← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

والأَوْزاعِيُّ، فتكفِّرُ إنْ طاوَعَتْه، وإن استمتعَتْ به أوْ عَزَمَتْ؛ فكمُظاهِرٍ. (وَعَلَيْهَا كَفَّارَةٌ ظِهَارٌ)، قدَّمه في «المستوعب» و «الفروع»، وصحَّحه الحُلْوانيُّ؛ لأِنَّ عائشةَ بنتَ طلحةَ، قالت: «إنْ تزوَّجْتُ مُصعَبَ بنَ الزُّبَيرُ فهو عليَّ كظَهْرِ أبي، فاسْتَفْتَتْ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ فأَمَرُوها أنْ تُعتِقَ رَقَبةً وتَتزوَّجَه (١)» رواه سعيدٌ والأثْرَمُ والدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، ولأِنَّها زَوجٌ أتى بالمنكَر من القول والزُّور كالآخَرِ، ولأِنَّ الظِّهارَ يمينٌ مُكفَّرةٌ، فاسْتَوَى فيها المرأةُ والرَّجلُ، قاله أحمدُ، وقال في روايةِ حَرْبٍ عن ابنِ مسعودٍ: «الظِّهارُ من الرَّجل والمرأةِ سواءٌ» (٣). (وَعَلَيْهَا التَّمْكِينُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ)، نَصَّ عليه؛ لأِنَّ ذلك حقٌّ عليها، فلا يَسقُطُ بيمينها (٤)؛ كاليمين بالله تعالى. وقِيلَ: لا، وهو ظاهِرُ كلامِ أبي بكرٍ؛ كالرَّجل، والفَرْقُ واضِحٌ. ونَقَلَ صالِحٌ: له (٥) أنْ يَطَأَ قبلَ أنْ يُكفِّرَ؛ لأِنَّه لَيسَ لها عليه شَيءٌ (٦). وفي «المحرَّر»: يَحرُمُ عليها (٧) ابتداءُ قُبْلَةٍ؛ يَعْنِي: كمُظاهِرٍ.

стр. 4972

(وَعَنْهُ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ)، وأشْبَهُ بأصوله؛ لأِنَّه تحريمٌ لحلالٍ كتحريمِ الأَمَة، وما رُوِيَ عن عائشةَ يتعيَّنُ حَمْلُه على ذلك؛ لكَونِ الموجود منها ليس بظِهارٍ. وظاهِرُ كلامه في روايةِ الأثْرَم: لا يَقتَضِي وُجوبَ كفَّارة الظِّهار، إنَّما قال: الأحْوَطُ (١)، ولا شكَّ أنَّ الأحوَطَ التَّكفيرُ بأغْلَظِ الكفَّارات؛ لِيُخْرَجَ من الخلاف. (وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا)، وهو (٢) قَولُ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّه قَولٌ مُنكَرٌ وزُور، ولَيسَ بظِهارٍ، فلم يَجِبْ كفارة (٣)؛ كالسبِّ (٤). وإذا قُلْنا بوجوب الكفَّارة عليها؛ لم تجب (٥) إلاَّ بِوَطْئِها مُطاوِعةً، فإنْ طلَّقَها، أوْ مات أحدُهما قبلَ وَطْئِها، أوْ أكْرَهَها عليه؛ فلا كفَّارةَ؛ لأِنَّها يمينٌ، فلم تَجِب الكفَّارةُ قبلَ الحِنْث؛ كسائر الأيمان. فرعٌ: إذا علَّقَتْه بتزوُّجِها (٦)؛ لم تكُنْ مُظاهِرةً في قَولِ الأكثر، وهو ظاهِرُ نصوصه، ولم يُفرِّقْ بَينَهما أحمدُ (٧)، إنَّما سُئِلَ في روايةِ أبي طالِبٍ فقال: ظِهارٌ (٨)، وقَطَعَ به في «المحرر». وقِيلَ له في «المفردات»: هذا ظهارٌ قبلَ النِّكاح، وعندَكم لا يَصِحُّ، قُلْنا: يَصِحُّ على روايةٍ، وإن (٩) قُلْنا: لا يَصِحُّ؛ فالخبرُ أفاد الكفَّارةَ وصحَّتَه، قام

стр. 4973

الدَّليل على أنَّه لا يَصِحُّ قبلَه، بَقِيَت الكفَّارةُ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ على المذهب: أنَّ (١) قياسه قَولُها: أنا عليكَ كظَهْرِ أمِّكَ، فإنَّ التَّحريمَ عليه تحريمٌ عليها. (وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: أَنْتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)؛ فهو صحيحٌ مُطلَقًا، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «المحرَّر» ورواه (٢) أحمدُ عن عمرَ (٣)، ولأِنَّها يمينٌ مُكفَّرةٌ، فصَحَّ عَقْدُها قبلَ النِّكاح؛ كاليمين بالله تعالى، والآيةُ الكريمةُ خرَجَتْ مَخرَجَ الغالب. وقِيلَ: لا يَصِحُّ، وقاله الأكثرُ من العلماء؛ كالطَّلاق والإيلاء. وجوابُه: أنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيد النِّكاح، ولا يُمكِنُ حَلُّه قبلَ عقده، والظِّهارُ تحريمٌ للوطء، فيَجوزُ تقديمُه على العقد؛ كالحَيض، وإنَّما اخْتَصَّ حكمُ الإيلاء بنسائه؛ لكَونه يَقصِدُ الإضْرارَ بهنَّ، والكفَّارةُ وَجَبَتْ هنا لقَولِ المنكَرِ والزُّور، فلا يَختَصُّ ذلك بنسائه. (لَمْ يَطَأْهَا إِنْ تَزَوَّجَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه إذا تزوَّجَها تحقَّقَ

стр. 4974

مَعْنَى الظِّهارِ فيها، وحَيثُ كان كذلك امْتَنَعَ وَطْؤُها قبلَ التَّكفير؛ لأِنَّه شَأْنُ المظاهِر (١). فرعٌ: إذا قال: كلُّ امرأةٍ أتزوَّجُها فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي؛ فعلى القول بصحَّته: إذا تزوَّجَ نساءً وأراد العَودَ؛ فكفَّارةٌ واحدةٌ، سواءٌ تزوَّجهنَّ في عَقْدٍ أوْ عقودٍ، نَصَّ عليه (٢). وعنه: لكلِّ عقدٍ كفَّارةٌ. فإنْ قال لأِجنبيَّةٍ: إنْ تزوَّجْتُ فلانةَ فهي عليَّ كظَهْرِ أمِّي، وقال: أردتُّ أنَّها مثلها (٣) في التَّحريم في الحال؛ دُيِّنَ، وفي الحْكمِ وجْهانِ: أحدُهما: لا يُقبَلُ؛ لأِنَّه صريحٌ للظِّهار. والثَّاني: بلى؛ لأِنَّها حرامٌ عليه كأمِّه. (وَإِنْ قَالَ لِأَجْنَبِيَةٍ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، يُرِيدُ فِي كُلِّ حَالٍ؛ فَكَذَلِكَ)؛ أيْ: فهو ظِهارٌ؛ لأِنَّ لَفْظَةَ الحرام إذا أُريدَ بها؛ فهو ظِهارٌ من الزَّوجة (٤)، فكذا الأجنبيَّةُ، فعليه: لا يَطَؤُها إذا تزوَّجَها حتَّى يُكفِّرَ. (وَإِنْ أَرَادَ فِي تِلْكَ الْحَالِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ)، وكذا إنْ أطْلَقَ، قالَه في «الشَّرح»، وفي «الترغيب» وَجْهٌ. (وَيَصِحُّ الظِّهَارُ مُعَجَّلاً، وَمُعَلَّقًا بِشَرْطٍ)، فإذا وُجِدَ فمُظاهِرٌ، نَصَّ عليه (٥)، (وَمُطْلَقًا) إنْ قَصَدَ اليمينَ واختاره، ومثَّل ب: الحلّ عليَّ حرامٌ لَأَفْعلَنَّ.

стр. 4975

(وَمُؤَقَّتًا، نَحْوَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي شَهْرَ رَمَضَانَ)؛ لحديثَ سَلَمَةَ ابنِ صَخْرٍ، قال: «ظاهَرْتُ من (١) امرأتي شهرَ رمضانَ، وأنَّه أخبرَ النَّبيَّ ﷺ بأنَّه أصابَها في الشَّهر، فأمَرَه بالكفَّارة» (٢)، ولم يُنكِرْ عليه التَّقْييدَ ولم يَعِبْه، ولأِنَّها يمينٌ مُكفَّرةٌ، فصحَّ تَوقِيتُها؛ كاليمين بالله تعالى، ولأِنَّه يَمنَعُ نفسَه بيمينٍ لها كفَّارةٌ، فَصَحَّ أنْ تكونَ مُؤقَّتةً؛ كالإيلاء. لا يُقالُ: الظِّهارُ طلاقٌ في الأصل، فيَجِبُ ألاَّ يَصِحَّ تقييده (٣) كالنِّكاح؛ لأِنَّه تَقدَّمَ الفَرْقُ بَينَهما في تعليقه، ولا يكون عائدًا إلاَّ بالوطء في المدَّة. (أَوْ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ)؛ لأِنَّه يمينٌ، فجاز تعليقُه على شَرْطٍ كالإيلاء (٤)، ولأِنَّه قَولٌ تَحرُم به الزَّوجةُ، فصحَّ تعليقُه على شَرْطٍ كالطَّلاق. (فَمَتَى انْقَضَى الْوَقْتُ؛ زَالَ الظِّهَارُ)؛ لأِنَّ التَّحريمَ صادَفَ ذلك الزَّمَنَ دُونَ غَيرِه، فَوَجَبَ أنْ يَنقَضِيَ بانْقِضائِه، (وَإِنْ أَصَابَهَا فِيهِ)؛ أيْ: في الوقت؛

стр. 4976

(وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه ﵇ أوْجَبَها على سلمةَ. تنبيهٌ: إذا قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي إنْ شاءَ اللهُ؛ لم يَلزَمْه شَيءٌ، نَصَّ عليه (١)، وقال ابنُ عَقِيلٍ: هو مُظاهِرٌ، ذَكَرَه في «المحرر» (٢). وإنْ قال: ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ إنْ شاءَ اللهُ، وله أهلٌ؛ هي يمينٌ، ولم يَلزَمْه شيءٌ، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لأِنَّها يمينٌ مُكفَّرةٌ، فصحَّ الاِسْتِثناءُ فيها؛ كاليمين بالله تعالى. وكذا إنْ قال: أنتِ حرامٌ إنْ شاءَ اللهُ، أوْ عَكْسه؛ فلا ظِهارَ، نَصَّ عليه (٤)، خِلافًا لاِبنِ شاقْلَا، وابنِ بَطَّةَ، وابنِ عَقِيلٍ. وإنْ قال: أنتِ حرامٌ إنْ شاءَ اللهُ وشاءَ زَيدٌ، فشاء زَيدٌ؛ لم يكُنْ مُظاهِرًا؛ لأِنَّه علَّقه على شَيئَينِ، فلا يَحصُلُ بأحدهما.

