← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تزيل الإبهام، وتجعل (١) من خرجت له كالمستحِقِّ المتعيِّنِ. وعنه: تُقدَّم القرعة على من يختاره الجيران، نقله الجماعة (٢)، وقدَّمها في «الكافي» و «التَّلخيص» و «البلغة». وقيل: يُقدَّم الأَدْيَن (٣) الأفضل فيه، ثمَّ القرعة، جزم به في «الوجيز». وذكر القاضي والسَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»: أنَّهما مع الاستواء يُقدَّم من له مزيَّة في عمارة المسجد، أو التقدُّم بالأذان فيه. وفي «الرِّعاية»: يُقدَّم من له التَّقديم، ثمَّ الأعقل، ثمَّ الأدين، ثمَّ الأفضل فيه، ثمَّ الأخبر بالوقت، ثمَّ الأعمر للمسجد المراعِي له، ثمَّ الأقدم تأذينًا فيه، وقيل: أو أبوه، ثمَّ من قرع مع التَّساوي، وعنه: بل من رضيه الجيران. (وَالْأَذَانُ) المختارُ: (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، لَا تَرْجِيعَ فِيهِ (٤)، وَالْإِقَامَةُ: إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً)، هذا هو المشهور؛ لحديث عبد الله بن زيد، وكان بلال يؤذِّن كذلك، ويقيم حضرًا وسفرًا مع النبي ﷺ إلى أن مات (٥)، وعليه عمل أهل المدينة، قال أحمد: (هو آخر (٦) الأمرين وكان بالمدينة، قيل له: إنَّ أبا محذورة بعد حديث عبد الله؛ لأنَّ حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، فقال: أليس قد رجع النَّبيُّ ﷺ إلى المدينة وأقرَّ بِلالًا على أذان عبد الله؟!) (٧).

стр. 527

ويعضُده: حديث أنس قال: «أُمر بلالٌ أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة» متفق عليه، زاد البخاري: «إلَّا الإقامة» (١)، وحديث ابن عمر قال: «إنَّما كان الأذانُ على عهد رسول الله ﷺ مرَّتين مرَّتين (٢)، والإقامة مرَّةً مرَّةً، غير أنَّه يقول: قد قامت الصَّلاة، قد قامت الصَّلاة» رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة، وصححه (٣). فائدة: قوله: (الله أكبر)؛ أي: من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو هو بمعنى كبير. وقوله: (أشهد)؛ أي: أعلم. وقوله: (حيَّ على الصَّلاة)؛ أي: أقبلوا إليها، وقيل: أسرعوا. و (الفلاح): الفوز والبقاء؛ لأنَّ المصلِّي يدخل الجنَّة إن شاء الله فيبقى فيها ويخلد، وقيل: هو الرُّشْد والخير، وطالبهما مُفلِحٌ؛ لأنَّه يصير إلى الفلاح، ومعناه: هلمُّوا إلى سبب ذلك. وختم ب (لا إله إلا الله) ليختِم بالتوحيد وباسم الله تعالى كما بدأ به، وشُرعت المرَّة؛ إشارة إلى وحدانية المعبود سبحانه. (فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ؛ فَلَا بَأْسَ)؛ أي: هو جائزٌ، نَصَّ عليه في رواية حنبل، فقال: (أذان أبي محذورة أعجب إليَّ، وعليه عمل أهل

стр. 528

مكة إلى اليوم) (١)، وهو مُرَجَّع (٢)، فيعيد الشَّهادتين - بعد ذكرهما خفضًا - بصوت أرفع من الصوت الأول، وعن أبي محذورة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّمه الأذان تِسعَ عشرةَ كلمةً، والإقامةَ سبعَ عشرةَ كلمةً» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه التِّرمذي وابن خزيمة وابن حبان (٣). والحكمة: أن يأتي بهما بتدبُّرٍ وإخلاص؛ لكونهما المنجيتَين من الكفر المدخلتَين في الإسلام، وسمِّي بذلك؛ لأنَّه رجع إلى الرَّفع بعد أن (٤) تركه، أو إلى (٥) الشَّهادتين بعد ذكرهما. والمراد بالخفض: أن يُسمِع (٦) من بقربه، أو أهل المسجد إن كان واقفًا والمسجد متوسِّط الخِطِّ (٧). والتَّرجيع: اسم للمجموع من السِّرِّ والعلانية. وعنه: لا يعتبر التَّرجيع فيه، وأجاب في «الشَّرح»: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أمر

стр. 529

أبا محذورة بذكر الشَّهادتين سرًّا؛ ليحصل له (١) الإخلاص بهما؛ فإنَّه (٢) في الإسرار أبلغ، وخصَّ أبا محذورة بذلك؛ لأنَّه لم يكن مُقِرًّا بهما حينئذٍ؛ فإنَّ (٣) في الخبر: أنَّه كان مستهزئًا يحكي أذان مؤذِّن النَّبيِّ ﷺ ، فسمعه، فدعاه فأمره بالأذان (٤)، وقصد نطقه بهما ليُسلم بذلك، وهذا لا يوجد في غيره، بدليل أنَّه لم يأمر به بلالاً ولا غيره ممَّن هو ثابتُ الإسلام). ويعضُده: أنَّ خبر أبي محذورة متروكٌ بالإجماع؛ لعدم عمل ش (٥) به في الإقامة، هـ (٦) في الأذان. وعنه: هما سواءٌ، وقاله إسحاق؛ لصحَّة الرِّواية بهما. وأمَّا تثنية (٧) الإقامة فهي كالأذان؛ لأنَّ في حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه أقام مثل أذانه» رواه أبو داود (٨)،

стр. 530

ولا تكره (١) تثنيتها. (وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ) بعد الحَيعلتَين: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ (٢)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ لأبي محذورة: «فإذا كان أذانُ الفجر فقل: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتينِ» رواه أحمد وأبو داود (٣)، وفي (٤) رواية: «أنَّ بلالًا جاء ذات يومٍ فأراد أن يدعو رسول الله ﷺ ، فقيل له: إنَّه نائِمٌ، قال: فصرخ بأعلى صوته: الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم مرَّتين» (٥)، قال ابن المسيَّب: فأُدخلت هذه الكلمة في التَّأذين إلى صلاة الفجر. وقيل: يجب، وجزم به (٦) في «الرَّوضة». ويسمَّى هذا التَّثويب؛ لأنَّه مِنْ ثاب - بالمثلَّثة - إذا رجَع؛ لأنَّ المؤذِّن دعا إلى الصَّلاة بالحيعلتين، ثمَّ عاد إليها، وقيل: سمِّي به لما فيه من الدعاء. وظاهره: أنَّه يقوله ولو أذَّن قبل الفجر، وأنَّه يكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة؛ لقول بلالٍ: «أمرني رسول الله ﷺ أن أثوِّبَ في الفجر،

