← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

(وَيَقَعُ بِهَا (١) الْبَاقِي فِي (٢) الْأَطْهَارِ الْبَاقِيَةِ)؛ لأِنَّ الطُّهرَ قبلَ الحيض كلُّه قُرْءٌ واحدٌ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ، وَأَجْمَلَهُ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ السُّنِّيَّ أحسنُ الطَّلاق وأجْمَلُه، كقَوله: أعْدَلَه، وأكْمَلَه، وأفْضَلَه. (وَإِنْ قَالَ: أَقْبَحَ الطَّلَاقِ وَأَسْمَجَهُ؛ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَةِ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ البِدْعيَّ أقبحُ الطَّلاق وأسْمَجُه؛ أيْ: تَطلُقُ في المَوضِع الذي تَطلُق فيه إذا قال: أنتِ طالِقٌ للبدعة. وظاهِرُه: أنَّها تَطلُقُ في الحيض، أو في طُهْرٍ أصابها فيه (٣)؛ لأِنَّ ذلك زمن (٤) البدعة، وفيه شيءٌ؛ لأِنَّها لا تَطلُقُ إلاَّ في الحيض فقط، وصرَّح به في «الخلاصة»؛ كقوله: أفْحَشَ الطَّلاق، أو أرْدَأَه، أوْ أَنْتَنَه (٥)، فإنْ كان في وقت بدعةٍ، وإلاَّ وُقِفَ إلى زمانها. وفي «المحرَّر»: فهو ثلاثٌ إنْ قُلْنا: جمعُه بدعةٌ، وحكاه في «الشَّرح» عن أبي بكرٍ، ثمَّ قال: وينبغي أنْ يقع (٦) الثَّلاث في وقت البدعة؛ ليكون جامِعًا لبدعيِّ الطَّلاق. وفي «الفصول»: وعِنْدِي يَجِبُ أنْ تقع (٧) الثَّلاث في الحيض (٨) أو الطُّهر

стр. 4692

المجامَعِ فيه؛ لأِنَّه أفْحَش؛ لِمَا فيه من اجتماعِ الضِّيق على النَّفس، وقطعِ الرَّجعة والعَود بنكاحٍ جديدٍ، وفيه تطويلُ العدَّة، فمتى أوْقَعْنا ثلاثًا في طُهْرٍ؛ كان فاحشًا، لكِنْ هناك ما هو أفْحَشُ، فما أعْطَينا اللَّفظةَ حقَّها، ألَا تَرَى أنَّه لو قال: عندي أجْوَدُ نقدٍ (١)، ثُمَّ فسَّره بشيءٍ فَوقَه أجودُ منه؛ لم يُقبَلْ. فإنْ قال: أردتُ طلاقَ السُّنَّة؛ ليتأخَّرَ الطَّلاقُ عن نفسه إلى زمن السُّنَّة؛ لم يُقبَلْ في الأشْهَر؛ لأِنَّ لفظَه لا يَحتَمِلُه. (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ: أَحْسَنَ أَحْوَالِكِ (٢) أَوْ أَقْبَحَهَا أَنْ (٣) تَكُونَ (٤) مُطَلَّقَةً؛ فَيَقَعُ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّ أنتِ طالِقٌ يقتَضِي وقوعَه في الحال، وإنَّما تأخَّر إلى زمن السُّنَّة؛ كعكسه، فيَجِب أنْ يَقَعَ في الحال؛ عملاً بالمقتَضي السَّالم عن المعارِض. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً قَبَيحَةً (٥)؛ طَلَقَتْ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّه وَصَفَها بصفتَينِ مُتضادَّتَينِ، فَلَغَتَا، وبَقِيَ مُجرَّد الطَّلاق، فوقع. فإنْ قال: إنَّها حسنةٌ لكَونِها في زمان السُّنَّة، وقُبْحها (٦) لإضْرارها بكِ، أوْ قال: إنَّها حسنةٌ؛ ليتخلَّص من شَرِّكٍ، وقُبْحُه لكونها في زمان البدعة، كان (٧) ذلك يُؤخِّر (٨) وقوع الطَّلاق عنه؛ دُيِّن، وفي الحُكْم وَجْهانِ. مسألةٌ: يُباحُ الخُلع والطلاق (٩) بسؤالها في زَمَنِ البدعة. وقيل: هو بدعةٌ.

стр. 4693

وتَنقَضِي بِدْعَتُها بانْقِطاعِ الدَّمِ. وقِيلَ: بالغُسْل، لأِثَرٍ رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١). والنِّفاسُ كالحيض.

стр. 4694

(بَابُ صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ) إنَّما انْقَسَمَ إلَيهِما؛ لأنَّه (١) لإزالة ملْكِ النِّكاح، فكان له صريحٌ وكِنايةٌ؛ كالعتق، والجامِعُ بَينَهما الإزالةُ. فالصَّريحُ: هو الذي يُفِيدُ حُكمَه من غير انضمام شيءٍ إليه، وعكسه: الكنايةُ، ويَدُلُّ على معنى الصَّريح. وعُلِمَ منه: أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بغير لفظٍ، فلو نواه بقلبه من غير لفظٍ؛ لم يَقَعْ، خلافًا لاِبنِ سِيرِينَ والزُّهريِّ، ورُدَّ: بقَوله ﵇: «إنَّ الله تَجاوَزَ لأِمَّتِي عمَّا (٢) حَدَّثت به أنفسَها، ما لم تَعْمَلْ أوْ تكلَّمْ به» متَّفقٌ عليه (٣)، ولأِنَّه إزالةُ ملكٍ، فلم يحصل (٤) بمجرَّد النِّيَّة؛ كالعتق. وكذا إنْ نَواهُ بقلبه، وأشار بأصبعه لم يَقَعْ، نَصَّ عليه؛ لأِنَّه ليس بصريحٍ ولا كنايةٍ. (وَصَرِيحُهُ: لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ)، بغَيرِ أمْرٍ ومضارعٍ، (فِي الصَّحِيحِ (٥) عَنْهُ)؛ لأِنَّه مَوضوعٌ له على الخصوص، ثَبَتَ له عُرْفُ الشَّارع والاستعمال (٦)، فلو قال: أنتِ طالِقٌ، أو الطلاق (٧)، أو طلَّقْتُك، أو مطلَّقةً؛ فهو صريحٌ.

стр. 4695

وعنه في «أنتِ مطلَّقةٌ»: لَيسَ بصريحٍ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يريدَ طلاقًا ماضيًا. وقيل: وطلَّقتكِ كنايةٌ. قال في «الفروع»: (فيتوجَّه: أنَّه (١) يَحتَمِلُ الإنشاءَ والخَبَرَ. وعلى الأوَّل: هو إنشاءٌ، وذكر القاضي في مسألة الأمر: أنَّ العُقودَ الشَّرعيَّةَ بلفظِ الماضي إخبار، وقال شَيخُنا: هذه الصِّيَغُ إنْشاءٌ من حَيثُ إنَّها أثبتت (٢) الحكمَ وبها (٣) تمَّ، وهي إخبارٌ لدلالتها على المعنى الَّذي في النَّفس) (٤). وهذا (٥) الَّذي ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ اختاره ابنُ حامِدٍ، وقدَّمه ابنُ حمدانَ والجَدُّ، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجزم به المتأخِّرونَ؛ لأِنَّ الفِراقَ والسَّراحَ يُسْتَعْمَلانِ في غير الطَّلاق كثيرًا، فلم يكونا صريحَينِ فيه؛ كسائر كناياته؛ لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا … (١٠٣)﴾ الآية [آل عِمرَان: ١٠٣]، ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ … (٤)﴾ الآية [البَيّنَة: ٤]. وأمَّا قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، فليس المرادُ به الطَّلاق؛ إذ الآيةُ في الرَّجعيَّة، وهي إذا قاربت (٦) انقضاء عدَّتها، فإمَّا أنْ يُمْسِكَها برجعةٍ، وإمَّا أنْ تُتْرَك حتَّى تَنقضِيَ عدتها فتُسرَّح، فالمراد بالتَّسريح في الآية قريبٌ من معناها اللُّغويِّ، وهو الإرسالُ. تنبيهٌ: إذا كان اسمُها طالِقًا، فقال: يا طالِقُ، ولم يُرِدْ طَلاقَها، أو أراد

