← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

(وَالْخُلْعُ) له صريحٌ: وهو لَفْظُ الخُلْع والمفاداة، وكذا الفَسْخُ في الأشْهَر، وكنايةٌ: وهو (١) الإبانَةُ والتَّبْرِئَةُ، وفي «الرَّوضة»: صريحُه: الخُلْعُ، أو الفَسْخ، أو الفِداءُ، أوْ بارأتُكِ. (طَلَاقٌ) أيْ: إذا وَقَعَ بغَيرِ الألفاظ المذكورةِ، بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لوجودِ صريحِه أو كِنايةٍ مُقتَرِنَةٍ بالنِّيَّة، (بَائِنٌ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، وإنَّما يكونُ فِداءً إذا خَرَجَتْ من قَبْضَته وسُلْطانه، ولو لم تكن (٣) بائنًا لَكانَتْ له الرَّجعةُ، وكانَتْ تحتَ حُكْمه وقَبْضته؛ لأِنَّ القَصْدَ إزالةُ الضَّرَر عنها، فلو جازت الرَّجعةُ؛ لَعَادَ الضَّرَرُ. (إِلاَّ أَنْ يَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ أَوِ الْفَسْخِ أَوِ الْمُفَادَاةِ، وَلَا (٤) يَنْوِيَ بِهِ الطَّلَاقَ، فَيَكُونُ فَسْخًا لَا يَنْقُصُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ فِي إِحْدَى (٥) الرِّوَايَتَيْنِ)، اختارها أبو بكرٍ، وقال ابنُ هُبَيرةَ: وهي أظهرهما (٦)، وصحَّحَها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها (٧) في «الوجيز»، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وطاوُس، وعِكْرِمةَ، وإسْحاقَ، واحتجَّ ابنُ عبَّاسٍ بقَوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] ثُمَّ قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ثُمَّ قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، فذَكَرَ طَلْقَتَينِ والخُلْعَ وتطليقةً (٨) بعدَهما، فلَوْ كان الخُلْعُ طَلاقًا لَكانَ أرْبَعًا (٩)، ولأِنَّها فُرقةٌ خَلَتْ عن صريحِ الطَّلاق ونيَّتِه، فكانَتْ فَسْخًا

стр. 4622

كسائر الفُسوخ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (وعَلَيهِ دلَّ كلامُ أحمدَ وقُدَماءِ أصحابه) (١)، ومُرادُه ما قال عبدُ الله: (رأيتُ أبِي (٢) يَذْهَبُ إلى قَولِ ابنِ عباس (٣)، وابنُ عبَّاسٍ صحَّ عنه: «ما أجازَه المالُ فلَيسَ بطَلاقٍ» (٤)، وصحَّ عنه: «أنَّ الخُلْعَ تَفْريقٌ ولَيسَ بطَلاقٍ» (٥). (وَالْأُخْرَى: هُوَ طَلَاقٌ بَائِنٌ بِكُلِّ حَالٍ)، رواه الشَّافِعِيُّ عن (٦) عُثمانَ (٧)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٨)، وابنِ مسعودٍ (٩)، وقالَهُ سعيدُ بنُ المسيِّب، وعَطاءٌ، والأكثرُ، لكِنْ ضعَّف أحمدُ الحديثَ عنهم (١٠)، وقال: (لَيسَ في الباب أصحُّ

стр. 4623

من حديثِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّه فَسْخٌ)، ولأِنَّها بَذَلَت العِوَضَ للفرقة، والفُرقةُ التي يَمْلِكُ الزَّوجُ إيقاعَها هي الطَّلاق دُونَ الفَسْخ، ولأِنَّه أتَى بكناية الطَّلاق قاصدًا فِراقَها، فكان طلاقًا كغَير الخُلْعِ. وفائدةُ الخلاف: أنَّه إذا قُلْنا بأنَّه طلاقٌ؛ حُسِبَ ونقص (١) به عدد طَلاقه، وإنْ قِيلَ: هو فَسْخٌ؛ لم تحرم (٢) عليه وإنْ خالَعَها مائة (٣) مرَّة. وتُعتَبَر الصِّيغةُ منهما، فيقولُ: خَلَعْتُكِ على كذا، وتقولُ هي (٤): قَبِلْتُ أوْ رَضِيتُ. وتصح (٥) ترجمةُ خلعٍ بكلِّ لفظٍ (٦) من أهلها. فرعٌ: لا يحصُل الخُلْعُ بمجرَّد بذلِ المالِ وقَبولِه مِنْ غَيرِ لفظِ الزَّوج، قال القاضِي: ذَهَبَ إليه شُيوخُنا البَغْدادِيُّونَ، وأَوْمَأَ إلَيهِ أحمدُ (٧). وذَهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَريُّ، وابن شِهابٍ: إلى وُقوع الفُرقة بقَبول الزَّوج العِوَضَ، وأفْتَى به ابنُ شِهابٍ بعُكْبرا. واعْتَرَض عليه أبو الحُسَين بن هُرْمُز (٨)، نقل إسحاقُ بنُ منصورٍ قال: قلتُ لأِحمدَ: كيف الخُلْع؟ قال: (إذا أخذ المالَ فهي فُرقةٌ) (٩).

стр. 4624

وعن عليٍّ: مَنْ قَبِلَ مالاً على فراقٍ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ (١). وجَوابُه: بأنَّه تصرُّفٌ في البُضْع بعِوَضٍ، فلم يَصِحَّ بدُونِ اللَّفظ، كالنِّكاح والطَّلاق، ولأِنَّ أخْذَ المال قَبْضٌ لِعِوَضٍ، فلم يقم (٢) بمجرَّده مَقامَ الإيجاب (٣)، كقَبْضِ أحدِ العِوَضَينِ في البيع، ولعلَّ أحمدَ وغَيرَه استَغْنَى عن ذِكْر اللَّفظ؛ لأِنَّه معلومٌ. (وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْخُلْعِ طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ)؛ بأنْ يقولَ: أنْتِ طالِقٌ، قال الشَّافِعِيُّ: أنا (٤) مسلِمٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ وابنِ الزُّبَير أنَّهما قالا: «لا يَلحَقُ المخْتَلِعةَ الطَّلاقُ في العِدَّة» (٥)، ولم يُعرَفْ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأنَّها (٦) لا تَحِلُّ له إلاَّ بنكاحٍ جديدٍ، فلم يَلحَقْها طَلاقُه، كالمطلَّقة قبلَ الدُّخول. وفي «التَّرغيب»: إلاَّ إنْ قُلْنا: هو طَلْقةٌ، ويكونُ بلا عِوَضٍ، وهو ظاهِرٌ. (وَإِنْ شَرَطَ الرَّجْعَةَ فِي الْخُلْعِ؛ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كشَرْطِ الخِيار، ولأنَّ (٧) الخُلْعَ لا

стр. 4625

يفسد (١) بالعِوَضِ الفاسدِ، فلا يفسد (٢) بالشَّرط الفاسِد؛ كالنِّكاح. (وَفِي الآْخَرِ: يَصِحُّ الشَّرْطُ (٣)، وَيَبْطُلُ الْعِوَضُ)؛ أيْ: فيقع (٤) رَجْعِيًّا بلا عِوَضٍ؛ لأِنَّ شَرْطَ العِوَضِ والرَّجعةِ يَتَنافَيَانِ، فيسقطان (٥)، ويَبقَى مُجرَّدُ الطَّلاق، فتثبت (٦) الرَّجعةُ بالأصل لا بالشَّرط. وعلى الأوَّل؛ قال القاضي: يَسقُط المسمَّى في العِوَضِ؛ لأِنَّه لم يَرْضَ به عِوَضًا حتَّى ضَمَّ إليه الشَّرْطَ، فإذا سَقَطَ الشَّرطُ؛ فيصيرُ مَجْهولاً، فيَسقُطُ، ويَجِبُ المسمَّى في العَقْد. ويَحتَمِلُ: أنْ يَجِبَ المسمَّى في الخُلْع؛ لأِنَّهما تَراضَيَا به عِوَضًا، فلم يَجِبْ غَيرُه؛ كما لو خَلَا عن شَرْطِ الرَّجْعة. فرعٌ: إذا شَرَطَ الخِيارَ في الخُلْع؛ بَطَلَ الشَّرْطُ، وصحَّ الخُلْع؛ لأِنَّ الخِيارَ في البيع لا يَمنَعُ نَقْلَ الملْكِ، ففي الخُلْع لا يَمنَعُ وُقوعَه، ومتى وَقَعَ؛ فلا سبيلَ إلى رَفْعه.

