← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

والتِّرمذي بإسْنادٍ رجالُه ثِقاتٌ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هو ثلاثٌ»، قال البخاريُّ: (هو مَوقُوفٌ على أبي هريرةَ) (١)، ولأِنَّه يَقتَضِي العمومَ في جميع أمرها؛ لأِنَّه اسمُ جنسٍ مضافٌ، فيَتَناوَلُ الطَّلَقاتِ الثَّلاثَ، كما لو قال: طلِّقِي نفسَكِ ما شِئْتِ، فلو قال: أردتُ واحدةً؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّه خلافُ مُقتَضَى اللَّفظ، ولا يُدَيَّنُ. وعنه: واحدةٌ ما لم يَنْوِ أكثرَ، قَطَعَ به أبو الفرَج، وصاحبُ «التَّبصرة»، كاخْتاري. وعنه: فيه (٢) غيرُ مكرَّرٍ ثلاثًا. وعنه: ثلاثٌ بنيَّتِهما لها، كقوله في الأصحِّ: طلِّقِي نفسَكِ ثلاثًا، فتطلقُ بنيَّتِها (٣). (وَهُوَ فِي يَدِهَا)؛ أيْ: هو على التَّراخي، نَصَّ عليه (٤)؛ لقول عليٍّ (٥)، ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ في الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأنَّه (٦) نوعُ تمليكٍ في الطَّلاق، فمَلَكَه المفوَّض (٧) إليه في المجلس وبعدَه؛ كما لو جعله لأِجْنَبِيٍّ، (مَا لَمْ يَفْسَخْ)، فإنْ فَسَخَها؛ بَطَلَت الوكالةُ؛ كسائر الوكالات، (أَوْ يَطَأْ)؛

стр. 4727

لأِنَّه يَدُلُّ على الفسخ، أشبه ما لو فسخ بالقول. وقِيلَ: يتقيَّد بالمجلس؛ كالخيار. وجوابُه: بأنَّه تَوكيلٌ مُطلَقٌ، أشْبَهَ التَّوكيلَ في البيع. ويُعتبَرُ أهليَّتُها، فلا يصحُّ (١) من صغيرةٍ ولا مجنونةٍ. فرعٌ: يجوزُ أنْ يَجعَلَ أمْرَ امرأتِه بعِوَضٍ، قال أحمدُ: إذا قالت: اجْعَلْ أمْرِي بيدي وأُعْطِيكَ عَبْدِي؛ فلها أنْ تختارَ، ما لم يَطَأْ (٢)؛ لأِنَّ التَّوكيلَ لا يَبطُلُ بدخول العِوَض فيه. (وَإِنْ قَالَ: اخْتَارِي نَفْسَكِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ) رَجْعيَّةٍ، حكاه أحمدُ (٣) عن ابن عمرَ (٤)، وابن مسعودٍ (٥)، وزيدِ بنِ ثابِتٍ (٦)،

стр. 4728

وعائشةَ (١)، وغيرِهم، ولأِنَّ اخْتارِي تَفْويضٌ مُعيَّنٌ، فيَتناوَلُ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، وهو طلقةٌ رجعية (٢)؛ لأِنَّها بغَيرِ عِوَضٍ، بخلاف ما سَبَقَ، فإنَّه أمرٌ مُضافٌ إليها، فيتناول (٣) جميعَ أمْرِها. (إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)؛ كاخْتارِي ما شئتِ، أوْ ثِنتَينِ، أوْ ثلاثًا، أوْ نيته (٤)، وهو أنْ يَنْوِيَ بقوله: «اختاري» عددًا؛ فإنَّه يُرجَعُ إلى ما نواه؛ لأِنَّها كنايةٌ خفيَّةٌ. (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ إِلاَّ مَا دَامَتْ فِي الْمَجْلِسِ)، وظاهِرُه: ولو طالَ، (وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ)، ذَهَبَ أكثرُ العلماء أنَّ التَّخييرَ على الفور، رواه النجاد (٥) عن عمرَ

стр. 4729

وعثمانَ (١)، ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ (٢) وجابِرٍ (٣)، ونَصَّ عليه أحمدُ (٤). وقِيلَ: مُتَراخٍ؛ كالأمر، وقالَهُ ابنُ المنذر (٥)، واحتج بقوله ﷺ لعائشة: «إنَّي ذاكِرٌ لكِ أمْرًا، فلا (٦) عليكِ ألاَّ تَعْجَلِي حتَّى تَستَأْمِرِي أبويكِ (٧)» (٨)، وكان واجِبًا عليه. وجوابُه: أنَّه قَولُ مَنْ سَمَّيْنا، ولأِنَّه خِيارُ تمليكٍ، فكان على الفور؛ كخيار القَبول، وأمَّا الخَبرُ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ لها الخِيارَ على التَّراخِي، وخِلافُنا في المطْلَقِ، وأمْرُكِ بيَدكِ؛ تَوكيلٌ، والتَّوكيلُ يَعُمُّ الزَّمان، ما لم يقيده (٩) بقَيدِ، بخَلافِ مسألتنا.

стр. 4730

وعنه: إنْ لم يَتَّصِل الجوابُ؛ لم يَقَعْ. وشَرْطُه: ما لم يشتغلا (١) بقاطِعٍ؛ لأِنَّه بالتَّشاغُل يكونُ إعْراضًا عن قوله (٢): اخْتارِي، ومن المقول لها إعراضًا عن القَبول، أشْبَهَ ما لو افْتَرَقا. (فَإِنْ جَعَلَ لَهَا الْخِيَارَ الْيَوْمَ كُلَّهُ)؛ جاز، (أَوْ جَعَلَ (٣) أَمْرَهَا فِي يَدِهَا، فَرَدَّتْهُ)؛ بَطَلَ كالوكيل، (أَوْ رَجَعَ فِيهِ أَوْ وَطِئَهَا؛ بَطَلَ خِيَارُهَا، هَذَا (٤) الْمَذْهَبُ) المنصوصُ عليه (٥)، أنَّ (أمرَكِ بيَدِكِ) على التَّراخي، و (اخْتارِي) على الفَورِ. ويَحتَمِلُ: ألاَّ تَنفَسِخَ الوكالة بالوطءِ (٦)؛ كما لو وكَّلَه في بَيعِ دارٍ وسَكَنها. (وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَجْهًا مِثْلَ حُكْمِ الْأُخْرَى)؛ أيْ: يقاس (٧) كلٌّ من المسألتَينِ على الأخرى، وقد ذَكَرَ المؤلِّفُ في كلِّ مسألةٍ حُكْمَينِ، الأولى على التَّراخي، وأنَّ لها (٨) أنْ تُطلِّقَ ثلاثًا، وفي الثَّانية الفور (٩)، وأنْ لَيسَ لها أنْ تُطلِّقَ أكثرَ من واحدةٍ إلاَّ بشَرْطِه. قلتُ: كلامُ أبي الخَطَّاب في كتابِهِ (١٠) من حيثُ اللَّفظ؛ لا يَقتَضِي تخريجَ

стр. 4731

العدد (١) من إحدى (٢) المسألتَينِ على الأخرى، ومِن حَيثُ إنَّه نفى الفرق بينَهما؛ يقتضي ذلك، إلاَّ أنَّه يمكن حمله (٣) على نفيِ الفَرْق مِنْ حَيثُ التَّراخي والفَور، لا مِنْ حَيثُ العدد. تنبيهٌ: إذا قال: اخْتارِي اليومَ وغَدًا وبعدَ غدٍ؛ فلها ذلك، فإنْ ردَّته (٤) في الأول؛ بَطَلَ (٥) كلُّه؛ لأِنَّه خِيارٌ واحدٌ، بخِلافِ ما لو قال: اخْتارِي اليومَ وبعد (٦) غدٍ (٧)، فإنَّها إذا ردَّتْه في الأوَّل؛ لم يَبطُلْ بعدَ غدٍ؛ لأِنَّهما خِيارانِ يَنفَصِلُ أحدهما (٨) عن صاحبه. فإنْ نَوَى بقوله: اخْتارِي نفسكِ (٩)؛ إيقاعَ الثَّلاث؛ وَقَعَ. وإنْ كرَّر اخْتارِي ثلاثًا؛ فإنْ أراد إفْهامَها، ولَيسَ له نيَّةٌ؛ فواحدةٌ، وإلاَّ فثلاثٌ، نَصَّ عليه (١٠)، وإنْ أطْلَقَ فرِوايَتانِ، قاله (١١) في «المغْنِي». فلو خيَّرها شهرًا، فاختارت نفسَها، ثُمَّ تزوَّجَها؛ لم يكن لها (١٢) عليه خيارٌ؛ لأِنَّ الخِيارَ المشروطَ في عَقْدٍ لا يَثبُتُ في عَقْدٍ سِواهُ؛ كالبيع. فرعٌ: إذا قال: اخْتارِي نفسَكِ يومًا، فابتداؤه (١٣) مِنْ حِينَ نَطَقَ إلى مثله

