← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وعلي (١)، وابن عبَّاس (٢)، وأنس (٣)، وعثمان بن أبي العاص (٤)، وعائذ بن عمرو (٥)، وأم سلمة (٦)، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، ومن ثمَّ قال الطحاوي: (لم يقل بالستين أحد من الصَّحابة، وإنَّما قاله من بعدهم) (٧)،

стр. 492

وقال أبو عبيد: (وعلى هذا جماعة الناس) (١)، وقال إسحاق: (هو السُّنَّة المجمع عليها) (٢). وعنه: أكثره ستون؛ اتِّباعًا للوجود. وأول مُدَّتِه من الوضع، إلَّا أن تراه قبل ذلك بيومين أو ثلاثة؛ فإنَّه نفاس، ولا يحسب من المدَّة. وإن خرج بعضٌ؛ فالدم قبل (٣) انفصاله؛ نفاسٌ، يحسب من المدَّة على الأصحِّ. ويثبت حكمه بوضع شيء فيه خلق الإنسان على الأشهر. فعلى المذهب: إن جاوز الدم الأكثر (٤)، وصادفَ عادةَ حيضِها، ولم يجاوز أكثرَه؛ فحيض، وإلَّا فاستحاضةٌ إن لم يتكرر، ولا مدخل لحيض (٥) واستحاضة في مدَّة نفاس. (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ)؛ لأنَّه لم يرد في الشرع تحديدُه، فيُرجع فيه إلى الوجود، وقد وُجد قليلًا عَقِبَ (٦) سَبَبِه، فكان نفاسًا كالكثير. وعنه: أقله يوم. وقال أبو الخطاب: قطرة. وقدم في «التلخيص»: لحظةً. (أَيُّ وقْتٍ رأَتِ الطُّهْرَ؛ فَهِيَ طَاهِرٌ)؛ لانقطاع دم النَّفاس، كما لو انقطع دم الحائض في عادتها، يؤيده ما روت أم سلمة: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ : كم (٧) تجلس المرأة إذا ولدت، قال: «أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل

стр. 493

ذلك» (١)، قال التِّرمذي: (أجمع أهل العلم من الصَّحابة، ومن بعدهم على أنَّ النفساء تدع الصَّلاة أربعين يومًا، إلَّا أن ترى الطهر قبل ذلك) (٢)، وحكى البخاري في «تاريخه»: أن امرأة ولدَت بمكةَ، فلم ترَ دمًا، فلقيت عائشة فقالت: أنتِ امرأة طهرك الله» انتهى (٣). فعلى هذا: لو وَلَدَتْ ولم تر دمًا؛ فهيَ طاهر لا نفاسَ لها، صرَّح به في «المغني» وغيرِه؛ لأنَّ النَّفاس هو الدَّم، ولم يوجد. (تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي)؛ لقول علي: «لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذا رأتْ الطهرَ إلَّا أن تُصليَ» (٤)؛ ولأنَّه حكم بانقضاء نفاسِها، وذلك معلَّقٌ (٥) على مُطلقِ الطُّهر، لكن قال في «الشرح»: (إذا كان أقلَّ من ساعةٍ ينبغي ألا تَلتفِتَ إليه، وإن كان أكثرَ من ذلك، فظاهره أنها تغتسل وتصلي). (وَيُسْتَحَبُّ إلَّا يَقْرَبَهَا زَوْجُهَا فِي الفَرْجِ) بعد طُهرِها وتطهرها (حَتَّى تُتِمَّ الأَرْبَعِينَ) قال أحمد: (ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن

стр. 494

أبي العاص) (١)، ولأنَّه لا يأمن عود الدَّم في زمنِ الوطء، فيكون واطئًا في نفاسٍ. وفي كراهته روايتان، أصحُّهما: الكراهة؛ لما روى ابن شاهين من حديث معاذ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في النفساء: «لا يأتيها زوجها إلَّا بعد الأربعين» (٢)، قال ابن شهاب العكبري: واحتجَّ أحمد بأنَّه إجماع الصَّحابة (٣). وعنه: لا؛ لأنَّه حُكِمَ بطهارتها. وظاهره: أنَّه لا يحرم، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ المانع منه الدم، ولا دم. وعنه: يحرم، ذكرها في «المجرد» (٤)؛ لظاهر قول الصَّحابة. وقيل: مع عدم (٥) العَنَتِ. وفرق القاضي بينه وبين دم المبتدَأة إذا انقطع؛ بأنَّ تحريم النَّفاس آكد؛ لأنَّ أكثرَه أكثرُ من أكثرِ الحيض، فجاز أن يلحَقَه التغليظُ في الامتناع من

стр. 495

الوطء. وفيه نظر. وظاهره: أنَّه (١) يقربها في غير الفرج، وهو كذلك؛ كالحائض. (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الأَرْبَعِينَ)؛ فالنَّقاءُ طُهرٌ على الأصحِّ، (ثُمَّ عَادَ فِيهَا؛ فَهُوَ) أي: العائد (نِفَاسٌ)، قدَّمَه في «الكافي» و «المحرر» وابن تميم، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه في مدته أشبه الأول. (وَعَنْهُ: أنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ)، قال في «المغني» و «الشرح»: (هي المشهورة نقلها عنه الأثرم)، وقدَّمها في «الفروع»، وذكر أنَّه نقَلَها واختارَها (٢) الأكثر، كما لو لم ترَه ثمَّ رأته في المدَّة في الأصحِّ، (تَصُومُ، وَتُصَلِّي) أي: تتعبد؛ لأنَّها واجبة في ذمَّتها بيقين، وسقوطُها بهذا الدم مشكوكٌ فيه. وفي غُسلها لكلِّ صلاة روايتان. (وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ) ونحوَه احتياطًا، ولوجوبه يقينًا، لا يقال: إنَّها لا تقضي الصوم قياسًا على النَّاسية إذا صامَت في الدَّم الزائدِ على السِّتِّ والسَّبْع؛ لأنَّ غالب حيض النساء كذلك، وما زاد عليه نادر، والغالب من النَّفاس، وما نقص نادر، والحيض يتكرر، فيشق (٣) القضاء بخلاف النِّفاس. وعنه: تقضي الصوم مع عوده، بخلاف الطواف، اختارها الخلَّال. وظاهره (٤): أنَّه لا يأتيها زوجُها فيه، وصرَّح به في «المغني» وغيرِه. وقال ابن تميم وغيره: وعلى الأُولى في وجوب قضاء ما صامتْه فيه، أو طافَتْه أو سعَتْه، أو اعتكفَتْه في الطهر بينهما من واجب؛ روايتان. فرع: حكم النِّفاس كالحيض، وفي وطئها ما في وطء حائض، نقله

