← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وخَرَجَ منه الطِّفلُ. (وَعِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ [الأنعَام: ٩٦]، ولقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القَصَص: ٧٣]؛ ولأنَّ (١) اللَّيلَ للسَّكَن والنَّهارَ للمَعاش. (إِلاَّ لِمَنْ مَعِيشَتُهُ بِاللَّيْلِ؛ كَالْحَارِسِ)، فإنَّه يَقسِمُ بَينَ نسائه النَّهارَ، ويكونُ اللَّيلُ في حقِّه كالنَّهار في حقِّ غَيرِه؛ لأِنَّ النَّهارَ يَدخُلُ في القَسْم تَبَعًا؛ بدليلِ: «أنَّ سَودةَ وهَبَتْ يَومَها لعائشةَ» متَّفَقٌ عليه (٢). فرعٌ: له أنْ يأتِيَهنُّ وأنْ يَدعوهنَّ إلى منزله، ويسقط (٣) حقُّ مَمْتَنِعةٍ، وله دُعاءُ البَعْضِ، وقِيلَ: يَدعُو الكلَّ أوْ يأتِي الكلَّ، فعلى هذا: لَيست الممتَنِعةُ ناشِزةً، والحَبْسُ كغَيرِه، إلاَّ أنَّه إنْ دعاهُنَّ؛ لم يَلزَمْ، ما لم يكُنْ سكنَ مِثْلِهِنَّ. (وَلَيْسَ لَهُ الْبَدَاءَةُ بِإِحْدَاهُنَّ، وَلَا السَّفَرُ بِهَا إِلاَّ بِقُرْعَةٍ)؛ لأِنَّ البَداءةَ بها تفضيلٌ لها، والتَّسويةُ واجبةٌ؛ ولأنهنَّ (٤) مُتَساوِيَاتٌ في الحقِّ، ولا يُمكِنُ الجَمعُ بَينَهنَّ، فَوَجَبَ المصيرُ إلى القُرعة؛ لأِنَّه «﵇ كان إذا أراد سَفَرًا أقْرَعَ بَينَ نسائه، فمَنْ خَرَجَ سهمها (٥) خَرَجَ بها مَعَهُ» متَّفقٌ عليه (٦).

стр. 4587

وظاهِرُه: لا يُشتَرَطُ كَونُه مباحًا، بل يُشتَرَطُ كونُه مُرخَّصًا (١). وقال أكثرُ العلماء: لا يَجوزُ إلاَّ برضاهنَّ أوْ قُرعةٍ. (فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا بِقُرْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا)؛ أتَمَّ (٢) وقَضَى، واختار المؤلِّفُ: لا زَمَنَ سيره (٣)؛ (لَزِمَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَ الثَّانِيَةِ)؛ لِتَعيُّنِ حقِّها، فإن (٤) كانتا اثنتَينِ؛ كفاهُ قرعةٌ واحدةٌ، ويَصيرُ في اللَّيلة الثَّانية إلى الثَّانية بغَيرِ قُرعةٍ؛ لأِنَّه حقُّها. (وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْوَطْءِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ)، لا نعلم (٥) خلافًا أنَّه لا تَجِبُ التَّسويةُ بَينَهنَّ في الجماع (٦)؛ لأنَّ (٧) طريقَه الشَّهوةُ والمَيلُ، فإنَّ (٨) قلبَه قد يَمِيلُ إلى إحداهنَّ، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٢٩]، وكالتَّسوية بَينَ دوابِّه، وكالنَّفقة والكِسوةِ والسُّكْنَى إذا قام بالواجب عليه (٩)، نَصًّا، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَقسِمُ في النَّفقة والكِسوة، ونَصُّه: لا بَأْسَ، وقال في الجماع: لا يَنبَغِي أنْ يَدَعَه عَمْدًا يُبقي لنفسه لتلك ليلة وليلة، وقال القاضي وغيره: أو ثلاثًا ثلاثًا. (وَيَقْسِمُ لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ لَيْلَةً، وَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ)؛ لقَولِ عليٍّ: «إذا تزوَّجَ الحُرَّةَ على الأمةِ؛ قَسَمَ للأَمَة ليلةً، وللحُرَّةِ ليلتَينِ» رواهُ الدَّارَقُطْنيُّ، واحتجَّ به أحمدُ (١٠)؛ لأِنَّ الحُرَّةَ حظُّها في الإيواء أكثرُ، ويُخالِفُ النَّفقةَ والكِسوةَ، فإنَّه

стр. 4588

مقدَّرٌ بالحاجة، وقَسْمُ الابتداء شُرع ليزول (١) الاحتشام من كلٍ منهما. (وَإِنْ كَانَتْ كِتَابِيَّةً؛) يعني: أنَّ الحُرَّةَ الكتابيَّةَ كالحُرَّة المسْلِمة، وصرَّح به في «المغْني» و «الشَّرح»، وحكاه ابنُ المنذر إجْماعًا (٢)؛ لأِنَّ القَسْمَ من حقوقِ الزَّوجيَّة، فاسْتَوَيَا فيه كالنَّفقة، وتُفارِقُ الأَمَةَ؛ لأنَّه (٣) لا يَتِمُّ تسليمُها، ولا يَحصُل لها الإيواءُ التَّامُّ، بخلاف الحُرَّة، والمعتَقُ بعضُها بالحساب. فرعٌ: عَتَقَتْ أمةٌ (٤) في نَوبَتِها، أو (٥) نَوبةِ حرَّةٍ مسبوقةٍ؛ فلها (٦) قَسْمُ حرة (٧)، وفي نَوبةِ حرَّةٍ سابِقةٍ؛ قِيلَ: يُتِمُّ للحرة (٨) على حُكْم الرِّقِّ، وقِيلَ: يَستوِيانِ بقَطْعٍ أو استدراكٍ. وفي «المغْنِي» و «التَّرغيب»: وإنْ عَتَقَتْ بعدَ نَوبتِها اقْتَصرَتْ على يومها، زاد في «التَّرغيب»: بدأ بها أو بالحُرَّة. ويَطوفُ بمجنونٍ مأمونٍ وليُّه وُجوبًا، لا بطفلٍ، ويَحرُم تخصيصٌ

стр. 4589

بإفاقته (١)، وإنْ أفاقَ في نوبةِ واحدةٍ؛ ففي قضاء يومِ جُنونه للأخرى وجْهانِ. (وَيَقْسِمُ لِلْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالْمَرِيضَةِ، وَالْمَعِيبَةِ)، ورَتْقاءَ، ومُظاهَرٍ منها، وصغيرةٍ ممكِنٍ وَطؤُها؛ لأِنَّ القَصْدَ: السَّكَنُ، والإيواءُ، والأُنْسُ، وحاجَتُهنَّ داعيةٌ إلى ذلك. فأمَّا المجنونةُ؛ فإنْ خِيفَ منها؛ فلا قَسْم لها، وإلاَّ فهي كالعاقلة، ذَكَرَه في «الشَّرح». وظاهِرُه: أنَّ المريضَ، والمجبوب (٢)، والعِنِّينَ، والخَصِيَّ يَقسِمُ؛ لأِنَّه للأُنْس، وذلك حاصِلٌ مِمَّنْ لا يَطَأُ، فإنْ (٣) شقَّ ذلك عليه (٤)؛ اسْتَأْذَنَهُنَّ في الكَون عندَ إحداهنَّ، فإنْ لم يَأْذَنَّ (٥) له (٦)؛ أقامَ عندَ إحداهنَّ بقرعة، أو (٧) اعتزلهنَّ جميعًا. (فَإِنْ دَخَلَ فِي لَيْلَتِهَا إِلَى غَيْرِهَا؛ لَمْ يَجُزْ)؛ لأِنَّه تَرَكَ الواجِبَ عليه، (إِلاَّ لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ)؛ ككَونِ ضَرَّتِها مَنزولاً بها فيُريدُ أنْ يَحضُرَها، أوْ تُوصِي إليه ممَّا (٨) لا بُدَّ منه عُرْفًا؛ لأِنَّ ذلك حالةُ ضرورةٍ وحاجةٍ، فأُبِيحَ به تَرْكُ الواجب إلى قضائه في وَقْتٍ آخَرَ. وظاهِرُه: أنَّه يَدخُل إليها نهارًا وإنْ لم تكن (٩) حاجةٌ داعيةٌ، وفي «المغْنِي»

