما ذُكِرَ كالعَيب في المبِيع. وعُلِمَ منه: أنَّ خيارَ العيب والشَّرْط على التَّراخي، لا يَسقُط إلاَّ بما يدُلُّ على الرِّضا من قَولٍ أوْ فِعْلٍ، إلاَّ في العُنَّة، فإنَّه لا يَسقُط بغَيرِ القَول، وصرَّح به الأصحابُ. (وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ)؛ لأِنَّه مُجتهَدٌ فيه؛ كالفسخ بالإعسار والعُنَّة، بخلاف خيار المعتَقة تحتَ عبدٍ، فإنه مُتَّفَقٌ (٤) عليه، فَعليْهِ: يَفسَخه هو، أو يَرُدُّه إلى من له الخيارُ. وفي «الموجز»: يتولاَّهُ هو.

стр. 4428

وإنْ فُسِخ مع غَيبته (١)، أوْ فُرِّق بَينَ مُتلاعِنَينِ بعدَ غيبتهما (٢)؛ ففيه خلافٌ في «الانتصار». وفي «الترغيب»: لا يُطلَّق على عِنِّين كمولٍ في أصحِّ الرِّوايتَينِ، ولا تَحرُم أبدًا. وعنه: بلى؛ كلِعانٍ. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: لَيس هو (٣) الفاسِخَ، وإنَّما يأذَنُ ويَحكُم به، فمتى أَذِن أو حَكَمَ لأِحدٍ باسْتِحقاقِ عَقْدٍ أوْ فَسْخٍ؛ فهو فِعْلُه (٤). فرعٌ: إذا زال العَيبُ؛ فلا فَسْخَ، وكذا إنْ عُلِم حالةَ العقد، ومَنَعَه في «المغْنِي» في عِنِّينٍ ذَكَرَه في المصرَّاة، قال في «الفروع»: ويتوجَّه في غَيرِهِ مِثلُه. (فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَلَا مَهْرَ)، سَواءٌ كان الفاسِخُ الزَّوجَ أو الزَّوجةَ؛ لأِنَّ الفَسْخَ إنْ كان منها؛ فالفُرْقةُ مِنْ جِهَتِها؛ فسقَطَ (٥) مَهرُها؛ كرضاعِ زوجةٍ له أخرى، وإنْ كان منه، فإنَّما (٦) فَسَخَ لعيبٍ بها دلَّسته (٧) بالإخفاء، فصار الفسخُ كأنَّه منها. لا يُقالُ: هلاَّ جُعِلَ فَسْخُها لعَيبه كأنَّه منه؛ لحصوله بتدليسه؛ لأِنَّ العِوَضَ من الزَّوج في مقابَلةِ منافِعها، فإذا اختارت الفسخَ مع سلامة ما عُقِدَ عليه؛

стр. 4429

رجع العِوَضُ إلى العاقد منها (١)، وليس من جِهَتِها عِوَضٌ في مقابَلةِ منافِعِ الزَّوج، وإنَّما ثَبَتَ لها الخيارُ لأجلِ ضَرَرٍ يَلحَقُها، لا لأجلِ تعذُّرِ ما اسْتحقَّتْ عليه في مقابَلته عِوَضًا، فافْتَرَقا. (وَإِنْ فُسِخَ بَعْدَهُ؛ فَلَهَا الْمُهْرُ الْمُسَمَّى) على المذهب؛ لأِنَّه نكاحٌ صحيحٌ وُجِدَ بأركانِه وشروطه، فترتَّب عليه أحكامُ الصِّحَّة؛ ولأِنَّ المهرَ يَجِبُ بالعقد، ويَستَقِرُّ بالخلوة، فلا يَسقُط بحادِثٍ بعدَه، بدليلِ: أنَّه لا يَسقُط برِدَّتها؛ وفيه مُسمًّى صحيحٌ، فَوَجَبَ؛ كغير المَعِيبة والمعتَقة تحتَ عبدٍ، وكما لو طَرَأَ العَيبُ. (وَقِيلَ عَنْهُ: مَهْرُ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّ الفَسْخَ اسْتَنَدَ إلى (٢) العقد، فصار كالعقد الفاسد. وقِيلَ عنه: مهرُ المثل في فسخ الزَّوج لشرطٍ أوْ عَيبٍ قديمٍ. وقِيلَ فيه: يُنسَبُ قدرُ نَقْصِ مهر المثل لأجل ذلك إلى مهر المثل كامِلاً، فيَسقُط من المسمَّى بنِسبته، فَسَخ أو أمضى. وقاسه في الخلاف على المبيع المعِيب، وفي «مختصر ابن رَزِينٍ»: مسمًّى بلاحِقٍ، ومثل بسابقٍ. فرعٌ: الخلوةُ هنا: كالوطء في تقريرِ المهرِ ونحوِه. (وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؛ مِنَ الْمَرْأَةِ، وَالْوَلِيِّ)، أو الوكيل، رواه مالِكٌ عن عمرَ (٣)، وكما لو غرَّ بحرِّيَّةِ أَمَةٍ، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ: أنَّ المذهب روايةً واحدة: أنَّه يَرجِع، قال أحمدُ: كنتُ أذْهَبُ إلى قَولِ عليٍّ فهِبْتُه، فمِلْتُ

стр. 4430

إلى قَولِ عمرَ (١). (وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ)، وهي قولُ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّه ضَمِنَ ما اسْتَوْفَى بَدَلَه، وهو الوطء، فلا يَرجِعُ به على غيره؛ كما لو كان المبِيعُ مَعِيبًا فأكَلَه. فعلى الأوَّل: إنْ كان الوليُّ عَلِمَ؛ غَرِمَ، وإنْ لم يَعلَمْ؛ رَجَع عليها بالصَّداق. ويُقبَل قَولُ الوليِّ مع يمينه في عَدَم عِلْمِه بالعيب، إلاَّ أنْ تَقُومَ عليه بيِّنةٌ بإقراره. وقال القاضي: إنْ كان أبًا، أوْ جَدًّا، أوْ ممَّن يجوز أنْ يراها؛ فالتَّقريرُ (٢) في جِهَته، عَلِمَ أوْ لا. ومِثْلُه الرُّجوعُ على الغارِّ: لو زُوِّج امْرأةً، فأدْخَلُوا عليه غَيرَها، ويَلحَقُه الولدُ، وتُجهَّز زوجتُه بالمهر الأوَّل، نَصَّ عليه (٣). فرعٌ: إذا طلَّقها قبلَ الدُّخول، ثُمَّ عَلِمَ أنَّه كان بها عَيبٌ؛ فعليه نصفُ الصَّداق، وإنْ مات أو ماتَتْ قَبلَ العلم بالعيب؛ فلها الصَّداقُ، ولا يَرجِعُ فيهما. وإذا بانَتْ بالفَسْخ؛ فلا سُكْنَى لها ولا نفقةَ إنْ كانَتْ حائلاً؛ كالبائن بالثَّلاث. وإنْ كانَتْ حامِلاً؛ فلها النَّفقةُ للحمل، والحَمْلُ لاحِقٌ به. وقيل: لا؛ لأِنَّها بائنٌ، وفي السُّكْنَى رِوايَتانِ.

