← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

(وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتَيْهِ: إِنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقِكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، وَأَعَادَهُ؛ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً)؛ لأِنَّ شرطَ طلاقِهما الحَلِفُ بطلاقهما، وقد وُجِد، وإنْ أعاده ثلاثًا؛ طلقتا طلقتَينِ، وإنْ أعاده أربعًا فثلاثٌ؛ لوجود الشَّرط وهو الحَلِفُ. (وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا، فَأَعَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ شرْطَ طلاقهما الحَلِفُ بطلاقهما، ولم يُوجَدْ؛ لأِنَّ غَيرَ المدخول بها لا يَصِحُّ الحَلِفُ بطلاقها؛ لأِنَّها بائنٌ. فإن (١) جدَّد نكاحَ البائن، ثُمَّ قال لها: إنْ تكلَّمتِ فأنتِ طالِقٌ، فاختار المؤلِّفُ: أنَّها لا تَطلُقُ، وهو معنى كلامه في (٢) «الكافي»، أنَّه لا يَصِحُّ الحَلِفُ بطلاقها؛ لأِنَّ الصِّفةَ لم تَنعَقِدْ؛ لأِنَّها بائنٌ. وكذا جزم به (٣) في «التَّرغيب»: أنَّه (٤) لا يَصِحُّ التَّعليقُ بعدَ البَينونة، وإنَّما علَّلوا بذلك؛ لأِنَّ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ لا تَنعَقِدُ به الصِّفةُ؛ كمسألة الوِلادة في الأَشْهَرِ. وقِيلَ: يَطلُقانِ؛ لأِنَّه صار بهذا حالِفًا بطلاقهما، وقد حَلَفَ بطلاق المدخول بها بإعادة قوله، فطلَقَتا حِينَئِذٍ. (وَإِنْ قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، وَأَعَادَهُ ثَانِيًا؛ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَيْنِ)؛ لأِنَّه بإعادته حالِفٌ بطلاقِ كلِّ واحدةٍ منهما، وهو شرطٌ لطلاقهما، وكلمةُ «كلَّما» للتَّكرار (٥)، فيتكرَّرُ

стр. 4832

طلاقُهما لتكرُّر (١) عَدَدَهِما. (وَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ فَضَرَّتُهَا (٢) طَالِقٌ، وَأَعَادَهُ؛ طَلَقَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ طَلْقَةً)؛ لأِنَّ حَلِفَه بطلاقِ واحدةٍ إنَّما اقْتَضَى طلاقَها وحدَها، وما حَلَفَ بطلاقها إلاَّ مرَّةً، فتطلُق واحدةً. (وَإِنْ قَالَ لِإِحْدَاهُمَا (٣): إِذَا حَلَفْتُ بِطَلَاقِ ضَرَّتِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ لِلْأُخْرَى (٤)؛ طَلَقَتِ الْأُولَى)؛ لأِنَّ التَّعليقَ حلفٌ، وقد علَّق طلاقَ ضرَّتها، فتَطلُق الأولى؛ لوجود شرط طلاقِها، وهو تعليقُ طلاق ضرَّتها. (وَإِنْ أَعَادَهُ لِلْأُولَى؛ طَلَقَتِ الْأُخْرَى)؛ لأِنَّ ذلك تعليقٌ لطلاقها، وكلَّما أعاده لاِمرأةٍ طلقَت الأخرى، إلى أنْ يبلُغَ ثلاثًا. وإنْ كانت إحداهما غَيرَ مدخولٍ بها، فطَلَقَتْ مرَّة؛ لم تطلُق الأخرى؛ لأِنَّه ليس حَلِفًا بطلاقها؛ لكونها بائنًا. فلو قال: كلَّما حَلَفْتُ بطَلاقِكُما فإحداكما طالقٌ، وكرَّره ثلاثًا أو أكثرَ؛ لم يَقعْ شيءٌ، ذَكَرَه في «المحرر» و «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأِنَّ هذا حلف طلاق (٥) واحدةٍ، ولم يُوجَد الحلف بطلاقهما. وإنْ قال لمدخول بهما (٦): كلما حَلَفْتُ بطلاقِ واحدةٍ منكما فإحداكما طالق (٧)، ثُمَّ قاله ثانيًا؛ وقعت بإحداهما طلقةٌ، وتُعيَّنُ بقُرعةٍ، ذَكَرَه الأصحابُ.

стр. 4833

مسائلُ: إذا قال: إنْ حلفتُ بطلاقِ زينبَ فنِسائي طوالِقُ، ثُمَّ قال: إنْ حَلفْتُ بطلاق عَمْرةَ فنسائي طوالِقُ، وإنْ حلفتُ بطلاق حَفْصةَ فنِسائي طوالِقُ؛ طَلَقتْ كلُّ واحدةٍ طلقتَينِ. فلو قال: كلَّما حلفتُ بطلاق واحدةٍ منكنَّ فأنتنَّ طوالِقُ، ثُمَّ قال ذلك مرَّةً ثانيةً؛ طلَقْنَ ثلاثًا ثلاثًا. ولو كان مكان «كلَّما»: «إنْ»، وأعاده؛ طلَقْنَ واحدةً واحدةً. وإنْ قال بعدَ ذلك لإحداهن (١): إنْ قمتِ فأنتِ طالِقٌ؛ طلَقَتْ كلُّ واحدةٍ طلقةً أخرى. وإنْ قال: كلَّما حلفتُ بطلاقِكُنَّ فأنتنَّ طوالِقُ، ثُمَّ أعاد ذلك؛ طَلَقتْ كلُّ واحدةٍ طلقةً. وإنْ قال بعدَ ذلك لإحداهن: إنْ قمتِ فأنتِ طالِقٌ؛ لم تَطلُقْ واحدةٌ منهنَّ، وإنْ قال ذلك (٢) للاثنتَينِ الباقيتَينِ؛ طَلَقَ الجميعُ طلقةً طلقةً.

стр. 4834

(فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْكَلَامِ) (إِذَا قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَتَحَقَّقِي ذَلِكِ، أَوْ زَجَرَهَا، فَقَالَ: تَنَحَّيْ أَوِ اسْكُتِي، أَوْ قَالَ: إِنْ قُمْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ طَلَقَتْ)؛ لأِنَّه علَّق طلاقَها على كلامها، وقد وُجِدَ؛ لأِنَّ قَولَه: تحقَّقِي، وتَنَحَّيْ، واسْكُتِي، وإنْ قمتِ فأنتِ طالِقٌ؛ كلامٌ لها بعدَ عَقْدِ اليمين، إلاَّ أنْ يَنوِيَ كلامًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَحْنَثَ بِالْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ بِيَمِينِهِ)، وعلَّله بقوله: (لِأَنَّ إِتْيَانَهُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِ الْكَلَامَ الْمُنْفَصِلَ (١) عَنْهَا)؛ لأِنَّ القرينةَ تصرِفُ عمومَ اللَّفظ إلى خصوصه؛ إذْ قرينةُ الحال تَجعَلُ المطلَقَ كالمقيَّد بالمقال، وإنْ سَمِعَها تَذكُرُه، فقال: الكاذِبُ عليه لعنةُ الله حَنِثَ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه كلَّمَها. فرعٌ: إذا قال: إنْ كلَّمتُكِ فأنتِ طالِقٌ، إنْ قمتِ فأنتِ طالِقٌ؛ طلَقَتْ في الحال طلقةً، وأخرى بالقيام إنْ كان دَخَلَ بها. فإن (٣) قال: إنْ كلَّمْتُكِ فأنتِ طالِقٌ، وأعاده ثانيةً؛ فواحدةٌ، وإنْ ثالِثًا؛ فثانيةٌ، وإنْ رابعًا فثالِثةٌ، وتَبِينُ غيرُ المدخول بها بطلقةٍ، ولا يَنعَقِدُ ما بعدَها، ذَكَرَه القاضي، وجَزَمَ به في «المغْنِي»، وقدَّمه في «المحرَّر»، ثُمَّ قال: وعِنْدِي تَنعَقِدُ الثَّانيةُ بحَيثُ إذا تزوَّجَها وكلَّمها طَلقَتْ، إلاَّ على قَولِ التَّميميِّ: تحلُّ الصِّفة مع البينونة، فإنَّها قد انحلَّتْ بالثَّالثة؛ لأِنَّه قد كلَّمَها، ولا يَجيءُ مِثْلُه في الحلف بالطَّلاق؛ لأِنَّه لا يَنعَقِدُ؛ لعدم إمْكانِ إيقاعه، قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ أنَّه لا فَرْقَ بَينَها وبَينَ مسألة الحَلِف السَّابقة.

