← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

قال صاحِبُ «النِّهاية» وغَيرُه: والأوَّلُ أصحُّ، والفَرْقُ بَينَ الطَّلاق والعِتاق من حَيثُ إنَّ الأَصْلَ في الأَبْضاع الحُرْمةُ، وفي الأمْوالِ العِصْمةُ، فإذا تَعارَضَ دليلا (١) الطَّلاق؛ وَجَبَ وُقوعُه؛ لأِنَّ الأصلَ حرمةُ الوطْءِ، وإذا تَعارَضَ دليلا (٢) العِتْق؛ وَجَبَ عَدَمُ وُقوعِه؛ لأِنَّ الأصلَ عِصْمةُ الملك. فإنْ قِيلَ: لو طُلِّقَتْ بذلك لَوَقَعَ الطَّلاقُ بشَرطٍ سابِقٍ على النِّكاح، ولا خِلافَ أنَّه لو قال لأِجْنَبِيَّةٍ: إن (٣) دَخَلْت الدَّارَ فأنْتِ طالِقٌ، فتزوَّجها، ثُمَّ دخلت الدار (٤)؛ لم تَطلُقْ، والفَرْق: أنَّ النِّكاحَ الثَّانيَ مَبْنِيٌّ على الأوَّل في عَدَدِ الطَّلقات، وسقوطِ اعْتِبار العدد، وبهذا فرَّق صاحِبُ «المغْنِي» فيه بَينَ الطَّلاق والملْكِ. (وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ الصِّفَةُ حَالَ الْبَيْنُونَةِ؛ عَادَتْ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ اليَمينَ لم تَنحَلَّ؛ لكَونِ الصِّفة في حالِ البَيْنونَة لم تُوجَدْ، فإذا وُجِدت الصِّفةُ بعدَ التَّزويج؛ وَجَبَ أنْ تعمل (٥) عَمَلَها، كما لو لم تكن (٦) بَينُونةً. فإنْ كانَت الصِّفةُ لا تُوجدُ بعدَ النِّكاح الثَّاني؛ كقوله: إنْ أكَلْتِ هذا الرَّغيفَ فأنْتِ طالِقٌ ثلاثًا، ثُمَّ أبانَها فأكَلَتْه، ثُمَّ نَكَحَها؛ لم يَحنَثْ. أصلٌ: يَحرُمُ الخُلْعُ حيلةً لِإسْقاطِ يمينِ الطَّلاق، ولا يَقَعُ في اخْتِيارِ الأكثرِ، واحْتَجَّ القاضِي بما رُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: «الحَلِفُ حِنْثٌ أوْ نَدَمٌ» رواه ابنُ بَطَّةَ (٧).

стр. 4657

وفي «المغْنِي»: (هذا يُفعَلُ حيلةً على إبطال الطَّلاق المعلَّق، والحِيَلُ خِداعٌ لا تُحِلُّ ما حرَّم اللهُ). فلو اعْتَقَدَ البَينونَةَ، فَفَعَلَ (١) ما حَلَفَ؛ فكمُطلِّقٍ مُعتَقِدٍ أجنبيَّةً فتَبَيَّنَ امرأتُه، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٢). وقِيلَ: يَقَعُ، وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ وصاحِبُ «الحاوي»، وعَمَلُ غالِبِ النَّاس عليه. وفي «واضِحِ ابنِ عَقِيلٍ»: يُسْتَحَبُّ إعْلامُ المسْتَفْتِي بمذهَبِ غَيرِه إنْ كان أهْلاً للرُّخْصة؛ كطالِبِ التَّخَلُّص من الرِّبا، فيَدُلُّه على مَنْ يَرَى التَّحَيُّلَ للخَلاص منه، والخُلْع بعَدَمِ وُقوعِ الطَّلاق. واللهُ أعْلَمُ (٣).

стр. 4658

(كِتَابُ الطَّلَاقِ) والإجْماعُ على جَوازه (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]، وقَولُه ﵇ لعمرَ لَمَّا سَأَلَه عن تَطْليقِ ابْنِه امرأتَه وهي حائضٌ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيَتْرُكْها حتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ، ثمَّ إنْ شاء أمْسَكَ بعدُ، وإنْ شاء طلَّقَ قَبلَ أنْ يَمَسَّ، فتلك العِدَّةُ التي أَمَر الله أنْ يُطلَّق لها النِّساءُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢). والمعْنَى يَدُلُّ عليه؛ لأِنَّ الحالَ ربَّما فَسَدَ بَينَ الزَّوجَينِ، فيُؤدِّي إلى ضَرَرٍ عظيمٍ، فبَقاؤه إذًا مَفْسَدةٌ مَحْضَةٌ بلُزومِ الزَّوجِ النَّفَقةَ والسُّكْنَى، وحَبسِ المرأة مع سوءِ العِشْرة، والخُصومةِ الدَّائمةِ مِنْ غَيرِ فائدةٍ، فشُرِعَ ما يُزيلُ النِّكاحَ لِتزولَ المفْسَدةُ الحاصِلَةُ منه. (وَهُوَ حَلُّ قَيْدِ النِّكَاحِ) أوْ بعضِه، وهو راجِعٌ إلى مَعْناهُ لُغَةً؛ لأِنَّ مَنْ حُلَّ قَيْدُ نكاحِها فقد خُلِّيَتْ؛ إذ أصلُ الطَّلاقِ التَّخْلِيَةُ، يُقالُ: طَلقَت النَّاقةُ: إذا سُرِّحَتْ حيثُ شاءتْ، وحُبِسَ فُلانٌ في السِّجن طَلْقًا بغَيرِ قَيْدٍ، وهو مَصدَرُ طَلقَت المرأةُ؛ أي: بانَتْ من زَوجها؛ بفَتْحِ اللاَّم وضَمِّها، تطلق بضمِّ (٣) اللاَّم فيهما، طلاقًا وطلقة، وجَمْعُها طَلَقات (٤)، بفَتْح اللاَّم، فهي طالِقٌ، وطلَّقَها زَوجُها فهي مُطَلَّقةٌ. (وَيُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ)؛ لِضَرَرِه بالمقام على النِّكاح، فيُباحُ له دَفْعُ

стр. 4659

الضَّرر عن نفسه. (وَيُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ)، وقالَهُ الأكثرُ؛ لِمَا رَوَى مُحارِبُ بنُ دِثارٍ، عن ابن عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أبْغَضُ الحَلال إلى الله الطَّلاقُ» رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَهْ، ورجالُه ثِقاتٌ، ورُوِيَ مُرْسَلاً (١). وعَنْهُ: لا يُكرَهُ، صحَّحه الحُلْوانيُّ؛ لِمَا سَبَقَ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ)؛ لقَوله ﵇: «لا ضَرَرَ ولا إضرار» (٢)، ولأِنَّه يَضُرُّ بنَفْسه وزَوْجته. (وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كان (٣) بَقَاءُ النِّكَاحِ ضَرَرًا)؛ أيْ: يُندَبُ عندَ تضرُّرِ المرأة بالنِّكاح، إمَّا لِبُغْضِه أوْ لغَيرِه، فيُستَحَبُّ إزالةُ الضَّرَر عنها، ولتركها (٤) صلاةً وعفة (٥) ونحوَهما.

стр. 4660

وعنه: يَجِبُ لعِفَّةٍ. وعنه: وغيرِها. فإنْ تَرَكَ حقًّا لله؛ فهِيَ كَهُوَ، فتَخْتَلِع، والزِّنى لا يَفْسَخُ نكاحًا (١)، نَصَّ عليهما (٢)، ونقل المرُّوذِيُّ: فِيمَنْ يَسكَرُ زَوْجُ أخْتِه: يحولها (٣) إليه، وعنه أيضًا: أيُفرِّقُ بَينَهما؟ قال: اللهُ المستعانُ (٤). وبَقي هنا قِسْمانِ آخَرانِ: واجِبٌ: وهو طلاقُ المُولِي بعدَ التَّربُّص، وطَلاقُ الحَكَمَينِ في الشِّقاق إذا رأياهُ. وعنه: ولأِمْرِ أبيهِ، وعنه: العدل، وقاله أبو بكرٍ؛ اتِّباعًا لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ (٥). فإنْ أمَرَتْه أمُّه؛ فنَصُّه: لا يُعجِبُنِي طلاقُه (٦)، ومَنَعَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين منه، ونَصَّ في بَيعِ السُّرِّيَّة: إنْ خِفْتَ على نفسكَ فليس لها ذلك (٧). ومحظورٌ: وهو طلاقُ مَنْ دَخل بها في حَيضها، أو في (٨) طُهْر أصابَها