стр. 4431

(فَصْلٌ) (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ) حرَّةٍ، (أَوْ مَجْنُونَةٍ، وَلَا سَيِّدِ أَمَةٍ؛ تَزْوِيجُهَا مَعِيبًا)؛ لأِنَّه ناظِرٌ لهم بما فيه الحَظُّ، ولا حظَّ لهنَّ في هذا العقدِ. فإنْ زوَّجَهنَّ مع العلم بالعيب؛ لم يَصِحَّ، وإنْ لم يَعلَمْ به؛ صحَّ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لا يَعلَمُ عَيبَه، وقيل: مطلَقًا، وعَكْسُه. وهل له الفَسْخُ إذَنْ، أوْ يَنتَظِرها؟ فيه وَجْهانِ. وفي «الرِّعاية»: الخلافُ إنْ أجْبَرَها بغَيرِ كُفُؤٍ، وصحَّحه في «الإيضاح» مع جَهْلِه وتُخيَّر. ومِثْلُه: تزويجُ صغيرٍ ومَجْنونٍ بمَعِيبةٍ. (وَلَا لِوَلِيِّ كَبِيرَةٍ تَزْوِيجُهَا بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّها تَملِكُ الفَسْخَ إذا عَلِمَتْ به بعدَ العقد، فالاِمْتِناعُ أَوْلَى. فإنْ خالَفَ وفَعَلَ؛ صحَّ مع جَهْلِه به، والأصحُّ: له الفَسْخُ إذا عَلِمَ. (فَإِنِ اخْتَارَتِ الْكَبِيرَةُ نِكَاحَ مَجْبُوبٍ أَوْ عِنِّينٍ؛ لَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهَا) في الأصحِّ؛ لأِنَّ الحقَّ لها، والضَّرَرَ مُختَصٌّ (٢) بها. والثَّاني: له مَنْعُها؛ لأِنَّه ضَرَرٌ دائمٌ، ربَّما أفْضَى إلى الشِّقاق، فيتضرَّر وليُّها وأهلُها، فمَلَكَ (٣) الوليُّ مَنْعَها، كما لو أرادتْ نكاحَ غيرِ كُفُؤ، قال أحمدُ: ما يُعجِبُني أنْ يُزَوِّجَها بعِنِّينٍ، وإنْ رَضِيَتِ السَّاعةَ تَكرَهُ إذا دَخَلَتْ عليه؛ لأِنَّ من شأنِهِنَّ النِّكاحَ، ويُعجِبُهنَّ مِنْ ذلك ما يُعجِبُنا (٤).

стр. 4432

(وَإِنِ اخْتَارَتْ نِكَاحَ مَجْنُونٍ، أَوْ مَجْذُومٍ، أَوْ أَبْرَصَ؛ فَلَهُ مَنْعُهَا فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ فيه ضررًا دائمًا، وعارًا عليها وعلى أهلها، أشْبَهَ تزويجَها بغَيرِ كُفُؤ؛ ولأِنَّه يُخشَى تعدِّيه إلى الولد. والثَّاني: لا يَملِكُ مَنْعَها؛ لأِنَّ الحقَّ لها، أشْبَهَ المجبوبَ. وعلى الأوَّل: فلو اتَّفقا على ذلك ورَضِيَا به؛ صحَّ النِّكاحُ، ويُكرَه لهما ذلك؛ لأِنَّها وإنْ رَضِيَتِ الآنَ؛ تَكرَهُ فيما بعدُ. وقِيلَ: ولبقيَّة الأولياء المنْعُ؛ لأِنَّ العارَ يَلحَقُهم، أشْبَهَ ما لو زوَّجها بغَيرِ كُفُؤ. (وَإِنْ عَلِمَتِ الْعَيْبَ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ؛ لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَهَا عَلَى الْفَسْخِ)، ذَكَرَه الأصحابُ؛ لأِنَّ حقَّ الوليِّ في ابْتِداء العَقْد، لا في دَوامِه؛ لأِنَّها لو دَعَتْ وليَّها أنْ يُزوِّجَها بعبدٍ؛ لم يَلزَمْه إجابتُها، ولو عَتَقَتْ تحتَ عبدٍ؛ لم يَملِكْ إجبارها على الفَسْخِ.