стр. 4835

(وَإِنْ قَالَ: إِنْ (١) بَدَأْتُكِ بِالْكَلَامِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: إِنْ بَدَأْتُكَ بِهِ فَعَبْدِي حُرٌّ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ) في الأصحِّ؛ لأِنَّها كلَّمَتْه، فلم يكُنْ كلامُه لها بعدَ ذلك ابتداءً، (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ) أنَّه لا يَبدَؤُها في مرَّةٍ أخرى، وبَقِيَتْ يمينُها معلَّقةً، فإنْ بدأَها بكلامٍ؛ انحلَّتْ يَمينُها، وإنْ بَدَأَتْه هي؛ عَتَقَ عَبْدُها، ذَكَرَه الأصحابُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَحْنَثَ بِبَدَاءَتِهِ إِيَّاهَا بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ آخَرَ)، وعلَّله بقوله: (لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ)؛ لأِنَّ الحَلِفَ بمِثْلِ ذلك يُفهَمُ منه قَصْدُ هِجرانِ بَداءَته كلامَها، وذلك يَقتَضِي تعميمَ البَداءة في المجلس وغيرِه. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَلَّمَتْهُ، فَلَمْ يَسْمَعْ لِتَشَاغُلِهِ، وَغَفْلَتِهِ)، أوْ لَغَطِه (٢)، أوْ ذُهوله؛ حَنِثَ، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّها كلَّمَتْه، وإنَّما لم يسمعْ (٤) لشغل قلبه (٥) وغَفْلته. (أَوْ كَاتَبَتْهُ أْوْ رَاسَلَتْهُ؛ حَنِثَ)؛ لأِنَّ الكلامَ يُطلَقُ ويُرادُ به ذلك، بدليلِ صحَّة استثنائه (٦) منه في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [الشّورى: ٥١]؛ لأِنَّ القَصْدَ بيمينه هجرانُه، ولا يَحصُلُ ذلك مع مُواصَلَته بالكتابة والرَّسول، إلاَّ أنْ يكونَ قَصَدَ أنْ تُشافهه (٧)، نَصَّ عليه (٨). ويَحتَمِلُ: ألاَّ يَحنثَ إلاَّ أنْ يَنوِيَ تَرْكَ ذلك؛ لأِنَّ هذا لَيسَ بكلامٍ حقيقةً،

стр. 4836

بدليلِ الحَلِف بالله تعالى. فرعٌ: إذا أرسلَتْ إنسانًا ليَسأَلَ أهلَ العلم عن حديثٍ أوْ مسألةٍ، فجاء الرَّسولُ، فسألَ المحلوفَ عليه؛ لم يَحنثْ. (وَإِنْ أَشَارَتْ إِلَيْهِ) برَمْزٍ؛ (احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع»: أُولاهما: لا تَطلُقُ؛ لأِنَّه لم يُوجَد الكلامُ. والثَّاني: بَلَى؛ لأنَّه (١) يَحصُلُ به مقصودُ الكلام. (وَإِنْ كَلَّمَتْهُ سَكْرَانَ، أَوْ أَصَمَّ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُكَلِّمُهُ، أَوْ مَجْنُونًا فَسَمِعَ كَلَامَهَا؛ حَنِثَ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ معلَّقٌ على الكلام، وقد وُجِدَ، فإنْ كان السَّكرانُ أو المجنونُ مصروعًا؛ لم يَحنثْ، وكذا إذا كان (٢) لا يَعلَمُ واحِدٌ منهما أنَّها تُكلِّمُه، والمجنونُ إذا لم يَسمَعْ كلامَها، صرَّح به في «المغْنِي» في الأخيرَينِ. (وَقِيلَ: لَا يَحنَثْ)، اختاره القاضي وغيرُه؛ لأِنَّ السَّكرانَ والمجنونَ لا عَقْلَ لهما، والأصمُّ لا سَمْعَ له، فلم يَحنَثْ بكلامها. وقِيلَ: لا السَّكرانُ. فرعٌ: إذا جُنَّتْ هي وكلَّمَتْه؛ لم يَحنثْ (٣)؛ لأِنَّ القَلمَ رُفِعَ عنها، وإنْ كلَّمَتْه سكرانة، فقال في «الشَّرح»: يَحنَثُ؛ لأِنَّ حُكمَها حكمُ الصَّاحِي. وإنْ كلمتْ (٤) صبيًّا يَسمَعُ، ويَعلَمُ أنَّها تتكلَّم (٥)؛ حَنِثَ، وكذا إنْ سلَّمَتْ عليه؛ لأِنَّه كلامٌ.

стр. 4837

فإنْ كان تسليمَ الصَّلاة؛ فلا حِنْثَ؛ لأِنَّه للخروج منها، إلاَّ أنْ يَنوِيَ بتسليمه على المأمومِينَ، فيكون كما لو سلَّم عليهم (١) في غير الصَّلاة. ويَحتَمِلُ: لا يحنث (٢) بحالٍ؛ وهذا لا (٣) يُعَدُّ تكليمًا، ولا يُريده الحالِفُ. (وَإِنْ كَلَّمَتْهُ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، أَوْ نَائِمًا؛ لَمْ يَحْنَثْ) في الأصحِّ؛ لأِنَّ التَّكلُّمَ فعلٌ يتعدَّى المتكلِّمَ، وقِيلَ: هو مأخوذٌ من الكَلْم، وهو الجَرْح؛ لأِنَّه يُؤثِّرُ فيه كتأثير الجرح، ولا يكون ذلك إلاَّ باسْتِماعه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، وحكاه روايةً: (يَحْنَثُ)؛ لأِنَّ إشعارَه بالكلام غيرُ معتبَرٍ؛ كقوله: كيف (٤) تُكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها! وجوابُه: بأنَّ تكليمَه لهم كانت من معجزاته ﵇، فإنَّه قال: «ما أنتم بأسمَعَ لِمَا أقولُ منهم» (٥)، ولم يَثبُتْ هذا لغيره، مع أنَّ قَولَ الصَّحابة له (٦) حجَّةٌ لنا، فإنَّهم قالوا ذلك اسْتِبْعادًا، وسؤالاً عمَّا خَفِيَ عليهم سببُه، حتَّى كَشَفَ لهم حكمةَ ذلك بأمرٍ يَختصُّ به، فبَقِيَ الأمرُ فِيمَنْ سِواهُ على النَّفي. تَتِمَّةٌ: إذا حَلَفَ لا يُكلِّم إنسانًا، فكلَّم غيرَه وهو يَسمَعُ، يَقصُدُ بذلك إسماعَه؛ كما يُقالُ: إيَّاكِ أعْنِي واسمعي (٧) يا جارةُ؛ حَنِثَ، نَصَّ عليه (٨).

стр. 4838

وعنه: لا؛ كنيَّةِ غيرِه. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه أسْمَعَه كلامَه، يريده به؛ أشْبَهَ ما لو خاطَبَه به، ولأِنَّ مقصودَ تكليمه قد حصل بإسماعه كلامه. وإنْ حَلَفَ لا يُكلِّمُ امرأتَه، فجامَعَها؛ لم يَحنَثْ، إلاَّ أنْ يكونَ نيَّتُه هجرانَها. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَقرأُ كتابَ زَيدٍ، فقرأه في نفسه، ولم يُحرِّكْ شفتيه (١) به؛ حَنِثَ؛ لأِنَّ هذا قراءة الكتب في عُرْف النَّاس، إلاَّ أنْ يَنوِيَ حقيقةَ القراءة. (وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتَيْهِ: إِنْ كَلَّمْتُمَا (٢) هَذَيْنِ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ)، وقُلْنا: لا يَحنَثُ ببعض المحلوف عليه، (فَكَلَّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ طَلَقَتَا)؛ لأِنَّ تكليمَهما وُجِدَ منهما، وكما لو قال: إنْ ركِبْتُما هاتَينِ الدَّابَّتَينِ فأنتما طالِقتانِ، فرَكِبَتْ كلُّ واحدةٍ دابَّةً. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَحْنَثَ حَتَّى يُكَلِّمَا جَمِيعًا كُلَّ وَاحِدٍ (٣) مِنْهُمَا)؛ لأِنَّه علَّق طلاقَهما بكلامهما (٤)، فلا تَطلُقُ واحدةٌ بكلامِ الأخرى وحْدَها؛ كقوله: إنْ كلَّمْتُما زيدًا وكلَّمْتُما عَمْرًا، وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ، وهو أَوْلَى إنْ شاء الله تعالى إذا لم يكُنْ له نية (٥). قال في «المغني»: هذا مَعْنَى (٦) الخلاف فيما لم تَجْرِ العادةُ بانفرادِ

стр. 4839

الواحِدِ به، فأمَّا ما جَرَى العُرْفُ فيه بانفراد الواحد به؛ كلُبْس ثَوبَيهما، وتقليد سَيفَيهِما ونحوِه (١)؛ لأِنَّ (٢) اليمينَ تُحمَلُ على العرف. فأمَّا إنْ قال: إنْ أكَلْتُما هذَينِ الرَّغِيفَينِ، فأكَلَتْ كلُّ واحدةٍ منهما رغيفًا؛ فإنَّه يَحنَثُ؛ لأنَّه (٣) يَستَحِيلُ أنْ يأكُلَ (٤) واحدةٌ منهما الرغيفين (٥). مسألةٌ: إذا قال: لا أكلتُ هذا الخبز وهذا اللَّحمَ؛ فكقوله (٦): لا أكَلْتُما، هل يَحنَثُ بأحدهما؟ فيه وَجْهانِ. وكذا لو قال: ولا هذا اللَّحم. وقِيلَ: يَحنَثُ؛ كما لو قال: لا آكل (٧) شيئًا منهما. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ أَمَرْتُكِ فَخَالَفْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَنَهَاهَا، وَخَالَفَتْهُ؛ لَمْ تَطْلُقْ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ مُطْلَقَ الْمُخَالَفَةِ)، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّها خالَفَتْ نهيَه لا أمْرَه، ولأِنَّه يَحنَثُ إذا نَوَى مُطْلَقَ المخالفة بغَيرِ خلافٍ؛ لأِنَّ مُخالَفةَ النَّهْي مُخالَفةٌ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَطْلُقَ)، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ الأمرَ بالشَّيء نَهْيٌ عن ضدِّه، والنَّهيُ عنه أمْرٌ بضدِّه، فإذًا تكونُ خالَفَتْ أمْرَه. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ لَمْ يَعْرِفْ (٨) حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ حَنِثَ)؛ لأِنَّه إذا كان كذلك فإنَّما يريد نفيَ المخالَفة.

стр. 4840

فلو قال: إنْ نَهَيْتِني عن نَفْعِ أُمِّي فأنتِ طالِقٌ، فقالت له: لا تُعْطِها شَيئًا مِنْ مالي؛ لم يَحنَثْ؛ لأِنَّه نفع (١) مُحرَّمٌ، فلا يَتَناوَلُه يمينُه. وقِيلَ: يَحنَثُ؛ لأِنَّ لَفْظَه عامٌّ. فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ إنْ كلَّمتِ زيدًا ومحمَّدٌ مع خالِدٍ؛ لم تَطلُقْ حتَّى تكلم (٢) زيدًا في حال كون (٣) محمَّدٍ مع خالِدٍ؛ لأِنَّها حالٌ من الجملة الأولى. وقال القاضي: تَطلُق بكلامِ زَيدٍ؛ لأِنَّ الجملةَ الثَّانيةَ اسْتِئْنافٌ، لا تَعلُّقَ لها بالأولى. والأوَّلُ أصحُّ؛ كما لو تقدَّم الشَّرطُ، ولأِنَّه متى أمْكَنَ جَعْلُ الكلام مُتَّصِلاً كان أَوْلَى. فلو قال: أنتِ طالِقٌ إنْ كلَّمتِ زيدًا إلى أنْ يَقدَمَ فُلانٌ، فكلَّمته قبلَ قدومه؛ طلَقَتْ، وإلاَّ فلا؛ لأِنَّ الغايةَ رَجَعَتْ إلى الكلام، لا إلى الطَّلاق، بخلاف ما لو قدَّم الشَّرطَ، فإنَّها تَطلُق بكلامه قبلَ قدوم فلانٍ أوْ بعدَه؛ لأِنَّ الغاية (٤) عادَتْ إلى الطَّلاق، والطَّلاقُ لا يَرتَفِعُ بعدَ وقوعه.