стр. 531

ونهاني أن أثوِّبَ في العشاء» رواه أحمد وغيره (١)، واختصَّت بذلك لأنَّه وقتٌ ينام النَّاس فيه غالبًا، فشُرع ذلك للحاجة. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ)؛ أي: يتمهَّل ويتأنَّى، من قولهم: جاء فلان على رِسْله، (فِي الْأَذَانِ، وَيَحْدُرَ)؛ أي: يُسْرِع (الْإِقَامَةَ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبلال: «يا بلال! إذا أذَّنتَ فترسَّلْ، وإذا أقمتَ فاحدُر» رواه التِّرمذي، وقال: (لا نعرفه إلَّا من حديث عبد المنعم صاحب السِّقاء، وهو إسناد مجهول)، ورواه الحاكم في «مستدركه» (٢)، وعن عمرَ معناه، رواه أبو عبيد (٣)، ولأنَّه إعلام الغائبين، فالتَّثبُّت فيه أبلغ، والإقامة إعلام الحاضرين، فلا حاجة إليه فيها. ويسنُّ أذانُه أوَّل الوقت، وأن يقف على كلِّ جملة، قال جماعة: هما مجزومان، وحكي عن أهل اللغة، قال إبراهيم النَّخَعي: (شيْئان مجزومان كانوا لا يُعربونهما: الأذانُ والإقامةُ) (٤).

стр. 532

(وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا)؛ لما روى أبو قتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبلالٍ: «قم فأذِّن» (١)، وكان مؤذِّنوه ﵇ يؤذِّنون قيامًا، قال ابن المنذر: (أجمع كلُّ من نحفظ عنه أنَّه من السُّنَّة) (٢)؛ لأنَّه أبلغ في الاستماع. وظاهره: أنَّه إذا أذَّن قاعدًا أنَّه يصحُّ لكن مع الكراهة، صرَّح به في «الشَّرح» وغيره؛ كالخُطبة قاعدًا. وعنه: لا يعجبني، وبعَّده ابن حامد. فإن كان لعذر؛ جاز. ولم يذكروا الاضطجاع، ويتوجَّه (٣) الجوازُ، لكن يكره لمخالفة السُّنَّة. والماشي كالراكب، وظاهره: الكراهة، وهو رواية. وعنه: لا (٤). وعنه: يكره حضَرًا. وقال ابن حامد: إن أذَّن قاعدًا أو مشى فيه كثيرًا بطل، وهو رواية (٥) في الثانية. وأمَّا الإقامة؛ فتكره ماشيًا أو راكبًا، نَصَّ عليه (٦). وعنه: لا. وقال في «الرِّعاية»: يباحان للمسافر حال مشيه وركوبه في رواية. (مُتَطَهِّرًا) من الحدَثين الأصغرِ والأكبرِ؛ لقول رسول الله ﷺ : «لا يؤذِّن إلَّا متوضِّئٌ» رواه التِّرمذي والبيهقي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وموقوفًا عليه، وقالا: هو أصحُّ (٧).

стр. 533

وحكم الإقامة كذلك. فإن أذَّن أو أقام محدثًا؛ فظاهر كلام جماعة، وصرَّح به في «الشَّرح»: أنَّه يصحُّ مع الكراهة. وقدَّم ابن تميم والجَدُّ: عدمها، نَصَّ عليه (١)، وهو المذهب؛ كقراءة القرآن. وفي «الرِّعاية»، وهو ظاهر ابن تميم: أنَّها تكره الإقامة قولًا واحدًا؛ للفصل بينها وبين الصَّلاة. فإن كان جُنبًا؛ فإنَّه يصحُّ على الأصحِّ مع الكراهة؛ لأنَّه أحد الحدَثين، فلم يمنع صحَّته كالآخر. والثاني (٢): لا، اختاره الخِرَقِيُّ، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ؛ لأنَّه ذكرٌ مشروعٌ للصلاة أشبه القراءة. وعلى الصِّحَّة: إن أذَّن في مسجد مع جواز لُبثه فيه؛ صحَّ، ومع تحريمه فهو كالأذان في مكان غصب، وفيه روايتان: أصحُّهما: الصِّحَّة؛ لعدم اشتراط البقعة له، لكن مع الإثم، قاله ابن تميم. وعدمها، وهو اختيار ابن عقيل، ومقتضى قول ابن عبدوس؛ فإنَّه قطع باشتراط الطَّهارة له. وفي «الرِّعاية»: يسنُّ أن يؤذِّن متطهِّرًا من نجاسة بدنه وثوبه، وربَّما

стр. 534

يحتمله (١) كلام المؤلِّف. (عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ)؛ أي: مرتفِع؛ كالمنارة ونحوها؛ لحديثٍ رواه أبو داود (٢)، ولأنَّه أبلغ في الإعلام، فلو خالف؛ صحَّ وكُره؛ كالخُطبة. (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ)؛ لما روى أبو داود مرسلًا: «أنَّ الذي رآه عبد الله بن زيد استقبل وأذَّن» (٣)، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّه من السُّنَّة (٤)، ولأنها أشرف الجهات، فلو خالف فكالذي قبله. (فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ) وهي كلمة مولَّدة ليست من كلام العرب، كما يقال: بَسْمل، وسَبْحل، وهَيْلل ونحوها (٥)؛ (الْتَفَتَ) برأسه وعنقه وصدره، وظاهر «المحرَّر»: أنَّه لا يلتفت بصدره، (يَمِينًا وَشِمَالًا)؛ فيقول يمينًا: حيَّ على

стр. 535

الصَّلاة، ثمَّ يعيده يسارًا، ثمَّ كذلك حيَّ على الفلاح. وقيل: يقول يمينًا: حيَّ على الصَّلاة، ثمَّ يسارًا: حيَّ على الفلاح، ثمَّ كذلك ثانيةً، وهو سهو. والأَوْلى أن يقول يمينًا: حيَّ على الصَّلاة مرَّتَين، ويسارًا: حيَّ على الفلاح مرَّتينِ. (وَلَمْ يَسْتَدِرْ)؛ أي: لا يزيل قدميه، قدَّمه جماعة، وهو ظاهر الخِرَقي، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو جُحَيفةَ قال: «أتيت النَّبيَّ ﷺ وهو في قبَّة حمراء من أَدَمٍ، فخرج وتوضَّأ، فأذَّن بلالٌ، فجعلتُ أتَتَبَّع فاهُ ههنا وههنا، يقول يمينًا وشمالًا: حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفلاحِ» متَّفقٌ عليه (١)، ورواه أبو داود، وفيه: «فلمَّا بلغ حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الفلاحِ؛ لَوَى عنقَه يمينًا وشمالًا، ولم يَستَدِرْ» (٢). وظاهره: لا فرق فيه (٣) بين المنارة وغيرها، وهو المشهور، وكأنَّه لم يعجبه الدَّوَران في المنارة، وكما لو كان على وجه الأرض. وعنه: يُزيل قدمَيه في المنارة ونحوها، نصره في «الخلاف»، واختاره المجْد، وجزم به في «الرَّوضة»؛ لأنَّه لا يحصل المقصود بدون ذلك، زاد أبو المعالي: مع كِبَر البلد؛ للحاجة. وظاهره: أنَّه لا يلتفت في الإقامة، وهو وجه، قاله أبو المعالي (٤)، وجزم به الآجُرِّي وغيره. والثَّاني: يلتفت فيها في الحَيعلة.

