← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ولا يُستَحْلَفُ الزَّوجُ الثَّاني في وَجْهٍ، اختاره القاضي؛ لأِنَّه دَعْوى في (١) النِّكاح. والثَّاني: بلى، وهو قَولُ الخِرَقِيِّ؛ للعموم، وعلى هذا: يمينه على نفي العلم؛ لأِنَّه على نفي فعلِ الغَيرِ. (وَمَتَى بَانَتْ مِنْهُ) بمَوتٍ، أوْ طلاقٍ، أوْ فَسْخٍ؛ (عَادَتْ إِلَى الْأَوَّلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ جَدِيدٍ)؛ لأِنَّ المنْعَ مِنْ ردِّها إنَّما كان لحقِّ الثَّاني، كما لو شَهِدَ بحرِّيَّةِ عبدٍ، ثُمَّ اشتراه، فإنَّه يَعتِقُ عليه. ولا يَلزَمُها مهرُ الأوَّل إن (٢) صدَّقَتْه في الأصحِّ. وفي «الواضح»: إن (٣) صدَّقَتْه لم يُقبَلْ، إلاَّ أنَّه يُحالُ بَينَهما. وقال القاضي: له عليها المهرُ؛ لأِنَّها أقرَّتْ أنَّها حالَتْ بَينَه وبَينَ نصفها بغيرِ حقٍّ، أشْبَهَ شهودَ الطَّلاق إذا رَجَعُوا. ولنا: أنَّ ملْكَها قد استقرَّ على المهر، فلم يَرجِعْ به عليها؛ كما لو ارتدَّتْ أوْ أسْلَمَتْ، ويَلزَمُها للثَّاني مَهْرُها أوْ نصفُه، وهل يُؤمَرُ بطَلاقها؟ فيه رِوايَتان. فإنْ مات الأوَّلُ وهي في نكاحِ الثَّاني؛ وَرِثَتْه؛ لإقراره بزَوجِيَّتِها وتصديقها له، وإنْ ماتَتْ؛ لم يَرِثْها؛ لأِنَّها لا تُصدَّقُ في إبطال نكاحه. وإن مات الثَّاني لم تَرِثْه؛ لأِنَّها تُنكِرُ صحَّةَ نكاحه، فتُنْكِرُ ميراثه (٤)، وإن ماتَتْ وَرِثَها؛ لأِنَّه زَوْجُها في الحكم، من إباحة النَّظر والوطء، فكذا في الميراث. فرعٌ: إذا تزوَّجت الرَّجْعيَّةُ في عِدَّتها، وحمَلَتْ من الثَّاني؛ انْقَطَعَتْ عدَّةُ

стр. 4902

الأوَّل، فإذا وَضَعَتْ؛ أتمَّتْ عدَّةَ الأوَّل، وله رَجْعَتُها في هذا التَّمام وجْهًا واحِدًا. وإنْ راجَعَها قَبْلَ الوَضْع؛ صحَّتْ؛ لأِنَّ الرَّجْعةَ باقيةٌ، وإنَّما انْقَطَعَتْ لِعارِضٍ؛ كما لو وُطِئَتْ في صلب نكاحه. وقِيلَ: لَا؛ لأِنَّها في عِدَّةِ غَيرِه. والأوَّل (١) أَوْلَى. فَعَلَى الثَّاني: لو حَمَلَتْ حَمْلاً يُمكِنُ أنْ يكونَ مِنهما، وراجَعَها في هذا الحَمل، ثُمَّ بانَ أنَّه من الثَّاني؛ لم يَصِحَّ، وإنْ بانَ من الأوَّل صحَّت على أصحِّ الاِحْتِمالَينِ.

стр. 4903

(فَصْلٌ) (وَإِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا) بوِلادةٍ، أوْ غَيرِها؛ (قُبِلَ قَوْلُهَا إِذَا كَانَ مُمْكِنًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ أيْ: من الحَمْل والحَيض، فلولا أنَّ قَولَهنَّ مَقْبولٌ؛ لم يَحرُمْ عَلَيهِنَّ كِتْمانُه، ولأِنَّه أمرٌ تَختَصُّ بمعرفته، فكان القَولُ قَولَها فيه؛ كالنيَّة (١)، أوْ أَمْرٌ لا يُعرَفُ إلاَّ مِنْ جِهَتِها، فقُبِلَ قَولُها فيه، كما يَجِبُ على التَّابِعِيِّ قَبولُ خبر (٢) الصَّحابِيِّ عن رسولِ الله ﷺ . (إِلاَّ أَنْ تَدَّعِيَهُ بِالحَيْضِ (٣) فِي شَهْرٍ، فَلَا يُقْبَلُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)، ولو أنَّه امرأةٌ واحدةٌ نَصَّ عليه (٤)؛ لقَولِ شُرَيحٍ: إذا ادَّعَتْ أنَّها حاضَتْ ثلاثَ حِيَضٍ في شَهْرٍ، وجاءتْ بِبَيِّنةٍ، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإلاَّ فهي كاذِبةٌ، فقال له عليٌّ: «قالُونْ» (٥)، ومَعْناهُ بِلِسانِ الرُّومِيَّةِ: أَصَبْتَ، أَوْ أَحْسَنْتَ، ولأِنَّه يَندُرُ جِدًّا حصولُ ذلك في شهرٍ، فيُعمَلُ بالبيِّنة، بخِلافِ ما زاد على الشَّهر، وكخِلاف عادةٍ مُنتَظِمَةٍ في الأصحِّ. وعنه: يُقبَلُ قَولُها مُطلَقًا، واختاره (٦) الخِرَقِيُّ وأبو الفَرَجِ؛ كثلاثةٍ وثَلاثِينَ يومًا، ذكره (٧) في «الواضح» و «الطَّريق الأقرب». ولا فَرْقَ بَينَ المسلِمة والفاسِقةِ وضدِّهما.

стр. 4904

فرعٌ: إذا قالَت: انْقَضَتْ عِدَّتِي، ثُمَّ قالت (١): ما انْقَضَتْ؛ فله رَجْعَتُها. ولو (٢) قال: أخْبَرَتْنِي بانْقِضاءِ عدَّتِها، ثُمَّ راجَعَها، ثُمَّ أقرَّتْ بكَذبِها في انْقِضاءِ عدَّتِها، وأنْكَرَتْ ذلك (٣)، وادَّعت أنَّ عِدَّتَها لم تَنقَضِ؛ فالرَّجْعةُ صحيحةٌ؛ لأِنَّها لم تُقِرَّ بانْقِضاء عِدَّتِها، وإنَّما أخبرت (٤) به، وقد رَجَعَتْ عنه. (وَأَقَلُّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ العِدَّةِ بِهِ (٥)؛ أيْ: عِدَّة الحُرَّة (٦) (مِنَ الْأَقْرَاءِ: تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، إِذَا قُلْنَا: الْأَقْرَاءُ: الحِيَضُ، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا)، وذلك بأنْ يُطلِّقَها مع آخِرِ الطُّهْرِ، ثُمَّ تَحِيض يَومًا وليلةً، ثُمَّ تَطْهُر ثلاثةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ تَحِيض يَومًا وليلةً، ثُمَّ تَطْهُر ثلاثةَ عَشَرَ يَومًا، ثُمَّ تَحِيض يومًا وليلةً، ثُمَّ تَطهُر لحظةً؛ لِيُعرَفَ بها انْقِطاعُ الحيض، وإنْ لم تَكُنْ هذه اللَّحظةُ مِنْ عِدَّتها؛ فلا بدَّ منها لمعرفةِ انْقِطاعِ الحيض، ومَن اعْتَبَرَ الغُسْلَ، فلا بدَّ (٧) مِنْ وَقْتٍ يُمكِنُ الغُسْلُ فيه بعدَ الانْقِطاع. (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ)؛ لأِنَّ الطُّهرَينِ يَزيدانِ أربعةَ أيَّامٍ. (وَإِنْ قُلْنَا: القُرُوءُ (٨): الْأَطْهَارُ؛ فَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ)، وهو أنْ يُطلِّقَها من آخِرِ لحظةٍ من طُهْرِها، فيَحْسُبُ به قُرْءًا، ثُمَّ يَحسُبُ طُهْرَينِ آخَرَينِ ستَّةً وعِشْرينَ يَومًا، وبَينَهما حَيضَتانِ، فإذا طعنت في الحيضة الثَّالثة

стр. 4905

لحظةً؛ انْقَضَتْ عِدَّتُها. (وَإِنْ قُلْنَا: الطُّهْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ)، زِدنا (١) أربعةَ أيَّامٍ في الطُّهْرَينِ. فأمَّا إنْ كانَتْ أَمَةً؛ انْقَضَتْ عدَّتُها (٢) بخمسةَ عَشَرَ يَومًا ولحظةٍ على الأوَّل، وفي «الرِّعاية»: مع بيِّنةٍ على الأصحِّ. وعلى الثَّاني: بسبعةَ (٣) عَشَرَ يومًا ولحظةٍ. وعلى الثَّالث: بأربعةَ عَشَرَ يَومًا ولَحْظتَينِ. وعلى الرَّابع: بستَّةَ عَشَرَ يَومًا ولَحظتَينِ. فمتى ادَّعَتْ انْقضاءَ عِدَّتَها بالقروء (٤) في أقلَّ من هذا؛ لم يُقبَلْ قَولُها عندَ أحدٍ فيما أعْلَمُ (٥)؛ لأِنَّه لا (٦) يَحتَمِلُ صِدْقَها. تنبيهٌ: إذا قالت: انْقَضَتْ عِدَّتي بوَضْعِ حَمْلٍ مُصَوَّرٍ، وأمْكَنَ؛ صُدِّقَتْ في المضغة، وفي يمينِ مَنْ يُقبَلُ قَولُه رِوايتانِ. فإذا عيَّنَا وَقْتَ حَيضٍ أوْ وَضْعٍ، واخْتَلَفا في سَبْقِ الطَّلاق؛ قُبِلَ قَولُه في العدَّة في الأَشْهَرِ. قال في «الشَّرح»: وكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا: القَولُ قَولُها، فأنكَرَ الزَّوجُ، فقال الخِرَقِيُّ: عَلَيها اليَمينُ، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ في روايةِ أبي طالِبٍ (٧).