стр. 496

حرب (١)، وقاله جمع، وقيل: تقرأ، ونقل ابن ثواب (٢): تقرأ إذا انقطع الدم (٣)، اختاره الخلَّال. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ)؛ أي: ولدَيْن في بطن واحد؛ (فأوَّلُ النِّفَاسِ مِنَ (٤) الأَوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ)؛ أي: من الأوَّل في ظاهر المذهب؛ لأنَّه دم خرج عَقيب الولادة فكان نفاسًا، كحمل واحد، ووضعه. فعلى هذا؛ متى انقضت الأربعون من حين وضع الأوَّل؛ فلا نفاس للثاني، نصَّ عليه (٥). وقيل: تبدؤه بنفاس، اختاره أبو المعالي، والأزَجي، وقال: لا يختلف المذهب فيه. وعنه: أوله وآخره من الثَّاني حسب، ذكرها أبو الخطاب، وأبو الحسين؛ لأنَّ مدَّة النَّفاس تتعلَّق بالولادة، فكان ابتداؤها وانتهاؤها من الثَّاني كمدة العدة، فعلى هذا؛ ما تراه قَبْلَ وضعِ الثَّاني لا يكون نفاسًا، ذكره في «الشرح». وقال غيره: ما تراه قبله بيومين أو ثلاثة؛ فهو نفاس، وما زاد ففاسد. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الأَخِيرِ)؛ يعني أنَّ أوَّلَه من الأول، وآخِرَه من الأخير،

стр. 497

ذكره الشريف والقاضي وأبو الخطاب في «رؤوس المسائل»؛ لأنَّ الثَّاني وَلَدٌ، فلا تنقضي مدَّة النَّفاس قبل انتهائها منه كالمنفرد (١)، فعلى هذا؛ متى زادت المدَّة على الأربعين من (٢) الأوَّل؛ فهما نفاسان، قدمه في «الرعاية»، واختاره في «التلخيص». وعنه: واحد. وذكر القاضي: أنَّه منهما رواية واحدة، وإنَّما الروايتان في وقتِ الابتداء؛ هل هو عَقيب انفصال الأوَّل أو الثَّاني؟ قال في «المغني»: (وهذا ظاهره إنكارٌ (٣) لرواية من روى أنَّ آخره من (٤) الأوَّل). (وَالأَوَّلُ أَصَحُّ)، قاله الأصحاب؛ لأنَّ الولد الثَّاني تبَعٌ للأوَّل، فلم يُعْتَبرْ في آخرِ النَّفاس كأوَّلِه.

стр. 498

(كِتَابُ الصَّلَاةِ) وهي في اللُّغة: الدُّعاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبَة: ١٠٣]؛ أي: ادعُ لهم، وإنَّما عُدِّيَ ب «على»؛ لتضمُّنه معنى الإنزال؛ أي: أنزل رحمتك عليهم، وقال النَّبيُّ ﷺ : «إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام؛ فليُجِبْ، فإن كان مفطِرًا؛ فليَطعَمْ، وإن كان صائمًا؛ فليُصلِّ» (١). وقال الشَّاعر (٢): تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا (٣) … يا ربِّ جنِّب أبي الأوصابَ والوَجَعا عليكِ مثلَ الَّذي صلَّيتِ فاغتمِضي … نوْمًا فإنَّ لجَنْبِ المرءِ مُضطَجَعَا وفي الشَّرع: عبارةٌ عن أقوال وأفعال مخصوصةٍ، مُفتَتَحةٍ بالتَّكبير، مختَتَمة بالتَّسليم. فيَرِدُ عليه الأخرس؛ فإنَّه لا قول فيها؛ لأنَّ المقدَّر كالموجود (٤). وسُمِّيت صلاةً؛ لاشتمالها على الدُّعاء، وقيل: لأنَّها ثانية لشهادة التَّوحيد؛ كالمصلِّي من السَّابق في الخيل. واشتقاقها من الصَّلوَين، واحدهما: صلًى كعصًا، وهما عِرْقان من جانب الذَّنب، وقيل: عظمان ينحنيان في (٥) الرُّكوع والسُّجود.

стр. 499

وقال ابن فارس: (مِنْ صَلَّيتُ العود إذا ليَّنته؛ لأنَّ المصلِّي يَلِين ويخشع) (١). وردَّه النَّوويُّ: (بأنَّ لام الكلمة في الصَّلاة واوٌ، وفي صلَيت ياء) (٢). وجوابه: أنَّ الواو وقعت رابعةً، فقُلبت ياءً، ولعلَّه ظنَّ أنَّ مراده صَلَيت المخفَّف، فيقول: صَلَيت اللَّحم صَلْيًا (٣) إذا شويته، وإنَّما أراد ابن فارس المضعَّف. وقال ابن الأعرابيِّ (٤): صلَّيت العصا (٥) تصليةً، أدرته على النَّار؛ لتقوِّمه (٦). (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النِّسَاء: ١٠٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البَيّنَة: ٥]. وبالسُّنَّة؛ منها: قوله ﵇: «بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ؛ شَهادَة أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا الله وأَنَّ محمَّدًا رَسُوْلُ الله، وَإِقَام الصَّلاة، وإِيْتَاء الزَّكاة، وَصَوْم رَمَضَانَ، وَحَجّ البَيْتِ مَنِ استَطَاعَ إليه سَبِيلًا» متَّفقٌ عليه من حديث ابن عمرَ (٧).

стр. 500

وبالإجماع؛ لأنَّهم أجمعوا على وجوب الخَمس في اليوم واللَّيلة، قال [نافع] (١) بن الأزرق لابن عبَّاس: هل تَجِدُ الصَّلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، ثُمَّ قرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيتين [الرُّوم: ١٧ - ١٨] (٢). وفُرِضت ليلة الإسراء، وهو بعد مبعثه بخمس سنين. وقيل: قبل الهجرة بسنة. وقيل: بعد مبعثه بخمسة عشر شهرًا. (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) أي: مكلَّف، بغير خلاف، (إِلَّا الْحَائِضَ والنُّفَسَاءَ)؛ فلا تَجِبُ عليهما؛ لما مرَّ. (وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ) أي: يجب عليه قضاؤها (٣) إذا استيقظ؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها؛ فليصلِّها إذا (٤) ذكرها» رواه مسلمٌ (٥) من حديث أبي هريرة (٦)، ولو لم تجب عليه حال نومه لم يجب قضاؤها؛ كالمجنون. ويُلحَق به: السَّاهِي والجاهلُ، فلو تركها الجاهل قبل بلوغ الشَّرع بوجوبها؛ لزمه قضاؤها. وقيل: لا، ذكره القاضي، واختاره الشَّيخ تقِيُّ الدِّين، بناء على أنَّ الشرائع لا تلزم إلَّا بعد العِلم، وأجرى ذلك الشَّيخ تقِيُّ الدِّين في كلِّ من ترك واجبًا قبل بلوغ الشَّرع من تيمُّمٍ وزكاةٍ ونحوهما (٧).