стр. 4590

و «الشَّرح»: أنَّه يَجوزُ لحاجةٍ؛ كدَفْعِ نفقةٍ وعِيادةٍ. وفي «الترغيب»: فيهما لحاجةٍ ماسَّةٍ، أوْ لمرَضٍ فيُداويها. وفي قُبْلةٍ ونحوِها نهارًا (١) وَجْهانِ. (فَإِنْ لَمْ يَلْبَثْ عِنْدَهَا؛ لَمْ يَقْضِ)؛ لأِنَّه لا فائدةَ فيه؛ لقِلَّته، (وَإِنْ لَبِثَ أَوْ جَامَعَ؛ لَزِمَهُ أَنْ يَقْضِيَ لَهَا (٢) مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ (٣) حَقِّ الْأُخْرَى)؛ لأِنَّ التَّسويةَ واجبةٌ، ولا تحصل (٤) إلاَّ بذلك. وظاهِرُه: أنَّه يَلزَمُه القَضاءُ ولو جامَعَها في الزَّمَن اليسير، وهو الأصحُّ، فيَدخُلُ على المظلومةِ في ليلةِ المُجامَعة، فيُجامِعُها؛ لِيَعدِلَ بَينَهما. والثَّاني: لا يَلزَمُه القَضاءُ؛ لأِنَّ الوطءَ لا يُستَحَقُّ في القَسْم. ولا يَقضِي ليلةَ صيفٍ عن ليلة (٥) شِتاءٍ. وله قضاءُ أوَّلِ الليَّل عن آخره، وعَكْسُه، وقِيلَ: يتعيَّنُ زمَنُه، وهو ظاهِرُ كلامِه. فرعٌ: إذا خَرجَ في ليلةِ إحداهنَّ أوَّلَ اللَّيلِ أو آخِرَه الذي جَرَت العادةُ بالانتشار فيه والخروجِ إلى الصَّلاة؛ جاز. وإنْ خَرَجَ لغير ذلك، ولم يَلبَثْ؛ لم يَقْضِ، وإنْ لَبِثَ؛ قَضَى مُطلَقًا. ويُستَحَبُّ أن (٦) يَقْضِيَ لها في مثل ذلك الوقت، فإنْ قضاه في غيره من اللَّيل؛ جاز في الأصحِّ؛ لأِنَّه قد قَضَى بقدْرِ ما فاته (٧) من اللَّيل.

стр. 4591

والثَّاني: لا؛ لِعَدمِ المماثَلة. (وَإِنْ أَرَادَ النُّقْلَةَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَأَخَذَ إِحْدَاهُنَّ مَعَهُ، وَالْأُخْرَى مَعَ غَيرِهِ؛ لَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِقُرْعَةٍ)، وجملتُه: أنَّ الزَّوجَ إذا أراد النُّقلةَ بنسائه إلى بلدٍ آخَرَ، وأمْكَنَه استِصْحابُ الكلِّ في سَفَرِه؛ فعل ذلك، ولَيسَ له إفرادُ إحداهنَّ به؛ لأِنَّ هذا السَّفَرَ لا يَختَصُّ بواحدةٍ، فإنْ خَصَّ بعضهنَّ؛ قَضَى للباقيات؛ كالحاضِرِ. وإنْ شقَّ عليه صحبةُ الجميعِ، وبَعَثَ بهنَّ جميعًا مع غَيرِه مِمَّنْ هو مَحرَمٌ لهنَّ؛ جاز بغَيرِ قُرعةٍ. فإنْ أفْرَدَ بعضهن (١) بالسَّفر معه (٢)؛ لم يَجُزْ إلاَّ بقرعةٍ، وهي مسألة المتن (٣). ومتَى سافَرَ بأكثرَ من واحدةٍ؛ سوَّى بَينَهنَّ كالحضر. فإذا وَصَل البلدَ الذي انتقل إليه، فأقامَتْ معه فيه (٤)؛ قضى للباقيات مدَّةَ كونِها معه في البلد خاصَّةً؛ لأِنَّه صار مُقِيمًا. (وَمَتَى سَافَرَ بِهَا بِقُرْعَةٍ؛ لَمْ يَقْضِ)؛ أي: للحاضِرات بعدَ قُدومه في قول أكثرهم؛ لحديث عائشةَ (٥)، ولم تذكر (٦) قضاءً، ولأِنَّ (٧) المسافِرةَ اختصَّت بمشقَّة السَّفر، فاختصَّت بالقَسْم. (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ؛ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْأُخْرَى)؛ لأِنَّه خَصَّ بعضهنَّ بمدَّةٍ

стр. 4592

على وجهٍ (١) تلحقه (٢) التُّهمةُ فيه، فلَزِمَه القضاءُ؛ كما لو كان حاضِرًا، وعلى هذا: يَقضِي مدَّةَ غيبته، ما لم تكن (٣) الضَّرَّةُ رَضِيَتْ بسفرها. ويَنبَغِي أنْ يقضيَ منها ما أقام منها لمبيتٍ (٤) ونحوِه. ويقضي مع قُرعةٍ ما تعقبه (٥) السَّفرُ أوْ تخلَّله من إقامةٍ. تنبيهٌ: إذا خَرجت القرعة (٦) لإحداهنَّ؛ لم يَجِبْ عليه السَّفرُ بها، وله تَرْكُها والسَّفرُ وحدَه؛ لأِنَّ القرعةَ إنَّما تُعيِّنُ من يَستحِقُّ التَّقديمَ، ولهذا يُمنَعُ (٧) من السَّفر بغَيرِها. وإنْ أبَت السَّفرَ معه؛ سَقَطَ حقُّها إذا رَضِيَ الزَّوجُ، وإنْ أبى؛ فله إكْراهُها على السَّفر معه. فإنْ رضيَ الزَّوجاتُ بسفرِ واحدةٍ من غَيرِ قرعةٍ؛ جاز. ولا فَرْقَ بَينَ السَّفر الطَّويل والقصيرِ؛ لعُموم الخبر والمعْنَى، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغيره. وذَكَر القاضي احْتِمالاً: أنَّه يَقضِي للبواقي في السَّفر القصير. وجَوابُه: بأنَّه سافر (٨) بها بقرعةٍ، فلم يَقْضِ؛ كالطَّويل. (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ، أَوْ مِنَ الْمَبِيتِ عِنْدَهُ، أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛

стр. 4593

سَقَطَ حَقُّهَا مِنَ الْقَسْمِ)، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّها عاصيةٌ بمنع (٢) نفسها منه، فسَقَطَ حقُّها؛ كالنَّاشِزة. وكذا لا نفقةَ لها، قاله في «الرِّعاية» و «الفروع». وقِيلَ: تَجِبُ لها النَّفقةُ بالوطْءِ. (وَإِنْ أَشْخَصَهَا هُوَ)، بأنْ بَعَثَها في حاجةٍ، أو أَمَرَها بالنُّقلة مِنْ بلدها، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ (فَهِيَ عَلَى حَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من (٣) القَسم والنَّفقة؛ لأِنَّه ما فات بسببٍ من جِهَتها، وإنَّما فات بتفويته، فلم يَسقُط حقُّها، كما لو أتْلَفَ المشتري المبيعَ؛ لم يَسقُطْ حقُّ البائع من تسليمِ ثمنِه إليه، فعلى هذا: يَقْضِي لها بحَسَبِ ما أقام عندَ ضَرَّتها، وإنْ سافَرَتْ معه؛ فهي على حقِّها منهما جميعًا. (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا)؛ كسَفَرِها لزيارةٍ أوْ حجِّ تَطوُّعٍ أوْ عُمْرةٍ (بِإِذْنِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَسقُطانِ، ذَكرَه الخِرَقيُّ والقاضي؛ لأِنَّ القَسْم للأُنْس، والنَّفقةَ للتمكين (٤)، وقد تعذَّر ذلك بسببٍ مِنْ جِهَتِها. والثَّاني: لا يَسقُطانِ، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّها سافَرَتْ بإذْنِه، أشْبَهَ ما لو سافَرَتْ معه. وقِيلَ: يَسقُطُ القَسْمُ وجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّه لو سافَرَ عنها؛ لسَقَط قَسْمُها، والتَّعذُّرُ من جهته، فإذا تعذَّرَ من جهتها كان أَوْلَى. (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ حَقَّهَا مِنَ الْقَسْمِ) - بلا مالٍ - (لِبَعْضِ ضَرَائِرِهَا)؛

стр. 4594

«لفِعْلِ سَودةَ، فإنَّها (١) وهَبَتْ لعائشةَ يومَها، فكانَ النَّبيُّ ﷺ يَقسِمُ لعائشةَ يومها (٢) ويومَ سَودةَ» متَّفَقٌ عليه (٣)، (بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّ حقَّه (٤) على الواهِبة ثابِتٌ، فلا يَنتَقِلُ إلى غَيرِها إلاَّ برضاه (٥). وظاهِرُه: ولو أَبَت الموْهوبُ لها؛ أي: لا يُشْتَرَطُ رضاها، ولَيسَ لنا هِبَةٌ يَقبَلُ فيها غَيرُ الموْهوبِ له مع تأهُّله للقَبولِ إلاَّ هذه (٦). ثُمَّ إنْ كانَتْ ليلةُ الواهِبة لا تَلِي ليلةَ الموهوبةِ؛ لم تَجُز الموالاةُ بَينَهما؛ لأِنَّ الموهوبةَ قائمةٌ مَقامَ الواهبةِ، فلم يَجُزْ تغييرها (٧) عن مَوْضِعها. وذَكَرَ جماعةٌ: وإذْنِ سيِّدِ أَمَةٍ؛ لأِنَّ وَلَدَها له. (وَلَهُ)؛ أي: للزوج؛ لأِنَّ الحقَّ لها، فَلِمَنْ نقلته (٨) إليه انْتَقَلَ، (فَيَجْعَلُهُ (٩) لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ)؛ لأِنَّه قائمٌ مقامَ الواهبة، فالخِيَرةُ له كهِيَ. وفي «التَّرغيب»: لو قالَتْ: خُصَّ بها مَنْ شِئْتَ؛ الأشْبَهُ أنَّه لا يَملِكُه؛ لأِنَّه يُورِثُ الغَيظَ، بخِلاف تخصيصها واحدةً. (فَمَتَى رَجَعَتْ فِي الْهِبَةِ؛ عَادَ حَقُّهَا)؛ لأِنَّها هبةٌ لم تُقبَضْ، والمرادُ به: العَودُ في المستقبَلِ، لا فيما مَضَى؛ لأِنَّه قد اتَّصل به القَبضُ، فعلى هذا: إذا رجعتْ في أثناء ليلتها؛ لَزِمَ الزَّوجَ الاِنتقالُ إليها، وإنْ لم يَعلَمْ حتَّى أتمَّ