стр. 4906

وقال القاضي: قياسُ المذْهب: لا يَمِينَ، وأَوْمَأَ إليه أحمدُ، فقال: لا يمينَ في نكاحٍ ولا (١) طلاقٍ (٢)؛ لأِنَّ الرَّجعةَ لا يَصِحُّ بَذْلُها، فلا يُستَحْلَفُ فيها؛ كالحدود. والأوَّلُ أَوْلَى. فإنْ نَكَلَتْ عن اليمين؛ فقال القاضي: لا يُقضَى بالنُّكول، وقال المؤلِّفُ: ويَحتَمِلُ أنْ يُستحْلَفَ الزَّوجُ، وله رَجْعتُها؛ بِناءً على القول بردِّ اليمين؛ لأِنَّه لَمَّا وُجِدَ النُّكولُ منها؛ ظَهَرَ صِدْقُه، وقَوِيَ جانِبُه، واليَمينُ تُشرَعُ في حقِّه كما شُرِعَتْ في حقِّ المدَّعَى عليه؛ لقوَّةِ جانبه بالعَينِ في اليد. (وَإِذَا قَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ رَاجَعْتُكِ، فَأَنْكَرَتْهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّ قَولَها في انْقِضاءِ عِدَّتها مَقْبولٌ، فصارَتْ دَعْواهُ للرَّجْعة بعدَ الحكم بانْقِضاءِ عِدَّتها. وهذا بخلافِ ما إذا ادَّعى الزَّوجُ رَجْعَتَها في عِدَّتها، فأنكرتْه (٣)، ونبَّه عليها بقَولِه: (وَإِنْ سَبَقَ، فَقَالَ: ارْتَجَعْتُكِ، فَقَالَتْ: قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ)، فأنْكَرَها؛ (فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)، ذَكَرَه القاضي، وأبو الخَطَّاب وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ؛ لأِنَّه ادَّعَى الرَّجْعةَ قَبْلَ الحُكْم بانْقِضائها، ولأِنَّه يَملِكُ الرَّجعةَ، وقد صحَّتْ في الظَّاهر، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في إبْطالها. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ)، والشِّيرازِيُّ، وابن (٤) الجَوزِيِّ، ونَصَّ عليه (٥)، ذَكَرَه في «الواضح»: (الْقَوْلُ قَوْلُهَا)؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ البَيْنونةُ، والأصلُ عَدَمُ الرَّجْعة، ولأِنَّ

стр. 4907

مَنْ قُبِلَ قَولُه سابِقًا قُبِلَ مَسْبوقًا؛ كسائر الدَّعاوَى. والأصحُّ: قَولُه، جَزَمَ به في «التَّرغيب». ولم يَتعرَّض الأصحابُ بسَبْقِ الدَّعْوَى، هل هو عندَ الحاكم أمْ لَا؟ (وَإِنْ تَدَاعَيَا مَعًا؛ قُدِّمَ قَوْلُهَا) على المذهب، ذَكَرَه ابنُ المنَجَّى، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه تَساقَطَ قَولُهما مع التَّساوِي، والأصلُ عدمُ الرَّجْعة. (وَقِيلَ: يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ)، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب وغَيرُه؛ لأِنَّ القُرعةَ مُرجِّحةٌ عِنْدَ الاِسْتِواءِ، بدليلِ: الإمامة، والأذانِ، والعِتْقِ، ونحوِها. وقيل (١): يُقبَلُ قَولُه؛ لأِنَّ المرأةَ تَدَّعِي ما يوقِع (٢) الطَّلاقَ، وهو يُنكِرُه، فقُبِلَ قَولُه؛ كالمُولِي والعِنِّين إذا ادَّعَيا إصابةَ امرأته وأنكرته. وحُكي في «الفروع» الأقوال الثَّلاثة من (٣) غيرِ ترجيحٍ؛ «كالمحرر» في القَولَينِ المحْكِيَّينِ هنا. وهذا إذا لم تكُن المرأةُ قد نَكَحَتْ، فإذا نَكَحَتْ بعدَ انْقِضاء العِدَّة، فادَّعى الزَّوجُ الرَّجْعةَ في العِدَّة؛ فإنْ أقامَ بيِّنةً، أوْ صدقاه (٤)؛ سُلِّمَتْ إليه، وإنْ كذَّباهُ ولا بيِّنةَ؛ قُبِلَ قَولُها مع يمينها، وإنْ صدَّقَتْه وكذَّبه الزَّوجُ الثَّاني؛ صُدِّقَ الثَّاني بيَمِينِه. أصلٌ: إذا اخْتَلَفا في الإصابة، فقال: قد (٥) أصَبْتُكِ فلي الرَّجْعةُ، فأنْكَرَتْه، أو (٦) قالت: قد أصابَنِي فلي المهْر؛ قُبِلَ قَولُ المنْكِر منهما؛ لأِنَّ

стр. 4908

الأصلَ معه، فلا يَزولُ إلاَّ بيقينٍ، ولَيسَ له رَجْعَتُها في المَوْضِعَينِ. فإنْ كانَ اخْتِلافُهما بعدَ قَبْضِ المهر، وادَّعى إصابَتَها، فأنكَرَتْه؛ لم يَرجِعْ عليها بشَيءٍ؛ لأِنَّه يُقِرُّ لها به ولا يَدَّعِيهِ، وإنْ كان هو المنكِرَ؛ رجع عليها بنصفه. والخَلْوةُ كالإصابة في إثْباتِ الرَّجْعة للزَّوج على المرأة التي خَلَا بها. وقال أبو بكرٍ: لا رَجْعةَ له عليها إلاَّ أنْ يُصِيبَها؛ لأِنَّها غَيرُ مُصابَةٍ، فلا يستحق (١) رَجْعتها كالتي لم يَخْلُ بها. وَوَجْهُ الأوَّل: أنَّها مُعتَدَّةٌ يَلْحَقُها طلاقُه، فَمَلَكَ رَجْعَتَها؛ كالتي أصابَهَا. فرعٌ: إذا ادَّعى زَوجُ الأَمَةِ بعدَ عِدَّتِها أنَّه كان رَاجَعَها في عِدَّتها، فأنْكَرَتْه، وصدَّقَه مَولاها؛ قُبِلَ قَولُها، نَصَّ عليه (٢). وقِيلَ: قَولُه. فعلى الأوَّل: إنْ عَلِمَ مَولاها صِدْقَ الزَّوجِ؛ لم يَحِلَّ له وَطْؤُها ولا تَزْويجُها، وإنْ عَلِمَتْ هي صِدْقَ الزَّوج في رَجْعَتِها؛ فهي حرامٌ على سيِّدِها، ولا يَحِلُّ لها تمكينُه من وَطْئها إلاَّ مُكرَهَةً؛ كما قَبْلَ الطَّلاق.

стр. 4909

(فَصْلٌ) (وَإِنْ طَلَّقَهَا)؛ أي: الحرُّ (ثَلَاثًا)، والعبدُ اثنتَينِ، ولو عبَّر ك «الفروع» بقوله: (مَنْ طلَّق عَدَدَ طلاقه)؛ لَكانَ أَوْلَى؛ (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، إجماعًا (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٠]، وحديثُ امْرأةِ رِفاعةَ القُرَظِيِّ (٢). وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: إذا تزوَّجها تزويجًا (٣) صحيحًا، لا يُريدُ به إحْلالاً، فلا بَأْسَ أنْ يَتزَوَّجَها الأوَّلُ، قال ابنُ المنذِرِ: لا نَعلَمُ أحدًا قال بهذا إلاَّ الخَوارِجُ (٤)، ولإجِماعِهم على أنَّ المرادَ بالنِّكاح في الآية: الجِماعُ. وحاصِلُه: أنَّ حِلَّها للأوَّل مَشْروطٌ: بأنْ تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه، فلو كانت أمة (٥) فَوَطِئَها السَّيِّدُ؛ فلا. وأنْ يكونَ النِّكاحُ صحيحًا على المذهب، فلو كان فاسِدًا؛ فلا. وأنْ يَطَأَها في الفَرْجِ؛ لحديثِ عائشةَ (٦)، ونبَّه عليه (٧) بقوله: (وَيَطَأَهَا فِي الْقُبُلِ)؛ لأِنَّه ﵇ علَّق الحِلِّ على (٨) ذَواقِ العُسَيلَة، ولا تحصل (٩) إلاَّ بالوَطْءِ في الفَرْجِ.

стр. 4910

(وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ (١) ذَلِكَ: تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) - مع الاِنْتِشار - (فِي الْفَرْجِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ)؛ لأِنَّ أحكامَ الوطء تتعلَّقَ به، فلو أَوْلَجَ مِنْ غَيرِ انْتِشارِ؛ لم يُحِلَّها؛ لأِنَّ الحُكمَ يتعلَّق بذَواقِ العُسَيلةِ، ولا يَحصُلُ مِنْ غَيرِ انْتِشارٍ. ولَيس الإنزالُ شرطًا فيه؛ لأِنَّه ﵇ جَعَلَ ذَواقَ العُسَيلةِ غايةً للحُرمة، وذلك حاصِلٌ بدونِ الإنزال. والذي يَظهَرُ: أنَّ هذا في الثَّيِّبِ، فأمَّا البِكْر فأدْناهُ أنْ يَقْتضَّها (٢) بآلَتِه. (وَإِنْ (٣) كَانَ مَجْبُوبًا بَقِيَ مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، فَأَوْلَجَهُ)؛ أحلَّها؛ لأِنَّ ذلك منه بمنزلة الحَشَفَة مِنْ غَيرِه، وفي «التَّرغيب» وَجْهٌ: بقيَّته. (أَوْ وَطِئَهَا زَوْجٌ مُرَاهِقٌ)؛ أحلَّها في قَولِهم، إلاَّ الحَسَن؛ لظاهر (٤) النَّصِّ، ولأِنَّه وَطْءٌ من زَوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ، أشْبَهَ البالِغَ، وبخِلافِ الصَّغير، فإنَّه لا يُمكِنُه الوَطْءُ، ولا تُذاق (٥) عُسَيلَتُه. وفي «المستوعب»: يُعتَبَرُ أنْ يكونَ له عشرُ سِنِينَ فصاعِدًا. وقال القاضي: يُشتَرَطُ له اثْنا عَشْرَةَ سنةً، ونقله (٦) مُهَنَّى (٧)؛ لأنَّ (٨) مَنْ دُونَ ذلك لا يُمْكِنُه المجامَعةُ. ولا معنى لهذا، فإنَّ الخِلافَ في المُجامِع، ومَتَى أمْكَنَه الجِماعُ؛ فقد وُجِدَ منه المقصودُ.