стр. 4626

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ الْخُلْعُ إِلاَّ بِعِوَضٍ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، جَزَمَ به أكثر (١) الأصحاب، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ العِوَضَ رُكْنٌ فيه، فلم يَصِحَّ تَرْكُه؛ كالثَّمَن في البيع (٢). (فَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لَمْ يَقَعْ)؛ لأِنَّ الشَّيءَ إذا لم يكُنْ صحيحًا؛ لم يترتَّبْ عليه شَيءٌ، دليلُه البَيعُ، (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا) دُونَ الثَّلاث، (فَيَقَعُ (٣) رَجْعِيًّا)؛ لأنَّه (٤) طَلاقٌ لا عِوَضَ فيه، فكان رَجْعيًّا كغَيرِه؛ ولأِنَّه يصلح (٥) كنايةً عن الطَّلاق. وإن (٦) لم يَنْوِ به طَلاقًا؛ لم يكُنْ شَيْئًا؛ لأِنَّ الخُلْعَ إنْ كان فَسْخًا؛ فلا يَملِكُ الزَّوجُ فَسْخَ النِّكاح إلاَّ لِعَيبِها، ولذلك لو قال: فَسَخْتُ النِّكاحَ، ولم يَنْوِ به (٧) الطَّلاقَ؛ لم يَقَعْ شَيءٌ، بخلاف ما إذا دَخَلَه العِوَضُ، فإنَّه مُعاوَضةٌ، ولا يَجتمِعُ العِوَضُ والمعوَّضُ. (وَالْأُخْرَى: يَصِحُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ، اخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ)، وابنُ عَقِيلٍ في «التَّذكرة»؛ لأِنَّه قَطْعٌ للنِّكاح، فصحَّ مِنْ غَيرِ عِوَضٍ كالطَّلاق، ولأِنَّ الأصلَ في مشروعيَّة الخُلْع أنْ يوجَدَ من المرأة رغبةٌ عن زوجها، فإذا سألَتْه الفِراقَ،

стр. 4627

فأجابَها إليه؛ حَصَلَ المقْصودُ من الخُلْع، أشْبَهَ ما لو كان بعِوَضٍ. قال أبو بكرٍ: لا خِلافَ عن أبي عبد الله أنَّ الخُلْعَ ما كان مِنْ قِبَلِ النِّساء، فإذا كان مِنْ قِبَلِ الرِّجال؛ فلا نِزاعَ في أنَّه طَلاقٌ، يَملِكُ به الرَّجْعةَ، ولا يكونُ فَسْخًا. وظاهِرُه: أنَّه لا بُدَّ فيه من سؤال المرأة، أوْ مَنْ يَقومُ مَقامَها، وصرَّح به في «الكافي»، والأصفهاني (١) في «شَرْح الخِرَقِيِّ»؛ لأِنَّ خالَعَ مِنْ بابِ المُفاعَلَة، وهي للمشارَكة. وفي «التَّرغيب»: أنَّها تَبِين منه (٢) بقوله: فَسَخْتُ، أوْ خَلَعْتُ إذا قُلْنا: هو فَسْخٌ بمجرَّده (٣)، فظاهِرُه: أنَّه لا يُحتاجُ فيه إلى سؤالٍ، لكنَّه مُخالِفٌ لِمَا ذَكَرَه الجماعةُ. فرعٌ: تَبِينُ بالخُلْع على كلتا الرِّوايَتَينِ، فلا يَمْلِكُ رَجْعَتَها إلاَّ بشَرْطِه؛ كالبيع. (وَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ (٤) مِمَّا أَعْطَاهَا)؛ لأِنَّ «النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ ثابِتَ بنَ قَيسٍ أنْ يأخُذَ مِنْ زَوجَتِه حديقتَه، ولا يَزْدادَ (٥)» رواهُ ابنُ ماجِهْ (٦)،

стр. 4628

ولأِنَّه بَذْلٌ (١) فِي مقابلة (٢) فَسْخٍ، فلم يُزَدْ على قَدْره في ابتداء العقد؛ كالإقالَةِ. (فَإِنْ فَعَلَ؛ كُرِهَ وَصَحَّ)، في قَولِ أكثرِ العلماء، ورُوِيَ عن (٣) ابن عبَّاسٍ وابنِ عمرَ أنَّهما قالا: «لو اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوجها بمِيراثها وعِقاصِ رأسها كان جائزًا» (٤)، ودليلُ الكراهة: قَولُه ﵇ في حديثٍ رواهُ أبو حَفْصٍ بإسْنادِه: «أنَّه كَرِهَ أنْ يأخُذَ مِنْ المخْتَلِعة أكثرَ مِمَّا أعْطاها» (٥).

стр. 4629

وفي قَولِ المؤلِّف نَظَرٌ؛ لأِنَّه لا يَلزَمُ مِنْ الكراهة عدمُ الاِسْتِحْباب، وفيه شَيءٌ. وأمَّا الصِّحَّةُ؛ فلِقَولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولأِنَّه قَولُ جماعةٍ من الصَّحابة ومَنْ بَعدَهم، قالت الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعوَّذ (١): «اخْتَلَعْتُ مِنْ زَوْجِي بما دُونَ عِقاصِ رأْسِي، فأجاز ذلك عَلَيَّ» (٢)، واشْتَهَرَ، ولم (٣) يُنكَرْ، فكان كالإجماع. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ)، هو روايةٌ عن أحمدَ، رُوِيَ عن عليٍّ بإسْنادٍ مُنقَطِعٍ (٤)، «ولأِمْرِه ﵇ ثابِتًا أنْ لا يَزْدادَ»، وأَمْرُه للوُجوب، (وَتُرَدُّ الزِّيَادَةُ)؛ لعَدَمِ جَوازِها. (وَإِنْ خَالَعَهَا بِمُحَرَّمٍ) يَعْلَمانِه؛ (كَالْخَمْرِ وَالْحُرِّ؛ فَهُوَ كَالْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّ الخُلْعَ على ذلك مع العلم بتحريمه يَدُلُّ على رِضَا فاعِلِه بغَيرِ شَيءٍ. لا يُقالُ: هَلاَّ يَصِحُّ الخُلْعُ ويَجِبُ مَهْرُ المِثْل؛ كتَزَوُّجِها (٥) عَلَيه؟ لأِنَّ خُروجَ البُضْع من ملْكِ الزَّوج غَيرُ مُتقَوِّمٍ، فإذا رَضِيَ بغَيرِ عِوَضٍ؛ لم يكُنْ له شَيءٌ، كما لو طلَّقَها، أوْ علَّقَه على فِعْلٍ ففَعَلَتْه (٦)، وفارق (٧) النِّكاحَ، فإنَّ

стр. 4630

دخولَ (١) البُضْع في ملْك الزَّوج مُتقوِّمٌ. وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه إذا خالَعَها بمحرَّمٍ يَعْلَمانِه؛ فإنَّه يَصِحُّ مَجَّانًا. واقْتَضَى أنَّهما إذا لم يَعلَما المحرَّمَ؛ أنَّ له قِيمتَه (٢)، كما ذَكَره في «الرَّوضة» وغيرها. فرعٌ: إذا تَخالَعَ كافِرانِ بمحرَّمٍ يَعْلَمانِه، ثُمَّ أسْلَما أوْ أحدُهما قَبْلَ قَبْضه؛ لَغَا. وقِيلَ: له قيمتُه. وقِيلَ: مَهْرُ مِثْلِها. (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ، فَبَانَ حُرًّا أَوْ مُسْتَحَقًّا (٣)؛ فَلَهُ قِيمَتُهُ عَلَيْهَا)؛ لأِنَّ ذلك عَينٌ يَجِبُ تسليمُها مع سَلامَتِها، فَوَجَبَ بَدَلُها مع تعذُّرها؛ كالمغصوب، وهذا بخلاف (٤) ما سَبَقَ؛ لأِنَّه هنا لم يَرْضَ بغَيرِ عِوَضٍ مُتقَوِّمٍ، فيَرجِعُ بحُكْم الغرور (٥). ويَجِبُ مِثْلُه إنْ كان مِثْلِيًّا، فلو (٦) خالَعَها على دَنِّ خَلٍّ، فَبانَ خَمْرًا؛ رَجَعَ عَلَيها بمِثْلِه خَلًّا؛ لأِنَّ الخَلَّ مِنْ ذَوَات الأَمْثال. وقِيلَ: يرجع (٧) بقيمةِ مِثْلِه خَلًّا؛ لأِنَّ الخمرَ لَيسَ من ذوات الأمْثال. والأوَّلُ أصحُّ. وقِيلَ: يَجِبُ مَهْرُ المِثْل؛ لأِنَّه عَقْدٌ على البُضْع بعِوَضٍ فاسِدٍ، أشْبَهَ النِّكاحَ بخمرٍ. وجَوابُه: بأنَّها عَينٌ يَجِبُ تسليمُها مع سلامتها وبقاءِ سببِ الاِسْتِحْقاقِ،

стр. 4631

فَوَجَبَ بدلها (١) مقدَّرًا بقيمتها أوْ مِثْلِها؛ كالمغصوب. (وَإِنْ بَانَ مَعِيبًا؛ فَلَهُ أَرْشُهُ أَوْ قِيمَتُهُ، وَيَرُدُّهُ)؛ لأِنَّه عِوَضٌ في مُعاوَضةٍ، فكان له ذلك، كالبيع والصَّداق. فإنْ كان على معيَّنٍ؛ كقولها: اخْلَعْنِي على هذا العبدِ، فيقولُ: خَلَعْتُكِ، ثُمَّ يجد (٢) به عَيبًا لم يكُنْ علِمَ به، فهذا يُخيَّر (٣) فيه بَينَ أخْذِ أرْشِه، أوْ ردِّه وأخْذِ قِيمتِه. وإن (٤) قال: إنْ أعْطَيتِنِي هذا الثَّوبَ فأنْتِ طالِقٌ، فأعْطَتْه إيَّاهُ؛ طَلَقَتْ ومَلَكَه، قال أصْحابُنا: والحُكْمُ فيه كما لو خالَعَها عليه. (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ (٥) عَامَيْنِ)، أوْ مُدَّةٍ معلومةٍ؛ صح (٦)، قلَّ أوْ كَثُرَ؛ لأِنَّ هذا مِمَّا تَصِحُّ المُعاوَضةُ عليه في غَيرِ الخُلْع، فَفِيهِ أَوْلَى، فلو خالَعَها على رضاعِ ولده (٧) مُطلَقًا؛ صحَّ، وانصرَفَ إلى ما بَقِيَ من الحَولَينِ أوْ هُمَا، نَصَّ عليه (٨). (أَوْ سُكْنَى دَارٍ) معيَّنةٍ، ويُشتَرَطُ تعيينُ المدَّة كالإجارة؛ (صَحَّ). وكذا إذا خالَعَها على نفقةِ الطِّفل، أوْ كَفالَته. (فَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ، أَوْ خَرِبَتِ الدَّارُ؛ رَجَعَ بِأُجْرَةِ بَاقِي (٩) الْمُدَّةِ)؛ لأِنَّه تعذَّر