стр. 4595

اللَّيلةَ؛ لم يَقْضِ لها شَيئًا؛ لأِنَّ التَّفريطَ منها. فرعٌ: إذا بَذَلَتْ ليلتَها بمالٍ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّها لَيستْ مالاً (١)، ولا منفعةً يُستحق (٢) بها المالُ، فإنْ كانَ العِوضُ غَيرَ المال؛ كإرضاءِ زَوجِها عنها أوْ غَيرِه؛ جاز. ولها بَذْلُ قَسْمٍ ونفقةٍ وغَيرِهما ليمسكها (٣)، والرُّجوع لتجدد (٤) الحق، وفي «الهَدْيِ» (٥): يَلزَمُ ولا مطالَبةَ؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ، كما صالح عليه من الحقوق. (وَلَا قَسْمَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِ يَمِينِهِ)، بل يَطَأُ مَنْ شاء منهنَّ متى شاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٣]، وقد كان للنَّبيِّ ﷺ ماريةُ ورَيحانةُ، فلم يكُنْ يَقسِمُ لهما (٦)، ولأِنَّ الأَمَةَ لا حقَّ لها في الاِسْتِمتاعِ، ولذلك لا يَثبُتُ لها الخِيارُ بكَونِ السَّيِّد مَجبوبًا أوْ عنِّينًا، ولا تُضرَبُ لها مُدَّةُ الإيلاءِ. وظاهِرُه: وإنْ أخذَ من زَمَنِ زوجاته. وفي «المحرَّر»: لكن يُسوِّي (٧) في حِرْمانهنَّ. (وَتُسْتَحَبُّ (٨) التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ)؛ لأِنَّه أطْيَبُ لقلوبهنَّ، وأبْعَدُ من النُّفْرة والبغضة (٩).

стр. 4596

(وَ) عليه (أَنْ لَا يَعْضُلَهُنَّ إِنْ لَمْ يُرِدِ الاِسْتِمْتَاعَ بِهِنَّ)؛ أي (١): إذا احتاجت الأمةُ إلى النِّكاح؛ وَجَبَ عليه إعْفافُها (٢)، إمَّا بِوَطْئها، أوْ تَزويجِها، أوْ بَيعِها؛ لأِنَّ إعْفافَهُنَّ وصَونَهنَّ عن احْتِمال الوقوع في المحظور واجِبٌ.

стр. 4597

(فَصْلٌ) (وَإِذَا تَزَوَّجَ بِكْرًا أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ دَارَ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا)؛ لِمَا روى أبو (١) قِلابةَ عن أنَسٍ قال: «من السُّنَّة إذا تزوَّج الرَّجلُ البِكرَ على الثَّيِّب أقامَ عندَها سَبْعًا، وقَسَمَ، وإذا تزوَّجَ الثَّيِّبُ أقام عندَها ثلاثًا ثمَّ قَسَمَ»، قال أبو قِلابةَ: لو شِئْتُ لَقُلْتُ: إنَّ أنسًا رَفَعَه إلى النَّبيِّ ﷺ . متَّفَقٌ عليه (٢)، ولَفظُه للبخاري (٣)، وخُصَّت البِكرُ بزيادةٍ؛ لأِنَّ حَياءَها أكثرُ، والثَّلاثُ مُدَّةٌ مُغْتفَرةٌ في الشَّرع (٤)، والسَّبعُ؛ لأِنَّها أيامُ الدُّنيا، وما زاد عليها يتكرر (٥)، وحِينَئِذٍ يقطع الدور (٦). (فَإِنْ أَحَبَّتْ)، وقِيلَ: أوْ هُوَ، (أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا؛ فَعَلَ وَقَضَاهُنَّ لِلْبَوَاقِي)؛ لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا تزوَّجها أقام عندَها ثلاثًا، وقال: «إنَّه لَيسَ بِكِ هَوانٌ على أهْلِك، وإِنْ شئْتِ سَبَّعت (٧) لك، وإنْ سَبَّعت (٨) لك سَبَّعت (٩) لنِسائِي» رواه مسلِمٌ (١٠)، قال (١١) ابنُ عبد البَرِّ:

стр. 4598

والأحاديثُ المرفوعةُ على ذلك، ولَيسَ مع مَنْ خالَفَ حديثٌ مرفوعٌ، والحُجَّةُ مع مَنْ أدلى (١) بالسُّنَّة (٢). وفي «الرَّوضة»: الفاضِلُ للبقيَّة. والمذْهَبُ: أنَّه يَقضِي السَّبعَ؛ لأِنَّها اختارتْها، فسَقَطَ حقُّها. وظاهِرُه: أنَّ الأَمَةَ كالحُرَّة، ونَصَرَه في «الشَّرح» وغيره؛ لعموم الأحاديث، ولأِنَّها تُرادُ للأُنْس وإزالةِ الاِحْتِشام، فاسْتَويَا فيه كالنَّفقة. وقِيلَ: هي على نصف الحُرَّة كسائر القَسْمِ. (وَإِنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ) في ليلةٍ واحدةٍ، أوْ في حقِّ عَقْدِ واحدةٍ؛ كُرِهَ ذلك؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ الجمعُ بَينَهما في إيفاء حقهما (٣)، وتستضر (٤) التي يؤخر (٥) حقُّها وتستوحش، (قَدَّمَ السَّابِقَةَ مِنْهُمَا) دخولاً؛ لأِنَّ حقَّها سابِقٌ، (ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى)؛ لأِنَّ حقَّها واجِبٌ عليه، تُرِكَ العَمَلُ به في مدَّةِ الأُولَى؛ لأِنَّه عارَضَه، ورُجِّحَ عليه، فإذا زال العارِضُ؛ وَجَبَ العملُ بالمقتَضِي، (ثُمَّ دَارَ)؛ ليأتيَ بالواجب عليه من حقِّ الدَّور. (فَإِنْ (٦) زُفَّتَا مَعًا؛ قَدَّمَ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ)؛ لأِنَّهما اسْتوَيَا في سببِ الاِستِحقاقِ، والقُرعةُ مُرجِّحةٌ عندَ التَّساوي، وفي «التَّبصرة»: يَبدَأُ بالسَّابِقة بالعقد، وإلاَّ أَقْرَعَ، (ثُمَّ أَقَامَ عِنْدَ الْأُخْرَى)؛ لِمَا ذَكَرْناهُ. (وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِإِحْدَاهُمَا؛ سَافَرَ بِهَا، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ)؛ لأِنَّه نَوعُ قَسْمٍ يَختَصُّ بها، (فَإِذَا قَدِمَ؛ بَدَأَ بِالْأُخْرَى

стр. 4599

فَوَفَّاهَا حَقَّ الْعَقْدِ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه حقٌّ وجب (١) لها قبلَ سَفَرِه لم يُؤدِّه، فَلَزِمَه قضاؤه، كما لو لم يُسافِرْ بالأخرى معه. والثَّاني: لا يَقْضِيهِ؛ لِئَلاَّ يكونَ تفضيلاً لها (٢) على الذي سافَرَ بها، ولأِنَّ الإيواءَ في الحضر أكثر (٣)، فيتعذَّرُ قضاؤه. وقِيلَ: يَستأنِفُ قضاءَ العقد (٤) لكلٍّ منهما، ولا يَحتَسِبُ على المسافِرةِ بمدَّةِ سفَرِها، كما لا يَحْتَسِبُ به عليها فيما عدا حقَّ العَقْد، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وهذا أقربُ إلى الصَّواب مِنْ إسقاطِ حقِّ العَقْد الواجب بالشَّرع بغَيرِ مُسقِطٍ. فإنْ قَدِمَ من (٥) سَفَرِه قبلَ مدَّةٍ يَنقَضِي فيها حقُّ عَقْدِ الأولى؛ أتمَّه في الحضر، وقَضَى للحاضرة (٦) مثلَه وجهًا واحدًا. (وَإِذَا طَلَّقَ إِحْدَى (٧) نِسَائِهِ فِي لَيْلَتِهَا؛ أَثِمَ (٨)؛ لأِنَّه فوَّتَ حقَّها الواجِبَ لها، (فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدُ (٩)؛ أيْ: عادَتْ إليه برَجْعةٍ أوْ نكاحٍ؛ (قَضَى لَهَا لَيْلَتَهَا (١٠)؛ لأِنَّه قَدَرَ على إيفاء (١١) حقِّها؛ فلَزِمَه؛ كالمعسِر إذا أيْسَرَ بالدَّين.