стр. 4433

(بَابُ نِكَاحِ الْكُفَّارِ) (وَحُكْمُهُ حُكْمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا يَجِبُ بِهِ، وَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ). أنْكِحةُ الكُفَّارِ يتعلَّقُ بها أحْكامُ النِّكاح الصَّحيحِ؛ مِنْ وُقوعِ الظِّهار، والإِيلاء، ووُجوبِ المهْرِ، والقَسْمِ، والإباحةِ للزَّوج الأوَّلِ، والإحْصانِ، وكذا وُقوعُ الطَّلاق في قَولِ الجمهور؛ لأِنَّه طَلاقٌ مِنْ بالِغٍ عاقِلٍ في نكاحٍ صحيحٍ، فَوَقعَ؛ كطلاقِ المسلِمِ. ودليلُ صحَّته: قَولُه تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)﴾ [المَسَد: ٤]، و ﴿امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ﴾ [التّحْريم: ١١]، وحقيقةُ الإضافةِ تَقتَضِي زَوجيَّةً صحيحةً؛ ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «وُلِدتُ مِنْ نكاحٍ، لا مِنْ سِفاحٍ» (١)، وإذا ثَبَتَ صحَّتُها ثَبَتَ أحكامُها؛ كأنْكِحة المسلمين. فَعَلَى هذا: لو طلَّق الكافِرُ ثلاثًا، ثُمَّ تزوَّجها قَبْلَ زَوْجٍ وإصابةٍ، ثُمَّ أسْلَما؛ لم يُقَرَّا عليه، ولو طلَّقها أقلَّ مِنْ ثلاثٍ، ثُمَّ أسْلَما؛ فهي عندَه على ما بَقِيَ مِنْ طَلاقِها، ويَحرُمُ عليهم ما يَحرُم على المسلمين، كما ذُكِرَ في بابه. (وَيُقَرُّونَ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا اعْتَقَدُوا حِلَّهَا) في شَرْعِهم، (وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا)، هذا هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه أسْلَمَ الخَلْقُ الكثيرُ في زَمَنِه ﵇، فأقرَّهم على أنْكِحَتِهم، ولم يَكشِفْ عن كَيفِيَّتها خصوصًا أهلَ هَجَرٍ؛ لِعِلْمِه

стр. 4434

بأنَّهم يَستَبِيحونَ نكاحَ مَحارِمِهِم، ولأِنَّ ما لا يَعتَقِدونَ حِلَّه لَيسَ مِنْ (١) دِينهم، فلا يُقَرُّون عليه كالزِّنى، قال أحمدُ فِيمَنْ عَقَدَ على ذاتِ مَحْرَمٍ: أنَّه يُقَرُّ ما لم يَرتَفِعُوا إلَينا (٢). (وَعَنْهُ فِي مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً، أَوِ اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً: يَحُولُ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ (٣)؛ لأِنَّه لا مَساغَ له عِندَنا؛ ولأِنَّ عَلَينا ضَرَرًا في ذلك بتحريمِ أوْلادِ النَّصرانيَّة عَلَينا، ولأِنَّه نكاحٌ فاسِدٌ، أشْبَهَ نكاحَ المسلِمِ الفاسِدِ، (فَيُخَرَّجُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى نِكَاحِ مَحْرَمٍ)، وأنْ يُحالَ بَينَهم وبَينَ نكاحِ محارِمِهم؛ لقَولِ عمرَ: «فَرِّقوا بَينَ كلِّ رَحِمٍ من المجوس» (٤)، وقال أحمدُ (٥) في مجوسيٍّ مَلَكَ أَمَةً نَصْرانيَّةً: يُحالُ بَينَه وبَينَها، ويَجِبُ عليه بَيعُها؛ لأِنَّ النَّصارَى لهم دِينٌ، فلو مَلَكَ نصرانيٌّ مَجوسيَّةً؛ فلا بَأْسَ أنْ يَطَأَها. وقال أبو بكرٍ: لا يُباحُ؛ لِمَا فيه من الضَّرر. (فَإِنْ أَسْلَمُوا) وأتَوْنا، (أَوْ تَرَافَعُوا إِلَيْنَا) قَبْلَ إسْلامِهم، (فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ) لِنَعقِدَه لهم؛ (لَمْ نُمْضِهِ إِلاَّ عَلَى الوَجْهِ الصَّحِيحِ)؛ كأنْكِحةِ المسلمين، من الإيجاب والقَبول والوليِّ والشُّهود؛ لأِنَّه لا حاجةَ إلى عَقْدٍ يُخالِفُ ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المَائدة: ٤٢]؛ أيْ: بالعَدْل. (وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ)، حتَّى ولو أسْلَمَ الزَّوجانِ، فإنْ كانت المرأةُ تُباحُ إِذنْ؛ كعَقْده في عِدَّةٍ فَرَغَتْ أوْ بلا شُهودٍ، نَصَّ عليهما (٦)، أوْ بِلا وليٍّ

стр. 4435

وصيغةٍ، أوْ على أُخْتٍ ماتَتْ؛ (لَمْ نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلماءُ على أنَّ الزَّوجَينِ إذا أسْلَما معًا في حالةٍ واحدةٍ أنَّ لهما المقامَ على نكاحهما، ما لم يكُنْ بَينَهما نَسبٌ أوْ رضاعٌ (١). (بَلْ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا؛ كَذَاتِ مَحْرَمِهِ، وَمَنْ هِيَ فِي عِدَّتِهَا، أَوْ شُرِطَ الْخِيَارُ فِي نِكَاحِهَا مَتَى شَاءَ، أَوْ مُدَّةً هُمَا فِيهَا، أَوْ مُطَلَّقَتِهِ ثَلَاثًا؛ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ الاِسْتِدامةَ أضْعَفُ من الاِبْتِداء، فإذا لم يَجُز الاِبْتِداءُ - وهو أقْوَى -؛ فَلَأَنْ لا تجوزَ الاِسْتِدامةُ - وهي أضْعَفُ - بطريقِ الأَوْلَى، وكذا إنْ كان بَينَهما نكاحُ مُتْعةٍ. فإنِ اعْتَقَدَا فسادَ الشَّرط وَحدَه؛ أُقِرَّا. (وَإِلاَّ أُقِرَّا عَلَى النِّكَاحِ)؛ لعدَمِ وجودِ ما يُبطِلُه. وعنه: يُعتَبَرُ في المفْسِد: مُؤبَّدًا أوْ مُجمَعًا عليه. فإذا أسْلَما، والمرأةُ بنتُه مِنْ رضاعٍ أوْ زِنًى، أوْ هِيَ في عِدَّةِ مُسلِمٍ مُتقَدِّمةٍ (٢) على العَقْد؛ فُرِّقَ بَينَهما، وإنْ كانَتْ مِنْ كافِرٍ؛ فرِوايَتانِ مَنصوصَتانِ، وفي حُبْلَى (٣) مِنْ زِنًى، وشرطِ الخِيار فيه مُطلَقًا أو إلى مُدَّةٍ؛ هما فيها، وَجْهانِ. (وَإِنْ قَهَرَ الْحَرْبِيُّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا، أَوْ طَاوَعَتْهُ، وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا)، ثُمَّ أسْلَما؛ (أُقِرَّا)؛ لأِنَّ المصحِّحَ له اعْتِقادُه الحِلَّ، وهو مَوجُودٌ هنا؛ كالنِّكاح بلا وليٍّ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يَعتَقِداهُ لم يُقَرَّا عَلَيهِ؛ لأِنَّه لَيسَ مِنْ أنكِحتِهِم.