стр. 4632

اسْتِيفاءُ المعْقودِ عليه، فَوَجَبَ الرُّجوعُ بباقي أُجْرةِ المدَّةِ، كما لو أَجَرَه دابة (١) شَهْرًا بِعَشَرةٍ، ثُمَّ ماتَ في نِصفِه، وفي الكفالة بقيمةِ مِثْلِها لِمِثْلِه. وهل يَستَحِقُّه دفْعةً، أوْ يومًا بيومٍ؟ فيه وجْهانِ: أحدُهما: يَستَحِقُّه دَفْعةً واحدةً، ذَكَرَه القاضي في «الجامع»، واحْتَجَّ بقول (٢) أحمدَ: يَرجِعُ عليها ببقيَّة ذلك (٣). والثَّاني: يستحقه (٤) يومًا بعدَ يَومٍ، وهو الأصحُّ؛ لأِنَّه ثَبَتَ منجَّمًا (٥)، فلا يَستَحِقُّه مُعجَّلاً، كما لو أَسْلَمَ إليه (٦) في خُبزٍ يأخُذُ منه كلَّ يَومٍ أرْطالاً معلومةً، فمات. وقِيلَ: يَرجِع بأجرةِ المِثْل لباقِي المدَّة في الكلِّ. فإنْ أراد أنْ يُقِيمَ بَدَلَه مَنْ تُرضِعُه أوْ تكفله (٧)، فأَبَتْ، أوْ أرادته (٨) هي فأبَى؛ لم يُلزَما، وكذا نفقتُه مُدَّةً مُعيَّنةً إذا مات. والأَشْهَرُ: أنَّه لا يُعتَبَرُ قدرُ نَفَقتِها وصِفَتِها، بل يُرْجَعُ إلى العُرف والعادةِ. وكذا مَوتُ مُرضِعةٍ أوْ جفافُ (٩) لبنها في أثنائها. (وَإِنْ خَالَعَ الْحَامِلَ عَلَى نَفَقَةِ عِدَّتِهَا؛ صَحَّ وَسَقَطَتْ)، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأِنَّ

стр. 4633

نفقةَ الحامِلِ مُقدَّرةٌ واجِبةٌ بالشَّرع، فهو كالخُلْع على الرَّضاع، ولأِنَّها تَسقُطُ؛ لأِنَّها صارتْ مُستَحَقَّةً له، فإنْ لم تكُنْ حامِلاً؛ فلا نَفَقَةَ لها عليه. وقِيلَ، وش (١): لها مَهْرُ المثل؛ لأِنَّ النَّفقةَ لم تَجِبْ، فلم يَصِحَّ الخلع (٢). وجَوابُه: بأنَّها إحدى (٣) النَّفَقَتَينِ، فصحَّت المخالَعةُ كنَفقة الصَّبِيِّ. وقِيلَ: إنْ وَجَبَت النَّفقةُ بالعَقْد، وإلاَّ فهو خُلْعٌ بمَعْدومٍ. فرعٌ: إذا خالَعَ حامِلاً منه، فأَبْرَأَتْه مِنْ نفقةِ حَمْلِها؛ فلا نفقةَ لها، ولا للولد حتَّى تَفطِمَه، نَقَلَ المرُّوذِيُّ (٤): إذا أَبْرَأَتْه مِنْ مَهْرها ونَفَقَتِها، ولها ولدٌ؛ فلها النَّفقةُ عليه إذا فَطَمَتْه؛ لأِنَّها قد أَبْرَأَتْه مِمَّا يَجِبُ لها من النَّفقة، فإذا فَطَمَتْه فلها طَلَبُه بنَفَقَتِه، وكذا السُّكْنَى. مسألةٌ: العِوَضُ في الخُلْع كالعِوَض في الصَّداق والبيع، فإنْ كان مَكِيلاً أوْ مَوزونًا؛ لم يَدخُلْ في ضَمانِ الزَّوج، ولم يملِك التَّصرُّفَ فيه إلاَّ بقَبضِه، وإنْ كان غَيرَهما؛ دَخَلَ في ضَمانه بمجرَّد الخُلْع، وصَحَّ تصرُّفُه فيه.

стр. 4634

(فَصْلٌ) (وَيَصِحُّ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ) في ظاهِر المذْهَبِ؛ لأِنَّ الطَّلاقَ معنًى يَجوزُ تعليقُه بالشَّرط، فجاز أنْ يُستَحَقَّ به العِوَضُ المجهولُ كالوصيَّة؛ ولأِنَّ الخُلْعَ إسْقاطٌ لِحَقِّه مِنْ البُضْع، ولَيسَ فيه تمليك (١) شَيءٍ، والإسْقاطُ تدخله (٢) المسامَحةُ، ولذلك جاز بغَيرِ عِوَضٍ على روايةٍ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ)، وإنَّه قِياسُ قَولِ أحمدَ، وجَزَمَ به أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّه مُعاوَضةٌ، فلم يَصِحَّ بالمجهول؛ كالبيع. (وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّه المذْهَبُ، والفَرْقُ بَينَه وبَينَ البيع: أنَّ البَيعَ لا يَصِحُّ إلا (٣) بثَمَنٍ قَولاً واحدًا، بخِلافِ الخُلْع على قَولٍ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ في ظاهِرِ نصِّه المسمَّى. (فَإِذَا (٤) خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوْ مَا فِي بَيْتِهَا مِنَ الْمَتَاعِ؛ فَلَهُ مَا فِيهِمَا) إذا كان فيهما شَيءٌ؛ لأِنَّ ذلك هو المخالَعُ عليه، وجَهالَتُه لا تَضُرُّ؛ لأِنَّ التَّفريعَ على صحَّة الخُلْع بالمجْهولِ. وظاهِرُه: أنَّه يَستَحِقُّ ما في يَدِها وإنْ كان أقلَّ مِنْ ثلاثةِ دراهِمَ، وهو احْتِمالٌ حكاه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه الذي في اليَدِ. والثَّانِي: له ثلاثةُ دراهِمَ؛ لأِنَّ لَفْظَه يَقتَضِيهَا. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا (٥) شَيْءٌ؛ فَلَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى مَتَاعًا)؛

стр. 4635

لأِنَّ ذلك أقلُّ ما يَقَعُ عليه اسمُ الدَّراهِم والمتاعِ حقيقةً. (وَقَالَ الْقَاضِي) وأصْحابُه: (يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِصَدَاقِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَتَاعِ)؛ لأِنَّها فَوَّتَتْ عليه البُضْعَ، ولم يَحصُلْ له العِوَضُ لِجَهالَتِه، فَوَجَبَ عَلَيها قِيمةُ ما فَوَّتَتْ عليه، وهو الصَّداقُ. وأما (١) على الرِّواية الأُولى؛ ففيه خمسةُ أوْجُهٍ: أحدها، وهو ظاهِرُ كلامِه: صحَّةُ الخُلْع بالمسمَّى، لكِنْ يَجِبُ أدْنَى ما يتناوله (٢) الاِسْمُ لمَا تَبيَّنَ عَدَمُه وإنْ لم تكُنْ (٣) غَرَّته (٤)؛ كحَمْلِ الأَمَة. الثَّاني: صحَّتُه بمَهْرِها فيما يُجهَلُ حالاً ومآلاً، فإنْ تبيَّنَ عَدَمُه رَجَعَ إلى مَهْرِها، وقِيلَ: إذا لم تَغُرُّه (٥) فلا شَيءَ عليها. الثَّالِثُ: فسادُ المسمَّى، وصِحَّةُ الخُلْع بمَهْرِها. الرَّابِعُ: بُطْلانُ الخُلْع، قاله أبو بكرٍ. الخامِسُ: بُطْلانُه بالمعْدومِ وَقْتَ العَقْد كما تَحْمِلُ شَجرَتُه، وصحَّتُه مع الموجود يقينًا أوْ ظَنًّا. ثُمَّ هَلْ يَجِبُ المسمَّى، أوْ مَهْرٌ، أو الفَرْقُ؟ قالَهُ في «المحرَّر». (وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا، أَوْ عَلَى (٦) مَا تَحْمِلُ شَجَرَتُهَا؛ فَلَهُ ذَلِكَ)؛ أيْ: ما تحملان (٧)؛ لأِنَّه المخالَعُ عليه ولو كان مَعدومًا؛ إذْ لا أَثَرَ له،

стр. 4636

والمرادُ بحَمْلِ الأَمَةِ: ما تَحمِلُه، بدليلِ قَولِه بَعْدُ: (فإنْ لم تحملا (١)، وهكذا ذَكَرَه في «المغْنِي»، ولا فَرْقَ بَينَ مسألةِ حَمْلِ الأَمَةِ وحَمْلِ الشَّجرةِ. (فَإِنْ لَمْ تَحْمِلَا (٢)؛ فَقَالَ أَحْمَدُ: تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ (٣)؛ لِئَلاَّ يَخْلُوَ الخُلْعُ عن عِوَضٍ. وفي «المغْنِي»: قَولُ أحمدَ: ترضيه (٤) بشَيءٍ؛ أنَّ (٥) له أقلَّ ما يَقَعُ عليه اسمُ الحَمْل والثَّمرة، فهو كمسألةِ المتاع؛ لأِنَّه بمَعْناهُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّه رَضِيَ بالحَمْل، ولا حَمْلَ، وتأوَّلَ قول (٦) أحمدَ على الاِسْتِحْباب؛ لأِنَّه لو كان واجِبًا؛ لقَدَّرهُ بتقديرٍ يُرْجَعُ إليه. وعليه: الفَرْقُ بَينَهما وبَينَ مسألةِ الدَّراهِمِ والمتاع: أنَّ المرأةَ في مسألةِ الدَّراهِمِ والمتاعِ أوهمته (٧) أنَّ معها دراهِمَ، وفي بَيتها متاعٌ؛ لأِنَّها خاطَبَتْه بلفظٍ يَقتَضِي الوُجودَ مع إمْكانِ عِلْمِها به، فكان له ما دلَّ عليه لَفْظُها، كما لو خالَعَتْه على عبدٍ فَوُجِدَ حُرًّا. وفي هاتَينِ المسألَتَينِ دَخَلَ معها في العقد مع تساويهما في العلم في الحال، ورضاهما بما فيه من الاِحْتِمال، فلم يكُنْ لها شَيءٌ غَيرُه، كما لو قال: خالَعْتُكِ على هذا الحُرِّ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: له (٨) مَهْرُ المِثْل، وقال أبو الخَطَّاب: له المسمَّى.