стр. 4661

فيه، ويُسمَّى طلاقَ بِدْعةٍ؛ لمخالفته (١) الشَّرع؛ لأِنَّ طلاقَ الحائض يَضُرُّ بها؛ لتطويل عِدَّتها، والمصابَةُ ترتابُ، فلا تَدْرِي أذاتُ حملٍ هي، فتعتدُّ بوَضْعه، أمْ حائلٌ فتعتدَّ بالقروء (٢)، وحيثُ كانَتْ حامِلاً فيندم (٣) على فِراقِها مع ولدها. أما غَيرُ المدخول بها؛ فلا يحرم (٤)؛ لِعَدَمِ العِدَّة، وكذا الصَّغيرةُ، والآيِسةُ، والحامِلُ التي اسْتَبانَ حَمْلُها (٥). (وَيَصِحُّ مِنَ الزَّوْجِ الْبَالِغِ، العَاقِلِ (٦)، المُخْتَارِ)، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٧)؛ لأِنَّ المصحِّحَ لوقوع الطَّلاق مَوجودٌ، وهو التَّكليفُ، وظاهِرُه: يَقَعُ مِنْ كتابيٍّ وسفيهٍ، نَصَّ عليهما (٨). (وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ)؛ أيْ: إذا عَقَلَ الطَّلاقَ في اختيار الأكْثَرِ، وذَكَرَه ابنُ هُبَيرةَ ظاهِرَ المذْهَبِ؛ لقَوله ﵇: «الطَّلاقُ لِمَنْ أَخَذَ بالسَّاق» (٩)، وقال عليٌّ: «كلُّ الطَّلاق جائزٌ، إلاَّ طلاقَ المعْتوه»، ذكره (١٠) البخاريُّ (١١)، ورواه

стр. 4662

التِّرمذي والدَّارَقُطْنِيُّ مرفوعًا بإسْنادٍ فيه ضعفٌ (١). (وَعِنْهُ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ)، نَقَلَها أبو طالِبٍ، وقدَّمها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها الأدَمِيُّ، وابنُ أبي موسى، وهو قَولُ أكثرِ العلماء؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ القَلَمُ عن الصَّبيِّ حتَّى يَحتَلِمَ» (٢)، ولأِنَّه غَيرُ مكلف (٣)، فلا يَقَعُ طلاقُه؛ كالمجنون. وعنه: لَا يَقَعُ لِدُونِ عَشْرٍ، اختاره أبو بكرٍ. وعنه: اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سنةً، وقاله إسحاقُ. وعنه: لأِبِ صغيرٍ ومجنونٍ فقط الطَّلاقُ، نصَرَه القاضي وأصحابُه. ومن أجاز طلاقَه؛ اقْتَضَى مذهبُه أنْ يجوزَ توكيله فيه، وتوكُّله لغيره، أَوْمَأَ إليه ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ كالبالغ. وقال أبو بكرٍ، وحكاه عن أحمدَ: لا يَصِحُّ أنْ يوكّل (٤) حتَّى يبلغَ (٥). وجوابُه: بأنَّه على الرِّواية التي لا تجيز (٦) طلاقَه. فرعٌ: تُعتَبَرُ إرادةُ لفظ الطَّلاق لمعناه، فلا طلاقَ لفقيهٍ يكرِّره، وحاكٍ عن نفسه، حكاهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ كغَيره. (وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ؛ كَالْمَجْنُونِ، وَالنَّائِمِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ،

стр. 4663

وَالْمُبَرْسَمِ؛ لَمْ يَقَعُ طَلَاقُهُ)، إجماعًا (١)؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ القلم (٢) عن المجنون حتَّى يُفِيقَ» (٣)، وعن أبي هريرة مرفوعًا أنَّه قال: «كلُّ الطَّلاق جائزٌ، إلاَّ طلاقَ المعْتوهِ المغْلوبِ على عَقْلِه» رواه النَّجَّادُ، قال التِّرمذي: لا نَعرِفُه إلا (٤) من حديثِ عَطاءِ بن (٥) عَجْلانَ، وهو ذاهِبُ الحديث (٦)، ولأِنَّه قَولٌ يُزِيلُ الملْكَ، فاعْتُبِرَ له العَقْلُ كالبيع. وسواءٌ زال بجُنونٍ، أوْ إغْماءٍ، أو شرْبِ دواءٍ، أوْ أكره (٧) على شرْبِ الخمر، أوْ شرْبِ ما يُزيلُ عَقْلَه، أو لم يَعلَمْ أنَّه مُزِيلُ العقل، لكِنْ لو ذَكَرَ المغْمَى عليه أو المجنون لَمَّا أفاق أنَّه طلَّق، وَقَعَ، نَصَّ عليه (٨). قال المؤلِّفُ: هذا فِيمَنْ جُنونُه بذَهابِ معرفته بالكلِّيَّة، فأمَّا المبرسَمُ، ومَن به نشاف (٩)؛ فلا يَقَعُ. وفي «الرَّوضة»: أنَّ المبرسَمَ والموسوِس إنْ عَقَلَ الطَّلاقَ؛ لَزِمَه. ويَدخُلُ في كلامهم: مَنْ غَضِبَ حتَّى أُغْمِيَ أوْ غُشِيَ عليه، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: بلا رَيب (١٠)، ويَقَعُ مِنْ غَيرِه في ظاهر كلامهم؛ لأِنَّ «أبا موسى أتى النَّبيَّ ﷺ يَستَحْمِلُه، فوَجَدَه غَضبانَ، وحَلَفَ لا يَحمِلُهم وكفَّر»

стр. 4664

الحديثَ (١)، ولأنَّه (٢) قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (٣)، ولأِنَّه من باطِنٍ؛ كالمحبَّة الحامِلَة على الزِّنى. وقال الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٤): إن غيَّره (٥) ولم يَزُلْ عَقْلُه؛ لم يَقَعْ؛ لأنَّه (٦) ألْجأَه وحمله (٧) عليه، فأوْقَعَه وهو يكرهه ليستريحَ منه، فلم يَبقَ له قصدٌ صحيحٌ، فهو كالمكرَه، ولهذا لا يُجابُ دعاؤه على نفسه وماله، ولا يَلزَمُه نذر (٨) الطَّاعة فيه (٩)، وفي صحَّة حكمه (١٠) الخِلافُ، وإنَّما انْعَقَدتْ يمينُه؛ لأِنَّ ضَرَرَها يَزُولُ بالكفَّارة، وهذا إتْلافٌ. فرعٌ: لو ادَّعى أنَّه طلَّق إذًا وهو زائِلُ العَقْلِ؛ يَنبَنِي على ما أقرَّ وهو مجنونٌ، هل يُقبَلُ؟ وفيه ثلاثةُ أقْوالٍ، ثالثُها: يُقبَلُ إنْ كان ممَّن غَلَبَ وجودُه منه.

стр. 4665

(وَإِنْ زَالَ بِسَبَبٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ، كَالسَّكْرَانِ، وَمَنْ شَرِبَ مَا يُزِيلُ عَقْلَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ فَفِي صِحَّةِ طَلَاقِهِ رِوَايَتَانِ (١): إحداهما: يَقَعُ، قال ابنُ هُبَيرةَ: هي أظْهَرُهما، اختارها الخَلاَّلُ والقاضي والأكثرُ؛ لِمَا تقدَّمَ من قَولِه: «كلُّ الطَّلاق جائزٌ إلاَّ طلاقَ المعْتُوهِ» (٢)، وقال مُعاوِيَةُ: «كلُّ أحَدٍ طلَّق امرأتَه جائِزٌ، إلاَّ طلاقَ المجنون» رواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ حَسَنٍ (٣)، ولأِنَّ الصَّحابة جَعَلُوه كالصّاحِي في الحدِّ بالقَذْفِ، وقال (٤) عليٌّ بمَحْضَرٍ من عمرَ وغيرِه: «تَراهُ إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرَى، وعلى المفْتَرِي ثمانونَ» رواه مالِكٌ بإسْنادٍ جيِّدٍ (٥)، ولأِنَّه مُكلَّفٌ، فَوَقَعَ طلاقُه

стр. 4666

كالصَّاحي، بدليلِ القَتْل والقَطْع في السَّرقة. والثَّانيةُ: لا يَقَعُ، اختارها أبو بكرٍ والمؤلِّفُ، ورجَّحه في «الشَّرح»، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال: كمُكْرَهٍ، لم يَأْثَمْ في الأصحِّ (١)، ونَقَلَ الميْمُونيُّ: كنتُ أقولُ: يَقَعُ حتَّى تَبَيَّنْتُه، فقلتُ على أنَّه لا يَقَعُ (٢). ونَقَلَ أبو طالِبٍ: الذي لا يأمر بالطَّلاق أتى خصلة واحدة (٣)، والَّذي يأمر به أتى خصلتَينِ، حرَّمها عليه (٤)، وأحلَّها لغيره (٥)، وذكر البخاري (٦): عن عثمانَ وابنِ عبَّاسٍ (٧)، وهو قَولُ جَمْعٍ، قال ابن المنذر: (لا نَعلَمُ أحَدًا من الصَّحابة خالَفَ عُثْمانَ) (٨)، وقال أحمدُ: (حديثُ عثمانَ أرْفَعُ شَيءٍ فيه) (٩)، ولأِنَّ العَقْلَ شَرْطٌ للتَّكليف، وكالمجنون (١٠). وعنه: أنَّه توقف (١١) في الجواب، ويُقال: اختلَف الصَّحابةُ فيه.