стр. 4977

(فَصْلٌ فِي حُكْمِ الظِّهَارِ) (يَحْرُمُ وَطْءُ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ) إذا كان بالعتق أو الصِّيام، بغيرِ خلافٍ (١)؛ للآية، وكذا إنْ كان بالإطعام في قَولِ الجمهور؛ لِمَا رَوَى عِكرِمةُ عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنِّي ظاهَرْتُ من امرأتي فَوَقَعْتُ عليها قبلَ أنْ أُكفِّرَ، فقال: «ما حَمَلَكَ على ذلك يَرحَمُكَ الله؟!» فقال: رأيتُ خَلْخالَها في ضَوءِ القَمَر، فقال: «لا تَقرَبْها حتَّى تَفْعلَ ما أمَرَكَ الله به» رواه أبو داودَ، والتِّرمذي وحسَّنَه، والنَّسائِيُّ، وقال: المرسَلُ أَوْلَى بالصَّوابِ (٢). (وَهَلْ يَحْرُمُ الاِسْتِمْتَاعُ بِمَا (٣) دُونَ الْفَرْجِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهُما: أنَّه يَحرُمُ، اختارَهُ أبو بكرٍ وابنُ عَقِيلٍ، وقدَّمه في «المستوعب» و «الفروع»؛ لأِنَّ ما حرَّمَ الوَطْءَ من القول؛ حرَّمَ دَواعِيَهُ؛ كالطَّلاق والإحرام. والثَّانيةُ: يَجوزُ، نَقَلَها الأكْثَرُ (٤)، وفي «التَّرغيب»: هي أظْهَرُهما؛ لأِنَّه تحريمٌ يتعلَّقُ بالوَطْء، فيه كفَّارةٌ، فلم يَتجاوَزْهُ التَّحريمُ؛ كوَطء الحائض، والمرادُ من التَّمَاسِّ في الآية: الجِماعُ. (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ وَطْؤُهَا (٥) إِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ (٦) بِالْإِطْعَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ) وأبو إسحاقَ، وقالَه أبو ثَورٍ؛ لأِنَّ اللهَ لم يَذكُر المسيسَ فيه، كما ذَكَرَه في العتق والصيام (٧).

стр. 4978

وجَوابُه: أنْ يُحمَلَ المطلقُ على المقيَّد؛ لاِتَّحاد الواقِعة. (وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ)؛ أيْ: تَثْبُتُ في ذمَّته (بِالْعَوْدِ، وَهُوَ الْوَطْءُ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ (١)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «الكافي» (٢) و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجَادلة: ٣]، فأوْجَبَ الكفَّارةَ عَقِبَ العَوْدِ، وذلك يَقتَضِي تعلُّقها به، فمتى وَطِئَ لَزِمَتْهُ الكفَّارةُ، ولا تَجِبُ قبلَ ذلك، صرَّح به في «المغْنِي» وغَيره؛ لأِنَّه علَّق الكفَّارةَ بشَرْطَينِ: ظِهارٌ وعَودٌ، والمعلَّق لا وجودَ له عندَ عَدَمِ أحدِهما، إلاَّ أنَّها شرطٌ لِحِلِّ الوطء، فيُؤمَرُ بها مَنْ أراده لِيَستحِلَّه بها، كما يُؤمَرُ بعَقْدِ النِّكاح مَنْ أراد حِلَّها، ذَكَرَه في «الشَّرح»، ولأِنَّ العَودَ في القول هو فِعْلُ ضِدِّ ما قال، كما أنَّ العَودَ في الهِبة اسْتِرجاعُ ما وَهَبَ. ويَلزَمُه إخراجُها بعزْمِه (٣) على الوطء، نَصَّ عليه (٤)، ويَجوزُ قبلَه. وفي «الانتصار» في الطَّلاق: إنْ عَزَم، فيَقِفُ مراعًى. (وَأَنْكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ إِنَّهُ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ (٥)؛ لِمَا تقدَّم. وقال أبو حَنِيفةَ: تَجِبُ الكفَّارةُ على مَنْ وَطِئَ، وهي عِندَه في حقِّ مَنْ وَطِئَ كمَنْ لم يَطَأْ (٦). وقال (٧) الشَّافِعيُّ: العود (٨) إمْساكها بعدَ ظِهاره زَمَنًا يُمكِنُ طلاقُها فيه (٩).

стр. 4979

وقال داودَ: العَودُ تَكرارُ الظِّهار مرَّةً ثانيةً (١). (وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ)، وغَيرُهما: (هُوَ الْعَزْمُ عَلَى الْوَطْءِ)، وذَكَرَه ابنُ رَزِينٍ روايةً؛ لأِنَّه قَصَدَ تحريمَها، فإذا عَزَمَ على الوطء فقد عادَ فيما قَصَدَ، ولأِنَّ الوَطْءَ تحريمٌ، فإذا عَزَمَ على استباحتها؛ فقد رَجَعَ عن ذلك التَّحريمِ، فكان عائدًا، ولأِنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بالتَّكفير عَقِبَ العَود قبلَ التَّماسِّ. وكلامُه مُشْعِرٌ: بأنَّ العَودَ لَيسَ هو إمْساكَ المظاهَر منها عقب (٢) يمينه، وصرَّح به في «المغْنِي»، وعلَّله: بأنَّ الظِّهار تحريمٌ قَصَدَه وفِعْلُ ما حَرَّمَه، دُونَ الإمساكِ، ولأِنَّ العَودَ فِعْلٌ، والإمساكَ تَرْكُ الطَّلاقِ، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجَادلة: ٣]، و «ثُمَّ» للتَّراخِي والمهْلةِ، وذلك يُنافِي الإمساك (٣) عَقِبَ الظِّهارِ. وحاصِلُه: أنَّهم لم يوجبوا (٤) الكفَّارةَ على العازِمِ على الوطء إذا ماتَ أحدُهما، أو طلَّقَ قبلَ الوطء إلاَّ أبا الخطاب (٥)، فإنَّه قال: إذا ماتَ بعدَ العزم، أوْ طلَّق فعليه الكفَّارةُ، وهذا قَولُ مالِكٍ وأبي عُبَيدٍ (٦)، وأنكره أحمدُ (٧)، وقال القاضي وأصحابُه: لا كفَّارةَ عليه، حكاه المؤلِّفُ، وقَطَعَ في «المحرَّر» بالكفَّارة، وحكاه عن القاضي وأصحابه. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ طلَّق؛ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)، وحاصِله: أنَّ الكفَّارة لا

стр. 4980

تَجِبُ بمجرَّدِ الظهِّار، فإنْ مات أحدُهما، أوْ فارَقَها قبلَ العَود؛ فلا كفَّارةَ عليه؛ لأِنَّ الموجِبَ لها هو الوَطْءُ، ولم يُوجَدْ على المنصوص. وأيُّهما مات وَرِثَه الآخَرُ. وقال قَتادةُ: إنْ ماتَتْ لم يَرِثْها حتَّى يُكفِّرَ. وجوابُه: أنَّ مَنْ وَرِثَها إذا كفَّر؛ وَرِثَها وإنْ لم يُكفِّرْ؛ كالمُولِي منها. (وَإِنْ عَادَ فَتَزَوَّجَهَا؛ لَمْ يَطَأْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ)، سواءٌ كان الطَّلاقُ ثلاثًا أوْ لا، وسَواءٌ رَجَعَتْ إليه بعدَ زَوجٍ آخَرَ، أوْ لا، نَصَّ عليه (١)، وهو قَولُ الحَسَنِ وعَطاءٍ؛ للآية، وهي ظاهرة (٢) في امرأته (٣)، فلا يَحِلُّ أنْ يَتَماسَّا حتَّى يُكفِّرَ؛ كالتي لم يُطلِّقْها، ولأِنَّ الظِّهارَ يمينٌ مُكفَّرةٌ، فلم يَبطُلْ حُكمُها بالطَّلاق؛ كالإيلاء. (وَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ أَثِمَ) مُكلَّفٌ؛ لأِنَّه بِوَطْئِه قبلَ التَّكفير عاصٍ ربَّه؛ لِمُخالَفَته أمْرَه، (وَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)، ولو مَجنونًا، نَصَّ عليه (٤)؛ لِئَلاَّ يَسقُطَ بعدَ ذلك؛ كالصَّلاة إذا غَفَلَ عنها في وَقْتِها. وتحريمُ زَوجتِه باقٍ عليه حتَّى يُكفِّرَ في قَولِ الأكثرِ. وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا، وأنَّه كاليمين، قال في «الفروع»: وهو أظْهَرُ. وكذا في «التَّرغيب»: وجْهانِ؛ كالإيلاء (٥). وفي «الانتصار» وغيره: إنْ أدْخَلَتْ ذَكَرَه نائمًا؛ فلا عَودَ، ولا كفَّارةَ.