стр. 4841

(فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْإِذْنِ) (إِذَا قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ) - قال في «الانتصار»: أو إنْ خرجتِ مرَّةً - (بِغَيْرِ إِذْنِي، أَوْ إِلاَّ بِإِذْنِي، أَوْ حَتَّى آذَنَ لَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ، ثُمَّ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ طَلَقَتْ) بخروجها بغيرِ إذْنِه، هذا هو (١) المذْهَبُ، ولم يَحْكِ ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ غيرَه؛ لأِنَّها خرجتْ بغير إذْنِه. (وَعَنْهُ: لَا تَطْلُقُ)، نَقَلَها عبدُ الله (٢)، ذَكَرَه في «المستوعب»؛ لأِنَّ «إنْ» لا تقتضي التَّكرارَ، فيَتناوَلُ الخروجَ في المرَّة الأولى، (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) على الرِّوايتَينِ؛ لأِنَّ الخروجَ الثَّانيَ خروجٌ غيرُ مأْذُونٍ فيه، وهو محلوفٌ عليه، أشبه ما لو خرجتْ أوَّلاً بغَيرِ إذْنٍ. فلو قال: اخرُجِي كلَّما شئتِ؛ كان إذْنًا عامًّا، نَصَّ عليه (٣). وفي «الروضة»: إنْ أَذِنَ لها بالخروج مرَّةً أوْ مُطلَقًا، أوْ أذِنَ بالخروج لكلِّ مرَّةٍ، فقال: اخْرُجِي متى شئتِ؛ لم يكن إذْنًا إلاَّ لمرَّةٍ واحدةٍ، فإنْ قال: إلاَّ بإذْنِ زَيدٍ، فمات زَيدٌ؛ لم يَحنَثْ، وحنَّثه القاضي، وجعل المستثنى محلوفًا عليه. (وَإِنْ أَذِنَ لَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَخَرَجَتْ طَلَقَتْ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّ الإذْنَ هو الإعْلامُ، مع أنَّ (٥) إذنَ الشَّارِع وأمرَه (٦) ونواهِيَهِ لا يَثبُتُ حكمُها إلاَّ

стр. 4842

بعدَ العلم بها، وكذا إذْنُ الآدَمِيِّ، ولأِنَّها قَصَدَتْ بخروجها مخالَفتَه وعِصيانَه، أشْبَهَ ما لو لم يَأْذَنْ لها في الباطن؛ لأنَّ العبرةَ بالقصد، لا بحقيقة الحال. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ تَطْلُقَ)، قدَّمه الحُلْوانيُّ؛ لأِنَّه يُقالُ: أَذِنَ لها ولم تَعلم (١) به. وإن أَذن لها في الخروجِ فلم تخرجْ (٢) حتَّى نهاها عنه، ثُمَّ خرجتْ، فوجهان: أحدُهما: لا يَحنَثُ؛ لأِنَّه قد أذِنَ لها. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّ هذا الخروج جرى مَجْرَى الخروجِ ثانيًا (٣)، وهو مُحتاجٌ إلى إذنٍ. فرعٌ: إذا قال: كنتُ أذِنْتُ لكِ؛ قُبِلَ ببيِّنةٍ، ويَحتَمِلُ الاكتفاء بعلمه؛ للبيِّنة (٤). (وَإِنْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَى غَيْرِ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ تُرِيدُ الْحَمَّامَ وَغَيْرَهُ؛ طَلَقَتْ) في الأَشْهَر؛ لأِنَّها خرجتْ إلى غير الحمَّام، وانْضَمَّ إليه غيره، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ لا يُكلِّم زيدًا، فكلَّم زَيدًا وعَمْرًا. والوَجْهُ الثَّانِي: لا؛ لأِنَّها ما خرجتْ إلى غير الحمام (٥)، بل الخروجُ مشترَكٌ. وظاهِرُه: أنَّه (٦) إذا خرجتْ إلى غير الحمَّام؛ أنَّها تَطلُقُ، سواءٌ عَدَلَتْ إلى الحمَّام أوْ لَا.

стр. 4843

(وَإِنْ خَرَجَتْ إِلَى الْحَمَّامِ، ثُمَّ عَدَلَتْ إِلَى غَيْرِهِ؛ طَلَقَتْ)، هذا ظاهِرُ ما رُوِيَ عن أحمدَ (١)، وهو قياسُ المذهَبِ؛ لأِنَّ ظاهِرَ هذه المنعُ مِنْ غيرِ الحَمَّام، فكَيْفَما صارتْ إليه؛ حَنِثَ، كما لو خالَفَ في لَفْظِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ تَطْلُقُ)، أطْلَقَ في «المحرر» الخِلافَ؛ لأنَّها (٢) لم تَفعَلْ ما حَلَفَ عليه؛ إذْ هو عبارةٌ عن الخروج إلى غير الحمَّام، ولم يُوجَدْ. مسألةٌ: قال أحمدُ في رجلٍ حَلَفَ بالطَّلاق ألاَّ يأتيَ إرمينيَةَ إلاَّ بإذْنِ امرأته، فقالت امرأتُه (٣): اذْهَبْ حيثُ شئتَ، فقال: لا، حتَّى تقولي إلى (٤) أرمينيَّةَ (٥). قال القاضي: هذا من كلامِ أحمدَ محمولٌ على أنَّ هذا خَرَجَ مَخرَجَ الغَضَبِ والكراهة، ولو قالتْ هذا بِطِيبِ قلبِها (٦) كان إذْنًا منها، وله الخُروجُ وإنْ كان بِلَفْظٍ عام (٧).

стр. 4844

(فَصْلٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ) (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، أَوْ كَيْفَ شِئْتِ، أَوْ حَيْثُ شِئْتِ (١)، أَوْ مَتَى شِئْتِ)، أوْ أيَّ وقتٍ شئتِ؛ (لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُولَ: قَدْ شِئْتُ)؛ لأِنَّ ما في القلب لا يُعلَمُ حتَّى يُعبِّرَ عنه اللِّسانُ، فيتعلَّقُ الحُكمُ بما يَنْطِقُ به دُونَ ما في القلب، فلو شاءتْ بقَلْبها دُونَ نُطقها؛ لم تَطلُقْ، فلو شاءتْ وهي كارِهةٌ؛ طلَقَتْ؛ اعتبارًا بالنُّطق، ولو رجع قبلَ مشيئتها؛ لم يصحَّ رجوعُه على الأصحِّ؛ كبقيَّة التعاليق (٢). (سَوَاءٌ شَاءَتْ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي)، نَصَّ عليه في تعليق الطَّلاق بمشيئةِ فلانٍ (٣)، وقاله (٤) الزُّهْريُّ وقَتادةُ؛ لأِنَّه تعليقٌ للطَّلاق على شَرْطٍ أشْبَهَ سائرَ التَّعليقات، ولأِنَّه إزالةُ ملكٍ معلَّقٍ (٥) على المشيئة، فكان على التَّراخي؛ كالعِتْق. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَقِفَ عَلَى الْمَجْلِسِ؛ كَالاِخْتِيارِ)، وهو قولُ الحسن وعَطاء؛ لأِنَّه تمليكٌ للطَّلاق، فكان على الفور؛ ك: «اخْتارِي». والأوَّلُ أصحُّ، وفرَّقَ بَينَهما في «المغْنِي» و «الشَّرح» مِنْ حَيثُ إنَّ «اخْتارِي» لَيسَ بشرطٍ، وإنَّما هو تخييرٌ محض (٦)، فيتقيَّدُ بالمجلس؛ كخيار المجلس، بخلاف المشيئة، فإنَّها هنا شَرْطٌ، فَوجَبَ حَمْلُها على «إنْ».

стр. 4845

فإنْ قيَّد المشيئة بوقتٍ؛ تقيَّد (١) به. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ، فَقَالَتْ: قَدْ شِئْتُ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ؛ لَمْ تَطْلُقْ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ منها مشيئةٌ، وإنَّما وُجِدَ منها تعليقُ مشيئتِها بشَرْطٍ، ولَيسَ بمشيئةٍ، لا يُقالُ: إذا وُجِدَ الشَّرطُ يَجِبُ أنْ يُوجَدَ مشروطُه؛ لأِنَّ المشيئةَ أمرٌ حقيقيٌّ، فلا يَصِحُّ تعليقُها على شَرْطٍ، وَوَجْهُ الملازَمة إذا صحَّ التَّعليقُ، وكذا إنْ قالَتْ: قد شئتُ إنْ طَلَعتِ الشَّمسُ، نَصَّ عليه (٣)، وهو قَولُ سائر الفقهاء، وحكاهُ ابنُ المنذر إجماعَ مَنْ يَحفَظُ عنه (٤). (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ وَشَاءَ أَبُوكِ؛ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَشَاآ (٥)؛ لأِنَّ الصِّفةَ مشيئتُهما، فلا تَطلُقُ بمشيئةِ أحدِهما؛ لعدمِ وجود الشَّرط. وخرَّج القاضي: أنَّها تَطلُقُ بمشيئةِ أحدهما؛ كفِعْلِ بعض المحلوف عليه. وعلى الأوَّل؛ كَيفَ شاءا؛ طَلَقتْ. فإنْ شاء أحدُهما على الفور، والآخَرُ على التَّراخِي؛ وَقَعَ؛ لأِنَّ المشيئةَ وُجِدتْ منهما جميعًا. فروعٌ (٦): إذا قال: إذا ضاجَعْتُكِ على فراشٍ (٧) فأنتِ طالِقٌ، فاضْطجَعَتْ هي معه،