стр. 4911

(أَوْ ذِمِّيٌّ وَهِيَ ذِمِّيَّةٌ أَحَلَّهَا) لِمُطلِّقِها المسلِمِ، نَصَّ عليه (١)، وقال: هو زَوجٌ، وبه تَجِبُ المُلاعَنَةُ والقَسْمُ، ولظاهِرِ النَّصِّ، ولأنَّه (٢) وَطْءٌ مِنْ زَوجٍ في نكاحٍ صحيحٍ، أشْبَهَ وَطْءَ المسْلِمِ. (وَإِنْ وُطِئَتْ فِي الدُّبُرِ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ بِمِلْكِ (٣) يَمِينٍ؛ لَمْ تَحِلَّ)؛ لأِنَّ الوَطْءَ في الدُّبُر لا تذوق (٤) به العُسَيلةَ، والوَطْءَ بشُبْهةٍ أوْ مِلك (٥) يمينٍ وَطْءٌ من غَيرِ زَوجٍ، فلا يدخل (٦) في عُمومِ النَّصِّ، فيَبْقَى على المنْع. (وَإِنْ وُطِئَتْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ؛ لَمْ تَحِلَّ فِي أَصَحِّ (٧) الْوَجْهَيْنِ)، نَصَّ عليه (٨)؛ لأِنَّ النِّكاحَ المطْلَقَ في الكتاب والسُّنَّة إنَّما يُحمَلُ على الصَّحيح، وقالَهُ الأئمَّةُ. وخرَّج أبو الخَطَّابِ وجْهًا: يُحِلُّها؛ لأِنَّه زَوجٌ، فيدخل (٩) في عُمومِ النَّصِّ، وسمَّاه ﵇ تَحلُّلاً (١٠) مع فساد نكاحه. والأوَّلُ المذْهَبُ، ونَصَرَه في «الشَّرح»، بدليلِ ما لو حَلَفَ: لا يَتزوَّجُ، فتزوَّجَ تَزْويجًا فاسِدًا لا يَحنَثُ، ولأِنَّ أكثرَ أحْكامِ التَّزويج غيرُ ثابِتةٍ فيه؛ من الإحْصانِ، واللِّعان، والظِّهار، ونحوِها، وسَمَّاهُ مُحلِّلاً؛ لِقَصْدِه التَّحليلَ فِيمَا لا يَحِلُّ، ولو أَحَلَّ حقيقةً لَمَا لُعِنَ، ولا لُعِنَ المحلَّل له؛ لقوله ﵇: «ما آمَنَ

стр. 4912

بالقرآن مَنْ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَه» (١)، ولأِنَّه وَطْءٌ في غَيرِ نكاحٍ؛ كوطءِ الشُّبْهة. (وَإِنْ وَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إِحْرَامٍ)، أوْ صَومٍ واجِبٍ منهما، أوْ مِنْ أحدهما؛ (أَحَلَّهَا) في اخْتِيارِ المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لدخوله في العُموم، ولأنه (٢) وَطْءٌ تامٌّ في نكاحٍ تامٍّ، فأحَلَّها؛ كما لو وَطِئَها مريضةً يَضُرُّ بِهَا وطْؤُه، فإنَّه لا خِلافَ في حِلِّها، قالَهُ في «الكافي» (٣)، وكما لو تزوَّجَها وهو مملوكٌ وَوَطِئَها، وكما (٤) لو وَطِئَها وقد ضاقَ وقْتُ صلاةٍ ومَسْجِدٍ، ولقَبْضِ مَهْرٍ ونحوِه؛ لأِنَّ الحُرْمةَ لا لِمَعْنًى فيها لحقِّ (٥) الله تعالى، بخِلافِ وَطْئِها في إحرامٍ ونحوِه، فإنَّ الحُرْمةَ هناك (٦) لِمَعْنًى فيها. وفي «عيون المسائل» و «المفردات»: مَنْعٌ وتسليمٌ. (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُحِلُّهَا)، قدَّمه في «الفُروع»، وهو المنصوصُ في الكلِّ (٧)؛ لأِنَّه وَطْءٌ حَرُمَ لحقِّ الله تعالى، فلم يُحِلَّها؛ كوطْءِ المرتدَّة (٨)، أوْ نكاحٍ باطلٍ.

стр. 4913

مسائلُ: الأولى: إذا وَطِئَها في رِدَّتها، أوْ رِدَّته؛ لم يُحِلَّها؛ لأِنَّه إن (١) عاد إلى الإسلام؛ فقد وَقَعَ الوَطْءُ في نكاحٍ غيرِ تامٍّ؛ لاِنْعِقادِ سببِ البَيْنونَةِ، وإنْ لم يُسْلِمْ في العِدَّة؛ فلم يُصادِف الوَطْءُ نكاحًا. وكذا لو أسْلَمَ أحدُ الزَّوْجَينِ فَوَطِئَها قبلَ إسلامِ الآخَرِ. الثَّانيةُ: إذا كانا مَجْنونَينِ، أوْ أحدُهما، فَوَطِئَها؛ أحلَّها على المذهب؛ لظاهر النَّصِّ، وكالبالِغِ العاقِلِ. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُحِلُّها؛ لأِنَّه لا يَذُوقُ العُسَيلةَ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ العَقْلَ لَيسَ شَرْطًا في الشَّهوة، بدليلِ البهائم، قال في «الشَّرح»: لكن إنْ كان المجنون (٢) ذاهِبَ الحِسِّ؛ كالمصروع والمغْمَى عليه؛ لم (٣) يَحصُل الحِلُّ بِوَطْئِه. الثَّالِثةُ: إذا وَطِئَ مُغْمًى عليها، أوْ نائمةً لا تُحِسُّ بوطئه؛ لم تَحِلَّ، حكاه ابن المنذر (٤). ويَحتَمِلُ: حُصولُ الحِلِّ؛ للعُموم. ولو وَطِئَها يَعتَقِدُها أجنبيَّةً، فإذا هي امرأتُه؛ حلَّت؛ لأِنَّه صادَفَ نكاحًا صحيحًا. الرَّابِعةُ: إذا اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَه وهو نائِمٌ؛ حلَّتْ، وقَدَّمَ في «الشَّرح» خِلافَه؛ لأِنَّه لم يَذُقْ عُسَيلَتَها. وإنْ وَطِئَها مع إغمائه فوجْهانِ.

стр. 4914

وإنْ كان خَصِيًّا، أوْ مسلولاً، أوْ مَوجُوءًا؛ حلَّت؛ لدخوله في عموم الآية في قَولِ الأكثر. وعنه: لا؛ لِعَدَمِ ذَوقان (١) العُسَيلةِ. قال أبو بكرٍ: والعملُ على الأوَّلِ؛ لأِنَّه يَطَأُ كالفحل (٢)، ولم يَفْقِد إلاَّ الإنزالَ، وهو غَيرُ مُعتَبَرٍ في الإحْلالِ. (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً، فَاشْتَرَاهَا مُطَلِّقُهَا (٣)؛ لَمْ تَحِلَّ)، نَصَّ عليه (٤)، رواه مالِكٌ والبَيهَقِيُّ عن زيدِ بنِ ثابِتٍ (٥)، وقالَهُ الأكثرُ؛ للآية، ولأِنَّ الفَرْجَ لا يَجُوزُ أنْ يكونَ مُحرَّمًا مُباحًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَحِلَّ)؛ لأِنَّ الطَّلاقَ يَختَصُّ الزَّوجيَّةَ، فأثَّرَ في التَّحريم. (وَإِنْ طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، هذا هو المذْهَبُ: أنَّ الطَّلاقَ مُعتَبَرٌ بالرِّجال، والتَّفريعُ عليه، فعلى هذا: إذا طلَّقَها طلقتَينِ؛ حَرُمَتْ عليه حتَّى تَنْكِحَ زَوجًا غَيرَه.