стр. 4696

طلاقَها ثلاثًا، فماتَتْ بعدَ قوله: «أنت»؛ لم يَقَعْ، وإنْ ماتت بعد «طالق» وقَبْل (١) قولِه: ثلاثًا؛ وقع الثلاث، وقيل: بل طلقةٌ، ذَكَرَه ابنُ حَمْدانَ. فرعٌ: إذا فتح (٢) تاء (أنت)؛ طلقتْ، خلافًا لأبي بكرٍ وأبي الوفاء، ويتوجَّه على الخلاف: لو قال (٣) لِمَنْ قال لها: كلَّما قلتِ لي قَولاً ولم أقل لكِ مثلَه فأنتِ طالِقٌ، فقال لها مثلَه؛ طَلَقَتْ، ولو علَّقه، ولو كسر التَّاء؛ تَخَلَّص وبقي معلَّقًا، ذكره ابن عقيلٍ، قال: وله جوابٌ آخَرُ يقوله (٤) بفتح التَّاء، فلا يجب، قال ابن الجَوزيِّ: وله التَّمادِي إلى قبيل الموت، وقِيلَ: لا يَقَعُ شَيءٌ؛ لأِنَّ استثناء (٥) ذلك معلومٌ، فزوجتَك (٦) بفتحٍ ونحوه يتوجَّه مثلُه، وصحَّحه المؤلِّفُ، وقيل: مِنْ عامِّيٍّ، وفي «الرعاية»: يصحُّ جهلاً أوْ عجزًا، وإلاَّ احتمل (٧) وجهَينِ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ)، وأبو بكرٍ، ونَصَرَه القاضي وغيرُه، وفي «الواضح»: اختاره الأكثرُ: (صَرِيحُهُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ) إجماعًا (٨)، (وَالْفِرَاقُ، وَالسَّرَاحُ)؛ كالطَّلاق؛ لورودهما في الكتاب العزيز؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولقوله (٩) تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطّلَاق: ٢]، ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا … (١٣٠)﴾ الآية [النِّسَاء: ١٣٠] (١٠)؛

стр. 4697

ولقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً﴾ [الأحزَاب: ٢٨]، ولأِنَّهما فُرقةٌ بَينَ الزَّوجَينِ، فكانا صريحَينِ فيه؛ كلفظ الطَّلاق، (وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُنَّ)؛ كالمتصرِّف من الطَّلاق. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه لا يصحُّ القياسُ على لفظ الطَّلاق، فإنَّه مختصٌّ بذلك سابق إلى الأفهام من غير قرينةٍ ولا دلالةٍ. (فَمَتَى أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ؛ وَقَعَ، نَوَاهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ)، بغَيرِ خلافٍ (١)، ذَكَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ سائرَ الصَّرائح لا تَفتَقِرُ إلى نيَّةٍ، فكذا صريحُ الطَّلاق، سواءٌ كان ذلك جِدًّا أوْ هازِلاً، حكاه ابن المنذر إجماعَ مَنْ يَحفَظ عنه (٢)، وسَنَدُه ما روى أبو هريرة مرفوعًا: «ثَلاثٌ جِدُّهنَّ جِدٌّ وهَزْلُهنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعةُ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذي، وقال: حسنٌ غريبٌ (٣). وعنه: أنَّ الصريح يفتقر إلى نية أو دلالة حال، من غضب (٤)، أو محاورة في كلام (٥).

стр. 4698

(وَإِنْ نَوَى (١) بِقَلْبِهِ (٢): أَنْتِ (٣) طَالِقٌ مِنْ وثَاقٍ)، هو بكسر الواو وفَتْحِها: ما يُوثَقُ به الشَّيءُ مِنْ حَبْلٍ ونحوِه، (أَوْ أَرَادَ أَنْ يَقَولَ (٤): طَاهِرٌ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ) فقال: طالِقٌ؛ لأِنَّ ذلك جارٍ مَجْرَى لفظِ الحاكِي، (أَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: مُطَلَّقَةٌ (٥) مِنْ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ؛ لَمْ تَطْلُقْ)؛ لأِنَّه قَصَدَ عدمَ إيقاعِ طلاقِها، فَوَجَبَ ألاَّ يَقَعَ، كما لو اتَّصل بكلامه: أنتِ طالِقٌ من وثاقٍ. (وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ؛ دُيِّنَ) باطِنًا؛ لأِنَّه أعلمُ بما أراد، ولا يُمكِنُ الاِطِّلاعُ على ذلك إلاَّ من جهته. وعنه: لا؛ كهازِلٍ على الأصحِّ. (وَهَلْ تُقْبَلُ (٦) دَعْوَاهُ (٧) فِي الْحُكْمِ) ولا قرينةَ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أحدهما: تقبل (٨)، وهو ظاهِرُ كلامه؛ لأِنَّه فسَّر كلامَه بما يَحتَمِلُه احْتِمالاً غيرَ بعيدٍ، فقُبِلَ، كما لو كرَّر لفظَ الطَّلاقِ، وأراد بالثَّانية التَّأكيدَ. والثَّانية، وهي الأشْهَرُ، وقدَّمها في «الرعاية»: أنَّه لا يُقبَلُ؛ لأنَّه (٩) خلافُ ما (١٠) يقتضيه الظَّاهر في العُرْف، فلم يُقبَلْ في الحكم، كما لو أقرَّ بعَشَرةٍ، ثُمَّ قال: زُيوفًا، أوْ إلى شهرٍ.

стр. 4699

(إِلاَّ) على الأولى (١): (أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْغَضَبِ، أَوْ بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ؛ فَلَا يُقْبَلُ)؛ لأِنَّه خالف (٢) الظَّاهِرَ من جهتَينِ: مُقتَضَى اللَّفظ، ودلالة الحال. (وَفِيمَا إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّها مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلِي؛ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يُقْبَلُ إِنْ كَانَ وُجِدَ)؛ لأِنَّ كلامَه يَحتَمِلُ الصِّدْقَ، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: لا يُقبَلُ إنْ لم يكُنْ وُجِدَ؛ لأِنَّه لا يَحتَمِلُه، وكذا قيل (٣): لو قال: طلقتها (٤)، ثُمَّ قال: في نكاحٍ آخَرَ، وقِيلَ: إنْ لم يُرفع (٥) إلى حاكم. فلو ادَّعى أنَّه كان هازِلاً؛ فالأظْهَرُ: أنَّه لا يُدَيَّنُ هو، ولا سكران، كما لا يُقبَلُ منهما في الحكم. فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ، ثُمَّ قال: أردتُ إنْ قمتِ؛ قُبِلَ، وقِيلَ: لا، ويتوجَّه (٦) مثلُه: إنْ علَّقه بشرطٍ شَهِدَتْ به بيِّنةٌ، وادَّعى (٧) أنَّ معه شرطًا آخَرَ، وأوْقَعَه في «الفنون» وغيره؛ لأِنَّه لا يُقبَلُ قَولُ الإنسان في ردِّ شاهدَينِ، كما لو أقرَّ أنَّه وكيلُ فلانٍ ببيعٍ، ثُمَّ ادَّعى عَزْلاً أوْ خِيارًا. (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ، قَالَ: نَعَمْ، وَأَرَادَ الْكَذِبَ؛ طَلَقَتْ) وإنْ لم ينوِ؛ لأِنَّ «نعم» صريحٌ في الجواب، والجوابُ الصَّريحُ للَّفْظ الصريحِ صريحٌ، ولأِنَّه لو قال: عليكَ ألْفٌ، قال: نعم؛ وجبتْ. فلو قيل له: طَلَّقْتَ امرأتَك؛ فقال: قد كان بعضُ ذلك، وقال: أردتُ

стр. 4700

الإيقاعَ؛ وقَعَ، وإنْ قال: أردتُ أنَّي عَلَّقْتُ طلاقَها بشرطٍ؛ قُبِلَ. ولو قِيلَ له: أخْلَيْتَها؟ قال: نَعَمْ؛ فكنايةٌ. (وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ، قَالَ: لَا، وَأَرَادَ الْكَذِبَ؛ لَمْ تَطْلُقْ (١)؛ لأِنَّ قَولَه: ما لِي امرأةٌ؛ كنايةٌ تفتقر (٢) إلى نيَّة الطَّلاق، فإذا نوى الكذب (٣) فما نَوَى الطَّلاقَ، فلم يَقَعْ. وقِيلَ: تَطلُقُ في الحكم؛ كقوله: كنتُ طلَّقْتُها. وهكذا إذا نَوَى أنَّه لَيسَ لي امْرأةٌ تَخدُمُنِي أو تُرْضِينِي، أوْ لا (٤) امْرأةَ لي، أو لم (٥) يَنْوِ شيئًا لم تَطلُق؛ لعدم النِّيَّة المشترَطة في الكِناية. فرعٌ: مَنْ شُهِد عليه بطلاقِ ثلاثٍ، ثُمَّ أُفتي بأنَّه لا شيءَ عليه؛ لم يؤاخَذْ بإقراره؛ لمعرفة مستَنَده، ويُقبَل بيمينه أنَّ مستَندَه في إقراره ذلك ممَّن (٦) يَجهَله مثله، ذكره الشَّيخ تقيُّ الدِّين (٧)، واقْتَصَر عليه في «الفروع». (وَإِنْ لَطَمَ (٨) امْرَأَتَهُ)، أوْ أخْرَجَها من دارها، أو ألْبَسَها ثَوبًا، أوْ قَبَّلها، وقال: هذا طلاقُك؛ طَلَقَتْ إنْ نَواهُ؛ لأِنَّه كنايةٌ، والمنصوصُ: أنَّه صريحٌ (٩)، فيَقَعُ مطلَقًا. قال أصحابُنا: وعلى قياسه: (أَوْ (١٠) أَطْعَمَهَا أَوْ سَقَاهَا، وَقَالَ: هَذَا

