← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

بكلامه غيرَ ما عَناهُ، وهو التَّأويلُ، فقال ﵇ لعجوزٍ (١): «لا يدخل الجَنَّةَ عجوزٌ» (٢) يعني: أنَّ الله تعالى يُنشِئُهنَّ أبكارًا، عُرُبًا أتْرابًا. مسائل: الأولى: إذا حَلَفَ لَيُقسِمَنَّ بَينَ ثلاثِ نِسوةٍ ثلاثينَ قارورةٍ، عَشَرةٌ مملوءةٌ، وعشرة (٣) فُرغٌ (٤)، وعشرةٌ منصَّف، قَلَبَ كلَّ مُنصَّفَةٍ في أخرى، فلكلِّ واحدةٍ خمسٌ مملوءةً، وخمسٌ فُرغٌ. الثَّانية: إذا كان له ثلاثون نعجةً، عشرةٌ وَلَدَتْ كلُّ واحدةٍ سَخْلةً، وعَشَرَةٌ ثنتين (٥)، وعشرةٌ ثلاثًا، وحَلَفَ ليجعلنَّ (٦) لكلِّ امرأةٍ ثلاثًا (٧)، ولا يفرِّق بَينَ سخلةٍ وأمِّها؛ أعْطَى الكبرى عشرةً نتجت عشرين، والوسطى نصفَ ما نُتِج سخلةً ونصفَ ما نُتِج ثلاثًا بسخالها، وكذا الصغرى. الثَّالثةُ: إذا حَلَفَ أنَّه رأى ثلاث (٨) إخوةٍ لأِبَوَينِ، أحدُهم عبدٌ، والآخَرُ مَولًى، والآخَرُ عربي (٩) لا ولاءَ عليه، هذا رجلٌ تزوَّج بأَمَةٍ، فَوَلَدَتْ ابنًا فهو

стр. 4867

عبدٌ، ثُمَّ كُوتبت (١)، فأدَّتْ وهي حامِلٌ، فأتَتْ بابنٍ فتَبِعها (٢)؛ فهو مولًى، ثُمَّ ولدتْ بعدَ الأداء ابنًا، فهو عربيٌّ بلا وَلاءٍ. الرَّابعة: إذا حلف أنَّ خمسةً زَنَوْا بامرأةٍ، فلزم الأوَّلَ القتلُ، والثَّانيَ الرَّجمُ، والثَّالثَ الجلدُ، والرَّابعَ نصفُ الحدِّ، ولم يَلزَم الخامسَ شيءٌ، فالأوَّلُ: ذِمِّيٌّ، والثَّاني: مُحصَنٌ، والثَّالثُ: بِكْرٌ، والرَّابعُ: عبدٌ، والخامِسُ: حربيٌّ. الخامسة: إذا حَلف ليُخبِرَنَّه (٣) بشيءٍ رأسُه في عذابٍ، وأسْفَلُه في شَرابٍ، وأوْسَطُه في طعامٍ، وحَولَه سلاسلُ وأغْلالٌ، وحَبْسُه في بيتٍ ضيِّقٍ (٤)؛ فهو فتيلةُ القِنديل. السَّادسةُ: إذا حَلَفَ أنَّه يُحِبُّ الفتنةَ، ويَكرَهُ الحق (٥)، ويَشهَدُ بما لم يَرَهُ وهو بصيرٌ، ولا يَخافُ من الله، ولا رسول الله، وهو مُؤمِنٌ عَدْلٌ. فجوابُه: أنَّه يُحِبُّ المالَ والولدَ، ويَكرَه الموتَ، ويَشهَدُ بالغيب والحساب، ولا يَخافُ من الله ولا رسوله الظُّلمَ والجَورَ. السَّابعة: لو سُئِلَ عن طَعْمِ نَجْوِ الآدميِّ قِيلَ: إنَّه أوَّلاً حُلْوٌ لسقوط الذُّباب عليه، ثُمَّ حامِضٌ؛ لأِنَّه يُدَوِّدُ، ثُمَّ مُرٌّ؛ لأِنَّه يكرح. (فَإِذَا أَكَلَا (٦) تَمْرًا، فَحَلَفَ: لَتُخْبِرِنِّي بِعَدَدِ مَا أَكَلْتِ (٧)، أَوْ لَتُمَيِّزِنَّ (٨) نَوَى

стр. 4868

مَا أَكَلْتِ؛ فَإِنَّهَا تُفْرِدُ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتَعُدُّ مِنْ وَاحِدٍ (١) إِلَى عَدَدٍ يُتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أَكَلَ فِيهِ)، ولا يَحنَثُ إذا كان بنيَّة ذلك، وإنْ نَوَى الإخبارَ بكمِّيَّته من غيرِ زيادةٍ ولا نَقْصٍ؛ لم يَبْرَّ إلاَّ بذلك، وإنْ أطلقَ؛ فقياس المذهب: أنَّه كذلك؛ لأِنَّ الأَيمانَ تُبنى (٢) على المقاصد، إلاَّ أنْ يكونَ حيلةً فيَحنَثُ. فرعٌ: لو كان في فيها تمرةٌ، فقال: أنتِ طالِقٌ إنْ أكَلْتِيها، أوْ ألْقَيْتِيها، أو أمْسَكْتِيها، فأكلتْ بعضَها، وألْقَتْ بعضها؛ انبنى على فِعْلِ بعض المحلوف عليه. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَّةٍ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ (٣) بَارِيَّةً، فَإِنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا وَيَنْسِجُهُ فِيهِ)، ويَجلِسُ عليها في البيت، ولا يَحنَثُ؛ لأِنَّه لم يدخله (٤) باريةً، وإنَّما أدخله (٥) قصبًا. وفي «المحرَّر»: وإنْ حَلَفَ لا يُدخِلُ بيتَه باريةً، فأدْخَلَ قصبًا لذلك، فنسجت فيه؛ حنث، وإن طرأ (٦) قصدُه والقصبُ (٧) فيها؛ فوجهان. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْحٍ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ بِهِ بَيْضًا)؛ لأِنَّ الصِّفةَ وُجِدَتْ لكَونِ أنَّ الملحَ لا يَدخُلُ في البَيض. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأْكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوِعَاءِ، فَوَجَدَهُ بَيْضًا وَتُفَّاحًا؛ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ مِنَ الْبَيْضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا)، ويَأكُلُ منه

стр. 4869

بغيرَ حنثٍ؛ لأِنَّ ذلك لَيسَ ببيض (١) ولا تفَّاحٍ. وقِيلَ: يَحنَثُ مع التَّعيين. (وَإِنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ: لَا صَعِدْتُ إِلَيْكِ، وَلَا نَزَلْتُ إِلَى هَذِهِ، وَلَا أَقَمْتُ (٢) مَكَانِي سَاعَةً؛ فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ)؛ لأِنَّ ما فعَلَه سببٌ إلى عدم حِنثه، وأمَّا كَونُه تَنحَلُّ يمينُه، فلأِنَّه لم يَبقَ حِنْثُه ممكنًا؛ لزوال الصورة (٣) المحلوفِ عليها. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ عَلَيْهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ؛ فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ) مِنْهُ (٤) (إِلَى سُلَّمٍ آخَرَ)، فتَنْحَلُّ يمينُه؛ لأنَّه إنَّما نزل أوْ صعِد من غيره. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا أَقَمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ؛ فَإِنْ كَانَ جَارِيًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأِنَّ الماءَ المحلوف عليه جَرَى، وصار في غيره، فلم يَحنَثْ، سواءٌ أقام أوْ خَرَج؛ لأِنه إنَّما يَقِفُ في غَيرِه أوْ يَخرُجُ منه، ذكره القاضي في «المجرد»؛ لأِنَّ الأَيْمانَ تَنْبَنِي على اللَّفظ لا على القصد. وقال (٥) في مَوضِعٍ آخَرَ: قياسُ المذهب أنَّه لا يَحنَثْ. (إِذَا نَوَى ذَلِكَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ)؛ لأِنَّ ذلك الماءَ بعينه يصدق عليه (٦) أنَّه ما أقام فيه ولا خرج منه، ضرورةَ كَونه جاريًا، فلم تَحصُلِ المخالَفةُ في المحلوف عليه. (وَإن (٧) كَانَ وَاقِفًا؛ حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا)؛ لِئلاَّ يُنسَبَ إليه فعلٌ (٨).