стр. 4667

وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١): أنَّ الخِلافَ فِيمَنْ يَفهَمُ، وإلاَّ لم يَقَع، قال: وزعم طائفةٌ من العلماء أنَّ الخِلافَ إنَّما هو في النَّشْوان الذي يَفهَم ويَغلَط، فأمَّا الذي تمَّ سُكْرُه بحيث لا يَفهَمُ ما يقولُ فلا يَقَعُ منه قَولاً واحدًا، والأئمَّةُ الكِبارُ جَعَلُوا النِّزاعَ في الكلِّ، وهو مَنْ يُخلِّطُ في كلامه، أو لم يَعْرِفْ ثَوبَه، أوْ هَذَى، ولا يُعتَبَرُ أنْ لا يَعرِفَ السَّماءَ من الأرض؛ لأِنَّ ذلك (٢) لا يخفَى إلاَّ على المجنون. (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي قَتْلِهِ، وَقَذْفِهِ، وَسَرِقَتِهِ، وَزِنَاهُ، وَظِهَارِهِ، وَإِيلَائِهِ)، وإقْراره، وإسْلامه، وكلِّ قَولٍ أوْ فِعْلٍ يعتبَرُ له العَقْلُ؛ لأِنَّ المعْنَى في الجميع واحدٌ. وعنه: كالمجنون في أقواله، وكالصَّاحي في أفعاله. وعنه: في الحدِّ كالصَّاحي، وفي غيره كالمجنون. وعنه: أنَّه فيما يَستَقِلُّ به؛ كبيعه (٣) وقتله؛ كالصاحي، وفيما لا يستقل به (٤)؛ كبيعه ونكاحه كالمجنون. قال جماعةٌ: ولا تَصِحُّ عبادتُه، وقال أحمدُ: ولا تُقبَلُ صلاتُه أربعين يومًا حتَّى يتوبَ (٥)؛ للخبر (٦).

стр. 4668

فرعٌ: البَنْجُ ونحوُه كجنونٍ؛ لأِنَّه لا لذَّةَ به، نَصَّ عليه (١)، وذَكَرَ جماعةٌ: يَقَعُ لتحريمه، ولهذا يُعزَّرُ. قَصْدُ (٢) إزالةِ العَقْل بلا سببٍ شرعيٍّ محرَّمٌ (٣). وفي «الواضح»: إنْ تَدَاوَى بِبَنْجٍ فسَكِرَ؛ لم يَقَعْ، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ. (وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الطَّلَاقِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ لَمْ يَقَعْ طَلَاقُهُ)، رواه سعيدٌ وأبو عُبَيدٍ عن عمرَ (٤)، وهو قَولُ جماعةٍ من الصَّحابة (٥)،

стр. 4669

قال ابنُ عبَّاسٍ فِيمَنْ يُكرِهُه (١) اللُّصوصُ فيُطلِّقُ: «ليس (٢) بشيءٍ»، ذَكَرَه البخاريُّ (٣)، ولقوله ﵇: «إنَّ اللهَ وَضَعَ عن أُمَّتي الخَطَأَ، والنِّسْيانَ، وما استُكرِهوا عليه» رواه ابن ماجَه والدَّارقُطْنِيُّ، قال عبدُ الحقِّ: (إسناد (٤) متَّصِلٌ صحيحٌ) (٥)، وعن عائشةَ قالت: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «لا طَلاقَ ولا عِتاقَ في غِلَاق» رواه أبو داودَ، وهذا لَفْظُه، وأحمد (٦) وابنُ ماجَهْ ولَفْظُهما: «في إغْلاقٍ» (٧)، قال المنذِريُّ: (هو المحفوظُ) (٨)، قال أبو عُبيدٍ والقتيبي (٩) مَعْناهُ: في إكْراهٍ (١٠)، لكِنْ فسَّره في روايةِ حنبلٍ: بالغَضَب (١١)، ذَكَرَه أبو بكرٍ

стр. 4670

في «الشَّافي»، ولأِنَّه قَولٌ حُمِلَ عليه بغيرِ حقٍّ، أشْبَهَ الإكراهَ على كلمة الكُفْر. وعنه: لا يكون إلاَّ مِنْ سُلْطانٍ، ذَكَرَها ابنُ هُبَيرةَ والحُلْوانيُّ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَلزَمُه شيء (١) ولو نَوَى به الطَّلاقَ في أحدِ القَولَينِ؛ نَظَرًا إلى أنَّ اللَّفْظَ مرفوعٌ عنه بالإكراه، فتبقى نيته (٢) مجرَّدةً. والثَّاني: أنَّه بمنزلة الكِنايَة، إنْ نَوَى به الطَّلاقَ وَقَعَ، وإلاَّ فلا، حكاهما أبو الخَطَّاب في «الانتصار». وحَكَى شَيخُه عن أحمدَ روايتَينِ، وجَعَلَ الأشْبَهَ الوُقوعَ، وهو الذي أوْرَدَه المؤلِّفُ مذهَبًا. ولا خِلافَ في (٣) أنَّه إذا لم يَنْوِ به طَلاقًا، ولم (٤) يتأوَّل بلا عُذْرٍ؛ أنَّه لا يَقَعُ (٥)، وفيه احِتْمالٌ. قَولُه: «بغَير حقٍّ» يَحترِزُ بذلك عن الإكراه بحقٍّ؛ كإكراه الحاكم المُولِيَ على الطَّلاق بعد (٦) التَّربُّص إذا لم يفِ، وإكراهِ مَنْ زوَّجها ولِيَّانِ ولم يُعلَم السَّابِقُ منهما؛ لأِنَّه قَولٌ حُمِل عليه بحقٍّ، فصحَّ؛ كإسلامِ المرتَدِّ. (وَإِنْ هَدَّدَهُ بِالْقَتْلِ أَوْ نَحْوِهِ (٧) أَوْ أَخْذِ (٨) الْمَالِ قَادِرٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُ مَا هَدَّدَهُ بِهِ؛ فَهُوَ إِكْرَاهٌ)، اخْتارَه ابن عَقِيلٍ، وجَزَمَ به المؤلِّفُ، وفي «الوجيز»؛ لقَولِ عمرَ في (٩) الذي قالت: «طلِّقْني ثلاثًا وإلاَّ قَطَعْتُه، فطلَّقها

стр. 4671

ثلاثًا، فردَّه إليها» رواه سعيدٌ (١)، وهذا كان وعيدًا، ولأِنَّ الإكْراه إنَّما يتحقَّقُ بالوعيد، فإنَّ الماضِيَ من العقوبة (٢) لا يَندَفِعُ بفِعْل ما أُكْرِهَ، وإنَّما يُباحُ الفعل (٣) المكره؛ دَفْعًا لِمَا يُتوعَّدُ به من العقوبة فيما بعد (٤). فعلى هذا يُشتَرَطُ له أمورٌ: أحدُها: أنْ يكونَ ما هدَّده فيه ضرر (٥) كثيرٌ؛ كالقَتْل والضَّرْب الشَّديدِ، فأمَّا (٦) السَّبُّ والشَّتْمُ فلَيسَ بإكْراهٍ روايةً واحدةً، وكذا أخْذُ المال اليسيرِ، والضَّرْبُ في حقِّ مَنْ لا يُبالِي به. الثَّاني: أنْ يكونَ التهديد (٧) مِنْ قادِرٍ؛ لأِنَّ غَيرَه لم يخف (٨) وقوع المحذور به؛ لأِنَّه يُمْكِنُ دَفْعُه. الثَّالثُ: أنْ يَغلِبَ على الظَّنِّ وُقوعُ ما هدَّده به. فرعٌ: ضَرْبُ وَلَدِه وحَبْسُه ونحوُهما؛ إكْراهٌ لوالده (٩). وإكْراهٌ على عِتْقٍ ويمينٍ ونحوِهما؛ كطَلاقٍ. (وَعَنْهُ: لَا يَكُونَ مُكْرَهًا حَتَّى يَنَالَهُ شَيْءٌ مِنَ الْعَذَابِ؛ كَالضَّرْبِ، وَالْخَنْقِ، وَعَصْرِ السَّاقِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) والقاضِي، والشريف (١٠)، وأبو الخَطَّاب،