стр. 4637

(وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى عَبْدٍ؛ فَلَهُ أَقَلُّ مَا يُسَمَّى عَبْدًا)، أيْ: يَصِحُّ تمليكُه، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّه خالَعَها على مسمًّى مجهولٍ، فكان له أقلُّ ما يَقَعُ عليه الاِسْمُ، كما لو خالَعَها على ما في يَدِها من الدَّراهِم. فإن (٢) خالَعَتْه على عَبِيدٍ؛ فله ثلاثةٌ في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ (٣) والخِرَقيِّ؛ كمسألةِ الدَّراهِمِ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلَقَتْ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ طَلَاقًا بَائِنًا، وَمَلَكَ الْعَبْدَ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)؛ لأِنَّ الشَّرْطَ عطية (٥) عبدٍ، وقد وُجِدَ، ويَقَعُ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لأِنَّه على عِوَضٍ، ويَملِكُ العبدَ؛ لأِنَّه عِوَضُ خروجِ البُضْعِ مِنْ ملْكِه. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهَا عَبْدٌ وَسَطٌ فِيهِمَا)؛ كالصَّداق، وتأوَّلَ كلامَ أحمدَ على أنَّها تُعْطيهِ عبدًا وَسَطًا، وعلى قَولِه: إنْ أعْطَتْه مَعِيبًا أوْ دُونَ الوَسَطِ؛ فله ردُّه وأخْذُ بَدَلِه. تَتِمَّةٌ: لو أعْطَتْه مُدبَّرًا، أوْ مُعتَقًا بعضُه؛ وَقَعَ الطَّلاقُ؛ لأِنَّهما كالقِنِّ في التَّمليك، وإنْ أعْطَته حُرًّا، أوْ مَغْصوبًا، أوْ مَرهونًا؛ لم تَطْلُقْ؛ لأِنَّ العطيَّةَ إنَّما تَتَناوَلُ ما يَصِحُّ تمليكُه. وفي «الرِّعاية»: لو بان حُرًّا، أوْ مَغْصوبًا، أوْ مُكاتَبًا؛ بانت (٦)، وله القِيمةُ، وقِيلَ: لا تَطْلُقُ.

стр. 4638

(وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي (١) هَذَا الْعَبْدَ)، أو الثَّوب الهروي (٢) (فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ؛ طَلَقَتْ)؛ لتحقُّقِ وُجودِ الشَّرط، ويَقَعُ بائِنًا، (وَإِنْ خَرَجَ مَعِيبًا)، أو مَرْويًّا (٣)؛ (فَلَا شَيْءَ لَهُ)، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه شَرْطٌ لِوُقوعِ الطَّلاق، أشْبَهَ ما لو قال: إنْ مَلَكْتُه فأنتِ طالِقٌ، ثُمَّ مَلَكَه. وقال القاضِي: له ردُّه وأخْذُ قِيمتِه بالصِّفة سَلِيمًا، أوْ أخْذُ أرْشِه، كما لو قالَت: اخْلَعْنِي على هذا العبدِ، فَخَلَعَها. وفي «التَّرغيب»: في رُجوعه بأرْشِه وَجْهانِ، وأنَّه (٤) لو بان مباحَ الدَّم بقِصاصٍ أوْ غَيرِه فَقُتِلَ، فذَكَرَ القاضي، وهو المذْهَبُ: أنَّه يَرجِعُ بأرْشِ عَيبِه، وذَكَرَ ابنُ البناء: أنه (٥) يَرجِعُ بقِيمَتِه. (وَإِنْ خَرَجَ مَغْصُوبًا) أوْ حُرًّا؛ (لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا (٦) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ العَطِيَّةَ إنَّما تتناول (٧) ما يَصِحُّ تمليكُه، وما لا يَصِحُّ تمليكُه لا يكونُ عطيَّةً له، فإِذًا لم يُوجَدْ شَرْطُ الطَّلاق. (وَعَنْهُ: يَقَعُ، وَلَهُ قِيمَتُهُ)، جَزَمَ به في «الرَّوضة» وغيرها؛ لأِنَّه مُعاوَضةٌ بالبضع (٨)، فلا يَفسُدُ بفَسادِ العِوَضِ؛ كالنِّكاح، فعلى هذا: يَرجِعُ عليها بقيمته؛ لأِنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ.

стр. 4639

والصَّحيحُ: أنَّها لا تَطْلُقُ، ولا يَستَحِقُّ (١) القيمةَ؛ لأِنَّها لا تَطْلُقُ بعطيَّةِ المغصوب والحرِّ (٢)؛ لأِنَّ العَطيةَ هنا التَّمْليكُ، بدليلِ حصوله فيما إذا كان العبدُ مملوكًا لها. (وَكَذَلِكَ فِي التِي قَبْلَهَا)؛ لأِنَّهما سَواءٌ مَعْنًى، فكذا يَجِبُ أنْ يكونَ حُكْمًا. فرعٌ: إذا خالَعَها على عبدٍ مَوصوفٍ في الذمة، فأعْطَتْهُ إيَّاهُ مَعِيبًا؛ بانَتْ، وله طَلَبُ عبدٍ سليمٍ بتلك الصِّفةِ، وإنْ أعْطَتْهُ قيمتَه؛ لَزِمَه قَبولُها، وقال ابنُ حمدانَ: له مَهْرُ المِثْل. فإنْ خالَعَها على عبدٍ بعَينِه، ثُمَّ أعْتَقَتْه؛ لم يَصِحَّ. وقِيلَ: بلى، وعليها قيمتُه. فإنْ باعَتْه ولم يعلَمْ، فعليها قيمتُه، وقِيلَ: يَبطُلُ البَيعُ. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي ثَوْبًا هَرَوِيًّا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ (٣) مَرْوِيًّا؛ لَمْ تَطْلُقْ)؛ لأِنَّ الصِّفَةَ التي عُلِّق عَلَيها الطَّلاق لم تُوجَدْ (٤). وإنْ خالَعَتْهُ على مَرْوِيٍّ في الذِّمَّة، فأتته (٥) بِهَرَوِيٍّ؛ صحَّ وخُيِّرَ. وإنْ خالَعَها على ثَوبٍ على أنَّه قُطْنٌ؛ فبان كَتَّانًا؛ ردَّه، ولم يكُنْ له إمساكُه (٦)؛ لأِنَّه جِنْسٌ آخَرُ. وكلُّ مَوضِعٍ عُلِّق طلاقُها على عَطِيَّتها إيَّاه؛ فمتى أعْطَتْهُ على صفةٍ يُمكِنُه القَبْضُ؛ وَقَعَ الطَّلاقُ، سَواءٌ قَبَضَه منها أوْ لا.

стр. 4640

فإنْ هَرَبَ الزَّوجُ، أوْ غاب قَبْلَ عَطِيَّتِها، أوْ قالت: يَضمَنُه لك زَيدٌ، أوْ أجْعَلُه قِصاصًا بما لي عليك، أوْ أحالَتْه به؛ لم يَقَع الطَّلاقُ. وكذلك كلُّ مَوضِعٍ تعذر (١) العطيَّةُ فيه، سَواءٌ كان التَّعذُّرُ مِنْ جِهَتِها، أوْ جِهَتِه، أوْ جِهةِ غَيرِهما؛ لاِنْتِفاءِ الشّرط. ولو قالَتْ: طَلِّقْنِي بألْفٍ، فطلَّقَها؛ اسْتَحَقَّ الألْفَ، وبانَتْ، وإنْ لم يقبض (٢)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ هذا لَيسَ تعليقًا على شَرْطٍ، بخِلافِ الأوَّل. فرعٌ: إذا تخالَعا على حُكْمِ أحدهما أوْ غَيرِهما، أوْ بمِثْلِ ما خالَعَ به زَيدٌ زَوجَتَه؛ صحَّ بالمسمَّى. وقِيلَ: بل بمَهرِها. وقِيلَ: بَلْ بمَهْرِ مِثْلِها. (وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى هَرَوِيٍّ، فَبَانَ مَرْوِيًّا؛ فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّهِ)؛ لأِنَّه غَيرُ المعْقود عليه، (وَإِمْسَاكِهِ)؛ لأِنَّه مِنْ الجنس، ولأنَّ (٤) مُخالَفة الصِّفةِ بمنزلة العَيب في جَوازِ الرَّدِّ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ إِنْ وَقَعَ الْخُلْعُ عَلَى عَيْنِهِ)؛ لأِنَّ الخُلْعَ واقِعٌ على عَينِه، وقوله (٥) الأوَّلُ مُشْعِرٌ بأنَّ الخُلْعَ واقِعٌ على غَيرِ العَينِ، وفي اشْتِراط وُقوعِ الخُلْعِ على عينه (٦) عندَ أبي الخَطَّاب يَنفِيهِ، ويُؤذِنُ بأنَّ الكلامَ الأوَّلَ عامٌّ؛ إذْ لو كان خاصًّا بالخُلْعِ على عَينِ الثَّوب؛ لم يكُنْ في اشْتِراطِ وُقوعِ الخُلْعِ على العَينِ عندَ أبي الخَطَّاب فائدةٌ.