стр. 4981

وعلى الأوَّل: (تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لحديثِ سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ (١)، ولأِنَّه وُجِدَ الظِّهارُ والعَودُ، فيَدخُلُ في عُمومِ الآية. وحُكِيَ عن عَمْرِو بن العاص: أنَّ عليه كفَّارتَينِ، رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٢)، وبه قال جمعٌ. وعن بعض العلماء: أنَّ الكفَّارةَ تَسقُطُ؛ لأِنَّه قد فات وَقْتُها؛ لكَونِها وَجَبَتْ قَبْلَ المسِيسِ. (وَإِنْ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ)، وحاصلُه: أنَّه إذا ظاهَر مِنْ زوجته الأَمَةِ، ثُمَّ مَلَكَها؛ انْفَسَخَ النِّكاحُ، وحُكْمُ الظِّهار باقٍ، ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، واختاره ابنُ حامِدٍ، قال القاضي: وهو المذْهَبُ؛ للآية، ولأنَّ (٣) الظِّهارَ لا يَسقُطُ بالطَّلاق المزيل (٤) للمِلك والحِلِّ؛ فبِملْكِ اليمين أَوْلَى. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، وأبو الخَطَّاب: (يَبْطُلُ الظِّهَارُ)؛ لأِنَّ شَرْطَه الزَّوجيَّةُ، وقد زالَتْ، فوَجَبَ أنْ يَزولَ لِزَوالِ شَرْطِه، (وَتَحِلُّ لَهُ، فَإِنْ وَطِئَهَا؛ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لا غَيرُ، كما لو ظاهر (٥) منها، وهي أَمَتُه. ويَتخرَّجُ: بلا كفَّارةٍ. ومقتَضَى كلامهما هنا: أنَّها (٦) تُباحُ له قَبْلَ التَّكفير؛ لأِنَّه أسْقَطَ الظِّهارَ

стр. 4982

وجعَلَه يمينًا؛ كتحريمِ أمَتِه. فإنْ أعْتَقَها عن كفَّارته؛ أجْزَأَ على القَولَينِ، فإنْ تزوَّجَها بَعْدَ ذلك؛ حلَّت له بغَيرِ كفَارةٍ، وإنْ أعْتَقَها عن غَيرِ الكفَّارة، ثُمَّ تزوَّجها؛ لم تَحِلَّ له حتَّى يُكفِّرَ. (وَإِنْ كَرَّرَ الظِّهَارَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) في ظاهر المذهب، سواءٌ كان في مجلسٍ أوْ مَجالِسَ، يَنوِي به الاِسْتِئْنافَ أو التَّأكيدَ أوْ يُطلِقُ، نَقَلَه عن أحمدَ جَمْعٌ (١)؛ لأِنَّه قَولٌ لم يؤثر (٢) تحريمَ الزَّوجة، فلم تَجِبْ به كفَّارةُ ظِهارٍ؛ كاليمين بالله تعالى. وظاهِرُه: أنَّه إذا كفَّرَ عن الأوَّل؛ لَزِمَه للثَّاني كفَّارةٌ بغَيرِ خِلافٍ (٣)؛ لأِنَّها أثْبتَتْ في المحلِّ تحريمًا، أشْبَهَت الأولى. وعنه: إنْ نَوَى الاِستئناف فكفَّاراتٌ بعَدَدِه، وقاله الثَّورِيُّ. وعنه: بِعدَدِه. (وَعَنْهُ: إِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ (٤) فَكَفَّارَاتٌ)، رُوِيَ عن عليٍّ (٥) وعمرو (٦) ابنِ مُرَّةَ (٧)؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه قَولٌ مُستأنَفٌ،

стр. 4983

فَوَجَبَ أنْ يتعلَّقَ به مِثلُ ما تعلَّق (١) بالأوَّل، بخلافِ ما إذا كان في مجلسٍ واحدٍ، فإنَّ ظاهِرَه: أنَّه أراد التَّأكيد. (وَإِنْ ظَاهَرَ مِنْ نِسَائِهِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ)؛ بأنْ قال: أنْتُنَّ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي؛ (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) بغَيرِ خِلافٍ في المذهب، قاله في «الشَّرح»، وهو قَولُ عمرَ وعليٍّ، رواهُ عنهما الأثْرَمُ (٢)، ولا يُعرَفُ لهما في الصَّحابة مُخالِفٌ، ولأِنَّها يمينٌ واحدةٌ، فلم يَجِبْ لها أكثرُ من كفَّارةٍ؛ كاليمين بالله تعالى. وعنه: لكلِّ امرأةٍ كفَّارةٌ؛ كما لو أفْرَدَها. والفَرْقُ: أنَّ كلَّ كلمةٍ تَقتَضِي كفَّارةً تَرفَعُها وتُكفِّرُ إثْمَها، والظِّهارُ بكلمةٍ واحدةٍ الكَفَّارةُ الواحدةُ تَرفَعُ حُكمها وتَمْحُو إثْمَها، بخلاف الكلمات. (وَإِنْ كَانَ بِكَلِمَاتٍ؛ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ)، قالَهُ عُرْوةُ وعَطاءٌ، وقال ابنُ حامِدٍ والقاضي: هذا المذْهَبُ روايةً واحدةً؛ لأِنَّها أيْمانٌ في مَحالَّ مُختَلِفةٍ، أشْبَهَ ما لو وُجِدَتْ في عُقودٍ مُتفرِّقةٍ. وعنه: تُجزِئُه كفَّارةٌ واحدةٌ، اختاره أبو بكرٍ، وقال: هذا الذي قُلْناهُ؛ اتِّباعًا لِعمرَ (٣)، والحَسَنِ، وإبراهيمَ، وإسْحاقَ؛ لأِنَّ كفَّارةَ الظِّهار حقٌّ لله، فلم يَتكرَّرْ بتكرُّر (٤) سَبَبِها؛ كالحدِّ.

стр. 4984

وجَوابُه: أنَّ الحدَّ عُقوبةٌ يُدرأ (١) بالشُّبْهة. وعنه: إنْ كرَّره في مجالِسَ؛ فكَفَّاراتٌ وإلاَّ فواحدةٌ، قال القاضي: وكذلك يُخرَّجُ في كفَّارةِ القَتْلِ؛ يعني (٢): بفِعْلٍ، أوْ أفْعالٍ.

стр. 4985

(فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (١)) الكفَّارةُ لَفْظُها مأخوذٌ من الكَفْرِ، وهو السَّتْرُ؛ لأِنَّها تَسْتُرُ الذَّنْبَ. (كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ)؛ لِكِبَرٍ، أوْ مَرَضٍ، وفي «الكافي»: غَيرِ مَرْجُوٍّ زوالُه، أوْ يَخافُ زيادتَه، أوْ بُطْأَهُ، وذَكَرَ المؤلِّفُ وغَيرُه: أوْ لِشَبَقٍ، وفي «التَّرغيب»: أوْ لِضَعْفِه عن مَعِيشةٍ تَلزَمُه، وفي «الرَّوضة»: لِضعْفٍ عنه، أوْ كَثْرَةِ شُغلٍ، أوْ شدَّةِ حرٍّ؛ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ … (٣)﴾ الآيتَينِ [المجَادلة: ٣ - ٤]، ولحديثِ خويلةَ امرأةِ أوْسِ بنِ الصَّامِتِ حِينَ ظاهَرَ منها، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «تُعتِقُ رقَبةً»، قالت (٢) - يعني امرأتَه -: لا يَجِدُ، قال: «فيَصومُ شَهرَينِ مُتتابِعَينِ»، قالت: شَيخٌ كبيرٌ ما به مِنْ صيامٍ، قال: «فيُطعِمُ ستِّينَ مسكينًا» (٣)، وهذا التَّرتيبُ لا خِلافَ فيه إذا كان المظاهِرُ حرًّا (٤)، ويأتي حكمُ العبد. (وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي) نهار (رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وقد سَبَقَ، (وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلُهُمَا)؛ لأِنَّ التَّحريرَ والصِّيامَ منصوصٌ عليهما في كتاب الله تعالى، (إِلاَّ فِي الْإِطْعَامِ فَفِي (٥) وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ): أصحُّهما: لا يجب (٦)، واختاره الأكثرُ؛ لأِنَّه لم يُذكَرْ في كتاب الله

стр. 4986

تعالى، ولو كان واجبًا لَذَكَرَه؛ كالعتق والصِّيام. والثَّانيةُ: بلى، اختارها في «التَّبصرة» و «الطَّريق الأقرب»؛ لأِنَّها كفَّارةٌ فيها عِتْقٌ وصَومٌ، فكان فيها إطعامٌ؛ ككفَّارة الظِّهار. (وَالاِعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَينِ)، وهي ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأِنَّها تَجِبُ على وَجْه الطُّهْرة، فكان الاِعْتِبارُ بحالِ الوجوب؛ كالحدِّ، نَصَّ عليه (٢)، فإذا وَجَبَ وهو عبدٌ (٣)، فلم يُكفِّرْ حتَّى عَتَقَ؛ فعليه الصَّومُ، لا يُجزِئُه غَيرُه، وقاله الأثْرَمُ. (فَإِذَا وَجَبَتْ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أَعْسَرَ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلاَّ الْعِتْقُ)؛ لأِنَّه هو الذي وَجَبَ عليه، فلا يَخرُج عن العُهْدةِ إلاَّ به، (وَإِنْ وَجَبَتْ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَأَيْسَرَ؛ لَمْ يَلْزَمْه الْعِتْقُ)؛ لأِنَّه غَيرُ ما وَجَبَ عليه، لا يُقالُ: الصَّومُ بَدَلٌ عن (٤) العتق، فإذا وَجَدَ مَنْ يُعتِقُه؛ وَجَبَ الاِنتقالُ إليه؛ كالمتَيَمِّم يَجِدُ الماءَ قبلَ الصَّلاة أوْ فيها؛ للفَرْقِ بَينَهما، فإنَّ الماء إذا وُجِدَ بعدَ التَّيمُّم؛ بَطَلَ، بخلافِ الصَّوم، فإنَّ العِتْقَ لو وُجِدَ بَعْدَ فِعْله؛ لم يَبطُلْ، (وَلَهُ الاِنْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ)؛ لأِنَّ العتقَ هو الأصلُ، فَوَجَبَ أنْ يُجزِئَه؛ كسائر الأصول. (وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ: لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ)؛ بِناءً على (٥) قولنا: إنَّ الاعتبارَ بحالة الوجوب؛ لأِنَّه حَنِثَ، وهو عبدٌ، فلم يَكُنْ يُجزِئُه إلاَّ الصَّومُ، وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّه يُكفِّرُ كفَّارةَ عبدٍ (٦)، قال القاضي: وفيه نَظَرٌ،