стр. 4672

والشِّيرازيُّ، ونَصَّ عليه أحمدُ في روايةِ الجماعة، وقال: (كما فُعل بأصحاب النَّبيِّ ﷺ (١)، وكأنَّه يُشِيرُ إلى قِصَّةِ عَمَّارٍ حِينَ أخَذَه المشركون، وأرادوه على الشِّرك، فلَقِيَه النَّبيُّ ﷺ ، وهو يَبْكِي، فَجَعَلَ يَمْسحُ الدُّموع عن عَينَيْه ويقول: «أخذك (٢) المشرِكون، فغَطُّوكَ في الماء، وأمَروكَ أنْ تُشْرِك بالله تعالى، فَفَعَلْتَ، فإنْ أَمَروكَ مرَّةً أخرى فافْعَلْ ذلك بهم» رواه أبو حَفْصٍ (٣). فعلى هذا: يُشترَطُ في الضَّرْب أنْ يكونَ شديدًا، أوْ يسيرًا في حقِّ ذي (٤) مُروءةٍ. ومِمَّا يُشْبِهُ الضَّرْبَ وعَصْرَ السَّاق: القَيْدُ والحَبْسُ الطَّويلانِ، وأخْذُ المال الكثيرِ، زاد في «الكافي»: والإخْراجُ من الدِّيار، لا السبُّ (٥) ونحوُه روايةً واحدةً، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح». وعنه: إن هُدِّد (٦) بقَتْلٍ، وعنه: أوْ قَطْعِ طَرَفٍ، وقِيلَ: أو إحراقِ مَنْ يُؤلِمُه؛ فإكْراهٌ، قال القاضي: الإكْراهُ يَختلِفُ، قال ابنُ عَقِيلٍ: وهو قَولٌ حَسَنٌ. وإنْ سَحَرَه لِيُطلِّقَ؛ فإكْراهٌ، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٧). تنبيه: إذا أُكْرِهَ على طلاقِ امرأةٍ فطلَّقَ غَيرَها، أو على طلقةٍ فطلَّقَ ثلاثًا،

стр. 4673

أوْ على لَفْظٍ صريحٍ فأتى بكنايةٍ، أو على تعليقه فنَجَّزَه؛ وَقَعَ. وإنْ تَرَكَ التَّأْويلَ بلا عُذْرٍ، أو أُكْرِهَ على مُبْهَمةٍ، فطلَّق مُعيَّنةً؛ فوَجْهانِ. لا يقال: لو (١) كان الوعيدُ إكْراهًا لَكُنَّا مُكرَهِينَ على العبادات، فلا ثَوابَ، مع أنَّه يجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّنا مُكرَهونَ عليها، والثَّوابُ بفِضْله لا مُستَحَقًّا عليه عِندَنا، ثُمَّ العبادات (٢) تُفْعَلُ للرَّغبة، ذَكَرَه في «الانتصار». (وَيَقَعُ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ؛ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا)؛ لأِنَّه عَقْدٌ يُسقِطُ الحَدَّ، ويُثبِتُ النَّسَبَ والعِدَّةَ والمهرَ، أشْبَهَ الصَّحيحَ، أوْ لأِنَّه إزالةُ ملكٍ فكان كالعتق، يَنفُذُ في الكتابة الفاسدة بالأداء كالصَّحيحة. ويَقَعُ بائنًا، نَصَّ عليه (٣)؛ كحُكْمٍ بصحَّةِ العَقْد، وهو إنَّما يَكشِفُ خافِيًا، أوْ يُنْفِذُ واقِعًا. ويَجوزُ في حَيضٍ، ولا يكونُ بِدْعةً. (وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ حَتَّى يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ)، هذا روايةٌ، واختارها أيضًا في «المُذهب» و «التَّلخيص»؛ لأِنَّ الطَّلاقَ يُفيدُ تحريمَ الحِلِّ، أوْ حَلَّ العَقْدِ، ولم يُوجَدْ في الفاسد واحدٌ منهما، ولأِنَّه نكاحٌ فاسدٌ، فلم يَقَعْ فيه؛ كالمجمَعِ عليه. وفي «المستوعب»: مَنْ طلَّق في نكاحٍ مُتَّفَقٍ على بُطْلانِه؛ كمَنْ نَكَحَها وهي في عدَّةِ غَيرِه، أوْ نَكَحَها وأختَها؛ لم يَصِحَّ طَلاقُه. وعنه: أنَّه قال: أحْتاطُ، وأُجِيزُ طلاقَه (٤)، اختاره (٥) أبو بكرٍ. والأوَّلُ عنه أظْهَرُ.

стр. 4674

ولا يَقَعُ في نكاحِ فُضوليٍّ قبلَ إجازته في الأصحِّ، ونَقَلَ حنبلٌ: إنْ تزوَّجَ عبدٌ بلا إذْنٍ، فطلَّقَ سيِّدٌ؛ جاز طلاقُه، وفُرِّق بَينَهما (١). (وَإِذَا وَكَّلَ فِي الطَّلَاقِ مَنْ يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ؛ صَحَّ طَلَاقُهُ)؛ لأِنَّه إزالةُ ملْكٍ، فَصَحَّ التَّوكيلُ فيه كالعِتْق. وقَولُه: (مَنْ يَصِحُّ تَوكيلُه) يَحتَرِزُ به عن (٢) الطِّفل والمجْنون، فلو وكَّل عبدًا أو كافرًا (٣)؛ صحَّ. وإنِ جَعَلَ أمْرَ الصَّغيرة أو المجنونة في يَدِها؛ لم تملِكْه، نَصَّ عليه (٤)، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها إذا عَقَلَت الطَّلاقَ؛ وَقَعَ، وإنْ لم تبلغ (٥)؛ كالصَّبِيِّ. (وَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ مَتَى شَاءَ)؛ لأِنَّ لَفْظَ التَّوكيل يَقتَضِي ذلك؛ لكَونه تَوكيلاً مُطلَقًا، أشْبَهَ التَّوكيلَ في البيع، إلاَّ وَقْتَ بِدعةٍ، ولا يَملِكُ بالإطلاق تعليقًا، (إِلاَّ أَنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا)؛ لأِنَّ الأمْرَ على ما أُذِنَ له؛ لأِنَّ الأمْرَ إلى الموكِّل في ذلك. (وَلَا يُطَلِّقُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ)؛ لأِنَّ الأمْرَ المطلَقَ يَتَناوَلُ أقلَّ ما يَقَعُ عليه الاِسْمُ، (إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ) أكثرَ من واحدةٍ، بلَفْظِه أوْ نيَّته، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّه نَوَى بكلامه ما يَحتَمِلُه، ويُقبَلُ قَولُه في نيَّته؛ لأِنَّه أعْلَمُ بها، زاد في «الرِّعاية»: أوْ يَفْسَخَ أَوْ يَطَأَ. وقِيلَ: لا يَملِكُ فَوقَ طلقةٍ بلا إذْنٍ، ولا يَنعزِلُ بالوطء. فرعٌ: إذا أوْقَعَه الوكيلُ، ثُمَّ ادَّعى الزَّوجُ أنَّه رَجَعَ قبلَ إيقاع الوكيل؛ قُبِلَ