стр. 4732

من الغد، وإنْ قال: شهرًا؛ فمِنْ ساعة نَطَقَ إلى (١) اسْتِكْمالِ ثلاثِينَ يومًا إلى مثل تلك السَّاعة. (وَلَفْظَةُ الْأَمْرِ وَالْخِيَارِ؛ كِنَايَةٌ) ظاهرةٌ وخفيَّةٌ (فِي حَقِّ الزَّوْجِ، يَفْتَقِرُ) وقوع الطَّلاق (إِلَى نِيَّتِهِ (٢)؛ لأِنَّ كلاهما (٣) يَفتَقِرُ إلى النِّيَّة على ما مضى، وكذا (٤) كَذِبُه بعدَ سؤالها الطَّلاقَ. (فَإِنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ؛ نَحْوُ: اخْتَرْتُ نَفْسِي؛ افْتَقَرَ إِلَى نِيَّتِهَا أَيْضًا)؛ لأِنَّها مُوقِعةٌ للطلاق (٥) بلفظ الكناية، فافْتَقَرَ إلى نيَّتها؛ كالزَّوج. فلو قالت: اخْتَرْتُ نفسي، وأنكر وجودَه؛ قُبِل (٦) قَولُه؛ لأِنَّه مُنكِرٌ، أشْبَهَ ما لو علَّق طلاقَها على دخول (٧) الدَّار، فادَّعَتْه وأنْكَرَ. (وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي؛ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ (٨)؛ لأِنَّه صريحٌ؛ كأنتِ طالِقٌ، ويَقَعُ من العدد ما نَوَياهُ، دُونَ ما نَواهُ أحدهما (٩)، وإنْ نَوَى أحدُهما دُونَ الآخَرِ؛ لم يَقَعْ؛ لِفَقْدِ النِّيَّة. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّها أعلمُ بنِيَّتها، ولا يُعلَمُ ذلك إلاَّ من جِهَتِها. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رُجُوعِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ لأِنَّهما اخْتَلَفَا فِيما يَختَصُّ به،

стр. 4733

كما لو اخْتَلَفا في نيَّته. مسائلُ: الأجنبيُّ في ذلك كالمرأة، والمذْهَبُ: إلاَّ أنَّه مُتراخٍ. ويَقَعُ بإيقاع الوكيل بصريحٍ، أو كنايةٍ بنِيَّةٍ، وفي وقوعه بكنايةٍ بنِيَّةٍ ممَّن وكلِّ فيه بصريحٍ؛ وجْهانِ، وكذا (١) عَكْسُه في (٢) «التَّرغيب». ولا يَقَعُ بقَولها: «اخْتَرْتُ» بنِيَّةٍ، حتَّى تقولَ: نفسي أو أبَوَيَّ، أو الأزواج، ونقل ابنُ منصورٍ (٣): إن (٤) اختارت زَوجَها فواحدةٌ، ونَفْسَها ثلاثٌ. وعنه: إنْ خيَّرها، فقالت: طَلَّقْتُ نَفْسِي ثلاثًا؛ وَقَعَتْ، وإنْ أنْكَرَ قَولَها؛ قُبِلَ قَولُه. وتقبل (٥) دَعْوَى الزَّوج: أنَّه رَجَعَ قبل إيقاع وكيله (٦) عند أصحابنا. والمنصوصُ: أنَّه لا يُقبَلُ إلاَّ بِبَيِّنةٍ، قال الشَّيخ تقيُّ الدِّين: وكذا دعوى عِتْقِه ورَهْنِه ونحوه (٧). ومن وُكِّل في ثلاثٍ، فأَوْقَعَ واحدةً، أو عكسه (٨)؛ فواحدةٌ، نَصَّ عليهما (٩)، ولا يَمْلِكُ بالإطلاق (١٠) تعليقًا.

стр. 4734

(وَإِنْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ)؛ فهل يَختَصُّ بالمجلس؟ فيه وجْهانِ، أصْلُهما: هل تلحق (١) بالأُولى أو الثَّانية؛ وذلك تَوكيلٌ يبطل (٢) برجوعه. وكذا لو (٣) وكَّلها بعِوَضٍ (٤)، نَصَّ عليه (٥)، ويردُّ الوكيلُ. (فَقَالَتِ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَنَوَتِ الطَّلَاقَ؛ وَقَعَ)، نصره (٦) في «الشَّرح» وغَيره؛ لأِنَّه فَوَّض إليها الطَّلاقَ، وقد أوْقَعَتْهُ، أشْبَهَ ما لو أوْقَعَتْهُ بلفظه (٧) الصَّريح. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَقَعَ)؛ لأِنَّه فوَّضَه إليها بلفظه (٨) الصَّريح، فلا يَصِحُّ أنْ يُوقَعَ غيرُ ما فوَّضه إليها. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ التَّوكيلَ في شَيءٍ لا يَقتَضِي إيقاعَه بلفظه، كما لو وكَّله في البَيع، فباعه بلفظِ التَّمليك، وكما لو قال: اخْتارِي نفسَكِ، فقالت: طلَّقْتُ نَفْسِي، فإنَّه يَقَعُ مع اخْتِلاف اللَّفْظِ. (وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ)؛ لأِنَّه أقلُّ ما يَقَعُ عليه الاسم، (إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْهَا)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ يكونُ واحدةً وثلاثًا، فأيَّهما نواه؛ فقد نَوَى بلفظه ما احْتَمَله. ومميِّزٌ ومميِّزةٌ في ذلك كلِّه كبالغين (٩)، نَصَّ عليه.

стр. 4735

(وَإِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِأَهْلِكِ (١)؛ فهو كنايةٌ، إنْ نَوَى به الإيقاعَ وَقَعَ، وإنْ لم يَنْوِ به الإيقاعَ فهو كنايةٌ في حقِّها، فيَفتَقِرُ إلى قبولهم (٢)، والنِّيَّةُ من الزَّوج؛ لأنَّه (٣) لَيسَ بصريحٍ، (فَإِنْ قَبِلُوهَا؛ فَوَاحِدَةٌ) رجعيَّةٌ، (وَإِنْ رَدُّوهَا؛ فَلَا شَيْءَ)، هذا هو المشهورُ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ (٤)، وعَطاءٍ، ومَسْروقٍ؛ لأِنَّه تمليكٌ للبُضْع، فافْتَقَرَ إلى القَبول؛ كاخْتارِي، وكالنِّكاح، وعلى أنَّه لا يكونُ ثلاثًا؛ لأِنَّه محتَمِلٌ، فلا يُحمَلُ عليها عِنْدَ الإطلاق؛ كاخْتارِي؛ ولأِنَّها طلقةٌ لِمَنْ عليها عدَّةٌ بغَيرِ عِوَضٍ قبلَ اسْتِيفاء، فكانت رجعيَّةً؛ كأنتِ طالِقٌ. وقَولُه: (واحدةٌ) محمولٌ على ما إذا أطْلَقَ النِّيَّةَ، أوْ نَواها، فإنْ نَوَى ثِنْتَينِ أوْ ثلاثًا؛ فهو على ما نوى؛ كسائر الكنايات. (وَعَنْهُ: إِنْ قَبِلُوهَا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَوَاحِدَةٌ) رجعيَّةٌ، وقاله زَيدُ بنُ ثابِتٍ (٥)، والحسن.

стр. 4736

وعن أحمدَ: إنْ قَبِلوها فواحدةٌ بائنةٌ، وإنْ ردُّوها فواحدةٌ رجعيَّةٌ، وقاله (١) عليُّ بنُ أبي طالِبٍ (٢). وصِيغَةُ القَبول أنْ يَقولَ أهلُها: قَبِلْناها، نَصَّ عليه (٣). (وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ)؛ أيْ: فيها من الخلاف ما سَبَقَ، فإنْ ردَّت ذلك، فلَغْوٌ. وعنه: رجعيَّةٌ. وإذا (٤) نَوَى بالهبة (٥) والأمرِ والخيارِ الطَّلاقَ في الحال؛ وقع. تنبيهٌ: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لمسألة البيع، وحُكْمُها: أنَّه إذا باعها (٦) لغيره فلَغْوٌ وإنْ نَوَى الطَّلاقَ، نَصَّ عليه (٧)؛ لأِنَّه لا يتضمَّنُ معنى الطَّلاق؛ لكَونه مُعاوَضةً، والطَّلاقُ مُجرَّدُ إسْقاطٍ. وفي «التَّرغيب»: في كَونه كنايةً كهبةٍ وجْهانِ.

стр. 4737

وذَكَرَ ابنُ حَمْدانَ: إنْ ذَكَرَ عِوَضًا معلومًا؛ طَلَقَتْ مع النِّيَّة والقَبولِ، نَقَلَ حنبلٌ: وبائعٌ ومُشْتَرٍ كخائنٍ يُؤدَّبان (١)، ولا قَطْعَ، ويُحبَسانِ حتَّى يُظهِرَا تَوبةً (٢).