стр. 4870

فرعٌ: إذا حَلَفَ: لا لَبِسْتِ أنتِ هذا القميص، ولا وَطِئْتُكِ إلاَّ فيه، فلَبِسَتْه (١) وَوَطِئَها؛ لم يَحنَثْ. وإنْ حَلَفَ لَيُجامِعَنَّ على رأس رمحٍ، فنَقَب السقف، وأخرج منه رأس الرُّمح يسيرًا، وجامَعَ عليه؛ بَرَّ في الأَشْهَرِ. (وَإِنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ، وَكَانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ، فَإِنَّهُ يَعْنَي بِ «مَا»: الذِي)؛ أي: الموصولة، أو يَنوي غير الوديعة، أو غير مكانها، أو يَستَثْنِي بقلبه، (وَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه صادِقٌ. مسألةٌ: إذا حَلَفَ: لَتَصْدُقِنِّي: هل سَرَقْتِ منِّي شَيئًا أم لا؟ وخافَتْ أنْ تصدُقَه، فتقولُ: سَرَقْتُ منك، ما سَرَقْتُ منك، وتعني ب «ما»: الذي. (وَإِنْ حَلَفَ لَهُ (٢): مَا فُلَانٌ هَهُنا (٣)، وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَيَّنًا بَرَّ فِي يَمِينِهِ)؛ لصِدْقه في ذلك، ورُوِيَ أنَّ مُهَنَّى والمرُّوذيَ كانا عند أحمدَ، فجاء رجلٌ يَطلُبُ المرُّوذيَّ، ولم يُرِد المرُّوذيُّ أنْ يُكلِّمَه، فوضَعَ مُهَنَّى إصبعَه في كفَّه، وقال: لَيسَ المرُّوذيُّ ههنا، يريد: ليس هو في كفِّه، فلم يُنكِرْه أحمدُ رحمه الله تعالى (٤). (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا، فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ (٥)؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأِنَّ الخيانةَ لَيستْ بسرقةٍ (إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ) ذلك، فيَحنَثُ؛ لأِنَّ اللَّفظَ صالِحٌ أنْ يُرادَ به ذلك، وقد نواهُ، فَوَجَبَ الحِنْثُ؛ ضرورة المخالَفة في المحلوف عليه، أو يكون له سببٌ. فرعٌ: إذا اسْتَحْلَفَه ظالِمٌ: هل رأيتَ فلانًا أوْ لا؟ وكان قد رآه، فإنَّه يَعْنِي

стр. 4871

ب (رأيت (١): ما ضَرَبْتُ رئته. وإنْ قال: إنْ كانت امرأتي في السُّوق فعبدي حرٌّ، وإنْ كان عبدي (٢) في السُّوق فامرأتي (٣) طالِقٌ، وكانا في السُّوق؛ عَتَقَ العبدُ، ولم تَطْلُقْ؛ لأِنَّه عَتَقَ باللَّفظ الأوَّل، فلما عَتَقَ؛ لم يَبقَ له في السُّوق عبدٌ. ويَحتَمِلُ: أنْ يَحنَثَ إنْ أراد عبدًا بعينه، بناء (٤) على مَنْ حَلَفَ على مُعيَّنٍ تعلَّق اليمينُ بعَينه دُونَ صفته. مسائلُ: إذا حَلَفَ ليطأ في يوم، ولا يغتسلُ فيه، مع قدرته على استعمال الماء، ولا تفوتُه صلاةٌ مع (٥) الجماعة، فإنَّه يصلِّي الفجرَ، والظُّهرَ، والعصرَ، ويَطَأُ بعدَها، ويَغتَسِلُ بعدَ المغرب، ويُصلِّي معه. إذا قال: أنتِ طالِقٌ إنْ لم أطأْكِ في رَمَضانِ، ثُمَّ سافَرَ ثلاثةَ أيَّامٍ، ثُمَّ وَطِئَ، فقال أحمدُ: لا يُعجِبُنِي؛ لأنَّها حيلةٌ (٦). وقال في روايةِ بَكرِ بنِ محمَّدٍ: إذا حَلَفَ على فعلِ شيءٍ، ثُمَّ احتالَ بحيلةٍ فصار إليها، فقد صار إلى ذلك الذي حَلَفَ عليه بعينه (٧). وقال القاضي: الصَّحيحُ أنَّها تَنحَلُّ به اليمينُ، ويُباحُ به الفِطْرُ؛ لأِنَّ إرادةَ حَلِّ اليمين من المقاصد الصَّحيحة.

стр. 4872

إذا حَلَفَ في شَعَبانَ: لَيُجامِعَنَّ امرأتَه في شَهْرَينِ متتابعَينِ، فدخل رمضانُ؛ سافَرَ بها، فإنْ حاضَتْ فَوَطِئَ فيه؛ كفَّر عن (١) كلِّ وطءٍ في الحيض كفَّارتَه. وعنه: لا يَطَأُ، ويُطلِّقُ؛ كمَنْ حَلَفَ لَيَسْقِيَنَّ ولدَه خمرًا، نَصَّ عليه (٢). سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ حلف (٣) لا يُفطِرُ في رمضانَ، فقال للسائل: اذهب إلى بِشْرِ بنِ الوليد (٤)، فاسْأَلْه، ثُمَّ ائتِنِي فأخبرْني، فذهب فسأله، فقال له بِشْرٌ: إذا أفْطَرَ أهلُكَ فاقْعُدْ معهم ولا تُفطِرْ، فإذا كان السَّحرُ فَكُلْ، واحتجَّ بقوله ﵇: «هَلُمُّوا إلى الغَداء المبارَك» (٥) فاسْتَحْسَنَه أحمدُ ﵁ (٦).

стр. 4873

(بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ) الشَّكُّ في الاِصْطِلاح: تردُّدٌ على السَّواء، وهُنا: مُطْلَقُ التَّردُّد. (إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟)، أوْ شَكَّ في وجودِ شَرطِه؛ (لَمْ تَطْلُقْ)، نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ أكثرِهم؛ لأِنَّ النِّكاحَ ثابِتٌ بيقينٍ، فلا يَزولُ بالشَّكِّ، ويَشهَدُ له قَولُه ﵇: «فَلا يَنصرِفْ حتَّى يَسمَعَ صَوتًا، أوْ يَجِدَ ريحًا» (٢)، فأَمَرَه بالبناء (٣) على اليقين، واطِّراحِ الشَّكِّ. قال المؤلِّفُ: والوَرَعُ: التزام (٤) الطَّلاق. وعن شريكٍ: أنَّه إذا شكَّ في طلاقه؛ طلَّقَها واحدةً ثُمَّ راجَعَها؛ لتكونَ الرَّجعةُ عن طلقةٍ صحيحةٍ، فتكون صحيحة (٥) في الحُكْم. وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّ التَّلفُّظَ بالرَّجعة مُمْكِنٌ مع الشَّك في الطلاق (٦)، ولا يفتقر (٧) إلى ما تَفتَقِرُ إليه العباداتُ من النِّيَّة، ولأِنَّه لو شَكَّ في طلقتين (٨)، فطلَّقَ واحدةً؛ لَصَارَ شاكًّا في تحريمها (٩) عليه، فلا تفيده (١٠) الرَّجعةُ. وقِيلَ: يَلزَمُه حكمُه مع شرطٍ عَدَمِيٍّ، نحو: لقد (١١) فعلتُ كذا، أوْ إنْ لم

стр. 4874

أفْعَلْه اليومَ، فمضى، وشكَّ في فِعْلِه؛ لَزِمَه الطَّلاقُ. قال في «المحرَّر»: وتمامُ الورع (١) في الشَّكِّ: قَطْعُه برَجعةٍ أوْ عَقْدٍ إنْ أمكنَ، وإلاَّ فبفرقةٍ (٢) مُتَيقَّنةٍ؛ بأنْ يقولَ: إنْ لم تكُنْ طَلَقَتْ فهي طالِقٌ. (وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ ما زاد على اليقين طلاقٌ مشكوكٌ فيه، فلم يَقَعْ، كما لو شكَّ في أصل الطَّلاق، فلو شَكَّ هل طلَّق اثنتَينِ أوْ واحدةً؛ فهي واحدةٌ؛ لأِنَّها اليقينُ، وأحكامه (٤) أحكامُ المطلِّق دُونَ الثَّلاث؛ من إباحة الرَّجعة، وحِلِّ الوطء، وإذا راجع (٥) عادتْ إلى ما كانَتْ عليه قَبلَ الطَّلاق. وكذا لو قال لها (٦): أنتِ طالِقٌ بعَدَدِ ما طلَّقَ فلانٌ زَوجَتَه، وجُهِلَ عدَدُه؛ فطلقةٌ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا طَلَّقَ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمْ ثَلَاثًا؛ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ (٧)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، أنَّه يَحرُمُ عليه وطْؤُها؛ لأِنَّه مُتَيقِّنٌ للتَّحريم، شاكٌّ في التَّحليل، وعليه نَفَقَتُها ما دامتْ في العِدَّة؛ لأِنَّ الأصلَ بقاؤها؛ اسْتِنادًا لِبقاءِ النِّكاح، ولأِنَّه لو تنجَّسَ ثَوبُه، فلم (٨) يَدْرِ مَوضِعَ النَّجاسة منه؛ لا يَحِلُّ له أنْ يصلِّيَ فيه حتَّى يَغسِلَ ما تَيقَّن (٩) به طهارته، فكذا

стр. 4875

هنا، والجامِعُ بَينَهما: تيقُّنُ الأصلِ، والشَّكُّ فِيما بعدَه. وظاهِر كلامِ الإمامِ والأصحابِ: أنَّه إذا راجَعَها؛ حلَّتْ له؛ لأِنَّ الرَّجعةَ مزيلةٌ لحكم (١) المتيقَّنِ من الطَّلاق، فإنَّ التَّحريمَ أنْواعٌ: تحريمٌ تزيله (٢) الرَّجعةُ، وتحريمٌ يُزيلُه نكاحٌ جديدٌ، وتحريمٌ يُزيلُه نكاحٌ بعدَ زَوجٍ وإصابةٍ، ومن تيقَّنَ الأدنى لا (٣) يَثبُتُ فيه حكمُ الأعلى؛ كمَنْ تيقَّنَ الحَدَثَ الأصغرَ؛ لا يَثبُتُ فيه حكمُ الأكبرِ، ويُخالِفُ الثَّوبَ، فإنَّ غَسْلَ بعضه لا يَرفَعُ ما تَيقَّنه (٤) من النَّجاسة. ومن أصحابنا مَنْ مَنَعَ حصولَ التَّحريم بالطَّلاق؛ لكَونِ الرَّجْعة مُباحةً، فلم يكُن التَّحريمُ مُتَيَقَّنًا. (وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً؛ مُنِعَ وَطْءَ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتِ التِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأْكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ). إذا تيقَّنَ أكلَ التَّمرة المحلوفِ عليها، أوْ أنَّه لم يأكُلْها؛ فلا إشْكالَ في ذلك بغير خلافٍ (٥). فإنْ أكَلَ منه (٦) شيئًا - قلَّ أو كثر (٧) - ولم يَدْرِ أَكَلَها أوْ لا، فلا يَتحقَّقُ حِنْثُه؛ لأِنَّ الباقيةَ يَحتَمِلُ أنَّها المحلوفُ عليها، ويقينُ النِّكاح ثابِتٌ، فلا يَزولُ بالشَّكِّ، فعلى هذا: حكمُ الزَّوجيَّة باقٍ إِلاَّ في الوَطْء، فإنَّ الخِرَقِيَّ يَمنَعُ منه؛