стр. 4987

ومُقتَضاهُ: أنَّه لا يَلزَمُه التَّكفيرُ بالمال، فإنْ كفَّر به؛ أجْزَأَه، ولأِنَّه حكمٌ تعلَّق بالعبد في رِقِّه، فلم يتغيَّرْ بحُريَّتِه؛ كالحدِّ. وهذا على القَولِ الذي لا يُجوِّزُ للعبد التَّكفيرَ بالمال بإذْنِ سيِّدِه، وعلى الأخرى: هو كالحرِّ؛ لأِنَّ رِقَّه جَعَلَه كالمعْسِر، فإذا أتى بالعتق؛ وَجَبَ أنْ يُجزِئَه؛ كالحرِّ المعْسِر. (وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الاِعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ)؛ لأنَّها (١) حقٌّ يَجِبُ في الذِّمَّة بِوُجودِ المال، فاعتُبِرتْ بأغْلَظِ الأحْوالِ كالحجِّ. وجَوابُه: أنَّ الحجَّ عبادةُ العمر، وجميعُه وقت (٢) لها، فَمَتَى قَدَرَ عليه في جُزْءٍ مِنْ وَقْتِه؛ وَجَبَ، بخِلافِه هُنا. (فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ؛ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ)؛ لأِنَّه هو الواجِبُ عليه، ولا يُجزِئُه غَيرُه؛ لأِنَّ فِعْلَه غَيرُ واجِبٍ عليه. (فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ أَيْسَرَ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الاِنْتِقَالُ عَنْهُ)، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّه لم يَقدِرْ على العتق قَبْلَ تَلَبُّسه بالصِّيام، أشْبَهَ ما لو استمرَّ العَجْزُ إلى ما بعدَ الفَراغ، ولأِنَّه وَجَدَ المبدَلَ (٣) بعْدَ الشُّروع في البدل (٤)، فلم يَلزَمْهُ الاِنْتِقالُ إليه؛ كالمتمتِّع يَجِدُ الهَدْيَ بعدَ الشُّروع في صيام الأيَّام السَّبعة، ويُفارِقُ ما إذا وَجَدَ الماءَ في الصَّلاة، فإنَّ قضاءَها يسيرٌ، ورَوَى البَيهَقِيُّ من حديثِ أبي القاسِمِ البَغَوِيِّ، ثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، ثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: «السُّنَّةُ فِيمَنْ صامَ من الشَّهْرَينِ ثُمَّ أيْسَرَ أنْ يَمْضِيَ» (٥).

стр. 4988

وذَكَرَ في «المبهج»، وابنُ عَقِيلٍ روايةً: أنَّه يُعتبَرُ وَقْتُ الأداء؛ لأِنَّه حقٌّ له بَدَلٌ من غَيرِ جِنْسه، فاعتُبِرَ فيه حالةُ الأداء؛ كالوُضوء. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَلْزَمَهُ) الاِنتِقالُ إليه (١)، وقاله ابنُ سِيرِينَ والحَكَمُ؛ لأِنَّه قَدَرَ على الأصل؛ كالمتَيَمِّم يَجِدُ الماءَ قَبْلَ الصَّلاة أوْ فيها. أصلٌ: إذا تكلَّفَ العِتْقَ مَنْ (٢) فَرْضُه الصِّيامُ؛ أجْزَأَهُ في الأصحِّ، وإذا قُلْنَا: الاِعْتِبارُ بحالِ الوجوب؛ فوقته في (٣) الظِّهار من حِينِ العَودِ، لا وَقْتِ المُظاهَرَةِ؛ لأِنَّ الكفَّارةَ لا تَجِبُ حتَّى يعودَ، وَوَقْتُه في اليمين من الحِنْث، لا وَقْتِ اليمين. فلو كان المظاهِرُ ذِمِّيًّا؛ فتكفيرُه بغَير الصَّوم؛ لأِنَّه لَيسَ مِنْ أهْلِه ويتعيَّنُ رَقَبةٌ مُؤمِنةٌ إذا كانت في ملْكِه، فإنْ لم تكن (٤)؛ فلا سبيلَ إلى شرائه، ويتعيَّن التَّكفيرُ بالإطْعام، إلاَّ أنْ يقولَ لمسلمٍ: أعْتِقْ عَبدَكَ عن كفَّارتِي وعليَّ ثَمَنُه، فيصحُّ (٥) في روايةٍ. فلو ظاهَرَ، وهو مسلِمٌ، ثُمَّ ارتدَّ وصامَ فيها؛ لم يُجزِئْهُ، وإنْ كفَّرَ بغَيرِه، فقال أحمدُ: لا يُجزِئُه (٦)، وقال القاضي: المذْهَبُ: أنَّه مَوقُوفٌ.

стр. 4989

(فَصْلٌ) (فَمَنْ مَلَكَ رَقَبَةً)؛ لَزِمَه، فلو اشْتَبَه عبدُه بعبيدِ غَيرِه؛ أمْكَنَه العِتْقُ بأنْ يُعتِقَ الرَّقَبةَ التي في ملْكِه، ثُمَّ يُقرِعُ بَينَ الرِّقاب، فيُعتِقُ مَنْ وَقَعَتْ عليه القُرْعةُ، هذا قياسُ المذهَب، قاله القاضي وغيرُه. (أَوْ أَمْكَنَهُ تَحْصِيلُهَا بِمَا هُوَ (١) فَاضِلٌ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ مَنْ يَمُونُهُ عَلَى الدَّوَامِ)؛ لقَولِه ﵇: «ابدأ (٢) بنفسك، ثُمَّ بمَنْ تَعُولُ» (٣)، ولأِنَّ ذلك مُقدَّمٌ على دَينِ المفلِسِ المقدَّمِ على الكفَّارة، فلأن (٤) يُقدَّمَ عليها بطريقِ الأولى. (وَغَيرِهَا (٥) مِنْ حَوَائِجِهِ الْأَصْلِيَّةِ)؛ لأِنَّها قريبةٌ مِنْ كِفايَتِه، ومُساوِيةٌ لها (٦)، بدليلِ تقديمِها على غُرَماءِ المفْلِسِ، (بِثَمَنِ مِثْلِهَا)؛ لأِنَّ ما حَصَلَ بأكثرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْل يَجوزُ له الاِنتِقالُ؛ كالتَّيمُّم. (لَزِمَهُ الْعِتْقُ)، إجْماعًا (٧)، ولَيسَ له الاِنْتِقالُ إلى الصِّيام إذا كان مسلِمًا حرًّا، مع شرط آخَرَ، وهو أنْ يكونَ فاضِلاً عن وَفاءِ دَينِه، وفيه روايةٌ، لا مالٍ يَحتاجُهُ لأِكْلِ الطَّيِّب ولُبْسِ النَّاعِمِ، وهو مِنْ أهْلِه؛ لِعَدَمِ عِظَمِ المشقَّةِ، ذَكَرَه ابنُ شِهابٍ وغيرُه. (وَمَنْ لَهُ خَادِمٌ يَحْتَاجُ إِلَى خِدْمَتِهِ)؛ لكِبَرٍ، أوْ مرضٍ، ونحوِه، أوْ كان ممَّن

стр. 4990

لا يَخدُمُ نفسَه عادةً؛ فلَيسَ عليه إعِتاقٌ؛ لأِنَّه في حُكْمِ العَدَمِ، كمَنْ معه ماءٌ يَحتاجُ إليه لِعَطَشٍ ونحوه (١). فإنْ كان يخدم (٢) امرأتَه، وهو ممَّن عليه إخْدامُها، أوْ كان له رقيقٌ يتقوَّتُ بخَراجِهِم؛ فكذلك، بخلافِ ما إذا كان له خادِمٌ، وهو يَخدُمُ نفسَه عادةً؛ لَزِمَه الإعْتاقُ؛ لأِنَّه فاضِلٌ عن حاجته. فرعٌ: إذا كان له سُرِّيَّةٌ؛ لم يَلزَمْه إعتاقُها، فإنْ أمْكَنَه بَيعُها وشِراءُ سُرِّيَّةٍ غَيرِها ورَقَبَةٍ يُعتِقُها؛ لم يَلزَمْه؛ لأِنَّ الغَرَضَ قد يتعلَّقُ بعَينِها، بخِلافِ ما إذا كان له رقبةٌ يُمْكِنُه بَيعُها وشِراءُ رقبتَينِ بثَمنِها، يَسْتَغْنِي بخِدْمةِ إحداهما ويُعتِقُ الأخرى. (أَوْ دَارٌ يَسْكُنُهَا، أَوْ دَابَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا)؛ لأِنَّ ذلك من حوائجه الأصليَّة، فإنْ كان (٣) له دارٌ يُمكِنُه بَيعُها وشِراءُ ما يَكْفِيهِ لِسَكَنِ مِثْلِه، أوْ رقبةٌ أوْ ضَيعةٌ يَفضُلُ منها عن كفايته ما يُمْكِنُه شِراءُ رَقَبَةٍ؛ لَزِمَه، ويُراعِي في ذلك الكِفايةَ التي يَحرُمُ معها أخْذُ الزَّكاة. (أَوْ ثِيَابٌ يَتَجَمَّلُ بِهَا)؛ لأِنَّه غَيرُ قادِرٍ على العتق، لكن لو كان له (٤) مَلابِسُ فاخِرةٌ تَزِيدُ على مَلابِسِ مِثْلِه، يُمكِنهُ بَيعُها وشِراءُ ما يَكفِيهِ في لباسه ورَقَبَةٍ يُعتِقُها؛ لَزِمَه. (أَوْ كُتُبُ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُ إِلَيْهَا)، أوْ عَقارٌ يَحتاجُ إلى غَلَّته، أوْ عَرْضٍ للتِّجارة لا يَستَغْنِي عن ربحه في مُؤنَتِه. (أَوْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً إِلاَّ بِزِيَادَةٍ عَنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا تُجْحِفُ بِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ)؛

стр. 4991

لأِنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك. (وَإِنْ وَجَدَهَا بِزِيَادَةٍ لَا تُجْحِفُ بِهِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وقيَّدهُما في «المحرَّر» و «الرِّعاية»: بما لا يَتغابَنُ النَّاس بمِثْلِها: أحدهما: يَلزَمُه، وهو أشهر (١)؛ لأِنَّها زيادةٌ لا تُجحِفُ به (٢)، أشْبَهَ ما لو بِيعَتْ بثمَنِ مِثْلِها. والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه لم (٣) يَجِدْ رَقَبةً بثَمَنِ مِثلِها، أشْبَهَ العادِمَ. وأصْلُهما: العادم (٤) للماء إذا وجده (٥) بزيادةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه. فإنْ وَجَدَ رقبةً رفيعةً يُمكِنُه أنْ يَشْتَرِيَ بثَمَنِها رقبتَينِ من غَيرِ جِنْسها؛ لَزِمَه، لا ضَرَرَ في الشِّراء، وإنَّما الضَّرَرُ في إعْتاقِها، وذلك لا يَمنَعُ الوجوبَ، كما لو كان مالِكًا لها (٦). (وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ رَقَبَةٌ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهَا)؛ لأِنَّ عليه مِنَّةً في قَبولها، وذلك ضَرَرٌ في حقِّه. (وَإِنْ كَانَ مَالُهُ غَائِبًا، وَأَمكَنَهُ (٧) شَرِاؤُهَا بِنَسِيئَةٍ) لغَيبة ماله، وفي «الرِّعاية»: أو لكَونِه دَينًا؛ (لَزِمَهُ) في الأصحِّ، وقد ذَكَرَ المؤلِّفُ: أنَّه إذا عَدِمَ الماءَ؛ فبُذِلَ له بثَمَنٍ في الذِّمَّة يَقدِرُ على أدائه في بلده وجهَينِ: أحدُهما: يَلزَمُه، واختاره القاضي؛ لأِنَّه قادِرٌ على أخْذِه بما لا مَضَرَّةَ فيه.