стр. 536

ويرفع صوتَه مقدار طاقته، ولا يُجهِد نفسَه؛ لئلَّا ينضرَّ (١)، ما لم يؤذِّن لنفسه أو لجماعة حاضرين، وتُكرَه الزِّيادة، وعنه: التَّوسُّط أفضل. (وَيَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ)؛ أي: سبَّابتَيه (فِي أُذُنَيْهِ)، هذا هو المذهب، قال التِّرمذي: (والعمل عليه عند أكثر أهل العلم)؛ لما روى أبو جُحَيفةَ: «أنَّ بلالًا وضع أصبعَيه في أذنَيه» رواه أحمد والتِّرمذي وصحَّحه، وأمر ﵇ بلالًا بذلك، وقال: «إنَّه أرفَعُ لصوتِك» رواه ابن ماجه (٢). وعنه: يَضُمُّ أصابعَه إلى راحتَيه، ويجعلهما على أذنيه، وهو اختيارُ ابن عبدوس وابن البنَّاء وصاحب «البُلغة» فيها، رواه أحمد عن أبي محذورة (٣)، وعن ابن عمر: «أنَّه أمر مؤذِّنًا بذلك» رواه أبو حفص (٤). وعنه: يبسُط أصابعَه مضمومةً على أذنيه، جزم به في «التَّلخيص»، زاد السَّامَرِّيُّ عليها: دون الإبهام والرَّاحة، وقدَّمه في «الرِّعاية».

стр. 537

قال في «الشَّرح»: (والأوَّل أصحُّ؛ لصحَّة الخبر وشهرته وعمل أهل العلم به)؛ ليجتمع الصَّوْتُ، ويَستدِلَّ الأصمُّ على كونه أذانًا، وأيَّهما فَعَل فحسنٌ. ويرفع وجهَه (١) إلى السَّماء فيه كلِّه، نَصَّ عليه في رواية حنبلٍ (٢)؛ لأنَّه حقيقة التَّوحيد، وفي «المستوعب»: عند (٣) كلمة الإخلاص، وقيل: والشَّهادتين، قاله في «الرَّعاية». (وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا)؛ لما في حديث [زياد] (٤) بن الحارث الصُّدائي حين أذَّن قال: فأراد بلالٌ أن يقيمَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «يُقِيم أخو صُداء، فإنَّ من أذَّن فهو يُقِيم» رواه أحمد وأبو داود، وقال التِّرمذي: (إنَّما نعرفه من حديث (٥) الإفريقيِّ، وهو ضعيف عند أهل الحديث) (٦)؛ ولأنَّهما ذِكرانِ يتقدَّمانِ الصَّلاة، فسُنَّ أن (٧) يتولَّاهما واحد؛ كالخُطبتين. وعنه: لا فرق بينه وبين غيره، ذكره أبو الحسين؛ لقوله ﵇ لعبد الله بن زيد: «ألقِهِ على بلال»، فألقاه عليه، فأذَّن، ثمَّ قال له: «أقم أنت» رواه أبو داود (٨)،

стр. 538

ولأنَّه يحصل (١) المقصود منه، أشبه ما لو تولَّاهما (٢) واحد، وهو محمول على الجواز، والأول على الاستحباب. ولو سُبق المؤذِّنُ بالأذان، فأراد المؤذِّنُ أن يقيم؛ فقال أحمد: (لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة) (٣)، فإن أقام من (٤) غير إعادة؛ فلا بأس. (وَيُقِيمُ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ)؛ لقول بلال للنَّبيِّ ﷺ : «لا تَسبِقني بآمين» (٥)؛ لأنَّه لو كان يقيم في المسجد لما خاف أن يسبقه بها، كذا استنبطه الإمام أحمد (٦)، ولقول ابن عمر: «كنَّا إذا سمعنا الإقامة توضَّأنا ثمَّ خرجنا إلى الصَّلاة» (٧)، ولأنَّه أبلغ في الإعلام كالخطبة الثَّانية. (إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ)؛ مثل أن يؤذِّن في منارةٍ أو مكانٍ بعيدٍ من المسجد، فإنَّه يقيم في غير موضع أذانه؛ لئلَّا يفوته بعض الصَّلاة؛ لا مكان صلاته،

стр. 539

لكن لا يقيم إلا بإذن الإمام؛ لفعل بلال (١). (وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا)؛ لأنَّه ذكر معتدٌّ به، فلا يجوز الإخلال بنظمه؛ كأركان الصَّلاة. (مُتَوَالِيًا) عُرْفًا؛ لأنَّه لا يحصل المقصود منه - وهو الإعلام بدخول الوقت - بغير موالاة، وشُرع في الأصل كذلك، بدليل أنَّه ﵇ عَلَّم أبا محذورة مرتَّبًا متواليًا (٢). (فَإِنْ نَكَّسَهُ) لم يصحَّ؛ لما ذكرنا. (أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ، أَوْ مُحرَّمٍ؛ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ)؛ إذا طال بين جُمَله، إمَّا بالسُّكوت الطَّويل أو الكلام المباح الكثير؛ بطل؛ لإخلاله بالموالاة المشترَطة. ومثله نومٌ كثيرٌ أو إغماءٌ أو جنونٌ. وظاهره: أنَّ السُّكوت والكلام المباح اليسير لا يبطلانه، بل هو جائز؛ «لأنَّ سليمان بن صُرَدٍ - وله صحبةٌ - كان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه» (٣). ويردُّ (٤) السَّلام، لكن يُكره ذلك إذا كان لغير حاجة.

стр. 540

فإن كان التَّفريق بالمحرَّم؛ كالسَّبِّ والقذْف؛ لم يعتدَّ به؛ لأنَّه فعل يخرجه عن أهلية الأذان؛ كالرِّدَّة، وظاهره: وإن كان يسيرًا، وجزم به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وعلَّله المجْد: بأنَّه قد يظنُّ (١) سامعه متلاعبًا، أشبه المستهزئ، وعلَّله المؤلِّف: بأنَّه محرَّم فيه، زاد بعضهم: كالرِّدَّة، فدلَّ أنَّ كلَّ محرَّمٍ سواء. والثَّاني: يعتدُّ (٢) به؛ لأنَّه لم يخلَّ بالمقصود، أشبه المباح. وظاهره: أنَّه إذا ارتدَّ بعد فراغه أنَّه لا يبطل، وهو الصَّحيح، بخلاف الطَّهارة؛ فإنَّ حكمَها باقٍ. وقال (٣) القاضي: يبطُل؛ قياسًا عليها. وحكم الإقامة كذلك، قال أبو داود: (قلت لأحمد: الرَّجل يتكلَّم في أذانه؟ قال: نعم، قلت له (٤): يتكلَّم في الإقامة؟ قال: لا) (٥)، ولأنَّه يستحبُّ حدرُها. ويعتبر معهما: النِّيَّة، واتِّحاد المؤذِّن، فلو أتى واحدٌ ببعضه وآخر ببقيَّته؛ لم (٦) يصحَّ؛ كالصَّلاة. مسألة: لا تُعتَبر موالاةٌ بين الإقامة والصَّلاة إذا أقام عند إرادة الدُّخول في الصَّلاة، ويجوز الكلام بينهما (٧)، وكذا بعد الإقامة قبل الدُّخول فيها، رُوي