стр. 4876

لأِنَّه شاكٌّ في حِلِّها، كما لو اشْتَبَهت امرأتُه بأجنبيَّةٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب وغَيرُه: أنَّها باقيةٌ على الحِلِّ؛ لأِنَّ الأصلَ الحِلُّ، فلا يُزولُ بالشَّكِّ؛ كسائر أحكام النِّكاح، وكما لو شكَّ هل طلَّق أمْ لا. فإن كانَتْ يمينُه: ليأكلَنَّ هذه التَّمرة، فلا يتحقَّق بِرُّه حتَّى يَعلَمَ أنَّه أكَلَها. فرعٌ: إذا قال لزَوجتَيهِ أوْ أَمَتَيهِ: إحداكما طالِقٌ أوْ حرَّةٌ غَدًا، فماتَتْ إحداهما قبلَ الغد؛ طَلَقَتْ وعَتَقَتْ الباقيةُ في ظاهر المذهب، وقِيلَ: يُقرِعُ بَينَهما كمَوتِهما، وهل تَطلُقُ إذِنْ أَوْ منذ طَلَّقَ؟ فيه وجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتَيهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ، يَنْوِي وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً؛ طَلَقَتْ وَحْدَهَا)؛ لأِنَّه عيَّنَها بنيَّتِه (١)، أشْبَهَ ما لو عيَّنَها بلَفْظِه، فإن (٢) قال: أردتُ فُلانةَ؛ قُبِلَ؛ لأِنَّ ما قالَهُ مُحتَمِلٌ، ولا يُعرَفُ إلاَّ مِنْ جِهَته. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ)، نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ (٣)، رُوِيَ عن عليٍّ (٤)، وابنِ عبَّاسٍ (٥)، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابة، وقاله

стр. 4877

الحَسَنُ وأبو ثَورٍ، ولأِنَّه إزالةُ ملْكٍ بُنِيَ على التَّغليب والسِّراية، فتدخله (١) القُرْعةُ كالعتق، وقد ثَبَتَ الأصلُ «بقُرْعته ﵇ بَينَ العَبِيد السِّتَّة» (٢)، ولأِنَّ الحقَّ لواحدٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، فَوَجَبَ تعيينُه بقُرْعةٍ؛ كإعتاق عبيده في مرضه، وكالسفر (٣) بإحْدَى نسائه، وكالمنسيَّة. وعنه: يُعيِّن (٤) أيَّتَهما شاء، وقاله أكثرُ العلماء، وذَكَرَها بعضُهم في العتق؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ إيقاعُه ابتداءً، ويُعيِّنُه، فإذا أوْقَعَه ولم يُعيِّنْه؛ مَلَكَ تَعْيِينَه؛ لأِنَّه استيفاء ما يَملِكُه (٥). وقال قتادةُ: يَطلُقْنَ جميعًا. ورُدَّ: بأنَّه أضاف الطَّلاقَ إلى واحدةٍ، فلم يَطلُقِ الجميعُ؛ كما لو عيَّنَها. فرعٌ: لا يَطَأُ إحداهما قبلَ القرعة أو التَّعيين، وهل وطء إحداهما (٦) تعيينٌ لغيرها؟ قال ابنُ حمدانَ: يَحتَمِلُ وجْهَينِ، والأصحُّ: أنَّه لَيس تعيينًا لغيرها، ولا يَقَعُ بالتَّعيين، بل يتبيَّنُ وقوعُه في المنصوص. فإنْ مات؛ أَقْرَعَ الورثةُ، فمَنْ قَرَعَتْ؛ لم تُوَرَّثْ؛ نَصَّ عليه (٧).

стр. 4878

تنبيهٌ: إذا قال: امرأتي طالِقٌ، أوْ أَمَتِي حرَّةٌ، ونَوَى مُعَيَّنةً؛ انصرف إليها، وإنْ نَوَى مُبهَمةً فهي مُبهمَةٌ فيهنَّ، وإنْ لم يَنْوِ شَيئًا؛ فالمذهب تَطلُقُ نساؤه، وتَعتِقُ إماؤه، روي (١) عن ابنِ عبَّاسٍ (٢)؛ لأِنَّ الواحِدَ المضافَ يُرادُ به الكلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وقال الجماعةُ: يَقَعُ على واحدةٍ مُبهَمَةٍ؛ كما لو قال: إحداكما (٣) طالِقٌ؛ لأِنَّ لفظ الواحد لا يُستعمَلُ في الجميع إلاَّ مجازًا، ولو احتمل وجب صَرْفُه على الواحدة؛ لأِنَّها اليقينُ، وما زاد مشكوكٌ فيه، قال في «الشَّرح»: وهذا أصحُّ. (وَإِنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَأُنْسِيَهَا؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا)؛ أيْ: ذَهَبَ أكثرُ الأصحاب (٤) إلى أنَّه إذا طلَّق امرأةً من نسائه وأُنسِيَها؛ أنَّها تُخرَجُ بالقرعة، قال في «المحرَّر»: هو (٥) المشهورُ؛ لأِنَّه بعدَ النِّسيان لا تُعلم (٦) المطلَّقةُ منهما (٧)، فَوَجَبَ أنْ تُشرَعَ القرعة (٨) فيها، وحينئذ (٩) تجب النَّفقةُ حتَّى يُقرَعَ. وقد رَوَى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ عن أحمدَ: أنَّ القُرْعةَ لا تُستَعْمَلُ هنا لمعرفة الحلِّ، وإنَّما تُستعمَلُ لبيانِ الميراث (١٠).

стр. 4879

قال في «الشَّرح»: لا ينبغي أنْ يثبُتَ الحِلُّ بالقرعة، وهو قَولُ أكثرِ أهلِ العلم، فالكلامُ إذًا في شَيئَينِ: أحدهما: في استعمال القرعة في المنسيَّة في التَّوريث. الثَّاني: استعمالُها في الحلِّ. فالأوَّلُ جائزٌ؛ لأِنَّ الحقوقَ إذا تساوَتْ على وجهٍ لا يُمكِنُ التَّمييزُ إلاَّ بالقرعة؛ صحَّ؛ كالشركاء (١) في القسمة. وأمَّا الثاني؛ فلا يصحُّ استعمالُها؛ لأِنَّها اشتبهتْ زوجتُه بأجنبيَّةٍ، فلم تَحِلَّ إحداهما بالقرعة. (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ التِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ؛ رُدَّتْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)؛ لأِنَّه ظَهَرَ أنَّها غيرُ مطلَّقةٍ، والقرعة ليست بطلاقٍ ولا كنايةٍ، وهذا إذا لم تكُنْ تزوَّجتْ؛ لأِنَّه أمْرٌ لا يُعرَفُ إلاَّ من جهته، فقُبِلَ قَولُه. (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ)؛ لأنَّها (٢) قد تعلَّقَ بها حقُّ الزَّوج الثَّاني، (أَوْ تَكُونَ (٣) القرعةُ (بِحُكْمِ حَاكِمٍ)، نَصَّ عليه في روايةِ الميمونيِّ (٤)؛ لأِنَّ قرعةَ الحاكم بَينَهما حكمٌ بالتَّفريق، وليس لأِحدٍ رَفْعُ ما حَكَمَ به الحاكِمُ، قال ابن أبي موسى: وفي هذا دليل على أنَّ لحكم الحاكم تأثيرًا في التَّحريم. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ حَامِدٍ)، وقدَّمه في «الرِّعاية»: (تَطْلُقُ الْمَرْأَتَانِ)، أمَّا المطلَّقةُ فحقيقةً، وأمَّا التي خرجت بالقرعة؛ فَلِأَنَّ الطَّلاقَ إذا وقع يستحيل رفْعُه، ولأِنَّها حَرُمَتْ عليه بقوله، وتَرِثُه إنْ مات ولا يَرِثُها، وعلى قولهما: يلزمه نفقتُها (٥)، ولا يَحِلُّ له وطؤُها، والأُولى بالقرعة، قاله في «الشَّرح».