стр. 4600

فائدةٌ: يَجوزُ بناءُ الرَّجل بامرأته في السَّفر، ورُكوبُها معه على دابَّةٍ بين (١) الجيش؛ لفِعْلِه ﷺ بصفِيَّةَ بنتِ حُييٍّ (٢)، قاله (٣) بعضُ أصحابِنا. (وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي نَهَارِ لَيْلِ (٤) القَسْمِ لِمَعَاشِهِ، وَقَضَاءِ حُقُوقِ النَّاسِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النّبَأ: ١٠ - ١١]، وحكم (٥) الثَّلاثة والسَّبعة التي يُقيمُها عندَ المزفوفة (٦)؛ حكمُ سائر القَسْم. فإنْ تعذَّرَ عليه المقامُ عندَها لَيلاً لشُغلٍ أوْ حَبْسٍ، أوْ تَرَكَ ذلك لغير عذرٍ؛ قضاه لها. وله الخُروجُ إلى صلاة الجماعة، وإلى ما لا بدَّ لها منه، فإن أطال (٧) قضاه، ولا يقضي اليسير. فرعٌ: قسم لثنتين (٨) من ثلاثٍ، ثمَّ تجدَّد (٩) حقُّ رابعةٍ، فإنْ رجعَتْ في هبةٍ، أو عن نشوزٍ، أو بنكاحٍ؛ وفَّاها حقَّ عَقْده، ثمَّ رَبَّع الزَّمَن (١٠) المستقبَل للرَّابعة، وبقيَّته للثَّالثة، فإذا كمل الحقُّ استأنَفَ التَّسويةَ.

стр. 4601

ولو بات ليلةً عندَ إحدى امرأتَيهِ، ثمَّ نَكَحَ؛ وفَّاها حقَّ عقده (١)، ثمَّ ليلةً للمظلومة، ثمَّ نصف (٢) ليلةٍ للثَّالثة، ثُمَّ يَبْتِدِئُ. واختار المؤلف: لا يَبِيتُ نصفَها بل ليلةً؛ لأِنَّه حرج (٣). وفي «التَّرغيب»: لو أبان المظلومةَ، ثمَّ نَكَحَها وقد نكح جديداتٍ؛ تعذَّر القَضاءُ.

стр. 4602

(فَصْلٌ فِي النُّشُوزِ) وهو (١): كراهةُ كلِّ واحِدٍ من الزَّوجَينِ صاحبَه، وسوءُ عِشْرتِه، يقال (٢): نَشَزَت المرأةُ على زوجها، فهي ناشِزةٌ، وناشِزٌ، ونَشَزَ عليها زَوجُها: إذا جَفاها وأَضرَّ بها. (وَهُوَ (٣) مَعْصِيَتُهَا إِيَّاهُ فِيمَا (٤) يَجِبُ عَلَيْهَا) مِنْ طاعتِه، مأخوذٌ من النَّشْز، وهو الاِرْتِفاع، فكأنَّها ارْتَفَعَتْ وتعلَّت عمَّا (٥) يَجِبُ عَليها مِنْ طاعته. (وَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، بِأَلاَّ تُجِيبَهُ إِلَى الاِسْتِمْتَاعِ، أَوْ تُجِيبَهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً؛ وَعَظَهَا)؛ بأنْ يَذكُرَ لها ما أوْجَبَ الله تعالى عليها من الحقِّ، وما يَلحَقُها من الإثْمِ بالمخالَفةِ، وما يَسقُطُ بذلك من النَّفقة والكِسوة، وما يُباحُ له (٦) من هَجْرِها وضَرْبِها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]. (فَإِنْ (٧) أَصَرَّتْ) ناشِزَةً؛ بأنْ تَعصيَه وتَمتَنِعَ من فِراشه، أوْ تَخرُجَ بغَيرِ إذْنه؛ (هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ)، بفتح الجيم، والمرادُ: أنْ يَهجُرَ فراشَها فلا يُضاجعَها فيه (٨)، (مَا شَاءَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، وقال

стр. 4603

ابنُ عبّاسٍ: «لا تُضاجِعْها في فِراشك» (١)؛ لأِنَّ القرآنَ مُطلَقٌ، فلا يقيد (٢) بغير دليلٍ. وفي «التَّبصرة» و «الغُنْية» و «المحرَّر»: ثلاثةَ أيَّامٍ؛ لأِنَّ الهِجْرانَ (٣) فَوقَ ذلك حرامٌ. (وَفِي الْكَلَامِ فِيمَا (٤) دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ لمسلِمٍ أنْ يَهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ» (٥)، وقد «هَجَرَ النَّبيُّ ﷺ نساءَه فلم يَدخُلْ عليهنَّ شهرًا» مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفي «الواضح»: يَهجُرُها في الفراش، فإنْ أضافَ إليه الهَجْرَ في الكلام، ودخولِه وخُروجِه عليها؛ جاز مع الكراهة. (فَإِنْ أَصَرَّتْ؛ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ)؛ أيْ: غير (٧) شديدٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ٣٤]، ولا يُبرِّحُ بالضَّرب؛ للخبر الصَّحيح (٨)، قال الخَلاَّلُ: سألتُ أحمدَ بنَ يحيى ثَعْلَبًا عن قَولِه: «ضَرْبًا غيرَ مبرِّحٍ»؛ أي:

стр. 4604

(غيرَ شديدٍ) (١)، وهو عَشَرةُ أسْواطٍ فأقَلُّ، قالَه الأصحاب. وهو حِسْبةٌ (٢)، ذَكَرَه في «الاِنتصار»، لكِنْ يُمنَعُ منها من عُلِمَ بمَنْعِه حقَّها حتَّى يُؤدِّيَه. وعليه اجْتِنابُ المواضِع المَخُوفةِ والمسْتَحْسَنة؛ لأِنَّ المقصودَ التَّأديبُ. وعنه: له ضَرْبُها بأوَّلِ النشوز (٣)؛ للآية والخبرِ، وظاهِرُ المذهَب: لا؛ لأِنَّ المقصودَ بهذه العُقوباتِ زَجْرُها عن المعصية في المستقبَل، فيَبدَأُ بالأسْهَلِ فالأسهل (٤)، كإخراج مَنْ هَجَمَ بمنزله. وظاهِرُه: أنْ لَيسَ لنا مَوضِعٌ يَضرِبُ المستَحِقُّ مَنْ مَنَعَه حقَّه غَيرَ هذا، والعبدِ يَمتنِع من حقِّ سيده (٥). ولا يَملِكُ تعزيرَها في حقِّ الله، نَقَلَ مُهَنَّى: هل يَضرِبُها على تَرْكِ زكاةٍ؟ قال: (لا أدْرِي) (٦)، وفيه ضعفٌ؛ لأِنَّه نُقِلَ عنه: (يضربها (٧) على فرائض الله تعالى) (٨)، قاله في «الانتصار»، وذَكَرَ غَيرُه: يَملِكُه. ولا يَنبغِي سؤالُه لِمَ ضَرَبَها، قاله أحمدُ (٩)؛ «لنَهيِه ﵇ عن ذلك» رواه أبو داودَ (١٠).

стр. 4605

وفي «الترغيب» وغيره: والأولى (١) تَرْكُه إبْقاءً للمودَّة، والأَوْلَى أنْ لا يَترُكَه عن الصَّبيِّ لإصْلاحه. (فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ ظُلْمَ صَاحِبِهِ لَهُ؛ أَسْكَنَهُمَا الْحَاكِمُ إِلَى جَانِبِ ثِقَةٍ، يُشْرِفُ عَلَيْهِمَا، وَيُلْزِمُهُمَا الإِنْصَافَ)؛ لأِنَّ ذلك طريقٌ إلى الإنصاف، فتعيَّنَ فِعْلُه؛ كالحكم بالحقِّ. ويَلزَمُه أنْ يَكشِفَ عنه كما يَكشِفُ عن عدالةٍ وإفْلاسٍ مِنْ خبرةٍ باطِنةٍ، قاله في «التَّرغيب». (فَإِنْ خَرَجَا إِلَى الشِّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ؛ بَعَثَ الْحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، حُرَّيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، عَدْلَيْنِ)، مكلَّفَينِ؛ لأِنَّ هذه شروطُ العدالة، سَواءٌ قُلْنا هما حَكَمانِ أوْ وَكِيلانِ؛ لأِنَّ الوكيلَ إذا كان مُتعلِّقًا بنَظَرِ الحاكم؛ لم يَجُزْ إلا أنْ يكونَ عَدْلاً، كما لو نَصَبَ وكيلاً لصبيٍّ أو مُفْلِسٍ. ويُشتَرَطُ ذُكوريَّتُهما، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغيره؛ لأِنَّه يَفتَقِرُ إلى الرأي والنَّظَر. وصريحُه يقتَضِي اشْتِراطَ الحُرِّيَّة، وهو الأصحُّ؛ لأِنَّ العبوديةَ نَقْصٌ، وفي «المغْنِي»: الأَوْلَى إن كانا (٢) وكيلَينِ لم يُعتَبَرْ؛ لأِنَّ تَوكيلَ العبدِ جائزٌ، بخلاف الحَكَم.