стр. 4641

(فَصْلٌ) (إِذَا قَالَ: إِنْ أعْطَيْتِنِي (١)، أَوْ: إِذَا أعْطَيْتِنِي (٢)، أَوْ: مَتَى أعْطَيْتِنِي (٣) أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، أَيَّ وَقْتٍ أَعْطَتْهُ أَلْفًا؛ طَلَقَتْ) بائنًا، ومَلَكَه وإنْ لم يَقبِضْه؛ لأِنَّه علَّق الطَّلاق بشَرْطٍ، فكان على التَّراخِي؛ كسائر التَّعاليق، فلو نَوَيَا صِنْفًا منها؛ حُمِلَ العَقْدُ عَلَيها، وإنْ أطْلَقا؛ حُمِلَ على نَقْد البلد؛ كالبيع، فإنْ لم يكُنْ؛ فعلى (٤) ما يَقَعُ عليه. ولا يَقَعُ بدَفْعها عددًا ناقِصةَ الوزْن؛ كدَفْع نُقْرَةٍ زِنَتُها ألْفٌ؛ لأِنَّ الدَّراهِمَ في عُرْفِ الشَّرع المضروبةُ الوازِنَةُ. وقِيلَ: يَكْفِي عددٌ مُتَّفَقٌ عليه بلا وَزْنٍ؛ لحُصولِ المقصود، وتَطْلُقُ إذا أعْطَتْه وازِنةً بإحْضارِه ولو كانَتْ ناقِصةً في العَدَد وإذْنِها في قَبْضِه. وإنْ دَفَعَتْ إليه مَغْشوشَةً تَبلُغُ فِضَّتُها ألْفًا؛ طَلَقَتْ، وإلاَّ فلا. وتقدَّم أنَّه يُمْكِنُه قَبْضُه، كما في «المنتخَب» و «المغْنِي» وغَيرهما. وفي «التَّرغيب»: وَجْهانِ في: إنْ أقبضتِني (٥) فأحْضَرَتْه ولم يقبضه (٦)، فلو قَبَضَه؛ فهل يَملِكُه فيَقَعُ بائنًا، أوْ لا فيَقَعُ رَجْعِيًّا؟ فيه احْتِمالانِ. ظاهِرُه: أنَّها إذا وَضَعَتْه بَينَ يَدَيهِ أنَّها تطلُق وإنْ لم يأخُذْه إذا كان مُتمَكِّنًا من أخْذِه؛ لأِنَّه إعطاءٌ عُرْفًا، بدليلِ: أَعْطَتْه فلم يأخُذْ، واسْتَشْكَلَه بعضُ

стр. 4642

المحقِّقين؛ لأِنَّه إنْ حُمِلَ الإعْطاءُ على الإقْباض مِنْ غَيرِ تمْلِيكٍ؛ فيَنبَغِي أنْ تَطْلُقَ، ولا يَستَحِقَّ شَيئًا، وإنْ حُمِلَ عليه مع التَّمْليك؛ فلا يَصِحُّ التَّمليكُ بمجرَّد فعلها (١). والتَّعليقُ لازِمٌ من جِهَةِ الزَّوج لُزُومًا لا سبيلَ إلى رَفْعِه، خِلافًا للشَّيخ تقيِّ الدِّين (٢)، كالكتابة (٣) عندَه، ووافَقَ على شَرْطٍ مَحْضٍ؛ كإنْ قَدِمَ زَيدٌ. (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ: اخْلَعْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ، أَوْ طَلِّقْنِي بِأَلْفٍ، أَوْ عَلَى أَلْفٍ)، أو طلِّقْنِي ولك ألْفٌ، (فَفَعَلَ) على الفَور، وقيل (٤): أوْ التَّراخِي، جَزَمَ به في «المنتخَب»، وفي «المحرَّر» وغَيرِه في المجْلِس؛ (بَانَتْ)؛ لأِنَّ الباءَ للمُقابَلةِ، و «على» في مَعْناها، ويَكْفِي قَولُه: خَلَعْتُكِ، أوْ طلَّقْتُكِ، وإنْ لم يَذكُر الألْفَ في الأصحِّ، (وَاسْتَحَقَّ) المجيبُ (الْأَلْفَ)؛ لأِنَّه فَعَلَ ما جَعَلَ الألْفَ في مُقابَلَتِه، وكذا قَولُها: إنْ طلَّقْتَني فلك عليَّ ألْفٌ، ولها أنْ تَرجِعَ قَبْلَ أنْ يُجِيبَها. فرعٌ: إذا قالت: اخْلَعْني بألْفٍ، فقال: أنتِ طالِقٌ، فإنْ قُلْنا: الخُلْعُ طَلْقةٌ بائنةٌ؛ وَقَعَ، واسْتَحَقَّ الألْفَ، وإنْ قُلْنا: هو فَسْخٌ؛ فهل يَستَحِقُّ العِوَضَ؟ فيه وَجْهانِ، وإن (٥) لم يَستَحِقَّ؛ ففي وقوعه رَجْعِيًّا احْتِمالانِ. وإنْ قالَتْ: طلِّقني (٦) بها، فقال: خَلَعْتُكِ؛ فإنْ كان طلاقًا استحقه (٧)،

стр. 4643

وإلاَّ لم يَصِحَّ. وقِيلَ: خُلْعٌ بلا عِوَضٍ. وفي «الرَّوضة»: يَصِحُّ، وله العِوَضُ؛ لأِنَّ القَصْدَ أنْ تملِكَ نَفْسَها بالطَّلْقة، وقد حصل (١) بالخُلْع. (وَإِنْ قَالَتْ لَهُ (٢): طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ)، أوْ على ألْفٍ، أوْ وَلَكَ ألْفٌ؛ (فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا)، وفي «الرَّوضة»: أو اثنتَينِ؛ (اسْتَحَقَّهَا)؛ لأِنَّه حَصَلَ لها ما طَلَبَتْه وزيادةٌ. (وَإِنْ (٣) قَالَتْ لَهُ (٤): طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً)؛ وَقَعَت الواحدةُ بغَيرِ خلافٍ (٥)؛ لأِنَّه أتى بلفظه (٦) الصَّريح، و (لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا) على المنصوص (٧) والمجزوم به عند (٨) أصحابنا؛ لأِنَّها إنَّما بَذَلَتْها في مُقابَلةِ الثَّلاث، ولم تَحصُلْ، وصار كما لو قال: بِعْنِي عَبدَيكَ بألْفٍ، فقال: بِعتُك أحدَهما بِنِصْفها. وفارَقَ ما إذا قال: مَنْ ردَّ عبيدي (٩) فله كذا، فردَّ بعضَهم، فإنَّه يَستَحِقُّ بالقِسْط؛ لأِنَّ غَرَضَه يتعلَّق بكلِّ واحِدٍ من العبيد، وهنا غَرَضُها يتعلَّق ببينونة (١٠) كُبْرى، ولم تَحصُلْ.

стр. 4644

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَسْتَحِقَّ ثُلُثَ الْأَلْفِ)، وهو لأِبِي الخَطَّاب في «الهداية»، كما لو قال: مَنْ ردَّ عَبِيدِي الثَّلاثةَ فله ألْفٌ، فعلى هذا: يَقَعَ الطَّلاقُ بائنًا. وعلى الأوَّل: يكون رَجْعِيًّا إذا كان في يَدِه الثَّلاث؛ لأِنَّها اسْتَدْعَتْ فُرْقةً تَحرُم بها قَبْلَ زوجٍ آخَرَ، فلم يُجِبْها إليه. فرعٌ: لو وَصَفَ طلْقةً ببينونة (١)، وقُلْنا به لِعَدَم التَّحريم التَّامِّ، فإنْ لم يصفها (٢)؛ فواحدةٌ رجعيَّةٌ، وقِيلَ: بائنٌ بثلاثةٍ، وهو روايةٌ في «التَّبصرة». (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ طَلَاقِهَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ، فَفَعَلَ، بَانَتْ وَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ)؛ لأِنَّ الواحدةَ التي فَعَلَها كَمَّلَت الثَّلاثَ، وحصَّلَتْ ما يَحصُلُ من الثَّلاث من البَيْنونَة وتحريمِ العَقْد، فَوَجَبَ العِوَضُ، كما لو طلَّقها ثلاثًا. (عَلِمَتْ أَوْ لَمْ تَعْلَمْ)؛ لأِنَّ القَصْدَ تحريمُها قَبْلَ زَوجٍ آخَرَ، وقد حصل ذلك. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ (٣) إِلاَّ ثُلُثَهُ إِذَا لَمْ تَعْلَمْ (٤)، وهو قَولُ ابنِ سريج (٥)؛ لأِنَّها بَذَلَت العِوَضَ في مُقابَلة الثَّلاث، ولم يُوجَدْ (٦)، بخِلافِ ما إذا كانَتْ عالِمَةً، فإنَّ مَعْنَى كلامِها: كَمِّلْ لي (٧) الثَّلاثَ، وقد فَعَلَ. مسائلُ: إذا قال: أنْتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالِقٌ بألْفٍ (٨)، بانَتْ بالأولَّة، ولم يَقَعْ ما