стр. 4880

وذكر في «الرعاية» على قولهما: إنْ مات قبلَها؛ أَقْرَعَ الورثةُ، فمَنْ قرعت لم تَرِثْ، وإنْ ماتتا، أو إحداهما قبلَه، فمن قرعت؛ لم يرثها مع طلاقٍ بائنٍ. (وَالصَّحِيحُ) عندَ المؤلِّف، وهو روايةٌ: (أَنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هَهُنَا)؛ أيْ: في المعيَّنة المتقدِّم ذِكرُها، (وَيَحْرُمَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، كَمَا لَوِ اشْتَبَهَتِ امْرَأَتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ)، ولأِنَّ القرعةَ لا تزيلُ حكمَ المطلَّقة، ولا يرفع الطَّلاق عمَّن وَقَعَ عليها؛ لأِنَّه (١) لو ارتفع لَمَا عاد إذا تبيَّنَ أنَّها مطلَّقةٌ، وفارَقَ ما قاسوا عليه، فإنَّ الحقَّ لم يَثْبُتْ لواحدٍ بعَينِه. تنبيهٌ: إذا طلَّقَ واحدةً لا بعينها، أوْ بعينها ثمَّ أُنْسيها (٢)، فانقضت عدَّةُ الجميع؛ فله نكاحُ خامِسةٍ قبلَ القُرعة في الأصحِّ، ومتى عَلِمْناها بعينها، فعدَّتُها مِنْ حينَ طلَّقها، وقِيلَ: مِنْ حينِ التَّعيين. فإنْ مات الزَّوجُ قَبْلَ التَّعيين؛ فعلى الجميع عدَّةُ الوفاة عندَ أهل الحجاز والعراق، والصَّحيحُ: أنَّه يَلزَمُ كلَّ واحدةٍ الأطْوَلُ مِنْ عدَّةِ وفاةٍ أوْ طلاقٍ. (وَإِنْ طَارَ طَائِرٌ فَقَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ)، ولم يُعلَمْ حالُه؛ (فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ)؛ لأِنَّ الطَّائرَ لا بُدَّ أنْ يكونَ أحدَهما، فيَقَعُ الطَّلاقُ بمَنْ وُجد (٣) شرطُ طلاقها، وقد تقدَّم ذكرُ الخلاف فيها. لكِنْ لو قال: إنْ كان غرابًا فامرأتي طالِقٌ ثلاثًا، وقال آخَرُ: إنْ لم يكنْ غرابًا فامرأتي طالِقٌ ثلاثًا، ولم يَعلمَاه؛ لم تَطلُقا، وحَرُمَ عليهما الوطءُ، إلاَّ مع اعتقاد أحدهما خطأَ الآخَرِ.

стр. 4881

(وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَامًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ (١)؛ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يُعْلَمْ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنَّه غيرُهما، فلا يزولُ يقينُ النِّكاح بالشَّكِّ في الحنث. فإن ادَّعتْ حِنْثَه؛ قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ معه (٢)، واليقين في جانبه. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَقَالَ آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَلَمْ يَعْلَمَاهُ؛ لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ الأصلَ بقاءُ الرِّقِّ، فلا يزولُ بالشَّكِّ، بخلاف ما إذا كان العبدان لواحدٍ؛ لأِنَّه معلومٌ زوالُ رِقِّه عن (٣) أحدهما، فلذلك (٤) شُرِعَت القُرعةُ. (وَإِنِ اشْتَرَى أَحَدُهُمَا عَبْدَ الآْخَرِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ)، قاله أبو الخَطَّاب، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ العَبدَينِ صارا له، وقد عُلِمَ عِتْقُ أحدِهما لا بعَينه، فيَعتِقُ بالقُرعة، إلاَّ أَنْ يكونَ أحدُهما أقرَّ أنَّ الحانِثَ صاحبُه، فيُؤخَذُ بإقراره. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وقدَّمه في «الرِّعاية»: (يَعْتِقُ الذِي اشْتَرَاهُ)؛ لأِنَّه يُنْكِرُ حِنْثَ نفسِه، وذلك يقتضي حِنْثَ رفيقه في الحلف، فيكون مُقِرًّا بحرِّيَّته، فإذا اشتراه؛ وجب الحكمُ عليه بالعتق. ولم يُفرِّق المؤلِّفُ بَينَ ما إذا اشتراه بعدَ أنْ أنكر حِنْثَ نفسه، وبَينَ شرائه قبل أنْ يُنكِرَ، وفرَّق بَينَهما في «المغني»، وقال في «المحرَّر»: فاشترى أحدُهما نصيبَ صاحبه، وقيل (٥): إنَّما يَعتِقُ إذا تكاذبا، وإلاَّ أحدهما بالقرعة، وهو الأصحُّ.

стр. 4882

وولاءُ (١) المبيع إنْ عَتَقَ لبيت المال، وقِيلَ: للمشتري. فرعٌ: إذا كان الحالِفُ واحدًا، فقال: إنْ كان هذا (٢) غرابًا فعبدي حرٌّ، وإنْ لم يكُنْ غرابًا فأَمَتِي حرَّةٌ؛ عَتَقَ أحدُهما بالقرعة، فإنِ ادَّعى أحدُهما أنَّه الذي عَتَقَ، أو ادَّعى ذلك كلُّ واحد (٣) منهما؛ قُبِلَ قَول السَّيِّد مع يمينه. وإذا قال: إنْ كان غرابًا فنساؤه طوالِقُ، وإن لم يكُنْ فعبيدُه أحرارٌ، وجُهِلَ؛ أُقْرِعَ بَينَ النِّساء والعبيد، وعليه نفقة الكلِّ قبلَها، فإن ادَّعى كلٌّ منهم أنَّه عَتَقَ؛ قُبِلَ قَول السَّيِّد، وفي يمينه وجْهانِ. وكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا: يُستحْلَفُ، فنَكَلَ؛ قُضي عليه. فإنْ قال: أنا أعْلَمُ أنَّه (٤) كان غرابًا أو غَيرَ غرابٍ؛ قُبِلَ منه. وإنْ مات؛ أَقْرَعَ الورثة، وقيل: لهم التَّعيينُ. مسألةٌ: إذا زوَّجَ بنتًا من ثلاث، ثمَّ مات، وجُهِلَتْ، حَرُمْنَ، ونقل أبو طالبٍ وحنبلٌ: تُخرج (٥) بقرعةٍ (٦)، قال القاضي وأبو الخَطَّاب: وكذا يجيء إذا اختلطت أخته بأجنبيَّات. وفي «عيون المسائل»: لا يجوز اعتبارُ ما لو اختلط ملكُه بملكٍ لأجنبيٍّ بما (٧) لو اختلط ملكه بملكه؛ لأِنَّه إذا اختلط عبدُه بعبد غيره؛ لم يُقرَعْ. (وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا (٨) طالِقٌ،

стр. 4883

أَوْ قَالَ (١): سَلْمَى طَالِقٌ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ سَلْمَى؛ طَلَقَتِ امْرَأَتُهُ)؛ لأِنَّ الأصلَ اعتبارُ كلام المكلَّف (٢) دون إلغائه، فإن (٣) أضافه إلى إحدى امرأتَينِ وإحداهما زوجتُه، أو إلى اسمٍ وزَوجَتُه مُسَمَّاةٌ بذلك؛ وجَبَ صرفُه إلى امرأته؛ لأِنَّه لو لم يُصرَفْ إليها؛ لَوَقَعَ لغوًا. (فَإِنْ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ؛ لَمْ تَطْلُقِ امْرَأَتُهُ)؛ لأِنَّه لم يصرِّحْ بطلاقها، ولا لَفَظَ بما يقتضيه، ولا نَواهُ، فوجب بقاءُ نكاحها على ما كان عليه. (وَإِنِ (٤) ادَّعَى ذَلِكَ؛ دُيِّنَ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ ما قاله، (وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٥): أشهرهما: أنَّه لا يُقبَلُ، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ غيرَ زوجته ليست محلًّا لطلاقه. والثَّانيةُ: بلى، وقاله أبو ثَورٍ؛ لِمَا قُلْنا. وعلى الأولى (٦): إذا كان ثَمَّ قرينةٌ دالَّةٌ على إرادة الأجنبيَّة، مثل أنْ يَدفَعَ بيمينه ظلمًا، أو يتخلَّص (٧) بها من مكروهٍ؛ فإنَّه يُقبَلُ في الحكم، ونقل أبو داودَ فِيمَنْ له امرأتان اسمُهما واحِدٌ، ماتت إحداهما، فقال: فلانةُ طالِقٌ يَنوِي الميِّتَةَ فقال: الميِّتةُ تَطلُقُ؟! إنَّ كانْ (٨) أحمد أراد: لا يُصدَّق حكمًا (٩).

стр. 4884

وفي «الانتصار» خلافٌ في قوله لها ولرجلٍ: إحداكما طالِقٌ. فإن لم يَنْوِ زوجتَه، ولا الأجنبيَّةَ؛ طَلقَتْ زوجتُه؛ لأِنَّها محلٌّ للطَّلاق. (وَإِنْ نَادَى امْرَأَتَهُ، فَأَجَابَتْهُ امْرَأَةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، يَظُنُّهَا (١) الْمُنَادَاةَ؛ طَلَقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اختارها ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّه خاطَبَها بالطَّلاق، فطلقَت؛ كما لو قَصَدَها. (وَالْأَخْرَى: تَطْلُقُ التِي نَادَاهَا) فقط، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّه قد تعلَّق بخطابه المناداةُ (٢)، وليست الأخرى مُناداةً، ولأِنَّه لم يَقصِدْها بالطَّلاق فلم تَطلُق، كما لو أراد أن يقولَ: طاهِرٌ، فسَبَقَ لسانُه فقال: أنت (٣) طالِقٌ، قال أبو بكرٍ: لا يَختَلِفُ كلامُ أحمدَ أنَّها لا تَطْلُقُ. (وَإِنْ قَالَ (٤): عَلِمْتُ أَنَّهَا غَيْرُهَا، وَأَرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ؛ طَلَقَتَا مَعًا) في قولهم جميعًا؛ لأِنَّ المناداةَ توجَّه إليها لفظُ الطَّلاق ونيَّتُه، والمجيبةُ توجَّه إليها بخطابها بالطَّلاق. (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ؛ طَلَقَتْ وَحْدَهَا)؛ لأِنَّه خاطَبَها بالطَّلاق، ونواها به، ولا يَطلُقُ غَيرُها؛ لأِنَّ لفظَه غَيرُ مُوَجَّهٍ إليها، ولا هي مَنْوِيَّةٌ. (وَإِنْ لَقِيَ أَجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا (٥) امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: فُلَانَةُ أَنْتِ طَالِقٌ)، هذا قَولٌ في المذهب: أنَّها تَطلُقُ إذا سَمَّى زوجتَه، والمذهَبُ: أنَّه يَقَعُ؛ لقوله: (طَلَقَتِ