стр. 4846

فقام لوقته؛ لم يَحنَثْ، وإلاَّ حَنِثَ. ولو اخْتَصَمَ رجُلانِ، فقال أحدهما للآخَر: زوجة السِّفْلة - بكسر السين مع إسكان الفاء - منَّا طالِقٌ، فقال الآخَرُ: نَعَمْ، قال أحمد: السِّفْلةُ الَّذي (١) لا يُبالِي بما قال، ولا ما قِيلَ فيه، وقال في روايةِ عبدِ الله: هو الذي يَدخُلُ الحمَّام بلا مِئْزَرٍ، ولا يبالِي على (٢) أيِّ معصيةٍ رئي (٣). إذا حَلَفَ بالطَّلاق لَيَفعلنَّ مُحرَّمًا في وقتٍ مُعَيَّنٍ؛ لم يَحِلَّ له فِعْلُه، وتَطْلُقُ، نَصَّ عليه فِيمَنْ حَلَفَ بالطَّلاق لَيَطَأَنَّ زوجتَه في وَقْتٍ بعَينه فإذا هي حائضٌ، قال: لا يَطَؤُها وتَطلُقُ (٤)، فإنْ فَعَلَه فقد عَصَى الله، ولم تَطلُقْ. وإنْ لم يُعيِّنْ وقتًا لِفِعْله؛ لم يَحنَثْ إلاَّ في آخِرِ وقتِ الإمْكانِ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ؛ لَمْ تَطْلُقْ)، اختاره ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ شَرْطَ الطَّلاق لم يُوجَدْ. وقال أبو بكرٍ: يَقَعُ؛ لأِنَّه علَّقه على شَرْطٍ تعذَّر الوقوف عليه، فَوَقَعَ؛ كقوله: أنتِ طالِقٌ إنْ شاءَ الله تعالى. ولَيسَ بصحيحٍ؛ لأِنَّ الطَّلاقَ المعلَّقَ على شَرْطٍ لا يَقَعُ إذا تعذَّرَ شَرْطُه؛ كالمعلَّق على دخول الدَّار. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا شاء وهو مجنونٌ؛ لا يَقَعُ طلاقُه؛ لأِنَّه لا حُكْمَ لكلامه. ويُسْتَثْنَى منه: أنَّه إذا فُهِمَتْ إشارةُ أخرس (٥)؛ فهي كنُطقِه، وقِيلَ: إنْ

стр. 4847

خَرِسَ بعدَ يمينه فلا. (وَإِنْ شَاءَ وَهُوَ سَكْرَانُ؛ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي طَلَاقِهِ)، قاله أصْحابُنا؛ لأِنَّ قَولَه: قد شِئْتُ، يترتَّبُ عليه وقوعُ الطَّلاق، فَوَجَبَ كَونُه بمنزلة نفسِ الطَّلاق، قال في «المغْنِي»: والصَّحيحُ: أنَّه لا يَقَعُ؛ لأِنَّه زائلُ العَقْل، أشْبَهَ المجنونَ، ثُمَّ الفَرْقُ بَينَ إيقاعِ طلاقه وبَينَ المشيئة: أنَّ إيقاعَه عليه تغليظٌ؛ لِئَلاَّ تكونَ المعصيةُ سببًا للتَّخفيف عنه، وهنا إنَّما يَقَعُ الطَّلاقُ بغَيرِه، فلا يَصِحُّ منه في حالِ زوالِ عَقْلِه. (وَإِنْ (١) كَانَ صَبِيًّا)؛ أيْ: مميِّزًا، قاله في «الكافي» وغيره، (يَعْقِلُ الْمَشِيئَةَ، فَشَاءَ؛ طَلَقَتْ)؛ لأِنَّ له مشيئةً، بدليل صحَّة اخْتِياره لأِحَدِ أبَويهِ. والثَّانية: لا (٢)؛ لأِنَّ شرْطَه التَّكليفُ. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا كان صبِيًّا لا يَعقِلُ المشيئةَ؛ لم تَطلُقْ؛ كالمجنون. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَمَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ؛ طَلَقَتْ) في الحال؛ لأِنَّه أوْقَع الطَّلاقَ، وعلَّقه بشرطٍ، ولم يُوجَدْ. وقِيلَ: في آخِرِ حياته. وقيل: يتبين حِنْثُه منذ حَلِفَ. فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ وعَبْدِي حرٌّ إنْ شاء زَيدٌ، ولا نِيَّةَ، فشاءَهما، ونَقَلَ أبو طالِبٍ: أوْ تعذَّرَ بمَوتٍ ونحوِه (٣)، اختاره أبو بكرٍ وابنُ عَقِيلٍ، وحُكِيَ عنه: أوْ غَابَ؛ وقعا (٤). (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ (٥) ثَلَاثًا، فَشَاءَ ثَلَاثًا؛

стр. 4848

طَلَقَتْ ثَلَاثًا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وكذا (١) عكسُه، قدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ هذا هو السَّابِقُ إلى الفهم من ذلك، كما لو قال: له عليَّ درهمٌ إلاَّ أنْ يُقِيمَ بيِّنةً بثلاثةٍ، و: خُذْ درهمًا (٢) إلاَّ أنْ يُريدَ (٣) أكثرَ منه. (وَفِي الآْخَرِ: لَا تَطْلُقُ)؛ لأِنَّ الاِسْتِثْناءَ من الإثبات نفيٌ، ولأِنَّه علَّق وقوعَ الواحدة على عَدَمِ مشيئتها الثَّلاث، ولم يُوقِعْ بمشيئتها شيئًا، أشْبَهَ قَولَه: إلاَّ أنْ يشاءَ زَيدٌ. فأمَّا إذا لم يَشَأْ زَيدٌ، أوْ شاءَ أقلَّ من ثلاثٍ؛ فواحدةٌ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ طَلَقَتْ، وَإِنْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ عَتَقَتْ)، نَصَّ عليه (٤)، وفي «زاد المسير»: لا تَختَلِفُ الرِّوايةُ فيه، وهو قولُ سعيدٍ، والحَسَنِ، ومكحولٍ، وقَتادةَ، والزُّهْريِّ، والأَوْزاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى أبو حمزةَ قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: «إذا قال الرَّجلُ لاِمْرأته: أنتِ طالِقٌ إنْ شاء الله؛ فهي طالِقٌ» رواه أبو حَفْصٍ (٥)، ورَوَى ابنُ عمرَ وأبو سعيدٍ قالا: «كنَّا مَعشَرَ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ نَرَى الاِسْتِثْناءَ جائزًا في كلِّ شيءٍ إلاَّ في الطَّلاق والعِتاق» (٦)، ولأِنَّه اسْتِثْناءٌ يَرفَعُ جملةَ الطَّلاق حالاً ومآلاً، فلم

стр. 4849

يَصِحَّ؛ كاسْتِثْناء الكُلِّ، ولأِنَّه تعليقٌ على ما لا سبيلَ إلى علمه، أشْبَهَ تعليقَه على المستحيل. (وَحُكِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ يَقَعُ الْعِتْقُ دُونَ الطَّلَاقِ)، وعلَّله أحمدُ: بأنَّ العِتْقَ لله تعالى، والطَّلاقُ ليس هو لله، ولا فيه قُرْبةٌ إليه، ولأِنَّه لو قال لِأَمَتِه: كلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَه فهو حُرٌّ، فهذا تعليقٌ للحرِّيَّة على الملك، وهو صحيحٌ، ولأِنَّ نَذْرَ العتقِ يَلزَمُ الوفاءُ به، بخلاف الطَّلاق، فافْتَرَقا. قال في «المحرَّر»: ولا يَصِحُّ عن أحمدَ التَّفرقةُ بَينَهما، لكِنْ حكاها (١) أبو حامِدٍ الإسْفَراييني، قال أبو الخَطَّاب في «الانتصار»: ولقد أبطلَ في حكاية ذلك عنَّا، وعَكَسَ في «التَّرغيب» هذه الرِّوايةَ، وقال: يا طالِقُ إنْ شاء الله تعالى؛ أَوْلَى بالوقوع. وعَنْهُ: لا يَقَعانِ، اختاره أكثرُ العلماء؛ كما لو علَّقه على مشيئةِ زَيدٍ، ولقوله ﵇: «مَنْ حَلَفَ فقال: إنْ شاءَ اللهُ لم يَحنثْ» رواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذي، وحسَّنَه من حديثِ ابنِ عمرَ، وإسْنادُه ثِقاتٌ (٢). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويكونُ معناهُ: هي طالِقٌ إنْ شاء الله الطَّلاقَ بعدَ

стр. 4850

هذا، واللهُ لا يشاؤه إلاَّ بتكلُّمه به (١). والجوابُ عنه: أنَّ الطَّلاقَ والعِتاقَ لَيسَا من الأَيْمان، قاله أحمدُ (٢)، وإنْ سُمِّيَ بذلك فمجازٌ، ثُمَّ إنَّ الطَّلاقَ إنَّما يُسَمَّى يمينًا إذا كان معلَّقًا على شَرْطٍ يُمكِنُ فِعْلُه وتَرْكُه، ومُجرَّدُ قَولِه: أنتِ طالِقٌ، لَيسَ بيمينٍ حقيقةً ولا مجازًا. وكذا إذا قدَّم الاِسْتِثْناءَ؛ كقَصْده تأكيدَ الإيقاع (٣)، وذَكَرَ الخِرَقِيُّ أنَّ أكثرَ الرَّواياتِ عن أحمدَ: تَوقَّفَ عن الجواب عنها (٤). (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ؛ طَلَقَتْ) في المنصوص (٥)؛ لأِنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ، وعلَّق رفعَه بمشيئةٍ لم تُعلَمْ (٦)، قال أحمدُ: قال قتادةُ: قد شاء الله الطَّلاقَ حِينَ أذِنَ فيه (٧). قال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ ألاَّ تَطْلُقَ؛ كالأوَّل. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ)، أوْ ما (٨) لم يَشَأِ اللهُ؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: تَطْلُقُ، قدَّمه في «الكافي»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِتَضادِّ الشرطِ (٩) والجزاءِ، فَلَغَا تعليقُه، بخلاف المستحيل. والثَّاني: لا؛ لأِنَّه بمنزلةِ تعليقه الطَّلاقَ على المُحالِ؛ كقَولِه: إنْ جَمَعْتِ بَينَ الضِّدَّيْنِ، أوْ شَرِبْتِ ماءَ الكُوزِ، ولا ماءَ فيه.