стр. 501

(وَ) تجب على (مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ)؛ لأنَّ سُكْرَه معصيةٌ، فلا يناسب إسقاط الواجب عنه، ولأنَّه إذا وجب بالنَّوم المباح؛ فبالمحرَّم بطريق الأولى. وقيل: تسقط إن (١) كان مكرهًا. (أَوْ إِغْمَاءٍ)؛ لما رُوي أنَّ عمَّارًا غُشِيَ عليه ثلاثًا، ثمَّ أفاق فقال: «هل صلَّيتُ؟» قالوا: ما صلَّيتَ منذُ ثلاثٍ، ثمَّ توضَّأ، وصلَّى تلك الثَّلاثَ (٢)، وعن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ وسَمُرةَ بنِ جُندَبٍ نحوُه (٣)، ولم نَعرِف لهم مُخالِفًا، فكان (٤) كالإجماع، ولأنَّها لا تطول مدَّتُه غالِبًا، ولا تَثبت عليه الولاية، ويجوز على الأنبياء، ولأنَّه لا يُسقط الصَّوم، فكذا الصَّلاة؛ كالنائم. وقيل: تسقط عنه ولا يقضيها، رُوي عن ابن عمر (٥) وطاوس وغيرهما.

стр. 502

(أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ)، وظاهره: لا فرق بين أن يكون مباحًا أو محرَّمًا. وقيل: إن كان مباحًا فلا؛ كالجُنون. وفي «المغني» و «الشَّرح»: إن طال زوالُه بشرب المباح؛ لم يجب القضاء؛ كالجنون، وإن لم يَطُل وجب؛ كالإغماء. فرع: ما فيه السُّموم من الأدوية: إن كان الغالب منه السَّلامةَ، وفي «المغني» و «الشَّرح»: ويُرجى نفعُه؛ أبيح شربه في الأصحِّ؛ لدفع ما هو أخطرُ منه؛ كغيره من الأدوية. والثاني: يَحرُم؛ لأنَّ فيه تعريضًا للهلاك، أشبه ما لو لم يُرد به التداوي، وكما لو كان الغالب منه الهلاك. فإن قلنا (١) بحرمة شربه فهو كالمحرَّمات من الخمر ونحوِه، وإن قلنا بإباحته؛ فهو كالمباحات. (وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أصليٍّ، حكاه السَّامَرِّيُّ وغيرُه روايةً واحدةً، لأنَّها لو وجبت عليه حال كفره؛ لوجب عليه قضاؤها، ولأنَّ وجوب الأداء يقتضي وجوب القضاء، واللَّازم مُنْتَفٍ. وعنه: بلى، وصحَّحها في «الرِّعاية». ولا يَجِب عليه القضاءُ إذا أسلم إجماعًا (٢)؛ لأنَّه أسلم خلْقٌ كثيرٌ في عَصر النَّبيِّ ﷺ ومِن بعده، فلم يُؤمر أحدٌ بقضاء؛ لما فيه من التَّنفير عن الإسلام، وفي خطابه بالفروع خلاف (٣)، وأمَّا المرتَدُّ فسيأتي.

стр. 503

(وَلَا مَجْنُونٍ)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ القلمُ عن ثلاثٍ؛ عن النَّائمِ حتَّى يستيقظَ، وعن المجنونِ حتَّى يَعقِلَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يحتَلِمَ» رواه أبو داود، والتِّرمذي وحسَّنه من حديث عائشة (١)، ولأنَّه ليس من أهل التَّكليف أشبه الطِّفل. ونقل حَنبل: يعيد إذا أفاق، ذكره أبو بكرٍ (٢). فعلى الأُولى؛ يُستَثنى ما لو طرأ الجنونُ على الرِّدَّةِ؛ فإنَّه يجب عليه قضاء أيام الجنون الواقعة في الرِّدَّة؛ لأنَّ إسقاط القضاء عن المجنون رُخصةٌ، والمرتدُّ ليس من أهلها. وقيل: لا يجب كالحيض. (وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا)؛ لأنَّ من شرط صحَّتها النِّيَّة، وهي لا تصحُّ من كافِرٍ، ولا تقع من مجنون. مسألة: لا تجب على الأَبْلَه الذي لا يَعقِل، ذكره السَّامَرِّيُّ؛ كالمجنون. وفي «الرِّعاية»: يقضي، مع قوله في الصَّوم: الأبله كالمجنون (٣). يُقال: رجل أَبْلَهُ بيِّن البَلاهة، وهو الذي غلبت عليه سلامة الصدر، وفي

стр. 504

الحديث: «أكثرُ أهل الجنَّة البُلْهُ» (١)؛ يعني: البُلْهَ في (٢) أمر الدنيا؛ لقلَّة اهتمامهم بها، وهم أكياس في أمر الآخرة. وتَبَالَهَ: أرى من نفسه ذلك، وليس به. (وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ) على اختلاف أنواعه؛ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) نَصَّ عليه (٣)؛ لقوله ﵇: «مَنْ صلَّى صلاتَنا، واستقبل قبلتَنا، فله ما لنا، وعليه ما علينا» (٤)، لكن في البخاريِّ من حديث أنس موقوفًا من (٥) قوله حين سأله ميمون بن سياه فقال: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قِبلتَنا، وصلَّى صلاتَنا، وأكل ذبيحتَنا؛ فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم»، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة (٦): قال رسول الله ﷺ : «نُهِيتُ عن قتل المصلِّين» (٧)، وظاهره: أنَّ العصمة تَثْبُت بالصَّلاة، وهي لا تكون بدون

стр. 505

الإسلام، ولأنَّها عبادة تختصُّ شرعنا (١)، أشبهت الأذان، ولا يُعتدُّ به، ويحكم بكفر من سجد لصنم، فكذا عكسه. وفائدته: لو مات عقيبه؛ ورثه المسلمون، ودفن في مقابرهم، ولو أراد البقاء على الكفر فهو مرتدٌّ، فلو ادَّعى أنَّه كان متلاعبًا أو مستهزئًا؛ لم يقبل منه، ذكره في «عيون المسائل» و «منتهى الغاية» وغيرهما؛ كالشَّهادتين. ولا فرق بين أن تكون صلاتُه في دار الإسلام أو الحرب، جماعةً أو فُرادى. وذكر أبو محمَّد التَّميمي: أنَّه محكوم بإسلامه إن صلَّى جماعةً، وفي صحَّة صلاته في الظَّاهر وجهان، فإن صحَّت؛ لم تصحَّ إمامتُه في المنصوص (٢). وفي حجِّه وصومه قاصدًا رمضان وزكاته مالَه، وقيل: وبقِيَّة الشَّرائع، والأقوال المختصَّةِ بنا؛ كجنازة وسجدة تلاوة؛ وجهان. (وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) في ظاهر المذهب؛ للخبر، ولأنَّها عبادة بدنيَّة، فلم تلزمه كالحجِّ، والطِّفل (٣) لا يَعقل، والمدَّة التي (٤) يَكمُل فيها عقلُه وبنيته؛ تَخفَى وتختلِف، فنصب الشَّارع عليه علامة ظاهرة، وهي البلوغ. فعلى هذا: تصحُّ من المميِّز، وهو من له سبع سنين، وثواب فعله له. ويشترط لصحَّتها ما يشترط لصحَّة صلاة البالغ، إلَّا في السُّترة، ذكره في «الشَّرح». وهو شامِلٌ لغةً للصَّبيَّة، كما ذكره ابن حزم.