стр. 4738

(بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ) (يَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ، وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ)، وهذا مختارٌ لعامَّة الأصحاب، وهو قَولُ عثمانَ، وزَيدٍ (١)، وابنِ عبَّاسٍ (٢)؛ لِمَا رَوَى أبو رَزِينٍ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: قَوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] فأينَ الثَّالثةُ؟ قال: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩] رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه ابن القَطَّان (٣)، وقال (٤) عمرُ: «يُطلِّقُ العبدُ تَطليقتَينِ» رواه الشَّافعيُّ والدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ، وعن عائشةَ مرفوعًا، قال: «طلاقُ العبد اثْنَتانِ» رواه الدَّارَقُطْنيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ (٥)، ولأِنَّ الطَّلاقَ

стр. 4739

خالِصُ حقِّ الزَّوج، وهو ممَّا (١) يَختَلِفُ بالحُرِّيَّة والرِّقِّ، فكان اختلافُه كعدد المنكوحات. وظاهره: ولو طَرَأَ رِقُّه؛ كلُحوقِ ذِمِّيٍّ بدار حربٍ فاستُرِقَّ، وقد كان طلَّق ثنتَينِ، وقُلْنا: يَنْكِحُ عبدٌ حرَّةً؛ نَكَحَ هنا، وله طلقةٌ، ذَكَرَه المؤلِّفُ، وفي «الترغيب» وجْهانِ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّسَاءِ؛ فَيَمْلِكُ زَوْجُ الْحُرَّةِ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَزَوْجُ الْأَمَةِ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا)، هذا قَولُ ابنِ مسعودٍ (٢)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٣)؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «طَلاقُ الأَمةَ طَلْقَتانِ» رواه أبو داودَ، والتِّرمذي، والبَيهَقِيُّ (٤)، ولأِنَّ المرأةَ مَحَلُّ الطَّلاق، فيُعتبَرُ بها؛ كالعِدَّة.

стр. 4740

والأوَّلُ أصحُّ، والجوابُ عن حديثِ عائشة (١): بأنَّ روايه طاهِر (٢) بن أسْلَمَ، وهو مُنكَرُ الحديث، قالَه أبو داودَ، مع أنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ أخْرَجَه في «سننه» عن عائشةَ مرفوعًا، قال: «طلاقُ العبد اثْنَتانِ، فلا تَحِلُّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه» (٣)، ولأِنَّ الحرَّ يَملِكُ أنْ يتزوَّجَ أربعًا، فمَلَكَ ثلاثَ طَلَقاتٍ؛ كما لو كان تحتَه حرَّةٌ. ولا خلاِفَ في أنَّ الحرَّ الذي زَوْجَتُه حُرَّةٌ طلاقُه ثلاثٌ، والعبدَ الذي تحتَه أَمَةٌ طلاقُه اثْنَتانِ، وإنَّما الخِلافُ فيما (٤) إذا كان أحدُهما حرًّا والآخَرُ رقيقًا (٥). فرعٌ: المعتَقُ بعضُه كحُرٍّ، وفي «الكافي»: كقِنٍّ. والمكاتَب، والمدبَّر، والمعلَّق عِتْقُه بصفةٍ؛ كالقِنِّ. (وَإِذَا (٦) قَالَ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، أَوِ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ)، أو الطَّلاقُ يَلزَمُنِي، أو عليَّ الطَّلاقُ، أوْ أنتِ طالِقٌ الطَّلاقَ، (وَنَوَى الثَّلَاثَ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّ ذلك صريحٌ في المنصوص؛ لأِنَّه لَفَظَ بالطَّلاق، وهو مُستَعْمَلٌ في عرفهم، قال الشَّاعرُ (٧): أنَوَّهتِ (٨) باسْمِيَ في العالَمِينَ … وأفْنَيْتِ عُمْرِيَ عامًا فَعامَا فأنتِ الطَّلاقُ، وأنتِ الطَّلاقُ … وأنتِ (٩) الطَّلاقُ ثلاثًا تماما

стр. 4741

وقِيلَ: ليس بصريحٍ؛ لأِنَّه وَصَفَها في قوله: (أنتِ الطَّلاقُ) بالمصدر، وأخْبَرَ به عنها، وهو تجوُّزٌ، والثاني (١) كذلك؛ لأِنَّ مَنْ كثر (٢) منه شيءٌ يَضرُّه فهو عليه كالدَّين. قُلْتُ: وقد اشتهر (٣) استعمالُه في الإيقاع، فكان صريحًا، وسواءٌ كان مُنجَّزًا أوْ معلَّقًا بشَرْطٍ أوْ محلوفًا (٤) به. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا)؛ فعنه (٥): يَقَعُ ثلاثٌ، اختاره أبو بكرٍ، وفي «الروضة»: هو قَولُ جمهور الأصحاب؛ لأِنَّ الألِفَ واللام للاستغراق، فيَقتَضِي استِغْراقَ الكلِّ، وهو الثَّلاثُ. والثَّانيةُ: واحدةٌ، قال في «المغني»: وهي الأشْبَهُ؛ لأِنَّه اليقينُ، والأَلِفُ واللاَّمُ تُستَعْمَلُ لغَيرِ الاستغراق كثيرًا، ولأِنَّ أهلَ العُرْف لا يَعتَقِدونَه ثلاثًا، ولا يَفهَمُونَ أنَّهما للاستغراق. فرعٌ: إذا كان له أكثرُ من امرأةٍ، وثَمَّ نيَّةٌ أوْ سببٌ (٦) يَقتَضِي تعميمًا أوْ تخصيصًا؛ عُمِلَ به، وإلاَّ وَقَعَ بالكلِّ، وقِيلَ: بواحدةٍ بقُرْعةٍ. (أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الثَّلَاثَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا (٧): تَطْلُقُ ثَلَاثًا)، اختارها جمعٌ؛ لأِنَّه نَوَى بلفظه ما يحتمله (٨) فوقَعَ، كقوله: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، ولأِنَّ (طالِقٌ) اسمُ فاعِلٍ، وهو يَقتَضِي

стр. 4742

المصدرَ كما يَقتَضيهِ الفِعْلُ، والمصدرُ يَقَعُ على القليل والكثير (١). (وَالْأُخْرَى: وَاحِدَةٌ)، وهي (٢) قَولُ الحَسَنِ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، واختارها أكثرُ المتقدِّمِينَ؛ لأِنَّ هذا اللَّفظَ لا يَتضمَّنُ عددًا ولا بَينونَةً، فلم يَقَعْ به الثَّلاثُ، ولأِنَّ أنتِ طالِقٌ إخبارٌ عن صفةٍ هي عليها، فلم يتضمَّن العدد (٣)، كقوله (٤): حائضٌ وطاهرٌ. والأُولى أصحُّ، والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ تعدُّدهما في حقِّها في آنٍ واحدٍ، بخلاف الطَّلاق. ولو قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، ونَوَى واحدةً، فهِي ثلاثٌ، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٥)؛ لأِنَّ اللَّفظَ صريحٌ في الثَّلاث، والنِّيَّةُ لا تُعارِضُ الصَّريحَ؛ لأِنَّها أضْعَفُ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَنَوَى ثَلَاثًا؛ لَمْ تَطْلُقْ إِلاَّ وَاحِدَةً فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو الأصحُّ؛ لأِنَّه نَوَى ما لا يَحتمِلُه لَفْظُه، فلو وَقَعَ أكثرُ منها؛ وقع بمجرَّد النِّيَّة. والثَّاني: يَقَعُ ثلاثًا؛ لأِنَّه نواها؛ ولأِنَّه يَحتَمِلُ أنتِ طالِقٌ واحدةً معها اثْنَتانِ. قال (٦) في «المغني» و «الشَّرح»: (وهذا فاسِدٌ؛ لأِنَّ قَولَه: معها اثْنَتانِ لا يُؤدِّيه معنى الواحدة، ولا يَحتَمِلُه، فنِيَّتُه فيه نيَّةٌ مجرَّدةٌ، فلا تَعْمَلُ، كما لو