стр. 4645

بَعدَها في الأصحِّ، وهذه المسألةُ في (١) جواب قولِها: طلِّقْني واحدةً بألْفٍ، ويَدُلُّ عليه كلامُ بعضِهم. ولو قال: أنْتِ طالِقٌ وطالِقٌ بأَلْفٍ وطالِق؛ بانَتْ بالثَّانية، ولَغَتِ الثَّالثةُ. وإنْ قال: أنتِ طالِقٌ وطالِقٌ وطالق (٢) بألْفٍ، بانَتْ بالثَّالثة، وما قَبْلَها رَجْعِيٌّ، وقال ابنُ حَمْدانَ: تَطلُقُ ثلاثًا. ولو قالتْ: طلقني (٣) عَشْرًا بألْفٍ، فطلَّقَها ثلاثًا اسْتَحقَّها؛ لأِنَّه حَصَلَ المقْصودُ، وإنْ طلَّقَها أقلَّ مِنْ ذلك لم يَستَحِقَّ شَيئًا. وإنْ قالَتْ: طلِّقْنِي بألْفٍ إلى شَهْرٍ، فطلَّقَها قبلَه؛ طَلَقَتْ، ولا شَيءَ له، نَصَّ عليه (٤). وإن (٥) قالت: مِنْ الآنَ إلى شَهْرٍ، فطلَّقَها قبلَه؛ اسْتَحقَّها؛ لأِنَّه أجابها إلى ما سَأَلَتْ. وقال القاضي: تَبطُلُ التَّسميةُ، وله صَداقُها؛ لأِنَّ زَمَنَ الطَّلاق مَجْهولٌ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ؛ مُكَلَّفَةٌ)؛ أيْ: رشيدةٌ، (وَغَيْرُ مُكَلَّفَةٍ)؛ أيْ: مميزة (٦)، (فَقَالَ: أَنْتُمَا طَالِقَتَانِ بِأَلْفٍ إِنْ شِئْتُمَا، فَقَالَتَا: قَدْ شِئْنَا؛ لَزِمَ الْمُكَلَّفَةَ نِصْفُ (٧) الْأَلْفِ، وَطَلَقَتْ بَائِنًا، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بِالْأُخْرَى رَجْعِيًّا، وَلَا شَيْءَ

стр. 4646

عَلَيْهَا)، كذا ذَكَرَهُ في «الوجيز» وغيره. وحاصِلُه: أنَّ المكلَّفةَ إذا كانَتْ رشيدةً، فمَشيئتُها صحيحةٌ، وتصرُّفُها في مالها صحيحٌ، فيَقَعُ عليهما (١) الطَّلاقُ، فتَبِينُ المكلَّفةُ بنصفِ الأَلْفِ عندَ أبي بكرٍ، ورجَّحه في «المغْنِي»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وعندَ ابنِ حامِدٍ: يُقسَّطُ بقَدْرِ مَهرَيْهِما، وذكره (٢) في «المغْنِي» و «الشَّرح» ظاهر المذهب، وتَطلُقُ الأخرى رَجْعِيًّا مجَّانًا، فإنَّ بَذْلَها للعوض (٣) غيرُ صحيحٍ، وكذا المحْجورُ عليها لِسَفَهٍ؛ لأِنَّ لها مشيئةً، وتصرُّفُها في المال غَيرُ صحيحٍ، بدليلِ أنَّه يَرجِعُ إلى مشيئة المحْجورِ عليه في النِّكاح. فإنْ كانَتْ مجنونةً أوْ صغيرةً؛ لم تَصِحَّ المشيئةُ منهما، ولم يَقَعِ الطَّلاقُ. وعنه: لا مشيئةَ لمميزة (٤)؛ كدُونِها (٥)، فلا طَلاقَ. فإن كانتا (٦) رشيدتَينِ؛ وَقَعَ بهما الطَّلاقُ بائنًا، فإنْ قَبِلَتْه إحداهما؛ لم تَطلُقْ واحدةٌ منهما، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه جَعَلَ مشيئتهما (٧) شَرْطًا في طلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما. والأصحُّ: أنَّها تَطلُقُ وحدَها بقِسْطِها. فلو قال الزَّوجُ: ما شِئْتُما، وإنَّما قُلْتُما ذلك بألْسِنَتِكما، أو قالتا: ما شِئْنا بقلوبِنا؛ لم يُقبَلْ.

стр. 4647

(وَإِنْ (١) قَالَ: لاِمْرَأَتِهِ (٢) ابتداءً: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَلْفٌ؛ طَلَقَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا)؛ لأِنه لم يَجعَلِ الألْفَ عِوَضًا للطَّلْقة، ولا شرْطًا فيها، وإنَّما عَطَفَه على الطَّلاق الذي أوْقَعَه، فوقع (٣) ما يَملِكُه دُونَ ما لا يَملِكُه؛ كقوله: أنتِ طالِقٌ وعليكِ الحجُّ، فإنْ أعْطَتْه المرأةُ عِوَضًا عن ذلك؛ كان هِبَةً مُبتَدَأةً، تعتبر (٤) فيها شُروطُ الهِبَة. (وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَلْفٍ أَوْ بِأَلْفٍ؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: تَطلُقُ بغَيرِ شَيءٍ على المذهب؛ لأِنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ غَيرَ مُعلَّقٍ بشَرْطٍ، وجَعَلَ عليه عِوَضًا لم (٥) يَبذُلْه، فَوَقَعَ رَجْعِيًّا؛ لأِنَّ «على» لَيستْ للشَّرْطِ، ولا للمعاوَضة، بدليلِ: أنَّه لا يَصِحُّ: بِعْتُكَ ثَوبِي على دِينارٍ. وقيل: لا تَطلُق كنظيرتهنَّ في العتق. وقِيلَ: تَطلُقُ إلاَّ في: وعَلَيكِ. والمخْتارُ: أنَّها إذا قَبِلَتْه في المجلِس؛ بانَتْ واسْتَحَقَّه، وإلاَّ وَقَعَ رجْعِيًّا، وله الرُّجوعُ قبلَ قَبولها، ولا ينقلب (٦) بائنًا ببذْلها العِوَضَ في المجلس بعدَ عَدَم قبولها (٧). (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ تَطْلُقَ حَتَّى تَخْتَارَ، فَيَلْزَمُهَا الْأَلْفُ)، هذا قَولُ القاضي في «المجرَّد»؛ لأِنَّ تقديرَه: إنْ ضَمِنْتِ لي ألْفًا فأنتِ طالِقٌ، ولأِنَّ «على» تُستَعْمَلُ للشَّرط، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ الآيةَ [القَصَص: ٢٧].

стр. 4648

وقِيلَ: تَطلُقُ بألْفٍ فقطْ. والأَوْلَى: أنَّها لا تَطلُقُ بألف (١) حتَّى تختارَ، فيَلزَمُها الألْفُ؛ لأِنَّها إنْ لم تكن حرفَ شرْطٍ فهي للمُعاوَضة في: بِعْتُكَ بكذا، وزَوَّجْتُكَ بكذا. فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا بألْفٍ، أوْ على ألْفٍ، فقالَتْ: قَبِلْتُ واحدةً بثُلُثِ (٢) الأَلْفِ؛ لم يَقَعْ، وإنْ قالَتْ: قَبِلْتُ واحِدةً بألْفٍ؛ وَقَعَ الثَّلاثُ، واسْتَحَقَّ الأَلْفَ، وإنْ قالَتْ: قَبِلْتُ بألْفَينِ؛ وَقَعَ، ولَزِمَها الألف (٣) فقطْ. وإنْ قالَ: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، واحدةٌ منها بأَلْفٍ؛ طَلَقَت اثنتَينِ، وَوُقِفَت (٤) الثَّالثةُ على قَبولها. ولو لم يبقَ مِنْ طلاقها إلاَّ واحدةٌ، فقال: أنتِ طالِقٌ اثنتَينِ، الأُولَى بغَيرِ شَيءٍ، والثَّانيةُ بأَلْفٍ؛ بانَت بالثَّلاث، ولم يَستَحِقَّ شَيئًا.

стр. 4649

(فَصْلٌ) (إِذَا خَالَعَتْهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهَا)، المخالَعةُ في المرض صحيحةٌ، سواءٌ كانا مريضَينِ أوْ أحدُهما، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ كالبيع، ثُمَّ إذا خالَعَتْه في مرضِ مَوتها بمِيراثِه منها (٢) فما دونُ؛ صحَّ ولا رُجوعَ، وإنْ خالَعَتْه بزيادةٍ؛ بَطَلَت الزِّيادةُ. (وَلَهُ الْأَقَلُّ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ مِيرَاثِهِ مِنْهَا)؛ لأِنَّ ذلك لا تُهمةَ فيه، بخِلافِ الأكثرِ منها، فإنَّ الخُلْعَ إنْ وَقَعَ بأكثرَ من الميراث؛ تطرَّقَتْ إليه التُّهمةُ مِنْ قَصْدِ إيصالها إليه شيئًا من مالِها بغَيرِ عِوَضٍ على وَجْهٍ لم تكُنْ قادِرةً عليه، أشْبَهَ ما لو أَوْصَتْ أوْ أقرَّت له، وإنْ وَقَعَ بأقلَّ مِنْ الميراث؛ فالباقي هو أسْقَطَ حقَّه منه، فلم يَستَحِقَّه، فتعيَّنَ اسْتِحْقاقُ الأقلِّ منهما. وقِيلَ: إنْ كان ميراثُه منها بقَدْر ما ساق إليها من الصَّداق، أو أقلَّ؛ صحَّ، وإنْ كان ما خالَعَتْه أكثرَ؛ بَطَلَت الزِّيادةُ. (وَإِنْ خَالَعَهَا (٣) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا؛ لَمْ تَسْتَحِقَّ أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا)؛ أيْ: للوَرَثة مَنْعُها مِنْ ذلك؛ لأِنَّه اتُّهِم في أنَّه قَصَدَ إيصال (٤) ذلك إليها؛ كالوصيَّة لِوارِثٍ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا أَوْصَى لها بمهرِ مِثْلِها أوْ أقلَّ أنَّه يَصِحُّ؛ لأِنَّه لا تُهمةَ في ذلك.