стр. 506

(وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا)؛ لضربه عليها. وعنه: تجب على المراهِق، اختاره أبو الحسن التَّمِيميُّ. وعليهما: يلزمه إتمامها، وإلَّا فالخلاف في النَّفل. (وَ) على (١) الأُولى: (يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ)؛ لما رَوى عَمْرو بن شُعيب عن أبيه عن جدِّه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مُروا أبناءَكم بالصَّلاة وهُم أبناءُ سبْعِ سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» رواه أحمد وأبو داود من رواية سوار بن داود، وقد وثَّقه ابن معين وغيره (٢)، والمراد بهما: استكمالُهما. والأمر والتَّأديب في حقِّه؛ لتمرينه عليها حتَّى يألَفها ويعتادها، فلا يتركها عند البلوغ، فيَلزَم الوليَّ أمرُه بها، وتعليمُه إيَّاها، والطَّهارة، نَصَّ عليه (٣). وقوله: (يؤمر بها)؛ أي: من جهة الوليِّ، لا من جهة الشَّارع؛ فإن النَّصَّ تضمَّن (٤) أمر الشَّارع للوليِّ، وهو مأمور بأمره، فإن احتاج إلى أجرة؛ فمن مال الصَّبي، ثمَّ على من تلزمه نفقته. (فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا)؛ كمن تمَّت مدَّة بلوغه وهو فيها، وسمِّي بلوغًا لبلوغه

стр. 507

حدَّ التَّكليف، (أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا؛ لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا)؛ لأنَّها نافلة في حقِّه، فلم تجزئه، كما لو نواها نفلًا، وكما يلزمه إعادة الحجِّ، إلَّا على رواية الوجوب، ذكره في «التَّلخيص» و «البُلغة»، وقدَّم جماعةٌ وجوب الإعادة مطلقًا. وظاهره: أنَّه لا يلزمه إعادة الطَّهارة؛ لأنَّ القصد غيرها، قال في «الفروع»: (وكذا إسلام؛ لأنَّ أصل الدِّين لا يصحُّ نفلًا (١)، فإذا وُجد فعلى وجه الوجوب، ولأنَّه يصحُّ بفعل غيره، وهو الأب). (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا) أو بعضِها (عَنْ وَقْتِهَا)؛ أي: وقت الجواز مع القدرة والذِّكر إجماعًا (٢)؛ لما روى أبو قتادة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ليس في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليقَظة، أن يؤخِّرَ صلاة (٣) إلى أن يدخل وقت صلاةٍ أخرى» رواه مسلم (٤)، ولأنَّه يجب إيقاعها في الوقت، فإذا خرج ولم يأت بها؛ كان تاركًا للواجب مخالفًا للأمر، وهو عاصٍ مستَحِقٌّ العقاب، ولأنَّه لو عُذر بالتَّأخير لفاتتْ فائدةُ التَّأْقيتِ. واستثنى من ذلك صورتين: الأولى: (إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ) لعذر، فإنَّه يجوز له التَّأخير؛ لأنَّه ﵇ «كان يؤخِّر الأولى في الجمع، ويصلِّيها في وقت الثانية» (٥)، وسيأتي، ولأنَّ وقتَيهما يصير وقتًا واحدًا لهما. ومقتضاه لا يحتاج إلى استثنائه.

стр. 508

وجوابه: أنَّ كلَّ صلاة لها وقت معلوم، فيتبادر الذهن إليه، فتعيَّن إخراجه. والثانية: (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا)، كذا في «الوجيز» و «الحاوي»، واقتصر الأكثر على الأوَّل؛ لأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ بدونه إذا قدر عليه، وشرطه: أن يكون مقدورًا عليه، قاله في «الشَّرح»، وقيَّده في «الفروع»: بالقريب. لكن قال الشيخ تقِيُّ الدِّين (١): ليس مذهبًا لأحمدَ وأصحابه، وإنَّ الوقت يقدَّم، واختار تقديم الشَّرط إن انتبه قبل طلوعها. ومن صحَّت صلاته (٢) مع الكراهة كالحاقِن؛ لا يجوز أن يشتغل بالطهارة إن خرج الوقت. ومن أبيح له التَّأخير فمات قبل الفعل؛ لم يأثم في الأصحِّ، ويسقط إذن بموته، قال القاضي: لأنَّه لا يدخلها النِّيابة، فلا فائدة في بقائها في ذمَّته، بخلاف الزَّكاة والحجِّ. ومقتضاه: أنَّ له التَّأخير عن أوَّل وقتها بشرط العزم على فعلها، ما لم يظنَّ مانعًا منها؛ كموت وقتل (٣) وحيض. وكذا من أُعير سُترةً أوَّل الوقت، ومتوضِّئ عَدِمَ الماءَ في السَّفر وطهارته لا تبقى إلى آخر الوقت، ولا يرجو وجوده، ومستحاضة لها عادة بانقطاع دمها في وقت يتَّسع لفعلها؛ فيتعيَّن الفعل في أول الوقت. ويأثم من عزم (٤) على التَّرك إجماعًا (٥)، ومتى فُعلت في وقتها فهي أداء.

стр. 509

(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا؛ كَفَرَ) إذا كان ممَّن لا يجهله؛ كالنَّاشئ بين المسلمين في الأمصار، زاد ابن تميم: (وإن فعلها)؛ لأنَّه لا يجحدها إلَّا تكذيبًا لله ورسوله وإجماع الأمة، ويصير مرتدًّا بغير خلاف نعلمه (١). وإن ادَّعى الجهل؛ كحديث الإسلام والنَّاشئ ببادية؛ عُرِّفَ وجوبَها، ولم يُحكم بكفره؛ لأنَّه معذور، فإن قال: أُنسيتُها؛ قيل له: صلِّ الآن، وإن قال: أَعْجِزُ عنها لعذر؛ أُعلم أنَّه يجب عليه أن يصلِّي على حسب حاله. (فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا) وكسلًا (لَا جُحُودًا؛ دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا)؛ لاحتمال أنَّه تركها لعذر يعتقد سقوطه بمثله؛ كالمرض ونحوه، والدَّاعي له الإمام ومن في حكمه، ويهدِّده فيقول له: إن صلَّيت وإلَّا قتلناك، وذلك في وقت كلِّ صلاة. (فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي (٢) بَعْدَهَا؛ وَجَبَ قَتْلُهُ) نَصَّ عليه (٣)، واختاره الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥]، فمتى ترك الصَّلاة؛ لم يأت بشرط التَّخلية، فيبقى على إباحة القتل، ولقوله ﵇: «مَنْ ترك الصَّلاة متعمِّدًا؛ فقد بَرِئَتْ منه ذمَّةُ الله ورسولِه» رواه أحمد بإسناده (٤) عن مكحول، وهو مرسل جيِّد (٥)، ولأنَّها من أركان الإسلام، لا تدخلها النِّيابة، فقُتِل تاركها كالشَّهادتين.