стр. 4675

قَولُه، ذَكَرَه أصحابُنا. (وَإِنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِيهِ؛ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِهِ)؛ لأِنَّه إنَّما رَضِيَ بتصرُّفهما جميعًا، (إِلاَّ بِإذْنٍ)؛ لأِنَّه راضٍ بتصرُّف كلِّ واحِدٍ منهما، فَمَلَكَ الاِنفرادَ؛ كما لو وكَّله وحدَه. (وَإِنْ (١) وَكَّلَهُمَا فِي ثَلَاثٍ، فَطَلَّقَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ؛ وَقَعَ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه مأذونٌ لهما في ذلك، فلو طلَّق أحدُهما واحدةً والآخَرُ ثلاثًا؛ وَقَعَ واحدةً، كما لو طلَّق ثنتَينِ، والآخَرُ ثلاثًا؛ فيَقَعُ ثِنتانِ. (وَلَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ؛ فَلَهَا ذَلِكَ)؛ لأِنَّه يَصِحُّ تَوكيلُها في طلاقِ غَيرِها، فكذا في طَلاقِ نفسها؛ (كَالْوَكِيلِ)؛ لأِنَّها مُتصرِّفةٌ بالإذن، فتَمْلِكُ ما مَلَكَه الوكيلُ. فعَلَيهِ: لها أنْ تُطلِّقَ متى شاءَتْ، إلاَّ أنْ يَحُدَّ لها حَدًّا، ولا تَملِكُ أكثرَ من واحدةٍ إلاَّ أنْ يأذن (٢)، قال أحمدُ: إذا نَوَى ثلاثًا، فطلَّقتْ نَفْسَها ثلاثًا فهي ثلاث، وإنْ واحدةً فواحدةٌ (٣)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ يكونُ ثلاثًا وواحدةً، فأيَّهما نَواهُ؛ صحَّ. ولو وكَّل معها غيرَها؛ لم يكُنْ لها الاِنْفِرادُ، إلاَّ أنْ يَجعَلَ ذلك إليها، ولو اخْتَلَفا في (٤) العدد؛ وَقَعَ ما اتَّفَقا عليه. فإنْ طلَّقتْ نفسَها، أوْ طلَّقَها الوكيلُ في المجلس أوْ بعدَه؛ وَقَعَ؛ لأِنَّه تَوكيلٌ.

стр. 4676

وقال القاضي، وقدَّمه في «الرِّعاية»: يتقيَّدُ بالمجْلِس؛ كاختاري (١). وجَوابُه: بأنَّه تَوكيلٌ، فكان على التَّراخِي؛ كالأجنبيِّ. ولو قال لها: طلِّقِي ثلاثًا، فطلَّقَتْ واحدةً؛ وَقَعَ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّها تَملِكُ إيقاعَ ثلاثٍ، فتَمْلِكُ إيقاعَ واحدةٍ؛ كالوكيل. ولا تملك (٣) تعليقًا، فلو قال: طلِّقِي نفسَكِ، فقالَتْ: أنا طالِقٌ إنْ قَدِمَ زَيدٌ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ إذْنَه انْصَرَفَ إلى المُنَجَّز، فلم يتناول (٤) المعلَّقَ على شرط (٥). ولو قال: طلِّقِي نفسَك طلاقَ السُّنَّة، فطلَّقَت نفسَها ثلاثًا؛ فهي واحدةٌ، وهو أحقُّ بِرَجْعَتِها. (وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْتِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنِ اثْنَتيْنِ (٦)؛ لأِنَّ «مِنْ» للتَّبعيض، فلم يكُنْ لها أنْ تختارَ الثَّلاثَ؛ لأِنَّها كلُّ الطَّلاق. فرعٌ: يَحرُمُ تطليقُ وكيلٍ مُطْلَقٍ وَقْتَ بِدعةٍ، وفي وُقوعِه وَجْهانِ. وفي «المغْنِي»: الزَّوجُ يَملِكُه بملْكِ محلِّه (٧)، ولم يُعلِّل الأَزَجِيُّ عَدَمَ الوُقوع إلاَّ بمُخالَفةِ أمْرِ الشَّارِع، فإنْ أوْقَعَه ثلاثًا؛ فوَجْهانِ. ولو قال: أمْرُكِ بيَدِكِ، أوْ طلاقُكِ بيَدِكِ، أو وكَّلْتُكِ في الطَّلاق؛ فهل

стр. 4677

تملك (١) به الثَّلاث؟ على روايتَينِ. وفي «الرِّعاية»: لو قال طلِّقِي نفسَك بألْفٍ، فقالَتْ في الحال: طلَّقْتُك؛ وَقَعَ بائِنًا بالأَلْفِ، وله الرُّجوعُ قبلَ أنْ تُطلِّقَه، وهو بعيدٌ (٢).

стр. 4678

(بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ وَبِدْعَتِهِ) طَلاقُ السُّنَّة: ما أَذِنَ الشَّارعُ فيه، والبِدْعةُ: ما نَهَى عنه، ولا خِلافَ أنَّ المطلِّقَ على الصِّفةِ الأولى مطلِّقٌ للسُّنَّة، قالَهُ ابنُ المنذِرِ وابنُ عبدِ البَرِّ (١). والأصلُ فيه قَولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]، قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عبَّاسٍ: «طاهِرًا مِنْ غَيرِ جماعٍ» (٢)، وحديثُ ابنِ عمرَ لَمَّا طَلَّقَ امرأتَه وهي حائِضٌ، فقال النَّبيُّ ﷺ لعمرَ: «مُرْهُ فلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تطهر (٣)، ثُمَّ إنْ شاءَ طلَّقَها طاهِرًا قبلَ أنْ يَمَسَّ»، وهو في «الصَّحيحَينِ» (٤). (السُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ: أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً)؛ لقَولِ عليٍّ، رواه النجاد (٥)، (فِي

стр. 4679

طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ)؛ لِمَا تقدَّمَ مِنْ قَولِ ابنِ مسعودٍ وغَيرِه، إلاَّ في طُهْرٍ مُتَعَقِّبٍ لرَجْعةٍ من طلاقٍ في حَيضٍ، فبِدعةٌ في ظاهِرِ المذهب، اختاره الأكثرُ. (ثُمَّ يَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا)؛ أي: لا يُتبِعَها طَلاقًا آخَرَ قبلَ انْقِضاء العِدَّة؛ لقَولِ عليٍّ: «لا يُطلِّقُ أحد (١) للسُّنَّة فيَندَمَ» رواهُ الأثْرَمُ (٢). (وَإِنْ طَلَّقَ الْمَدْخُولَ بِهَا فِي حَيْضِهَا، أَوْ طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ؛ فَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرَّمٍ، وَيَقَعُ) في قَولِ عامَّتِهم؛ لأِنَّه ﵇ أمَرَ ابنَ عمرَ بالمراجَعة، وهي لا تكونُ إلاَّ بعدَ وُقوع الطَّلاق، وفي لفظٍ للدَّارقُطْنِيِّ قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ لو أنَّي طلَّقْتُها ثلاثًا؛ قال: «كانَتْ تبين (٣) منكَ، وتكون (٤) معصيةً» (٥)، وذَكَرَ في «الشَّرح» هذا الحديثَ مع غَيرِه، وقال: كلُّها أحاديثُ صِحاحٌ، ولأِنَّه طلاقٌ مِنْ مُكلَّفٍ في مَحَلِّه، فَوَقَعَ كطَلاقِ الحامِلِ، ولأِنَّه لَيسَ بقُربةٍ، فيُعتبَرَ

стр. 4680

لوقوعه موافقة (١) السُّنَّة، بل هو إزالةُ عِصْمةٍ وقَطْعُ مِلْكٍ، فإيقاعُه في زَمَنِ البِدعة أَوْلَى؛ تغليظًا عليه وعُقوبةً له. وفي «المحرر» (٢): وكذا أنتِ طالِقٌ في آخِرِ طُهرِكِ، ولم يَطَأْ فيه، وكلامُ الأكثرِ: أنَّه مُباحٌ، إلاَّ على روايةِ: القُروء الأطهار (٣)، وفي «التَّرغيب»: في تحمُّلها ماءَه في مَعْنَى وَطْءٍ. واختار الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه لا يَقَعُ (٤)، وهو قَولُ ابنِ عُلَيَّةَ، وهشامِ بن الحكم (٥)، والسَّبعة؛ لأِنَّ الله تعالى أمَرَ به قبلَ العِدَّة، فإذا طلَّقَ في غيره؛ لم يَقَعْ، كالوكيل إذا أوْقَعَه في زَمَنٍ أمَرَه مُوَكِّلُه بإيقاعه في غَيرِه. (وَتُسْتَحَبُّ رَجْعَتُهَا) في ظاهِرِ المذْهَبِ، وهو قَولُ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه ﵇ أمَرَ به ابنَ عمرَ (٦)، وأدْنَى أحوالِه الاِسْتِحْبابُ، ولأِنَّه طلاقٌ لا يَرتَفِعُ بالرَّجْعة، فلم تَجِبِ الرَّجْعةُ فيه؛ كالطَّلاق في طُهْرٍ أصابها فيه، فإنَّهم أجْمَعوا على أنَّ الرَّجْعةَ لا تَجِبُ فيه، حكاه ابنُ عبدِ البَرِّ عن الجميع (٧). (وَعَنْهُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ)، ذَكَرَها في «الموجز» و «التَّبصرة» و «التَّرغيب»، واختارها ابنُ أبي موسى؛ لظاهِرِ أمْرِه ﵇ بها، ولأِنَّ الرَّجْعةَ تَجْرِي مَجْرَى اسْتِبْقاءِ النِّكاح، وهو واجِبٌ، بدليلِ تحريمِ الطَّلاق. وعَنْهُ: تجب (٨) في حَيضٍ، اختاره في «الإرشاد» و «المبهج».