стр. 4743

نوى الطَّلاقَ من غَيرِ لفظٍ). وفيه نَظَرٌ، فإنَّ الواحدةَ إذا لم تَحتَمِلْ ذلك؛ فأنتِ (١) طالق يَحتَمِلُه، قاله ابنُ المنَجَّى. فعلى الثَّاني: لو قال: أنتِ طالِقٌ، وصادَفَ قَولُه: (ثلاثًا) مَوتَها، أوْ قارَنَه؛ فواحدةٌ، وعلى الأوَّل: يَقَعُ ثلاثًا؛ لوجود المفسِّر في الحياة، قاله في «التَّرغيب». ولعلَّ فائدةَ الخِلاف تَظهَرُ في المدخول بها، هل يَرِثُها أمْ لا؟ (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا)، قال ابن حَمْدانَ: مع النِّيَّة؛ لأِنَّ التَّفسير يَحصُلُ بالإشارة، وذلك يَصلُحُ للبيان؛ لقوله ﵇: «الشَّهْرُ هكذا، وهكذا، وهكذا (٢)» (٣). فإنْ لم يَقُلْ: هكذا؛ فواحدةٌ، ذَكَرَه في «الشَّرح» و «الفروع» (٤)؛ لأِنَّ إشارتَه لا تَكْفِي، وتوقَّف أحمدُ (٥)، واقْتَصَرَ عليه في «الترغيب». (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِعَدَدِ (٦) الْمَقْبُوضَتَيْنِ؛ قُبِلَ مِنْهُ)؛ أيْ: يَقَعُ ثِنْتانِ؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ ما يدَّعِيهِ، كما لو فسَّر المُجْمَلَ بما يَحتَمِلُه. وفي «الرِّعاية»: إنْ أشار بالكلِّ فواحدةٌ. (وَإِنْ قَالَ) لِإحْدَى امْرأتَيهِ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، بَلْ هَذِهِ)؛ أي: الأخرى (ثَلَاثًا؛ طَلَقَتِ الْأُولَى وَاحِدَةً)؛ لأِنَّه طلَّقها واحدةً، والإضرابُ بَعْدَ ذلك لا

стр. 4744

يَصِحُّ؛ لأِنَّه رفعٌ (١) للطَّلاق بَعْدَ إيقاعه، (وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّه أوْقَعَه بها (٢)، أشْبَهَ ما لو قال: له عليَّ هذا الدِّرهم، بل هذا، ولأِنَّ الإضْرابَ إثْباتُ الثاني (٣) ونفيُ الأوَّل. وإنْ قال: هذه طالق (٤)، بَلْ هذه؛ طَلَقَتَا، نَصَّ عليه (٥). وإنْ قال: هذه أو هذه (٦) وهذه طالِقٌ؛ وَقَعَ بالثَّالثة وإحدى (٧) الأُولَيَيْنِ، ك: هذه أوْ هذه بل هذه. وقِيلَ: يُقرِعُ بَينَ الأولى والآخِرتَينِ. وإنْ قال: هذه وهذه أو هذه؛ وقَعَ بالأولى، وإحدى (٨) الآخِرَتَينِ؛ ك: هذه بل هذه أوْ هذه. وقيل: بل (٩) يُقرِعُ بَينَ الأُولَيَينِ والثَّالثة. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ (١٠) كُلَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، أَوْ جَمِيعَهُ، أَوْ مُنْتَهَاهُ)، أوْ غايَتَه، (أَوْ طَالِقٌ كَأَلْفٍ، أَوْ بِعَدَدِ الْحَصَى، أَوِ الْقَطْرِ، أَوِ الرِّيحِ، أَوِ الرَّمْلِ، أَوِ التُّرَابِ)، وما أشْبَهَ ذلك مِمَّا يَتعدَّدُ؛ (طَلَقَتْ ثَلَاثًا وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً)، نَصَّ عليه في كألْفٍ (١١)؛ لأِنَّ هذا يَقتَضِي عددًا،

стр. 4745

ولأِنَّ للطلاق (١) أقلَّ وأكثرَ، فأقلُّه واحدةٌ، وأكثرُهُ ثَلاثٌ. وكذا (٢) إنْ قال: أنتِ طالِقٌ كمائةٍ أوْ ألْفٍ؛ لأِنَّ قولَه: كألْفٍ؛ تشبيهُ العدد خاصَّةً؛ لأِنَّه لم يَذكُرْ إلاَّ ذلك، كقوله: أنتِ طالِقٌ كعَدَدِ ألف (٣)، وفي «الانتصار» و «المستوعب»: ويَأثَمُ بالزِّيادة. وإنْ نَوَى: كألْفٍ في صُعوبتها؛ ففي الحكم الخِلافُ، والأشْهَرُ: أنَّه يُقبَلُ (٤). (وَإِنْ قَالَ: أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَغْلَظَهُ، أَوْ أَعْرَضَهُ، أَوْ مِلْءَ الدُّنْيَا)، أوْ مِثْلَ الجبل، أو عِظَمه (٥)؛ (طَلَقَتْ وَاحِدَةً) رجعيَّةً؛ لأِنَّ هذا الوصفَ لا يَقتَضِي عددًا، والطَّلقةُ الواحدةُ تُوصَفُ بأنَّها يَملأُ الدُّنيا ذِكْرُها، وأنَّها أشدُّ الطَّلاق وأعرضه (٦). (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا)؛ فيَقَعُ؛ لأِنَّ اللَّفظَ صالِحٌ لأِنْ يُرادَ به ذلك، فإذا نواه وَجَبَ إيقاعُه؛ لتَرجُّحه بالنِّيَّة، ونَقَلَه ابنُ منصورٍ في مِلْءِ البيت (٧). وفي أقصاه (٨) أو أكثرِه أوْجُهٌ، ثالِثُها: أكثرُه ثلاثٌ. وفي «الفنون»: أنَّ بعضَ أصحابنا قال في (٩) أشدِّ الطَّلاق؛ كأقْبَحِ

стр. 4746

الطَّلاق: يَقَعُ طلقة (١) في الحيض، أو ثلاثٌ، على احْتِمالِ وجهَينِ، وأنَّه كَيفَ يُسوَّى بَينَ أشدِّ الطَّلاق وأهْوَنِه. فرعٌ: إذا أوْقَعَ طلقةً، ثُمَّ قال: جَعَلْتُها ثلاثًا، ولم يُرِد استِئْنافَ طلاقٍ بعدَها؛ فواحدةٌ، قاله في «الموجز» و «التَّبصرة». (فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إِلَى ثَلَاثٍ؛ وَقَعَ طَلْقَتَانِ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأنَّ (٢) ما بعدَ الغاية لا يَدخُلُ فيها بمُقْتَضَى اللُّغة، وإنِ احْتَمَل بوصوله لم يُوقِعْه بالشَّكِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا)، هذا روايةٌ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوبَ مِنْ أوَّلِه إلى آخِرِه، قال القاضي: وأصْلُ الرِّوايتَينِ: إذا حَلَفَ لا يَفعَلُ شيئًا إلى يَومِ الفِطْر، هل يَدخُلُ يَومَ الفطر فيه؟ فيه (٣) رِوايَتانِ. مسألةٌ: إذا طَلَّقَ زَيدٌ امرأتَه، فقال عَمْرٌو لزوجته: وأنتِ مِثْلُها، أوْ كهِيَ، ونوى الطَّلاقَ؛ طَلَقَتْ واحدةً، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً فِي اثْنَتَيْنِ، وَنَوَى طَلْقَةً مَعَ طَلْقَتَيْنِ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّه يُعبَّرُ ب «في» عن «مع»؛ كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾ [الفَجر: ٢٩]، فإذا نَوَى ذلك بلَفْظِه؛ قُبِلَ منه، وَوَقَعَ ما نَواهُ. فإنْ قال: أردتُ واحدةً؛ قُبِلَ منه وإنْ كان حاسِبًا. وقال القاضِي: تقع (٤) طَلْقَتانِ إذا كان حاسِبًا؛ لأِنَّه خلافُ ما اقْتَضاهُ اللَّفْظُ. وجَوابُه: أنَّه فسَّرَ كلامَه بما يَحتَمِلُه، فإنَّه لا يَبعُدُ أنْ يُريدَ بكلامه ما يُريدُه العامِّيُّ.

стр. 4747

(وَإِنْ نَوَى مُوجَبَهُ عِنْدَ الْحِسَابِ، وَهُوَ يَعْرِفُهُ؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ)؛ لأِنَّ ذلك مدلولُ اللَّفظ عندَهم، وقد نَواهُ وعَرَفَه، فيَجِبُ وُقوعُه، كما لو قال: أنتِ طالِقٌ ثنتَينِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وهو أشْهَرُ؛ قياسًا على الحاسِب؛ لاِشْتِراكِهِما في النِّيَّة. (وَعِنْدَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ وَاحِدَةً)؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ منه قَصْدُ ما لا يَعرِفُه، فهو كالأعجميِّ يَنْطِقُ بالطَّلاق بالعربيِّ ولا يَفهَمُه. وقِيلَ: ثلاثًا؛ بِناءً على أنَّ «في» معناها (١): «مع»، فالتَّقديرُ: أنتِ طالِقٌ مع طلقتَينِ. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ وَقَعَ بِامْرَأَةِ (٢) الْحَاسِبِ طَلْقَتَانِ)؛ لأِنَّه لَفْظٌ مَوضُوعٌ في اصْطِلاحهم لاِثنَينِ، فَوَجَبَ العَمَلُ به، (وَبِغَيْرِهَا طَلْقَةٌ)؛ لأِنَّ اللَّفْظَ إنَّما صار (٣) مصروفًا إلى اثنتَينِ بِوضْعِ أهلِ الحساب، فإذا لم يَعرِفْه؛ لم يَلزَمْه مُقتَضاهُ، كالعربيِّ يَنْطِقُ بالطَّلاق بالعجميَّة وهو لا يَعْرِفُ معناها. وقِيلَ: ثِنْتانِ، ووجهه (٤) ما سَبَقَ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَطْلُقَ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّه إذا لم يكُنْ له نيَّةٌ؛ وَجَبَ حَمْلُ «في» على معنى «مع». وقِيلَ: بعامِّيٍّ. قال المؤلِّفُ: لم يُفرِّقْ أصحابُنا بَينَ أنْ يكونَ المتكلِّمُ بذلك مِمَّنْ له عُرْفٌ في هذا اللَّفظ أوْ لَا.