стр. 4701

طَلَاقُكِ؛ طَلَقَتْ)، اختاره ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ تقديرَه: أوْقَعْتُ عليكِ طلاقًا، هذا الفعل من أجله، فعلى هذا: يكون صريحًا. وقال أكثرُ الفقهاء: لا يَقَعَ به وإنْ نَوَى. والأَشْهَرُ: أنَّه كنايةٌ؛ لأِنَّه يَحتمِلُ التَّفسيرَ المذكورَ، ويَحتَمِلُ أنْ يكونَ سببًا للطَّلاق؛ لكون الطَّلاق معلَّقًا عليه، فصحَّ أنَّ يُعبَّرَ به عنه؛ لأِنَّ الكنايةَ ما احْتَمَلَ الطَّلاقَ، وهذا محتمَلٌ، ويَحتَمِلُ أنَّه كنايةٌ؛ لأِنَّه يحتاج إلى تقديرٍ، والصَّريحُ لا يحتاجه. فإنْ كان ذلك جوابًا عن (١) سؤالها الطَّلاقَ، أوْ في حالِ الغَضَب؛ وَقَعَ. (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ أَنَّ هَذَا سَبَبُ طَلَاقِكِ، أَوْ نَحْوَ (٢) ذَلِكَ)؛ فيُدَيَّنُ؛ لأِنَّه إذا نَوَى بالصَّريح عدم وقوع الطَّلاق؛ لم يَقَعْ؛ فلأن (٣) لا يقع هذا بطريقِ الأَوْلَى. والأصحُّ: أنَّه يُقبَلُ في الحكم؛ لأِنَّه يجوز أنْ يكونَ سببًا له في (٤) زمانٍ بعدَ هذا الزَّمان. وفي «التَّرغيب»: لو أطْعَمَها أوْ سَقَاها؛ ففي كَونه كالضَّرب وجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَا شَيْءَ، أَوْ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُكِ)، أوْ لا يَقَعُ عليك، أو طالِقٌ لا، أوْ طالِقٌ طلقةً لا يَنقُصُ بها عددُ الطَّلاق، (طَلَقَتْ)، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥)؛ لأِنَّ ذلك رَفْعٌ لجميع ما تَناوَلَه اللَّفظُ، فلم يَصِحَّ؛ كاستِثْناء الجميع.

стр. 4702

وفي «الرِّعاية»: في «أنتِ طالِقٌ لا شَيءَ» وجْهٌ أنَّه لا يَقَعُ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أوْ لَا، أَوْ طَالِقٌ وَاحِدَةً أوْ لَا؛ لَمْ يَقَعْ) على الأَشهَر؛ لأِنَّ هذا استِفْهامٌ، فإذا اتَّصل به خرج عن أن يكون (١) لفظًا للإيقاع، وبهذا فارق الأُولى؛ لأِنَّه إيقاعُ لم يُعارِضْه استفهامٌ. وظاهِرُه: أنَّهما سواء (٢)، وهو وجهٌ؛ لاِسْتِوائهما في الاستفهام. وفي آخَرَ: تَطلُق في (٣) الثَّانية واحدةً دُونَ الأُولَى؛ لأِنَّ قَولَه: «أوْ لا» يَرجِع إلى ما يليه من لفظِ «واحدةً» دُونَ لفظ الإيقاع، فيصيرُ كأنَّه قال: أنتِ طالِقٌ. وفرَّق في «المغني» و «الشَّرح» بَينَهما؛ لأِنَّ الواحدةَ صفةٌ للطَّلقة الواقِعة، فما اتَّصل بهما يرجع إليهما، فصارت كالأول (٤). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَقَعَ)؛ لأِنَّ الاستفهام يكونُ بالهمزة ونحوِها، فيَقَعُ ما أوْقَعَه، ولا يَرتَفِعُ بما ذُكِرَ بعدَه (٥). (وَإِنْ (٦) كَتَبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ) بشَيءٍ يَبِينُ، (وَنَوَى الْإِيقَاعَ؛ وَقَعَ) روايةً واحدةً؛ لأِنَّ الكتابة حروفٌ يُفهَمُ منها الطَّلاقُ، أشْبَهَت النُّطقَ، ولأِنَّ الكتابة تقومُ مَقامَ الكاتِب، بدليلِ أنَّه ﵇ كان مأمورًا بتبليغ الرِّسالة، فبَلَّغَ بالقول مرَّةً، وبالكتابة أخرى، ولأِنَّ كتابَ القاضي يقوم مقام نطقه (٧) في إثبات الدُّيون.

стр. 4703

وعنه: أنَّه صريحٌ، نصره (١) القاضي وأصحابُه، وذَكَرَه الحُلْوانيُّ عن أصحابنا. ويتخرَّج: أنَّه لَغْوٌ، واختاره ابنُ حَمْدانَ؛ بناءً على إقراره بخطِّه، وفيه وجْهانِ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه عليهما صحَّةُ الولاية بالخَطِّ، وصحَّةُ الحُكْم به. (وَإِنْ نَوَى تَجْوِيدَ خَطِّهِ، أَوْ غَمَّ أَهْلِهِ؛ لَمْ يَقَعْ)؛ لأِنَّه نوى باللَّفظ غيرَ الإيقاع، فالكتابةُ أَوْلى. وعنه: بلى؛ لأِنَّ تجويدَ الخطِّ وغمَّ أهله (٢) لا يُنافِي الإيقاع. وجوابُه: بأنَّ نيَّةَ ذلك تدلُّ (٣) على أنَّه لم يُوجَدْ منه الطَّلاقُ؛ فلم يَقَعْ لِفَواتِ شَرْطه. (وَهَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ فِي الْحُكْمِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: أنَّه يُقبَلُ؛ لأِنَّ ذلك يُقبَلُ في اللَّفظ الصَّريح على قولٍ، فهُنَا أَوْلَى، ولأِنَّه إذا أراد غَمَّ أهلِه بتوهُّمِ (٤) الطَّلاق دون (٥) حقيقته، فلا يكون ناويًا للطَّلاق. والثَّانيةُ: لا يُقبَلُ؛ لقوله ﵇: «إنَّ الله تَجاوَزَ لِأُمَّتِي» الخبرَ (٦)، ولأِنَّ غمَّ أهلِه يَحصُل بالطَّلاق، فيجتمع (٧) غمُّ أهلِه ووقوع طلاقه.

стр. 4704

والجوابُ: أنَّ الخبرَ يدلُّ على مؤاخذته بما نواه عندَ العمل (١) به أو الكلام. فإنْ قَرَأَ ما (٢) كتبه؛ ففي قبوله حكمًا الخلاف، قاله في «التَّرغيب». (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ فَهَلْ يَقَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، وذَكَرَ أبو الخَطَّاب أنَّ الشَّريفَ خرَّجَها في «الإرشاد» على روايتَينِ: إحداهما: يَقَعُ، قاله الشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ والحَكَمُ؛ لأِنَّ الكتابةَ تقومُ مَقامَ اللَّفظ. والثَّانيةُ: لا يَقَعُ إلا (٣) بنيَّةٍ؛ لأِنَّ الكتابةَ مُحتَمِلةٌ، فإنَّه قد يُقصَدُ بها تجربةُ القلم وتجويدُ الخَطِّ، فلم يَقَعْ من غيرِ نيَّةٍ؛ كالكنايات في الطَّلاق. (وَإِنْ (٤) كَتَبَهُ بِشَيْءٍ لَا يَبِينُ)؛ كالكتابة على الهواء أو في ماءٍ؛ (لَمْ يَقَعْ) في ظاهر كلامه؛ لأنَّ الكتابةَ بما لا تثبت (٥)؛ كالهَمس بلسانه بما لا يُسمَع. (وَقَالَ (٦) أَبُو حَفْصٍ: يَقَعُ)، ورواه (٧) الأثرمُ عن الشَّعبيِّ، أشْبَهَ ما لو كتبه بشيءٍ يَبِينُ، والفَرْقُ واضحٌ. وعُلِمَ منه: أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بغير لفظٍ إلاَّ في مَوضِعَينِ: أحدهما (٨): الكتابةُ بشرطه (٩).