стр. 4885

امْرَأَتُهُ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّه قصد زوجتَه بصريحِ الطَّلاق، كما لو قال: علمت أنَّها أجنبيَّةٌ، وأردتُ طلاق زوجتي. ويَحْتَمِلُ: أنَّها لا تَطلُقُ؛ لأِنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاق، وكما لو عَلِمَ أنَّها أجنبيَّةٌ. فإنْ لَقِيَ امرأتَه ظَنَّها (٢) أجنبيَّةً، فقال لها (٣): أنتِ طالِقٌ، فهل تَطْلُقُ؟ فيه رِوايَتانِ هما أصْلُ المسائل. قال ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه، وجزم به (٤) في «الوجيز»: على أنَّه لا يَقَعُ، وكذا العِتْقُ، قال أحمدُ فِيمَنْ قال: يا غلامُ أنتَ حرٌّ: يَعتِقُ عبدُه الذي نَوَى (٥)، وفي «المنتخب»: أوْ نَسِيَ أنَّ له عبدًا أوْ زوجةً فبان له. فرعٌ: إذا لَقِيَ امرأتَه يَظنُّها أجنبيَّةً، فقال: أنتِ طالِقٌ، أو قال: تَنَحَّيْ يا مطلَّقة، أوْ قال لِأَمَتِه يَظُنُّها أجنبيَّةً: تَنَحَّيْ يا حرَّة؛ فقال أبو بكرٍ: لا يَلْزَمُه عتقٌ ولا طلاقٌ، ونَصَره في «الشَّرح»؛ لأِنَّه لم يُرِدْهما بذلك، فلم يَقَعْ بهما شيءٌ؛ كسَبْقِ اللِّسانِ. ويُخرَّجُ على قولِ ابنِ حامِدٍ: أنَّهما يَقَعانِ. ويَحتَمِلُ: ألاَّ يَقَعَ العتقُ فقط؛ لأِنَّ عادةَ النَّاسِ مُخاطَبَةُ مَنْ لا يَعرِفُها بقوله (٦): يا حرةُ، بخلاف المرأة، فإنَّها تَطلُقُ. تذنيبٌ: إذا أوْقَعَ كلمةً وجَهِلَها، هل هي طلاقٌ أوْ ظِهارٌ؟

стр. 4886

فقيل: يُقرَعُ بَينَهما؛ لَأنَّها تَخرُجُ المطلَّقةُ بها، فكذا أحدُ اللَّفْظَينِ. وقِيلَ: لَغْوٌ، قدَّمه في «الفنون»؛ كمَنِيٍّ في ثَوبٍ لا يَدْرِي مِنْ أيِّهما هو. قال في «الفروع»: ويتوجَّه مِثْلُه: مَنْ حَلَفَ يمينًا، ثُمَّ جَهِلَها، يؤيدُ (١) أنَّه لَغْوٌ قول أحمد في رجلٍ قال له: حَلَفْتُ بيمين (٢) لا أدري أيَّ شَيءٍ هي، قال: لَيتَ أنَّكَ إذا دَرَيْتَ دريتُ أنا (٣). وذَكَرَ ابنُ عَقيل روايةً: تلزمه (٤) كفَّارةُ يمينٍ (٥).

стр. 4887

(كِتَابُ الرَّجْعَةِ) الرَّجْعة، بفتح الرَّاء أفْصَحُ مِنْ كَسْرِها، قاله الجَوهَريُّ (١)، وقال الأزْهَرِيُّ: الكسر (٢) أكثرُ (٣). وهي لغةً: المرة (٤) من الرُّجوع. وشَرْعًا: عبارةٌ عن إعادة مطلَّقةٍ غيرِ بائنٍ إلى ما كانت عليه بغير عقدٍ. والأصلُ فيها قَبْلَ الإجماع (٥)، قَولُه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ أيْ: رجْعةً، قاله الشَّافعيُّ (٦) والعلماءُ، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٣١]، فخاطب الأزواج بالأمر، ولم يَجعَلْ لهنَّ اخْتِيارًا، وقد رَوَى ابنُ عمرَ قال: طلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ، فسأل عمرُ النَّبيَّ ﷺ فقال (٧): «مُرْهُ فلْيُراجِعْها» متَّفَقٌ عليه (٨)، و «طلَّق ﷺ حَفْصةَ ثُمَّ رَاجَعَها» رواه أبو داودَ من حديثِ عمرَ ﵁ (٩). (إِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا (١٠) أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، أَوِ الْعَبْدُ وَاحِدَةً، بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ فَلَهُ رَجْعَتُهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ)، أجْمَعَ أهلُ العلم على ذلك،

стр. 4888

ذَكَرَه ابنُ المنذر (١)، وإذا فُقِدَ قَيْدٌ منها؛ لم يَملِك الرَّجعةَ. فالأوَّلُ يَحتَرِزُ عن غيرِ المدخول بها؛ لأِنَّه إذا طلَّقها قبلَ الدُّخول؛ فلا رجعةَ؛ لأِنَّه لا عِدَّةَ عليها، فلا تَرَبُّصَ في حقِّها يَرتَجِعُها فيه. وبالثَّاني؛ عن المطلَّقة تمامَ العَدد (٢). وبالثَّالث؛ عن الخُلْع ونحوِه. وبالرَّابع؛ عن انْقِضاءِ العِدَّة. والمنصوص: أنَّ الخَلْوةَ هنا كالدُّخول (٣). وقِيلَ: لا رَجْعةَ لِمَنْ خَلا بها ولم يَطَأْ، وهو قَولُ أكثرِهم. (رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ)؛ لعُموم النصوص (٤)، ولأِنَّ الرَّجعةَ إمساكٌ للمرأة بحُكْمِ الزَّوجيَّة، فلم (٥) يُعتَبَرْ رضاها في ذلك؛ كالذي في صلب نكاحها (٦)، ولو بلا إذْنِ سيِّدٍ وغيرِه، ولو كان مريضًا مُسافِرًا، نَصَّ عليه (٧). وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لا يُمَكَّنُ من الرَّجْعة إلاَّ مَنْ أراد إصلاحًا، وأمْسَكَ بمعروفٍ (٨). وظاهِرُه: للحرِّ رَجْعَةُ أَمَةٍ وإنْ كان تحتَه حرَّةٌ. وشَرْطُ المرتَجِعِ: أهليَّةُ النِّكاح بنفسه، فخرج ب (الأهليَّة): المرتدُّ، وب (نفسه): الصبِيُّ والمجنونُ.

стр. 4889

ولو (١) طلَّقَ فجُنَّ؛ فلِوَلِيِّه الرَّجْعةُ على الأصحِّ، حيثُ يَجوزُ له ابتداء النِّكاحُ. فلو كانت حامِلاً، فوَضَعَتْ بعض (٢) الولد؛ فله رَجْعَتُها؛ لأِنَّها لم تَضَعْ جميعَ حَمْلِها. فإذا كانَتْ حامِلاً باثْنَينِ؛ فله رَجْعَتُها قَبْلَ وَضْعِ الثَّاني في قَولِ عامَّتهم. وقال عِكْرِمةُ: تَنقَضِي عِدَّتُها بِوَضْع الأوَّلِ. (وَأَلْفَاظُ الرَّجْعَةِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي، أَوْ رَجَعْتُهَا، أَوِ ارْتَجَعْتُهَا، أَوْ رَدَدْتُهَا، أَوْ أَمْسَكْتُهَا)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطّلَاق: ٢]، والرَّجْعةُ وَرَدَ بها السُّنَّةُ، واشْتَهَرَتْ في العُرف (٣) كاشْتِهار اسمِ الطَّلاق فيه. وقِيلَ: الصَّريحُ لَفظُها؛ لاشتهاره (٤) دُونَ غَيرِه، كقولنا في صريح الطَّلاق، وذَكَرَه في «الرِّعاية» تخريجًا. وذَكَرَ الحُلْوانِيُّ ألفاظَها الصَّريحةَ ثلاثةً: أمْسكْتُكِ، وراجَعْتُكِ، وارْتَجَعْتُك. (فَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُهَا، أَوْ تَزَوَّجْتُهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الإيضاح» رِوايَتانِ: أحدُهما: لا تحصل (٥) بذلك، قدَّمه السَّامَرِّيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ هذا كنايةٌ، والرَّجْعةُ اسْتِباحةُ بُضْعٍ مقصودٍ، فلا تحصل (٦) بالكناية؛ كالنِّكاح.