стр. 4915

(سَوَاءٌ عَتَقَا، أَوْ بَقِيَا عَلَى الرِّقِّ)؛ لاِسْتِواءِ الحالين في السَّبب المقتَضِي للتَّحريم قبلَ نكاحِ زَوجٍ آخَرَ، وذلك أنَّ سببَ التَّحريمِ اسْتِكْمالُ العَدَد، وهو مَوجودٌ في حالَتَي العِتْقِ بعدَ الرِّقِّ وبَقاءِ الرِّقِّ. والمذْهَبُ: أنَّه إذا عَتَقَ بعدَ طلقةٍ؛ مَلَكَ تمامَ الثَّلاث، وإنْ كان بعدَ طلقتَينِ؛ فعلى روايتَينِ؛ لأِنَّه رُوِيَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضَى به» (١). وقال في روايةِ أبي طالِبٍ: (يتزوَّجُها ولا يُبالِي، في العِدَّة عَتَقَا أوْ بَعْدَ العِدَّة)، وقال: هو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وجابِرٍ (٢)؛ لأِنَّ ابنَ عبَّاسٍ أفْتَى به، وقال: «قَضَى به النَّبيُّ ﷺ »، رواه أحمدُ وقال: (لا أرى شيئًا يَدفَعُه) (٣)، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ مِنْ روايةِ عمرَ بنِ معتب (٤)، عن أبي حَسَنٍ مَولى بَنِي (٥) نَوفل (٦)، ولا يُعرَفانِ، وقال النَّسائيُّ في عُمَرَ: لَيسَ بقَوِيٍّ، وقال ابنُ المبارَك ومَعْمَرٌ: لقد تحمَّل أبو حَسَنٍ هذا صخرةً عظيمةً، وقال أحمدُ: حديثُ عثمانَ وزيدٍ في تحريمها عليه جيِّدٌ (٧)،

стр. 4916

وحديثُ ابنِ عبَّاسٍ يَرْوِيهِ عمرُ بنُ معتب (١)، ولا أعْرِفُه، وأمَّا أبو حسَنٍ فهو عِنْدِي مَعروفٌ (٢). وقال أبو بكرٍ: إنْ صحَّ الحديثُ فالعَمَلُ عليه، وإلاَّ فالعَمَلُ على حديثِ عُثْمانَ وزَيدٍ، وبه أقولُ. فرعٌ: إذا علَّق ثلاثًا في الرِّقِّ بشرطٍ، فَوُجِدَ بعدَ عِتْقه؛ لَزِمَتْهُ الثَّلاثُ. وقِيلَ: ثِنْتانِ، ويَبقَى له واحدةٌ؛ كتعليقها بعتقه (٣) في الأصحِّ. (وَإِذَا غَابَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ) ثلاثًا، (فَأَتَتْهُ، فَذَكَرَتْ أَنَّهَا نَكَحَتْ مَنْ أَصَابَهَا، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَكَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا؛ فَلَهُ نِكَاحُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا). المطلَّقةُ المبْتُوتَةُ إذا مَضَى بعدَ طلاقها زمنٌ يُمكِنُ فيه انْقِضاءُ عِدَّتَينِ، بَينَهما نكاحٌ وَوَطْءٌ، ولم يَرجِعْ قَبلَ العَقْدِ (٤)، وأخْبرتْه بذلك، وغَلَبَ على ظنِّه

стр. 4917

صِدْقُها، مِثْلَ أنْ يَعرِفَ أمانَتَها، أوْ بِخَبرِ (١) غَيرها مِمَّنْ يَعرِفُ حالَها. وفي «الترغيب» وَجْهٌ: إنْ كانت (٢) ثقةً؛ فله أنْ يتزوَّجَها في قَولِ عامَّتِهم؛ لأِنَّها مُؤتَمَنَةٌ على نفسها، وعلى ما أخْبَرَتْ به عنها، ولا سبيلَ إلى معرفةِ هذه الحالِ على الحقيقة إلاَّ مِنْ جِهَتِها، فتعيَّنَ الرُّجوعُ إلى قولها؛ كما لو أخبرتْ بانْقِضاء عِدَّتها. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي (٣): إذا لم يُوجَدْ ما ذُكِرَ، ولم يَغلِبْ على ظنِّه صِدقُها؛ فلا تَحِلُّ له؛ لأِنَّ الأصلَ التَّحريمُ، فَوَجَبَ البقاءُ على الأصل، وكما لو أخبره عن حالها فاسِقٌ. فلو كذَّبها الثَّاني في وَطءٍ؛ قُبِلَ قَولُه في تنصيف مهرٍ، وقَولُها في إباحتها للأوَّلِ. وكذا لو تزوَّجَتْ حاضِرًا، وفارَقَها، وادَّعت إصابتَه وهو مُنكِرُها. ومثل الأولة: لو جاءتْ حاكِمًا، وادَّعَتْ أنَّ زَوْجَها طلَّقَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ فله تزويجُها إنْ ظنَّ صَدْقَها كمعاملة وعبد (٤) لم يَثبُتْ عِتْقُه، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥)، لا سيَّما إنْ كان الزَّوجُ لا يُعرَفُ. وظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ: لو اتَّفَقا أنَّه طلَّقها، وانْقَضَت العدَّةُ؛ فإنَّها تُزَوَّجُ. فرعٌ: لو شهدا بأنَّ فلانًا طلَّق امرأتَه ثلاثًا، وَوُجِدَ مَعَهَا بعدُ، وادَّعى العَقْدَ ثانيًا بشروطه؛ يُقبَلُ منه، وسُئِلَ عنها المؤلِّفُ فلم يُجِبْ.

стр. 4918

ولو وَطِئَ مَنْ طلَّقَها ثلاثًا؛ حُدَّ، نَصَّ عليه (١)، فإنْ جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، فشُهِدَ بطلاقه لم يُحد (٢)؛ لأِنَّا لا نعلم (٣) معرفتَه به وقْتَ وَطْئِه إلاَّ بإقْرارِه به (٤).

стр. 4919

(كِتَابُ الْإِيلَاءِ) الإيلاءُ بالمدِّ: الحَلِفُ، وهو مصدرُ آلَى يُولِي إِيلاءً، ويُقالُ: تألَّى (١) يتألَّى، وفي الخبر: «مَنْ يَتألَّ على الله يُكَذِّبْه» (٢). والأَلِيَّةُ بِوَزْنِ فعيلة (٣): اليمينُ، وجَمْعُها أَلَايَا، بوَزْنِ خَطَايا، قال كُثَيِّرٌ (٤): قليلُ الألايا (٥) حافِظٌ لِيَمِينِه … إذا صَدَرَتْ منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ وكذلك الألْوَةُ، بسكون اللاَّمِ وتَثْليثِ الهمزة. والأصلُ فيه: قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]، وكان أبيُّ بنُ كعبٍ وابنُ عبَّاسٍ يَقرآنِ: «يُقْسِمُونَ … » الآيةَ (٦)، وقال

стр. 4920

ابنُ عبَّاسٍ: «﴿للذين يؤلون﴾: يَحْلِفونَ» (١)، حكاه عنه (٢) أحمد (٣)، وكان أهلُ الجاهليَّة إذا طَلَبَ الرَّجلُ من امرأته شيئًا فأَبَتْ أنْ تطيعه (٤)، حَلَفَ أنْ لا يَقرَبَها السَّنَةَ والسَّنَتَينِ والثَّلاثَ، فيَدَعُها لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، فلمَّا كان الإسلامُ جعل الله ذلك للمسلمين (٥) أربعةَ أشْهُرٍ. وهو محرَّمٌ في ظاهر كلامِ جماعةٍ؛ لأِنَّه يمينٌ على تركِ واجبٍ. وكان الإيلاءُ والظِّهارُ طلاقًا في الجاهليَّة، وذَكَرَه أحمدُ في الظِّهار عن أبِي قِلابَةَ وقَتادةَ (٦). وحاصِلُه: أنَّ الشَّرعَ غيَّر حكمَه الذي كان معروفًا عندَهم. (وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ)، هذا بيانٌ لِمَعْنى الإيلاءِ شرعًا، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّه لم يُقيِّدْه بحَلِفِ الزَّوج بالله تعالى، أوْ صفةٍ من صفاته على تَرْكِ وَطْءِ الزَّوجة في القُبُل، ولم يقيِّدْه بالمدَّة، وهذا ليس بداخلٍ في حقيقته، وإنَّما هي شروطٌ. والأَوْلَى فيه أنْ يُقالَ: كلُّ زوجٍ صحَّ طلاقُه صحَّ إيلاؤه، فهو (٧) إذَنْ: حَلِفُ زوجٍ يُمكِنُه الوطءُ، بالله تعالى أوْ صفةٍ من صفاته، على تركِ الوطء، ولو قبلَ الدُّخول، في القُبُل.

стр. 4921

ف «الزَّوجُ»: يُحْتَرَزُ به عمَّا (١) لو قال لأِجنبيَّةٍ: والله لا أَطؤكِ أبدًا. و «يُمكنه (٢) الوطء»: احترازًا من الصَّبِيِّ والمجنون. وقَولُه: «في القُبُلِ»: يُحْتَرَزُ به (٣) عن الرَّتْقاء، ونحوِها. (وَيُشْتَرَطُ لَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ): (أَحَدُهَا: الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ)؛ لأِنَّه الذي يَحصُلُ به الضَّرَرُ؛ إذ (٤) يَجِبُ على الزَّوج فِعْلُه، ويَضُرُّ الزَّوجةَ فَقْدُه، (فَإِنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)؛ لأِنَّ الإيلاءَ هو الحَلِفُ، ولم يُوجَدْ. (لَكِنْ إِنْ تَرَكَهُ مُضِرًّا بِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ فَهَلْ تُضْرَبُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ، وَيُحْكَمُ (٥) بِحُكْمِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهما: نَعَمْ؛ لأِنَّه تارِكٌ لِوَطْئِها إضرارًا (٦) بها، أشْبَهَ المُولِي، ولأِنَّ ما لا يَجِبُ إذا لم يَحْلِفْ؛ لا يجب (٧) إذا حَلَفَ على تَرْكِه؛ كالزِّيادة على الواجب، وثبوتِ حكمِ الإيلاء له لا يَمنَعُ مِنْ قياسِ غَيرِه عليه إذا كان في معناه؛ كسائر الأحكام الثَّابِتةِ بالقياس. الثَّانيةُ: لا تُضرَبُ له مدَّةٌ؛ لأِنَّه لَيسَ بِمُولٍ، فلا يَثبُتُ له حكمه (٨)، كما لو تَرَكَه لعُذْرٍ، ولأِنَّ تخصيصَ الإيلاءِ بحُكْمٍ يَدُلُّ على أنَّه لا يَثْبُتُ بدونه. وكذا حكمُ مَنْ ظاهَرَ، ولم يكفِّرْ، وقَصَدَ الإضرارَ بها.