стр. 4606

وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَطُ فيه الفقهُ، وهو وَجْهٌ. وفي «الكافي»: متى كانا حَكَمَينِ؛ اشْتُرِطَ كَونُهما فَقِيهَينِ، وإنْ كانا وكيلَينِ جاز أنْ يكونا عامَّينِ. وفي «الترغيب»: لا يُعتَبَر اجْتِهادٌ، وهو ظاهِرٌ، وأن مثله ما يُفوِّضُه الحاكِمُ من مُعيَّنٍ جُزْئيٍّ (١) كقسمةٍ. (وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَا (٢) مِنْ أَهْلِهِمَا بِرِضَاهُمَا وَتَوْكِيلِهِمَا)؛ لقوله تعالى: الآيةَ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ … (٣٥)﴾ [النِّسَاء: ٣٥]؛ ولأِنَّهما أشْفَقُ وأعْلَمُ بالحال، ويَجوزُ أنْ يكونا مِنْ غَيرِ أهْلِهما؛ لأِنَّ القرابةَ لَيستْ شَرْطًا في الحُكم ولا الوكالة. وظاهِرُه: بأنَّ الحاكِمَ لَيسَ له أنْ يَبعثَهُما بغَيرِ رضاهما على المذهب؛ لأِنَّه حقٌّ لهما، فلم يَجُزْ لغيرهما (٣) التَّصرُّفُ إلاَّ بالوكالة. (فَيَكْشِفَانِ (٤) عَنْ حَالِهِمَا، وَيَفْعَلَانِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ جَمْعٍ وَتَفْرِيقٍ بَيْنَهُمَا (٥) بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ)، فما فَعَلَا من ذلك لزمهما (٦)، والأصلُ فيه الآيةُ الكريمةُ، لكِنْ لا يَصِحُّ منهما إبْراءٌ؛ لأِنَّهما وكيلانِ فيما يتعلَّق بالإصلاح، لا (٧) في إسْقاطِ الحُقوق. وإنْ أبْرَأَه وكيلُها؛ بَرِئَ في الخُلْع فقطْ، وإنْ شرطا (٨) ما لا يُنافِي نكاحًا لَزِمَ، وإلاَّ فلا، كتَرْكِ قَسْمٍ، أوْ نفقةٍ، ولِمَن رَضِيَ العَودُ.

стр. 4607

(فَإِنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلِ؛ لَمْ يُجْبَرَا) على المشهور، حتَّى إنَّ القاضِيَ في «الجامع الصَّغير» والشَّريفَ وغيرَهما لم يَذكُروا خلافًا؛ لأِنَّهما رشِيدانِ، والبُضْعُ حقُّ الزَّوج، والمالُ حقُّ الزوجة (١)، فلم يُجبَرَا على التَّوكيل منهما؛ كغَيرهما من الحقوق. (وَعَنْهُ: أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ وَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَوَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي بَذْلِ الْعِوَضِ بِرِضَاهُمَا، وَإِلاَّ) إنْ أَبَيَا ذلك؛ (جَعَلَ الْحَاكِمُ إِلَيْهِمَا ذَلِكَ)، اخْتارَهُ ابنُ هُبَيرةَ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ. وحِينَئِذ: لهما فِعْلُ ما رَأَياهُ بغَيرِ رِضَا الزَّوجَينِ، رُوِيَ عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ (٣)؛ لأِنَّ اللهَ تعالى سمَّاهما حَكَمَينِ، وعن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ: «أنَّ رجلاً وامرأتَه أَتَيَا عَلِيًّا، مع كلٍّ (٤) منهما فئام (٥) من النَّاس، فقال عليٌّ: ابْعَثُوا حَكَمًا من أهله وحَكَمًا من أهلها، فبَعَثُوا حَكَمَينِ، ثُمَّ قال للحكمين: هل

стр. 4608

تَدْرِيانِ ما عَلَيكُما من الحقِّ؟ إنْ رأَيْتُما أنْ تَجمَعَا جَمَعْتُما، وإنْ رأيتما (١) أنْ تُفرِّقا فرَّقْتُما، فقالت المرأةُ: رضِيتُ بكتاب الله لي وعليَّ، وقال الرَّجلُ: أمَّا الفُرقةُ فلا، فقال عليٌّ: كَذَبْتَ حتَّى تَرْضَى بما رَضِيَتْ به» رواه أبو بكرٍ (٢)، وهذا يَدُلُّ على أنَّه أَجْبَرَه على ذلك، ولا يَمتَنِعُ أن تَثْبُتَ الوِلايَةُ على الرَّشيد عندَ امْتِناعه من أداء الحقِّ؛ كالمَدينِ الممتَنِعِ، وطلاقِ الحاكم على المُولِي. (فَإِنْ غَابَ الزَّوْجَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا؛ لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ (٣) الأُولَى)؛ لأِنَّ الوكالةَ لا تَبطُل بالغَيبة، (وَتَنْقَطِعُ عَلَى الثَّانِيَةِ)؛ لأِنَّه لا يَجوزُ الحُكْمُ للغائب، وكلٌّ منهما محكومٌ عليه. وقِيلَ: لا ينقطع عليها (٤)، حكاه في «المستوعب» و «المحرَّر». (وَإِنْ (٥) جُنَّا)، أو أحدُهما؛ (انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا عَلَى الْأُولَى)؛ لأِنَّ الوكالةَ تَبطُلُ بالجُنون، (وَلَمْ يَنْقَطِعْ (٦) عَلَى الثَّانِيَةِ)؛ لأِنَّ الحاكِمَ يَحكُمُ على المجنون. وقِيلَ: ينقطع (٧) عليها أيْضًا، حكاهُ في «المغْنِي» و «المحرَّر»؛ لأِنَّه لا يُتحقَّقُ معه بقاءُ الشِّقاق وحُضورِ المتداعِيَيْنِ، وهو شَرْطٌ (٨). والله تعالى أعلم.

стр. 4609

(كِتَابُ الْخُلْعِ) يُقالُ: خَلَع امرأتَه خلعًا، وخالَعَها مخالَعَةً، واخْتَلَعَتْ هي منه، فهي خالِعٌ، وأصْلُه من خَلْعِ الثَّوب؛ لأِنَّ المرأةَ تَنخَلِعُ مِنْ لِباسِ (١) زَوجِها، قال الله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]. وهو: عِبارةٌ عن (٢) فِراقِ امرأته بعِوَضٍ، بألْفاظٍ مَخصوصةٍ. وفائِدَتُه: تَخْلِيصُها من الزَّوج على وَجْهٍ لا رَجْعةَ له عليها إلاَّ بِرضاها. (وَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُبْغِضَةً لِلرَّجُلِ)؛ لخَلْقِه (٣)، أوْ خُلُقِه، أوْ دِينه، أوْ كِبَره، أوْ ضعْفه، أوْ نحوِ ذلك، (وَتَخْشَى أَلاَّ تُقِيمَ (٤) حُدُودَ الله فِي حَقِّهِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: جاءت امرأةُ ثابِتِ ابنِ قَيسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَتْ: يا رسولَ الله ثابِتُ بنُ قَيسٍ ما أَعِيبُ عليه في دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكِنِّي أكْرَهُ الكُفْرَ في الإسلام، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أتَرُدِّينَ عليه حَدِيقتَه؟» قالتْ: نَعمْ، فأمَرَها بِرَدِّها، وأمره (٥) فَفَارَقَها، رواهُ البخاريُّ (٦). وبه قال جميعُ الفُقهاء في الأمصار، إلاَّ بَكْرُ بنُ عبدِ الله المُزَنِيَّ، فإنَّه لم يُجِزْه، وزَعَمَ أنَّ آيةَ الخُلْع مَنسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ … (٢٠)﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ٢٠].