стр. 4748

والظَّاهِرُ: أنَّه إنْ كان المتكلِّمُ بذلك ممَّن (١) عُرْفُهم أنَّ «في» بمعنى «مع»؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرادةُ ما تَعارَفُوهُ. وقال أبو الخَطَّاب: ويَحتَمِلُ أنَّه لا يَقَعُ طلاقُه. كلُّ هذا: إذا (٢) أطْلَقَ (٣) ولم يَعرِف الحِسابَ. مسألةٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ بعدَدِ ما طلَّق فُلانٌ زَوْجتَه، وجُهِلَ عَدَدُه؛ فطلقةٌ، وقِيلَ: بعَدَدِه.

стр. 4749

(فَصْلٌ) بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ - فَصْلٌ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ جُزْءُ طَلْقةٍ؛ كَهِيَ. (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ)؛ فيَقَعُ واحدةٌ؛ لأِنَّ الطَّلاقَ لا يَتَبعَّضُ في قَولِ عامَّتهم، وحكاه ابنُ المنذر إجماعَ مَنْ يَحفَظُ عنه (١). (أَوْ نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ؛ طَلَقَتْ طَلْقَةً)؛ لأِنَّ نصفَ الطَّلْقَتَينِ طَلْقةٌ. وذَكَرَ بعضُ العلماء: أنَّها تَطلُقُ طَلْقتَينِ؛ لأِنَّ اللَّفظَ يَقتَضِي النِّصفَ من (٢) كلِّ واحدةٍ منهما، ثُمَّ تُكمَّلُ. وما ذَكَرْناهُ أَوْلَى؛ لأِنَّ التَّنصيفَ يَتَحَقَّقُ به، وفيه عَمَلٌ باليقين وإلْغاءُ الشَّكِّ، وإيقاعُ ما أَوْقَعَه مِنْ غَيرِ زيادةٍ. (وَإِنْ قَالَ: نِصْفَيْ (٣) طَلْقَتَيْنِ)؛ وَقَعَ طَلْقَتانِ؛ لأِنَّ نِصْفَي الشَّيء جميعُه، أشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالِقٌ طَلْقتَينِ. (أَوْ ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ)؛ لأِنَّ ثلاثةَ الأنصاف؛ طلقةٌ ونصفٌ، فيُكمَّلُ النِّصفُ، فصار ذلك طلقتَينِ. وقِيلَ: واحدةٌ؛ لأِنَّ الأجزاء من طَلْقةٍ، فالزَّائدُ عَلَيها يكونُ لَغْوًا؛ لأِنَّه لَيسَ منها (٤). وكذا الخِلافُ في خمسةِ أرْباعِ طَلْقةٍ، أوْ أربعةِ أثْلاثٍ. (وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَتَيْنِ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا)، نَصَّ عليه في روايةِ

стр. 4750

مُهَنَّى (١)، ونَصَرَه جمعٌ؛ لأِنَّ نصفَ الطَّلقتَينِ طَلْقةٌ، وقد كرِّر (٢) ثلاثًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَطْلُقَ طَلْقَتَيْنِ)، هذا قَولُ ابنِ حامِدٍ؛ لأِنَّ معناه: ثلاثةُ أنْصافٍ من طلقتَينِ، وذلك طلقةٌ ونصفٌ، ثُمَّ تُكمَّلُ فتَصِيرُ طلقتَينِ. وجَوابُه: بأنَّه تأويلٌ يُخالِفُ ظاهِرَ اللَّفْظ. قال في «الفروع»: ويَتوَجَّهُ مِثْلُها ثلاثةَ أرْباعِ ثِنتَينِ، وفي «الرَّوضة»: يَقَعُ ثِنْتانِ. (وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، ثُلُثَ طَلْقَةٍ، سُدُسَ طَلْقَةٍ)؛ أيْ: يَقَعُ واحدةٌ؛ لأِنَّ ذلك أجزاء (٣) طلقةٍ واحدةٍ، ولَيسَ في اللَّفْظ ما يَقتَضِي التَّغايُر؛ لأِنَّه غير مَعْطوفٍ. (أَوْ نِصْفَ، وَثُلُثَ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ؛ طَلَقَتْ طَلْقَةً)؛ لأِنَّ الإضافةَ إلى الطَّلْقة، فيَجِبُ أنْ تَطلُقَ واحدةً. (وَإِنْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، وَثُلُثَ طَلْقَةٍ، وَسُدُسَ طَلْقَةٍ؛ طَلَقَتْ)، سَوَاءٌ كانت (٤) مدخولاً بها أوْ لَا، (ثَلَاثًا)؛ لأِنَّه علَّق أجزاءَ (٥) الطَّلْقة على جُزْءٍ آخَرَ، وهو يَدُلُّ على المغايَرة، فيَقَعُ جُزْءٌ، ثُمَّ يُكمَّلُ بالسِّراية (٦)؛ لأِنَّه لو كانت الثَّانيةُ هي الأولى؛ لجاءَ بها بلامِ التَّعريف، فقال: ثُلث الطَّلقة، سُدُس الطلقة؛ لأِنَّ أهلَ العربيَّة قالوا: إذا ذُكِرَ لَفْظٌ، ثُمَّ أُعِيدَ مُنَكَّرًا؛ فالثَّاني غيرُ الأوَّل، وإنْ أُعِيدَ مُعرَّفًا بها؛ فالثَّاني هو الأوَّلُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ

стр. 4751

يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشَّرح: ٥ - ٦]، فالعُسْرُ الثَّاني هو الأول (١)، بخِلافِ اليُسْر؛ ولهذا قِيلَ: لَنْ يَغلِبَ عُسْرٌ يُسْرَينِ، وقِيلَ: لو أراد بالثَّانية الأُولى لَذَكَرَها بالضَّمير؛ لأِنَّه هو الأولى (٢). (وَإِنْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ)، أوْ عَلَيكُنَّ، نَصَّ عليه (٣)، (طَلْقَةً أَوِ اِثْنَتَيْنِ (٤)، أَوْ ثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا؛ وَقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةٌ)؛ لأِنَّ اللَّفْظَ اقْتَضَى قَسْمَ الطَّلْقة بينهنَّ (٥) أوْ عَلَيهنَّ؛ لكلِّ واحدةٍ رُبُعُها، ثُمَّ تكمَّلُ. وكذا إنْ قال: أوْقَعْتُ بَينَكنَّ طَلْقتَينِ، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب؛ لأنَّه (٦) إذا قَسَمَ؛ لم يَزِدْ واحِدةً على طَلقَةٍ. وعَنْهُ: يَقَعُ بكلِّ واحدة (٧) طَلْقَتانِ، وقاله (٨) أبو بكرٍ والقاضِي؛ لأِنَّه إذا قُسِمَت اثنتان (٩) بَينَهنَّ؛ كان لكلِّ واحدةٍ جُزآنِ من طَلْقَتَينِ، ثُمَّ يُكمَّلُ كلُّ جُزْءٍ. قال في «المغْنِي»: والأول (١٠) أَوْلَى؛ لأِنَّه إنَّما يقسمُ بالأَجزاء مع الاِخْتِلاف؛ كالدُّور (١١) ونحوها من المختَلِفات، فأمَّا الجُمَل المتساوية من

стр. 4752

جنسٍ كالنُّقود؛ فإنَّما يُقسم (١) برؤوسها، ويكمَّلُ نصيبُ كلِّ واحدٍ من واحدٍ؛ كأربعةٍ لهم دِرْهَمانِ صحيحانِ، فإنَّه يُجعَلُ لكلِّ واحِدٍ نصفُ درهمٍ من درهمٍ واحِدٍ، والطَّلَقات لا اخْتِلافَ فيها، ولأِنَّ فيما ذَكَرْنا أخْذًا باليقين، فكان أوْلَى من إيقاعِ طلقةٍ زائدةٍ بالشَّكِّ. وكذا إذا قال لهنَّ: أوْقَعْتُ بَينَكُنَّ ثلاثًا؛ فإنَّه يُصيبُ كلَّ واحدةٍ ثلاثةُ أرْباعِ طلقةٍ، ثُمَّ تكمَّلُ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ (٢) إِذَا قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلَاثًا، مَا أُرَى (٣) إِلاَّ قَدْ بِنَّ مِنْهُ)، نَقَلَها الكَوْسَجُ (٤)، (وَاخْتَارَهُ (٥) الْقَاضِي)؛ لأِنَّ الثَّلاثَ إذا قُسِمَتْ بَينَهنَّ؛ كان لكلِّ واحدة (٦) جُزْءٌ مِنْ ثلاثِ طَلَقاتٍ، ثُمَّ تكمَّلُ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّهنَّ يَطلُقْنَ ثلاثًا ثلاثًا (٧) على قَولِ أبي بكرٍ والقاضي. (وَإِنْ قَالَ: أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسًا؛ فَعَلَى الأُولَى (٨): يَقَعُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ)؛ لأِنَّ لكلِّ واحِدةٍ طلقةً ورُبُعًا، ثُمَّ تكمَّلُ، وعلى الثَّانية: يَقَعُ بكلِّ واحدةٍ ثلاثٌ؛ لأِنَّه إذا طَلَقَتْ ثلاثًا فِيما إذا أوْقَعَ ثلاثًا (٩)؛ فَلَأنْ تطلق (١٠)