стр. 4992

والثَّاني، وقاله أبو الحَسَن التَّمِيميُّ: لَا؛ لأِنَّ عليه ضَرَرًا في بقاءِ الدَّينِ في ذمَّته، وربَّما تَلِفَ مالُه قَبْلَ أدائه، فيُخرَّجُ ههُنا على الوجْهَينِ، قال في «الشَّرح»: والأولى (١) إنْ شاءَ اللهُ تعالى أنَّه لا يَلزَمُه. وظاهِرُه: أَنَّها إذا لم تُبَعْ نَسيئةً، فإنَّه يَجوزُ الصَّومُ، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»؛ للحاجة، وكالعادِم. وقِيلَ: لا. وقِيلَ: في غَيرِ ظهارٍ للحاجة؛ لتحريمها قَبلَ التَّكفير. وفي «الشَّرح»: إذا كان مرجُوَّ الحضور قريبًا؛ لم يَجُزِ الاِنتِقالُ إلى الصِّيام؛ لأِنَّ ذلك بمنزلة الانتظار لشراءِ الرَّقبة، وإنْ كان بعيدًا؛ جازَ الاِنْتِقالُ إليه في غَيرِ كفَّارة الظِّهار. فرعٌ: لا يَجوزُ تقديمُ كفَّارةِ الظِّهارِ قَبْلَه، فلو قال لعَبْدِه: أنتَ حرٌّ السَّاعةَ عن ظِهَارِي؛ عَتَقَ، ولم يُجْزِئْه عنه. فإنْ قال: إنْ تَظَهَّرْتُ فأنتَ حرٌّ عن ظِهارِي، ثُمَّ قال لاِمرأتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي؛ عَتَقَ، وفي إجْزائِه عن الكفَّارة وجْهانِ. (وَلَا يُجْزِئُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إِلاَّ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ)، روايةً واحدةً، قاله في «المستوعب»، وحكاهُ ابنُ حَزْمٍ إجْماعًا (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. (وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو قَولُ الحَسَنِ، وإسحاقَ، والأكثرِ؛ قياسًا على كفَّارةِ القتل، ولقَولِه ﵇: «أعْتِقْها، فإنَّها مُؤمِنةٌ» رواه مسلِمٌ من حديثِ مُعاوِيَةَ (٣).

стр. 4993

وعنه: يُجزِئُه في غيرِ كفَّارةِ قتلٍ عتقُ رقبةٍ، قِيلَ: كافِرةٍ، وقِيلَ: كتابيَّةٍ، وقِيلَ: ذِمِّيَّةٍ، وهو قَولُ عَطاءٍ، والثَّوريِّ؛ لأِنَّ اللهَ تعالى أطلق (١) الرَّقَبةَ في كفَّارة الظِّهار، فَوَجَبَ أنْ يُجزِئَ ما تَناوَلَه الإطلاقُ. وجَوابُه: بأنَّ المطلَقَ يُحمَلُ على المقيَّد إذا اتَّحَدَ الحُكمُ، ولأِنَّ الإعتاقَ يتضمَّنُ تفريغَ العبد المسلِمَ لعبادةِ ربِّه وتكميلَ أحكامه، ومعونته (٢) للمسلمين، فناسَبَ ذلك إعْتاقَه في الكفَّارة؛ تحصيلاً لهذه المصالحِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب وجَمْعٌ: مَنْعَ حربيَّةٍ ومرتدَّةٍ اتِّفاقًا، قال في «الفروع»: ويتوجَّه في نَذْرِ عِتْقٍ مطلَقٍ روايةٌ مُخرَّجةٌ مِنْ فِعْلِ مَنذُورٍ في وَقْتِ نَهْيٍ، ومِنْ مَنْعِه زوجةً من حجَّةِ نَذْر؛ بِناءً على أنَّه لَيسَ كالواجِبِ بأصلِ الشَّرع. (وَلَا تُجْزِئُهُ (٣) إِلاَّ رَقَبَةٌ سَلِيمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا)؛ لأِنَّ المقصودَ تمليكُ العبد منفعتَه، وتمكُّنُه من التَّصرُّف، ولا يَحصُلُ هذا مع ما يَضُرُّ بالعمل ضَرَرًا بَيِّنًا، (كَالْعَمَى)؛ لأِنَّه لا يُمكنُه العَمَلُ في أكثرِ الصَّنائع؛ لِفَقْده البَصَرَ الذي يَهتَدِي به إلى العمل، (وَشَلَلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، أَوْ قَطْعِهِمَا)؛ لأِنَّ اليَدَ آلةُ البطشِ، والرِّجلَ آلةُ المشْيِ، فلا يتهيأ كثيرٌ من العمل مع حصول ذلك. وكذا لا يُجزِئُ مُقعَدٌ، ومجنونٌ مُطبِقٌ؛ لأِنَّه وُجِدَ فيه المَعْنَيان؛ منفعةُ الحِسِّ، وحصولُ الضَّرر، ولأِنَّه إذا لم يستقلَّ بكفايةِ نفسه (٤) يكون كلًّا على غيره.

стр. 4994

وقد نَظَرَ الشَّافِعيُّ في العيوب من (١) كلِّ بابٍ إلى ما يَلِيقُ به، فاعتَبَرَ هنا ما يَضُرُّ بالعمل، وفي الأضحيَّة ما ينقصُ اللَّحْم، وفي النِّكاح ما يُخِلُّ بمَقْصودِ الجِماع، وفي البَيع ما يُخِلُّ بالمالِيَّة. (أَوْ قَطْعِ إِبْهَامِ الْيَدِ، أَوْ سَبَّابَتِهَا، أَوِ الْوُسْطَى، أَوِ الْبِنْصِرِ وَالْخِنْصِرِ مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ)؛ لأِنَّ نَفْعَ اليَدِ يَزولُ أكثرُه بذلك. ومُقتَضاهُ: أنَّه لو قُطِعَ خِنْصرُه وبِنصرُه مِنْ يَدَيْنِ؛ جازَ عِتْقُه، وصرح به في «الوجيز»؛ لأِنَّ نَفْعَ الكَفَّينِ باقٍ، وقَطْعُ أنْمُلَةِ الإبهام كقَطْعِها. وإنْ قُطِعَ من إصبعٍ أنْمُلَتانِ، فهو كَقَطْعِها؛ لأِنَّه ذَهَبَ بمَنفَعَتِها. وإنْ قُطِعَ من إصبعٍ غيرِ الإبهام أنْمُلةٌ؛ لم يَمنَعْ. وفي «الواضح»: أنَّ مَقطوعَ الإبْهامَينِ لا يُجزِئُ، بخلافِ ما إذا قُطِعَ أحدُهما. (وَلَا يُجْزِئُ الْمَرِيضُ الْمَأْيُوسُ مِنْهُ)؛ كمَرَضِ السِّلِّ؛ لأِنَّ بُرأَهُ يَندُرُ، ولا يَتمكَّنُ من العمل مع بقائه. وقِيلَ: أوْ لَا، ثُمَّ ماتَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكُنْ مأْيُوسًا منه؛ كالحُمَّى ونحوِها؛ لم يَمنَعْ. (وَلَا النَّحِيفُ الْعَاجِزُ عَنِ الْعَمَلِ)؛ لِعَجْزِه عمَّا هو المقصودُ بعِتْقِ الرَّقَبةِ، وظاهِرُه: أنَّه (٢) إذا تمكَّن (٣) من العمل، فإنَّه يُجْزِئُ، وفي مَعْناهُ الزَّمِنُ، والمُقْعَدُ، وفيهما (٤) روايةٌ. (وَلَا غَائِبٌ لَا يُعْلَمُ خَبَرُهُ)؛ لأِنَّه مشكوكٌ في حياته، والأصلُ بقاءُ شَغْلِ

стр. 4995

الذِّمَّة، فلا يبرأ (١) بالشَّكِّ، لا يقال (٢): الأصلُ الحياةُ؛ لأِنَّه قد عُلِمَ أنَّ الموتَ لا بُدَّ منه، وقد وُجِدَتْ دلالةٌ عليه (٣)، وهو انْقِطاعُ خَبَرِه. وقِيلَ: يجزئ (٤)؛ كما لو عُلِمَ بَعْدُ. وقِيلَ: يَعتِقُ ولا يُجْزِئُ. فإنْ لم يَنقَطعْ خَبرُه؛ أجْزَأَ عِتْقُه؛ لأِنَّه عِتْقٌ صحيحٌ. (وَلَا مَجْنُونٌ مُطْبِقٌ)؛ لأِنَّه معدومُ النَّفع، ضرورةَ اسْتِغْراقِ زمانِه في الجنون (٥)، وقِيلَ: أوْ أكْثَرُ وقتِهِ (٦)، وهو أَوْلَى؛ لِعَدَمِ قُدْرتِه على تمام العمل، وفي مَعْناهُ الْهَرِمُ، قالَهُ في «الرِّعاية». (وَلَا أَخْرَسُ (٧) لَا تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ)؛ لأِنَّ مَنفَعَتَه زائلةٌ، أشْبَهَ زوالَ العقل، ولأِنَّ الخَرَسَ نقصٌ كثيرٌ يَمنَعُ كثيرًا من الأحكام؛ كالقضاء والشَّهادة، وكثيرٌ من النَّاس لا تُفْهَمُ إشارتُه، فيتضرَّرُ بترْكِ استعماله. وظاهِرُه: أنَّه إذا فُهِمَتْ إشارتُه؛ أجْزَأَ، صحَّحَه في «الشَّرح»؛ كذَهابِ الشَّمِّ. والمنصوصُ: عَدَمُ الإجزاء (٨)، ذَكَرَه في «الكافي». وقِيلَ: يُجزِئُ مُطلَقًا، حكاهُ في «التَّعليق» وأبو الخَطَّاب عن أحمدَ. فإنْ كان به صَمَمٌ؛ لم يُجزِئْ، وإلاَّ أجزأ (٩).