стр. 4681

وظاهِرُ كلامه: أنَّ الخِلافَ راجِعٌ إلى الصورتين (١)، ولَيسَ كذلك، فإنَّ الطَّاهِرَ (٢) المصابةَ فيه لا تَجِبُ رَجْعَتُها روايةً واحدةً، وتقدَّم حكايةُ الإجماع قبلَه، ولكِنْ يُستَحَبُّ؛ لأِنَّه طلاقُ بِدعةٍ، فاسْتُحِبَّ قَطْعُه بها؛ كطَلاقِ الحائض. فرعٌ: إذا علَّقه بقيامٍ، فقامَتْ حائضًا، ففي «الانتصار»: مُباحٌ، وفي «التَّرغيب»: بدعي (٣)، وفي «الرِّعايةِ»: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ، وذَكَرَ المؤلِّفُ: إنْ علَّقَه بقُدومه، فقدم (٤) في حَيضها؛ فبِدعةٌ، ولا إثْمَ. وكذا طلاقُها في الطُّهر المتعَقِّبِ للرَّجْعة بدعي (٥) في ظاهِرِ المذهب، وعنه: يجوزُ، واختار في «الترغيب»: ويَلزَمُه وَطْؤُها. (وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا)، وقِيلَ: أو اثنتين بكلمةٍ أوْ كلماتٍ، (فِي طُهْرٍ)، لم يُقيِّدْه في «الفروع»: (لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ؛ كُرِهَ)؛ للاختلاف في تحريمه، (وَفِي تَحْرِيمِهِ رِوَايَتَانِ): إحداهما: لا يَحرُمُ، ويكون تارِكًا للاختيار، واختارَه الخِرَقِيُّ، وهو قَولُ عبدِ الرَّحمن بنِ عَوفٍ، والحَسَنِ بنِ عليٍّ (٦)؛ لأِنَّ المُلاعِنَ طلَّق امرأتَه

стр. 4682

ثلاثًا (١) قبلَ أنْ يأمُرَه النَّبيُّ ﷺ ، وفي روايةٍ لأِبي داودَ: «فطلَّقَها ثلاثَ تَطْليقاتٍ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فأنْفَذَهُ» (٢)، ولم ينقل (٣) أنَّه ﵇ أنْكَرَه، ولو لم يكُنْ للسُّنَّة لَأنْكَرَه، فعليها: يُكرَهُ، ذَكَرَه جماعةٌ، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: هو طَلاقُ السَّنَّة (٤). والثَّانيةُ: يَحرُمُ، وهو بدعةٌ ويَقَعُ، اختاره الأكثرُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ … (١)﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ١]، ثُمَّ قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطّلَاق: ٢]، ومَنْ طلَّقَ ثلاثًا لم يَبْقَ له أمْرٌ يَحدُثُ، ولم يَجعَلْ له مَخرَجًا، وقد روى النَّسائِيُّ عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، قال: أُخْبِر رسول الله ﷺ عن رجلٍ طلَّق امرأتَه ثلاثَ تَطْليقاتٍ جميعًا، ثمَّ قال: «أيُلْعَبُ بكتاب الله تعالى وأنا بَينَ أظْهُرِكم» (٥)،

стр. 4683

ولأِنَّه ﵇ طلَّق (١) امرأتَه البَتَّةَ فغضب، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، ولأِنَّه تحريمٌ للبُضع (٣) من غير حاجةٍ، فحرم (٤) كالظِّهار، بل هذا أَوْلَى؛ لأِنَّ الظِّهارَ يَرتَفِعُ تحريمُه بالتَّكفير. والثالثة (٥): يَحرُم في الطُّهْر لا الأطهار (٦). وظاهِرُه: أنَّه إذا طلَّق اثْنَتَينِ فهو للسنة (٧)، وإنْ كان الجَمْعُ بِدعةً، وقال المجْدُ: هو كما لو جَمَعَ بَينَ الثَّلاثِ. مسألةٌ: إذا أوْقَعَ ثلاثًا في كَلِمةٍ واحِدةٍ؛ وَقَعَ الثَّلاثُ، رُوِيَ عن جماعةٍ من الصَّحابة (٨)، وهو قَولُ أكثرِ العلماء. وقال جماعةٌ: مَنْ طلَّق البِكْرَ ثلاثًا فهو واحِدةٌ.

стр. 4684

وحَكَى المحب (١) الطَّبَريُّ عن الحَجَّاج بنِ أرْطاةَ وابنِ مُقاتِلٍ: أنَّ طلاق (٢) الثَّلاث واحدةٌ، وأنْكَرَ النَّوَوِيُّ حِكايَتَه عن الحَجَّاج، وأنَّ (٣) المشهورَ

стр. 4685

عنه: أنَّه لا يَقَعُ شَيءٌ (١). وأوْقَعَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين مِنْ ثَلاثٍ مجموعة أو مفرَّقة (٢) قبلَ رَجْعةٍ واحدةً، وقال: إنَّه لا يَعلَمُ أحدًا فرَّق بَينَ الصُّورَتَينِ، ولم يُوقِعْه على حائضٍ (٣)، وِفاقًا لاِبْنِ عَقِيلٍ في «الواضح»؛ لأِنَّ النَّهْيَ للفَساد، ولا في طُهْرٍ وَطِئَ فيه. وقال عن قَولِ عمرَ في إيقاع الثَّلاث (٤): إنَّما جَعَلَه لإكِثارِهم منه، فعاقَبَهم على الإكْثارِ منه لَمَّا عَصَوْا بجَمْعِ الثَّلاثِ، فيكونُ عقوبةَ مَنْ لم يَتَّقِ الله من التَّعزير الذي يَرجِعُ إلى اجْتِهادِ الأئمَّة، كالزِّيادة على الأربعينَ في حدِّ الخَمْر لمَّا أكْثَرَ النَّاسُ منه وأظْهَرُوهُ، ساغت (٥) الزِّيادةُ عُقوبةً، ثمَّ هذه (٦) العقوبة إن (٧) كانَتْ لازِمَةً مُؤبَّدةً؛ كانَتْ حدًّا (٨)، وإنْ كان المرْجِعُ إلى اجْتِهادِ الإمام؛ كان تعزيرًا. (وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً، أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، أَوْ حَامِلاً قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا؛ فَلَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا، وَلَا بِدْعَةَ)، هذا هو المذهب، وقاله في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ أيْ: مِنْ حيثُ الوقت. وقَولُه: (إِلاَّ فِي الْعَدَدِ)؛ أيْ: يَثْبُتانِ مِنْ جِهَة العدد، هذا روايةٌ عن أحمدَ. وحاصِلُه: أنَّ طلاقَ السُّنَّة إنَّما هو للمَدْخولِ بها؛ لأِنَّ غَيرَ المدخول بها

стр. 4686

لا عدَّةَ عليها، وكذا الصغيرةُ (١) والآيِسةُ، عِدَّتها (٢) بالأَشْهُر، فلا تَحصُلُ الرِّيبةُ، والحامِلُ التي اسْتَبانَ حَمْلُها عِدَّتُها بِوَضْع الحَمْلِ، ولا رِيبةَ؛ لأِنَّ حَمْلَها قد اسْتَبانَ، وإنَّما شَرَطَه؛ لأنَّها (٣) لو كانَتْ حامِلاً ولم يَسْتَبِنْ حَمْلُها، فطلقها (٤) ظنًّا أنَّها حائلٌ، ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلُها؛ ربَّما نَدِمَ على ذلك. وحَكَى في «المغْنِي»: أنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ قال: لا خِلافَ بَينَ أهلِ العلم أنَّ الحامِلَ طلاقُها للسُّنَّة (٥). قال ابنُ المنجَّى: وفِيما قالَه المؤلِّفُ نَظَرٌ، مِنْ حيث (٦) إنَّ السَّنَّةَ ما وافَقَ أمْرَ الله ورسولِه، ومَن طلَّقَ أحدَ هؤلاء، فقد وافَقَ طلاقُه ذلك؛ لأِنَّ في حديثِ ابنِ عمرَ: «ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طاهِرًا أَوْ حامِلاً» رواهُ مسلِمٌ (٧)، والطَّلاق في الطُّهر سُنَّةٌ، فكذا في الحَمْل، لكِنَّ الحامِلَ التي اسْتَبانَ حَمْلُها قد دَخَلَ على بصيرةٍ، فلا يَخافُ ظُهورَ أمْرٍ يتجدَّدُ به النَّدَمُ، ولَيسَتْ بِمُرْتابةٍ لِعَدَمِ اشتباه (٨) الأمر. ونَقَلَ ابنُ مَنصورٍ: لا يُعجِبُنِي أنْ يُطلِّقَ حائضًا لم يَدخُلْ بها (٩). وعنه: سُنَّةُ الوقت تثبت (١٠) لحاملٍ، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، فلو قال لها: أنْتِ