стр. 4753

ثلاثًا إذا أوقع (١) خمسًا بطَريقِ الأَوْلَى. فإنْ قال: أوْقَعْتُ سِتًّا، أوْ سَبْعًا، أوْ ثَمانيًا؛ فكذلك. فإنْ قال: أوْقَعْتُ بَينَكُنَ تِسْعًا؛ وَقَعَ بكلِّ واحدةٍ ثلاثٌ عليهما (٢). وإنْ قال: أوْقَعْتُ بَينَكنَّ طَلْقةً وطَلْقةً وطَلْقةً؛ فثَلاثٌ في قياس المذهب؛ لأِنَّ الواو لا (٣) يَقتَضِي ترتيبًا. وقِيلَ: واحدةٌ على الأولى (٤). فإنْ قال: أوْقَعْتُ بَينَكنَّ نصف (٥) طَلْقةٍ، وثُلُثَ طَلْقةٍ وَسُدُسَ طَلْقةٍ؛ وَقَعَ ثلاثٌ، كما لو عَطَفَه بالفاء أوْ ثُمَّ، إلاَّ التي لم يَدخُلْ بها، فإنَّها تَبِينُ بالأُولَى.

стр. 4754

(فَصْلٌ) (إِذَا قَالَ: نِصْفُكِ، أَوْ جُزْءٌ مِنْكِ)، سواءٌ كان مُعيَّنًا، أوْ مُشاعًا، أوْ مُبْهَمًا، (أَوْ إِصْبَعُكِ، أَوْ دَمُكِ طَالِقٌ؛ طَلَقَتْ)، نَصَّ عليه (١)؛ لِصحَّته في البعض، بخلافِ: زوَّجْتُكَ بعضَ وليَّتِي. وذَكَرَ ابنُ البَنَّاء: لا تَطلُقُ بدَمِها؛ كلَبَنها. وإنْ أضافَه إلى سوادها، أو بياضها؛ لم يَقَعْ؛ لأِنَّه عَرَضٌ (٢)، وقِيلَ: بلى. فإنْ قال: يَدُكِ طالِقٌ، ولا يَدَ لها، أوْ إنْ قُمْتِ فهي طالِقٌ، فقامَتْ وقد قُطِعتْ؛ فوجْهانِ، بِناءً على أنَّه هل هو بطريقِ السِّراية، أوْ بطريقِ التَّعبير بالبعض عن الكلِّ؟ (وَإِنْ قَالَ: شَعْرُكِ، أَوْ ظُفُرُكِ، أَوْ سِنُّكِ طَالِقٌ؛ لَمْ تَطْلُقْ) نَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّها (٤) تَزُولُ ويَخرُجُ عِوَضُها في الشَّعْر؛ ولأِنَّه لا رُوحَ فيه، ولا يَنتقِضُ الوُضوءُ بِمَسِّه، أشْبَهَ العَرَقَ. وقِيلَ: تَطلُقُ، وهو قَولُ الحَسن وغَيرِه؛ لأِنَّه جُزْءٌ يستباح (٥) بنكاحها، فتَطلُقُ به؛ كالإصبع (٦). وجَوابُه: بأنَّه جزءٌ يَنفَصِلُ عنها في حال السَّلامة، بخلاف الإصبع.

стр. 4755

(وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الرِّيقِ، وَالدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْحَمْلِ؛ لَمْ تَطْلُقْ)، بغَيرِ خلافٍ نعلَمه (١)؛ لأِنَّه ليس من ذاتها، وإنَّما هو مجاور لها، والحَملُ وإنْ كان مُتَّصِلاً بها؛ فمآلُه إلى الانفصال، وهو مُودَعٌ فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعَام: ٩٨]، قِيلَ: هو مُستَودَعٌ في بطنِ الأمِّ. وفي «الانتصار»: هل يَقَع، ويَسقُط القَولُ بإضافته إلى صفةٍ؛ كسمعٍ وبصرٍ؟ إنْ قلنا: تسميةُ الجزء عبارة عن الجميع - وهو ظاهر كلامه -؛ صحَّ، وإنْ قُلْنا بالسراية (٢)؛ فلا. (وَإِنْ قَالَ: رُوحُكِ طَالِقٌ؛ طَلَقَتْ)، جزم به جَمْعٌ من أصحابنا؛ لأِنَّ الجملةَ لا تبقى بعدم مُزايِلِها (٣)، أشبه الحياة والدَّم. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَطْلُقُ)، نَصَّ عليه (٤)، وهو ظاهر ما في «الفروع»، قال أبو بكرٍ: لا يَختلِفُ قَولُ أحمد أنَّه لا يَقَعُ طلاقٌ، وعتقٌ، وظِهارٌ، وحرامٌ، بذكْر الشَّعر، والظُّفر، والسِّنِّ، والرُّوح، فبِذلك أقول (٥)، ولأنَّها لَيستْ عُضْوًا ولا شيئًا يُستَمْتَعُ به. وحَكَى في «المستوعب» عن أحمدَ: التَّوقُّفَ عنها. مسألةٌ: العِتقُ في ذلك كطلاقٍ.

стр. 4756

(فَصْلٌ: فِيمَا تُخَالِفُ بِهِ الْمَدْخُولُ بِهَا غَيْرَهَا) (إِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ (١) بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ)، بغيرِ خلافٍ (٢)؛ لأنَّ (٣) كلَّ واحدٍ يَقتَضِي وقوعًا (٤) إذًا، وكذا (٥) إذا اجتمع مع غيره، وإنْ قاله ثلاثًا؛ طَلقت ثلاثًا، أشبه ما لو قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا. (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِالثَّانِيَةِ التَّأْكِيدَ، أَوْ إِفْهَامَهَا)؛ لأِنَّه قَصَدَ بالثَّاني عين (٦) الأوَّل، فلم يَقَعْ به شَيءٌ، وشَرطُه الاِتِّصالُ، فلو قال: أنتِ طالقٌ، ثمَّ مَضَى زمنٌ طويلٌ، ثمَّ أعاد ذلك لها؛ طَلقتْ ثانيةً، ولم يُقبَلْ منه التَّأكيدُ؛ لأِنَّه تابِعٌ للكلام، فقُبِلَ مُتَّصِلاً؛ كسائر التَّوابِع من العطف والصِّفة والبَدَل. فلو نوى بالثالثة (٧) تأكيدَ الأولة؛ لم يُقبَلْ، وَوَقَع الثَّلاثُ. وإنْ وكَّد الثَّانية بالثَّالثة؛ ففي قَبوله في الحُكم رِوايَتانِ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه مع الإطلاق وجهٌ كإقرارٍ، وقد نَقَلَ أبو داود في قوله: اعْتَدِّي اعْتَدِّي، فأراد الطَّلاقَ، هي تطليقةٌ (٨). تنبيهٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ طالِقٌ؛ فهي (٩) واحدةٌ؛ لأِنَّ اللَّفظَ الثَّانيَ لا يصلح للاستئناف، فيُصرَفُ إلى التَّأكيد؛ كقوله (١٠) ﵇: «فنكاحُها باطِلٌ

стр. 4757

باطِلٌ» (١)، وإنْ قَصَدَ بالثَّانية الإيقاعَ؛ طلقتْ طلقتَينِ، ويُقدَّر له ما يَتِمُّ الكلام به. فلو قال: أنتِ طالِقٌ وطالقٌ وطالِقٌ؛ فثلاثٌ، نصَّ عليه (٢)، وعنه: تَبِينُ قبلَ الدُّخولِ بالأُولى؛ بناءً على أنَّ الواوَ للترتيب (٣). ولو قال: طالِقٌ، وكرَّره؛ وَقَعْنَ، ولو قصد التأكيد (٤) وكان قبل الأخيرة (أنت) (٥). فرعٌ: إذا أتى بشرطٍ، أو استثناءٍ، أو صفةٍ، عقب جملةٍ؛ اختصَّ بها، بخلاف المعطوف والمعطوف عليه. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، أَوْ بَلْ طَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ (٦) طَلْقَةً، بَلْ طَلْقَتَيْنِ، أَوْ بَلْ طَلْقَةً، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً بَعْدَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ قَبْلَ طَلْقَةٍ (٧)؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ)، وفيه مسائلُ: الأولى: إذا قال: أنتِ طالِقٌ فطالِقٌ؛ يَقَعُ طَلْقتانِ؛ لأِنَّ الثَّانيةَ صادَفَتْ محلَّ النِّكاح، فيَقَعُ، ولأِنَّ الفاءَ تقتَضِي الجَمْعَ مع التَّعقيب، و (ثمَّ) تقتضيهِ مع التَّراخِي. الثَّانيةُ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ، بل طالِقٌ؛ تَطلُق طلقتَينِ؛ لأِنَّ الأوَّلَ اقتضى