стр. 4890

والثَّاني: بلى، أوْمَأَ إليه أحمدُ (١)، واختاره ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ الأجنبيةَ تُباحُ به، فالرَّجْعِيَّةُ أَوْلَى. وعلى هذا: يَحتاجُ أنْ يَنوِيَ به الرَّجعةَ، ذَكَرَه في «الموجز» (٢)، و «التَّبصرة»، و «المغْنِي»، و «الشَّرح»؛ لأِنَّ ما كان كنايةً يُعتبَرُ له النِّيَّةُ؛ ككنايات الطَّلاق. وفي «التَّرغيب»: هل يَحصُلُ بكنايةٍ: أعَدْتُكِ، أوِ اسْتَدَمْتُكِ؟ فيه وجْهانِ. وفيه وَجهٌ: لا يَحصُلُ بكنايةٍ رجْعَةٌ. (وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا الْإِشْهَادُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «الفروع»: إحداهما: يَجِبُ، قدَّمه الخِرَقِيُّ، وجَزَمَ به (٣) أبو إسحاقَ بنُ شاقْلَا، ونَصَّ عليه في روايةِ مُهَنَّى (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطّلَاق: ٢]، وظاهِرُ الأمر الوجوبُ، ولأِنَّه اسْتِباحةُ بُضْعٍ مَقصودٍ، فوجبت الشَّهادةُ فيه؛ كالنِّكاح، فلو ارْتَجَعَ بغيرِ إشْهادٍ؛ لم يَصِحَّ. وإنْ أشْهَدَ، وأوْصَى الشُّهودَ بكِتْمانها؛ فالرَّجْعةُ باطِلةٌ، نَصَّ عليه (٥). وقال القاضي: يُخرَّجُ على الرِّوايتَينِ في التَّواصِي بكِتْمانِ النِّكاح. والثَّانيةُ: لا يُشتَرَطُ، نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ مَنصورٍ (٦)، واختارها أبو بكرٍ، والقاضي، وأصحابُه، ورجَّحَها في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّها لا تَفتَقِرُ إلى قَبولٍ، فلم تَفتَقِرْ إلى شهادةٍ؛ كسائر حقوقِ

стр. 4891

الزَّوج، ولأِنَّ ما لا يُشتَرَطُ فيه الوليُّ؛ لا (١) يُشتَرَط فيه الإشْهادُ كالبيع، وإذًا يُحمل (٢) الأمرُ على الاستحباب. ولا شكَّ أنَّ الإشهادَ بعدَ الرَّجْعة مُستحبَّةٌ بالإجماع (٣)، فكذا عندها؛ حذارًا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظٍ واحِدٍ. وما قِيلَ: إنَّها استباحةُ بُضْعٍ؛ فغَيرُ مُسلَّمٍ؛ إذِ الرَّجْعةُ مُباحةٌ. وجَعَلَ المجْدُ هاتَينِ الرِّوايتَينِ على قَولِنا: إنَّ الرَّجعةَ لا تَحصُلُ إلاَّ بالقَول، وهو ظاهِرٌ، وأمَّا على القول بأنَّها تَحصُلُ بالوطء؛ فلا يُشتَرَطُ الإشْهاد، روايةً واحدةً، وعامَّةُ الأصحاب كالقاضي في «التَّعليق» يُطلِقونَ الخِلافَ. وألْزَمَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بإعلان (٤) الرَّجعة والتَّسريح، أو الإشهاد؛ كالنِّكاح والخُلع عندَه (٥)، لا على ابْتِداء الفُرقة، ولِئَلاَّ يكتُمَ طَلاقَها. على (٦) كلِّ تقديرٍ: فالاِحْتِياطُ أنْ يقولَ: اشْهَدَا (٧) عليَّ أنِّي قد رَاجَعْتُ زَوْجَتِي إلى نكاحي، أوْ راجَعْتُها لمَّا وَقَعَ عليها طلاقي (٨). (وَالرَّجْعِيَّةُ: زَوْجَةٌ، يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، وَالظِّهَارُ، وَالْإِيلَاءُ)، وَيَرِثُ أحدُهما صاحِبَه إنْ مات بالإجماع (٩).

стр. 4892

وعَنْه: لا (١) يَصِحُّ الإيلاءُ منها. فإنْ خالَعَها؛ صحَّ خُلْعُه، وفيه روايةٌ حكاها في «التَّرغيب»؛ لأِنَّه يُرادُ للتَّحريم، وهي محرَّمةٌ. وجوابُه: أنَّها زوجةٌ يَصِحُّ طلاقُها، فصحَّ خُلْعُها؛ كما قَبْلَ الطَّلاق، وليس مقصودُ الخُلْع التَّحريم، بل الخَلاصُ من ضَرَرِ الزَّوج، على أنَّنا نَمنَعُ كونها (٢) محرَّمة. وتستحقُّ (٣) النَّفقة؛ كالزَّوجة. (وَيُبَاحُ لِزَوْجِهَا وَطْؤُهَا، وَالْخَلْوَةُ، وَالسَّفَرُ بِهَا، وَلَهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَشَرَّفَ لَهُ) في ظاهِرِ المذهب، وصحَّحه في «المستوعب»، قال أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ: لا تَحتَجِبُ عنه، وفي رواية أبي الحارث: تَتَشرَّفُ ما كانت في العِدَّة (٤)؛ لأِنَّها في حُكْمِ الزَّوجاتِ؛ كما قَبْلَ الطَّلاق. (وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا، نَوَى الرَّجْعَةَ أَوْ لَمْ يَنْوِ) على المذهب، اختاره (٥) ابنُ حامِدٍ والقاضي، وقاله كثيرٌ من العلماء؛ لأِنَّه سببُ زوال الملك، انْعَقَدَ مع الخيار، والوَطْء من المالك (٦) يَمْنَعُ زوالَه؛ كوطء البائع في مدَّة الخيار، وكما ينقطع به التَّوكيل في طلاقها. وقال ابن أبي موسى: تكون (٧) رجعةً إذا أراد به الرَّجعة، وقاله إسْحاقُ. (وَلَا تَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهَا، وَلَا النَّظَرِ إِلَى فَرْجِهَا، وَالْخَلْوَةِ بِهَا لِشَهْوَةٍ، نَصَّ

стр. 4893

عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ ذلك كلَّه لَيسَ في معنى الوطء؛ إذِ الوطء يدلُّ على ارتجاعها دلالةً ظاهِرةً، بخِلافِ ما ذُكِرَ. وقال بعضُ أصحابنا: تَحصُلُ الرَّجْعةُ بها؛ لأِنَّه مَعْنًى يَحرُمُ من الأجنبيَّة، ويحلُّ (١) من الزَّوجة، فحَصَلَتْ به الرَّجْعةُ كالاِسْتِمْتاعِ. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأِنَّه لا يُبطِلُ خِيارَ المشتري للأَمَة، وكاللَّمْس لغَيرِ شَهوةٍ. (وَخَرَّجَهُ ابْنُ حَامِدٍ عَلَى وَجْهَيْنِ)، مَبنيَّيْنِ على الرِّوايَتَينِ في تحريم المصاهَرَة به: أحدُهما: هو رَجعةٌ؛ لأِنَّه اسْتِمْتاعٌ يُباحُ بالزوجيَّة (٢)، فحصلت الرَّجعةُ به؛ كالوطء. والثَّاني: لَيسَ برجعةٍ؛ لأِنَّه أمْرٌ لا يتعلَّقُ به إيجابُ عِدَّةٍ ولا مَهْرٍ، فلا يحصل (٣) به؛ كالوطء. (وَعَنْهُ: لَيْسَتْ مُبَاحَةً)؛ لأِنَّها مُطلَّقةٌ، فَوَجَبَ عَدَمُ إباحتها؛ كالمطلَّقة بعِوَضٍ، (وَلَا تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ بِوَطْئِهَا)، بل لا تَحصُلُ إلاَّ بالقول، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّها (٤) استباحةُ بُضْعٍ مقْصودٍ أُمِرَ بالإشهاد فيه (٥)، فلم يَحصُلْ من القادِر بغَيرِ قَولٍ؛ كالنِّكاح، ولأِنَّ غَيرَ القول فِعْلٌ مِنْ قادِرٍ على القَولِ، فلم تَحصُل الرَّجْعةُ به؛ كالإشارة من النَّاطِقِ، فَعَلَيْها: لا مَهْرَ لها. (وَإِنْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ؛ فَلَهَا الْمَهْرُ)؛ لأِنَّ وَطْأَها حرَّمه الطَّلاقُ، فأوْجَبَ

стр. 4894

المهرَ؛ كوطء البائنِ. (إِنْ لَمْ يَرْتَجِعْهَا بَعْدَهُ)، وقاله جمعٌ؛ لأِنَّه إذا ارْتجَعَهَا بعدَه تبيَّنَّا أنَّ الطَّلاقَ السَّابقَ لم يكُنْ مُفْضِيًا إلى البَيْنونة، فَوَجَبَ ألا (١) يكونَ مُحرَّمًا، فلا يكونُ مُوجِبًا. والمذهب: أنَّه لا مَهْرَ بِوَطْئها، فَلَزِمَه، سَواءٌ راجع (٢) أمْ لا؛ لأِنَّه وَطِئَ زوجتَه التي يَلحَقُها طلاقُه، فلم يَلْزَمْه مهر (٣)؛ كالزَّوجات. قال في «الشَّرح»: والأوَّلُ أَوْلى لِظُهورِ الفَرْق، فإنَّ البائن (٤) لَيستْ زوجةً له، وهذه زَوجةٌ يَلحَقُها طلاقُه. فرعٌ: لا حَدَّ عليه في هذا الوطء، وهل يُعزَّرُ؟ فيه خِلافٌ. (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الرَّجْعَةِ بِشَرْطٍ)؛ لأنَّه (٥) اسْتِباحةُ فرجٍ مقصودٍ، أشْبَهَ النِّكاحَ. فلو قال: كلَّما طلَّقْتكِ فقد راجَعْتُكِ، أو راجَعْتُك إنْ شئتِ، أوْ إنْ قَدِمَ أبوكِ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه تعليقٌ على شرطٍ. لكِنْ لو قال: كلَّما راجَعْتُكِ فقد طلَّقْتُك؛ صحَّ، وطَلقَتْ. (وَلَا الاِرْتِجَاعُ فِي (٦) الرِّدَّةِ)؛ أيْ: إذا راجَعَ في الرِّدَّة مِنْ أحدهما؛ لم يَصِحَّ؛ كالنِّكاح. وقال القاضي: إنْ قُلْنا: تَتَعَجَّلُ الفُرْقةُ بالرِّدَّةِ؛ لم تَصِحَّ الرَّجْعةُ؛ لأِنَّها قد