стр. 4851

قال في «الرِّعاية»: وكذا العتق. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ)، أوْ حُرَّةٌ، (إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَدَخَلَتْ؛ فَهَلْ تَطْلُقُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: تَطلُقُ، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِمَا تقدَّم. والثَّانيةُ: لا؛ لأِنَّ الطَّلاقَ المعلَّقَ بشرطٍ يمينٌ، فيَدخُلُ في عُمومِ الخَبر. وفَارَقَ إذا (١) لم يعلِّقْه؛ فإنَّه لَيسَ بيمينٍ، فلا (٢) يَدخُلُ في العموم. قال في «المحرر» و «الفروع»: إلاَّ أنْ يَنوِيَ ردَّ المشيئةِ إلى الفعل، فلا تَطلُقُ؛ كقوله: أنتِ طالِقٌ لا فعلتُ، أوْ لَأفْعَلَنَّ إنْ شاء الله. وإنْ أراد بالاستثناء والشَّرط ردَّه إلى الطَّلاق فقطْ؛ ففيه الخِلافُ، وإنْ لم تُعلَمْ نيَّتُه؛ فالظاهرُ (٣) رجوعُه إلى الفعل. غريبةٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ يَومَ أتزوَّجُكِ إنْ شاء الله، فتزوَّجَها؛ لم تَطلُقْ، وإنْ قال: أنتَ حرٌّ يَومَ أشْتَرِيكَ إنْ شاء الله فاشْتَراهُ؛ عَتَقَ. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ، أَوْ مَشِيئَتِهِ)، أوْ لدخول الدَّار؛ (طَلَقَتْ فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّ معناهُ: أنتِ طالِقٌ لكَونِه قد شاء (٤) ذلك أوْ رضِيَه، وذلك كقوله: هو حُرٌّ لوجه الله، أوْ لِرِضَا الله، بخلافِ قَولِه: لِقُدومِ زَيدٍ. (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ)، فيما هو (٥) ظاهِرُ التَّعليل؛ (دُيِّنَ)؛ لأِنَّه أعْلَمُ بمُراده، (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ (٦) عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: يُقبَلُ؛ لأِنَّ ذلك يُستَعْمَلُ للشَّرط؛ كقوله: أنتِ طالِقٌ للسُّنَّة.

стр. 4852

والثَّانية: لا، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه خِلافُ الظَّاهِر. فرعٌ: إذا قال: إنْ رَضِيَ أبوكِ فأنتِ طالِقٌ، فقال: ما رَضِيتُ، ثُمَّ قال: رضيتُ؛ وَقَعَ؛ لأِنَّه مُطْلَقٌ (١)، فكان متراخيًا، ذَكَرَه في «الفنون»، وأنَّ قَومًا قالوا: يَنقَطِعُ بالأوَّل. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللهُ بِالنَّارِ)، أوْ تُبْغِضِينَ (٢) الجَنَّةَ، (فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أُحِبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا (٣)؛ لِتَعارُض الأدِلَّة عندَه، وسُئِلَ عنها، فلم يُجِبْ فيها بشَيءٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: تَطْلُقُ)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «الفنون»: هو مذهبُنا؛ لأِنَّ ما في القلب لا يوقف (٤) عليه إلاَّ من اللَّفظ، فاقْتَضَى تعليقَ الحُكْم بلَفْظِها به، صادِقةً أوْ كاذِبةً؛ كالمشيئة. (وَالْأَوْلَى: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً)، وهو (٥) المذهبُ، وقاله أبو ثَورٍ؛ لأِنَّ المحبَّةَ في القلبِ، ولا يُوجد (٦) من أحدٍ محبةُ (٧) ذلك، وخَبَرُها بالمحبَّة كاذِبٌ لا يُلتَفَتُ إليه. واختار في «الفنون»: أنَّها لا تَطلُقُ لاِسْتِحالته عادةً؛ كقوله: إنْ كنتِ تَعتَقِدينَ أنَّ الجَمَلَ يدخل في (٨) خُرْمِ الإبْرَة فأنتِ طالِقٌ، فقالت: أعْتَقِدُه، فإنَّ عاقِلاً لا يُجَوِّزُه فَضْلاً عن اعتقاده.

стр. 4853

ثُمَّ إن قالت (١): كذَبْتُ؛ لم تَطلُقْ، وهل يُعتبَرُ نُطقُها، أوْ تَطلُقُ بإقرار الزَّوج؟ فيه احْتِمالانِ. وقِيلَ: لا تَطلُقُ إنْ لم يَقُلْ: بقلبكِ. فرعٌ: إذا قال: إنْ كنتِ تُحِبِّينَ زَيدًا أوْ تُبغضِيني (٢) فأنتِ طالِقٌ، فأخْبَرَتْهُ به؛ طَلَقَتْ وإنْ كانَتْ كاذِبةً. فإذا قال: أنتِ طالِقٌ إنْ أحبَبْتِ، أوْ إنْ أرَدْتِ، أوْ إنْ كَرِهْتِ؛ احْتَمَلَ أنْ يتعلَّق الطَّلاقُ بلسانِها؛ كالمشيئة، واحْتَمَلَ أنْ يتعلَّقَ الحكمُ بما في القلب من ذلك، ويكون اللِّسانُ دليلاً عليه، فعلى هذا: لو أقرَّ الزَّوجُ بوجوده؛ طَلَقَتْ، ولو أَخْبَرَتْ به ثُمَّ قالتْ: كنتُ كاذِبةً لم تَطلُقْ، ذَكَرَه في «الشَّرح». فرعٌ: إذا قالتْ: أريدُ أنْ تُطلِّقَنِي، فقال: إنْ كنتِ تُرِيدِينَ فأنتِ طالِقٌ، فيَقتَضِي: أنَّها تَطلُقُ بإرادةٍ مستقبَلةٍ، ودلالةُ الحال على أنَّه أراد إيقاعَه للإرادة الَّتي أخْبَرَتْه بها، قاله في «الفنون»، قال: ولو قال: إنْ كان أبوكِ يَرْضَى بما فَعَلْتِيهِ فأنتِ طالِقٌ، فقال: ما رَضِيتُ، ثُمَّ قال: رَضِيتُ؛ طَلَقَتْ؛ لأِنَّه علَّقه على رضًا مُستَقْبَلٍ، وقد وُجِدَ، بخلافِ: إنْ كان أبوكِ راضِيًا به؛ لأِنَّه ماضٍ. وتعليقٌ كطلاقٍ (٣)، ويصحُّ بالموت.

стр. 4854

(فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ) (فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ) (إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأَيْتِ الْهِلَالَ؛ طَلَقَتْ إِذَا رُئِيَ) بعدَ الغروب، أو أُكمِلتِ (١) العدَّة؛ لأِنَّ رؤيتَه في الشَّرع عبارةٌ عمَّا يُعلَمُ به دخولُه؛ لقوله (٢): «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» (٣)، فانْصَرَفَ لفظُ الحالِفِ إلى عُرْفِ الشَّرع، كما لو قال: إذا (٤) صلَّيتِ فأنتِ طالِقٌ، فإنَّه يَنصَرِفُ إلى الشَّرعيَّةِ، وفارَقَ رؤيةَ (٥) زيدٍ، فإنَّه لم يَثبُتْ له عُرْفٌ شرعي (٦). (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ حَقِيقَةَ (٧) رُؤْيَتِهَا، فَلَا يَحْنَثُ حَتَّى تَرَاهُ)؛ لأِنَّها رؤيةٌ حقيقةً، ويُقبل (٨) ذلك حُكْمًا على الأصحِّ، وقِيلَ: يُقْبَلُ بقرينةٍ، ويَتعلَّقُ الحُكْمُ برُؤْيَتِها له بعدَ الغُروبِ؛ لأِنَّ هِلالَ الشَّهر ما كان في أوَّلهِ. وقِيلَ: تَطلُقُ برؤيتها له قبلَ الغُروب؛ لأِنَّه يُسَمَّى رؤيةً، والحُكمُ يتعلَّقُ برؤيته في الشَّرع. فإنْ قال: أردتُ إذا رأيتُه أنا بعَينِي، فلم يره (٩) حتَّى أقْمَرَ؛ لم تَطلُقْ؛ لأِنَّه لَيسَ بهِلالٍ، وهو هلالٌ إلى الثَّالثة، ثمَّ يُقْمِرُ، وقِيلَ: إلى (١٠) الثَّانية، وقِيلَ:

стр. 4855

إذا اسْتَدارَ وبَهَر (١) ضَوءُه. فرعٌ: إذا قال: إذا رأيتِ فلانًا فأنتِ طالِقٌ، فرأَتْهُ ولو مَيتًا، أوْ في ماءٍ، أو زجاجٍ شَفَّافٍ؛ طَلَقَتْ، إلاَّ مع نيَّةٍ أوْ قَرينةٍ، لا خَيالَه في ماءٍ ومِرْآةٍ. وفي مُجالَسَتِها له وهي عَمْياءُ؛ وَجْهانِ، أصحُّهما: لا حِنْثَ. (وَإِنْ قَالَ: مَنْ (٢) بَشَّرَتْنِي بِقُدُومِ أَخِي فَهِيَ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَهُ (٣) بِهِ امْرَأَتَاهُ (٤)؛ طَلَقَتِ الْأُولَى مِنْهُمَا) إذا كانت صادِقةً؛ لأِنَّ البشارةَ خَبَرٌ يتغيَّرُ به بَشرَةُ الوَجْه من سرورٍ أوْ غَمٍّ، وإنَّما يحصل (٥) بالأوَّل؛ لأِنَّها عندَ الإطلاق للخير (٦)؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزُّمَر: ١٧]، فإنْ أُريدَ الشَّرُّ قُيِّدَتْ، قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [الانشقاق: ٢٤]. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ هِيَ الصَّادِقَةَ وَحْدَهَا، فَتَطْلُقُ وَحْدَهَا)؛ لحصول الغرض بِبَشارَتِها. وإنْ كانتا كاذبتَينِ؛ لم تَطلقْ واحدةٌ منهما؛ لأِنَّه لا سرورَ في الكَذِبِ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا بشَّرَه نساؤه معًا؛ طَلَقْنَ؛ لأِنَّ «مَنْ» تَقَعُ على الواحد فما زاد؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزّلزَلة: ٧]. ويتوجَّه: تحصل (٧) البشارةُ بالمكاتَبة، وإرْسالِ رسولٍ بها (٨). (وَإِنْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِقٌ؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي)، وجَزَمَ