стр. 4610

وقال ابنُ سِيرِينَ وأبو قِلابةَ: لا يَحِلُّ الخُلْعُ حتَّى يَجِدَ على بَطْنِها رجلاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ١٩]. والجوابُ عن ذلك: بأنَّه قَولُ عمرَ (١) وعليٍّ (٢)، ولم يُعرفْ لهما في الصَّحابة مُخالِفٌ، فكان كالإجماع، ودَعْوَى النَّسخ لا تُسمَعُ (٣) حتَّى يثبت (٤) تَعذُّر الجَمْع، وأنَّ الآية (٥) النَّاسخةَ متأخِّرةٌ، ولم يَثبُتْ ذلك. وظاهِرُه: أنَّه (٦) يُباحَ لها أنْ تَفتَدِيَ نَفْسَها منه، وصرَّح به في «الوجيز» و «الفروع»، والمذْهَبُ: أنَّه يُسَنُّ إجابتُها إليه؛ لأِنَّ حاجتَها داعيةٌ إلى فُرْقَتِه، إلاَّ أنْ يكونَ له إليها (٧) مَيلٌ ومَحبَّةٌ، فيُسنُّ صَبْرُها وعَدَمُ افْتِدائها، نَصَّ

стр. 4611

عليه (١)، واخْتَلَف كلامُ الشَّيخ تقيِّ الدِّين في وجوبه (٢)، وألْزَمَ بعض حُكَّام المقادِسَةِ الفُضَلاءَ به، نقل (٣) أبو طالِبٍ: إذا كَرِهَتْهُ حَلَّ (٤) أنْ يأخُذَ منها ما أعطاها (٥). (وَإِنْ خَالَعَتْهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ)؛ أيْ: لغَيرِ سببٍ مع اسْتِقامة الحال؛ (كُرِهَ، وَوَقَعَ الْخُلْعُ) عندَ أصحابنا والأكثرِ؛ لقَوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤]. (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ)، ولا يَصِحُّ، وقاله ابنُ عبَّاسٍ (٦) وخَلْقٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا … ﴾ الآيةَ [البَقَرَة: ٢٢٩]، وقَولِه ﵇: «أيُّما امرأةٍ سألَتْ زَوجَها الطَّلاقَ من (٧) غَيرِ ما بَأْسٍ؛ فحرامٌ عليها رائحةُ الجَنَّة» رواه أبو داود من حديثِ ثَوبانَ (٨)، وقَولِه ﵇: «المخْتَلِعاتُ هنَّ

стр. 4612

المنافِقاتُ» رواه أحمدُ، واحتجَّ به (١) من حديثِ أبي هُرَيرةَ (٢). قال المؤلِّفُ: والحُجَّةُ مع مَنْ حرَّمَه، وخُصوصُ الآيةِ في التَّحريم يَجِبُ تقديمُها على عُمومِ آيةِ الجَواز، مع ما عَضَدَها من الأخبار. فرعٌ: لا يَفتَقِرُ الخُلْعُ إلى حاكِمٍ، نَصَّ عليه (٣)، ورواه (٤) البخاريُّ عن عمرَ وعُثْمانَ (٥)؛ لأِنَّه مُعاوَضةٌ، فلم يَفتَقِرْ إلى سُلْطانٍ؛ كالبيع والنِّكاح. وقال الحسنُ وابنُ سِيرينَ: لا يَجوزُ إلاَّ عِنْدَ السُّلطان.

стр. 4613

وجَوابُه: ما سَبَقَ، مع أنَّه قَطْعُ عَقْدٍ بالتَّراضِي، أشْبَهَ الإقالةَ. (فَأَمَّا إِنْ (١) عَضَلَهَا)؛ بأنْ ضارَّها بالضَّرْب والتَّضييق عليها ظُلْمًا، أوْ مَنَعَها حقَّها من النَّفقة والقَسْمِ ونحوِه، (لِتَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ؛ فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ) في قَولِ الجُمْهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولأِنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ على بَذْلِه بغَيرِ حقٍّ، فكان باطلاً؛ كالثَّمَن في البَيعِ، (وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا)؛ لأِنَّ المقْتَضِيَ للفُرقة الخُلْعُ الصَّحيحُ، ولم يُوجَدْ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فَيَقَعُ رَجْعِيًّا)؛ أيْ: إذا لم يَملِك العِوَضَ، وقُلْنا: الخُلْعُ طلاقٌ؛ وَقَعَ الطَّلاقُ بغَيرِ عِوَضٍ، فإنْ كان أقلَّ مِنْ ثلاثٍ؛ فله رَجْعَتُها؛ لأِنَّ الرجعة (٢) إنَّما سَقَطَتْ بالعِوَضِ، فإذا سَقَطَ العِوَضُ؛ ثَبَتَت الرَّجْعةُ إنْ كان (٣) بلفظِ طلاقٍ أوْ نِيَّتِه، وإلاَّ فهو لَغْوٌ، وقِيلَ: يَقَعُ بائِنًا إنْ صحَّ بلا عِوَضٍ. وإنْ قُلْنا: هو فَسْخٌ، ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ؛ لم يَقَعْ شَيءٌ؛ لأِنَّ الخُلْعَ بغَيرِ عِوَضٍ لا يَقَعُ على الأَشْهَر. ويَتخرَّجُ: أنَّه إنْ أخذ مِنها شَيئًا على الوجه المذكورِ؛ ردَّه، وَوَقَعَ الخُلْعُ عليه إذا قُلْنا: يَقَعُ بغَيرِ عِوَضٍ. وعلى كلامه يُسْتَثْنَى صُوَرٌ: مِنْها: إذا ضَرَبَها لتَرْكِها فَرْضًا، أوْ على نُشوزها، أوْ مَنعها حقَّها من أجْلِه؛ لم يَحرُم خُلْعُها.

стр. 4614

ومِنْها: إذا ضَرَبَها لِسوءِ (١) خُلُقه، لا يُريدُ بذلك الفِداءَ؛ لم يَحرُمْ خُلْعُها؛ لأنَّه لم يَعضُلْها؛ ليَذهَبَ ببعضِ ما آتاها، وهو آثِمٌ بالظُّلم. ومنها: إذا زَنَتْ، فَعَضَلَها لِتَفْتَدِيَ نفسَها منه؛ جاز، وصحَّ الخُلْعُ، نَصَّ عليه (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطّلَاق: ١]، والاِستِثْناءُ من النَّهيِ إباحةٌ. فرعٌ: إذا قالت: بِعْنِي عبدَك هذا وطلِّقْنِي بألفٍ، فَفَعَلَ؛ صحَّ، وقُسِّط (٣) الألفُ على الصداق (٤) المسمَّى وقيمةِ العبد على الأَشْهَرِ. (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا)؛ لأِنَّه إذا مَلَكَ الطَّلاقَ بغَيرِ عِوَضٍ، فبالعِوَضِ أَوْلَى. وفي المميِّز وجْهٌ، وجَزَمَ ابنُ المنَجَّى: أنَّه يَصِحُّ منه، ومن السَّفيه والعَبْد؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهم زَوْجٌ يَصِحُّ طلاقُه، فصحَّ خُلْعُه قياسًا. ويَصِحُّ مِنْ أبِ صبيٍّ ومجنونٍ إنْ صحَّ طَلاقُه عَلَيهِما. (فَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ؛ دُفِعَ (٥) الْمَالُ إِلَى وَلِيِّهِ)؛ كسائر حقوقِه، (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا؛ دُفِعَ إِلَى سَيِّدِهِ)؛ لأِنَّه للسَّيِّد؛ لكَونِه مِنْ أكساب (٦) عبدِه، وإنْ كان مُكاتَبًا؛ دُفعَ العِوَضُ إلَيهِ؛ لأِنَّه يَملِكُ أكسابه (٧)، وهو الذي يَتَصرَّفُ لنفسه. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ الْقَبْضُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَصِحُّ خُلْعُهُ)؛ لأِنَّه يَصِحُّ (٨) منه (٩)

стр. 4615

أحدُ رُكْنَي المعاوَضةِ، وهو العَقْدُ، فيَصِحُّ منه قَبْضُ العِوَضِ الذي هو الرُّكنُ الآخَرُ؛ قياسًا عليه. فعلى هذا: يَصِحُّ قَبْضُ العبدِ والمحجورِ عَلَيهِ؛ لأِنَّ مَنْ صحَّ خُلْعُه صحَّ قَبْضُه العِوَضَ، كالمحْجور عليه لِفَلَسٍ، ونَصَّ عليه أحمدُ في العبد (١)، قال في «الشَّرح»: والأَوْلَى أنَّه لا يَجوزُ. فإنْ سَلَّمَتِ العِوَضَ إلى المحجور عليه؛ لم يَبرَأْ (٢)، فإنْ أخَذَه الوليُّ منه؛ بَرِئَتْ، وإنْ سَلَّمَت العبدَ؛ برئتْ مُطلَقًا. قال صاحِبُ «النِّهاية» فيها: والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ النَّظَرَ له في صحَّة العَقْد دُونَ قَبْضِه. (وَهَلْ لِلْأَبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، أَوْ طَلَاقُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: له ذلك، نَصَرَه القاضي وأصحابُه؛ لأِنَّه يَصِحُّ أنْ يُزوِّجَه بعِوَضٍ، فلأن يَصِحَّ أنْ يُطلِّقَ عليه بعِوَضٍ بطريق (٣) الأَوْلَى. لا يُقالُ: التَّزويجُ إدْخالُ ملْكٍ والخُلْعُ عَكْسُه؛ لأِنَّ الأبَ كامِلُ الشَّفَقة، فلا يَفعَلُه إلاَّ لمصلحةِ ولده (٤)، وكالحاكِم يملِكُ الطَّلاق على الصَّغير والمجنون بالإعْسارِ. والثَّانية، وهي الأَشْهَرُ: لا يَملِكُه وِفاقًا للأكْثَرِ؛ لقَوله ﵇: «الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاق» رواه ابنُ ماجَهْ والدَّارقُطْنِيُّ بإسْنادٍ فيه ضعف (٥)،