стр. 4687

طالِقٌ للبِدعةِ، طَلَقَتْ بالوَضْع. وعلى الأُولَى: لَوْ قالَ لإحداهن (١): أنتِ طالِقٌ للسُّنَّة طَلْقةً، وللبِدعة طَلْقةً؛ وَقَعَتا، ويُدَيَّنُ في غَيرِ آيسة (٢) إذا صارِتْ من أهلِ ذلك، وفي الحُكم وجْهانِ. تنبيهٌ: إذا قال لِصغيرةٍ أوْ غَيرِ مَدْخولٍ بها: أنتِ طالِقٌ للبدعة، ثُمَّ قال: أردتُ إذا حاضَت الصَّغيرة، أوْ أصيبت (٣) غيرُ المدخول بها؛ دُيِّنَ، والأشْبَهُ بالمذهب: أنَّه يُقبَلُ في الحُكم. فإنْ قال في طُهْرٍ جامَع فيه: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّة، فيَئِستْ من المحيض (٤)؛ لم تَطلُق، وكذا إن اسْتَبانَ حَمْلُها، إلاَّ على قَولِ مَنْ جَعَلَ طلاقَ الحائض طلاقَ سنَّةٍ، فيَقَعُ. (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، أَوْ قَالَ: لِلْبِدْعَةِ؛ طَلَقَتْ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّه وَصَفَها بما لا تتَّصِفُ به، فَلَغَت الصِّفةُ، وبَقِيَ قَوله: أنتِ طالِقٌ، وذلك يُوجِبُ وُقوعَ الطَّلاق في الحال، وأنْ تكون (٥) واحدةً؛ لأِنَّ ما زاد عليها غَيرُ مَلْفوظٍ به ولا مَنْوِيٍّ. وكذا قَولُه: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّة والبِدعة، أوْ: أنتِ (٦) طالِقٌ لا للسُّنَّة ولا للبِدعة. (وَإِنْ قَالَ لِمَنْ لَهَا سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ؛

стр. 4688

طَلَقَتْ فِي الْحَالِ وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ مَعْنَى السُّنَّة: في وَقْت السُّنَّة، وذلك وَقْتُها، (وَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا؛ طَلَقَتْ إِذَا طَهَرَتْ)؛ لأِنَّ الصِّفةَ قد وُجِدتْ. (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ؛ طَلَقَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّ ذلك هو وَقْتُ السُّنَّة في حقِّها، لا سُنَّةَ لها (٢) قَبْلَها. فرعٌ: إذا قال لها: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، نصفُها للسُّنَّة، ونِصفُها للبدعة؛ طَلَقَت في الحال طَلْقَتَينِ، والثَّالثةَ في ضدِّ حالها الرَّاهنة، قاله (٣) القاضي. وإنْ نَوَى تأخير (٤) اثنتَينِ؛ ففي الحُكم (٥) وجْهانِ. وقال ابنُ أبي موسى: تَطلُقُ ثلاثًا في الحال؛ لتَبْعيضِ كلِّ طَلْقةٍ. فإنْ قال لطاهِرٍ: أنتِ طالِقٌ للبدعة؛ فقيلَ: تَلْغُو الصِّفةُ ويَقَعُ الطَّلاق (٦). فإنْ قال لحائضٍ: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّة في الحال؛ لَغَت الصِّفَة، وَوَقَعَ الطَّلاقُ. وإنْ قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا للسُّنَّة وثلاثًا للبدعة؛ طَلَقَتْ ثلاثًا في الحال. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ، وَهِيَ حَائِضٌ، أَوْ فِي (٧) طُهْرٍ أَصَابَهَا فِيهِ؛ طَلَقَتْ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّ ذلك هو وَقْتُ البدعة، ويَنزِع في الحال إنْ كان ثلاثًا، فإنْ بَقِيَ؛ حُدَّ عالِمٌ، وعُزِّر جاهِلٌ. (وَإِنْ كَانَتْ فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ؛ طَلَقَتْ إِذَا أَصَابَهَا، أَوْ حَاضَتْ)؛ لأِنَّ

стр. 4689

كلَّ واحِدٍ منهما وقتٌ للبدعة، فأيُّهما سَبَقَ؛ وَقَعَ الطَّلاقُ فيه؛ عَمَلاً بقوله: للبدعة. (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا فِي) أوَّلِ (طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ فِي إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو المنصوصُ (٢)؛ لأِنَّ جَمْعَ الثَّلاثِ سُنَّةٌ على روايةٍ، ويَقَعُ فِيمَا ذَكَرْنا؛ لأِنَّ ذلك حِينَئِذٍ سُنَّةٌ، وإنْ كانَتْ حائضًا؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا إذا طَهُرَتْ. (وَفِي الْأُخْرَى: تَطْلُقُ فِيهِ)؛ أيْ: في طُهْرٍ لم يُصِبْها فيه (وَاحِدَةٌ، وَتَطْلُقُ (٣) الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي طُهْرَيْنِ فِي نِكَاحَيْنِ)، أوْ بعدَ رَجْعتَينِ إنْ عادَتْ إليه، (إِنْ أَمْكَنَ)؛ لأِنَّها لو بانَتْ منه ولم تَعُدْ إليه؛ لم يُمكِنْ إيقاعُ الطَّلاق في النِّكاح؛ لِعَدَمِه. وعَنْهُ: تَطلُقُ ثلاثًا في ثلاثةِ أطْهارٍ لم يُصِبْ فيها. فإنْ قال: أردتُ بقَولي للسُّنَّة؛ إيقاعَ واحدةٍ في الحال (٤)، واثنتَينِ في نِكاحَينِ آخَرَينِ؛ قُبِلَ منه. وإنْ قال: أردتُ أنْ يَقَعَ في كلِّ قُرءٍ (٥) طَلْقةٌ؛ دُيِّنَ، وفي الحُكم وَجْهانِ. فرعٌ: مَنْ نكاحُها فاسِدٌ؛ جاز طلاقُها في الحيض. وإنْ قال: إنْ دخلتِ الدَّار فأنتِ طالِقٌ، فدخَلَتْ وهي حائضٌ؛ فهل هو للسُّنَّة، أو للبدعة (٦)؟ قال ابنُ حمدانَ: يَحتَمِلُ وجهين (٧).

стр. 4690

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ قُرْءٍ (١) طَلْقَةً، وَهِيَ مِنَ اللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ؛ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَحِيضَ، فَتَطْلُقُ فِي كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةً)، الأشَهَرُ عندَنا: أنَّ القُروءَ الحِيَض (٢)، فإنْ كانَتْ مِنْ ذَوات القروء (٣)؛ وقعَ بها واحدةٌ في الحال، ويَقَعُ بها طَلْقتانِ في قُرْأيْنِ آخَرَينِ في أوَّلهما، سُواءٌ قُلْنا: القروء (٤) الحَيضُ أو الأطهار (٥)، وسواءٌ كانت مَدخولاً بها أوْ لا، إلاَّ أنَّ غَيرَ المدخول بها تَبِينُ بالأُولى، فإنْ تزوَّج بها (٦)؛ وَقَعَ في القُرْء الثَّاني طلقةٌ أخرى، وكذا الحكم في الثَّالثة. (وَإِنْ قُلْنَا: القُرُوءُ (٧) الْأَطْهَارُ؛ فَهَلْ تَطْلُقُ طَلْقَةً فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أشْهَرُهما: تَطلُقُ طلقةً في الحال؛ لأِنَّ الطُّهرَ قبلَ الحَيض كله قرءٌ (٨) واحد، فعلى هذا: لا فَرْقَ بَينَ كَونها من اللاَّئِي لم يَحِضْنَ أوْ لا. والثَّاني: لا؛ لأِنَّ القُرْءَ هو الطُّهرُ بَينَ الحَيضَتَينِ، ولذلك لم يَحنَثْ (٩) بالطُّهر قبلَ الحيض من (١٠) عدَّة الصَّغيرة في وَجْهٍ، وإنْ لم يكُنْ قُرْءًا؛ لم تَطلُقْ فيه، فعلى هذا: يَحصُلُ الفَرْقُ بَينَ مَنْ حاضَتْ ومن (١١) لم تَحِضْ.