стр. 4922

(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)، أمَّا أوَّلاً: فإنَّه لم يَترُك الوَطْءَ الواجبَ عليه، ولا تتضرَّرُ المرأةُ بتَرْكِه؛ لأِنَّه وطءٌ محرَّمٌ، وقد أكَّد مَنْعَ نفسه منه بيمينه، وأمَّا ثانيًا: فلأنَّه لم يَحلِفْ على الوطء الذي يُطالَبُ به في الفَيئة، ولا ضَرَرَ على المرأة في تَرْكِه. (وَإِنْ حَلَفَ أَلاَّ يُجَامِعَهَا إِلاَّ جِمَاعَ سُوءٍ، يُرِيدُ جِمَاعًا ضَعِيفًا، لَا يَزِيدُ عَلَى الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)؛ لأِنَّ الضَّعيفَ كالقويِّ في الحُكْم. وإنْ قال: أردتُ وطْئًا لا يبلغ (١) الْتِقاءَ الخْتانَينِ؛ فهو مُولٍ؛ لأنَّه لا (٢) يُمكِنُه الوَطْءُ الواجِبُ عليه في الفَيئة بغَيرِ حنثٍ. وإنْ لم يكُن له نيةٌ (٣)؛ فلَيسَ بمُولٍ؛ لأِنَّه مُحتَمِلٌ. وإن (٤) قال: واللهِ لا جامَعْتُكِ جِماعَ سوءٍ؛ لم يكُنْ مُولِيًا بحالٍ؛ لأِنَّه لم يَحلِفْ على ترك الوطء، إنَّما حَلَفَ على ترْكِ صفتِه المكروهة. (وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ، أَوْ دُونَ الْفَرْجِ؛ صَارَ مُولِيًا)؛ لأِنَّه حالِفٌ (٥) على تَرْكِ الوطء في القُبُل؛ لأِنَّ حَلِفَه أنْ لا يُجامِعَها، يَشملُ (٦) المجامَعةَ في الفَرْج، فإذا قَصَدَ بالاِسْتِثناء الوطءَ في الدُّبُر، أوْ دُونَ الفرج؛ بقيَ الوطءُ في الفَرْج تَحتَ الحَلِف. ولم يتعرَّض المؤلِّفُ إلى اليمين إذا خلت (٧) عن الإرادة، وفي «المغني»:

стр. 4923

أنَّه ليس بإيلاءٍ؛ لأِنَّه مُحتمِل (١)، فلا يتعيَّنُ لكونه (٢) مُولِيًا به. (وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ بِلَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ؛ كَلَفْظِهِ الصَّرِيحِ)، نحو: لا أَنِيكُكِ، (وَقَوْلِهِ: لَا أَدْخَلْتُ ذَكَرِي فِي فَرْجِكِ)، أوْ لا أُغَيِّبُ، أوْ أُولِجُ ذَكَرِي في فَرْجِكِ؛ لأِنَّه مُحصِّلٌ مَعْناهُ. (وَلِلْبِكْرِ خَاصَّةً: لَا اقْتَضَضْتُكِ)، هو (٣) بالقاف، والتَّاء المثنَّاة مِنْ فَوق، واقْتِضاضُ البِكْر وافْتِراعُها - بالفاء - بمعنًى، وهو وطؤها وإزالة بَكارتها بالذَّكَر، مأخوذٌ من قضضت (٤) اللُّؤْلُؤَةَ إذا ثَقَبْتَها. ومِثْلُه ما ذَكَرَه في «المستوعب»، و «الرِّعاية»: لا (٥) أَبْتَنِي بكِ، زاد في «الرِّعاية»: من العربي (٦). (لَمْ يُدَيَّنْ فِيهِ)؛ لأِنَّه لا يحتمل (٧) غيرَ الإيلاء. ومِثْلُه: لا أدْخَلْتُ حَشَفَتِي في فرْجِك؛ لأِنَّ الفَيئةَ لا تَحصُلُ بدون ذلك، بخلافِ: لا أدخلتُ (٨) كلَّ ذَكَري في فرجك. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ لَا جَامَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاضَعْتُكِ، أَوْ لَا بَاشَرْتُكِ، أَوْ لَا بَاعَلْتُكِ، أَوْ لَا قَرِبْتُكِ، أَوْ لَا مَسِسْتُكِ)، هو بكسر السِّين الأُولى، وفَتْحُها لُغَةٌ؛ أيْ: لا وَطِئْتُكِ، (أَوْ لَا أَتَيْتُكِ (٩)، أَوْ لَا اغْتَسَلْتُ

стр. 4924

مِنْكِ؛ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ)؛ لأِنَّها تُستَعْمَلُ في الوطء عُرْفًا، زاد في «الكافي» و «الشَّرح»: ولا أَصَبْتُكِ، زاد جماعةٌ: ولا افْتَرَشْتُكِ، والمنصوصُ: ولا غَشِيتُكِ (١)، والأصحُّ: لا أفْضَيْتُ إليكِ، لأِنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ وَرَدَ ببعضها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٢]، ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، و ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٧]. وأمَّا الوطءُ والجِماعُ؛ فهما أشْهَرُ الألفاظ في الاستعمال، والباقي قياسًا عليها. فلو قال: أردتُ بالوطء الوَطْءُ بالقَدَمِ، وبالجماع (٢) اجْتِماع الأجسام، وبالإصابة الإصابةَ باليد، وبالمباضَعة الْتِقاءَ بَضْعةٍ من البدن بالبَضْعةِ منه، وبالمباشَرَةِ مسَّ المَباشِر (٣)، وبالمباعَلَة الملاعَبَةَ (٤) والاسْتِمْتاعَ دُونَ الفرج، وبالمقارَبة ويريدُ قربَ بَدَنه منها، والمماسَّة ويريد بها مسَّ بَدَنِها، وبالإتيان يريد (٥) به المجيء، وبالاغتسال ويريد (٦) به الاغتسالَ من الإنزال عن مباشَرةٍ من قِبَلِه، أوْ جِماعٍ دُونَ الفَرْجِ، (وَيُدَيَّنُ (٧) فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى) مع عدم قرينةٍ على المذهب؛ لأِنَّ صِدْقَه غيرُ ممتنِعٍ، ولم يُقبَلْ في الحكم؛ لأِنَّه خلافُ الظَّاهر والعُرْف.

стр. 4925

وفي «الانتصار»: (لَمَسْتُم) ظاهِرٌ في الجَسِّ باليد، و (لامستم) ظاهِرٌ في الجماع، فيُحمَلُ الأمرُ عليهما؛ لأِنَّ القراءتَينِ كالآيتَينِ. وظاهِرُ نَقْلِ عبد الله (١) في: (لا اغْتَسَلْتُ منك)؛ أنَّه كناية، يقف (٢) على نيَّةٍ، أوْ قرينةٍ. (وَسَائِرُ الْأَلْفَاظِ)؛ أيْ: باقِيها، وهي الكِنايةُ، (لَا يَكُونُ مُولِيًا فِيهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ)؛ لأِنَّها لَيستْ بصريحٍ في الجماع، ولا ظاهِرٍ، فافْتَقَرَتْ إلى النِّيَّة؛ ككنايات الطَّلاق، وفي «الرِّعاية» و «الفروع»: أو القرينة (٣)؛ كقوله: واللهِ لا جمعتْنا (٤) مِخَدَّةٌ، ولا اجتَمعْنا تحتَ سقفٍ، لا ضاجَعْتُك، لا دَخَلْتُ عليك، لا دخلتِ عليَّ، لا (٥) مَسَّ جِلْدِي جِلدَك، ونحوه. وتكفي (٦) نية ترْكِ الوطء فيها، إلا (٧) في قوله: لَيَطولَنَّ تَرْكِي لِجِماعِك، فتَكْفِي نيَّةُ المدَّة. وتُعتَبَرُ نيَّةُ الوطء والمدَّةُ في قوله: لَتَطُولَنَّ غَيبتي عنك.

стр. 4926

(فَصْلٌ) (الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ) في الرِّضا والغضب (بِاللهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ)، لا (١) خلافَ أنَّ الحَلِفَ بذلك إيلاءٌ (٢)، وعن ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]: «أيْ: يَحلِفُونَ بالله تعالى» (٣)، يُؤيِّدُه قَولُه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]؛ لأِنَّ الغُفْران إنَّما يَدخُلُ في اليمين بالله تعالى. (فَإِنْ حَلَفَ بِنَذْرٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ طَلَاقٍ)، أوْ صدقةِ مالٍ، أو الحجِّ، أو الظِّهار؛ (لَمْ يَصِرْ مُولِيًا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ)، واخْتارَه الخِرَقِيُّ، والقاضي وأصحابُه، قال في «المستوعب»: هو المشهورُ في المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٦]، والمغفرةُ إنَّما تكون في الحِنث في اليمين بالله، بخلاف الطَّلاق وغيرِه، ولأِنَّه (٤) لم يَحلِفْ بالله تعالى، أشْبَهَ ما لو حلف بالكعبة، ولأِنَّ التَّعليقَ بشرطٍ (٥)، ولهذا لا يؤتى (٦) فيه بحرف القسم، ولا يُجابُ بجوابه، ولا ذَكَرَه أهلُ العربيَّة في باب القَسَمِ، وإنَّما يُسمَّى حَلِفًا تَجَوُّزًا؛ لمشارَكَتِه القَسَمَ في الحثِّ (٧) على الفعل، أو المنْعِ منه. (وَعَنْهُ: يَكُونُ مُولِيًا)؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: «كلُّ يمينٍ مَنَعَتْ جماعَ المرأة