стр. 4436

وحُكمُ أهلِ الذِّمَّة كذلك، جَزَمَ به في «المغْنِي»، وفي «التَّرغيب»: لا يُقَرُّونَ. (وَإِنْ كَانَ الْمَهْرُ الْمُسَمَّى صَحِيحًا)، قُبِضَ أوْ لمْ يُقبَضْ، (أَوْ فَاسِدًا قَبَضَتْهُ؛ اسْتَقَرَّ)؛ لأِنَّه لا يُتعرَّضُ إلى ما فَعَلوهُ، يُؤكِّدُه قَولُه تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولأِنَّ التَّعرُّضَ للمَقْبوض بإبْطالِه يشقُّ؛ لتَطاوُلِ الزَّمان، وكثرةِ تصرُّفاتهم في الحرام، ولأِنَّ في التَّعرُّض إليهم تنفيرًا لهم عن الإسلام، فعُفِيَ عنه كما عُفِيَ عمَّا تَرَكوه من الفرائض، ولأِنَّهم تَقابَضُوا بحُكمِ الشِّرْك، فبَرِئَتْ ذمَّةُ مَنْ هو عليه منه، كما لو تَبايَعوا بَيعًا فاسِدًا وتَقابَضُوا. (وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا)؛ كالخمر (لَمْ تَقْبِضْهُ (١)، أوْ لم يُسَمَّ لها شَيءٌ؛ (فُرِضَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ)؛ لأِنَّه يَجِب في التَّسمية الفاسدة إذا كانت الزَّوجةُ مسلمةً، فكذا الكافِرةُ، ولأِنَّ الخمرَ لا قِيمةَ له في الإسلام، فوجب مهرُ المثل. وعنه: لا شَيءَ لها في خمرٍ وخِنزيرٍ مُعيَّنٍ، ولها في غَيرِ مُعَيَّنٍ قِيمتُه، ذَكَرَها القاضي. فلو أسْلَما فانقلبت خَلًّا وطلَّق؛ ففي رجوعه بنصفه وجْهانِ. ولو تَلِفَ الخَلُّ ثُمَّ طلَّق؛ ففي رجوعه بنصف مِثْلِه احْتِمالانِ. فرعٌ: إذا قَبَضتْ بعضَ المسمَّى الفاسِدِ؛ وَجَبَ قِسْطُ ما بَقِيَ من مَهْرِ المثل، وتُعتبَرُ الحِصَّةُ فِيما يَدخُلُه الكَيلُ أو الوزنُ به، وفي معدودٍ؛ قِيلَ: بِعَدِّه، وقِيلَ: بقيمته عندهم. ولا يَرجِعُ بما أنفقه من خمرٍ ونحوِه؛ كما لو كان مهرًا قَبَضتْه، ذَكَرَه في «الرَّوضة».

стр. 4437

مسألةٌ: قال أحمدُ في المجوسيَّة تكونُ تحتَ أخيها أو أبيها، فيُطلِّقُها أوْ يموتُ عنها، فتُرفَعُ إلى المسلمين: لا مهرَ لها؛ لأِنَّه باطِلٌ من أصله، لا يُقَرُّ عليه في الإسلام (١). فإنْ دَخَلَ بها؛ فهل يَجِبُ مَهْرُ المثل؟ يُخرَّجُ على الخِلاف في المسلم إذا وَطِئَ امرأةً من مَحارِمِه بشُبهةٍ، انتهى. فلَوْ تزوَّجَ ذمِّيٌّ ذمِّيَّةً على أنْ لا صَداقَ لها، أوْ سَكَتَ عن ذِكْره؛ فلها المطالَبةُ بفَرْضِه قَبْلَ الدُّخول، وبَعدَه يَجْبُ مَهْرُ المِثْلِ.

стр. 4438

(فَصْلٌ) (وَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا)؛ بأنْ تلفَّظا بالإسلام دفعةً واحدةً؛ فهما على نكاحهما إجْماعًا (١)؛ لأِنَّ اخْتِلافَ الدِّين مُفسِدٌ للنِّكاح بمُجرَّد سَبْقِ أحدِهما. وقِيلَ: يَقِفُ على المجلس بدليل القَبْض؛ لأِنَّ اتِّفاقَهما على النُّطق بكلمةِ الإسلام مَعًا مُتعذِّرٌ، فلو اعتُبِرَ ذلك لَوَقَعَت الفُرْقَةُ بَينَ كلِّ مُسلِمَينِ إلاَّ في الشَّاذِّ النَّادِرِ (٢). (أَوْ أَسْلَمَ زَوْجُ الْكِتَابِيَّةِ)، سَواءٌ كان كتابيًّا أوْ غَيرَ كِتابِيٍّ، قَبْلَ الدُّخول أوْ بعدَه؛ (فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا)؛ لأِنَّ نكاحَ الكتابيَّة يَجوزُ ابْتداؤه، فالاِسْتِمرارُ أَوْلَى. (وَإِنْ أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ، أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرِ الكِتَابِيَّيْنِ)؛ كالوَثَنِيَّينِ والمجُوسِيَّينِ، (قَبْلَ الدُّخُولِ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ)؛ لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]؛ إذْ لا يُجوزُ لكافِرٍ نكاحُ مُسلِمةٍ، قال ابنُ المنذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه من أهل العلم (٣)؛ ولأِنَّ دِينَهما اخْتَلَف، فلم يَجُزِ اسْتِمْرارُه كابْتِدائه، وتعجَّلت الفُرْقةُ، وكان ذلك فَسْخًا لا طَلاقًا؛ كالرِّدَّة. (فَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُسْلِمَةَ؛ فَلَا مَهْرَ)، رجَّحه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ الفُرقةَ مِنْ جِهَتِها، أشْبَهَ ما لو ارْتدَّتْ.