стр. 541

عن عمر ﵁ (١). (وَلَا يَجُوزُ)؛ أي: لا يَصحُّ (إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ)؛ لما رَوى مالك بن الحُوَيْرِثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا حضرت الصَّلاة؛ فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُكم»، متَّفق عليه (٢)، ولأنَّه شُرِع للإعلام بدخول الوقت، وهو حثٌّ على الصَّلاة، فلم يصحَّ في وقت لا تصحُّ (٣) فيه؛ كالإقامة. وفي «الرِّعاية» رواية بالكراهة، وفيه نظرٌ؛ للإجماع على خلافها (٤). والمستحبُّ أن يكون في أوَّل الوقت؛ لفعل بلالٍ، رواه ابن ماجه (٥). وظاهره: أنَّه يجوز مطلقًا ما دام الوقتُ باقيًا، والمنعُ منه فيما بعده. ويتوجَّه بسقوط مشروعيته بفعل الصَّلاة. (إِلَّا الْفَجْرَ)؛ فإنَّه يجوز قبل الوقت، نَصَّ عليه (٦)، وصحَّحه جماعة؛ لقول النبي ﷺ : «إنَّ بلالًا يؤذِّنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابنُ أمِّ مكتومٍ» متَّفقٌ عليه، زاد البخاريُّ: «وكان رجلًا أعمى لا يُنادِي حتَّى يقال له:

стр. 542

أصبحتَ أصبحتَ» (١)، ولأنَّ وقتها يدخل على الناس وفيهم الجُنب والنَّائم، فاستُحبَّ تقديم أذانه حتَّى يتهيَّؤوا لها، فيدركوا فضيلة (٢) أوَّل الوقت. وذكر في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّه لا يجوز أن يَتقدَّم على الوقت كثيرًا؛ لما في الصحيح من حديث عائشة، قال القاسم: «ولم يكن بين أذانهما إلَّا أن يَنزِل (٣) ذا، ويَرقَى ذا» (٤). قال البَيْهَقِي: (مجموع ما رُوي في تقدم (٥) الأذان قبل الفجر إنَّما هو بزمنٍ يسيرٍ، وأمَّا ما يُفعل في زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير، فخلاف السُّنَّة إن سُلم جوازه) (٦)، وفيه نَظَرٌ. وعنه: لا يصحُّ قبل الوقت لها؛ كغيرها. ثمَّ نبَّه على وقت الجواز فقال (٧): (فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأنَّ (٨) مُعظَمَه قد ذهب وقرُب الأذان، وبذلك يخرج وقت العشاء المختار، ويدخل وقت الدَّفْع من مُزدلِفة، ورميِ جمرة العقبة، روى الأثْرَم قال: (كان مؤذِّن دِمشْق يؤذِّن لصلاة الصُّبح في السَّحَر بمقدار ما يسير الرَّاكب ستة أميال، فلا ينكره مكحول). وقيَّده في «الكافي» و «الشَّرح»: بأن يجعله في وقت واحد في اللَّيالي

стр. 543

كلِّها، فلا يتقدَّم ولا يتأخَّر؛ لئلَّا يغترَّ (١) النَّاس. وظاهره: الاِعتِداد به، وأنَّه (٢) لا فرق فيه بين رمضان وغيره، وصحَّحه في «الشَّرح» في حقِّ من عرف (٣) له عادةٌ بالأذان فيه، واختاره جماعةٌ، وعليه العمل، لكن نصَّ أحمد (٤)، وجزم به في «الوجيز»: أنَّه يُكرَه قبل الفجر فيه لئلَّا يغترَّ النَّاس فيَترُكوا سُحورَهم. ويستحبُّ لمن أذَّن قبله أن يكون معه من يؤذِّن في الوقت؛ للخبر، واشترطه طائفة من علماء الحديث. وألحق الشِّيرازِيُّ الجمعةَ به، فأجازه قبل الوقت؛ ليدركها من بَعُدَ منزله، واستثنى ابن عبدوس مع الفجر: الصَّلاة المجموعة، وفيه نظر؛ لأنَّ وقتهما كالواحد (٥). (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يُقِيمَ)، كذا في «الوجيز»؛ لما روى تَمَّامٌ في «فوائده» بإسناده عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «جلوس المؤذِّن بين الأذان والإقامة في المغرب؛ سُنَّة» (٦)، وقيَّده في «المحرَّر» وغيره بقدر ركعتَين، قال بعضهم: خفيفتَين، وقيل: والوضوء، وقد روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لبِلالٍ: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدْر ما يَفرغ (٧) الآكِل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء

стр. 544

حاجته» رواه أبو داود والتِّرمذي (١). وقيل: بقدر الوضوء والسَّعي، وفي «التَّبصرة»: بقدر حاجته ووضوئه، زاد الحَلْوانِيُّ: وصلاة ركعتين، وهذا كلُّه إذا سُنَّ تعجيلها، ولأنَّ الأذان شُرِع للإعلام، فيسنُّ تأخير الإقامة للإدراك، كما يستحبُّ تأخيرها في غيرها، وكذا كل صلاة، فيسنُّ تقديمها؛ لعموم النَّص. وظاهره: أنَّه لا تُستَحَبُّ الرَّكعتان قبلها في الظَّاهر عنه، ولا يُكرَه فعلُهما قبلها في المنصوص (٢). وعنه: يسنُّ؛ للحديث الصحيح (٣). وعنه: بين كل أذانين صلاة، قاله ابن هُبَيرة في غير المغرب. (وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ)، سواءً كان جمع تقديمٍ أو تأخيرٍ (٤)، (أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ؛ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا)، جزم به أكثر الأصحاب؛ لما رَوى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جمع بين الظُّهر والعصر بعرَفةَ، وبين المغرب والعشاء بمُزدَلِفةَ، بأذانٍ وإقامتَين» رواه مسلم (٥). وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يؤذِّن لكلِّ واحدة منهما ويقيم، قال في «الشَّرح»: وهو مخالِف (٦) للسُّنَّة الصَّحيحة. وعنه: إن جمع بينهما بإقامة فلا بأس، وهو الذي في «الشَّرح»، وخصَّه