стр. 4650

(وَإِنْ (١) خَالَعَهَا فِي مَرَضِهِ وَحَابَاهَا؛ فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ)، مِثْلَ أنْ يُخالِعَها بأقلَّ من مَهْرِ مِثْلِها، مِثْلَ أنْ يكونَ قادِرًا على خُلْعِها بشَيءٍ، فيُخالِعَها بدُونِه؛ لم يحتسب (٢) ما حاباها من الثُّلث في مرض مَوته؛ لأِنَّه لَوْ طلَّق بغَيرِ عِوَضٍ؛ لصحَّ، فلأن يَصِحَّ بعِوَضٍ أَوْلَى. فلو خالَعَها في مرضها (٣) بأكثرَ مِنْ مَهْرِها؛ فلِلْوَرثةِ أنْ لا يُعْطُوهُ أكثرَ من مِيراثه منها؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ. (وَإِذَا وَكَّلَ الزَّوْجُ فِي خُلْعِ امْرَأَتِهِ مُطْلَقًا، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا زَادَ؛ صَحَّ)، ولَزِمَ المسمَّى؛ لأِنَّه زاده (٤) خَيرًا، وعُلِم منه: صحَّةُ التَّوكيل في الخُلْع لكلِّ مَنْ يَصِحُّ تصرُّفُه في الخُلْع لنَفْسه؛ كالعبد، والأنثى، والكافِرِ، والمحْجورِ عليه، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٥). ويَجوزُ التَّوكيلُ من غَيرِ تقديرِ عِوَضٍ؛ كالبَيع والنِّكاح، والمستَحَبُّ التَّقديرُ؛ لأِنَّه أسْلَمُ من الغرر (٦)، وأسْهَلُ على الوكيل. (وَإِنْ (٧) نَقَصَ مِنَ الْمَهْرِ؛ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ الخُلْعَ عَقْدُ مُعاوَضةٍ، أشْبَهَ البَيعَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَتَخَيَّرَ (٨) بَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا)؛ لأِنَّ الحقَّ له، فإذا رَضِيَ بدونه؛ وَجَبَ أنْ يَصِحَّ، (وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ قد وَقَعَ،

стр. 4651

والعِوَضُ مردودٌ. (وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ الْعِوَضَ، فَنَقَصَ مِنْهُ؛ لَمْ يَصِحَّ الخُلْعُ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ)، وهو أَوْلَى وأصَحُّ؛ لأِنَّه خالَفَ مُوَكِّلَه، أشْبَهَ ما لو وكَّله في خُلْعِ امرأةٍ فخالَعَ (١) غَيرَها. (وَصَحَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ لأِنَّ المخالفة (٢) في قَدْر العِوَضِ، وهو لا يُبطِلُه؛ كحالة الإطلاق، (وَيَرْجِعُ عَلَى الْوَكِيلِ بِالنَّقْصِ)؛ لأِنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ تصحيح التَّصرُّف ودَفْعِ الضَّرَر، فَوَجَبَ؛ كما لو لم يُخالِفْ. وصحَّحَ ابنُ المنَجَّى هذا القَولَ؛ لأِنَّ الفَرْقَ ثابِتٌ بَينَ المخالَفة في نفس (٣) المعْقودِ عليه، وبَينَ المخالَفةِ في تعيينِ العِوَض؛ لأِنَّه لو وكَّلَه في بيع (٤) عَبْدِه مِنْ زَيْدٍ، فباعَه مِنْ غَيرِه؛ لم يَصِحَّ، ولو وكَّلَه في بَيعه بعَشرةٍ، فباعه بأقلَّ منها؛ أنَّه يَصِحُّ، ويَضمَنُ الوكيلُ النَّقصَ. فرعٌ: إذا خالَفَ في الجنس، أوْ أَمَرَه بالخُلْع حالًّا، فخالَعَ عن (٥) عِوَضٍ نَسيئةً؛ فالقِياسُ أنَّه لا يَصِحُّ. وقال القاضي: القِياسُ أنَّه يَلزَمُ الوكيلَ القدر (٦) الَّذي أَذِنَ فيه، ويكون له ما (٧) خالَعَ به؛ كالمخالَفة في القَدْر. وهذا يَبطُل بالوكيل (٨) في البيع، وفارَقَ المخالَفةَ في القَدْر؛ لأِنَّه أمْكَنَ

стр. 4652

جبره (١) بالرُّجوع بالنَّقْص على الوكيل. وكذا الحُكمُ لو خالَعَ بغَيرِ نَقْدِ البلد. وإنْ خالَعَ بما ليس بمالٍ؛ فلَغْوٌ. وقِيلَ: يَصِحُّ إنْ صحَّ بلا عِوَضٍ، وإلاَّ رجعِيًّا. (وَإِنْ وَكَّلَتِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ، فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا فَمَا (٢) دُونُ، أَوْ بِمَا عَيَّنَتْهُ فَمَا دُونُ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه امْتَثَلَ وزاد خَيرًا، (وَإِنْ زَادَ؛ لَمْ يَصِحَّ) على المذهب؛ لأِنَّه خالَفَها في تَعْيِينِها، أوْ فِيما اقْتَضاه الإطْلاقُ، فلم يَصِحَّ؛ كما لو وكَّلَتْه في الخُلْع بدَراهِمَ، فخالَعَ بعُروضٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِحَّ)؛ لأِنَّ المخالَفةَ في القَدْر لا توجب (٣) الضَّمانَ، (وَتَبْطُلُ الزِّيَادَةُ)؛ لأِنَّ الموكِّلةَ ما الْتَزَمَتْها، ولا أَذِنَتْ فيها، وقاله في «الشَّرح»، ولَزِمَ الوكيلَ؛ لأِنَّه التزم (٤) للزَّوج، فلَزِمَه الضَّمان؛ كالمضارِب إذا اشْتَرَى مَنْ يَعتِقُ على (٥) ربِّ المالِ. وقال القاضِي في «المجرد»: عليها مَهْرُ مِثْلِها، ولا شَيءَ على وكيلها؛ لأِنَّه لا يَقبَلُ العَقْدَ لنفسه، وإنَّما يقبله (٦) لغَيرِه، بخِلافِ الشِّراء. (وَإِذَا (٧) تَخَالَعَا) بغَيرِ لفظِ الطَّلاق؛ (تَرَاجَعَا بِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ)؛ أيْ: حقوقِ النِّكاح؛ لأِنَّه أحدُ نَوْعَي الخُلْع، فلم يَسقُطْ به شَيءٌ؛ كالطَّلاق. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَسْقُطُ) بالسُّكوت عنها، إلاَّ نفقةَ عدَّةِ الحامِلِ وما خُولِعَ

стр. 4653

ببعضه؛ لأِنَّ الخُلْعَ يَقْتَضِي انْخِلاعَ كلِّ واحِدٍ من صاحبه، ولو بقيت (١) الحقوقُ كما (٢) كانت لَبَقِيَ (٣) بَينَهما عُلْقةٌ، وذلك يُنافِي الاِنْخِلاعَ، فعَلَيهِ: إنْ كان خَلَعَها قبلَ الدُّخول، ولم تكُنْ قَبَضَتْ منه شيئًا؛ لم ترجع (٤) عليه، وإنْ كانَتْ قَبَضَتْه؛ لم يرجع (٥). وعلى الأوَّل: يَرجِعُ كلُّ واحد (٦) بما يَستحِقُّه، وهو الأصحُّ. وهذا الخِلافُ في حقوق النِّكاح، وأمَّا الدُّيونُ؛ فلا تعلُّق للخُلْع بها.

стр. 4654

(فَصْلٌ) (وَإِذَا قَالَ: خَالَعْتُكِ بِأَلْفٍ، فَأَنْكَرَتْهُ، أَوْ قَالَتْ: إِنَّمَا خَالَعْتَ غَيْرِي؛ بَانَتْ) بإقْراره، (وَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا فِي الْعِوَضِ)؛ لأِنَّها مُنكِرةٌ لِبَذْلهِ. (وَإِنْ قَالَتْ: نَعَمْ، لَكِنْ ضَمِنَهُ غَيْرِي؛ لَزِمَهَا الْأَلْفُ)؛ لأِنَّها أقرَّت بها، ولا يَلزَمُ الغَيرَ شَيءٌ إلاَّ أنْ يُقِرَّ به (١). فإنِ ادَّعَتْه المرأةُ، وأنْكَرَه الزَّوجُ؛ قُبِلَ قَولُه، ولا شَيءَ عَلَيها؛ لأِنَّها لا تَدَّعيهِ. وإنْ قالَتْ: سألتك (٢) طلاقًا ثلاثًا بألْفٍ فأجَبْتَ، فقال: بل (٣) طلقةً فأجَبْتُ؛ قُبِلَ قولُه، وبانَتْ بألفٍ. وقِيلَ: يَتحالَفانِ، وله (٤) المهرُ المسمَّى. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْعِوَضِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ تَأْجِيلِهِ)، أوْ صِفَتِه؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّه يُقبَلُ قَولُها في أصله (٦)، فكذا في قَدْره وصِفَتِه، ولا تُنكرُ (٧) الزَّائد والحُلول، والقَولُ قَولُ المنكِرِ مع يَمِينِه. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ)، هذا روايةٌ حكاها القاضي؛ لأِنَّ البُضْعَ يَخرُجُ عن ملْكه، فقُبِلَ قَولُه في عِوَضِه؛ كالسَّيِّد مع مُكاتَبِه.