стр. 4439

وعنه: لها نصفُه، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ منه بامْتِناعه من الإسلام، وهي فَعَلَت الواجِبَ عليها؛ كما لو علَّق طلاقَها على الصَّلاة فَصَلَّتْ. وفرَّق المؤلِّفُ بَينَهما؛ مِنْ حَيثُ إنَّ التَّعليقَ مِنْ جِهَة الزَّوج، بخلاف الإسلام، فإنَّه لا أَثَرَ له فيه البتَّة. وعَنْهُ: إنْ سَبَقَها، اخْتارَه الأكثرُ. (وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَهَا؛ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ من جِهَته، أشْبَهَ ما لَوْ طلَّقها. (وَعَنْهُ: لَا مَهْرَ لَهَا)؛ لأِنَّ الفُرْقةَ حَصَلَتْ بتأخُّرها عن الإسلام، فكان مِنْ جِهَتِها، ولأِنَّ في إيجاب المهْرِ عليه تنفيرًا له عن الإسلام؛ لأِنَّه يَجتَمِعُ عليه فَسْخُ النِّكاح مع وُجوبِ المهْرِ. (وَإِنْ قَالَتْ: أَسْلَمْتَ قَبْلِي، وَأَنْكَرَهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّها تدَّعِي اسْتِحْقاقَ شَيءٍ أَوْجَبَه العَقْدُ، وهو يَدَّعِي سُقوطَه، فلم يُقبَلْ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُه، وهذا تفريعٌ على أنَّها تَستَحِقُّ نِصْفَ المهْرِ إذا سَبَقَها بالإسلام، وأمَّا على الأخرى فَلَا. (وَإِنْ قَالَ: أَسْلَمْنَا مَعًا فَنَحْنُ عَلَى النِّكَاحِ، فَأَنْكَرَتْهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر» و «الفُروع»: أحدهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّه يُقبَلُ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ بَقاءُ النِّكاح. والثَّانِي: يُقبَلُ قَولُها؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ معها؛ إذْ يَبعُدُ اتِّفاقُ الإسلام منهما دَفْعةً واحِدةً. وإنْ قِيلَ: العِبْرةُ بالمجلس؛ فيَنبَغِي أنْ يُقبَلَ قَولُه؛ لأِنَّ العَمَلَ بالظَّاهِر مُتَعَيِّنٌ.

стр. 4440

فرعٌ: إذا قالا: سَبَقَ أحدُنا ولا نَعلَمُ عَينَه؛ فلها نصفُ المهر، قاله أبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «الفروع». وقال القاضي: إنْ لم تكُنْ قَبَضَتْ فلا شَيءَ لها؛ لأِنَّها تَشُكُّ في اسْتِحْقاقِه، وإنْ كان بَعْدَ القَبْض لم يَرجِعْ عَلَيها؛ لأِنَّه يَشُكُّ في اسْتحْقاق الرُّجوع. (وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ؛ وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا؛ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا)، هذا هو المشهورُ، قال أبو بكرٍ: رواهُ عنه نحو خَمْسينَ رَجُلاً، واخْتارَه عامَّةُ الأَصْحاب؛ لِمَا رَوَى ابنُ شُبْرُمَةَ قال: «كان النَّاسُ على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ المرأةِ والمرأةُ قبلَه، فأيُّهما أسْلَمَ قَبْلَ انْقِضاء العِدَّة فهي امرأتُه، وإنْ أسْلَمَ بَعْدَ العِدَّة فلا نِكاحَ بَينَهما» (١)، ورُوِيَ: «أنَّ بنتَ الوليدِ بنِ المغيرةِ كانَتْ تحتَ صَفْوانَ ابنَ أُمَيَّةَ، فأسْلَمَتْ، ثُمَّ أسْلَمَ صَفْوانُ، فلم يُفرِّق النَّبيُّ ﷺ بَينَهما»، قال ابنُ شِهابٍ: وكان بَينَهما نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ، رواهُ مالِكٌ (٢)، قال ابنُ عبد البَرِّ: (وشُهْرةُ هذا الحديثِ أقْوَى مِنْ إسْنادِه) (٣)، وقال ابنُ شِهابٍ: «وأسْلَمَتْ أمُّ حَكِيمٍ، وهَرَبَ زَوجُها عِكْرِمَةُ إلى اليَمَنِ، فارْتَحَلَتْ إليه، ودَعَتْه إلى الإسلام، فأسْلَمَ، وقَدِم فَبَايَعَ النَّبيَّ ﷺ ، فبَقِيَا على نكاحهما» (٤)، قال الزُّهْريُّ: (ولم يَبلُغْنا أنَّ امرأةً هاجَرَتْ وزَوجُها مُقِيمٌ بدار الكفر إلاَّ فَرَّقَتْ هِجْرتُها بَينَها وبَينَ

стр. 4441

زَوجِها، إلاَّ أنْ يَقدَمَ زَوجُها مُهاجِرًا قَبْلَ أنْ تَنقَضِيَ عِدَّتُها)، رَوَى ذلك مالِكٌ (١). (وَإِلاَّ)؛ أيْ: وإنْ لم يُسلِم الثَّانِي قَبْلَ انْقِضائها؛ (تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ)؛ لأِنَّ سببَ الفُرْقة اخْتِلافُ الدِّين، فَوَجَبَ أنْ تُحتَسَبَ (٢) الفُرْقةُ منه؛ كالطَّلاق. (فَعَلَى هَذَا: لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَلَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي؛ فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ)؛ لأِنَّه تبيَّنَّا أنَّه وَطِئَ في غَيرِ ملْكٍ، ويُؤدَّبُ. (وَإِنْ أَسْلَمَ؛ فَلَا شَيْءَ لَهَا)؛ لأِنَّه وَطِئَها في نكاحه. (وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ؛ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ)؛ لأِنَّها مَحبوسةٌ بسبِبه، فكان لها النَّفقةُ؛ لكَونه يتمكَّن من اسْتِمْتاعها كالرَّجْعِيَّة، وسَواءٌ أسْلَمَ في عِدَّتها أوْ لَا. (وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)؛ لأِنَّه لا سبيلَ إلى تلافِي نكاحِها، أشْبَهَت البائنَ. (فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ الأصلَ وجوبُ النَّفقة، وهو يدَّعي سقوطَها. والثَّاني: يُقبَلُ قَولُه؛ لأِنَّ النَّفقةَ إنَّما تَجِبُ بالتَّمكين من الاِسْتِمْتاع، والأصلُ عدمُه. فإنْ قال: أسْلَمْتِ بعدَ شَهرَينِ من إسْلامِي؛ فلا نفقةَ لكِ فيهما، وقالتْ: بعدَ شهرٍ؛ فالقَولُ قَولُه. فأمَّا إنِ ادَّعى هو ما يَفسَخُ النِّكاحَ وأنْكَرَتْه؛ انْفَسَخَ.