стр. 4705

والثَّاني: الأخْرَسُ، فإنَّه إذا طلَّق بالإشارة؛ فإنَّه يَقَعُ بغير خلافٍ عَلِمْناهُ (١)، فلو فَهِمها البعضُ؛ فكناية (٢)، وتأويله مع صريحٍ؛ كالنطق (٣)، وكنايته (٤) طلاقٌ. ويَقَعُ من العدد ما أشار إليه. وفي «الشَّرح»: إذا أشار بأصابعه الثَّلاث؛ لم يَقَعْ إلاَّ واحدةً؛ لأِنَّ إشارتَه لا تَكْفِي. (وَصَرِيحُ (٥) الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَجَمِ: بِهِشْتَمْ) بكَسْرِ الباء والهاء (٦) وسُكونِ الشِّين المعجَمة وفتحِ التَّاء، ومعناه: خلَّيتُكِ، وهي واحدةٌ إنْ لم يَنْوِ أكثرَ، ولو لم تكن (٧) صريحةً؛ لم يكن (٨) في العجميَّة صريحٌ للطلاق (٩)، ولا يَضُرُّ كَونُها بمعنى (١٠) خلَّيتُكِ؛ لأِنَّ مَعْنَى طلَّقْتُك: خَلَّيتُك، فإنْ زاد: (بسيار)؛ فثلاثٌ، وفي «المُذهب»: ما نواه، ونقله ابنُ منصورٍ (١١)، وأنَّ كلَّ شَيءٍ بالفارسيَّة على ما نَواهُ؛ لأِنَّه لَيسَ له حدُّ مثلَ كلامُ عربيٍّ.

стр. 4706

(فَإِنْ (١) قَالَهُ الْعَرَبِيُّ وَلَا يَفْهَمُهُ، أَوْ نَطَقَ الْعَجَمِيُّ بِلَفْظِ الطَّلَاق وَلَا يَفْهَمُهُ (٢)؛ لَمْ يَقَعْ)؛ لأِنَّه لم يَختَر الطَّلاقَ؛ لعدم عِلْمِه بمعناه. (وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ (٣)؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا يَقَعُ، جزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ «الفروع»؛ لأِنَّه لم يُتحقَّقْ منه اختيارٌ لِمَا لا يعلَمه، أشبهَ ما لو نطق بكلمة الكفر مَنْ لا يَعرِفُ معناها (٤). والثَّاني: يَقَعُ بنيَّةٍ مُوجبةٍ عندَ أهله؛ لأِنَّه أتى بالطَّلاق ناويًا مُقتَضاهُ، فَوَقَع كما لو عَلِمَه. فرعٌ: مَنْ لم تَبلُغْه الدعوة فهو غيرُ مكلَّفٍ، ويَقَعُ طلاقُه، ذَكَرَه في «الانتصار»، و «عيون المسائل»، و «المفردات».

стр. 4707

(فَصْلٌ) (وَالْكِنَايّةَ)، قال الجَوهريُّ: (هي (١) أنْ يتكلَّم بشيءٍ ويريدَ غَيرَه، وقد كَنَّيْت بكذا عن كذا) (٢)، وقال ابن القَطَّاع: (كنَّيت عن (٣) الشَّيء: سَتَرْته) (٤)، والمرادُ بها: أنَّها تُشبِهُ الصَّريح، وتدلُّ (٥) على معناه، فإنْ لم يكن كذلك؛ فليس بصريحٍ ولا كنايةٍ، نحو: قُومِي، واقْعُدِي. (نَوْعَانِ: ظَاهِرَةٌ)؛ لأِنَّ مَعْنَى الطَّلاق فيها أظْهَرُ من الثَّاني (وَهِيَ سَبْعَةُ) ألفاظٍ: (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، هي في الأصل: النَّاقةُ تُطلَقُ مِنْ عِقالها ويُخَلَّى عنها، ويقال للمرأة: خليَّة، كنايةً عن الطَّلاق، قاله الجَوهَريُّ (٦)، وجَعَلَ أبو جعفرٍ (٧): مُخلاَّةً كخليَّةٍ، ويُفرَّقُ بَينَهما. (وَبَرِيَّةٌ)، بالهمز وتَرْكه، (وَبَائِنٌ)؛ أيْ: منفصلة (٨)، (وَبَتَّةٌ) بمعنى: مقطوعةٍ، (وَبَتْلَةٌ) بمعنى: منقطعة (٩)، وسُمِّيَتْ مريمُ البَتولَ؛ لاِنقِطاعها عن (١٠)

стр. 4708

النِّكاح بالكلِّيَّة. (وَأَنْتِ حُرَّةٌ)، كذا ذكرها (١) الأكثرون أنَّها من الكنايات الظَّاهرة؛ لأنَّ (٢) الحرَّة هي التي لا رِقَّ عليها، ولا شكَّ أنَّ النِّكاحَ رِقٌّ، وفي الخبر: «فاتقوا اللهَ في النِّساء، فإنَّهنَّ عَوانٍ عِندَكم» (٣)؛ أيْ: أسْرَى، والزَّوجُ لَيسَ له على الزَّوجة إلاَّ رِقُّ الزَّوجيَّة، فإذا أخبر بزوال الرِّقِّ؛ فهو الرِّقُّ المعْهودُ، وهو رقُّ الزَّوجيَّة. (وَأَنْتِ الْحَرَجُ)، بفتح الحاء والرَّاء؛ يعني: الحرامَ والإثم. زاد في «المغْنِي»: أمْرُك بيدك، وأسقط (٤): أنتِ الحرجُ. وزاد أبو الخَطَّاب: أنت طالِقٌ لا رجعةَ لي (٥) عليك، وفيه نظرٌ؛ لأِنَّه مِنْ حَيثُ الطَّلاق صريحٌ، ومِنْ حَيثُ البَينونة؛ هل هو صريحٌ أوْ كنايةٌ؟ فيه احْتِمالانِ. (وَخَفِيَّةٌ)، هي النَّوعُ الثَّاني، وهي أخْفَى من الدَّلالة عن الأولى، (نَحْوُ: اخْرُجِي)، ودَعِينِي وودِّعيني (٦)، قاله في «الرعاية» (٧)، (وَاذْهَبِي، وَذُوقِي، وَتَجَرَّعِي، وَخَلَّيْتُكِ، وَأَنْتِ مُخَلاَّةٌ)؛ أيْ: فأنتِ مطلَّقةٌ، من قولهم: خلِّي سبيلِي، فهو مخلًّى، (وَأَنْتِ وَاحِدَةٌ) أيْ: مُنفرِدةٌ، (وَلَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ،

стр. 4709

وَاعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي)، اسْتَبْرأَ أصلُه الهمزُ؛ لأِنَّه مِنْ قولهم: اسْتَبْرأتُ الجاريةَ، إذا تَرَكْتَها حتَّى تبرأ (١) رحِمُها، وتَبِينَ حالُها، هل هي حامل (٢) أم لا، (وَاعْتَزِلِي)، اعتزال (٣) الشَّيءِ: إذا كان بعزلٍ (٤) منه، فمَعْنَى اعْتَزِلي؛ أيْ: كوني وحدَك في جانبٍ، (وَمَا أَشْبَهَهُ (٥)؛ كقوله: اختاري نفسَك، ووهبتُكِ لأهلك، ولا حاجةَ لي، واللهُ قد أراحكِ منِّي، وما بَقِيَ شيءٌ، وجَرَى القلمُ بما فيه، وأغْناكِ الله، فهذا يَقَعُ ما (٦) نواه؛ لأِنَّه مُحتَمِلٌ له، وإن لم (٧) يَنْوِ شيئًا؛ وقعتْ واحدةٌ؛ لأِنَّه اليقينُ. وفي «المغْنِي» و «الشرح» (٨) في «أنتِ واحدةٌ»: يَقَعُ واحدة (٩) وإنْ نَوَى ثلاثًا؛ لأِنَّه لا يَحتَمِلُ أكثرَ منها. قال ابنُ عَقِيلٍ: وإنَّ اللهَ قد طلَّقَكِ. ونقَلَ أبو داودَ قال: فرَّق اللهُ بَينِي وبَينَك في الدُّنيا والآخرة، قال: (إنْ كان يريدُ أيَّ (١٠) دعاء يدعو به، فأرجو أنَّه ليس بشيءٍ) (١١)، فلم يجعله شيئًا مع نيَّة الدُّعاء، فظاهِرُه: أنَّه شَيءٌ مع نيَّة الطَّلاق؛ بِناءً على أنَّ الفِراقَ صريحٌ،