стр. 4927

فهي إيلاءٌ» (١)، وقاله (٢) الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ والأكثرُ؛ لأِنَّها يمينٌ مَنَعَتْ جماعَها، فكانَتْ إيلاءً؛ كالحلف بالله تعالى. وعنه: بيمينٍ مكفَّرةٍ (٣)؛ كنَذْرٍ وظهارٍ، اختاره (٤) أبو بكرٍ. وعنه: وبعتق (٥) وطلاقٍ؛ بأنْ يَحلِفَ بهما لِنَفْعِهما، أوْ على روايةِ تَركِه ضرارًا (٦) ليس كمُولٍ، اختاره (٧) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وألْزَمَ عليه: كونَه يمينًا مُكفَّرةً يَدخُلُها الاِسْتِثْناءُ (٨). والحقُّ: أنَّه إذا اسْتَثْنَى في يمينٍ مُكفَّرةٍ؛ لا يكون مُولِيًا؛ لأنَّه لا يَلزَمُه كفَّارةٌ بالحنث، فلم يكن الحنث مُوجِبًا لحقٍّ عليه. وخُرِّج على الأوَّل: أنَّ الحَلِفَ بغير الله وصِفَتِه لَغْوٌ. فرعٌ: إذا علَّق طلاقَ غَيرِ مَدخُولٍ بها بِوَطْئِها؛ فرِوايَتانِ، فلو وَطِئَها؛ وقع رجعيًّا. وهما (٩) في: إنْ وَطِئْتُكِ فضرَّتُكِ طالِقٌ، فإنْ صحَّ إيلاءٌ، فأبانَ الضَّرَّةَ؛ انقطع، فإنْ نَكَحَها، وقُلْنا: تَعودُ الصِّفَةُ؛ عاد الإيلاءُ، وتبني (١٠) على المدَّة. (وَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ زَانِيَةٌ، أَوْ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ؛ لَمْ يَكُنْ

стр. 4928

مُولِيًا)، لا يَختَلِفُ المذهبُ فيه، أمَّا أوَّلاً: فَلأِنَّه لا يَصِحُّ تعليقُ القذف بشرطٍ، فلا يَلزَمُه بالوطء حقٌّ، فلا يكون مُولِيًا. وأمَّا ثانيًا: فلأِنَّه إذا قال: إنْ وَطِئْتُكِ فللَّهِ عليَّ صَومُ أمْسِ، أوْ صَومُ هذا الشَّهْر؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه يصيرُ عندَ وجوبِ الفَيئةِ ماضِيًا، ولا يَصِحُّ نَذْرُ الماضي. فلو قال: إنْ وَطِئْتُكِ فللَّه عليَّ صَومُ الشهر (١) الَّذي أَطَؤكِ فيه؛ فكذلك، فإذا وَطِئَ صام بقيَّتَه، وفي قضاءِ يومِ وَطِئَ فيه وجْهانِ. ومِثْلُه: واللهِ لا وَطِئْتُكِ في هذا البلد، أوْ مَخْضوبةً، نَصَّ عليه (٢)، أوْ حتَّى تَصُومِي نَفْلاً، أَوْ تَقُومِي، أوْ بإذْنِ زَيدٍ، فيَموتُ زَيدٌ. فرعٌ: إذا قال: إنْ وطِئْتُك فعبدي حرٌّ عن ظِهارِي، وكان ظاهَرَ، فَوَطِئَ؛ عَتَقَ بالظِّهار، وإلاَّ فَلَيسَ بمُولٍ، فلو وَطِئَ لم يَعتِقْ في الأصحِّ. فلو قال: إنْ وطِئْتُكِ فهو حرٌّ قبلَه بشهرٍ؛ فابْتِداءُ المدة (٣) بعدَ مُضِيِّه، فلو وَطِئَ في الأوَّل لم يَعتِقْ، والمطالَبَةُ في شهرٍ سادِسٍ.

стр. 4929

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ يَحْلِفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، قاله ابنُ عبَّاسٍ (١)، وهو المشهورُ عن أحمدَ (٢)؛ لأِنَّه لم يَمنَعْ نفسَه من الوطء باليمين أكثرَ من أربعةِ أشهر (٣)، فلم يكن مُولِيًا؛ كما لو حلف على ترْكِ قُبْلَتِها، ولأِنَّ الله تعالى جعل له تربُّصَ أربعةِ أشْهُرٍ، فإذا حَلَفَ على أربعةِ أشهر (٤) فما دونَها؛ فلا معنى للتَّربُّص؛ لأِنَّ مدَّةَ الإيلاء تَنقَضِي قبلَ ذلك أو مع انقضائه، وتقدير التَّربُّص بأربعةِ أشْهُرٍ يقتضي (٥) كَونَه في مُدَّةٍ تَناوَلَها الإيلاءُ، ولأِنَّ المطالَبةَ إنَّما تكون بعدَها، فإذا انقضت مدَّتُها فما دونُ لم تَصِحَّ المطالَبةُ من غير إيلاءٍ، فلو قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ، كان مُولِيًا؛ لأِنَّه يَقتَضِي التَّأبيدَ. وعنه: أنَّه (٦) إذا حَلَفَ على أربعةِ أشْهُرٍ كان مُولِيًا، ذَكَرَها القاضي أبو الحُسَين، وقاله عَطاءٌ والثَّوريُّ؛ لأِنَّه يَمتَنِعُ عن الوطء باليمين أربعة

стр. 4930

أشهر (١)، فكان موليًا (٢)؛ كما لو حلف على ما زاد. (أَوْ يُعَلِّقَهُ (٣) عَلَى شَرْطٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي (٤) أَقَلَّ مِنْهَا، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى، أَوْ يَخْرُجَ الدَّجَّالُ، أَوْ مَا عِشْتُ)، أوْ حتَّى أموتَ، أوْ تموتِي، أوْ يَمُوتَ زَيدٌ؛ لأِنَّ ذلك لا يُوجَدُ في أربعةِ أشْهُرٍ ظاهِرًا، أشْبَهَ ما لو قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ في نكاحي هذا، ولأِنَّ حكمَ الغالِبِ حُكْمُ القَطْع في كثيرٍ من الصُّوَر، فكذا هنا، وكذا لو علَّق (٥) الطَّلاقَ على مرضها، أوْ مرض إنسانٍ بعَينه، أوْ قِيامِ السَّاعة. فرعٌ: إذا علَّق الإيلاءَ بشرطٍ مستحيلٍ؛ كقوله: واللهِ لا وَطِئْتُك حتَّى تَصْعَدِي السَّماءَ، ونحوَه؛ فهو مُولٍ؛ لأِنَّ معناه تركُ وَطْئِها، فإنَّ ما يراد حالة (٦) وجوده تعلَّق على المستحيل (٧)؛ كقوله تعالى في الكفَّار: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعرَاف: ٤٠]، وكقوله (٨): إذا شابَ الغُرابُ أتَيتُ أهْلِي … وصار القَارُ كاللَّبن الحليبِ (أَوْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ حَتَّى تَحْبِلِي)؛ فهو مُولٍ؛ (لأِنَّها لَا تَحْبَلُ إِذَا لَمْ يَطَأْهَا)؛ لأِنَّ حَبَلَها بغَيرِ وطءٍ مستحيلٌ عادةً؛ كصعود السَّماء. وفي «المحرَّر» و «الفروع»: إذا قال: حتَّى تَحبِلِي، ولم يكن وَطِئَها، أو

стр. 4931

وَطِئَ ونيَّتُه حَبَلٌ مُتجدِّدٌ؛ فمُولٍ، وإلاَّ فالرِّوايَتانِ. (وَقَالَ الْقَاضِي)، وأبو الخَطَّاب: (إِذَا قَالَ: حَتَّى تَحْبَلِي، وَهِيَ مِمَّنْ يَحْبَلُ مِثْلُهَا؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنَّها تَحبِلُ قبلَ مدَّة الإيلاء، قال المؤلِّفُ: (لا أعْلَمُ لهذا وجهًا)، وهو صحيحٌ إنْ كان مقصودُ الحالِفِ: حتَّى تحبلي (١) من وطءٍ. فلو كانت صغيرةً، أوْ آيِسةً؛ فهو مُولٍ. فإنْ قال: أردتُ ب «حتَّى» السببيَّة؛ أيْ: لا أطؤك لِتَحْبَلي؛ قُبِلَ منه؛ لأِنَّه لَيسَ بحالِفٍ على ترك الوطء. تنبيه: لو علَّقه على ما يُعلَمُ وُجودُه قبلَ أربعةِ أشْهُرٍ؛ كجَفافِ بَقْلٍ (٢)، أوْ ما يَغلِبُ على الظَّنِّ وُجودُه قَبْلَها؛ كنزول الغَيث في أوانه، أوْ ما يَحتَمِلُ الأمْرَينِ؛ كقُدومِ زَيدٍ مِنْ سَفَرٍ قريبٍ؛ لم يكُنْ مُولِيًا؛ لأنَّه يَغلِبْ (٣) على الظَّنِّ وجودُ الشَّرط، فلا يَثبُتُ حكمُه. وكذا لو قال: واللهِ لا أطؤك حتَّى أُعْطِيَكِ مالاً، بخِلافِ ما لو قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ طاهِرًا، أو وطئًا مُباحًا، فإنَّه يصيرُ مُولِيًا. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ مُدَّةً، أَوْ لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِمَاعِكِ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)؛ لأِنَّ ذلك يَقَعُ على القليل والكثير، فلا يصيرُ مُولِيًا به (٤)، (حَتَّى يَنْوِيَ بِهِ (٥) أكثرَ من (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)؛ لِيَتمحَّضَ اليمينُ للمُدَّة المعتبَرةِ. وفي قَولِ المصنف: (لَيَطُولَنَّ تَرْكِي لِجِماعِكِ) صريحٌ في الإيلاء، وصرَّح