стр. 510

ومراده: حتَّى تضايق (١) وقت الثانية عنها، صرَّح به في «الوجيز». وقيل: عنهما، قاله في «الرِّعاية». وعنه: يجب (٢) قتله بدخول وقت الثَّانية وإن لم يضق، قدَّمه ابن تميم، واختاره المجْد، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لمفهوم النَّهي عن قتل المصلِّين. قال ابن حمدان (٣): إن وجب القضاء على الفور، واختاره أبو إسحاق بن شاقْلا. إلَّا الأولى من المجموعتين؛ لأنَّ وقتهما مع العذر واحد، وحسَّنه في «المغني». وظاهره: أنَّه إذا لم يُدعَ إليها؛ لم يكفر ولم يقتل بحال. (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا) أي: ثلاثَ صلواتٍ، (وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ)، قدَّمه في «التَّلخيص»؛ لأنَّه قد يترك الثَّلاث لشُبْهةٍ، فإذا ترك الرَّابعة انتفتِ الشُّبهةُ؛ فيُقتل. والأصحُّ: حتَّى يضيق وقت الرَّابعة عنها، وقيل: بل عنهن. وفي «المبهج» و «الواضح» و «تبصرة الحلواني» رواية: ثلاثة أيَّام قُتل وجوبًا بضرْب عنُقه. (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا)؛ أي: ثلاثةَ أيَّام وجوبًا في الأشهر، ويضيَّق عليه؛ لأنَّه يُقتل لترك واجب، فتَقدَّمتْه الاستتابةُ كالمرتَدِّ. وذكر القاضي: أنَّه يُضرب. وينبغي الإشاعةُ عنه بتركها حتَّى يُصلِّي، ولا ينبغي السَّلامُ عليه، ولا

стр. 511

إجابةُ دعوتِه، قاله الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (١). (فَإِنْ تَابَ؛ قُبِلَ مِنْهُ) كغيره، ويَصير مسلمًا بالصَّلاة، نقل صالح: (توبتُه أن يصلِّي) (٢)، وصوَّبه الشَّيخ تقِيُّ الدِّين (٣)؛ لأنَّ كفره بالامتناع؛ كإبليس وتارك الصلاة (٤)، وصحَّتُها قبل الشَّهادتين كمرتدٍّ. وظاهره: أنَّه متى راجع الإسلام؛ لم يَقضِ مدَّةَ امتناعه كغيره من المرتدِّين؛ لعموم الأدلَّة، وقدَّم في «الفروع» - وهو ظاهر كلام جماعة - خِلافَه. (وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ) يُضرَب به (٥) عنقُه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا قتلتم فأحسنوا القِتلة» رواه مسلمٌ (٦)، أي: الهيئة من القتل. (وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ لِكُفْرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشهرُهما: أنَّه يُقتَل كفرًا، وهي ظاهر المذهب، واختارها الأكثر؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بين الرَّجلِ والكفرِ تَرْكُ الصَّلاة» رواه مسلمٌ (٧)، وروى بريدة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من تركها فقد كفر» رواه الخمسة، وصحَّحه التِّرمذي (٨)، وروى عبادة مرفوعًا: «مَنْ ترك الصَّلاة

стр. 512

متعمِّدًا؛ فقد خرج من الملَّة» رواه الطَّبراني بإسنادٍ جيِّد (١)، وقال عمر: «لا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة» (٢)، ولأنَّه يدخل بفعلها في الإيمان، فيخرج بتركها منه؛ كالشَّهادتين. فعليها: حُكمُه حكمُ الكفار من أنَّه لا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابِر المسلمين، وذكر القاضي: (يُدفَن منفرِدًا)، وذكر الآجري (٣): (من قتل مرتَدًّا؛ تُرك بمكانه، ولا يُدفَن، ولا كرامةَ)، وتَبِين منه زوجتُه قبل الدخول، وكذا بعده إن لم يَتُب ويصلِّ في الأشهر. والثانية: يُقتل حدًّا، قدَّمها في «المحرَّر» وابن تميم، واختارها ابن بَطَّة، وذكر أنَّها المذهب، قال في «المغني»: وهي أصوب القوليْن، وجزم بها في «الوجيز»؛ للعمومات. منها: قوله ﵇: «أسعدُ النَّاس بشفاعتي من قال: لا إله إلا اللهُ مخلِصًا من قلْبِه» رواه البخاري (٤)، وقال: «إنِّي اختبأتُ دعوتي شفاعتي لأمَّتي يومَ القيامة، فهي إن شاء الله تعالى نائلةٌ (٥) من مات لا يشرك بالله شيئًا» رواه مسلم (٦)، وحديث عبادة رواه أحمد وغيره، وصحَّحه ابن حبَّان

стр. 513

وابن عبد البَرِّ (١)، ولأنَّها عبادةٌ تَحكُم بإسلام الكافر، فلم يُكفَّر بتركها؛ كالزَّكاة والحجِّ، وهو إجماع حكاه في «الشَّرح»، وفيه نَظَرٌ. وأجِيب عما (٢) تقدَّم: على كفر النعمة، أو على معنى قارب الكفر، فعليها: حكمه كأهل الكبائر، فتنعكس الأحكام السابقة؛ لأنَّه مسلم. قال (٣) بعضهم: وإذا دُفن مع المسلمين؛ طُمس قبره حتى يُنسى. وحكى (٤) النَّووي في «شرح البخاريِّ» عن بعضهم: أنَّه لا يُرفع قبرُه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين؛ تحقيرًا له (٥)، وزجْرًا لأمثاله، وهو غريب. فرع: الجمعة كغيرها. وقيل: إن اعتقد وجوبها وصلَّى ظهرًا أربعًا وقلنا: هي ظهر مقصورة؛ لم يكفُر. تنبيه: إذا ترك شرطًا أو رُكنًا مُجمَعًا عليه؛ كالطَّهارة؛ فكتركها، وكذا مختلَفًا فيه يعتقد وجوبه، ذكره ابن عقيل، وخالف فيه المؤلِّف. وأنَّه لا يَكفر بترك غيرها؛ من زكاة وصوم وحجٍّ يحرُم تأخيرُه تهاونًا وبُخلًا (٦)، اختاره الأكثر، وذكر ابن شهاب أنَّه ظاهر المذهب، ويُقتل على الأصحِّ، وسيأتي.

стр. 514

(بَابُ الْأَذَانِ) هو في اللُّغةِ: الإعلامُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التّوبَة: ٣]؛ أي: إعلام، وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحَجّ: ٢٧]؛ أي: أعلمهم، يقال: أذَّن بالشَّيء، يُؤَذِّن أذانًا، وتأذينًا، وأذينًا على وزن رَغيف: إذا أعلم به. وهو اسم وُضع موضع المصدر، وأصله من الأَذَن، وهو الاستماع، كأنَّه يُلقي في آذان النَّاس ما يُعلِمهم به. وفي الشَّرع: الإعلامُ بدخول وقت الصَّلاة أو قربِه، بذكرٍ مخصوصٍ. والإقامة هي في الأصل: مصدر أقام، وحقيقته: إقامة القاعد. وفي الشَّرع: الإعلام بالقيام إليها بذكرٍ مخصوصٍ؛ كأنَّ المؤذِّن أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم. إعلامٌ: الأذانُ فيه فضل عظيم؛ لقوله ﵇: «المؤذِّنونَ أطولُ النَّاسِ أعناقًا يومَ القيامةِ» رواه مسلمٌ من حديث مُعاوية (١)، ولقوله: «الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذِّن مؤتمَنٌ، اللَّهمَّ أرشدِ الأئمَّةَ، واغفر للمؤذِّنين» رواه أحمد وغيره (٢)، ولقوله: «مَنْ أذَّنَ سبعَ سنينَ محتسبًا؛ كتبَ اللهُ له براءةً مِنَ النَّارِ (٣)» رواه