стр. 4996

وفي «المغْنِي»: الأَوْلَى أنَّه متى فُهِمَتْ إشارتُه، وفَهِمَ إشارةَ غيرِه أنَّه يُجزِئُ؛ لأِنَّ الإشارةَ تقومُ مَقامَ الكلام. وفي «الواضح»: المذْهَبُ: أنَّه يُجزِئُ الأصمُّ؛ لأِنَّ الصَّممَ (١) لا يَمْنَعُ من التَّصرُّف في العمل. (وَلَا عِتْقُ مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ عِنْدَ وُجُودِهَا)؛ أيْ: إذا (٢) اشترى مَنْ يَعتِقُ عليه إذا مَلَكَه يَنوِي بشرائه عِتْقَه عن الكفَّارة؛ عَتَقَ، ولم يُجزِئْه؛ لأِنَّه حِينَئِذٍ يَستَحِقُّ العِتْقَ بسببٍ غيرِ الكفَّارة، فلم يجْزِ عِتْقُه؛ كالذي يَعتِقُ عليه بالشِّراء. وظاهِرُه: أنَّه إذا علَّق عِتْقَه للكفَّارة، أوْ أعْتَقَه قبلَ وجودِ الصِّفة؛ أنَّه يُجزِئُ؛ لأِنَّه أعْتَقَ عبدَه الذي يَملِكُه عن الكفَّارة؛ لأِنَّ عِتْقَه مُستَحَقٌّ في غَيرِ الكفَّارة. (وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجَادلة: ٣]، والتَّحريرُ فِعْلُ العِتْق، ولم يَحصُلْ هنا بتحريرٍ منه، ولا إعْتاقٍ، فلم يكُنْ مُمْتَثِلاً للأمر، ولأنَّ (٣) عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسببٍ آخَرَ، فلم يُجزِئْه؛ كما لو وَرِثَه يَنوِي به العِتْقَ عن كفَّارته. ويُخالِفُ المشْتَرِي البائعَ من وَجْهَينِ: أحدهما (٤): أنَّ البائعَ يُعتِقُه، والمشْتَرِي لم يُعتِقْه، وإنَّما يَعتِقُ بإعْتاقِ الشَّارع مِنْ غَيرِ اخْتِيارٍ منه. الثاني (٥): أنَّ البائعَ لا يَستَحِقُّ عليه إعْتاقَه، والمشْتَرِي بخِلافِه.

стр. 4997

(وَلَا مَنِ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو قَولُ مَعقِلِ بن يَسَارٍ (١)؛ لأِنَّه إذا فَعَلَ ذلك، فالظَّاهِرُ أنَّ البائعَ نَقَصَه من الثَّمن لأِجْلِ هذا الشَّرط، فكأنَّه (٢) أخَذَ عن العِتْق عِوَضًا، فلم يُجزِئْه عن الكفَّارة. وعنه: بلى. فعلى الأوَّل: لو شَرَطَ عليه مالاً (٣) أوْ خِدْمةً؛ لم يُجزِئْه. (وَلَا أُمِّ وَلَدِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)، وقالَهُ الأَوْزاعِيُّ وأبو عُبَيدٍ والأكثرُ؛ لأِنَّ عِتْقَها مُسْتَحَقٌّ بسببٍ آخَرَ، كما لو اشْتَرَى قريبه، أوْ عبدًا بشرطِ العتق فأَعْتقه، وكما لو قال: أنتَ حرٌّ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ، ونَوَى عِتْقَه عن كفَّارته عندَ دخوله. والثَّانيةُ: يُجزِئُ، قاله الحَسَنُ وطاوسٌ؛ لقَوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، ومُعتِقُها قد حرَّرَها. وجَوابُه: الآيةُ مخصوصةٌ بما ذَكَرْناهُ، فنقيس (٤) عليه ما اخْتَلَفوا فيه. (وَلَا مُكَاتَبٍ قَدْ أَدَّى مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْئًا فِي اخْتِيَارِ شُيُوخِنَا)، وهو قَولُ اللَّيث والأَوْزاعِيّ، قال القاضي: هو الصَّحيحُ، وقدَّمه في «الفروع» واختاره (٥) الأكثرُ؛ لأِنَّه إذا أدَّى (٦) شيئًا فقد حصَلَ العِوَضُ عن بعضه، فلم يَجْزِ؛ كما لو أعْتَقَ بعضَ رقبةٍ.

стр. 4998

وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يُؤَدِّ شَيئًا أنَّه يُجزِئُ على المذهب؛ لأِنَّه أعْتَقَ رقبةً مُؤمِنةً سالِمَةَ الخَلْقِ تامَّةَ الملْكِ؛ فأجْزَأَ كالمدبَّر. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُ)، وقاله أبو ثَورٍ، واختاره أبو بكرٍ، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لأِنَّ المكاتَبَ عبدٌ يَجوزُ بَيعُه؛ فأجْزَأَ عِتْقُه عنها كالمدبَّر، ولأِنَّه رَقبةٌ، فيَدخُلُ في مُطلَقِ الآية. (وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُ مُكَاتَبٌ بِحَالٍ)، قاله (١) أبو عُبَيدٍ والأكثرُ؛ لأنَّ (٢) عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسببِ الكتابة، ولهذا لا يَمْلِكُ إبطالَ كتابتِه، أشْبَهَ أمَّ الولد. وقِيلَ: يُجزِئُ مِنْ كتابةٍ (٣) فاسدةٍ، وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ جاز بَيعُهما. والصَّحيحُ الأوَّلُ، والفَرْقُ بَينَه وبَينَ المدبَّر: أنَّ المدبَّرَ لم يَحصُلْ في مُقابَلةِ شَيءٍ منه عِوَضٌ، بخلافِ مكاتَبٍ أدَّى بعضَ كتابته، والفَرْقُ بَينَه وبَينَ أمِّ الولد: أنَّه لا يَجوزُ بَيعُها على الصَّحيح، بخلافِ المكاتَبِ. فرعٌ: لا يُجزِئُ إعْتاقُ الجَنِينِ في قَولِ أكثرِهم؛ لأِنَّه لا تثبت (٤) له أحكامٌ بعدُ، فإنَّه لا يَملِكُ إلاَّ بالإرث والوصيَّة، ولا يُشتَرَطُ لهما (٥) كَونُه آدَمِيًّا؛ لكَونِه يَثبُتُ له ذلك وهو نُطْفةٌ أوْ عَلَقَةٌ، ولَيسَ بآدَمِيٍّ في تلك الحالِ. تنبيهٌ: إذا اشْتَرَى عبدًا يَنْوِي إعْتاقَه عن كفَّارتِه، فَوَجَدَ به عَيبًا لا يَمنَعُ من الإجزاء، فأخَذَ أرْشَه، ثُمَّ أعْتَقَه عنها؛ أجْزَأَه، والأرْشُ له. فإنْ أعْتَقَه قبلَ العِلم بالعَيب، ثُمَّ ظَهَرَ على عَيبه وأخَذَ أرْشَه؛ فهو له؛ كما لو أخذه قبلَ إعْتاقِه.

стр. 4999

وعنه: أنَّه يَصرِفُ الأرْشَ في الرِّقاب. فإنْ عَلِمَ العَيبَ، ولم يأخُذْ أرْشَه؛ كان الأَرْش للمُعتِقِ؛ لأِنَّه أعْتَقَه مَعِيبًا عالِمًا بعَيبِه، فلم يَلزَمْه أرْشٌ، كما لو باعه لِمَنْ يَعلَمُ عَيبَه. فلو قال: أعْتِقْ عبدَك عن كفَّارتِك ولك خمسةُ دنانِيرَ، فَفَعَلَ؛ لم يجزئه (١) عنها؛ لأِنَّ الرَّقبةَ لم تَقَعْ خالِصةً عن الكفَّارة، وذَكَرَ القاضي أنَّ العِتْقَ يَقَعُ عن باذِلِ العِوَض، وله وَلاؤه. (وَيُجْزِئُ الْأَعْرَجُ يَسِيرًا)، لأِنَّه قليلُ الضَّرَر بالعمل، بخلاف الفاحِشِ الكثيرِ، فهو كقَطْعِ الرِّجل. وفي «المستوعب»: يُجزِئُ الأعرجُ يسيرًا إذا كان يَتمَكَّنُ من المشْيِ. (وَالْمُجَدَّعُ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ)، الجَدْعُ: قَطْعُ الأنفِ، والأُذنِ، والشَّفَة، وهو بالأنف أخصُّ؛ لأِنَّ ذلك لا تعلُّق له بالعمل، فهو كمَقطوعِ الأُذُنَينِ، وكنَقْصِ السَّمع. (وَالْمَجْبُوبُ، وَالْخَصِيُّ، وَمَنْ يُخْنَقُ فِي الْأَحْيَانِ، وَالْأَصَمُّ، وَالأَخْرَسُ (٢) الذِي يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ وَتُفْهَمُ إِشَارَتُهُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. وخالَفَ في «الموجز» و «التَّبصرة» في الأصمِّ؛ لنَقْصِه. وتُجزِئُ الرَّتْقاءُ، والكبيرةُ التي تَقدِرُ على العمل؛ لأِنَّ ما لا (٣) يَضُرُّ بالعمل لا يَمنَعُ تمليكَ العبد (٤) مَنافِعَه وتكميلَ أحْكامِه. مسائلُ: يُجزِئُ مُسْتَأْجَرٌ، ومَرْهونٌ، وأحمقُ، والجاني مُطلَقًا وإنْ قُتِلَ قِصاصًا، والأَمَةُ المزوَّجةُ، والحامِلُ وإنِ اسْتَثْنَى حَمْلَها، كما لا يَضُرُّ قَطْعُ