стр. 4710

أوْ للقرينة، يؤيِّده (١) ما قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في: إنْ أبْرأْتِني فأنتِ طالِقٌ، فقالت: أبرأكَ الله ممَّا تدَّعي (٢) النِّساءُ على الرِّجال، فَظَنَّ أنَّه يَبرَأُ، فطلَّق قال: يَبرَأُ (٣). وظَهَرَ أنَّ في كلِّ مسألةٍ قَولَينِ؛ هل يُعمَلُ بالإطلاق للقرينة، وهي تدلُّ على النيَّة، أم تُعتبَرُ النِّيَّةُ؟ قال في «الفروع»: ونظيرُ ذلك: إنَّ الله قد باعَكِ، أو قد أقالَكِ، ونحو ذلك. (وَاخْتُلِفَ (٤) فِي قَوْلِهِ: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، الغارِبُ: مُقدَّم السَّنام؛ أي: أنتِ مُرسَلةٌ مُطلَقةٌ غيرُ مَشْدودةٍ، ولا مُمْسَكَةٍ بعَقْدِ النِّكاح، (وَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ، وَحَلَلْتِ لِلْأَزْوَاجِ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْكِ)، السَّبيلُ: الطَّريقُ، يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعرَاف: ١٤٦]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يُوسُف: ١٠٨]، (وَلَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْكِ)؛ أيْ: لا وِلايةَ لي عليك، والسُّلطانُ: الوالي، من السَّلاطة، وهو القَهْرُ، وكذا: غطِّ شَعْرَكِ، وتَقَنَّعِي، (هَلْ هِيَ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّها كنايةٌ ظاهِرةٌ، جزم (٥) بها في «الوجيز»؛ كأنتِ حرة (٦)، أو أعتقتك، على الأصحِّ فيهما (٧)؛ لأِنَّ النِّكاحَ رِقٌّ. والثَّانيةُ: خفيَّةٌ؛ لأِنَّه ﵇ قال لاِبْنَةِ الجون: «الْحَقِي بأهْلِكِ» متَّفَقٌ

стр. 4711

عليه (١)، ولم يكُنْ لِيُطلِّقَ ثلاثًا؛ لنَهْيِه عنه، وكاعْتَدِّي، واستبرئي (٢)، والحَقِي بأهلِكِ، على الأصحِّ فيهنَّ. وجَعَلَ أبو بكرٍ: لا حاجة لي فيكِ، وبابُ الدَّار لكِ مفتوحٌ؛ كأنتِ بائنٌ. وفي الفِراق والسَّراح وجْهانِ. (وَمِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِالْكِنَايَةِ)، ولو ظاهرةً، وفيها روايةٌ، اختارها أبو بكرٍ: (أَنْ يَنْوِيَ بِهَا (٣) الطَّلَاقَ)؛ لأِنَّها كنايةٌ، فلا يَقَعُ بها طلاقٌ إلاَّ بِنِيَّةٍ؛ كالخفيَّة. ويُشتَرَط فيها: أنْ تكونَ مُقارِنةً للَّفظ، وقِيلَ: أوَّله، وقدَّمه في «المحرر»، وفي «الرِّعاية»: أو قبلَه، قال (٤) في «الشَّرح»: فإنْ وُجِدَتْ في أوَّله، وعَرِيَتْ عنه في سائره؛ وَقَعَ، خلافًا لبعض الشَّافعيَّة (٥). (إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا فِي حَالِ الْخُصُومَةِ وَالْغَضَبِ؛ فَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهُما، وهو مختارُ كثيرٍ من الأصحاب: أنَّها تَطلُقُ، قال في رواية (٦) الميمونيِّ: (إذا قال لزوجته: أنتِ حرَّةٌ لوجه الله، في الغَضَب، أخْشَى أنْ يكونَ طلاقًا) (٧)؛ إذْ دَلالةُ الحال كالنية (٨)، بدليلِ أنَّها تُغيِّرُ حكمَ الأقوال والأفعال، فإنَّ مَنْ قال: يا عفيفُ ابنَ العفيف حال تعظيمه؛ كان مَدْحًا، ولو

стр. 4712

قاله حال (١) الشَّتْم؛ كان ذَمًّا وقَذْفًا. والثَّانيةُ: لا يَقَعُ؛ لأِنَّه لَيسَ بصريحٍ في الطَّلاق، ولم يَنوِهِ، فلم يَقَعْ؛ كحالة الرِّضا. وعلى المذهب: لو لم يُرِدْه، أو أراد غيرَه؛ لم يُقبَلْ حُكمًا (٢) في الأشْهَر. (وَإِنْ جَاءَتْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ)؛ لأِنَّ في ذكر الكناية عُقَيبَ سؤالها دلالةٌ ظاهرةٌ على إرادته، فوجَبَ الحكمُ بوقوعه؛ عَمَلاً بالدلالة (٣) الظَّاهرة. (وَالْأَوْلَى فِي الْأَلْفَاظِ الذي (٤) يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا لغَيْرِ (٥) الطَّلَاقِ نَحْوُ: اخْرُجِي، وَاذْهَبِي، وَرُوحِي؛ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ حَتَّى يَنْوِيَهُ)؛ لأِنَّ ما كثُرَ استِعْمالُه إذا وُجِدَ عُقَيبَ خصومةٍ، أوْ غَضَبٍ، أوْ سؤالِ طلاقٍ؛ لا يُغْنِي عن النِّيَّة؛ لأِنَّ الكثرةَ تَصْرِفُه عن إرادة الطَّلاق، بخلافِ ما قلَّ. فلو ادَّعى أنَّه لم يَنْوِ؛ فالمنصوصُ: أنَّه لا يُصدَّقُ (٦) في عَدَمِها (٧)؛ لأِنَّ الجوابَ يَنصرِفُ إلى السُّؤال. وقِيلَ: يُقبَلُ في الحكم؛ لأِثَرٍ رواه سعيدٌ عن عثمانَ (٨)، ولأِنَّ قَولَه

стр. 4713

مُحتَمِلٌ، فقبل (١)، كما لو كرَّر لَفْظًا، وقال: أردتُ التَّأكيدَ. (وَمَتَى نَوَى بِالْكِنَايَةِ الطَّلَاقَ)؛ وَقَعَ بها رَجْعِيٌّ، ما لم يَقَعْ به الثَّلاثُ في ظاهر المذهب، ويشترط فيها (٢): أنَّ تكونَ مقارِنةً للَّفظ، وقِيلَ: أوَّله، وفي «الرِّعاية»: أوْ قبلَه، وعنه: مع خصومةٍ وغَضَبٍ، قَطَعَ به أبو الفَرَج وغيره. (وَقَعَ بِالظَّاهِرَةِ (٣) ثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً)، هذا ظاهِرُ المذهب، رُوِيَ ذلك عن عليٍّ (٤)،

стр. 4714

وابنِ عمرَ (١)، وزيدِ بنِ ثابِتٍ (٢)، وابنِ عبَّاسٍ، وأبي هريرةَ (٣)، في وقائعَ مختلِفَةٍ، ولا (٤) يُعرَفُ لهم مخالِفٌ في الصَّحابة، ولأِنَّه لفظٌ يَقتَضِي البَينونَةَ بالطَّلاق، فَوَقَعَ ثلاثًا؛ كما لو طلَّق ثلاثًا، وإفْضاؤه إلى البَينونَة ظاهِرٌ. وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ المدخول بها وغيرِها؛ لأِنَّ الصَّحابةَ لم يُفرِّقوا، ولأِنَّ كلَّ لفظةٍ أوْجَبَت الثَّلاثَ في حقِّ المدخول بها؛ أوْجَبتْها في غيرِها؛ كأنتِ طالِقٌ ثلاثًا، وحديثُ رُكانةَ ضعَّفَه أحمدُ وغَيرُه. (وَعَنْهُ: يَقَعُ مَا نَوَاهُ)، اختاره أبو الخَطَّاب؛ لِمَا رَوَى رُكانةَ: أنَّه طلَّق امرأتَه البتَّةَ، فأخبرَ النَّبيَّ ﷺ بذلك، فقال: «والله (٥) ما أردتَ إلاَّ واحدةً؟» فقال رُكانةُ: واللهِ ما أردتُّ إلاَّ واحدةً،