стр. 4616

ولأِنَّه إسقاطٌ (١) لحقِّه، فلم يَمْلِكْهُ؛ كالإبراء وإسقاط (٢) القِصاص، ولأِنَّ طريقه (٣) الشَّهوة، ولا (٤) مَدخَلَ لها في الولاية. وحكمُ المجنون كذلك، وكذا سيِّدُ صغيرٍ ومجنونٍ، والأَظْهَرُ: جَوازُه إنْ رآه مصلحةً. (وَلَيْسَ لَهُ خُلْعُ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهَا) على المذهب؛ لأِنَّ فيه إسقاطَ نفقتها وكِسْوتها، وبَذْلَ مالِها، ولا حظَّ لها في ذلك. وقِيلَ: له ذلك، إذا رأى الحَظَّ فيه؛ كتخليصها مِمَّنْ يُتْلِفُ مالَها، ويخاف (٥) منه على نفسها وعَقْلِها. والأبُ وغَيرُه في ذلك سَواءٌ إذا خالعوا (٦) في حقِّ المجنونة، والمحجور عليه لِسَفَهٍ أوْ صِغَرٍ. وظاهِرُه: أنَّه إذا (٧) خالَعَ بشَيءٍ من ماله؛ أنَّه يَجوزُ، صرَّحَ به في «الشَّرح»

стр. 4617

وغيره؛ لأِنه يجوز (١) مع الأجنبيِّ، فمِنَ الوليِّ أَوْلَى. (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ) إذا كانَتْ رشيدةً، (وَمَعَ الْأَجْنَبِيِّ) بغَيرِ رِضَا المرأةِ في قَولِ أكثرِهم. وقال أبو ثَورٍ: لا يَصِحُّ، فإنَّه يَبذُلُ عِوَضًا في مُقابَلةِ ما لا مَنفَعَةَ له (٢) فيه. وجَوابُه: بأنَّه بَذْلُ مالٍ في إسْقاطِ حقٍّ عن غَيرِه، فصحَّ، كما لو قال: أعْتِقْ عبدَك وعليَّ ثمنُه؛ ولأِنَّه لو قال: ألْقِ متاعَك في البَحْر وعليَّ ثمنُه؛ صحَّ، ولَزِمَه ثمنُه، مع أنَّه لا يُسقِطُ حقًّا عن أحد (٣)، فهنا أَوْلى، ولأِنَّه حقٌّ على المرأة يَجوزُ أنْ يُسقَطَ عنها بعِوَضٍ، فجاز لغَيرِها كالدَّين. وقِيلَ: إنْ قُلْنا هو فَسْخٌ فلا. فرعٌ: إذا قالت امرأتُه: طلِّقْنِي وضَرَّتي بألْفٍ، فطلَّقهما (٤)؛ وَقَعَ بهما بائنًا، واسْتَحَقَّ الألْفَ على ما ذَكَرَتْه. وإنْ طلَّق إحداهما، فقال القاضي: تَطلُقُ بائنًا، ويَلزَمُ الباذِلةَ بحصَّتها من الأَلْف. وقِياسُ قَولِ أصحابنا فيما إذا قالتْ: طلِّقْنِي ثلاثًا بألْفٍ، فطلقها (٥) واحدةً؛ أنْ لا يَلزَمَ الباذِلةَ هنا شَيءٌ؛ لأِنَّه لم يُجِبْها إلى ما سألَتْ. وإنْ قالَتْ: طلِّقْنِي بألْفٍ على أنْ تُطلِّقَ ضَرَّتِي، أوْ على أنْ لا تُطلِّقَ ضرتي (٦)؛ فالخُلْعُ صحيحٌ، والشَّرْطُ والبَذْلُ لازِمٌ. مسألةٌ: يجوز في الحيض وطُهْرٍ أصابها فيه؛ لأِنَّ تحريمَ الطَّلاق فيه

стр. 4618

ثبت (١) دَفْعًا لضَرَرِ تطويلِ العِدَّة، والخُلْعُ يَندَفِعُ به ضررُ سوءِ العِشرةِ، وهو أعْظَمُ وأدْوَمُ، فكان دفعه (٢) أَوْلَى. وقِيلَ: لا يَجوزُ. وفي «الواضح» فيه رِوايَتانِ. (وَيَصِحُّ بَذْلُ الْعِوَضِ فِيهِ مِنْ كُلِّ جَائِزِ التَّصَرُّفِ)؛ لأِنَّه بَذْلُ عِوَضٍ في عَقْدِ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البَيعَ. فرعٌ: إذا قال: طلِّقْ بِنْتِي وأنت بَريءٌ مِنْ صَداقها، فطلَّقَ؛ بانَتْ، ولم يَبرَأْ، ويَرجِعُ على الأب، نَصَّ عليهما (٣)؛ لأِنَّه غَرَّه، وحَمَلَه القاضِي: على أنَّ الزَّوجَ كان جاهِلاً بأنَّ إبراءَ الأبِ صحيحٌ (٤)، فإنْ عَلِمَ أنَّ إبْراءَ الأبِ غَيرُ صحيحٍ؛ لم يَرجِعْ، وطَلاقُه رَجْعِيٌّ، وقالَهُ في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية». وإنْ قال: إن (٥) أبْرأْتَنِي أنْتَ منه فهي طالِقٌ، فقال: قد أبْرأْتُكَ منه؛ طَلَقَتْ، نَصَّ عليه، وحمله (٦) القاضِي: على أنَّه اعْتَقَدَ أنَّ إبْراءَ الأبِ صحيحٌ، فأمَّا إنْ عَلِمَ أنَّه لا يَصِحُّ؛ فقَولانِ. فلو (٧) قال: طلِّقْها بألْفٍ مِنْ مالها وعليَّ دَرَكُه، فطلَّقَها؛ بانَتْ، وغَرِمَه الأبُ، ولم يَرجِعْ به عليها. (فَإِنْ خَالَعَتِ الْأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا)؛ فالخُلْعُ صحيحٌ، قَطَعَ به المؤلِّفُ في كُتُبه، وهو قَولُ الخِرَقيِّ، والقاضي وعامَّةِ أصحابه؛ لأِنَّه يَصِحُّ مع الأجنبيِّ،

стр. 4619

فمع الزَّوجة أَوْلَى. والثَّاني: لا يَصِحُّ، وقاله (١) القاضِي في «المجرد» (٢) والمجْدُ؛ لأِنَّ الخُلْعَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، فلم يَصِحَّ منها؛ كالبَيعِ. والأوَّلُ أَوْلَى، والخُلْعُ يُفارِقُ البَيعَ بدليلِ صحَّتِه على المجهول، وعلى غَيرِ عِوَضٍ على قَولٍ. وقِيلَ: يَصِحُّ إنْ خالَعَتْه على شَيءٍ في ذمَّتها، لا على عَينٍ في يدها؛ كالبيع. (عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ كَانَ فِي ذِمَّتِهَا)؛ لأِنَّه رضِيَ بذلك، (يَتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ)، وهو اخْتِيارُ الخِرَقيِّ، جَزَمَ به في «الهداية»؛ لأِنَّه الوقتُ الذي يَمْلِكُ فيه، ويَرجِعُ بقيمته أوْ مِثْلِه إنْ كان مِثْلِيًّا. فإنْ كان على عَينٍ في يدها فكذلك. وقياس (٣) المذْهَبِ - كما قالَهُ المؤلِّف -: أنَّه (٤) لا شَيءَ له؛ لأِنَّه يَعلَمُ أنَّها أَمَةٌ، فقد عَلِمَ أنَّها لا تَملِكُ العَينَ، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا الحُرِّ، فيكونُ راضِيًا بغَيرِ عِوَضٍ، ومُقتَضاه بُطْلانُ الخُلْع على المشهور. فأمَّا إنْ كان بإذْنِ السَّيِّد؛ فهو صحيحٌ، كاسْتِدانَتِها (٥)، فإنْ أَذِنَ لها في قَدْرٍ من المال، فخالَعَتْ بأكثرَ منه؛ فالزِّيادةُ في ذمَّتِها، وإنْ أطْلَقَ الإذن (٦)؛ اقْتَضَى الخُلْعَ بالمسمَّى.

стр. 4620

فرعٌ: المكاتَبةُ كالأَمَةِ القِنِّ سَواءً فِيمَا ذكرنا (١). (وَإِنْ خَالَعَتْهُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا) لِسَفَهٍ، أوْ صِغَرٍ، أوْ جُنونٍ؛ (لَمْ يَصِحَّ الْخُلْعُ)؛ لأِنَّه تصرُّفٌ في المال، ولَيسَتْ مِنْ أهْلِه، فلم (٢) يَصِحَّ، كالهِبةِ ونحوِها. وظاهِرُه: ولو أَذِنَ فيه الوليُّ؛ لأِنَّه لا إذْنَ له في التَّبرُّعاتِ. والأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ مع الإذْنِ لمصلحةٍ. (وَ) على ما ذَكَرَه: (وَقَعَ طَلَاقُهُ رَجْعِيًّا)؛ لأِنَّه طلاقٌ لا عِوَضَ له، فَوَجَبَ وقوعه (٣) رَجَعِيًّا؛ لسَلامَتِه عمَّا يُنافِيهِ، وهذا إذا وَقَعَ الخُلْعُ بلَفْظِ الطَّلاق أوْ نَواهُ به. فأمَّا إن (٤) وَقَعَ بلَفْظِ الفَسْخ أو المفاداة، ولم يَنْوِ به طلاقًا (٥)؛ فهو كالخُلْع بغَيرِ عِوَضٍ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: يَحتَمِلُ أنْ لا يَقَعَ الخُلْعُ هنا؛ لأِنَّه إنَّما رَضِيَ به بعِوَضٍ، ولم يَحصُلْ له، ولا أمْكَنَ الرُّجوع بِبَدَلِه. وهذا إذا كان الطلاق (٦) بغَيرِ الثَّلاث، فإنْ كان بها؛ لم يَقَعْ رَجْعِيًّا؛ لأِنَّ الثَّلاثَ لا رَجْعَةَ معها. فأمَّا المحْجورُ عَلَيها لِفَلَسٍ؛ فلا يَصِحُّ بغَيرِ إذْنِ غُرَمائها؛ لأِنَّها ممنوعةٌ من التَّبرُّع، ويَصِحُّ بإذْنِهم؛ لأِنَّها من أهل التَّصرُّف، ولهذا يَصِحُّ تصرُّفُها في ذمَّتِها، بخِلافِ المحجور عليها لِحَظِّ نَفْسِها.