стр. 4856

به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المرادَ من الخبر الإعلامُ، ولا يَحصُلُ إلاَّ بالخبرِ الصَّادق. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يَطْلُقَانِ)؛ أيْ: تَطلُقُ الصَّادِقةُ والكاذبةُ؛ لأِنَّ الخبرَ يَدخلُه الصِّدقُ والكَذِب. قال في «المحرَّر»: وعِنْدِي يَطلُقْنَ مع الصِّدق، ولا تَطلُقُ منهما كاذبةٌ. وفي «المستوعب»: حَكَى ابنُ أبي موسى فِيمَنْ قال لِعَبيده: أيُّكم جاءني بخبرِ كذا فهو حرٌّ، فجاءه (١) به اثْنانِ أوْ أكثر (٢)؛ فيه رِوايَتانِ: إحداهما (٣): يَعتِقُ واحِدٌ منهم بالقُرْعةِ. والثَّانيةُ: يَعتِقُونَ جميعًا. ولم يُفرِّقْ بَينَ الصِّدق والكَذِب، ولا بَينَ المتقدِّم والمتأخِّر. تنبيهٌ: إذا قال: أوَّلُ مَنْ يَقومُ منكنَّ فهي طالِقٌ، فقامَ الكلُّ دَفْعةً واحِدةً؛ لم تَطلُقْ واحدةٌ منهنَّ. وإنْ قامَتْ واحدةٌ، ولم يَقُمْ أحدٌ بعدَها؛ فوجْهانِ، فإنْ قُلْنا: لا يَقَعُ؛ لم يُحكَمْ بوقوع ذلك ولا انتفائه حتَّى يَيأسَ مِنْ قيامِ واحدةٍ منهنَّ، فتَنحَلُّ يمينه، وكذا العتقُ. وإنْ قامَ اثنتان أوْ ثلاثٌ (٤) معًا، وقام بعدهنَّ أخْرَى؛ وَقَع بِمَنْ قامَ أوَّلاً (٥). والعِتقُ كذلك.

стр. 4857

وقال القاضي فيمن (١) قال: أوَّلُ مَنْ يَدخُلُ مِنْ عَبِيدِي فهو حرٌّ، فدَخَلَ اثْنانِ دَفْعةً واحدةً، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ؛ لم يَعتِقْ واحِدٌ منهم، وهو بعيدٌ. وإنْ قال: آخِرُ مَنْ يَدخُلْ منكنَّ الدَّارَ فهي طالِقٌ، فَدَخَلَ إحداهنَّ؛ لم يُحكَمْ بطلاقِ واحدةٍ منهنَّ حتَّى يَيأسَ مِنْ دخولِ غَيرِها، فيَتَبَيَّنُ وُقوعُ الطَّلاق بآخِرِهِنَّ دخولاً مِنْ حين دخولها. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا)، أوْ جاهِلاً؛ (حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، نَقَلَه عن أحمدَ جماعة (٢)، واختاره (٣) الخَلاَّلُ وصاحِبُه، وذَكَرَ القاضي في «المجرد»: أنَّه هو المعمولُ به في المذهب؛ لأِنَّ الكَفَّارةَ تَجِبُ لرفع (٤) الإثْمِ، ولا إثْمَ عليهما (٥)، وأمَّا الطَّلاقُ والعِتاق فهو معلَّق (٦) بشرطٍ، فيَقَعُ بوجود شَرْطه مِنْ غَيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنتِ طالِقٌ إنْ قَدِمَ الحاجُّ، ولأِنَّ هذا يتعلَّق به حقُّ آدمِيٍّ، فتعلَّق الحكمُ مع النِّسيان؛ كالإتْلاف. (وَعَنْهُ: يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ)، قدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه قاصِدًا لِفِعْلِه، أشبه الذاكِرَ (٧)، وكالطَّلاق والعتاق، فحِينَئِذٍ: تلزمه (٨) الكَفَّارةُ في اليمين المكفَّرة، وهو قَولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهرِيِّ. (وَعَنْهُ: لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ)، وقاله عَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ؛ لقوله

стр. 4858

تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥]، ولقوله ﵇: «إنَّ اللهَ تجاوَزَ لِأُمَّتِي عن الخطأ، والنِّسيان، وما استُكرِهُوا عليه» (١)، ولأِنَّه غَيرُ قاصِدٍ للمُخالَفة، أشْبَهَ النَّائم، ولأِنَّه أحدُ طَرَفَي اليمين، فاعتُبِر فيه القَصْدُ؛ كحالة الابتداء. وعلى الأوَّل؛ لو (٢) فَعَلَه حِينَ جنونه؛ لم يَحنَثْ؛ كالنَّائم، وقِيلَ: هو كالنَّاسِي. وإنْ حَلَفَ على غيره ممَّن يَقْصِد مَنْعَه؛ كالزَّوجة والولد، فَفَعَلَه ناسِيًا أوْ جاهِلاً؛ فعلى الخلاف. قال في «الرِّعاية»: وإنْ قَصَدَ بمَنْعِهم أنْ لا يُخالِفوه، أوْ فعلوه كرهًا؛ لم يَحنَثْ. وعنه: يَحنَثُ المكرَه. ويتخرَّج: ألاَّ يَحنَثَ إلاَّ في الطَّلاق والعتاق. قال (٣) في «المستوعب»: فإنْ كان يُمكِنُه الاِمتِناعُ فلم يَمتَنِعْ؛ فَوَجْهانِ. فإنْ قُلْنا: لا يَحنَثُ، فأقام بعدَ دخولها، فهل يَحنَثُ؟ يَنبَنِي على ما إذا حلف لا يَدخُلُ الدَّارَ وهو فيها. وإن (٤) عقدها يَظُنُّ صِدْقَ نفسه، فبانَ بخلافه؛ فكَمَنْ حَلَفَ على مستقبَلٍ وفَعَلَه ناسيًا، يَحنَثُ في طلاقٍ وعتاقٍ فقطْ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، أَوْ لَا (٥) يُكلِّمُهُ، أَوْ لَا (٦) يُسَلِّمُ

стр. 4859

عَلَيْهِ، أَوْ لَا (١) يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيْتًا هُوَ فِيهِ ولَمْ يَعْلَمْ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أَوْ قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رَدِيئًا، أَوْ أَحَالَهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ (٢) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ بَرَّ؛ خُرِّجَ (٣) عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ)؛ لأِنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالَفةِ، أشْبَهَ النَّاسِيَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا دخل بَيتًا هو فيه عالِمًا؛ حَنِثَ، وصرَّح به غيرُه؛ لأِنَّ شرطَ الحنث قد وُجِدَ سالِمًا عن المعارِض، وكذا ما بعدَه؛ لأِنَّه معطوفٌ عليه. فإنْ نَوَى السَّلامَ على الجميع، أوْ كلامَهم؛ حَنِثَ روايةً واحدةً، وإنْ نَوَى غيرَه فلا، وإنْ أطْلَقَ؛ فالخِلافُ. وإنْ عَلِمَ به ولم يَنْوِه، ولم يَسْتَثْنِه بقلبه؛ فروايتانِ، أصحُّهما: الحنثُ. وكذا إنْ حَلَفَ لا يُكلِّمُ فلانًا، فسلَّم عليه يَحسِبُه أجنبيًّا، أوْ حَلَفَ لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوبًا، فوكَّلَ زَيدٌ مَنْ يَدفَعُه إلى مَنْ يبيعه، فدَفَعَه إلى الحالف، فباعه من غيرِ عِلْمِه. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ)، نَصَّ عليه في روايةِ صالِحٍ وحنبلٍ (٤)، اختاره أبو الخَطَّاب؛ كالإثبات (٥)، ولأِنَّه «﵇ كان يُخرِجُ رأسَه وهو مُعتَكِفٌ إلى عائشةَ لتُرجِّلَه، وهي حائضٌ» (٦)، والمعْتَكِفُ ممنوعٌ من الخروج من المسجد، والحائضُ عَكْسُه.

стр. 4860

(وَعَنْهُ: يَحْنَثُ)، اختاره الخِرَقِيُّ، وصحَّحه في «المغني»؛ لأِنَّ اليمينَ تقتضي (١) المنعَ من المحلوف عليه، فاختصَّ المنْعُ بشيءٍ منه؛ كالنَّهيِ، (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُ). فَعُلِمَ منه: أنَّ الخلافَ إنما هو في اليمين المطْلَقة، فإن نَوَى الجميعَ أو البعض (٢)؛ عمل بنيَّته، وكذا إنْ كان قرينةٌ. وعلى الأولى (٣): لو حَلَفَ على مَنْ يَمتَنِع بيمينه؛ كزوجةٍ وقَرابةٍ، وقَصَدَ مَنْعَه، ولا نيَّةَ ولا سببَ ولا قرينةَ؛ لم يَحنَثْ بفِعْل بعضه. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ؛ لَمْ يَبَرَّ (٤) حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ)؛ لأِنَّ ذلك حقيقةُ اللَّفظ، ولأِنَّ مطلوبَه تحصيلُ (٥) الفعل، فهو كالأمر، ولو أمر الله تعالى بشيءٍ لم يَخرُجْ عن العُهْدة إلاَّ بفِعْلِ جميعه، فكذا هُنا. (وَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأَدْخَلَهَا بَعْضَ جَسَدِهِ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُ مَاءَ هَذَا الْإِنَاءِ، فَشَرِبَ بَعْضَهُ؛ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ) في فِعْلِ بعض المحلوف عليه، والمذْهَبُ: أنَّه لا يَحنَثُ، كما لو حَلَفَ لا يَبِيعُ عبدَه، ولا يَهَبُه، فباعَ أوْ وَهَبَ بعضَه. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ (٦) مَاءَ هذا النَّهْرِ، فَشَرِبَ مِنْهُ؛ حَنِثَ) وَجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ فعلَ الجميع ممتنِعٌ، فلا تُصرَفُ اليمينُ إليه، وكذلك إنْ قال: واللهِ لا آكُلُ الخبزَ، ولا أشْرَبُ الماءَ، ممَّا عُلِّق على اسم جنسٍ أوْ جَمْعٍ؛ كالمسلمين، فإنَّه يَحنَثُ بفِعْل البعض.