стр. 4758

إيقاعَ طلقةٍ، والطَّلاقُ لا يَرتفِعُ بعدَ وقوعه، والثاني (١) يقتضي إيقاع (٢) طلقةٍ؛ لأِنَّ (بل) لإثبات الثَّاني، والإضراب عن الأوَّل، فإذا لم يصِحَّ إضرابُه؛ وَجَبَ وقوعُهما جميعًا. وعنه: في: أنتِ طالقٌ طلقةً بل طلقةً، أو طالِقٌ بل طالق (٣)؛ واحدةٌ، كما لو قال: له (٤) عليَّ درهمٌ بل درهمٌ. الثَّالثةُ: إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقةً بل طلقتَينِ، أو بل طلقةٌ؛ يَقَعُ ثِنتانِ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وأوْقَعَ أبو بكرٍ، وابن الزَّاغوني في طلقةٍ بل طلقتَينِ: ثلاثًا؛ لأِنَّ الأوَّل إيقاعُ واحدةٍ، والثَّانيَ يقتضي إيقاعَ طلقتَينِ. والمنصوص: أنَّه يقع ثِنتانِ (٥)؛ لأِنَّ الأولى يصحُّ دخولُها في الثِّنتَينِ، فلا يكونُ الإضرابُ عنها مستدركًا؛ لأِنَّ فيه زيادةَ فائدةٍ، وهو الوقوع، والثَّانية ظاهرةٌ. الرَّابعة: إذا قال: أنتِ طالِقٌ طلقةً بعدَها طلقةٌ، أوْ قبلَ طلقةٍ؛ فإنَّها تطلق اثنتين؛ لأنَّ ذلك صريحٌ في الجمع (٦)، والمحل (٧) يحتمِلُه. فإنْ أراد في (بعدَها طلقة) سأوقعها؛ ففي الحكم رِوايَتانِ. وفي «الرَّوضة»: لا يُقبَلُ حكمًا، وفي باطِنٍ رِوايَتانِ. وقِيلَ: تَطلُقُ واحدةً، قَطَعَ به في (قَبْلَ طلقةٍ) في «المذهب»،

стр. 4759

و «المستوعب»، وزاد: بعد طلقةٍ. (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا؛ بَانَتْ بِالْأُولَى)؛ لأِنَّها صادَفَتْ مَحَلًّا، (وَلَمْ يَلْزَمْهَا مَا بَعْدَهَا)؛ لأِنَّها بائنٌ، فلم يَلحَقْها طلاقٌ؛ كالأجنبيَّة. (وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهَا (١) طَلْقَةً؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي)؛ أيْ: تَطلُقُ واحدةً إذا كانَتْ غَيرَ مدخولٍ بها؛ لأِنَّه طلاقٌ بعضُه قبلَ بعضٍ، فلم يَقَعْ بغَيرِ المدخول بها جميعه، كما لو قال: طلقةً بعدَ طلقةٍ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ)، وقاله أبو بكرٍ، (وَيَقَعَانِ مَعًا)؛ لأِنَّه اسْتَحالَ وقوعُ الطَّلْقة الأخرى قبلَ الطَّلقة المُوقَعَةِ، فَوَقَعَتْ معها؛ لأِنَّها لما (٢) تأخَّرتْ عن الزَّمن الَّذي قَصَدَ إيقاعَها فيه لكَونِه زمنًا ماضِيًا؛ وَجَبَ إيقاعُها في أقْرَبِ الأزمنةِ إليه، وهو مَعَها، ولا يَلزَمُ تأخيرُها إلى ما بعدَها؛ لأِنَّ قبلَه زمَنًا يُمْكِنُ الوقوع (٣) فيه، وهو زَمَنٌ قريبٌ، فلا يُؤخَّرُ إلى البعيد. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ؛ طَلَقَتِ اثْنَتَيْنِ)؛ لأِنَّ لفظَه يَقتَضِي وقوعَهما معًا، كما لو قال: أنتِ طالِقٌ اثنتَينِ، فلو قال: معها اثْنَتانِ؛ وَقَعَ ثلاثٌ في قياس المذهب. وكذا إنْ قال: أنتِ طالِقٌ طلقةً تحتَ طلقةٍ، أوْ تحتها (٤)، أو فَوقَ طلقةٍ، أوْ فَوقَها. (أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ)؛ لأِنَّ الواوَ تَقتَضِي الجمعَ، ولا ترتيبَ فيها، ولأِنَّ الكلامَ إنَّما يَتِمُّ بآخِرِه في الشَّرط والصِّفة والاِستِثْناء، فكذا في

стр. 4760

العطف، ويُفرَّقُ بينها (١)، فإنَّ الثلاثة (٢) مُغَيِّرةٌ له، بخِلافِ العَطْفِ، فإنَّه لا يُغيِّرُ. وجوابُه: أنَّ العطف هنا تبيين (٣) عدد الواقع؛ فهو كالصِّفة. تنبيهٌ: إذا غايَرَ بَينَ الحروف، ونَوَى التَّأكيدَ؛ لم يُقبَلْ منه؛ لأِنَّه إنَّما يكون بتكرير الأوَّل بصُورَتِه. وإنْ قال: أنتِ مطلَّقةٌ، أنتِ مُسرَّحةٌ، أنتِ مُفارَقةٌ، ونَوَى التَّأكيدَ بالثَّانية والثَّالثة؛ قُبِلَ؛ لأِنَّه لم يُغايِرْ بينها (٤) بالحروف الموضوعةِ للمُغايَرَة بَينَ الألفاظ، بل أعاد (٥) اللَّفظَ بمَعْناهُ، ومِثلُ (٦) هذا يُعادُ توكيدًا (٧). فلو عَطَفَ فقال: مُطلَّقةٌ، ومُسرَّحةٌ، ومُفارَقةٌ، وقال: أردتُّ التَّأكيدَ؛ فاحْتِمالانِ. (وَالْمُعَلَّقُ كَالْمُنَجَّزِ فِي هَذَا)؛ لأِنَّ المعلَّقَ على الشَّرْط بحيث (٨) تحقُّقه عندَ وُجودِ الشَّرط، فيَجِبُ أنْ يَقَعَ على الصِّفة الَّتي كان يَقَعُ عليها لو كان مُنَجَّزًا، تقدَّم الشَّرْطُ أوْ تأخَّرَ. (فَلَوْ قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَهَا طَلْقَةٌ، أَوْ مَعَ طَلْقَةٍ، فَدَخَلَتْ (٩)؛ طَلَقَتْ طَلَقَتَيْنِ)؛ لأِنَّه وُجِدَ شَرْطُ وقوعهما

стр. 4761

معًا، أشْبَهَ ما لو قال: أنتِ طالِقٌ اثنتَينِ، فلو كرَّره (١) ثلاثًا بالجزاء، أوْ مع طلقتَينِ؛ طَلقتْ ثلاثًا. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ، أَوْ ثُمَّ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ؛ طَلَقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً إِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا)؛ لأِنَّها تَبِينُ بالأُولَى، فيَجِبُ أنْ لا (٢) يَلحَقَها ما بعدَها، (وَاثْنَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا)؛ لأِنَّها لا تَبِينُ بالأُولى، فيتعيَّنُ إيقاعُ الثَّانية أيضًا. وفي «المغْنِي» عن القاضي: تطلُق مَنْ لم يَدخُلْ بها طلقةً مُنَجَّزًا، كذا قال، والذي اختاره القاضي وجماعةٌ: أنَّ (ثمَّ) كسكتةٍ؛ لتَراخِيها، فيتعلَّقُ بالشَّرط معها طلقةٌ، فيَقَعُ بالمدخول بها ثِنْتانِ: واحدةٌ إذَنْ، وطلقةٌ بالشَّرط، وبغيرها إنْ قدم الشَّرط؛ الثَّانية، والأولى معلَّقةٌ، وإنْ أخَّره؛ فطلقةٌ منجَّزةٌ والباقي (٣) لغْوٌ. وفي «المذهب» فيما إذا قدَّم الشَّرطَ: أنَّ القاضِيَ أوْقَعَ واحدةً فقط في الحال. وذكر أبو يَعْلَى الصَّغيرُ: أنَّ المعلَّق كالمنجَّز؛ لأِنَّ اللُّغةَ لم تُفرِّقْ، وأنَّه إنْ أخَّر الشَّرطَ فطلقةٌ مُنجَزةٌ، وإنْ قدَّمه؛ لم يَقَعْ إلاَّ طلقةٌ بالشَّرط. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَدَخَلَتْ؛ طَلَقَتْ طَلْقَتَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ)؛ لأِنَّ التَّعليقَ يَقتَضِي إيقاعَ الطَّلاق بشَرطِ الدُّخول، وقد كرَّر التَّعليقَ، فيَتكرَّر الوُقوعُ، كما لو قال: إنْ دخلتِ الدَّارَ فأنتِ طالِقٌ طلقتَينِ. وإنْ كرَّر الشَّرطَ ثلاثًا؛ طلقتْ ثلاثًا في قَولِ الجميع؛ لأِنَّ الصِّفةَ وُجِدتْ، فاقْتَضَى وقوعَ الثَّلاث دَفْعةً واحدةً، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 4762