стр. 545

بما إذا كان الجمع في وقت الثَّانية؛ لأنَّ الأولى مفعولةٌ في غير وقتها، فهي كالفائتة، والثَّانية مسبوقةٌ بصلاة، فلم يشرع لها؛ كالثَّانية من الفوائت، بخلاف جمع التَّقديم؛ لأنَّ الأُولى مفعولةٌ في وقتها، أشبه ما لم تجمَعْ. وأمَّا قضاء الفوائت؛ فلما روى أبو عُبَيدةَ عن أبيه (١) عبد الله بن مسعود: «أنَّ المشركين يوم الخندق شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتَّى ذهب من اللَّيْل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذَّن (٢)، ثمَّ أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثمَّ أقام فصلَّى العصرَ، ثمَّ أقام فصلَّى المغربَ، ثمَّ أقام فصلَّى العشاءَ» رواه النَّسائي والتِّرمذي، ولفظه له، وقال: (ليس بإسناده بأس، إلَّا أنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه) (٣). وقيَّده في «الشَّرح»: بما إذا كان في الجماعة (٤)، فإن كان وحده؛ كان استحباب ذلك في حقِّه أدنى؛ لأنَّ الأذان والإقامة للإعلام، ولا حاجة إليه هنا. وعنه: لا بأس بالاكتفاء لهنَّ بإقامة واحدة إذا أذَّن. وعنه: يقيم من غير أذان. وكذا لو قضاها متفرِّقاتٍ من غير موالاة، فأمَّا إذا كانت واحدةً؛ فيؤذِّن لها ويقيم.

стр. 546

وصرَّح في «الكافي»: أنَّه يُسنُّ الأذانُ للفائتة، ثمَّ إن خاف من رفع صوته أسرَّ (١)، وإلَّا جهر، فلو ترك الأذان لها؛ فلا بأس. (وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ) وهو الذي يفهم الخطاب ويردُّ الجواب، ولا ينضبط بسنٍّ، بل يختلف باختلاف الأفهام، كذا قيل، والصَّواب ضبطه به، (لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أولاهما: الصِّحَّة، نصره القاضي وغيره، وقدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز» مع الكراهة؛ لما روى ابن المنذِر بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: «كان عمومتي يأمرونني أن أؤذِّن لهم وأنا غلام لم أحتلم، وأنس شاهد ذلك ولم ينكره» (٢)، وهذا ممَّا يظهر ولا يخفى، فكان كالإجماع، ولأنَّه ذَكَرٌ تصحُّ (٣) صلاته، فصحَّ أذانه كالبلَّغ. والثَّانية: لا يصحُّ، قدَّمها في «الفروع»، واختارها جماعةٌ؛ لأنَّه لا يُقبل خبرُه، فلم يحصل الإعلام بأذانه، أو بأنَّه فرض كفاية، وفِعله نفل، وهو أولى. قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (يتخرَّج فيه روايتان؛ كشهادته وولايته) (٤). وظاهره: أنَّ المراهِق يصحُّ أذانُه (٥)، وهو كذلك، نقله حنبلٌ (٦). (وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ) أي: العاصي؛ لأنَّ الفِسقَ لغة: العصيان، والتَّرك لأمر الله، والخروج عن طريق الحقِّ، وشرعًا: مَنْ فَعَل كبيرةً، أو أَكْثَرَ

стр. 547

من الصغائر، والكبيرةُ: ما فيها (١) حدٌّ في الدُّنيا أو وعيد في الآخرة، نَصَّ عليه (٢)، (وَالْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ) الذي فيه تطريبٌ، يقال: لحَّن في قراءته، إذا طرَّب بها وغرَّد؛ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، وكذا في «المحرَّر»: أحدهما: لا يصحُّ أذان الفاسق، صحَّحه في «التَّلخيص» و «الرِّعاية»، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ؛ لأنَّه لا يُقبل خبره، ولأنَّه ﵇ وصفه بالأمانة (٣)، والفاسق غير أمين، وكامرأةٍ وخُنثى. والثاني: صحَّته كالإمامة (٤)؛ لأنَّه مشروع لصلاته، وهو من أهل العبادة، وجزم به في «الوجيز» مع الكراهة. فإن كان مستورَ الحال؛ فيصحُّ بغير خلاف نعلمه، قاله في «الشَّرح». ويصحُّ في الأصحِّ أذان الملحن والملحون مع بقاء المعنى مع الكراهة، قال القاضي: كقراءة الألحان، قال أحمد: (كلُّ شيءٍ محدث أكرهه (٥)، مثل التَّطريب) (٦)، ولأنَّه يحصل به المقصود. والثَّاني: لا يصحُّ؛ لما روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابن عبَّاس قال: كان للنَّبيِّ ﷺ مؤذِّنٌ يُطرِّب، فقال ﵇: «الأذانُ (٧) سَهْلٌ سَمْحٌ، فإن كان أذانُك سَهْلًا سَمْحًا، وإلَّا فلا تؤذِّن»، وذكره ابنُ الجَوْزِيِّ في «الموضوعات» (٨).

стр. 548

فلو أحال أحدُهما معنًى، كما لو نصب لامَ «رسول»؛ لأنَّه أخرجه عن كونه خبرًا، ومدَّ لفظةَ «أكبر»؛ لأنَّه يجعل فيها ألفًا، فتصير (١) جمع كَبَرٍ، وهو الطَّبْل، وأسقط الهاء من اسم الله والصَّلاة؛ بطل. وتكره لُثْغَةٌ فاحِشةٌ، وإلَّا فلا بأس؛ لأنَّه (٢) روي: «أنَّ بلالاً كان يجعل الشِّينَ سينًا»، وفيه شيء (٣)، والفصيح أحسن وأكمل. (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ؛ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز» نَصَّ عليه (٤)، ولا نَعلَم خلافًا في استحبابه (٥)؛ لما رَوى عمرُ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذا قال المؤذِّن: اللهُ أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فقال: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصَّلاة، فقال: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال:

стр. 549

لا حول ولا قوَّة إلا بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إله إلا اللهُ، قال: لا إله إلا اللهُ، مخلِصًا من قلبه، دخل الجنَّة» رواه مسلم (١)، قال الأثرم: (هذا من الأحاديث الجياد)، ولأنَّه خطاب، فإعادته عَبَثٌ، بل سبيله الطَّاعة وسؤال الحَول والقوَّة. وتكون الإجابة عَقِيبَ كل كلمة؛ أي: لا يُقارِن، ولا يتأخَّر، وقيل: يوافقه في الحيعلة مع قول ذلك؛ ليجمع بينهما (٢). وقال الخِرَقِيُّ وغيرُه (٣): يقول كما يقول؛ لما روى أبو سعيد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا سمعتم النِّداءَ فقولوا مثل ما يقولُ» متفق عليه (٤)، قال الزَّرْكَشِيُّ: (وهو المذهبُ)، وفيه نظر. ولا فرق بين المؤذِّن والسَّامع، نَصَّ عليهما (٥)، ولا الجنب والحائض؛ للخبر (٦)، وظاهره: ولو في طوافٍ وقراءةٍ؛ لأنَّ ذلك يفوت، بخلافهما. ويُستثنى منه: المصلِّي، ولو نفلًا، وتبطل (٧) بالحيعلة، قال أبو المعالي: (إن لم يعلم أنَّها دعاء إلى الصَّلاة، فروايتا ساهٍ (٨)، لكن يجيبه إذا فرغ، قاله في «الكافي»، وكذا المتخلِّي، قاله أبو المعالي.