стр. 4621

(وَالْخُلْعُ) له صريحٌ: وهو لَفْظُ الخُلْع والمفاداة، وكذا الفَسْخُ في الأشْهَر، وكنايةٌ: وهو (١) الإبانَةُ والتَّبْرِئَةُ، وفي «الرَّوضة»: صريحُه: الخُلْعُ، أو الفَسْخ، أو الفِداءُ، أوْ بارأتُكِ. (طَلَاقٌ) أيْ: إذا وَقَعَ بغَيرِ الألفاظ المذكورةِ، بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لوجودِ صريحِه أو كِنايةٍ مُقتَرِنَةٍ بالنِّيَّة، (بَائِنٌ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، وإنَّما يكونُ فِداءً إذا خَرَجَتْ من قَبْضَته وسُلْطانه، ولو لم تكن (٣) بائنًا لَكانَتْ له الرَّجعةُ، وكانَتْ تحتَ حُكْمه وقَبْضته؛ لأِنَّ القَصْدَ إزالةُ الضَّرَر عنها، فلو جازت الرَّجعةُ؛ لَعَادَ الضَّرَرُ. (إِلاَّ أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا (٤) يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى (٥) الرِّوَايَتَيْنِ)، اختارها أبو بكرٍ، وقال ابنُ هُبَيرةَ: وهي أظهرهما (٦)، وصحَّحَها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها (٧) في «الوجيز»، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وطاوُس، وعِكْرِمةَ، وإسْحاقَ، واحتجَّ ابنُ عبَّاسٍ بقَوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] ثُمَّ قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ثُمَّ قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، فذَكَرَ طَلْقَتَينِ والخُلْعَ وتطليقةً (٨) بعدَهما، فلَوْ كان الخُلْعُ طَلاقًا لَكانَ أرْبَعًا (٩)، ولأِنَّها فُرقةٌ خَلَتْ عن صريحِ الطَّلاق ونيَّتِه، فكانَتْ فَسْخًا

стр. 4622

كسائر الفُسوخ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (وعَلَيهِ دلَّ كلامُ أحمدَ وقُدَماءِ أصحابه) (١)، ومُرادُه ما قال عبدُ الله: (رأيتُ أبِي (٢) يَذْهَبُ إلى قَولِ ابنِ عباس (٣)، وابنُ عبَّاسٍ صحَّ عنه: «ما أجازَه المالُ فلَيسَ بطَلاقٍ» (٤)، وصحَّ عنه: «أنَّ الخُلْعَ تَفْريقٌ ولَيسَ بطَلاقٍ» (٥). (وَالْأُخْرَى: هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ)، رواه الشَّافِعِيُّ عن (٦) عُثمانَ (٧)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٨)، وابنِ مسعودٍ (٩)، وقالَهُ سعيدُ بنُ المسيِّب، وعَطاءٌ، والأكثرُ، لكِنْ ضعَّف أحمدُ الحديثَ عنهم (١٠)، وقال: (لَيسَ في الباب أصحُّ

стр. 4623

من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه فَسْخٌ)، ولأِنَّها بَذَلَت العِوَضَ للفرقة، والفُرقةُ التي يَمْلِكُ الزَّوجُ إيقاعَها هي الطَّلاق دُونَ الفَسْخ، ولأِنَّه أتَى بكناية الطَّلاق قاصدًا فِراقَها، فكان طلاقًا كغَير الخُلْعِ. وفائدةُ الخلاف: أنَّه إذا قُلْنا بأنَّه طلاقٌ؛ حُسِبَ ونقص (١) به عدد طَلاقه، وإنْ قِيلَ: هو فَسْخٌ؛ لم تحرم (٢) عليه وإنْ خالَعَها مائة (٣) مرَّة. وتُعتَبَر الصِّيغةُ منهما، فيقولُ: خَلَعْتُكِ على كذا، وتقولُ هي (٤): قَبِلْتُ أوْ رَضِيتُ. وتصح (٥) ترجمةُ خلعٍ بكلِّ لفظٍ (٦) من أهلها. فرعٌ: لا يحصُل الخُلْعُ بمجرَّد بذلِ المالِ وقَبولِه مِنْ غَيرِ لفظِ الزَّوج، قال القاضِي: ذَهَبَ إليه شُيوخُنا البَغْدادِيُّونَ، وأَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ (٧). وذَهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَريُّ، وابن شِهابٍ: إلى وُقوع الفُرقة بقَبول الزَّوج العِوَضَ، وأفْتَى به ابنُ شِهابٍ بعُكْبرا. واعْتَرَض عليه أبو الحُسَين بن هُرْمُز (٨)، نقل إسحاقُ بنُ منصورٍ قال: قلتُ لأِحمدَ: كيف الخُلْع؟ قال: (إذا أخذ المالَ فهي فُرقةٌ) (٩).

стр. 4624

وعن عليٍّ: مَنْ قَبِلَ مالاً على فراقٍ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ (١). وجَوابُه: بأنَّه تصرُّفٌ في البُضْع بعِوَضٍ، فلم يَصِحَّ بدُونِ اللَّفظ، كالنِّكاح والطَّلاق، ولأِنَّ أخْذَ المال قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فلم يقم (٢) بمجرَّده مَقامَ الإيجاب (٣)، كقَبْضِ أحدِ العِوَضَينِ في البيع، ولعلَّ أحمدَ وغَيرَه استَغْنَى عن ذِكْر اللَّفظ؛ لأِنَّه معلومٌ. (وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ)؛ بأنْ يقولَ: أنْتِ طالِقٌ، قال الشَّافِعِيُّ: أنا (٤) مسلِمٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير أنَّهما قالا: «لا يَلحَقُ المخْتَلِعةَ الطَّلاقُ في العِدَّة» (٥)، ولم يُعرَفْ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأنَّها (٦) لا تَحِلُّ له إلاَّ بنكاحٍ جديدٍ، فلم يَلحَقْها طَلاقُه، كالمطلَّقة قبلَ الدُّخول. وفي «التَّرغيب»: إلاَّ إنْ قُلْنا: هو طَلْقةٌ، ويكونُ بلا عِوَضٍ، وهو ظاهِرٌ. (وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْخُلْعِ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كشَرْطِ الخِيار، ولأنَّ (٧) الخُلْعَ لا

стр. 4625

يفسد (١) بالعِوَضِ الفاسدِ، فلا يفسد (٢) بالشَّرط الفاسِد؛ كالنِّكاح. (وَفِي الآْخَرِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ (٣)، وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ)؛ أيْ: فيقع (٤) رَجْعِيًّا بلا عِوَضٍ؛ لأِنَّ شَرْطَ العِوَضِ والرَّجعةِ يَتَنافَيَانِ، فيسقطان (٥)، ويَبقَى مُجرَّدُ الطَّلاق، فتثبت (٦) الرَّجعةُ بالأصل لا بالشَّرط. وعلى الأوَّل؛ قال القاضي: يَسقُط المسمَّى في العِوَضِ؛ لأِنَّه لم يَرْضَ به عِوَضًا حتَّى ضَمَّ إليه الشَّرْطَ، فإذا سَقَطَ الشَّرطُ؛ فيصيرُ مَجْهولاً، فيَسقُطُ، ويَجِبُ المسمَّى في العَقْد. ويَحتَمِلُ: أنْ يَجِبَ المسمَّى في الخُلْع؛ لأِنَّهما تَراضَيَا به عِوَضًا، فلم يَجِبْ غَيرُه؛ كما لو خَلَا عن شَرْطِ الرَّجْعة. فرعٌ: إذا شَرَطَ الخِيارَ في الخُلْع؛ بَطَلَ الشَّرْطُ، وصحَّ الخُلْع؛ لأِنَّ الخِيارَ في البيع لا يَمنَعُ نَقْلَ الملْكِ، ففي الخُلْع لا يَمنَعُ وُقوعَه، ومتى وَقَعَ؛ فلا سبيلَ إلى رَفْعه.
следующие страницы →