стр. 5000

أصابِعِ قَدَمٍ، وكذَهابِ نُورِ إحدَى (١) العَينَينِ، وقال أبو بكرٍ: فيه قَولٌ آخَرُ؛ لأِنَّه يَمنَعُ التَّضحيَةَ والإجْزاءَ في الهَدْيِ، أشْبَهَ العَمَى. (وَالْمُدَبَّرُ) في قَولِ طاوُسٍ؛ لأِنَّه عبدٌ كامِلُ المنفَعَة، لم يَحصُلْ عن شَيءٍ منه عِوَضٌ كالْقِنِّ، ولأنَّه يَجوزُ (٢) بَيعُه. وإنْ قِيلَ بعَدَمِ جَوازِه؛ لم يَجْزِ عِتْقُه، قالَهُ الأَوْزاعِيُّ وأبو عُبَيدٍ والأكثرُ؛ لأنَّ (٣) عِتْقَه مُسْتَحَقٌّ بسببٍ آخَرَ، أشْبَهَ أمَّ الولد. (والْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) قَبلَ وُجودها؛ لأِنَّ ملْكَه فيه تامٌّ. (وَوَلَدُ الزِّنَى)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لدخوله في الآية، ولأِنَّه مملوكٌ مسلِمٌ كامِلُ العَمَل، لم يُقبَضْ منه شَيءٌ، ولا (٤) اسْتُحِقَّ عتقُه بسببٍ آخَرَ، أشْبَهَ ولَدَ الرَّشيدةِ. قال الطَّحاويُّ: هو الملازِمُ للزِّنى، كما يُقالُ: ابنُ السَّبيل المُلازِمُ لها وَوَلَدُ اللَّيل الذي يَسيرُ فيه (٥). وقال عَطاءٌ والأَوْزاعِيُّ: لا يُجْزِئُ؛ استدلالاً بقوله ﵇: «ولَدُ الزِّنَى شَرُّ الثَّلاثة» رواه أبو داودَ من حديثِ أبي هُرَيرةَ (٦)، قال الخَطَّابيُّ: هو شَرُّ الثَّلاثة

стр. 5001

أصْلاً وعُنصَرًا ونَسَبًا؛ لأِنَّه خُلِقَ من ماء (١) الزِّنى، وهو خبيثٌ (٢). وأنْكَرَ قَومٌ هذا التفسير (٣)، وقالوا: لَيسَ عليه من وزر (٤) والِدَيهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعَام: ١٦٤]، وقد ورد (٥) في بعض الأحاديث: «أنَّه شرُّهم إذا عَمِلَ عَمَلَهم» (٦)، فإن صحَّ ذلك انْدَفَعَ الإشْكالُ. وبالجملة: فهذا يَرجِعُ إلى أحْكامِ الآخِرَة، وأمَّا أحْكامُ الدُّنْيا فهو كغيرِه في صحَّة إمامته، وبَيعه، وعِتْقه، وقَبولِ شَهادَتِه، فكذا في عِتْقِه عن الكفَّارة، ويُجزِئُ مع كمالِ أجْرِه، قاله الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، ويَشفَعُ مع صِغَرِه في أمه (٧)، لا أبِيهِ (٨). (وَالصَّغِيرُ)، كذا عبَّر به الأصحابُ، وعنه: له سبعُ سِنِينَ إن اشْتُرِطَ

стр. 5002

الإيمانُ، قاله في «الوجيز»؛ لدخوله في الآية، ولأِنَّه تُرجى (١) منافعه فأجْزَأَ؛ كالمريض. والمرادُ بالإيمان: الإسلامُ، بدليلِ إعْتاقِ الفاسِقِ، قال الثَّورِيُّ: المسلِمونَ كلُّهم مُؤمِنونَ عندَنا في الأحكام، ولا يُدرى (٢) ما هم عِنْدَ الله، ولهذا تعلَّق حكمه (٣) بكلِّ مسلِمٍ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا صَلَّى وَصَامَ)؛ لأِنَّ المعتَبَرَ الفعلُ دُونَ السِّنِّ، فمَنْ صلَّى وصام (٤) ممَّن له عَقْلٌ يَعرفُهما، ويتحقَّق منه الإتيان بنيَّته وأركانه، فإنَّه يُجزِئُ في الكفَّارة، وإنْ لم يَبلُغ السَّبْعَ. وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يُوجَدْ منه أنَّه لا يُجزِئُ وإنْ كان كبيرًا؛ لأِنَّه عاجِزٌ من كلِّ وَجْهٍ، أشْبَهَ الزَّمِنَ. وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يُجزِئُ ابنُ سَبْعٍ إذا صلَّى وصامَ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه لا يُجزِئُ إعْتاقُ مَنْ له دُونَ سَبْعٍ (٥)؛ لأِنَّه لا تصح (٦) منه العِباداتُ، أشْبَهَ المجنونَ. وقال القاضي: في إعتاقِ الصغيرِ (٧) في جميعِ الكفَّارات إلا (٨) كفَّارة القتل، فإنَّها على روايتَينِ.

стр. 5003

ونَقَلَ الميمونيُّ: يُعتَقُ الصَّغيرُ إلاَّ في قَتْلِ الخطأ (١)، فإنَّه لا تُجزِئ (٢) إلاَّ مُؤمِنةٌ، وأراد (٣) التي صلَّتْ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّواب والصِّحَّة؛ لأِنَّ الإيمانَ الإسلامُ، وهو حاصِلٌ في حقِّ الصَّغير، وهو مُؤمِنٌ تَبَعًا. (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدٍ وَهُوَ مُعْسِرٌ، ثُمَّ اشْتَرَى (٤) بَاقِيَهُ فَأَعْتَقَهُ؛ أَجْزَأَهُ)؛ لأِنَّه أعْتَقَ رقبةً كامِلةً في وقتَينِ؛ كما لو أطْعَمَ المساكِينَ في وقتَينِ. (إِلاَّ عَلَى رِوَايَةِ وُجُوبِ الاسْتِسْعَاءِ)؛ لأِنَّه حِينَئِذٍ مُسْتَحَقُّ العتقِ، فلم يَجزِ؛ كما لو اشْتَراهُ بشَرْطِ العتق، والأصحُّ في المذهب خِلافُها. (وَإِنْ أَعْتَقَهُ) عن كفَّارته (وَهُوَ مُوسِرٌ، فَسَرَى إِلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ)؛ عَتَقَ، (وَلَمْ يُجْزِئْهُ؛ نَصَّ عَلَيْهِ (٥)، اخْتارَه الخَلاَّلُ وصاحِبُه، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ عِتْقَ نصفه لم يَحصُلْ بالمباشَرة، بل بالسِّراية؛ كما لو عَتَقَ نصف عبدٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُجْزِئَهُ (٦) إذا نَوَى إعتاقَ جميعه عن كفَّارته، اختاره القاضي وأصحابه (٧)، وزَعَمَ أنَّه قِياسُ المذهب؛ لأِنَّه أعْتَقَ عبدًا كامِلَ الرِّقِّ، سَلِيمَ الخَلْقِ، غيرَ مُسْتَحَقٍّ للعتق، ناوِيًا به الكفَّارةَ، فأجزأه؛ كما لو كان الجميعُ ملْكَه. فرعٌ: إذا كان له عبدٌ (٨)، فأعْتَقَ جزءًا منه مُعيَّنًا أوْ مُشاعًا؛ عَتَقَ كلُّه، وإنْ

стр. 5004

نَوَى به الكفَّارةَ أجزَأَ عنه، وإنْ نَوَى إعتاقَ الجزء الذي باشَرَه عن الكفَّارة دُونَ غَيرِه؛ لم يُجْزِئْه عِتْقُ غَيرِه، وهل يُحتَسَبُ له بما نَوَى عن الكفَّارة؟ على وجهَينِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ نِصْفًا آخَرَ)؛ أي: نصفَ عبدَينِ، أوْ أمَتَينِ، أوْ نصفَ عبدٍ ونصفَ أمةٍ؛ (أَجْزَأَهُ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ)، وفي «الروضة»: هو الصَّحيحُ في المذهب؛ لأِنَّ الأشْقاصَ كالأشخاصِ فيما لا يَمنَعُ العَيبَ اليسيرَ، دليلُه الزَّكاةُ إذا كان نصفَ ثمانِينَ مُشاعًا؛ وَجَبَت الزَّكاةُ، كما لو مَلَكَ أربعينَ مُنفرِدةً (١)، وكالضَّحايا والهَدايا إذا اشْتَرَكوا فيها (٢). (وَلَمْ يُجْزِئْهُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ لأِنَّ المقصودَ تكميلُ (٣) الأحكام، ولا تحصلُ (٤) من إعتاق نصفَينِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ وصاحبُ «الرَّوضة» روايتَينِ. وقِيلَ: إنْ كان باقِيهِما حرًّا (٥) أجْزَأَه، اختاره القاضي، زاد في «المحرَّر»: أو (٦) أعْتَقَ كلَّ واحِدٍ منهما عن كفَّارتَينِ أجْزَأَهُ، وإلاَّ فلا، وهذا أصحُّ؛ لأِنَّ إعْتاقَ الرَّقَبة إنَّما يَنصَرِفُ إلى الكامِلةِ، ولا يَحصُلُ من الشَّخْصَينِ ما يَحصُلُ من الرَّقبة الكامِلةِ في تكميلِ الأحكام، وتخليصِ الآدَمِيِّ من ضَرَرِ الرِّقِّ، ويَمتَنِعُ قِياسُ الشِّقْصَينِ على الرَّقبة الكامِلةِ، بدليلِ الشِّراء. فرعٌ: الأصحُّ: أنَّه لا يُجزِئُ المغصوبُ، وأطْلَقَ الخِلافَ في «التَّرغيب».

стр. 5005

وفي مُوصًى بخِدْمتِه أبدًا مَنْعٌ وتسليمٌ في «الانتصار». ونِضْوُ الخَلْقِ ضَعيفُ التَّركيب، فإنْ كانَ لا يَضعُفُ عن العمل؛ أجْزَأه.