стр. 515

ابن ماجه من حديث ابن عباس (١). وهو أفضل من الإقامة (٢) في الأصحِّ، ومن الإمامة (٣) في قول الأكثر. وعنه: فضَّلها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ تولَّاها بنفسه. وأجيب عنه: بأنَّ عدم مواظَبته عليه إمَّا خوفَ تغيير صيغته، أو توهُّم سامع أنَّ ثمَّ غيره موصوفًا بذلك، أو لضيق الوقت عنه، واقتصر عليه في «المغني» و «الشَّرح». وقيل: إنَّما تركه لأنَّه لو أذَّن لزم إجابتُه، ولم (٤) يكن لأحدٍ التخلُّف عن دعوته، مع أنه ورد «أن النبي ﷺ أذَّن مرة واحدة على راحلته في مطر وبلة» خرَّجه التِّرمذي وغيره (٥). وله الجمع بينهما، وذكر أبو المعالي أنَّه أفضل. (وَهُمَا مَشْرُوعَانِ) بالكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المَائدة: ٥٨]، وبالسُّنَّة، وهي كثيرةٌ؛ منها: حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: لمَّا أمر (٦) رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقوسِ يُعمَلُ لِيُضرَبَ للنَّاسِ به (٧) لجَمْعِ

стр. 516

الصَّلاة؛ طافَ بي - وأنا نائمٌ - رجلٌ يحملُ ناقوسًا في يدِهِ، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ! أتبيعُ النَّاقوسَ؟ فقالَ: وما تصنَعُ به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصَّلاة، قالَ (١): أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ مِنْ ذلك؟ فقلتُ: بلى، قال: فقالَ: تقولُ: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، اللهُ أكبر اللهُ أكبر (٢)، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاحِ، حيَّ على الفلاحِ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله، قال (٣): ثمَّ استأخرَ عنِّي غيرَ بعيدٍ، ثمَّ قالَ: تقولُ إذا قمتَ إلى الصَّلاة: اللهُ أكبر اللهُ أكبر، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفلاحِ، قد قامتِ الصَّلاة، قد قامتِ الصَّلاة، اللهُ أكبر الله أكبر (٤)، لا إلهَ إلَّا الله (٥)، فلمَّا أصبحتُ أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فأخبرتُهُ بما رأيتُ، فقالَ: «إنَّها لرُؤيا حقٍّ إن شاءَ اللهُ، فقمْ مع بلال فألقِ عليه ما رأيتَ، فليؤذِّنْ به، فإنَّه أندى صوتًا منك»، فقمتُ مع بلال فجعلتُ ألقيه عليه ويؤذِّنُ به، قال: فسمعَ ذلك (٦) عمرُ بن الخطَّابِ وهو في بيتِهِ، فخرجَ يجرُّ رداءَهُ يقول: والَّذي بعثَكَ بالحقِّ يا رسولَ الله، لقد رأيتُ مثلَ الَّذي رأى، فقالَ رسولُ الله ﷺ : «فللَّهِ (٧) الحمدُ» رواه أحمد وأبو داود ولفظه له، وابن ماجه، والتِّرمذيُّ بعضَه وصحَّحه، ومَدارُ هذا الحديث عندهم على ابن إسحاق، وقد صرَّح بالتَّحديث فقال: حدَّثني محمَّد بن إبراهيم

стр. 517

التَّيمي (١)، عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه فذكره، قال (٢) التِّرمذي: سألت البخاري عن هذا فقال: (هو عندي حديث صحيح) (٣). (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ)، وفي «الفروع»: (والجمعةِ)، ولا يُحتاج إليه؛ لدخولها في الخمس، (دُونَ غَيْرِهَا) من فائتةٍ ومنذورة. وقيل: بلى. والفرق ظاهر بين المفروضات وغيرها؛ لأنَّ المقصود منه الإعلام بوقت الصَّلاة على الأعيان، وهذا لا يوجد في غيرها، وكذا عيد وكسوف واستسقاء، بل يُنادَى لذلك، وألحق القاضي بذلك التَّراويح، والمنصوص: أنَّه لا ينادى لها (٤)؛ كالجنازة على المعروف. فرعٌ: يسن (٥) أذان في أُذن مولود حين يولد، وفي «الرِّعاية» وغيرها: ويُقيم في اليسرى. (لِلرِّجَالِ) بشرط الإسلام والعقل، وأمَّا العدالة فستأتي (٦). (دُونَ النِّسَاءِ)؛ لما روي عن أسماءَ بنتِ يزيدَ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامةٌ» رواه النجاد (٧)،

стр. 518

ورُوي عن عمر (١) وأنس (٢)، ولا نعلم عن غيرهم خلافه، لأنَّ الأذان يُشرع له رفع الصَّوت، ولا يُشرع لها، وكذا الإقامة؛ لأنَّ من لا يُشرع له الأذان لا تُشرع له الإقامة؛ كالمسبوق. وعنه: يسنُّ لهنَّ؛ لفعل عائشة: «أنَّها كانتْ تؤذِّنُ وتقيمُ» رواه ابن المنذر (٣). وعنه: مع خفض الصَّوت. والخنثى كامرأةٍ. (وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) على المذهب؛ لقول رسول الله ﷺ : «إذا حضرَتِ الصَّلاة فليؤذِّنْ لكم أحدُكُمْ، وليؤمَّكُمْ أكبرُكُمْ» متفق عليه (٤)، والأمر

стр. 519

يقتضي الوجوب، وعن أبي الدرداء: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما مِنْ ثلاثةٍ لا يؤذَّن (١) ولا تُقامُ (٢) فيهم الصَّلاةُ إلَّا استحوذَ عليهم الشَّيطانُ» رواه أحمد والطبراني (٣)، ولأنَّهما من شعائر الإسلام الظَّاهرة، فكان واجبًا كالجهاد. فعلى هذا (٤)؛ تجب على جماعة الرِّجال. وعنه: على كلِّ رجلٍ عاقِلٍ يريد الصَّلاة وحده، قدَّمه في «الرِّعاية». حضَرًا. وعنه: وسفرًا، وهو أظهر؛ لأنَّه ﵇ كان يُؤذَّنُ له ويُقام فيهما (٥). وحكى القاضي عن أبي بكر: أنَّهما فرض كفاية على أهل المصر، سُنَّتان على المسافرين، اختاره المجْد وكثير من أصحابنا، وهو مفهوم كلام أحمد على ما ذكره ابن هبيرة. وقال السَّامَرِّيُّ: الصحيح أنه (٦) لا فرق بين المصر والقُرى، ولا بين الحاضرين والمسافرين، والواحد والجماعة، سواء قلنا: هما واجبان أو مسنونان. وعنه: هما سنَّة، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه دعاء إلى الصَّلاة، أشبه قوله: الصَّلاة جامعة. وفي «الرَّوضة»: هو فرض، وهي سنَّة.