стр. 4895

بانَتْ بها، وإنْ قُلْنا: لا تَتَعَجَّلُ الفُرْقةُ؛ فالرَّجْعةُ مَوقُوفةٌ؛ إنْ أسْلَمَ المرتدُّ منهما صحَّت الرَّجعةُ، وإنْ لم يُسلِمْ لم يَصِحَّ، كما يَقِفُ الطَّلاقُ والنِّكاح، وهذا قَولُ المزَنِيِّ، واخْتارَهُ ابنُ حامِدٍ. وكذا إذا رَاجَعَهَا بَعْدَ إسِلامِ أحدِهما. (وَإِنْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ)، والأَمَةُ من الحَيضتَينِ، (وَلمَّا (١) تَغْتَسِلْ، فَهَلْ لَهُ رَجْعَتُهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ذَكَرَهما ابنُ حامِدٍ: إحداهما: لا تَنقَضِي حتَّى تَغتَسِلَ، ولزوجها رَجْعَتُها، نَصَّ عليه في روايةِ حنبلٍ (٢)، قدَّمها السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ، وهي قَولُ كثيرٍ من الأصحاب، رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ (٣)، وعمرَ (٤)، وعليٍّ (٥)،

стр. 4896

وقال (١) شريكٌ: وإن (٢) فرَّطَتْ في الغسل عشرين سنةً، ولأِنَّه قَولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصَّحابة، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عصرهم، فكان كالإجماع، ولأِنَّ أكثرَ أحكامِ الحيض لا تزولُ إلاَّ بالغسل. والثَّانيةُ: أنَّها تَنقَضِي بانقطاع الدَّم وإنْ لم تَغتَسِلْ، اختارها أبو الخَطَّاب والحُلْوانيُّ، قال ابنُ حَمْدانَ: وهي أَوْلَى، وفي «الوجيز»، و «التَّصحيح»: ما لم يَمْضِ عليها وقتُ صلاةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، والقروء (٣): الحِيَضُ، وقد زالَتْ، فيَزولُ التَّربُّصُ، ويُحمَلُ قَولُ الصَّحابة: «حتَّى تَغتَسِلَ»؛ أي: حتى (٤) يَلزَمُها الغُسْلُ، ولأِنَّ انْقِضاءَ العِدَّة يتعلق (٥) ببَيْنونَتِها من الزَّوج وحِلِّها لغَيرِه، فلم تتعلَّقْ بفِعلٍ اخْتِياريٍّ من جهةِ المرأة بغَيرِ تعليقِ الزَّوج؛ كالطَّلاق. فإنْ كانَت العِدَّةُ بوضْعِ الحَمْل؛ فله رَجْعَتُها بعدَ وَضْعه وقبلَ أنْ تغتَسِلَ من النِّفاس، قال ابنُ عَقِيلٍ: له رَجْعَتُها على روايةِ حنبلٍ، والصَّحيحُ: لا نَصَّ عليه، سواءٌ طَهُرَتْ من النِّفاس أمْ لا. (وَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ يَرْتَجِعْهَا؛ بَانَتْ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلاَّ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ)، بشروطه، بالإجماع (٦)، (وَتَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ طَلَاقِهَا، سَوَاءٌ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ (٧) غَيْرِهِ، أَوْ قَبْلَهُ)، وجملتُه: أنَّها إذا رَجَعَتْ إليه قبلَ

стр. 4897

زوجٍ ثانٍ؛ فإنَّها تعودُ إليه على ما بَقِيَ من طلاقها بغَيرِ خلافٍ علمناه (١). وإنْ عادَتْ إليه بَعْدَ زوجٍ وإصابةٍ، وكان الأوَّلُ طلَّقَها ثلاثًا؛ عادَتْ إليه بطلاقٍ ثلاثًا إجماعًا، حكاه (٢) ابن المنذِرِ (٣). وإنْ طلَّقَها دُونَ الثَّلاثِ، فأظْهَرُ الرِّوايتَينِ: أنَّها تعودُ إليه على ما بَقِيَ مِنْ طَلاقها، وهو قَولُ عمرَ (٤)، وعليٍّ (٥)، وابنِ مَسْعودٍ (٦)، وأبي هُرَيرةَ (٧)، وابنِ عمرَ (٨)،

стр. 4898

وعِمْرانَ (١)، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ وَطْءَ الثَّاني لا يُحتاجُ إليه إلاَّ في الإحلال للأوَّل، فلا يُغيِّرُ حكمَ الطَّلاق؛ كوطْءِ السَّيِّد، وكما لو عادتْ إليه قبلَ نكاحٍ آخَرَ. (وَعَنْهُ: إِنْ رَجَعَتْ بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ غَيْرِهِ رَجَعَتْ (٢) بِطَلَاقٍ ثَلَاثٍ)، وهي قَولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ (٣)؛ لأِنَّ وطءَ الثَّاني يَهدِمُ الطَّلَقات الثَّلاث، فأَوْلَى أنْ يَهدِمَ ما دُونَها؛ ولأنَّ (٤) وطءَ الثَّاني سبب (٥) للحِلِّ. وجوابُه: أنَّه لا يَثبُت الحِلُّ؛ لأِنَّه في الطلقات (٦) الثَّلاث غايةٌ للتَّحريم،

стр. 4899

وإنَّما سمَّاه محلِّلاً تَجَوُّزًا، ولأِنَّ الحِلَّ إنَّما يَثبُتُ في محلٍّ فيه تحريمٌ، وهي المطلَّقة ثلاثًا، وههنا هي حلالٌ له، فلا يَثبُتُ فيها حِلٌّ. (وَإِنْ (١) ارْتَجَعَهَا فِي عِدَّتِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى رَجْعَتِهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُ، فَاعْتَدَّتْ وَتَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا؛ رُدَّتْ إِلَيْهِ)، وحاصِلُه: أنَّ زَوجَ الرَّجْعيَّةِ إذا راجعها مِنْ حيثُ لا تَعلَمُ؛ صحَّت المراجَعةُ؛ لأِنَّها لا تَفتَقِرُ إلى رضاها، فلم يُفتَقَرْ إلى عِلْمِها؛ كطلاقها، فإذا راجَعَها ولم تَعلَمْ، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، وتزوَّجَتْ، ثُمَّ جاء وادَّعى أنَّه كان راجَعَهَا قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وأقام البينة على ذلك؛ فهي زوجتُه، وأنَّ نكاحَ الثَّاني فاسِدٌ؛ لأِنَّه تزوَّجَ امرأةَ غيرِه، وتُرَدُّ إلى الأوَّل، سواءٌ دَخَلَ بها الثَّاني أو لا، وهو قولُ أكثرهم؛ لأِنَّها رجعةٌ صحيحةٌ، وتزوَّجتْ وهي زوجةُ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ؛ كما لو لم يُطلِّقْها، (وَلَا يَطَؤُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا) من الثَّاني؛ لأِنَّها مُعتدَّةٌ مِنْ غيره، أشْبَهَ ما لو وُطِئَتْ في أصل نكاحه. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا زَوْجَةُ الثَّانِي) إنْ دَخَلَ بها، ويَبطُلُ نكاحُ الأوَّلِ، رُوِيَ عن عمرَ (٢)، وسعيدِ بنِ المسيَّب، وغيرِهما؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما عَقَدَ عليها،

стр. 4900

وهي ممَّن يَجوزُ له العَقْدُ عليها في الظَّاهر، ومع الثَّاني مَزِيَّةٌ. وجوابُه ما سَبَقَ. فإنْ لم يَدخُل الثَّاني بها؛ فلا مَهْرَ، وإنْ دَخَلَ؛ فعليه مهرُ المثل. ومقتضاه: أنَّه إذا لم يَدخُلْ بها؛ فإنَّها تُرَدُّ إلى الأوَّل بغير خلافٍ في المذهب (١)، وأنَّه إذا تزوَّجها مع عِلْمِه بالرَّجعة؛ فالنِّكاحُ باطِلٌ، وحُكْمُ العالِم كالزَّاني في الحدِّ وغيرِه. (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ (٢) لَهُ بَيِّنَةٌ بِرَجْعَتِهَا؛ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ)؛ لقوله ﵇: «لَوْ يُعطَى النَّاس بدَعْواهم» الخبرَ (٣)، ولأِنَّ الأصلَ عدمُ الرَّجعة، فإذا اعترفا له بها (٤)؛ كان كإقامة البيِّنة بها في أنَّها تُرَدُّ إليه. (لَكِنْ إِنْ صَدَّقَهُ الزَّوْجُ (٥) الثَّانِي؛ بَانَتْ مِنْهُ)؛ لأِنَّه اعْتَرَفَ بفسادِ نكاحه، فتبِين منه، وعليه مَهْرُها إنْ كان دخل بها، أو نصفُه، ولا تُسلَّم (٦) إلى المدَّعِي؛ لأِنَّ قَولَ الزَّوج الثَّاني لا يُقبَلُ عليها، وإنَّما يُقبَلُ في حقِّه، ويُقبَلُ قَولُها، وفي اليمين وجْهانِ، وصحَّح في «المغْنِي»: أنَّها لا تُستَحْلَفُ؛ لأِنَّها لو أقرَّتْ لم يُقبَلْ. (وَإِنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يُقْبَلْ تَصْدِيقُهَا) على الزَّوج إذا أنْكَرَ، وإنَّما يقبل (٧) على نفسها في حقِّها (٨).