стр. 5006

(فَصْلٌ) (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً يَشتَرِيها، أوْ وَجَدَها ولم يَجِدْ ثَمنَها، أوْ وَجَدَه لكِنْ بزيادةٍ كثيرةٍ تُجحِفُ بماله، أوْ وَجَدَها ولكِن احْتاجَها لخدمةٍ ونحوه (١)؛ (فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) إذا قَدَرَ عليه، إجْماعًا (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤]، وأجْمَعُوا على وُجوبِ التَّتابُع (٣)، ومَعْناهُ: المُوالاةُ بَينَ صِيامِ أيامهما (٤)، فلا يُفطِرُ فِيهِما، ولا يَصُومُ عن غَيرِ الكفَّارةِ. (حُرًّا كَانَ) المكفِّرُ (أَوْ عَبْدًا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥). (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ)، بل يَكْفِي فِعْلُه؛ لأِنَّه شَرْطٌ، وشَرائطُ العبادات لا تَحتاجُ إلى نيَّةٍ، وإنَّما تَجِبُ النِّيَّةُ لأِفعالها (٦). وقِيلَ: تَجِبُ النِّيَّةُ. ففي الاكتفاء باللَّيلة الأُوَّلة، والتَّجديدِ لكلِّ ليلةٍ؛ وَجْهانِ، وتُبَيَّت (٧) النِّيَّةُ، وفي تعيينها (٨) جهة الكفَّارة وجْهانِ. (فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ)، بأنْ يَبْتِدئَ الصَّومَ مِنْ أوَّلِ شَعبانَ، فيَتخلَّلَه رمضانُ، (أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ؛ كَفِطْرِ الْعِيدِ)، بأنْ يَبتَدِئَ - مثلاً -

стр. 5007

مِنْ ذي الحِجَّة فيتخلَّلُه يَومُ النَّحر وأيَّامُ التَّشريق، فإنَّ التَّتابُع لا يَنقَطِعُ بهذا، ويبني (١) على ما مَضَى مِنْ صيامه؛ لأِنَّه زَمَنٌ مَنَعُه الشَّرعُ عن صَومه في الكفَّارة؛ كالحيض والنِّفاس. وفي «مُفْرَداتِ ابنِ عَقِيلٍ» في صَومِ العيد: يَقطَعُ التَّتابُعَ؛ لأِنَّه خَلَّلَه بإفْطارٍ يُمكِنُه أنْ يَحتَرِزَ عنه، ثُمَّ سلَّم أنَّه لا يَقطَعُه؛ لأِنَّه لا يَقبَلُ الصَّومَ؛ كاللَّيل. ويتخرَّجُ في أيَّامِ التَّشريق: أنَّه يَصومُها، فعلى هذا: إنْ أفْطَرَها اسْتَأْنَفَ؛ لأِنَّها أيَّامٌ أمْكَنَه صِيامُها في الكفَّارة؛ فَفِطْرُها يَقطَعُ التَّتابُعَ كغَيرِها. (أَوِ الفِطْرِ (٢) بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ)، أجْمَعَ أهلُ العلم (٣)، ونَصَّ عليه أحمدُ (٤) على أنَّ الصَّائمةَ متتابعًا (٥) إذا حاضَتْ قبلَ إتْمامِه تقضي (٦) إذا طَهُرَتْ وتَبْنِي؛ لأِنَّ الحَيضِ لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه في الشَّهْرَينِ إلاَّ بتأخيره إلى (٧) الإيَاسِ، وفيه تَغْريرٌ بالصَّوم؛ لأِنَّها ربَّما ماتَتْ قَبلَه. والنِّفاسُ كالحَيضِ؛ لأِنَّه بمَنزِلَتِه في أحكامه (٨) في وَجْهٍ. وفي آخَرَ: يَقطَعُ التَّتابُع؛ لأِنَّه فِطْرٌ أمْكَنَ التَّحرُّزُ منه، لا يتكرَّرُ في العام، أشْبَهَ الفِطْرَ لغير (٩) عُذْرٍ، ولا يَصِحُّ قياسُه على الحيض؛ لأِنَّه أنْدَرُ منه. لا يُقالُ: الحَيضُ والنِّفاسُ لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منهما؛ لأِنَّه قد يُمكِنُ التَّحرُّزُ

стр. 5008

من النِّفاس بأنْ لا تبتدئ (١) الصَّومَ في حالِ الحَمْل، ومن (٢) الحيض إذا كان طُهرُها يَزِيدُ على الشَّهرَينِ، بأنْ تَبتَدِئَ الصَّومَ عَقِبَ طُهْرِها من الحيض، ومع هذا لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ به. (أَوْ جُنُونٍ)، قال جماعةٌ: (أَوْ مَرَضٍ مَخُوفٍ)، رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وسعيدِ بنِ المسيِّب، والحَسَن؛ لأِنَّه أفْطَرَ بسببٍ لا صُنع (٤) له فيه؛ كالحَيض. (أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ)؛ لأِنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لعُذْرٍ من غَيرِ جِهَتِها؛ فلم يَنقَطِعْ كالمريض. (وَكَذَلِكَ إِنْ (٥) خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا)؛ لم يَنقَطِع التَّتابُعُ، وجَزَمَ به مُعظَمُ الأصْحابِ؛ لأِنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لهما بسببٍ لا يَتعلَّقُ باخْتِيارِهما؛ كما لو أفْطَرَتَا خَوفًا على أنْفُسِهما. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَنْقَطِعَ)؛ لأِنَّ الخَوفَ على غَيرِهما، ولهذا تلزمهما (٦) البقيَّةُ مع القَضاء. وأطْلَقَ في «المحرَّر» الخِلافَ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لاِشْتِراكِهِما في إباحة الفطر، والمشقَّة اللاَّحِقَة بقطعِ (٧) التَّتابُع، وكفِطْره ناسِيًا أوْ مُكرَهًا أوْ مُخطِئًا؛ كجَاهِلٍ به. (وَإِنْ أَفْطَرَ)؛ أيْ: تعمَّدَه (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ

стр. 5009

نَذْرٍ، أَوْ عَنْ (١) كَفَّارَةٍ أُخْرَى؛ لَزِمَهُ الاِسْتِئْنَافُ)؛ لأِنَّه أخلَّ بالتَّتابُع المشْرُوطِ، ويَقَعُ صَومُه عمَّا نَواهُ؛ لأِنَّ هذا الزَّمانَ لَيسَ بمُسْتَحَقٍّ مُتعيِّنٍ للكفارة (٢)، بخلافِ شهرِ رَمَضانَ. فإنْ كان عليه صَومُ نَذْرٍ غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ أخَّرَه إلى فَراغه من الكفَّارة، وإنْ كانَ مُتعيِّنًا؛ أخَّر الكفَّارةَ عنه، أوْ قدَّمها عليه إنْ أمْكَنَ. وإنْ كان أيَّامًا من الشَّهر؛ كالخميس وأيَّامِ البيض؛ قدَّم (٣) الكفَّارةَ عليه؛ لأِنَّه لَوْ صامَه لانقطع (٤) التَّتابُعُ، ولَزِمَه الاِسْتِئْنافُ، فيُفْضِي إلى أنَّه لا يتمكَّنُ من التَّكفير بحالٍ، والنَّذْرُ يمكِنُه قضاؤه بعدَ صَومِ الكفَّارة. وفيه شيءٌ؛ لأِنَّ النَّذرَ المتعيِّنَ زمانُه مُتَعيِّنٌ للصَّوم، فهو كرَمَضانَ، فيلزم (٥) عَدَمُ انْقِطاعِ التَّتابُع به لتعيينِه، أوِ (٦) انْقِطاعِ التَّتابُع بصَومِ رمَضانَ، ضرورة مساواةِ أحدهما للآخر في (٧) تعيينِ الزَّمان، بل الأَولَى أنْ يُقالَ: النَّذْرُ آكَدُ من رَمَضانَ؛ لأِنَّ النَّذْرَ السَّابِقَ مُقدَّمٌ، بخِلافِ رمضانَ، فإنَّ التَّكفيرَ سابِقٌ عليه، قاله ابنُ المنَجَّى. (وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ؛ كَالسَّفَرِ، وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمَخُوفِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٨)، ذَكَرَهُما أبو الخَطَّاب في الثَّانية: أحدُهما: لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ؛ كالمرض المَخُوفِ.

стр. 5010

والثَّاني: بَلَى؛ كما لو أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ. وإنْ أفْطَرَ لسفرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، فالأظْهَرُ عن أحمدَ في روايةِ الأثْرَم: أنَّه لا يَنقَطِعُ (١)، وقاله الحَسَنُ؛ لأِنَّه أفْطَرَ لِعذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رمضانَ؛ كفِطْرِ الحائض. وقِيلَ: بلى، وقاله (٢) الأكثرُ؛ لأِنَّ السَّفَرَ حَصَلَ باخْتِياره، فَقَطَعَه، كما لو أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ. وفي «الرَّوضة»: إنْ أفْطَرَ لعُذْرٍ؛ كمَرَضٍ وعِيدٍ؛ بَنَى وكفَّرَ كفَّارةَ يمينٍ، قِيلَ لأِحمدَ: مُظاهِرٌ أفْطَرَ لمرضٍ يُعيدُ؟ قال: أرجو أنَّه في عُذْرٍ (٣). فرعٌ: إذا أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أوْ أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ؛ أفْطَرَ، وفي انْقِطاعِ التَّتابُعِ وجْهانِ. (وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا؛ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ)، وقالَهُ الثَّورِيُّ وأبو عُبَيدٍ، والأكثرُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾، [المجَادلة: ٤] أَمَرَ بهما خالِيَيْنِ من التَّمَاسِّ، ولم يُوجَدْ، ولأِنَّ تحريمَ الوطء لا يَختَصُّ بالصيام (٤)، فاسْتَوَى فيه اللَّيلُ والنَّهارُ؛ كالاعتكاف. لا يُقالُ: الواطئ (٥) ما بَقِيَ إلى كفَّارته سَبِيلٌ؛ لأِنَّ الآيةَ دلَّت ألاَّ يُوجَدَ التَّمَاسُّ قَبْلَ الشَّهرَينِ، ولا فيها، فإذا تعذَّر اشْتِراطُ أحدِهما؛ وَجَبَ الآخَرُ؛ لِإِمْكانِه. (وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا)؛ أيْ: لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ بفِعْلِه لَيلاً ولا نَهارًا
следующие страницы →