стр. 550

ومقتضى كلامه: أنَّ المؤذِّن لا يجيب نفسه، وهو ظاهر كلام جماعة، وصرَّح آخرون باستحبابه؛ كالسَّامع، وأن يقولا ذلك خُفْيةً، نَصَّ عليه. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمالٌ: تجب إجابته؛ للأمر، وظاهر كلامهم: أنَّه يجيب ثانيًا وثالثًا حيث سُنَّ، واختاره الشَّيخ تقِيُّ الدِّين) (١)، لكن لو سمع المؤذِّنَ وأجابه، وصلَّى في جماعة؛ لا يجيب الثَّاني؛ لأنَّه غير مدعوٍّ بهذا الأذان (٢). زاد المؤلِّف: (الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ)، وتتبَّعت ذلك فوجدته في المسنَد من حديث أبي رافِعٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا سمع المؤذِّنَ قال مثلَ ما يقول، حتَّى إذا بلغ: حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الفلاحِ؛ قال: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيمِ» رواه الطبراني في «معجمه الكبير»، وإسنادُه فيه لِينٌ (٣). ويقول في التَّثويب: صدَقتَ وبَرِرتَ، وفي الإقامة عند لفظها: أقامها الله وأدامها، زاد في «المستوعب» و «التَّلخيص»: ما دامت السماوات والأرض، ويقول ذلك خُفْيةً (٤). فائدةٌ: معنى (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله): إظهار الفقر، وطلب المعونة منه

стр. 551

في كل الأمور، وهو (١) حقيقة العبودية (٢). وقال أبو الهَيْثم (٣): (أصل: «لا حول» من حالَ الشيءُ، إذا تحرَّك، يقول (٤): لا حركة ولا استطاعة إلَّا بالله) (٥). وقال ابن مسعود: «معناه: لا حول عن معصية الله إلَّا بعصمة الله، ولا قوَّة على طاعته إلَّا بمعونته» (٦)، قال الخَطَّابي: (هذا أحسن ما جاء فيه) (٧). ويقال: لا حِيل، لغة حكاه الجوهري (٨). وعبَّر عنها الأزهري (٩): بالحَوقلة (١٠)، وتبِعه في «الوجيز»، على أخذ الحاء من حول، والقاف من قوَّة، واللَّام من اسم الله تعالى. (وَيَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ) كلٌّ من المؤذِّن وسامِعه: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ

стр. 552

التَّامَّةِ، والصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الذِي وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ)؛ لما روى جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من قال حين يَسمَع النِّداءَ: اللَّهمَّ ربَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاريُّ، ورواه النَّسائي وأبو حاتم والبَيْهَقِيُّ: «وابعثه المقام المحمود» معرَّفيْنِ كما ذكره المؤلِّف، ولم يثبت فيه «الدَّرجة الرَّفيعة»، وروى البيهقي في «سننه» في آخره: «إنَّك لا تخلف الميعاد» (١). وظاهره: أنَّه لا يستحبُّ غير (٢) ذلك. وفي «الرِّعاية»: أنَّه يرفع بصره إلى السَّماء، ويدعو بما ورد. قال أحمد: (إذا سألتم الله حاجةً، فقولوا: في عافية) (٣). ثمَّ يصلِّي على النَّبيِّ ﷺ ؛ لما روى عبد الله بن عمرو (٤) مرفوعًا: «إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثل ما يقول المؤذِّن، ثمَّ صلُّوا عليَّ؛ فإنَّه من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه (٥) بها عشرًا، ثمَّ سَلُوا اللهَ لي الوسيلةَ؛ فإنَّها منزلةٌ في الجنَّة لا ينبغي أن تكون (٦) إلَّا لعبدٍ من عباد (٧) الله، وأرجو أن أكون أنا

стр. 553

هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» رواه مسلم (١). ولم يذكروا السَّلام معه، فظاهره: أنَّه لا يكره بدونه، وقد ذكر النَّووي أنه يكره؛ للنَّصِّ (٢). تذنيب: «اللَّهمَّ» أصله: يا الله، والميم بدل من يا، قاله الخليل وسيبويه، وقال الفراء: أصله: يا الله أُمَّنا بخير، فحذف حرف النِّداء، ولا يجوز الجمع بينهما إلَّا في الضَّرورة (٣). و «الدَّعوة»: بفتح الدال هي دعوة الأذان، سمِّيت تامَّة لكمالها، وعِظَم موقعها، وسلامتها من نقص يتطرَّق إليها. وقال الخَطَّابي: (وصفها بالتَّمام؛ لأنَّها ذكر الله يُدعَى بها إلى طاعته، وهذه الأمور التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سواها من أمور الدنيا فإنَّه معرَّض للنَّقص والفساد) (٤). وكان الإمام أحمد يستَدِلُّ بهذا على أنَّ القرآن غير مخلوق، قال: (لأنَّه ما من مخلوق إلَّا وفيه نقص). و «الصَّلاةُ القائمةُ»: التي ستقوم وتفعل بصلاتها. و «الوسيلةُ»: منزلةٌ عند الملِك، وهي منزلةٌ في الجنَّة. و «المقامُ المحمودُ»: الشَّفاعة (٥) العُظْمى في موقف القيامة؛ لأنَّه يحمده فيها الأوَّلون والآخرون.

стр. 554

والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد (١) الله تعالى؛ إظهار كرامته وعظيم منزلته. وقد وقع منكَّرًا في الصَّحيح؛ تأدُّبًا مع القرآن، فيكون قوله: «الذي وعدته» منصوبًا على البدلية، أو على إضمار فعل، أو مرفوعًا على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف. مسائل: الأولى: إذا دخل المسجد: لم يركع (٢) حتَّى يفرُغ، نَصَّ عليه (٣)؛ ليجمع بين الفضيلتَين. وعنه: لا بأس. قال في «الفروع»: (ولعلَّ المرادَ غير أذان الجمعة؛ لأنَّ سماع الخطبة أهم، واختاره صاحب «النَّظم»، ولا يقوم القاعد حتَّى يفرُغ)، أو يقرُب فراغه، نَصَّ على معنى ذلك (٤)؛ لأنَّ الشَّيطان ينفر حين يسمع النِّداء. الثَّانية: يعمل بالأذان في دارنا، وكذا (٥) دار حرب (٦) إن علم إسلامه. الثَّالثة: لا يؤذِّن غيرُ الرَّاتب إلَّا بإذنه، إلَّا أن يُخاف فَوْت (٧) الوقت؛ فيؤذِّن غيره. الرَّابعة: يُستَحَبُّ الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «لا يُردُّ

стр. 555

الدُّعاءُ بين الأذانِ والإقامةِ» رواه أحمد، والتِّرمذي وحسَّنه (١)، وعند الإقامة، فَعلَه أحمدُ ورفع يدَيْه (٢). وعن ابن عمر مرفوعًا: «تُفتح أبواب السَّماء لقراءة القرآن، ولِلِقاء الزَّحف، ولنزول القَطْر، ولدعوة المظلوم، وللأذان» رواه الحاكِمُ بإسنادٍ ضعيفٍ (٣).