стр. 4901

ولا يُستَحْلَفُ الزَّوجُ الثَّاني في وَجْهٍ، اختاره القاضي؛ لأِنَّه دَعْوى في (١) النِّكاح. والثَّاني: بلى، وهو قَولُ الخِرَقِيِّ؛ للعموم، وعلى هذا: يمينه على نفي العلم؛ لأِنَّه على نفي فعلِ الغَيرِ. (وَمَتَى بَانَتْ مِنْهُ) بمَوتٍ، أوْ طلاقٍ، أوْ فَسْخٍ؛ (عَادَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ)؛ لأِنَّ المنْعَ مِنْ ردِّها إنَّما كان لحقِّ الثَّاني، كما لو شَهِدَ بحرِّيَّةِ عبدٍ، ثُمَّ اشتراه، فإنَّه يَعتِقُ عليه. ولا يَلزَمُها مهرُ الأوَّل إن (٢) صدَّقَتْه في الأصحِّ. وفي «الواضح»: إن (٣) صدَّقَتْه لم يُقبَلْ، إلاَّ أنَّه يُحالُ بَينَهما. وقال القاضي: له عليها المهرُ؛ لأِنَّها أقرَّتْ أنَّها حالَتْ بَينَه وبَينَ نصفها بغيرِ حقٍّ، أشْبَهَ شهودَ الطَّلاق إذا رَجَعُوا. ولنا: أنَّ ملْكَها قد استقرَّ على المهر، فلم يَرجِعْ به عليها؛ كما لو ارتدَّتْ أوْ أسْلَمَتْ، ويَلزَمُها للثَّاني مَهْرُها أوْ نصفُه، وهل يُؤمَرُ بطَلاقها؟ فيه رِوايَتان. فإنْ مات الأوَّلُ وهي في نكاحِ الثَّاني؛ وَرِثَتْه؛ لإقراره بزَوجِيَّتِها وتصديقها له، وإنْ ماتَتْ؛ لم يَرِثْها؛ لأِنَّها لا تُصدَّقُ في إبطال نكاحه. وإن مات الثَّاني لم تَرِثْه؛ لأِنَّها تُنكِرُ صحَّةَ نكاحه، فتُنْكِرُ ميراثه (٤)، وإن ماتَتْ وَرِثَها؛ لأِنَّه زَوْجُها في الحكم، من إباحة النَّظر والوطء، فكذا في الميراث. فرعٌ: إذا تزوَّجت الرَّجْعيَّةُ في عِدَّتها، وحمَلَتْ من الثَّاني؛ انْقَطَعَتْ عدَّةُ

стр. 4902

الأوَّل، فإذا وَضَعَتْ؛ أتمَّتْ عدَّةَ الأوَّل، وله رَجْعَتُها في هذا التَّمام وجْهًا واحِدًا. وإنْ راجَعَها قَبْلَ الوَضْع؛ صحَّتْ؛ لأِنَّ الرَّجْعةَ باقيةٌ، وإنَّما انْقَطَعَتْ لِعارِضٍ؛ كما لو وُطِئَتْ في صلب نكاحه. وقِيلَ: لَا؛ لأِنَّها في عِدَّةِ غَيرِه. والأوَّل (١) أَوْلَى. فَعَلَى الثَّاني: لو حَمَلَتْ حَمْلاً يُمكِنُ أنْ يكونَ مِنهما، وراجَعَها في هذا الحَمل، ثُمَّ بانَ أنَّه من الثَّاني؛ لم يَصِحَّ، وإنْ بانَ من الأوَّل صحَّت على أصحِّ الاِحْتِمالَينِ.

стр. 4903

(فَصْلٌ) (وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) بوِلادةٍ، أوْ غَيرِها؛ (قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ أيْ: من الحَمْل والحَيض، فلولا أنَّ قَولَهنَّ مَقْبولٌ؛ لم يَحرُمْ عَلَيهِنَّ كِتْمانُه، ولأِنَّه أمرٌ تَختَصُّ بمعرفته، فكان القَولُ قَولَها فيه؛ كالنيَّة (١)، أوْ أَمْرٌ لا يُعرَفُ إلاَّ مِنْ جِهَتِها، فقُبِلَ قَولُها فيه، كما يَجِبُ على التَّابِعِيِّ قَبولُ خبر (٢) الصَّحابِيِّ عن رسولِ الله ﷺ . (إِلاَّ أَنْ تَدَّعِيَهُ بِالحَيْضِ (٣) فِي شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)، ولو أنَّه امرأةٌ واحدةٌ نَصَّ عليه (٤)؛ لقَولِ شُرَيحٍ: إذا ادَّعَتْ أنَّها حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ في شَهْرٍ، وجاءتْ بِبَيِّنةٍ، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإلاَّ فهي كاذِبةٌ، فقال له عليٌّ: «قالُونْ» (٥)، ومَعْناهُ بِلِسانِ الرُّومِيَّةِ: أَصَبْتَ، أَوْ أَحْسَنْتَ، ولأِنَّه يَندُرُ جِدًّا حصولُ ذلك في شهرٍ، فيُعمَلُ بالبيِّنة، بخِلافِ ما زاد على الشَّهر، وكخِلاف عادةٍ مُنتَظِمَةٍ في الأصحِّ. وعنه: يُقبَلُ قَولُها مُطلَقًا، واختاره (٦) الخِرَقِيُّ وأبو الفَرَجِ؛ كثلاثةٍ وثَلاثِينَ يومًا، ذكره (٧) في «الواضح» و «الطَّريق الأقرب». ولا فَرْقَ بَينَ المسلِمة والفاسِقةِ وضدِّهما.

стр. 4904

فرعٌ: إذا قالَت: انْقَضَتْ عِدَّتِي، ثُمَّ قالت (١): ما انْقَضَتْ؛ فله رَجْعَتُها. ولو (٢) قال: أخْبَرَتْنِي بانْقِضاءِ عدَّتِها، ثُمَّ راجَعَها، ثُمَّ أقرَّتْ بكَذبِها في انْقِضاءِ عدَّتِها، وأنْكَرَتْ ذلك (٣)، وادَّعت أنَّ عِدَّتَها لم تَنقَضِ؛ فالرَّجْعةُ صحيحةٌ؛ لأِنَّها لم تُقِرَّ بانْقِضاء عِدَّتِها، وإنَّما أخبرت (٤) به، وقد رَجَعَتْ عنه. (وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ العِدَّةِ بِهِ (٥)؛ أيْ: عِدَّة الحُرَّة (٦) (مِنَ الْأَقْرَاءِ: تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، إِذَا قُلْنَا: الْأَقْرَاءُ: الحِيَضُ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، وذلك بأنْ يُطلِّقَها مع آخِرِ الطُّهْرِ، ثُمَّ تَحِيض يَومًا وليلةً، ثُمَّ تَطْهُر ثلاثةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيض يَومًا وليلةً، ثُمَّ تَطْهُر ثلاثةَ عَشَرَ يَومًا، ثُمَّ تَحِيض يومًا وليلةً، ثُمَّ تَطهُر لحظةً؛ لِيُعرَفَ بها انْقِطاعُ الحيض، وإنْ لم تَكُنْ هذه اللَّحظةُ مِنْ عِدَّتها؛ فلا بدَّ منها لمعرفةِ انْقِطاعِ الحيض، ومَن اعْتَبَرَ الغُسْلَ، فلا بدَّ (٧) مِنْ وَقْتٍ يُمكِنُ الغُسْلُ فيه بعدَ الانْقِطاع. (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ)؛ لأِنَّ الطُّهرَينِ يَزيدانِ أربعةَ أيَّامٍ. (وَإِنْ قُلْنَا: القُرُوءُ (٨): الْأَطْهَارُ؛ فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ)، وهو أنْ يُطلِّقَها من آخِرِ لحظةٍ من طُهْرِها، فيَحْسُبُ به قُرْءًا، ثُمَّ يَحسُبُ طُهْرَينِ آخَرَينِ ستَّةً وعِشْرينَ يَومًا، وبَينَهما حَيضَتانِ، فإذا طعنت في الحيضة الثَّالثة

стр. 4905

لحظةً؛ انْقَضَتْ عِدَّتُها. (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ)، زِدنا (١) أربعةَ أيَّامٍ في الطُّهْرَينِ. فأمَّا إنْ كانَتْ أَمَةً؛ انْقَضَتْ عدَّتُها (٢) بخمسةَ عَشَرَ يَومًا ولحظةٍ على الأوَّل، وفي «الرِّعاية»: مع بيِّنةٍ على الأصحِّ. وعلى الثَّاني: بسبعةَ (٣) عَشَرَ يومًا ولحظةٍ. وعلى الثَّالث: بأربعةَ عَشَرَ يَومًا ولَحْظتَينِ. وعلى الرَّابع: بستَّةَ عَشَرَ يَومًا ولَحظتَينِ. فمتى ادَّعَتْ انْقضاءَ عِدَّتَها بالقروء (٤) في أقلَّ من هذا؛ لم يُقبَلْ قَولُها عندَ أحدٍ فيما أعْلَمُ (٥)؛ لأِنَّه لا (٦) يَحتَمِلُ صِدْقَها. تنبيهٌ: إذا قالت: انْقَضَتْ عِدَّتي بوَضْعِ حَمْلٍ مُصَوَّرٍ، وأمْكَنَ؛ صُدِّقَتْ في المضغة، وفي يمينِ مَنْ يُقبَلُ قَولُه رِوايتانِ. فإذا عيَّنَا وَقْتَ حَيضٍ أوْ وَضْعٍ، واخْتَلَفا في سَبْقِ الطَّلاق؛ قُبِلَ قَولُه في العدَّة في الأَشْهَرِ. قال في «الشَّرح»: وكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا: القَولُ قَولُها، فأنكَرَ الزَّوجُ، فقال الخِرَقِيُّ: عَلَيها اليَمينُ، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ (٧).
следующие страницы →