стр. 520

فعلى المذهب، وقيل: وعلى (١) أنَّهما سنَّة: (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا (٢)؛ قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ)؛ لأنَّهما من أعلام الدِّين الظَّاهرة، فقوتلوا على الترك؛ كصلاة العيد. والمراد بالإمام: الخليفة ومن يجري مجراه كنائبه. ومقتضاه: أنَّه إذا قام بهما من يحصل به (٣) الإعلام غالبًا؛ أجزأ عن الكلِّ وإن كان واحدًا، نَصَّ عليه (٤)، وأطلقه جماعة، وقيَّده بعضهم بالبلد الصَّغير أو المحلَّة الكبيرة إذا كان يُسمِعُهم جميعَهم؛ لأنَّ الغرض إسماعهم. وفي «المستوعب»: متى أذَّن واحد (٥)؛ سقط عمَّن صلَّى معه مطلقًا خاصَّةً. وقيل: يستحبُّ اثنان، قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ في الفجر فقط؛ كبِلال وابن أمِّ مكتوم، ولا تستحبُّ الزِّيادة عليهما. وقال القاضي: على أربعة؛ لفعل (٦) عثمان (٧)، إلَّا من حاجة. والأَولى أن يؤذِّن واحدٌ بعد واحد، ويقيم من أذَّن أوَّلًا. وإن لم يحصل الإعلام بواحد زِيد بقدر الحاجة، كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد، ويقيم أحدهم، والمراد بلا حاجة، فإن تشاحُّوا أُقرع).

стр. 521

وعُلِم منه: أنَّ الصَّلاة تصحُّ بدونهما؛ «لأنَّ ابن مسعود صلَّى بعلقمة والأسود بلا أذان ولا إقامة»، واحتجَّ به أحمد (١)، لكن يُكره، ذكره الخِرَقِيُّ وغيره. وذكر جماعة: إلَّا بمسجد قد صُلِّي فيه، ونصُّه: أو (٢) اقتصر مسافر ومنفرد على الإقامة (٣). وهما أفضل لكلِّ مصلٍّ إلَّا لكلِّ واحد ممَّن في المسجد؛ فلا يُشرع، بل حصل (٤) لهم الفضيلة؛ كقراءة الإمام للمأموم. وهل صلاة من أذَّن لصلاته بنفسه أفضل؛ لأنَّه وُجد منه فضلٌ يختصُّ الصَّلاة، أم يحتمل أنَّها (٥) وصلاة من أُذِّن له سواء؛ لحصول سنَّة الأذان؟ ذكر القاضي أنَّ أحمد توقَّف، نقله الأثرم (٦). (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعثمان بن أبي (٧) العاص: «واتَّخِذْ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجْرًا» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي، وحسَّنه، وقال: (العمل على هذا عند أهل العلم)، وقال: (وكرهوا أن يأخذ على أذانه أجرًا) (٨)، ولأنَّه يقع قُرْبةً لفاعله أشبه الإمامة.

стр. 522

والثانية: يجوز؛ لأنَّ فعله معلوم يجوز أخذ الرِّزق عليه، فجاز أخذ الأجرة؛ كسائر الأعمال. والأولى أصحُّ، وخطَّأ ابن حامد من أجازه؛ لأنَّه قياس مع وجود النَّصِّ. والإقامة كالأذان معنى وحكمًا. (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ (١)؛ رَزَقَ (٢) الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا)؛ لا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرِّزق عليه، قاله في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ بالمسلمين حاجة إليه، ونُقل عنه المنع، لكن قال في «الرِّعاية»: هو (٣) ضعيف. وعلى ما ذكره: يرزقه (٤) الإمام من الفيء؛ لأنَّه المُعَدُّ للمصالح، فهو كأرزاق القُضاة والغُزاة. وروى ابن المنذر عن الشافعي: أنَّه من خمُس الخمُس سهم النَّبيِّ ﷺ (٥). وظاهره: أنَّه إذا وُجد متطوِّعٌ به؛ لم يُعطَ غيره منه؛ لعدم الحاجة إليه. (وَيَنْبَغِي)؛ أي (٦): ويستحب (أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا)؛ أي: رفيع الصوت؛ لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد: «قُمْ مع بلال فألقِهِ عليه؛ فإنَّه أندى صوتًا منك» (٧)، واختار أبا مَحذورة للأذان لكونه صيِّتًا، ولأنَّه أبلغ في الإعلام.

стр. 523

زاد في «المغني» وغيره: وأن يكون حسن الصَّوت؛ لأنَّه أرقُّ لسامعه. (أَمِينًا)؛ أي: عدلًا؛ لما روى أبو محذورة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أمناءُ النَّاسِ على صلاتِهم وسُحورهم المؤذِّنون» رواه البيهقي (١)، وفيه يحيى بن عبد الحميد (٢)، وفيه كلام (٣)، ولأنَّه مؤتمن يُرجع إليه في الصَّلاة وغيرها، ولا يؤمن (٤) أن يغرَّهم بأذانه إذا لم يكن كذلك، ولأنِّه يؤذِّن على موضع عال، ولا يؤمن منه النَّظر إلى العورات. (عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ)؛ ليتحرَّاها فيؤذِّنَ في أوَّلها، وإذا لم يكن عالِمًا بها؛ لا يؤمن منه الخطأ. واشترطه أبو المعالي؛ كالذُّكورية والعقل والإسلام. ويستحب أن يكون بصيرًا، قاله في «المغني» و «الشَّرح»؛ لأنَّ الأعمى لا يعرف الوقت، فربَّما غلِط.

стр. 524

وكره ابن مسعود وابن الزُّبير أذانه (١)، وكره ابن عباس إقامته (٢). قال ابن تميم: (فإن كان له من يعرِّفه الوقت لم يُكره، نَصَّ عليه (٣)؛ لفعل ابن أم مكتوم (٤). وتستحَبُّ حرِّيَّته، حكاه ابن هُبَيرة اتِّفاقًا، وظاهر كلام جماعة: لا فرق، قال أبو المعالي: ويستأذن سيِّده. (فَإِنْ تَشَاحَّ) - تفاعُلٌ من الشُّح، وهو البخل مع حِرص- (فِيهِ اثْنَانِ) لا يريدان أن يفوتهما؛ (قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ)؛ أي: في الخصال المذكورة؛ لأنَّه ﵇ قدَّم بِلالًا على عبد الله لكونه أندى صوتًا منه (٥)، وقِسْنا بقيةَ الخِصال عليه (٦).