(بَابُ الاِسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ) الاِسْتِثناءُ: إخْراجُ بعض الجملةِ (١) ب (إلاَّ) أو أحدِ أخواتها، قِيلَ: مِنْ متكلم (٢) واحدٍ؛ لوقوعه في القرآن والسُّنَّة ولسانِ العرب. (حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الاِسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ لا يُمكِنُ رَفْعُه بعدَ إيقاعه، ولو صحَّ لَرَفَعَه. (وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَ النِّصْفِ)، في الطَّلاق والإقرار؛ لأِنَّه اسْتِثْناءٌ فيه، فجاز كما في عدد المطلقات، وليس الاستثناءُ رافِعًا لواقع، وإنَّما هو مانِعٌ لدخولِ المستثنَى في المستثنَى منه. (وَلَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على النِّصف؛ أيْ: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الكلِّ، ولا الأكثرِ، نَصَّ عليه (٣)، ونصره في «الشَّرح»، وقوَّاه ابنُ حَمْدانَ. وقِيلَ: يَصِحُّ فيه (٤)، وهو قَولُ الأكثرِ. (وَفِي النِّصْفِ وَجْهَانِ)، وذَكَرَ أبو الفَرَج وصاحِبُ «الرَّوضة» روايتَينِ: ظاهِرُ المذهب: صحَّته، وجَزَمَ به في «الوجيز». وجاز الأكثرُ إنْ سُلِّم في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجر: ٤٢]؛ لأِنَّه لم يُصرِّحْ بالعدد، وذكر أبو يعلى الصغيرُ أنَّه استثناءٌ بالصِّفة، وهو في الحقيقة تخصيصٌ، وأنَّه يجوز فيه الكلُّ، نحو: اقتُلْ مَنْ في الدَّار إلاَّ بني تميمٍ، وهم بنو تميمٍ، فيحرُمْ قَتْلُهم، وسيأتي في الإقرار.

стр. 4763

(فَإِذَا (١) قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلاَّ وَاحِدَةً؛ طَلَقَتِ اثْنَتَيْنِ)؛ لأِنَّ الواحدةَ دونَ النِّصف. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلاَّ ثَلَاثًا)؛ طَلقَتْ ثلاثًا بغَيرِ خلافٍ (٢)، (أَوْ ثَلَاثًا إِلاَّ اِثْنَتَيْنِ)؛ وَقَعَ ثلاثٌ، بناءً على أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الأكثرِ. (أَوْ خَمْسًا إِلاَّ ثَلَاثًا)؛ وَقَعَتِ الثَّلاثُ؛ لأِنَّ الاستثناءَ إنْ عادَ إلى الخمس؛ فقد استَثْنَى الأكثرَ، وإنْ عاد إلى الثَّلاث التي يَملِكُها؛ فقد رَفَعَ جميعَها، وكِلاهُما غيرُ صحيحٍ، وإنْ صحَّ الأكثرُ؛ فثِنْتانِ. وإن قال: خمسًا إلاَّ طلقةً؛ فقيلَ: يَقَعُ اثنتانِ، وقِيلَ: ثلاثٌ. (أَوْ ثَلَاثًا إِلاَّ رُبُعَ طَلْقَةٍ؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا)؛ لأِنَّ الطَّلْقةَ الناقصة (٣) تُكمَّل، فيصير (٤) ثلاثًا ضرورة أنَّ الطَّلاقَ لا يتبعَّضُ. وفي «الرِّعاية» وجْهٌ: أَّنَّها تطلُق اثنتَينِ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَينِ إِلاَّ وَاحِدَةً؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)؛ بناءً على صحة (٥) استثناء النِّصف. وإنْ قال: أنتِ طالِقٌ أربعًا إلاَّ اثنتين (٦)؛ فقيل: يَقَعُ طَلْقتانِ، وقِيلَ: ثلاثٌ. وإنْ قال: أنتِ طالِقٌ اثنتَينِ واثنتَينِ إلاَّ اثنتين (٧)؛ لم يَصِحَّ، وفيه احتِمالٌ، وإن استثَنى واحدةً، ففي صحَّتِه احتِمالانِ.

стр. 4764

(وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلاَّ اِثْنَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدَةً؛ فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): لا يَصِحُّ الاِستِثناءُ من الاستثناء في الطَّلاق، خلافًا ل «الرِّعاية»، إلاَّ في مسألةٍ واحدةٍ، وهي: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلاَّ اثنتين إلاَّ واحدةً، في أحدِ الوَجْهَينِ، ذكره في «الكافي» و «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه استِثْناءُ الواحدة ممَّا (١) قبلها، فتبقى (٢) واحدةٌ، وهي مُسْتَثْناةٌ من ثلاثةٍ، فتصير (٣) كقوله: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلاَّ واحدةً، ويمكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الواحدةَ مُخرَجةٌ من الثَّلاث؛ لإبطال استثناء الثِّنتَينِ. والثَّاني: تَطلُقُ ثلاثًا؛ لأِنَّ استثناءَ الثِّنْتَينِ لا يَصِحُّ؛ لكونهما (٤) أكثرَ من النِّصف، ولا يصحُّ استثناءُ الواحدة؛ لأنَّه استثناءٌ من استثناءٍ باطلٍ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلاَّ ثَلَاثًا إِلاَّ وَاحِدَةً)؛ لم يصحَّ ويَقَعُ الثَّلاثُ؛ لأِنَّ الاستثناء (٥) الأوَّل باطلٌ، ولا يصحُّ الاستثناءُ منه. وقيل: يعود استثناءُ الواحدة إلى أوَّل الكلام، فيَقَعُ طَلْقتانِ. (أَوْ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إلاَّ وَاحِدَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً (٦) إِلاَّ وَاحِدَةً، أَوْ طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلاَّ طَلْقَةً؛ طَلَقَتْ ثَلَاثًا (٧) على المذهب؛ لأِنَّ تصحيحَ

стр. 4765

الاستثناء يجعل المستثنى والمستثنى (١) منه لَغْوًا، فبَطَلَ كاستثناء الجمع. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَقَعَ طَلْقَتَانِ)، ذَكَرَ في «الواضح» أنَّه أشْبَهُ؛ لأِنَّ العَطْفَ بالواو يجعل الجملتَينِ كالجملة الواحدة، فتصير (٢) الواحدةُ مُسْتَثناةٌ من الثَّلاث، فلو كان العطف بالفاء أو (ثُمَّ)؛ لم يصحَّ الاِسْتِثْناءُ. تنبيهٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلاَّ طلقةً وطلقةً؛ فقيل: تقع (٣) الثَّلاثُ، وقِيلَ: يصحُّ (٤) الاستثناءُ في طلقةٍ. وكذا الخلاف في: أنتِ طالِقٌ طالِقٌ إلاَّ طلقةً وطلقةً، وفي أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلاَّ طلقةً ونصفًا. وإنْ قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إلاَّ واحدةً وإلاَّ واحدةً؛ طلقت اثنتَينِ، وقِيلَ: واحدةً. وإنْ أسْقَطَ الواوَ؛ فقيل: يَقَعُ ثلاثٌ، وقيل: ثنتان. فلو قال: أنت طالِقٌ طلقتَينِ ونصفًا إلاَّ نصفَ طلقةٍ؛ فهل تطلُق ثلاثًا أو اثنتَينِ؟ على وجهين. وفي «المستوعب»: أنَّها تطلُقُ ثلاثًا وجهًا واحدًا. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ إِلاَّ وَاحِدَةً؛ وَقَعَتِ الثَّلَاثُ)؛ لأِنَّ العدد نَصٌ فيما يَتَناوَله، فلا يرتفع بالنِّيَّة؛ لأِنَّ اللَّفْظَ أقْوَى، ولو ارتفع بالنِّيَّة؛ لرجح المرجوحُ (٥) على الرَّاجح.
следующие страницы →