стр. 556

(بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ) الشُّروط: جمع شَرْط؛ كفلوس جمع فَلْس، والشَّرائط: جمع شَرِيطة، قاله الجوهري (١). والأشراط واحدها (٢): شرَط بفتح الرَّاء، وسمِّي شرَطًا؛ لأنَّه علامة على المشروط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محَمَّد: ١٨]. وفي الاصطلاح: هو (٣) ما يَلزَم من انتفائِه انتفاءُ الحُكم؛ كالإحصان مع الرَّجم، فالشَّرط ما لا يُوجَد المشروطُ مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده. وهو عقْليٌّ؛ كالحياة للعلم. ولُغوِيٌّ؛ ك: إن دخلتِ الدَّار فأنتِ طالِقٌ. وشَرْعيٌّ؛ كالطَّهارة للصَّلاة. وقال بعضهم (٤): هو ما يتوقَّف على صحَّة الشَّيء إن لم يكن عذر، ولا يكون منه. (وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا)؛ أي: يتقدَّم على الصَّلاة ويسبِقها، ويجب استمرارها فيها، وبهذا المعنى فارقت الأركان. (وَهِيَ سِتٌّ)، كذا بخط المؤلِّف بغير هاء، وقياسه ستَّة بالهاء؛ لأنَّ واحدها شرط، وهو مذكَّر يلزم الهاء في جمعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحَاقَّة: ٧]،

стр. 557

فكأنَّه قال: شرائط الصَّلاة، وهي ست كما ذكره في «الهداية» و «العمدة»: (أوَّلُهَا: دُخُولُ الْوَقْتِ)؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسرَاء: ٧٨]، قال ابن عبَّاس: «دُلوكها إذا فاء الفيء» (١)، ويقال: هو غروبها، وقيل: طلوعها، وهو غريب، قال عمرُ: «الصَّلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصحُّ إلاَّ به» (٢)، وحديث جبريل حين أمَّ النَّبيَّ ﷺ في الصَّلوات الخمسِ، ثمَّ قال: «يا محمَّدُ! هذا وقت الأنبياء من قبلك» (٣). فالوقت سبب وجوب الصَّلاة؛ لأنَّها تضاف إليه، وهي تدلُّ على السببية، وتتكرَّر (٤) بتكرُّره، وهو سبب نفس الوجوب؛ إذ سبب وجوب الأداء الخطاب (٥). (وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ)؛ لقوله ﷺ : «لا يقبل اللهُ صلاةَ أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ» متَّفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ (٦)، ولقوله ﷺ : «لا يَقبَل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلول» رواه مسلم من حديث ابن عمر (٧).

стр. 558

(وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ) في اليوم واللَّيلة، وأجمع المسلمون على ذلك، وأنَّ غيرها لا يجب إلاَّ لعارض؛ كالنَّذر، وأمَّا الوتر فسيأتي. والأصل فيه أحاديث؛ منها ما في الصَّحيحين عن أبي ذر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَرض الله على أمَّتي ليلةَ الإسراء خمسين صلاةً، فلم أزل أراجعه وأسأله التَّخفيف حتَّى جعلها خمسًا في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وقال: هي خمسٌ، وهي خمسون في أمِّ الكتاب» (١). وكان قيامُ اللَّيل (٢) واجبًا، فنُسخ في حقِّ الأمَّة، وكذا في حقه ﵇ على الأصحِّ. قال القَفَّالُ في «محاسِن الشَّريعة» (٣): (في الأربع لطيفةٌ حسُن معها عدم الزيادة في الفرض عليها، وهي أنَّك إذا ذكرت آحادها فقلت: واحدٌ، واثنان، وثلاثة، وأربعة، جمعت كلَّ الأعداد، وجدتها عشرة، ولا شيء من الأعداد يخرج أصله عن عشرة). وأراد بالمفروضات: العَينِيّةَ، ولهذا لم يذكر صلاة الجنازة؛ لكونها فرضًا على الكفاية. نعم، يرد عليه الجمعة، فإنها من المفروضات العينية (٤)، ولم تدخل (٥) في كلامه.

стр. 559

(الظُّهْرُ)، واشتقاقها من الظُّهور؛ إذ هي ظاهرة في وسط النَّهار. والظُّهرُ لغةً: الوقت بعد الزَّوال. وشرعًا: اسم للصَّلاة، من باب تسمية الشيء باسم وقته، فقولنا: صلاة الظُّهر؛ أي: صلاة هذا الوقت. وبدأ بها المؤلِّف تَبَعًا للخِرَقِيِّ ومعظم الأصحاب؛ لبَداءة جبريل ﵇ بها لمَّا صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ (١). وبدأ ابن أبي موسى والشِّيرازِيُّ وأبو الخَطَّاب بالفجر؛ لبَداءته ﵇ بها السَّائل (٢)، ولأنَّها أوَّل اليوم، ويعضُده: أنَّ إيجابها كان لَيلاً، وأوَّل صلاة تحضر بعد ذلك هي الفجر، فلم لا بدأ بها جبريل؟! وجوابه: أنَّه يحتمل أنَّه وُجد تصريح بأنَّ أوَّل وجوب الخمس من الظُّهر، ويحتمل أنَّ الإتيان بها متوقِّف على بيانها؛ لأنَّ الصَّلوات مجمَلة، ولم تُبَيَّنْ (٣) إلاَّ عند الظُّهر. والحكمة (٤) أنَّه بدأ بها: إشارة منه (٥) أنَّ هذا الدِّين ظهر أمره، وسطع نوره من غير خَفاء، ولأنَّه لو بدأ بالفجر لختم بالعشاء في ثلث اللَّيل، وهو وقت خفاء، فلذلك (٦) ختم بالفجر؛ لأنَّه وقت ظهور، لكن فيه ضعف؛ إشارةً إلى أنَّ هذا الدِّين في آخر الأمر يضعف. (وَهِيَ الْأُولَى)، قال عياض: (هو اسمها المعروف) (٧)؛ لأنَّها أوَّل صلاة

стр. 560

صلاَّها جبريل بالنَّبيِّ ﵉ معلِّمًا له في اليومين، وتسمَّى أيضًا: الهَجِيرَ؛ لفعلها في وقت الهاجرة. (وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، أجمع العلماء على أنَّ أوَّل وقت الظُّهر إذا زالت الشَّمس (١)؛ لحديث جابر: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جاءه جبريل فقال: قم فصلِّه (٢)، فصلَّى الظُّهر حين زالت الشَّمس، ثمَّ جاءه من الغد للظُّهر، فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الظُّهر حين صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه، ثمَّ قال: ما بين هذين وقت» إسنادُه ثقاتٌ، رواه أحمد والتِّرمذي، وقال البخاريُّ: (هو أصحُّ (٣) شيء في المواقيت)، وصحَّحه ابن خُزَيمة، وللتِّرمذِيِّ وحسَّنه من حديث ابن عباس نحوه (٤)، وفيه: «فصلَّى الظُّهر حين زالت الشَّمس (٥)، وكانت قدر الشِّراك» (٦)، وهو بشين معجمة مكسورة، وراء مهملة، وبالكاف، وهو أحد سُيور النَّعل. ثمَّ اعلم أنَّ الشَّمس إذا طلعت؛ رُفع لكلِّ شاخص ظلٌّ طويل من جانب