стр. 525

فإن استَوَوْا فيها فقال: (ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ)؛ لما روى ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ليؤذِّنْ لكم خيارُكم، وليؤمَّكم قرَّاؤُكم» رواه أبو داود وغيره (١)، ولأنَّه إذا قُدِّم بالأفضلية في الصَّوت؛ ففي الأفضلية في (٢) ذلك بطريق الأَوْلى، ولأنَّ مراعاتهما أولى من مراعاة الصَّوت؛ لأنَّ الضَّرر بفَقدهما أشدُّ. (ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ)، كذا في «الفروع» و «الشَّرح»؛ لأنَّ الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنَّهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعفُّ عن النَّظر، وحكم أكثرهم كالكلِّ، وذكر في «الكافي» هذا روايةً. (فَإِنِ اسْتَوَيَا (٣) أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا)؛ لقول رسول الله ﷺ : «لو يعلمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأوَّل، ثمَّ لم يجدوا إلَّا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا» متفق عليه (٤)، وتَشاحَّ الناسُ في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد (٥)؛ لأنَّها

стр. 526

تزيل الإبهام، وتجعل (١) من خرجت له كالمستحِقِّ المتعيِّنِ. وعنه: تُقدَّم القرعة على من يختاره الجيران، نقله الجماعة (٢)، وقدَّمها في «الكافي» و «التَّلخيص» و «البلغة». وقيل: يُقدَّم الأَدْيَن (٣) الأفضل فيه، ثمَّ القرعة، جزم به في «الوجيز». وذكر القاضي والسَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»: أنَّهما مع الاستواء يُقدَّم من له مزيَّة في عمارة المسجد، أو التقدُّم بالأذان فيه. وفي «الرِّعاية»: يُقدَّم من له التَّقديم، ثمَّ الأعقل، ثمَّ الأدين، ثمَّ الأفضل فيه، ثمَّ الأخبر بالوقت، ثمَّ الأعمر للمسجد المراعِي له، ثمَّ الأقدم تأذينًا فيه، وقيل: أو أبوه، ثمَّ من قرع مع التَّساوي، وعنه: بل من رضيه الجيران. (وَالْأَذَانُ) المختارُ: (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ (٤)، وَالْإِقَامَةُ: إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً)، هذا هو المشهور؛ لحديث عبد الله بن زيد، وكان بلال يؤذِّن كذلك، ويقيم حضرًا وسفرًا مع النبي ﷺ إلى أن مات (٥)، وعليه عمل أهل المدينة، قال أحمد: (هو آخر (٦) الأمرين وكان بالمدينة، قيل له: إنَّ أبا محذورة بعد حديث عبد الله؛ لأنَّ حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، فقال: أليس قد رجع النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة وأقرَّ بِلالًا على أذان عبد الله؟!) (٧).

стр. 527

ويعضُده: حديث أنس قال: «أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» متفق عليه، زاد البخاري: «إلَّا الإقامة» (١)، وحديث ابن عمر قال: «إنَّما كان الأذانُ على عهد رسول الله ﷺ مرَّتين مرَّتين (٢)، والإقامة مرَّةً مرَّةً، غير أنَّه يقول: قد قامت الصَّلاة، قد قامت الصَّلاة» رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة، وصححه (٣). فائدة: قوله: (الله أكبر)؛ أي: من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير. وقوله: (أشهد)؛ أي: أعلم. وقوله: (حيَّ على الصَّلاة)؛ أي: أقبلوا إليها، وقيل: أسرعوا. و (الفلاح): الفوز والبقاء؛ لأنَّ المصلِّي يدخل الجنَّة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد، وقيل: هو الرُّشْد والخير، وطالبهما مُفلِحٌ؛ لأنَّه يصير إلى الفلاح، ومعناه: هلمُّوا إلى سبب ذلك. وختم ب (لا إله إلا الله) ليختِم بالتوحيد وباسم الله تعالى كما بدأ به، وشُرعت المرَّة؛ إشارة إلى وحدانية المعبود سبحانه. (فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ؛ فَلَا بَأْسَ)؛ أي: هو جائزٌ، نَصَّ عليه في رواية حنبل، فقال: (أذان أبي محذورة أعجب إليَّ، وعليه عمل أهل

стр. 528

مكة إلى اليوم) (١)، وهو مُرَجَّع (٢)، فيعيد الشَّهادتين - بعد ذكرهما خفضًا - بصوت أرفع من الصوت الأول، وعن أبي محذورة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه الأذان تِسعَ عشرةَ كلمةً، والإقامةَ سبعَ عشرةَ كلمةً» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذي وابن خزيمة وابن حبان (٣). والحكمة: أن يأتي بهما بتدبُّرٍ وإخلاص؛ لكونهما المنجيتَين من الكفر المدخلتَين في الإسلام، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه رجع إلى الرَّفع بعد أن (٤) تركه، أو إلى (٥) الشَّهادتين بعد ذكرهما. والمراد بالخفض: أن يُسمِع (٦) من بقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفًا والمسجد متوسِّط الخِطِّ (٧). والتَّرجيع: اسم للمجموع من السِّرِّ والعلانية. وعنه: لا يعتبر التَّرجيع فيه، وأجاب في «الشَّرح»: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أمر

стр. 529

أبا محذورة بذكر الشَّهادتين سرًّا؛ ليحصل له (١) الإخلاص بهما؛ فإنَّه (٢) في الإسرار أبلغ، وخصَّ أبا محذورة بذلك؛ لأنَّه لم يكن مُقِرًّا بهما حينئذٍ؛ فإنَّ (٣) في الخبر: أنَّه كان مستهزئًا يحكي أذان مؤذِّن النَّبيِّ ﷺ ، فسمعه، فدعاه فأمره بالأذان (٤)، وقصد نطقه بهما ليُسلم بذلك، وهذا لا يوجد في غيره، بدليل أنَّه لم يأمر به بلالاً ولا غيره ممَّن هو ثابتُ الإسلام). ويعضُده: أنَّ خبر أبي محذورة متروكٌ بالإجماع؛ لعدم عمل ش (٥) به في الإقامة، هـ (٦) في الأذان. وعنه: هما سواءٌ، وقاله إسحاق؛ لصحَّة الرِّواية بهما. وأمَّا تثنية (٧) الإقامة فهي كالأذان؛ لأنَّ في حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه أقام مثل أذانه» رواه أبو داود (٨)،

стр. 530

ولا تكره (١) تثنيتها. (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ) بعد الحَيعلتَين: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ (٢)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لأبي محذورة: «فإذا كان أذانُ الفجر فقل: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتينِ» رواه أحمد وأبو داود (٣)، وفي (٤) رواية: «أنَّ بلالًا جاء ذات يومٍ فأراد أن يدعو رسول الله ﷺ ، فقيل له: إنَّه نائِمٌ، قال: فصرخ بأعلى صوته: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتين» (٥)، قال ابن المسيَّب: فأُدخلت هذه الكلمة في التَّأذين إلى صلاة الفجر. وقيل: يجب، وجزم به (٦) في «الرَّوضة». ويسمَّى هذا التَّثويب؛ لأنَّه مِنْ ثاب - بالمثلَّثة - إذا رجَع؛ لأنَّ المؤذِّن دعا إلى الصَّلاة بالحيعلتين، ثمَّ عاد إليها، وقيل: سمِّي به لما فيه من الدعاء. وظاهره: أنَّه يقوله ولو أذَّن قبل الفجر، وأنَّه يكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة؛ لقول بلالٍ: «أمرني رسول الله ﷺ أن أثوِّبَ في الفجر،
следующие страницы →