стр. 4691

(وَيَقَعُ بِهَا (١) الْبَاقِي فِي (٢) الْأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ)؛ لأِنَّ الطُّهرَ قبلَ الحيض كلُّه قُرْءٌ واحدٌ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ، وَأَجْمَلَهُ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ السُّنِّيَّ أحسنُ الطَّلاق وأجْمَلُه، كقَوله: أعْدَلَه، وأكْمَلَه، وأفْضَلَه. (وَإِنْ قَالَ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ وَأَسْمَجَهُ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ البِدْعيَّ أقبحُ الطَّلاق وأسْمَجُه؛ أيْ: تَطلُقُ في المَوضِع الذي تَطلُق فيه إذا قال: أنتِ طالِقٌ للبدعة. وظاهِرُه: أنَّها تَطلُقُ في الحيض، أو في طُهْرٍ أصابها فيه (٣)؛ لأِنَّ ذلك زمن (٤) البدعة، وفيه شيءٌ؛ لأِنَّها لا تَطلُقُ إلاَّ في الحيض فقط، وصرَّح به في «الخلاصة»؛ كقوله: أفْحَشَ الطَّلاق، أو أرْدَأَه، أوْ أَنْتَنَه (٥)، فإنْ كان في وقت بدعةٍ، وإلاَّ وُقِفَ إلى زمانها. وفي «المحرَّر»: فهو ثلاثٌ إنْ قُلْنا: جمعُه بدعةٌ، وحكاه في «الشَّرح» عن أبي بكرٍ، ثمَّ قال: وينبغي أنْ يقع (٦) الثَّلاث في وقت البدعة؛ ليكون جامِعًا لبدعيِّ الطَّلاق. وفي «الفصول»: وعِنْدِي يَجِبُ أنْ تقع (٧) الثَّلاث في الحيض (٨) أو الطُّهر

стр. 4692

المجامَعِ فيه؛ لأِنَّه أفْحَش؛ لِمَا فيه من اجتماعِ الضِّيق على النَّفس، وقطعِ الرَّجعة والعَود بنكاحٍ جديدٍ، وفيه تطويلُ العدَّة، فمتى أوْقَعْنا ثلاثًا في طُهْرٍ؛ كان فاحشًا، لكِنْ هناك ما هو أفْحَشُ، فما أعْطَينا اللَّفظةَ حقَّها، ألَا تَرَى أنَّه لو قال: عندي أجْوَدُ نقدٍ (١)، ثُمَّ فسَّره بشيءٍ فَوقَه أجودُ منه؛ لم يُقبَلْ. فإنْ قال: أردتُ طلاقَ السُّنَّة؛ ليتأخَّرَ الطَّلاقُ عن نفسه إلى زمن السُّنَّة؛ لم يُقبَلْ في الأشْهَر؛ لأِنَّ لفظَه لا يَحتَمِلُه. (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ: أَحْسَنَ أَحْوَالِكِ (٢) أَوْ أَقْبَحَهَا أَنْ (٣) تَكُونَ (٤) مُطَلَّقَةً؛ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّ أنتِ طالِقٌ يقتَضِي وقوعَه في الحال، وإنَّما تأخَّر إلى زمن السُّنَّة؛ كعكسه، فيَجِب أنْ يَقَعَ في الحال؛ عملاً بالمقتَضي السَّالم عن المعارِض. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبَيحَةً (٥)؛ طَلَقَتْ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّه وَصَفَها بصفتَينِ مُتضادَّتَينِ، فَلَغَتَا، وبَقِيَ مُجرَّد الطَّلاق، فوقع. فإنْ قال: إنَّها حسنةٌ لكَونِها في زمان السُّنَّة، وقُبْحها (٦) لإضْرارها بكِ، أوْ قال: إنَّها حسنةٌ؛ ليتخلَّص من شَرِّكٍ، وقُبْحُه لكونها في زمان البدعة، كان (٧) ذلك يُؤخِّر (٨) وقوع الطَّلاق عنه؛ دُيِّن، وفي الحُكْم وَجْهانِ. مسألةٌ: يُباحُ الخُلع والطلاق (٩) بسؤالها في زَمَنِ البدعة. وقيل: هو بدعةٌ.

стр. 4693

وتَنقَضِي بِدْعَتُها بانْقِطاعِ الدَّمِ. وقِيلَ: بالغُسْل، لأِثَرٍ رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١). والنِّفاسُ كالحيض.

стр. 4694

(بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ) إنَّما انْقَسَمَ إلَيهِما؛ لأنَّه (١) لإزالة ملْكِ النِّكاح، فكان له صريحٌ وكِنايةٌ؛ كالعتق، والجامِعُ بَينَهما الإزالةُ. فالصَّريحُ: هو الذي يُفِيدُ حُكمَه من غير انضمام شيءٍ إليه، وعكسه: الكنايةُ، ويَدُلُّ على معنى الصَّريح. وعُلِمَ منه: أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بغير لفظٍ، فلو نواه بقلبه من غير لفظٍ؛ لم يَقَعْ، خلافًا لاِبنِ سِيرِينَ والزُّهريِّ، ورُدَّ: بقَوله ﵇: «إنَّ الله تَجاوَزَ لأِمَّتِي عمَّا (٢) حَدَّثت به أنفسَها، ما لم تَعْمَلْ أوْ تكلَّمْ به» متَّفقٌ عليه (٣)، ولأِنَّه إزالةُ ملكٍ، فلم يحصل (٤) بمجرَّد النِّيَّة؛ كالعتق. وكذا إنْ نَواهُ بقلبه، وأشار بأصبعه لم يَقَعْ، نَصَّ عليه؛ لأِنَّه ليس بصريحٍ ولا كنايةٍ. (وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ)، بغَيرِ أمْرٍ ومضارعٍ، (فِي الصَّحِيحِ (٥) عَنْهُ)؛ لأِنَّه مَوضوعٌ له على الخصوص، ثَبَتَ له عُرْفُ الشَّارع والاستعمال (٦)، فلو قال: أنتِ طالِقٌ، أو الطلاق (٧)، أو طلَّقْتُك، أو مطلَّقةً؛ فهو صريحٌ.

стр. 4695

وعنه في «أنتِ مطلَّقةٌ»: لَيسَ بصريحٍ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يريدَ طلاقًا ماضيًا. وقيل: وطلَّقتكِ كنايةٌ. قال في «الفروع»: (فيتوجَّه: أنَّه (١) يَحتَمِلُ الإنشاءَ والخَبَرَ. وعلى الأوَّل: هو إنشاءٌ، وذكر القاضي في مسألة الأمر: أنَّ العُقودَ الشَّرعيَّةَ بلفظِ الماضي إخبار، وقال شَيخُنا: هذه الصِّيَغُ إنْشاءٌ من حَيثُ إنَّها أثبتت (٢) الحكمَ وبها (٣) تمَّ، وهي إخبارٌ لدلالتها على المعنى الَّذي في النَّفس) (٤). وهذا (٥) الَّذي ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ اختاره ابنُ حامِدٍ، وقدَّمه ابنُ حمدانَ والجَدُّ، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجزم به المتأخِّرونَ؛ لأِنَّ الفِراقَ والسَّراحَ يُسْتَعْمَلانِ في غير الطَّلاق كثيرًا، فلم يكونا صريحَينِ فيه؛ كسائر كناياته؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا … (١٠٣)﴾ الآية [آل عِمرَان: ١٠٣]، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … (٤)﴾ الآية [البَيّنَة: ٤]. وأمَّا قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، فليس المرادُ به الطَّلاق؛ إذ الآيةُ في الرَّجعيَّة، وهي إذا قاربت (٦) انقضاء عدَّتها، فإمَّا أنْ يُمْسِكَها برجعةٍ، وإمَّا أنْ تُتْرَك حتَّى تَنقضِيَ عدتها فتُسرَّح، فالمراد بالتَّسريح في الآية قريبٌ من معناها اللُّغويِّ، وهو الإرسالُ. تنبيهٌ: إذا كان اسمُها طالِقًا، فقال: يا طالِقُ، ولم يُرِدْ طَلاقَها، أو أراد
следующие страницы →