стр. 561

المغرب، ثمَّ ما دامت الشَّمس ترتفع فالظِّل ينقص، فإذا انتهت الشَّمس إلى وسط السَّماء، وهي حالة الاستواء؛ انتهى نقصانه، فإذا زال الظِّلُّ أدنى زيادة؛ فهو الزَّوال، فهو إذن ميلُها عن وسط السَّماء (١)، ويختلف فيء الزَّوال فيطول (٢) في الشِّتاء، ويقصر في الصَّيف، لكن لا يقصر ظِلُّه وقت الزَّوال في بعض بلاد خراسان؛ لسير الشَّمس ناحيةً عنها، ذكره ابن حمدان. وذكر السَّامَرِّيُّ وغيرُه: أنَّ ما كان من البلاد تحت وسَط الفَلَك -مثل (٣) مكَّةَ وصنعاءَ في يوم واحِدٍ، وهو أطول أيام السَّنة- لا ظِلَّ ولا فَيْء لوقت الزَّوال، بل يعرف الزَّوال هناك بأن (٤) يظهر للشَّخص فَيْءٌ من نحو المشرق؛ للعلم بكونها (٥) قد أخذت مُغَرِّبة. ويختلف باختلاف الشَّهر والبلد، فأقلُّ (٦) ما تزول في (٧) إقليم الشَّام والعراق -على ما نقله أبو العباس الشِّيحِيُّ (٨) - على قَدَم وثُلُث في نصف

стр. 562

حزيران، ويتزايد إلى أن يبلغ عشرة أقدام وسُدُس في نصفِ كانونَ الأوَّلِ، وهو أكثر ما تزول (١) عليه الشَّمس. فإذا أردت معرفة ذلك (٢): فقف على مستوٍ من الأرض، وعلِّم الموضع الذي انتهى إليه ظلُّك، ثمَّ ضع قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فإذا بلغت مساحة هذا القدر بعد انتهاء النَّقص فهو وقت زوال الشَّمس، وتجب (٣) به الظُّهر. وعُلم منه: أن الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا (٤)، نَصَّ عليه في رواية أبي طالِبٍ (٥). وشرط ابن بَطَّة وابن أبي موسى: مُضِيَّ زمن يتَّسع لأدائها؛ حذارًا من تكليف ما لا يطاق. وجوابه: أنَّه (٦) لا يكلَّف (٧) بالفعل قبل الإمكان حتَّى يلزم تكليف ما لا يطاق، وإنَّما يَثبُت في ذمَّته بفعله إذا قدر؛ كالمُغْمَى عليه. وأمَّا آخره فقال: (إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، وهو المراد بقولهم: سوى (٨) الزَّوال، نَصَّ عليه لما سبق، وصلاَّها

стр. 563

﵇ في حديث أبي موسى -حين سأله السَّائل- حين زالت الشَّمس، ثمَّ أخَّرها في اليوم الثَّاني حتَّى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، وقال: «الوقْتُ فيما بيْن هذَينِ» رواه مسلمٌ (١)، وعن عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعًا: «وقت صلاة الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر» رواه مسلم (٣)، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: متى يكون الظل مثله؟ قال: (إذا زالت الشمس (٤) فكان الظلُّ بعد الزوال مثله) (٥). ومعرفة ذلك: أن يضبط ما زالت عليه الشمس، ثمَّ تُنظر (٦) الزِّيادة عليه، فإن بلغت قدر الشخص؛ فقد انتهى وقت الظُّهر، وطول الإنسان ستة أقدام وثلثان بقدمه تقريبًا. وعنه: آخره أول وقت العصر، فبينهما وقت مشترك قدر أربع ركعات. قال أحمد: الزَّوال في الدُّنيا واحد، وأنكر على المنجِّمين أنَّه يتغيَّر في البلدان (٧)، ومثله لا يقول ذلك إلاَّ عن (٨) توقيف. (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا)؛ لما روى أبو بَرْزةَ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الهَجِيرَ التي تدعونها الأُولى حين تَدْحَضُ (٩) الشَّمس» (١٠)، وقال جابِرٌ: «كان

стр. 564

النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الظهر بالهاجِرةِ» متَّفَقٌ عليهما (١)، وقالت عائشةُ: «ما رأيتُ أحدًا أشدَّ تعجيلاً للظُّهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر» حديث حسن (٢). قال في «التَّلخيص»: ويحصل بأن يشتغل بأسباب الصَّلاة من حين دخول الوقت، وهو ظاهر «الفروع»، فإنَّه لا يُعدُّ حينئذٍ متوانيًا ولا مقصِّرًا. وذكر الأَزَجِيُّ قولاً: يتطهَّر قبله. (إِلاَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً (٣)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز». أمَّا في الحَرِّ؛ فيُستحَبُّ تأخيرها مطلقًا إلى أن ينكسِرَ، وحكاه التِّرمذِيُّ عن ابن المبارك وأحمدَ وإسحاقَ، وقال: (هو أشبه بالاتِّباع) (٤)، وصحَّحه في «الشَّرح»، واقتصر عليه في «الكافي»، وقاله القاضي في «الجامع»، والخِرَقِيُّ وابن أبي موسى وغيرهم؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصَّلاة؛ فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيحِ جهنَّمَ» متفق عليه (٥)، وفي لفظٍ: «أبرِدوا بالظُّهر»، وفيح جهنم: هو غلَيانها، وانتشار لهَبِها ووهجها (٦).

стр. 565

وصريحه (١): أنَّه مختصٌّ بمن يصلِّي في (٢) جماعةً، وهو قول أبي الخَطَّاب وطائفة؛ تعليلاً بالمشقَّة. واعتبر القاضي في «المجرد» (٣) مع الخروج إلى الجماعة: كونه في البلاد الحارَّة، ومساجد الجماعات (٤). فأمَّا (٥) تأخيرُها في الغيم؛ فيستحَبُّ لكلِّ من يصلِّي جماعةً كما ذكره، وذكره القاضي والسَّامَرِّيُّ، ونَصَّ عليه في رواية المَرُّوذِي (٦)؛ لما روى ابن منصور عن إبراهيم قال: «كانوا يؤخِّرون الظُّهرَ ويعجِّلون العصر في اليوم المتغيِّم» (٧)، ولأنَّه وقت يخاف منه العوارض من المطر ونحوه، فيشقُّ الخروج لكلِّ صلاةٍ منهما، فاستُحبَّ تأخير الأولى من المجموعتين؛ ليقرب (٨) من وقت الثَّانية؛ لكي يخرج لهما خروجًا واحدًا؛ طلَبًا للأسهل المطلوب شرعًا (٩).
следующие страницы →