стр. 4655

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَتَحَالَفَا) إن لم يكُنْ بلَفظِ طَلاقٍ؛ لأِنَّه اخْتِلافٌ في عِوَض العَقْد، فيتحالَفانِ فيه كالمتبايِعَينِ، (وَيَرْجِعَا إِلَى الْمُسَمَّى، أَوْ مَهْرِ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى (١)؛ لأِنَّ البُضْعَ تَلِفَ بالخُلْع، فَوَجَبَ الرُّجوعُ إلى البَدَل؛ كما لو تَلِفَ المبِيعُ وَوَقَعَ التَّحالُفُ، فإنَّه يَجِبُ بَدَلُه، وهو المِثْلُ أو القيمةُ. وجَوابُه: بأنَّ التَّحالُفَ في البَيع مُحتاجٌ إليه في فَسْخ العَقْد، والخُلْع في نَفْسه فسخٌ (٢)، فلا يُفْسَخُ. وقِيلَ: إن اخْتَلَفا في قَدْر العِوَض فلا يَمِينَ، وأيُّهما يُصَدَّقُ؟ فيه وجْهانِ. (وَإِنْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى صِفَةٍ (٣)، ثُمَّ خَالَعَهَا، فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ، ثُمَّ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا، فَوُجِدَتِ الصِّفَةُ؛ طَلَقَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)؛ لأِنَّ عَقْدَ الصِّفةِ وَوُقوعَها وُجِدَا في النِّكاح، فَوَقَعَ الطَّلاقُ؛ كما لو لم يتخلَّلْه بَينُونَةٌ (٥). لا يُقالُ: الصِّفةُ انْحَلَّتْ بفِعْلِها حالَ البَينونَةِ ضَرورةَ أنَّ (إنْ) لا تقتضي (٦) التَّكْرارَ؛ لأِنَّها إنَّما تَنحَلُّ على وَجْهٍ يَحنَثُ به؛ لأِنَّ اليمينَ حَلٌّ وعقدٌ (٧)، والعَقْدُ يَفتَقِرُ إلى الملك، فكذا الحَلُّ، والحِنْثُ لا يَحصُلُ بفِعْل الصِّفة حالَ البَينونة، ولا تَنحَلُّ اليَمِينُ به. (وَيَتَخَرَّجُ: أَلاَّ تَطْلُقَ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْعِتْقِ)، وهو أنَّ الصِّفةَ لا تَنحَلُّ؛ لأِنَّ الملكَ الثَّانيَ لا يَنبَنِي على الأوَّل في شَيءٍ من أحكامه، (وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ)، وأكثرُ العلماء؛ لأِنَّ العِتْقَ يَتَشَوَّفَ الشَّارِعُ إليه، بخِلافِ الطَّلاق.

стр. 4656

قال صاحِبُ «النِّهاية» وغَيرُه: والأوَّلُ أصحُّ، والفَرْقُ بَينَ الطَّلاق والعِتاق من حَيثُ إنَّ الأَصْلَ في الأَبْضاع الحُرْمةُ، وفي الأمْوالِ العِصْمةُ، فإذا تَعارَضَ دليلا (١) الطَّلاق؛ وَجَبَ وُقوعُه؛ لأِنَّ الأصلَ حرمةُ الوطْءِ، وإذا تَعارَضَ دليلا (٢) العِتْق؛ وَجَبَ عَدَمُ وُقوعِه؛ لأِنَّ الأصلَ عِصْمةُ الملك. فإنْ قِيلَ: لو طُلِّقَتْ بذلك لَوَقَعَ الطَّلاقُ بشَرطٍ سابِقٍ على النِّكاح، ولا خِلافَ أنَّه لو قال لأِجْنَبِيَّةٍ: إن (٣) دَخَلْت الدَّارَ فأنْتِ طالِقٌ، فتزوَّجها، ثُمَّ دخلت الدار (٤)؛ لم تَطلُقْ، والفَرْق: أنَّ النِّكاحَ الثَّانيَ مَبْنِيٌّ على الأوَّل في عَدَدِ الطَّلقات، وسقوطِ اعْتِبار العدد، وبهذا فرَّق صاحِبُ «المغْنِي» فيه بَينَ الطَّلاق والملْكِ. (وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ؛ عَادَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ اليَمينَ لم تَنحَلَّ؛ لكَونِ الصِّفة في حالِ البَيْنونَة لم تُوجَدْ، فإذا وُجِدت الصِّفةُ بعدَ التَّزويج؛ وَجَبَ أنْ تعمل (٥) عَمَلَها، كما لو لم تكن (٦) بَينُونةً. فإنْ كانَت الصِّفةُ لا تُوجدُ بعدَ النِّكاح الثَّاني؛ كقوله: إنْ أكَلْتِ هذا الرَّغيفَ فأنْتِ طالِقٌ ثلاثًا، ثُمَّ أبانَها فأكَلَتْه، ثُمَّ نَكَحَها؛ لم يَحنَثْ. أصلٌ: يَحرُمُ الخُلْعُ حيلةً لِإسْقاطِ يمينِ الطَّلاق، ولا يَقَعُ في اخْتِيارِ الأكثرِ، واحْتَجَّ القاضِي بما رُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: «الحَلِفُ حِنْثٌ أوْ نَدَمٌ» رواه ابنُ بَطَّةَ (٧).

стр. 4657

وفي «المغْنِي»: (هذا يُفعَلُ حيلةً على إبطال الطَّلاق المعلَّق، والحِيَلُ خِداعٌ لا تُحِلُّ ما حرَّم اللهُ). فلو اعْتَقَدَ البَينونَةَ، فَفَعَلَ (١) ما حَلَفَ؛ فكمُطلِّقٍ مُعتَقِدٍ أجنبيَّةً فتَبَيَّنَ امرأتُه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢). وقِيلَ: يَقَعُ، وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ وصاحِبُ «الحاوي»، وعَمَلُ غالِبِ النَّاس عليه. وفي «واضِحِ ابنِ عَقِيلٍ»: يُسْتَحَبُّ إعْلامُ المسْتَفْتِي بمذهَبِ غَيرِه إنْ كان أهْلاً للرُّخْصة؛ كطالِبِ التَّخَلُّص من الرِّبا، فيَدُلُّه على مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ للخَلاص منه، والخُلْع بعَدَمِ وُقوعِ الطَّلاق. واللهُ أعْلَمُ (٣).

стр. 4658

(كِتَابُ الطَّلَاقِ) والإجْماعُ على جَوازه (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]، وقَولُه ﵇ لعمرَ لَمَّا سَأَلَه عن تَطْليقِ ابْنِه امرأتَه وهي حائضٌ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيَتْرُكْها حتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاء أمْسَكَ بعدُ، وإنْ شاء طلَّقَ قَبلَ أنْ يَمَسَّ، فتلك العِدَّةُ التي أَمَر الله أنْ يُطلَّق لها النِّساءُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢). والمعْنَى يَدُلُّ عليه؛ لأِنَّ الحالَ ربَّما فَسَدَ بَينَ الزَّوجَينِ، فيُؤدِّي إلى ضَرَرٍ عظيمٍ، فبَقاؤه إذًا مَفْسَدةٌ مَحْضَةٌ بلُزومِ الزَّوجِ النَّفَقةَ والسُّكْنَى، وحَبسِ المرأة مع سوءِ العِشْرة، والخُصومةِ الدَّائمةِ مِنْ غَيرِ فائدةٍ، فشُرِعَ ما يُزيلُ النِّكاحَ لِتزولَ المفْسَدةُ الحاصِلَةُ منه. (وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ) أوْ بعضِه، وهو راجِعٌ إلى مَعْناهُ لُغَةً؛ لأِنَّ مَنْ حُلَّ قَيْدُ نكاحِها فقد خُلِّيَتْ؛ إذ أصلُ الطَّلاقِ التَّخْلِيَةُ، يُقالُ: طَلقَت النَّاقةُ: إذا سُرِّحَتْ حيثُ شاءتْ، وحُبِسَ فُلانٌ في السِّجن طَلْقًا بغَيرِ قَيْدٍ، وهو مَصدَرُ طَلقَت المرأةُ؛ أي: بانَتْ من زَوجها؛ بفَتْحِ اللاَّم وضَمِّها، تطلق بضمِّ (٣) اللاَّم فيهما، طلاقًا وطلقة، وجَمْعُها طَلَقات (٤)، بفَتْح اللاَّم، فهي طالِقٌ، وطلَّقَها زَوجُها فهي مُطَلَّقةٌ. (وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ)؛ لِضَرَرِه بالمقام على النِّكاح، فيُباحُ له دَفْعُ

стр. 4659

الضَّرر عن نفسه. (وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ)، وقالَهُ الأكثرُ؛ لِمَا رَوَى مُحارِبُ بنُ دِثارٍ، عن ابن عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أبْغَضُ الحَلال إلى الله الطَّلاقُ» رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَهْ، ورجالُه ثِقاتٌ، ورُوِيَ مُرْسَلاً (١). وعَنْهُ: لا يُكرَهُ، صحَّحه الحُلْوانيُّ؛ لِمَا سَبَقَ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ)؛ لقَوله ﵇: «لا ضَرَرَ ولا إضرار» (٢)، ولأِنَّه يَضُرُّ بنَفْسه وزَوْجته. (وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كان (٣) بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا)؛ أيْ: يُندَبُ عندَ تضرُّرِ المرأة بالنِّكاح، إمَّا لِبُغْضِه أوْ لغَيرِه، فيُستَحَبُّ إزالةُ الضَّرَر عنها، ولتركها (٤) صلاةً وعفة (٥) ونحوَهما.

стр. 4660

وعنه: يَجِبُ لعِفَّةٍ. وعنه: وغيرِها. فإنْ تَرَكَ حقًّا لله؛ فهِيَ كَهُوَ، فتَخْتَلِع، والزِّنى لا يَفْسَخُ نكاحًا (١)، نَصَّ عليهما (٢)، ونقل المرُّوذِيُّ: فِيمَنْ يَسكَرُ زَوْجُ أخْتِه: يحولها (٣) إليه، وعنه أيضًا: أيُفرِّقُ بَينَهما؟ قال: اللهُ المستعانُ (٤). وبَقي هنا قِسْمانِ آخَرانِ: واجِبٌ: وهو طلاقُ المُولِي بعدَ التَّربُّص، وطَلاقُ الحَكَمَينِ في الشِّقاق إذا رأياهُ. وعنه: ولأِمْرِ أبيهِ، وعنه: العدل، وقاله أبو بكرٍ؛ اتِّباعًا لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ (٥). فإنْ أمَرَتْه أمُّه؛ فنَصُّه: لا يُعجِبُنِي طلاقُه (٦)، ومَنَعَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين منه، ونَصَّ في بَيعِ السُّرِّيَّة: إنْ خِفْتَ على نفسكَ فليس لها ذلك (٧). ومحظورٌ: وهو طلاقُ مَنْ دَخل بها في حَيضها، أو في (٨) طُهْر أصابَها
следующие страницы →