стр. 4861

فإنْ نَوَى فعلَ الجميع، أوْ كان في لفظه ما (١) يَقْتَضِي ذلك؛ لم يَحنَثْ إلاَّ بفِعْلِ الجميع بلا خلافٍ (٢). فرع: إذا حَلَفَ: لا شَرِبْتُ من ماءِ الفرات، فشَرِبَ منه؛ حَنِثَ، سواءٌ كَرَعَ فيه، أوِ اغْتَرَفَ منه فشَرِبَه. وإنْ شَرِبَ من نَهرٍ يأخُذُ منه؛ حَنِثَ في وجهٍ، اقتصر عليه في «المستوعب»؛ كما لو حَلَفَ لا يَشرَب من شيءٍ فاسْتَقَى، أو لا يَشرَبُ من شاةٍ؛ فحَلَبَ وشَرِبَه. والثَّاني: لا يَحنَثُ؛ لأِنَّه يُضافُ إلى النهر (٣) لا إلى الفرات، وكغيره. فلو حَلَفَ لا يأكُلُ من هذه النَّخلة، فلَقَطَ مِنْ تحتها وأكَلَ؛ حَنِثَ، بخلافِ أكلِ وَرَقِها وأطرافِ أغصانِها. مسألةٌ: إذا قال: إنْ قَرِبتِ - بكسر الرَّاء - دارَ أبيك فأنتِ طالِقٌ؛ لم يَقَعْ حتَّى تَدخُلَها، فلو قاله بضم الرَّاء؛ وَقَعَ بوقوفها تحتَ فِنائها ولصوقها بجدارها؛ لأِنَّ مقتضاهما كذلك، ذَكَرَهما في «الروضة»، ولم يَذكُر الجَوهَرِيُّ قرِب بالكسر بمَعْنَى دَخَلَ، ولعلَّه عُرْفٌ خاصٌّ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ، أَوْ نَسَجَهُ (٤)، أوْ لَا (٥) يَأْكُلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيْدٌ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، أَوِ اشْتَرَيَاهُ، أَوْ أَكَلَ مِنْ طَعَامٍ طَبَخَاهُ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهما: يَحنَثُ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ كما لو حَلَفَ لا يَلبَس شيئًا مِنْ

стр. 4862

غَزْلِ فلانةَ، فلَبِسَ ثَوبًا مِنْ غَزْلِها وغَزْل غيرِها. والثَّانية: لا يَحنَثُ؛ لأِنَّه لم يَلبَسْ ثوبًا كامِلاً، كما لو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ما خاطه (١) زيدٌ، فإنَّه يَحنَثُ بكلِّ ثَوبٍ خاطاه جميعًا، بخلافِ ما لو قال: ثوبًا خاطَهُ زيدٌ. وإذا (٢) حَلَفَ لا يأكُلُ طعامًا اشتراه زيدٌ، فأكَلَ طعامًا اشتراه هو وغيرُه؛ حَنِثَ، إلاَّ أن يكونَ أراد أنْ لا يَنفَرِدَ أحدُهما بالشراء (٣). وذَكَرَ أبو الخَطَّاب احْتِمالاً: لا حِنْثَ؛ لأِنَّ كلَّ جزءٍ لم يَنفَرِدْ أحدُهما بشرائه، كما لو حَلَفَ لا يَلبَسُ ثوبًا اشْتَراهُ زيدٌ، فلَبِسَ ثوبًا اشْتَراهُ هو وغيرُه. (فَإِنِ (٤) اشْتَرَى غَيْرُهُ شَيْئًا، فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَأَكَلَ أَكْثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ؛ حَنِثَ) وَجْهًا واحدًا؛ لأِنَّه يَعلَمُ بالضَّرورة أنَّه أكَلَ ممَّا اشْتَراهُ زيدٌ، وهو شَرْطُ الحنث. (وَإِنْ أَكَلَ مِثْلَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يَحنَثُ؛ لأِنَّه يَستحِيلُ في العادة انفراد ما (٥) اشْتَراهُ زَيدٌ من (٦) غيرِه، فيَكونُ الحِنْثُ ظاهِرًا. والثَّاني: لا يَحنَثُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الأصلَ عدمُ الحنث، ولم نتيقَّنه (٧). فعلى هذا: كلُّ مَوضِعٍ لا يَحنَثُ؛ فحُكمُه حكمُ ما لو حَلَفَ لا يَأكُلُ

стр. 4863

تمرةً، فَوَقَعَتْ في تمرٍ، فأكَل منه واحدةً، على ما نَذكُره. وإنْ قَايَل زيدٌ في مأكولٍ كان باعه، فأكَلَ منه، فهل يَحنَثُ؟ على وَجْهَينِ. فإنْ كان اشْتَرَى شيئًا سَلَمًا، أوْ أخَذَه على وَجْه الصُّلح، فأَكَلَ منه؛ حَنِثَ.

стр. 4864

(بَابُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَلِفِ) (وَمَعْنَى التَّأْوِيلِ: أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ)، مِثْلَ أَنْ يَحلِفَ أنَّه أخِي، يريدُ أُخُوَّةَ الإسلام، وبالسَّقف والبِناء: السَّماء، وبالبِساط والفِراش: الأرضَ، وبالأوتاد: الجبالَ، وباللِّباس: اللَّيلَ، أوْ يقولَ: ما رأيتُ فلانًا؛ أيْ: ما ضَرَبْتُ رِئَتَه، وما ذَكَرْتُه؛ أي: ما قَطَعْتُ ذَكَرَه، وكقَوله: جَواريَّ أحرارٌ؛ يعني: سُفُنَه، ونسائي طوالِقُ؛ أي: أقارِبه، أو يقولَ: ما كاتَبْتُ فلانًا، ولا (١) عَرَفْتُه، ولا عَلِمْتُه، ولا سألته حاجةً، ولا أكَلْتُ له دجاجةً ولا فَرُّوجةً، ولا شَرِبْتُ له (٢) ماءً، ولا في بَيتِي فراشٌ، ولا حصيرٌ، ولا باريَّةٌ، ويَعْنِي بالمكاتَبة: مكاتبة (٣) الرَّقيق، وبالتَّعريف: جَعْله عريفًا، وبالإعلام: جَعْله أعْلَم الشَّفة، والحاجة: الشَّجرة الصَّغيرة، والدَّجاجة: الكُبَّة من الغزل، والفروجة: الدَّرَّاعة، والفَرْش: صِغار الإبل، والحَصيرِ: الخَيْش، والبارية: السِّكِّين التي يُبْرَى بها. فهذا وأشباهُه ممَّا يَسبِقُ إلى فَهْمِ السَّامع خلافُه، إذا عَناهُ بيمينه فهو تأويلٌ؛ لأِنَّه خلافُ الظَّاهِر. (فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا؛ لَمْ يَنْفَعْهُ تَأْوِيلُهُ)، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ (لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»)، وفي لفظٍ: «اليمينُ على نيَّةِ المسْتَحْلِف» رواهما مسلمٌ (٥).

стр. 4865

وعُلِم منه: أنَّه إذا كان مظلومًا فله تأويله (١)، نَصَّ عليه (٢)؛ لحديثِ سُوَيدِ بنِ حَنْظَلةَ قال: خرجْنا نُريدُ رسولَ الله ﷺ ، ومَعَنَا وائلُ بنُ حُجْرٍ، فأخَذَه عَدُوٌّ له، فتحرَّج (٣) القومُ أنْ يَحلِفُوا، فحلفتُ (٤) أنَّه أخِي، فَخُلِّي سبيله، فأتَينا النَّبيَّ ﷺ فذَكَرْنا له ذلك، فقال: «كنتَ أبرَّهم وأصْدَقَهم، المسلِمُ أخُو المسلِم» رواه أبو داودَ (٥)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ في (٦) المعاريض لَمندوحةً عن الكذب» رواه التِّرمذي (٧)، قال محمَّدُ بنُ سِيرِينَ: «الكلامُ أوْسعُ من أنْ يَكذِبَ ظريفٌ» (٨)، خَصَّ الظَّريفَ بذلك؛ يعني به: الكَيِّسَ الفَطِنَ، فإنَّه يَفطنُ التأويلَ، فلا حاجةَ إلى الكذب. فإنْ كان لا ظالِمًا ولا مَظْلومًا؛ فظاهر كلامِ أحمدَ: أنَّ (٩) له تأويلَه (١٠)؛ لأِنَّه ﵇ كان يَمزَحُ، ولا يَقولُ إلاَّ حقًّا (١١)، ومِزاحُه: أنْ يُوهِمَ السَّامِعَ