стр. 4932

به في «المغني»؛ لأِنَّ الجِماعَ نَصٌّ في إدخال (١) الذَّكَر في الفَرْج. وذكره (٢) أبو الخَطَّاب في الكنايات؛ لأِنَّ الجِماعَ يُطلَقُ ويُرادُ به الجِماعُ دُونَ الفَرْج، فعلى هذا: يُعتَبَرُ فيه نيَّةُ إدْخالِ الذَّكَر في الفرج، كما تعتبر (٣) نيَّة المدَّة. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ لَا وَطِئْتُكِ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ؛ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا)؛ لأِنَّه لا يُعلَمُ حَلِفُه على أكثرَ من أربعةِ أشْهُرٍ، ولا يُمكِنُه (٤) وطؤها في غير البلدةِ المحلوفِ عليها. وقال ابنُ أبي ليلى، وإسحاقُ: هو مُولٍ؛ لأِنَّه حالِفٌ على تَرْكِ وَطْئها. وجوابُه: أنَّه يُمكِنُ وطؤها بغَيرِ حنثٍ، فلم يكُنْ مُولِيًا، كما لو اسْتَثْنَى في يمينه. فرعٌ: إذا علَّقه على فِعْلِ مُباحٍ لا مشقَّةَ فيه؛ كقوله: واللهِ لا أطؤك حتَّى تدخُلِي الدَّارَ؛ لم يكُنْ مُولِيًا، بخِلافِ ما لو علَّقه على محرَّمٍ؛ كقوله: واللهِ لا أطؤك حتَّى تَشْرَبِي الخَمْر، أو أقتلَ زيدًا؛ لأِنَّه علَّقه بمُمْتَنِعٍ شَرْعًا، أشْبَهَ الممتنِع (٥) حسًّا. فإنْ علَّقه على ما على فاعلِه فيه مَضرَّةٌ؛ كقوله: واللهِ لا أطؤك حتَّى تُسقِطِي صَداقَك عنِّي، أوْ حتَّى تَكْفُلِي وَلَدِي؛ فهو مُولٍ؛ لأِنَّ أخْذَه لمالها، أوْ مالِ غَيرِها عن (٦) غيرِ رضَا صاحبِه مُحرَّمٌ، أشْبَهَ شربَ الخمر.

стр. 4933

(فَإِنْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ، أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا) في الحال؛ لأِنَّه لا يَلزَمُه بالوطء حقٌّ، (حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ)، ونَصَرَه في «الشَّرح» وغَيره؛ لأِنَّه يصيرُ مُولِيًا بالوطء، أوْ دخولِ الدَّار؛ لأِنَّها تَبْقَى يمينًا تمنع (١) الوطء على التَّأبيد. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِيرَ مُولِيًا فِي الْحَالِ)؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه الوطءُ إلاَّ بأنْ يصيرَ مولِيًا، فيَلحَقُه بالوطء ضررٌ، أشْبَهَ ما لو مَنَعَ نفسَه من وَطْئِها في الحال في المدَّة المعتبَرة (٢). وجوابُه: بأنَّه يُمكِنُه الوطء من غير حِنْثٍ، فلم يكُنْ مُولِيًا؛ كما لو لم يَقُلْ شيئًا. وإنْ قال: إنْ وَطِئْتُكِ فواللهِ لا أطؤك، فأوْلَجَ الحَشَفةَ، ثُمَّ زاد؛ حَنِثَ بالزِّيادة. وقيل: لا؛ كَمَنْ نَوَى. فرعٌ: إذا قال: واللهِ لا وَطِئْتُك إلاَّ برضاك؛ لم يكُنْ مُولِيًا؛ لإمْكانِ وَطْئِها بغير حنثٍ. وكذا إنْ قال: واللهِ لا وَطِئتُكِ مريضةً، إلاَّ أنْ يكونَ بها مرضٌ لا يُرجَى بُرؤه، أوْ لا يزولُ في أربعةِ أشْهُرٍ، فيَنبَغِي أنْ يكونَ مُولِيًا؛ لأِنَّه حالِفٌ على تَرْكِ وَطْئِها أربعةَ أشْهُرٍ. فإنْ قال ذلك وهي صحيحةٌ فَمَرِضَتْ مَرَضًا يُمكِنُ برؤه قبلَ أربعةِ أشْهُرٍ؛ لم يَصِرْ مُولِيًا، وإلاَّ فلا. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ فِي السَّنَةِ إِلاَّ مَرَّةً؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا) في الحال؛

стр. 4934

لأِنَّه يُمكِنُه الوطءُ بغَيرِ حنثٍ، فلم يكُنْ ممنوعًا من الوطء بحُكْمِ يمينه، (حَتَّى يَطَأَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، فيكونُ مُولِيًا؛ لأِنَّه صار ممنوعًا من وَطْئِها بيمينه. وفيه وَجْهٌ: يصير مُولِيًا في الحال؛ لأِنَّه لا يُمْكِنُه إلاَّ بأنْ يصيرَ مُولِيًا، فيَلحَقُه بالوطء ضررٌ. وجوابُه: بأنَّه ممنوعٌ فيما إذا وَطِئَ وقد بَقِيَ من (١) السَّنَةِ ثُلثها (٢) فأقلُّ؛ لأِنَّه لم يبق من (٣) المدَّة الممنوع من الوطء فيها المدَّةُ المعتبرة في الإيلاء. (وَإِنْ قَالَ: إِلاَّ يَوْمًا؛ فَكَذَلِكَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّ اليومَ منكَّر (٤)، فلا يَختَصُّ يَومًا دُونَ يَومٍ، وحِينَئِذٍ: فيَجوزُ أنْ يكونَ اليومُ المستَثْنَى في الحال، ويَجوزُ أنْ يكونَ في المآل، فلا يتحقَّقُ الإيلاءُ؛ لفوات شَرْطِه. فعليه: إنْ وَطِئَها وقد بَقِيَ من السَّنة أكثرُ من ثُلثها؛ صار مُولِيًا، وإلاَّ فلا. ومِثْلُه لو قال: صُمْتُ رمضانَ إلاَّ يَومًا، أوْ لا كلَّمتُك في السَّنة إلاَّ يومًا، فإنَّه لا يَختَصُّ بيومٍ. (وَفِي الآخَرِ (٥): يَصِيرُ مُولِيًا فِي الْحَالِ)، وهو قَولُ القاضي وأصحابه؛ لأِنَّ اليومَ المستَثْنَى يكون من آخِرِ المدَّة؛ كالتَّأجيل ومدَّة الخيار، بخلافِ المسألة الأولى (٦)، فإنَّ المرَّةَ (٧) لا تَختَصُّ وقْتًا بعَينه.

стр. 4935

ومَن نَصَرَ الأوَّلَ قال: التَّأجيلُ ومدة (١) الخيار تجب (٢) الموالاةُ فيهما؛ لأِنَّه لو جازت (٣) له المطالَبةُ؛ لَزِمَ قَضاءُ الدَّين، فيسقط (٤) التَّأجيلُ بالكُلِّيَّة، ولو لَزِمَ العَقْدُ في أثْناءِ مدَّة الخيار؛ لم يَعُدْ إلى الجواز، وجوازُ الوطء في يومٍ من أوَّل السَّنَة وأوْسَطِها؛ لا يَمنَعُ حكمَ اليمين فيما بَقِيَ منها. (وَإِنْ (٥) قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا)، قدَّمه في «الكافي»، و «المستوعب»، و «الرِّعاية»، و «المحرَّر»؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ من الزَّمانَينِ لا تَزِيدُ مُدَّتُه على أربعةِ أشْهُرٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَصِيرَ مُولِيًا)، صحَّحه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه ممتَنِعٌ بيمينه من وطئها مدةً (٦) متواليةً أكثرَ من أربعةِ أشْهُرٍ، وأطْلَقَ في «الفروع» الخِلافَ. وكذا الحكم في كلِّ مُدَّتَينِ متواليتَينِ يزيد مجموعُهما على أربعةِ أشْهُرٍ؛ كثلاثةِ أشْهُرٍ وشَهْرَينِ. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ إِنْ شِئْتِ، فَشَاءَتْ؛ صَارَ مُولِيًا) بوجودها (٧) في قَول أكثرِهم؛ لأِنَّه لا يصيرُ ممتَنِعًا من الوطء حتَّى تَشاءَ، ولأنه (٨) علَّق اليمينَ على المشيئةِ بحرف «إنْ»، أشْبَهَ مشيئةَ غَيرِها. فإنْ قلتَ (٩): فهلاَّ يكونُ مُولِيًا؛ كقوله: واللهِ لا وَطِئْتُكِ إلاَّ برضاكِ؟

стр. 4936

فالجوابُ: الفَرْقُ بَينَهُما؛ بأنَّها إذا شاءت انْعَقَدتْ يمينُه بحَيثُ لا يُمكِنُه الوطءُ بغيرِ حنثٍ، بخلاف: والله لا وَطِئْتُكِ إلاَّ برضاكِ (١)، فإنَّه لم يَحلِفْ إلاَّ على وطْئِها حالَ سُخْطِها، فيُمكِنُه وطؤها في حال رضاها بغير حنثٍ. فإنْ قالَتْ: ما أشاءُ، أوْ سَكَتَتْ؛ لم يَصِرْ مُولِيًا، قالَهُ في «المستوعب». فرعٌ: إذا قال: واللهِ لا وَطِئْتُكِ إلاَّ أنْ يشاءَ أبوكِ، أوْ فُلانٌ؛ لم يكُنْ مُولِيًا؛ لأِنَّه علَّقه بوجودِ فِعْلٍ يُمكِنُ وُجودُه في ثُلُثِ سنةٍ إمْكانًا غيرَ بعيدٍ، ولَيسَ بمحرَّمٍ، ولا فيه مَضَرَّةٌ، أشْبَهَ ما لو علَّقه على دخولها الدَّارَ. (وَإِنْ قَالَ: إِلاَّ أَنْ تَشَائِي، أَوْ إِلاَّ بِاخْتِيَارِكِ، أَوْ إِلاَّ أَنْ تَخْتَارِي؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا)، اقْتَصَرَ عليه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه مَنَعَ نفسَه من وَطْئِها بيمينه إلاَّ عندَ إرادتها، أشْبَهَ ما لو قال: إلاَّ بِرِضاكِ، أوْ حتَّى تَشائِي، وكما لو علَّقَه على مشيئةِ غيرِها. وقال القاضي: تَنعَقِدُ يمينه (٢)، فإنْ شاءت؛ انحلَّتْ، وإلاَّ فهي مُنعَقِدةٌ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ)، وابنُ الجَوزِيِّ وجَزَمَ به في «التَّبصرة»: (إِنْ لَمْ تَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ؛ صَارَ مُولِيًا)؛ لأِنَّه يَصدُقُ بمُضِيِّ المجلس أنَّها ما شاءَتْ، فَوَجَبَ تحقُّق (٣) ذلك لِفَواتِ الاِسْتِثْناءِ. فظاهِرُه، بل صريحُه: يعتمد (٤) أنَّ المشيئةَ تُعتبر (٥) في المجلس، والمذْهَبُ: لا فَرْقَ بَينَ وجودها في الحال أو التَّراخِي. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَطؤُها حتَّى تَفطِمَ وَلَدَها، أوْ تُرضِعَه؛ كان مُولِيًا إذا