стр. 4442

فرعٌ: لو لَاعَنَ، ثمَّ أسْلَم؛ صحَّ لِعانُه، وإلاَّ فَسَدَ، ففي الحدِّ إذنْ وجْهانِ، وفي «التَّرغيب»: كهما فِيمَنْ ظنَّ صحَّة نكاحٍ فَلَاعَنَ، ثُمَّ بانَ فسادُه. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْفُرْقَةَ تَتَعَجَّلُ بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا؛ كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ)، اخْتارَها الخَلاَّلُ وصاحبُه، وقدَّمها السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ، ونَصَرَها ابنُ المنذِر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ … ﴾ الآيةَ [المُمتَحنَة: ١٠]، وهي تدُلُّ من أوْجُهٍ: عمومُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [المُمتَحنَة: ١٠] فأَمَرَ برَدِّ المهْر، ولو لم تَقَع الفُرقةُ باخْتِلاف الدِّين؛ لَمَا أَمَرَ بردِّ المهر، وقَولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمء أَنْ تَنِكحُوهُنَّ﴾، فأباح (١) نكاحَهنَّ على الإطلاق، وقَولُه ﴿وَلَا تُمْسكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، يكون منسوخًا بهذه الآيةِ. والجوابُ: بأنَّ المرادَ في حال كفرهم؛ بدليل قوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]، وبأنَّه يَجِبُ دَفْعُ المهر إلى الزَّوج إذا جاء وإنْ كان قَبْلَ انقضاء عدَّتها، ثُمَّ نُسِخَ وجوبُ دَفْعِ المهر إليه، وبأنَّه محمولٌ على ما بعدَ العدَّة. والثَّالثةُ: الوَقْفُ بإسلام الكتابيَّة، والاِنفِساخُ بغيرها. والرَّابعة: الوقْفُ مطلَقًا. وظاهِرُه: أنَّ الفُرقةَ حَيثُ تَقَعُ؛ تَقَعُ في الحال، ولا يُحتاجُ إلى حاكِمٍ، ولا إلى عَرْض الزَّوج على الإسلام. ولا فَرْقَ بَينَ دار الإسلام، وغيرِها، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّ «أبا سُفْيانَ أسْلَمَ بمرِّ الظَّهْرانِ، ثُمَّ أسْلَمَت امرأتُه بمكَّةَ، فأقرَّهما النَّبيُّ ﷺ على نكاحهما» (٣)،

стр. 4443

ولأِنَّه عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يَنفَسِخْ باخْتِلاف الدَّار؛ كالبيع. تنبيهٌ: إذا أسْلَمَ أحدُهما، وتخلَّف الآخَرُ حتَّى انْقَضَت العِدَّةُ؛ انْفَسَخَ النِّكاحُ في قولِ عامَّتهم. وعن أحمد: تُردُّ إلى زوجها وإنْ طالَت المدَّةُ، وهو قَولُ النَّخَعِيِّ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ زينبَ على زوجها أبي العاص بن الرَّبيع بعْدَ ستِّ سِنينَ بالنِّكاح الأوَّل، ولم يُحدِثْ نكاحًا» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمِذيُّ، ولفظُه له، وقال: لَيسَ بإسناده بأسٌ، وصحَّحه أحمدُ (١). وجوابُه: بأنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكونَ قَبْلَ نزولِ تحريمِ المسلِماتِ على الكفَّار، أوْ تكونَ حامِلاً استمرَّ حَمْلُها، أو مريضةً لم تَحِضْ ثلاثَ حِيَضٍ حتَّى أسْلَمَ زوجُها، أو تكونَ رُدَّتْ إليه بنكاحٍ جديدٍ، رواه أحمدُ والتِّرمِذيُّ عن الحجَّاج، عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ ابنتَه على أبي العاص بنكاحٍ جديدٍ، ومهرٍ جديدٍ»، قال أحمدُ: هذا ضعيفٌ، وقال

стр. 4444

الدَّارَقُطْنيُّ: لا يَثبُت، وقال يزيدُ بنُ هارونَ: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ أجودُ إسْنادًا، والعملُ على حديثِ عَمْرِو بن شُعَيبٍ (١). واختار الشَّيخ تقيُّ الدِّين أنَّها إذا أسْلَمَتْ قبلَه: بقاءَ نكاحه قَبلَ الدُّخول وبعدَه ما لم تَنكِحْ غيرَه، والأمرُ إليها، ولا حُكمَ له عليها، ولا حقَّ عليه؛ لأِنَّ الشَّارِعَ لم يَستفْصِلْ، وهو مصلحةٌ مَحْضَةٌ، وكذا عنده إنْ أسْلَم قبلَها، وليس له حَبْسُها، وأنَّها متى أسْلَمَتْ ولو قبل الدُّخول وبعدَ العِدَّة؛ فهي امرأتُه إن اختار (٢). (وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَوَاجِبٌ) بعدَ الدُّخول (بِكُلِّ حَالٍ)؛ يعني: إذا وقعت الفُرقةُ بإسلام أحدهما بعدَ الدُّخول؛ يَجِبُ لها المهرُ؛ لأِنَّه استقرَّ بالدُّخول، فإنْ كان صحيحًا، أوْ فاسدًا قبضتْه؛ استقرَّ، وإن كان فاسدًا لم تَقبِضْه، أو (٣) لم يُسَمَّ لها شَيءٌ؛ فلها مهرُ المثل.