стр. 4866

بكلامه غيرَ ما عَناهُ، وهو التَّأويلُ، فقال ﵇ لعجوزٍ (١): «لا يدخل الجَنَّةَ عجوزٌ» (٢) يعني: أنَّ الله تعالى يُنشِئُهنَّ أبكارًا، عُرُبًا أتْرابًا. مسائل: الأولى: إذا حَلَفَ لَيُقسِمَنَّ بَينَ ثلاثِ نِسوةٍ ثلاثينَ قارورةٍ، عَشَرةٌ مملوءةٌ، وعشرة (٣) فُرغٌ (٤)، وعشرةٌ منصَّف، قَلَبَ كلَّ مُنصَّفَةٍ في أخرى، فلكلِّ واحدةٍ خمسٌ مملوءةً، وخمسٌ فُرغٌ. الثَّانية: إذا كان له ثلاثون نعجةً، عشرةٌ وَلَدَتْ كلُّ واحدةٍ سَخْلةً، وعَشَرَةٌ ثنتين (٥)، وعشرةٌ ثلاثًا، وحَلَفَ ليجعلنَّ (٦) لكلِّ امرأةٍ ثلاثًا (٧)، ولا يفرِّق بَينَ سخلةٍ وأمِّها؛ أعْطَى الكبرى عشرةً نتجت عشرين، والوسطى نصفَ ما نُتِج سخلةً ونصفَ ما نُتِج ثلاثًا بسخالها، وكذا الصغرى. الثَّالثةُ: إذا حَلَفَ أنَّه رأى ثلاث (٨) إخوةٍ لأِبَوَينِ، أحدُهم عبدٌ، والآخَرُ مَولًى، والآخَرُ عربي (٩) لا ولاءَ عليه، هذا رجلٌ تزوَّج بأَمَةٍ، فَوَلَدَتْ ابنًا فهو

стр. 4867

عبدٌ، ثُمَّ كُوتبت (١)، فأدَّتْ وهي حامِلٌ، فأتَتْ بابنٍ فتَبِعها (٢)؛ فهو مولًى، ثُمَّ ولدتْ بعدَ الأداء ابنًا، فهو عربيٌّ بلا وَلاءٍ. الرَّابعة: إذا حلف أنَّ خمسةً زَنَوْا بامرأةٍ، فلزم الأوَّلَ القتلُ، والثَّانيَ الرَّجمُ، والثَّالثَ الجلدُ، والرَّابعَ نصفُ الحدِّ، ولم يَلزَم الخامسَ شيءٌ، فالأوَّلُ: ذِمِّيٌّ، والثَّاني: مُحصَنٌ، والثَّالثُ: بِكْرٌ، والرَّابعُ: عبدٌ، والخامِسُ: حربيٌّ. الخامسة: إذا حَلف ليُخبِرَنَّه (٣) بشيءٍ رأسُه في عذابٍ، وأسْفَلُه في شَرابٍ، وأوْسَطُه في طعامٍ، وحَولَه سلاسلُ وأغْلالٌ، وحَبْسُه في بيتٍ ضيِّقٍ (٤)؛ فهو فتيلةُ القِنديل. السَّادسةُ: إذا حَلَفَ أنَّه يُحِبُّ الفتنةَ، ويَكرَهُ الحق (٥)، ويَشهَدُ بما لم يَرَهُ وهو بصيرٌ، ولا يَخافُ من الله، ولا رسول الله، وهو مُؤمِنٌ عَدْلٌ. فجوابُه: أنَّه يُحِبُّ المالَ والولدَ، ويَكرَه الموتَ، ويَشهَدُ بالغيب والحساب، ولا يَخافُ من الله ولا رسوله الظُّلمَ والجَورَ. السَّابعة: لو سُئِلَ عن طَعْمِ نَجْوِ الآدميِّ قِيلَ: إنَّه أوَّلاً حُلْوٌ لسقوط الذُّباب عليه، ثُمَّ حامِضٌ؛ لأِنَّه يُدَوِّدُ، ثُمَّ مُرٌّ؛ لأِنَّه يكرح. (فَإِذَا أَكَلَا (٦) تَمْرًا، فَحَلَفَ: لَتُخْبِرِنِّي بِعَدَدِ مَا أَكَلْتِ (٧)، أَوْ لَتُمَيِّزِنَّ (٨) نَوَى

стр. 4868

مَا أَكَلْتِ؛ فَإِنَّهَا تُفْرِدُ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتَعُدُّ مِنْ وَاحِدٍ (١) إِلَى عَدَدٍ يُتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أَكَلَ فِيهِ)، ولا يَحنَثُ إذا كان بنيَّة ذلك، وإنْ نَوَى الإخبارَ بكمِّيَّته من غيرِ زيادةٍ ولا نَقْصٍ؛ لم يَبْرَّ إلاَّ بذلك، وإنْ أطلقَ؛ فقياس المذهب: أنَّه كذلك؛ لأِنَّ الأَيمانَ تُبنى (٢) على المقاصد، إلاَّ أنْ يكونَ حيلةً فيَحنَثُ. فرعٌ: لو كان في فيها تمرةٌ، فقال: أنتِ طالِقٌ إنْ أكَلْتِيها، أوْ ألْقَيْتِيها، أو أمْسَكْتِيها، فأكلتْ بعضَها، وألْقَتْ بعضها؛ انبنى على فِعْلِ بعض المحلوف عليه. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَّةٍ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ (٣) بَارِيَّةً، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا وَيَنْسِجُهُ فِيهِ)، ويَجلِسُ عليها في البيت، ولا يَحنَثُ؛ لأِنَّه لم يدخله (٤) باريةً، وإنَّما أدخله (٥) قصبًا. وفي «المحرَّر»: وإنْ حَلَفَ لا يُدخِلُ بيتَه باريةً، فأدْخَلَ قصبًا لذلك، فنسجت فيه؛ حنث، وإن طرأ (٦) قصدُه والقصبُ (٧) فيها؛ فوجهان. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْحٍ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ بِهِ بَيْضًا)؛ لأِنَّ الصِّفةَ وُجِدَتْ لكَونِ أنَّ الملحَ لا يَدخُلُ في البَيض. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأْكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ، فَوَجَدَهُ بَيْضًا وَتُفَّاحًا؛ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ مِنَ الْبَيْضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا)، ويَأكُلُ منه

стр. 4869

بغيرَ حنثٍ؛ لأِنَّ ذلك لَيسَ ببيض (١) ولا تفَّاحٍ. وقِيلَ: يَحنَثُ مع التَّعيين. (وَإِنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ: لَا صَعِدْتُ إِلَيْكِ، وَلَا نَزَلْتُ إِلَى هَذِهِ، وَلَا أَقَمْتُ (٢) مَكَانِي سَاعَةً؛ فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ)؛ لأِنَّ ما فعَلَه سببٌ إلى عدم حِنثه، وأمَّا كَونُه تَنحَلُّ يمينُه، فلأِنَّه لم يَبقَ حِنْثُه ممكنًا؛ لزوال الصورة (٣) المحلوفِ عليها. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ) مِنْهُ (٤) (إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ)، فتَنْحَلُّ يمينُه؛ لأنَّه إنَّما نزل أوْ صعِد من غيره. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ؛ فَإِنْ كَانَ جَارِيًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأِنَّ الماءَ المحلوف عليه جَرَى، وصار في غيره، فلم يَحنَثْ، سواءٌ أقام أوْ خَرَج؛ لأِنه إنَّما يَقِفُ في غَيرِه أوْ يَخرُجُ منه، ذكره القاضي في «المجرد»؛ لأِنَّ الأَيْمانَ تَنْبَنِي على اللَّفظ لا على القصد. وقال (٥) في مَوضِعٍ آخَرَ: قياسُ المذهب أنَّه لا يَحنَثْ. (إِذَا نَوَى ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ)؛ لأِنَّ ذلك الماءَ بعينه يصدق عليه (٦) أنَّه ما أقام فيه ولا خرج منه، ضرورةَ كَونه جاريًا، فلم تَحصُلِ المخالَفةُ في المحلوف عليه. (وَإن (٧) كَانَ وَاقِفًا؛ حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا)؛ لِئلاَّ يُنسَبَ إليه فعلٌ (٨).

стр. 4870

فرعٌ: إذا حَلَفَ: لا لَبِسْتِ أنتِ هذا القميص، ولا وَطِئْتُكِ إلاَّ فيه، فلَبِسَتْه (١) وَوَطِئَها؛ لم يَحنَثْ. وإنْ حَلَفَ لَيُجامِعَنَّ على رأس رمحٍ، فنَقَب السقف، وأخرج منه رأس الرُّمح يسيرًا، وجامَعَ عليه؛ بَرَّ في الأَشْهَرِ. (وَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ، وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْنَي بِ «مَا»: الذِي)؛ أي: الموصولة، أو يَنوي غير الوديعة، أو غير مكانها، أو يَستَثْنِي بقلبه، (وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه صادِقٌ. مسألةٌ: إذا حَلَفَ: لَتَصْدُقِنِّي: هل سَرَقْتِ منِّي شَيئًا أم لا؟ وخافَتْ أنْ تصدُقَه، فتقولُ: سَرَقْتُ منك، ما سَرَقْتُ منك، وتعني ب «ما»: الذي. (وَإِنْ حَلَفَ لَهُ (٢): مَا فُلَانٌ هَهُنا (٣)، وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا بَرَّ فِي يَمِينِهِ)؛ لصِدْقه في ذلك، ورُوِيَ أنَّ مُهَنَّى والمرُّوذيَ كانا عند أحمدَ، فجاء رجلٌ يَطلُبُ المرُّوذيَّ، ولم يُرِد المرُّوذيُّ أنْ يُكلِّمَه، فوضَعَ مُهَنَّى إصبعَه في كفَّه، وقال: لَيسَ المرُّوذيُّ ههنا، يريد: ليس هو في كفِّه، فلم يُنكِرْه أحمدُ رحمه الله تعالى (٤). (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا، فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ (٥)؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأِنَّ الخيانةَ لَيستْ بسرقةٍ (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ) ذلك، فيَحنَثُ؛ لأِنَّ اللَّفظَ صالِحٌ أنْ يُرادَ به ذلك، وقد نواهُ، فَوَجَبَ الحِنْثُ؛ ضرورة المخالَفة في المحلوف عليه، أو يكون له سببٌ. فرعٌ: إذا اسْتَحْلَفَه ظالِمٌ: هل رأيتَ فلانًا أوْ لا؟ وكان قد رآه، فإنَّه يَعْنِي
следующие страницы →