стр. 4937

كان بَينَه وبَينَ مدَّةِ الفِطام والرّضاع أكثرُ من أربعةِ أشْهُرٍ، فإنْ ماتَ الولدُ قبلَ مُضِيِّ أربعةِ أشْهُرٍ؛ سَقَطَ الإيلاءُ. مسألةٌ: إذا حَلَفَ على وطءِ امرأته عامًا، ثُمَّ كفَّرَ يمينَه؛ انحلَّ الإيلاءُ، فإن كان تكفيرُه قبلَ مُضِيِّ أربعةِ أشْهُرٍ؛ انحلَّ (١) الإيلاءُ حِينَ التَّكفير، وإنْ كفَّر بعدَ الأربعةِ قبلَ الوقف (٢)؛ صار كالحالف على أكثرَ منها إذا مَضَتْ يمينُه على وقفه (٣). (وَإِنْ قَالَ لِنِسَائِهِ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُ وَاحِدَةً مِنْكُنَّ؛ صَارَ مُولِيًا مِنْهُنَّ)، جَزَمَ به الجماعةُ؛ لأِنَّ النَّكرةَ في سياق النَّفي، فإنَّها تَعُمُّ، ولا يُمْكِنه وطءُ واحدةٍ مِنْهُنَّ إلاَّ بالحنث. وقال القاضي: يكون مُولِيًا من (٤) واحدةٍ غَيرِ مُعيَّنةٍ؛ لأِنَّ لَفْظَه تَناوَلَ واحدةً مُنَكَّرَةً، فلا تَقتَضِي العُمومَ. وجَوابُه: ما سَبَقَ؛ لقوله تعالى: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسرَاء: ١١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، فيَجِبُ حَمْلُ اللَّفظ على الإطلاق (٥) على مقتضاهُ في العُموم. فعلى الأوَّلِ: إذا طلَّق واحدةً مِنهُنَّ، أوْ ماتت (٦)؛ كان مُولِيًا من البَواقِي؛ لأِنَّه تعلَّق بكلِّ واحدةٍ مُنفَرِدةً، وإنْ وَطِئَ واحدةً مِنهُنَّ؛ حَنِثَ وسَقَطَ الإيلاءُ من الباقيات؛ لأِنَّها يمينٌ واحِدةٌ.

стр. 4938

(إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا، فَيَكُونَ مُولِيًا مِنْهَا وَحْدَهَا)؛ لأِنَّ اللَّفظَ يَحتَمِلُه، وهو أعْلَمُ بِنِيَّته. (وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدَةً مُبْهَمَةً)؛ قُبِلَ منه، ولا يصيرُ مُولِيًا مِنهُنَّ في الحال، فإذا وَطِئَ ثلاثًا كان مُولِيًا من الرَّابعة. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُخْرِجُ بِالْقُرْعَةِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجزم به في «الوجيز»، وفي «الكافي»: هو قياسُ المذهب، كما إذا طلَّق واحدةً مِنْ نسائه لا بِعَينِها، وكالعتق. وقِيلَ: يَرجِعُ إلى تَعْيِينِه. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا وَطِئْتُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ؛ كَانَ مُولِيًا مِنْ جَمِيعِهِنَّ)؛ لأِنَّ لَفْظَه صريحٌ في التَّعميم، ولا يُقبَلُ قَولُه: نَوَيْتُ واحدةً مُعيَّنةً، أوْ مُبهَمَةً، ولفظةُ (كل) (١) أزالت الخُصوصَ. (وَتَنْحَلُّ (٢) يَمِينُهُ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ)، جَزَمَ به في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّها يمينٌ واحدةٌ تعلَّقَتْ بأشْياءَ، فإذا حَنِثَ فيها لم تَتَبَعَّضْ، ويَسقُط حكمُ اليمينِ (٣) في الباقي. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي)، قدَّمه في «المستوعب»؛ كما لو طلَّق إحداهُنَّ، أوْ ماتَتْ، ولأِنَّه صرَّح بمَنْعِ نفسه مِنْ كلِّ واحدةٍ، أشْبَهَ ما لو حَلَفَ على كلِّ واحدةٍ يمينًا. فرعٌ: إذا قال: كلَّما وَطِئْتُ واحدةً منكنَّ فضَرائرُها طوالِقُ، وقُلْنا: هو إيلاءٌ؛ فهو مُولٍ منهنَّ. (وَإِنْ قَالَ: وَاللهِ لَا أَطَؤُكُنَّ؛ فَهِيَ كَالتِي قَبْلَهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو

стр. 4939

يَنْبَنِي على أصلٍ، وهو: هل يَحنَثُ بفِعْل البعض؟ وفيه رِوايَتانِ: إحداهما: يَحنَثُ، فيكونُ مُولِيًا في الحال منهنَّ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه وَطْءُ واحِدةٍ مِنهُنَّ إلاَّ بحنثٍ، فإذا وَطِئَ واحدةً انحلَّت يمينُه؛ لأِنَّها يمينٌ واحدةٌ، فتَنحَلُّ بالحنث فيها؛ كما لو حَلَفَ على واحدةٍ. والثَّانيةُ: لا يَحنَثُ بفِعْل البعض، فلا (١) يكون مُولِيًا في الحال؛ لأِنَّه يُمكِنُه وطءُ كلِّ واحدةٍ بغَيرِ حنثٍ. (وَفِي الآْخَرِ: لَا يَصِيرُ مُولِيًا حَتَّى يَطَأَ ثَلَاثًا، فَيَصِيرُ مُولِيًا مِنَ الرَّابِعَةِ)؛ لأِنَّ المنْعَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ في الرَّابعة مُحقَّقًا، ضرورةَ الحنث بوَطْئِها، وابْتداءُ المدَّة حِينَئِذٍ. (فَعَلَى هَذَا: لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً (٢) مِنْهُنَّ، أَوْ مَاتَتْ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ هَهُنَا)؛ لأِنَّه يُمكِنُه وَطْءُ الباقيات بغَيرِ حِنْثٍ. (وَفِي التِي قَبْلَهَا: لَا تَنْحَلُّ فِي الْبَوَاقِي)؛ لأِنَّه يَقتَضِي كَونَ المحلوف عليه المنْعَ من كلِّ (٣) واحدةٍ، وطلاقُ (٤) واحدةٍ أوْ مَوتها، لا يُوجِبُ انْحِلالَ اليمين في غيرها، كما لو حَلَفَ بالله: لا وَطِئْتُ هذه، ثُمَّ حَلَفَ: لا وَطِئْتُ هذه (٥)، ثُمَّ ماتَتْ إحداهما، أو طلَّقها. وذَكَرَ القاضي: أنَّه إذا قُلْنا يَحنَثُ بفِعْلِ البعض، فَوَطِئَ واحدةً؛ حَنِثَ، ولم يَنحَلَّ الإيلاءُ في البواقي، ونَصَرَ في «الشَّرح» خِلافَ قَولِه.

стр. 4940

وقِيلَ: إنْ ماتَتْ لم تبق (١) يمينٌ ولا إيلاء (٢) على الوجْهَينِ. وعلى الأوَّل: إذا قُلْنا: صار مُولِيًا مِنهنَّ، فإذا طالَبْنَ بالفَيئة وُقِف (٣) لهنَّ كلِّهنَّ، فإنْ اخْتَلَفَتْ مُطالَبَتَهُنَّ؛ وُقِف (٤) لكلِّ واحدةٍ عند طَلَبِها، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّه لا يُؤخَذُ بحقِّها قَبْلَ طَلَبِها. وعنه: يُوقَفُ للجميع وقْتَ مُطالَبَة أُولاهُنَّ، قال القاضي: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأِنَّها يمينٌ واحدةٌ، فكان الوَقْفُ (٥) لها واحدًا، والكفَّارةُ واحدةً. وقِيلَ: يَجِبُ بفيئته (٦) إلى كلِّ واحدةٍ كفَّارةٌ. (وَإِنْ آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ لِلْأُخْرَى: شَرَّكْتُكِ مَعَهَا؛ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا مِنَ الثَّانِيَةِ)؛ لأِنَّ اليمينَ بالله لا تَصِحُّ إلاَّ بلفظٍ صريحٍ من اسمٍ أوْ صفةٍ، والتَّشريكُ بَينَهما كنايةٌ، فلم تَصِحَّ به اليَمينُ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُمَا)؛ كالطَّلاق، لكِنَّ الفَرْقَ بَينَهما: أنَّ الطَّلاقَ يَنعَقِدُ بالكناية، وليس (٧) كذلك اليمينُ، فلو آلى رجل (٨) مِنْ زَوجته، فقال آخَرُ لاِمْرأتِه: أنتِ مِثْلُ فُلانَةَ؛ لم يَكُنْ مُولِيًا. وعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لا يَصِحُّ إلاَّ مِنْ زَوجةٍ، فلو حَلَفَ على تَرْكِ وَطْءِ أَمَتِه؛ لم يكُنْ مُولِيًا؛ لِلنَّصِّ.
следующие страницы →