стр. 4445

(فَصْلٌ) (وَإِنِ ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ)، أوْ هما معًا، (قَبْلَ الدُّخُولِ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ) في قَولِ عامَّتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممُتَحنَة: ١٠]، ولأِنَّه اخْتِلافُ دِينٍ يَمنَعُ الإصابةَ، فأوْجَبَ فَسْخَ النِّكاح، كما لو أسْلَمَتْ تحتَ كافِرٍ. (وَلَا مَهْرَ لَهَا إِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ)؛ لأِنَّ الفَسْخَ من قِبَلِها، (وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ؛ فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ)؛ لأِنَّ الفَسْخَ مِنْ جِهَته، أشْبَهَ طلاقَها قبلَ الدُّخول، وإنْ كانت التَّسميةُ فاسدةً؛ فلها نصفُ مهر المثل. (وَإِنْ كَانَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَهَلْ تَتَعَجَّلُ الْفُرْقَةُ، أَوْ تَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «الكافي» و «المحرَّر» و «الفُروع»: إحداهما: تتعجَّلُ الفُرقةُ، رُوِي عن الحسَن، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز، والثَّورِيِّ؛ لأِنَّ ما أَوْجَبَ فَسْخَ النِّكاح اسْتَوَى فيه ما قَبْلَ الدُّخول وبعدَه؛ كالرّضاع. والثَّانيةُ، وهي أشْهَرُ: تَقِفُ على انْقِضاء العِدَّة؛ كإسْلامِ الحَرْبِيَّة تحتَ الحَرْبِيِّ، والرّضاعُ؛ تحريمُ المرأة على التَّأْبيد، فلا فائدةَ في تأخير الفسخ إلى ما بعدَ انْقِضاء العِدَّة. (فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُرْتَدَّ؛ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ)؛ لأِنَّه يُمكِنُه تلافِي نكاحِها بإسْلامِه، فهو (١) كزوجِ الرَّجْعِيَّة. (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)؛ لأِنَّه لا سبيلَ إلى تلافِي نكاحها، فلم يكُنْ لها نفقةٌ؛ كما بعدَ العِدَّة.

стр. 4446

تَتِمَّةٌ: إذا وَطِئَها أوْ طلَّق، ولم تتعَجَّل الفُرقةُ؛ ففي المهر ووقوع الطَّلاق خلافٌ في «الانتصار». (وَإِنِ انْتَقَلَ أَحَدُ الْكِتَابِيَّيْنِ إِلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ)، أوْ تمجَّسَ كتابيٌّ تحتَه كتابيَّةٌ؛ (فَهُوَ كَرِدَّتِهِ)، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّه انتَقَلَ إلى دِينٍ لا يُقَرُّ عليه أهلُه (٢) بالجِزْية، أشْبَهَ عبادةَ الأوثان. وإنْ تمجَّستْ دُونَه؛ فَوَجْهانِ. وظاهِرُه: أنَّه إذا انتقل إلى دِينٍ يُقَرُّ عليه؛ كاليهوديِّ يَتنصَّرُ؛ فنَصَّ أحمدُ: أنَّه يُقَرُّ (٣)، وهو ظاهِرُ الخِرَقيِّ، واختاره الخَلاَّلُ وصاحبُه؛ لأِنَّه لم يَخرُجْ عن دِينِ أهلِ الكتابِ، أشْبَهَ غيرَ المنتقِلِ. والثَّانيةُ: لا يُقَرُّ؛ لأِنَّه انتقلَ إلى دِينٍ قد أقَرَّ ببطْلانه، فهو كالمرتَدِّ. فرعٌ: مَنْ هاجَرَ إلَينا بذِمَّةٍ مُؤبَّدةٍ، أوْ مسلِمًا، أوْ مُسلِمةً، والآخَرُ بدار الحرب؛ لم يَنفَسِخ النِّكاحُ.

стр. 4447

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ)، أوْ كنَّ كتابيَّاتٍ؛ (اخْتَارَ مِنْهُنَّ (١)، ولو كان مُحرِمًا بحجٍّ أوْ عُمْرةٍ، خِلافًا للقاضي، (أَرْبَعًا)، ولو من ميتاتٍ، إنْ كان مُكلَّفًا، وإلاَّ وُقِفَ الأمرُ حتَّى يُكلَّفَ، (وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ)؛ «لقوله ﵇ لِغَيلانَ بنِ سَلَمَةَ، وقد أسْلَمَ على عَشْرِ نِسوةٍ، فأسْلَمْنَ معه، فأمَرَه أنْ يَختارَ منهنَّ أرْبعًا» رواهُ التِّرمِذيُّ وابن ماجَهْ، وفي لفظ: «اخْتَرْ مِنهُنَّ أرْبعًا، وفارِقْ سائِرَهنَّ» (٢)، ورَوَى أبو داودَ وابنُ ماجَهْ عن قَيْسِ بن الحارث معناه، وهو من رواية محمَّد بن أبي لَيلَى، عن حُمَيضَةَ بن الشَّمَرْدَل، وقد ضُعِّفا (٣). وسواءٌ تزوجهنَّ في عقدٍ واحدٍ أوْ عقودٍ، اختار الأوائلَ أو الأواخِرَ. ولفظُ الاختيار نحو: اخْتَرْتُ هؤلاء، أوْ أمْسكتُهنَّ، أو اخْترْتُ حَبْسَهنَّ أوْ نكاحَهنُّ، أوْ أمسكْتُ هؤلاء، أوْ تركتُ هؤلاء، فإنْ أسْقَط «اخترت»؛ فظاهر

стр. 4448

كلام بعضهم: يَلزَمُه فراقُ بقيَّتِهنَّ، والمهرُ لِمَنْ انفسخَ نكاحُها بالاختيار. ولا مَدخَلَ للقُرعة هنا؛ لأِنَّها قد تَقَعُ على مَنْ يُحبُّها (١)، فيُفضِي إلى تنفيره. ولا يصحُّ تعليقُها بشرطٍ. وعدَّة المتروكات؛ منذ اختار؛ لأِنَّ البَينونةَ حصلَت به. وقيل: منذ أسْلَمَ؛ لأِنَّ البَينونةَ الحقيقيَّة حَصَلَت بالإسلام، وإنِّما الاِخْتِيارُ بَيَّنَ مَحَلَّها. فإنْ أسْلَم البعضُ، وليس الباقي كتابياتٍ؛ مَلَكَ إمْساكًا وفَسخًا في مسلمةٍ فقط، وله تعجيلُ إمساكٍ مُطلَقًا، وتأخيرُه حتَّى تَنقِضيَ عدَّة البقيَّة أوْ يُسلِمْنَ. (فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ (٢)؛ أُجْبِرَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه حقٌّ عليه، يُمكِنُه فِعْلُه وهو مُمْتَنعٌ (٣) منه، فأُجبِرَ عليه؛ كإيفاءِ الدَّين، وظاهِرُه: أنَّه يُجبَرُ عليه بحَبْسٍ، ثُمَّ تعزيرٍ، ولَيسَ للحاكم أنْ يَختارَ عنه كما يُطلِّقُ على المُولِي؛ لأِنَّ الحقَّ هنا لغيرِ مُعيَّنٍ. (وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُنَّ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ)؛ لأِنَّهنَّ مَحبوساتٍ عليه، وهنَّ في حُكم الزَّوجات. (فَإِنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُنَّ)؛ فقد اختارها في الأصحِّ؛ لأِنَّ الطَّلاقَ لا يكون إلاَّ في زوجةٍ.