стр. 4715

فردَّها إليه النَّبيُّ ﷺ ، فطلَّقها الثَّانيةَ في زَمَنِ عمرَ، والثَّالثة في زمَنِ عُثْمانَ، وفي لفظٍ قال: «هو ما أردتَ» رواه أبو داودَ وصحَّحه، ابنُ ماجَهْ (١) والتِّرمذي، وقال: سألتُ محمَّدًا؛ يعني: البخاريَّ عن هذا الحديثِ، فقال: (فيه اضْطِرابٌ) (٢)، ولأِنَّه ﵇ قال لاِبْنةِ الجَون: «الْحَقِي بأهْلِكِ» (٣)، وهو لا يُطلِّقُ ثلاثًا. (وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلى أَنَّهُ يَقَعُ وَاحِدَةٌ ثَانِيةٌ (٤)، نَقَلَها حنبلٌ (٥)؛ لأِنَّ لَفْظَه اقْتَضَى البَينونةَ دُونَ العدد، فَوَقَعَتْ واحدةً بائنةٌ (٦)؛ كالخُلع. واعْلَمْ أنَّ كلامَ أكثرِ الأصحاب كالمؤلِّف، وخالَفَهم المجدُ يَجعَلُ الخِلافَ في قَبولِ قَولِه في دَعْوَى عدمِ النِّيَّة، فإنَّه قال: ولا يَقَعَ بكِنايةٍ إلاَّ بِنِيَّة. فإن كانا في حالِ خصومةٍ، أوْ غَضبٍ، أوْ ذِكْرِ الطَّلاق، وقال: لم (٧) أُرِدْ بها الطَّلاقَ؛ قُبِلَ منه. وعنه: لا يُقبَلُ في الحكم خاصَّةً.

стр. 4716

وقِيلَ: يُقبَلُ منه في الألفاظ الَّتي يَكثُرُ اسْتِعمالُها في غير الطَّلاق. فإذا نَوَى بالكناية الظَّاهرة الطَّلاقَ؛ لَزِمَه الثَّلاثُ، إلاَّ أنْ يَنْوِيَ دونَها؛ فيُدَيَّنُ فيه، ويكون رَجْعيًّا. وفي قَبوله في الحكم رِوايَتانِ. وعنه: يَقَعُ طلقةً بائنةً. فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ بائن (١)، أو البَتَّةَ، أوْ بلا رَجْعةٍ؛ فالخِلافُ السَّابِقُ، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصحاب، زاد في «الشَّرح»: أنَّه لا يَحتاجُ إلى نيَّةٍ؛ لأِنَّه وَصَفَ بها الطَّلاقَ الصَّريحَ. فإنْ قال: أنتِ واحدةٌ بائنةٌ أوْ بَتَّةٌ؛ فرَجْعِيَّةٌ، وعنه: بائنةٌ، وعنه: ثلاثٌ؛ كأنتِ طالِقٌ واحدةٌ ثلاثًا. وفي «الفصول» عن أبي بكرٍ في «أنتِ طالِقٌ ثلاثًا واحدةً»: تقع (٢) واحدة (٣)؛ لأِنَّه وَصَفَ الواحدةَ بالثَّلاث، ولَيسَ كذلك؛ لأنَّه (٤) إنَّما وَصَفَ الثَّلاثَ بالواحدة، فَوَقَعَتِ الثَّلاثُ، ولَغَا الوَصْفُ. (وَيَقَعُ بِالخَفِيَّةِ (٥) مَا نَوَاهُ)؛ لأِنَّ اللَّفظَ لا دَلالةَ له على العدد، والخفية (٦) لَيستْ في معنى الظاهرة (٧)، فوجب اعتبار النِّيَّة، ويَكونُ الواقِعُ رجْعِيًّا فِيما إذا

стр. 4717

نواها، وإنْ نَوَى أكثرَ - في غَيرِ أنتِ واحدةٌ، قاله القاضي والمؤلِّف -؛ وَقَعَ. (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا؛ وَقَعَ وَاحِدَةٌ)؛ لأِنَّها اليقينُ. (وَأَمَّا مَا لَا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ، نَحْوُ: كُلِي، وَاشْرَبِي، وَاقْعُدِي، وَاقْرُبِي (١)، وَبَارَكَ اللهُ فِيكِ، وَأَنْتِ مَلِيحَةٌ، أَوْ قَبِيحَةٌ؛ فَلَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ)؛ لأِنَّه لَيسَ بكنايةٍ، (وَإِنْ نَوَى)؛ لأِنَّ اللَّفْظَ لا يَحتَمِلُ الطَّلاقَ فيه، فلو وَقَعَ به الطَّلاقُ؛ وَقَعَ بمُجرَّد النِّيَّةِ. وقِيلَ: كُلِي واشْرَبِي كِنايةٌ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ: كُلِي أَلَم (٢) الطَّلاق، واشْرَبِي كأسَ الفِراق، فَوَقَعَ؛ كتَجَرَّعِي. وجوابُه: أنَّ اللَّفظَ لا يستعمل (٣) إلاَّ فيما لا ضَرَرَ فيه، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [الطُّور: ١٩]، ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النِّسَاء: ٤] فلم تكن (٤) كنايةً، وفارَقَ: تجرَّعِي وذُوقِي، فإنَّه يُستَعْمَلُ في المكان (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدّخان: ٤٩]. (وَكَذَا قَوْلُهُ: أَنَا طَالِقٌ)؛ لأِنَّ الزَّوجَ لَيسَ مَحَلًّا للطَّلاق. (فَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ، فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: لا تَطلُقُ زَوجتهُ، نَصَّ عليه في رواية الأثْرَم (٦)، وقاله ابنُ عبَّاسٍ، رواه (٧) أبو عُبَيدٍ والأثْرَمُ (٨)، ولأِنَّ الرَّجلَ

стр. 4718

مالِكٌ في النِّكاح، والمرأةَ مملوكةٌ، فلم يَقَعْ بإضافة الإزالة إلى المالك؛ كالعتق. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ)، تَطلُقُ به بالنِّيَّة، رُوِيَ عن عمرَ وابنِ مسعودٍ (١)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ إزالةُ النِّكاح، وهو مُشتَرَكٌ بَينَهما، فإذا صحَّ في أحدهما صحَّ في الآخَر. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه لا خِلافَ أنَّ الطَّلاقَ المذكورَ لا يقع من (٢) غيرِ نيَّةٍ، ولو سَاوَى الرَّجلُ المرأةَ لَوَقَعَ بغَيرِ نيَّةٍ، كما لو قال لها: أنتِ طالِقٌ، ولأن (٣) وقوعَه هنا (٤) يَستَلْزِمُ وقوعَه في: أنا طالِقٌ؛ إذْ لا فَرْقَ بَينَهُما. (وَإِنْ قَالَ: أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ، أَوْ حَرَامٌ)، أوْ بَرِيءٌ؛ (فَهَلْ هُوَ كِنَايَةٌ أَوْ لَا (٥)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «الفروع»، وهذه المسألةُ تَوقَّفَ عنها أحمد (٦):

стр. 4719

أشْهَرُهُما: أنَّه لَغْوٌ؛ لأِنَّ الرَّجلَ محلٌّ (١) لا يَقَعُ الطَّلاقُ بإضافةِ صريحه إليه، فلم يَقَعْ بإضافة كنايته إليه؛ كالأجنبيِّ. والثَّاني: كنايةٌ؛ لأِنَّ هذا اللفظَ يُوصَفُ به كلٌّ من الزَّوجَينِ، يُقالُ: بان منها، وبانَتْ منه، وحَرُمَ عليها، وحَرُمَتْ عليه، وبَرِئَ منها، وبَرِئَتْ منه. وكذا لفظُ الفُرقة. فإنْ قال: أنا بائنٌ، بحذف (٢) (منكِ)، فذكر القاضي إذا قال (٣): أمْرُكِ بيدك، فقالت: أنتَ بائنٌ، ولم تَقُلْ: منِّي؛ أنَّه لا يَقَعُ، وجْهًا واحدًا، وإنْ قالت (٤): أنتَ منِّي بائِنٌ؛ فعلى وجهَينِ، فيُخرَّجُ هنا مِثْلُه. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ؛ لَمْ يَقَعْ، وَكَانَ ظِهَارًا)؛ لأِنَّه صريحٌ في الظِّهار، فلم يكُنْ كنايةً في الطَّلاق، كما لا يكون الطَّلاقُ صريحًا في الظِّهار، ولأِنَّ الظهار تشبيهٌ بمَنْ تحرم (٥) عليه على التَّأبيد، والطَّلاقُ يُفِيدُ تحريمًا غيرَ مُؤبَّدٍ، ولو صرَّح به فقال: أعْنِي به الطَّلاقَ؛ لم يَصِرْ طَلَاقًا؛ لأِنَّه لا تَصلُح الكنايةُ به عنه. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ)، أو الحِلُّ عليَّ حرامٌ، زاد في «الرِّعاية»: أو حرَّمْتُكِ؛ (فَفِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ) عن الإمام أحمدَ ﵁: (إِحْدَاهُنَّ: أَنَّهُ ظِهَارٌ وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ)، وهو المنصوصُ في روايةِ جماعةٍ (٦)، وقاله (٧) عثمانُ