стр. 4449

فإنْ قال: فارَقْتُ، أو اخْترْتُ هؤلاء؛ فإنْ لم يَنوِ به الطَّلاقَ؛ كان اخْتِيارًا لغَيرهنَّ؛ للخبر؛ لأِنَّه يدلُّ على أنَّ لفظَ الفراق صريحٌ فيه. وقِيلَ: اخْتيارٌ للمُفارَقات عندَ الإطْلاق. والأوَّلُ أَوْلَى. واختارَ في «التَّرغيب»: أنَّ لفظَ الفراق هنا ليس طَلاقًا ولا اختيارًا؛ للخبر، فإنْ نَوَى به طلاقًا كان طلاقًا واخْتِيارًا. (أَوْ وَطِئَهَا؛ كَانَ اخْتِيارًا لَهَا) في قياس المذهب؛ لأِنَّه لا يجوز إلاَّ في ملكٍ؛ كوطء الجارية المبِيعة بشَرْط الخيار. وفي «الواضح» وجهٌ: كرَجْعةٍ؛ بِناءً على أنَّ الوطء في حقِّ المطلَّقة الرَّجعيَّة لا يُوجِبُ الرَّجعةَ. (وَإِنْ طَلَّقَ الْجَمِيعَ ثَلَاثًا؛ أُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ، فَأُخْرِجَ بِالْقُرْعَةِ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ)؛ لأِنَّ ذلك فائدةُ الإقْراعِ، (وَلَه نِكَاحُ الْبَوَاقِي)؛ لأِنَّهنَّ لم يُطلَّقْنَ منه، وشَرْطُه: أنْ تنقضي عدَّة المطلَّقات، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح»؛ لئلاَّ يكون جامعًا بَينَ أكثرَ مِنْ أربعٍ. وقِيلَ: لا قُرعةَ، ويَحْرُمْنَ إلاَّ بعدَ زَوجٍ. وإنْ وَطِئَ الكلَّ تعيَّن الأَوَّلُ. فرعٌ: أسْلَمَ، ثُمَّ طلَّق الجميعَ، ثُمَّ أسْلَمْنَ في العدَّة؛ اختار منهنَّ أربعًا، فإذا اختار تبيَّنَّا أنَّ طلاقَه وَقَعَ بهنَّ؛ لأِنَّهنَّ زوجاتٌ، ويَعتَدِدْنَ من حين طلاقه، وبانَ البَواقِي باختياره لغيرهنَّ، ولا يَقَعُ بهنَّ طلاقُه، وله نكاحُ أربعٍ مِنهُنَّ إذا انْقَضَتْ عدَّةُ المطلَّقات، والفَرْقُ بَينَها وبَينَ التي قَبْلَها: أنَّ طلاقهنَّ قَبْلَ إسْلامِهنَّ في زمنٍ ليس له الاخْتِيارُ فيه، فإذا أسْلَمْنَ تجدَّد له الاِخْتِيارُ حِينَئِذٍ. (وَإِنْ ظَاهَرَ، أَوْ آلَى مِنْ إِحْدَاهُنَّ؛ فَهَلْ يَكُونُ اخْتِيَارًا لَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر» و «الفروع»:

стр. 4450

أحدُهما: لا يكون اختيارًا، جزم به في «الكافي» و «الوجيز»؛ لأِنَّه يصحُّ في غير زوجةٍ. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ حكمَه لا يَثبُت في غير زوجة. فإنْ قَذَفَها لم يكُن اختيارًا. (وَإِنْ مَاتَ) ولم يَختَرْ؛ (فَعَلَى الْجَمِيعِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الزَّوجاتِ لم يتعيَّن منهنَّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَلْزَمَهُنَّ أَطْوَلُ الْأَمْرَينِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ)، وقالَه القاضي في «المجرَّد». وإنْ كانَتْ حامِلاً؛ فعدَّتُها بوضْعِه؛ لأِنَّ ذلك تَنقَضِي به العدَّةُ بكلِّ حالٍ. وإنْ كانَتْ آيِسةً أوْ صغيرةً؛ فعدَّتُها عِدَّةُ الوفاة؛ لأِنَّها أطْولُ العِدَّتَينِ في حقِّها. وإنْ كانَتْ من ذَواتِ الأقْراء؛ اعتدَّت أطولَ الأَجَلَينِ من ثلاثةِ أقْراءٍ (١)، أو أربعةِ أشْهُرٍ وَعَشْرًا؛ لأِنَّ كلَّ واحدةٍ مِنهُنَّ يَحتَمِلَ أنْ تكونَ مُختارةً، وعدَّتُها عِدَّةُ الوفاة، أوْ مفارَقةً وعِدَّتُها ثلاثةُ قُروءٍ، فأَوْجَبْنا أطْولَهما؛ لِتُقْضَى به العِدَّةُ بيقينٍ، كما لو نسيَ صلاةً من خَمْسٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الكافي». وقال في «الشَّرح» عن القول الأول (٢): لا يَصِحُّ، وحكاهما في «الفروع» قَولَينِ مِنْ غيرِ ترجيحٍ. (وَالْمِيرَاثُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ) في قِياس المذْهَبِ؛ لأِنَّ المِيراثَ بالزَّوجيَّة، ولا زوجيَّة (٣) فيما زاد على الأربع، فإن اخترنَ الصُّلح؛ جاز كيفما اصطلحن.
следующие страницы →