стр. 4720

وابنُ عبَّاسٍ (١)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ: «في الحرام تحريرُ رقبةٍ، فإنْ لم يَجِدْ فصيام (٢) شهرَينِ مُتَتابِعَينِ، فإن لم يستطع (٣) فإطعامُ ستِّينَ مسكينًا» رواه الأثْرَمُ (٤)، ولأِنَّه صريحٌ في تحريم الزَّوجة، فكان ظِهارًا، وإنْ نَوَى غَيرَه. (وَالثَّانِيَةُ: كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ)، نَقَلَ الأثْرَمُ وحنبلٌ: (الحرامُ ثلاثٌ، حتَّى لو وَجَدْتُ رجلاً حرَّم امرأتَه عليه، وهو يَرَى أنَّها واحدةٌ؛ فرَّقت بَينَهما) (٥)، مع أنَّ أكثرَ الرِّواياتِ عنه كراهةُ الفُتْيا في الكناية الظَّاهرة، قال في «المستوعب»: لاِخْتِلافِ الصَّحابة، ولأِنَّه لو قال: أنا منكِ حرامٌ؛ كان كنايةً في وَجْهٍ، فتجب (٦) إذا قال: أنتِ حرامٌ كذلك. وعنه: كنايةٌ خَفِيَّةٌ. (وَالثَّالِثَةُ): هو (يَمِينٌ)، وقالَه أبو بكرٍ، وعمرُ، وابنُ عبَّاسٍ، وعائشةُ (٧)،

стр. 4721

روى (١) سعيد بن جبير: أنَّه سَمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يقول: «إذا حرَّم الرَّجلُ عليه امرأتَه؛ فهو (٢) يمينٌ يكفِّرُها» (٣)، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … (١)﴾ الآية [التّحْريم: ١]، فجَعَلَ الحرامَ يمينًا. قال في روايةِ مُهَنَّى (٤): إذا قال: أنتِ عليَّ حرامٌ، ونَوَى يمينًا، ثُمَّ تَرَكَهَا أربعةَ أشْهُرٍ؛ لا يكونُ إيلاءً، إنَّما الإيلاءُ أنْ يَحلِفَ بالله أن (٥) لا يَقرَبَ امرأتَه، فظاهِرُه: أنَّه إذا نَوَى اليَمينَ كان يمينًا. فإنْ نَوَى شيئًا؛ فعنه: نيَّتُه، والأَشْهَرُ: أنَّه ظِهارٌ. فإنْ نَوَى ظهارًا أوْ طلاقًا؛ فظِهارٌ. وإنْ قالَه لمحرَّمةٍ بحَيضٍ ونحوِه، ونوى (٦) أنَّها مُحرَّمةٌ به؛ فلَغْوٌ. وكذا إنْ أطلق (٧)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ الخَبَرَ،

стр. 4722

ويَحتَمِلُ إنشاءَ التَّحريم، ذكره (١) المؤلِّفُ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: كإطلاقه لأِجْنَبِيَّةٍ. فرعٌ: مَنْ حَلَفَ بالطَّلاق أنَّه لا حقَّ عليه لزَيدٍ، فقامت عليه بيِّنةٌ شرعيَّةُ؛ حَنِثَ حُكْمًا، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ. (فَإِنْ (٢) قَالَ: مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ؛ أَعْنِي: بِهِ الطَّلَاقَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: تَطْلُقُ امْرَأَتُهُ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّه صريحٌ بلفظِ الطَّلاق، وَوَقَعَ ثلاثًا؛ لأِنَّ الطَّلاقَ مُعرَّفٌ بالألف واللام (٣)، وهو يَقتَضِي الاِسْتِغْراقَ. وعَنْهُ: يَقَعُ ما نَواهُ؛ لأِنَّهما يرادان (٤) لغير الاِسْتِغْراق، لا سيَّما في أسماء الأجناس (٥). ونَقَلَ أبو داودَ فِيمَن قال لرجلٍ: ما أحلَّ الله عليه حرامٌ؛ يعني: به الطَّلاقَ، إنْ دَخَلْتُ لك في خَيرٍ أوْ شرٍّ، والرَّجلُ مريضٌ يَعودُه؟ قال: لا، ولا يُشَيِّعُ جنازتَه، أخاف أنَّه ثلاثٌ، ولا أُفْتِي به (٦). (وَإِنْ قَالَ: أَعْنِي بِهِ طَلَاقًا؛ طَلَقَتْ وَاحِدَةً)، رواه عنه جماعةٌ (٧)، وهي المشهورةُ؛ لأِنَّه صريحٌ في الطَّلاق، وليس هذا صريحًا في الظِّهار، إنَّما هو صريحٌ في (٨) التَّحريم، وهو يَنقَسِمُ إلى قِسْمَينِ، فإذا بَيَّنَ بلَفْظِه إرادةَ تحريمِ الطَّلاق؛ صُرِفَ إليه.

стр. 4723

(وَعَنْهُ: أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا)، أيْ: في المسألتَينِ؛ لأِنَّه صريحٌ فيه، فلم يَصِرْ طَلَاقًا بقوله (١): أعْنِي به الطَّلاقَ، أو طَلاقًا. فرعٌ: لو نَوَى في: حرَّمْتُكِ على غَيرِي؛ فكطلاق، ذَكَرَه في «التَّرغيب» وغيره. ولو قال: فِراشِي عليَّ حرامٌ، فإنْ نَوَى امرأتَه؛ فظِهارٌ، وإنْ نَوَى فراشَه؛ فهو يمينٌ، نقله ابنُ هانِئٍ (٢). (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ)، والخمر؛ (وَقَعَ مَا نَوَاهُ) على المذهب، (مِنَ الطَّلَاقِ)؛ لأِنَّه إذا نَواهُ فهو طلاقٌ؛ لأِنَّه يَصلُحُ أنْ يكونَ كنايةً فيه، ويَقَعُ ما نَواهُ من العدد، (وَالظِّهَارِ) إذا نَواهُ، وهو أن (٣) يَقصِدَ تحريمَها عليه مع بقاء نكاحها؛ لأِنَّه يُشبِهه (٤)، ويَحتَمِلُ أنْ لا يكونَ ظِهارًا، وجَزَمَ به في «عيون المسائل»؛ كما لو قال: أنتِ عليَّ كظَهْر البهيمة، (وَالْيَمِينِ)، وهو يُريدُ بذلك تَرْكَ وَطْئِها، لا تحريمَها، ولا طلاقَها، فهو يمينٌ، ولأِنَّ فائدةَ كَونِه يمينًا تَرتُّبُ الحِنْث والبرِّ (٥)، ثُمَّ ترتُّبُ الكَفَّارة وعدمها، وفي ذلك نظرٌ مِنْ حَيثُ إنَّ قوله: كالمَيْتَة؛ ليس بصريحٍ في اليمين؛ لأِنَّه لو كان صريحًا لما (٦) انصرَفَ إلى غيرها بالنِّيَّة، وإذا (٧) لم يكُنْ صريحًا لم تَلزَمْهُ الكَفَّارةُ؛ لأِنَّ اليمينَ بالكناية لا تنعقِدُ؛ لأِنَّ الكَفَّارةَ إنَّما تَجِبُ لِهَتْك القَسَمِ. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا؛ فَهَلْ يَكُونُ ظِهَارًا، أَوْ يَمِينًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما رِوايَتانِ:

стр. 4724

أصحُّهما: أنَّه ظِهارٌ؛ لأِنَّ معناه: أنتِ حرامٌ عليَّ كالميتة والدَّم، فإنَّ تشبيهَها بهما يَقتَضِي التَّشْبيهَ بهما في الأمر الَّذي اشتهرَا بِهِ، وهو (١) التَّحريم؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المَائدة: ٣]. والثَّاني: أنَّه يمينٌ؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ الذِّمَّة، فإذا أتى بلفظٍ مُحتَمِلٍ؛ ثَبَتَ فيه أقلُّ الحُكْمَينِ؛ لأِنَّه اليقينُ، وما زاد مشكوكٌ فيه. (وَإِنْ قَالَ: حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ)، أو قال: عليَّ يمينٌ بالطَّلاق، (وَكَذَبَ؛ لَزِمَهُ إِقْرَارُهُ فِي الْحُكْمِ) على الأصحِّ؛ لأِنَّه خلافُ ما أقرَّ به؛ ولأنَّه إذا أقرَّ، ثُمَّ قال: كَذَبْتُ؛ كان جحودًا بعدَ الإقرار، فلا يُقبَلُ؛ كما لو أقرَّ بدَينٍ ثُمَّ أنْكَرَ. والثَّانيةُ: لا يَلزَمُه شَيءٌ؛ لأِنَّه لم يَحلِفْ، واليمينُ إنَّما تكون بالحَلِف. (وَلَا يَلْزَمُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى) على الأصحِّ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ ما قاله؛ لأِنَّ الذي قَصَدَ الكَذِبَ لا نيَّةَ له في الطَّلاق، فلا يَقَعُ به شَيءٌ؛ لأِنَّه لَيسَ بصريحٍ في الطَّلاق، فلم يَقَعْ به؛ كسائر الكنايات. وحَكَى في «زاد المسافر» عن الميمونيِّ أنَّ أحمدَ قال: إذا حَلَفت بالطَّلاق، ولم يكُنْ حَلف؛ يَلزَمُه الطَّلاقُ، ويُرجَع إلى نيَّته في الثَّلاث والواحدة. وقال القاضي: مقْتَضَى قولِ أحمدَ: (يَلزَمُه الطَّلاقُ)؛ أي: في الحكم، ويجعل (٢) أنَّه طلاق إذا نواه. فرعٌ: يُقبَلُ قَولُه في قَدْرِ ما حَلَفَ به، وفي الشَّرط الذي علَّق اليمينَ به؛ لأِنَّه أعْلَمُ بحاله، ويُمكِنُ حملُ كلامِ أحمدَ على هذا، فيَلزَمُه في ظاهر الحكم، لا فِيمَا بَينَه وبَينَ الله تعالى.

стр. 4725

(فَصْلٌ) (إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ)؛ فهِيَ كِنايةٌ ظاهِرةٌ، (فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً) في ظاهر المذهب، وأفْتَى به أحمدُ مِرارًا (١)، ورواه البخاريُّ في «تاريخه» عن عثمانَ (٢)، وقاله عليٌّ (٣)، وابنُ عمرَ (٤)، وابنُ عبَّاسٍ (٥)، وفَضَالةُ (٦)، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِمَا رَوَى أبو داودَ

стр. 4726

والتِّرمذي بإسْنادٍ رجالُه ثِقاتٌ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هو ثلاثٌ»، قال البخاريُّ: (هو مَوقُوفٌ على أبي هريرةَ) (١)، ولأِنَّه يَقتَضِي العمومَ في جميع أمرها؛ لأِنَّه اسمُ جنسٍ مضافٌ، فيَتَناوَلُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، كما لو قال: طلِّقِي نفسَكِ ما شِئْتِ، فلو قال: أردتُ واحدةً؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّه خلافُ مُقتَضَى اللَّفظ، ولا يُدَيَّنُ. وعنه: واحدةٌ ما لم يَنْوِ أكثرَ، قَطَعَ به أبو الفرَج، وصاحبُ «التَّبصرة»، كاخْتاري. وعنه: فيه (٢) غيرُ مكرَّرٍ ثلاثًا. وعنه: ثلاثٌ بنيَّتِهما لها، كقوله في الأصحِّ: طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا، فتطلقُ بنيَّتِها (٣). (وَهُوَ فِي يَدِهَا)؛ أيْ: هو على التَّراخي، نَصَّ عليه (٤)؛ لقول عليٍّ (٥)، ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ في الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأنَّه (٦) نوعُ تمليكٍ في الطَّلاق، فمَلَكَه المفوَّض (٧) إليه في المجلس وبعدَه؛ كما لو جعله لأِجْنَبِيٍّ، (مَا لَمْ يَفْسَخْ)، فإنْ فَسَخَها؛ بَطَلَت الوكالةُ؛ كسائر الوكالات، (أَوْ يَطَأْ)؛

стр. 4727

لأِنَّه يَدُلُّ على الفسخ، أشبه ما لو فسخ بالقول. وقِيلَ: يتقيَّد بالمجلس؛ كالخيار. وجوابُه: بأنَّه تَوكيلٌ مُطلَقٌ، أشْبَهَ التَّوكيلَ في البيع. ويُعتبَرُ أهليَّتُها، فلا يصحُّ (١) من صغيرةٍ ولا مجنونةٍ. فرعٌ: يجوزُ أنْ يَجعَلَ أمْرَ امرأتِه بعِوَضٍ، قال أحمدُ: إذا قالت: اجْعَلْ أمْرِي بيدي وأُعْطِيكَ عَبْدِي؛ فلها أنْ تختارَ، ما لم يَطَأْ (٢)؛ لأِنَّ التَّوكيلَ لا يَبطُلُ بدخول العِوَض فيه. (وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) رَجْعيَّةٍ، حكاه أحمدُ (٣) عن ابن عمرَ (٤)، وابن مسعودٍ (٥)، وزيدِ بنِ ثابِتٍ (٦)،

стр. 4728

وعائشةَ (١)، وغيرِهم، ولأِنَّ اخْتارِي تَفْويضٌ مُعيَّنٌ، فيَتناوَلُ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وهو طلقةٌ رجعية (٢)؛ لأِنَّها بغَيرِ عِوَضٍ، بخلاف ما سَبَقَ، فإنَّه أمرٌ مُضافٌ إليها، فيتناول (٣) جميعَ أمْرِها. (إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)؛ كاخْتارِي ما شئتِ، أوْ ثِنتَينِ، أوْ ثلاثًا، أوْ نيته (٤)، وهو أنْ يَنْوِيَ بقوله: «اختاري» عددًا؛ فإنَّه يُرجَعُ إلى ما نواه؛ لأِنَّها كنايةٌ خفيَّةٌ. (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلاَّ مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ)، وظاهِرُه: ولو طالَ، (وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ)، ذَهَبَ أكثرُ العلماء أنَّ التَّخييرَ على الفور، رواه النجاد (٥) عن عمرَ

стр. 4729

وعثمانَ (١)، ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ (٢) وجابِرٍ (٣)، ونَصَّ عليه أحمدُ (٤). وقِيلَ: مُتَراخٍ؛ كالأمر، وقالَهُ ابنُ المنذر (٥)، واحتج بقوله ﷺ لعائشة: «إنَّي ذاكِرٌ لكِ أمْرًا، فلا (٦) عليكِ ألاَّ تَعْجَلِي حتَّى تَستَأْمِرِي أبويكِ (٧)» (٨)، وكان واجِبًا عليه. وجوابُه: أنَّه قَولُ مَنْ سَمَّيْنا، ولأِنَّه خِيارُ تمليكٍ، فكان على الفور؛ كخيار القَبول، وأمَّا الخَبرُ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ لها الخِيارَ على التَّراخِي، وخِلافُنا في المطْلَقِ، وأمْرُكِ بيَدكِ؛ تَوكيلٌ، والتَّوكيلُ يَعُمُّ الزَّمان، ما لم يقيده (٩) بقَيدِ، بخَلافِ مسألتنا.

стр. 4730

وعنه: إنْ لم يَتَّصِل الجوابُ؛ لم يَقَعْ. وشَرْطُه: ما لم يشتغلا (١) بقاطِعٍ؛ لأِنَّه بالتَّشاغُل يكونُ إعْراضًا عن قوله (٢): اخْتارِي، ومن المقول لها إعراضًا عن القَبول، أشْبَهَ ما لو افْتَرَقا. (فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ)؛ جاز، (أَوْ جَعَلَ (٣) أَمْرَهَا فِي يَدِهَا، فَرَدَّتْهُ)؛ بَطَلَ كالوكيل، (أَوْ رَجَعَ فِيهِ أَوْ وَطِئَهَا؛ بَطَلَ خِيَارُهَا، هَذَا (٤) الْمَذْهَبُ) المنصوصُ عليه (٥)، أنَّ (أمرَكِ بيَدِكِ) على التَّراخي، و (اخْتارِي) على الفَورِ. ويَحتَمِلُ: ألاَّ تَنفَسِخَ الوكالة بالوطءِ (٦)؛ كما لو وكَّلَه في بَيعِ دارٍ وسَكَنها. (وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى)؛ أيْ: يقاس (٧) كلٌّ من المسألتَينِ على الأخرى، وقد ذَكَرَ المؤلِّفُ في كلِّ مسألةٍ حُكْمَينِ، الأولى على التَّراخي، وأنَّ لها (٨) أنْ تُطلِّقَ ثلاثًا، وفي الثَّانية الفور (٩)، وأنْ لَيسَ لها أنْ تُطلِّقَ أكثرَ من واحدةٍ إلاَّ بشَرْطِه. قلتُ: كلامُ أبي الخَطَّاب في كتابِهِ (١٠) من حيثُ اللَّفظ؛ لا يَقتَضِي تخريجَ
следующие страницы →