← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

(فَصْلٌ) (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) رقبةً يَشتَرِيها، أوْ وَجَدَها ولم يَجِدْ ثَمنَها، أوْ وَجَدَه لكِنْ بزيادةٍ كثيرةٍ تُجحِفُ بماله، أوْ وَجَدَها ولكِن احْتاجَها لخدمةٍ ونحوه (١)؛ (فَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) إذا قَدَرَ عليه، إجْماعًا (٢)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤]، وأجْمَعُوا على وُجوبِ التَّتابُع (٣)، ومَعْناهُ: المُوالاةُ بَينَ صِيامِ أيامهما (٤)، فلا يُفطِرُ فِيهِما، ولا يَصُومُ عن غَيرِ الكفَّارةِ. (حُرًّا كَانَ) المكفِّرُ (أَوْ عَبْدًا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥). (وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ)، بل يَكْفِي فِعْلُه؛ لأِنَّه شَرْطٌ، وشَرائطُ العبادات لا تَحتاجُ إلى نيَّةٍ، وإنَّما تَجِبُ النِّيَّةُ لأِفعالها (٦). وقِيلَ: تَجِبُ النِّيَّةُ. ففي الاكتفاء باللَّيلة الأُوَّلة، والتَّجديدِ لكلِّ ليلةٍ؛ وَجْهانِ، وتُبَيَّت (٧) النِّيَّةُ، وفي تعيينها (٨) جهة الكفَّارة وجْهانِ. (فَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهَا صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ)، بأنْ يَبْتِدئَ الصَّومَ مِنْ أوَّلِ شَعبانَ، فيَتخلَّلَه رمضانُ، (أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ؛ كَفِطْرِ الْعِيدِ)، بأنْ يَبتَدِئَ - مثلاً -

стр. 5007

مِنْ ذي الحِجَّة فيتخلَّلُه يَومُ النَّحر وأيَّامُ التَّشريق، فإنَّ التَّتابُع لا يَنقَطِعُ بهذا، ويبني (١) على ما مَضَى مِنْ صيامه؛ لأِنَّه زَمَنٌ مَنَعُه الشَّرعُ عن صَومه في الكفَّارة؛ كالحيض والنِّفاس. وفي «مُفْرَداتِ ابنِ عَقِيلٍ» في صَومِ العيد: يَقطَعُ التَّتابُعَ؛ لأِنَّه خَلَّلَه بإفْطارٍ يُمكِنُه أنْ يَحتَرِزَ عنه، ثُمَّ سلَّم أنَّه لا يَقطَعُه؛ لأِنَّه لا يَقبَلُ الصَّومَ؛ كاللَّيل. ويتخرَّجُ في أيَّامِ التَّشريق: أنَّه يَصومُها، فعلى هذا: إنْ أفْطَرَها اسْتَأْنَفَ؛ لأِنَّها أيَّامٌ أمْكَنَه صِيامُها في الكفَّارة؛ فَفِطْرُها يَقطَعُ التَّتابُعَ كغَيرِها. (أَوِ الفِطْرِ (٢) بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ)، أجْمَعَ أهلُ العلم (٣)، ونَصَّ عليه أحمدُ (٤) على أنَّ الصَّائمةَ متتابعًا (٥) إذا حاضَتْ قبلَ إتْمامِه تقضي (٦) إذا طَهُرَتْ وتَبْنِي؛ لأِنَّ الحَيضِ لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه في الشَّهْرَينِ إلاَّ بتأخيره إلى (٧) الإيَاسِ، وفيه تَغْريرٌ بالصَّوم؛ لأِنَّها ربَّما ماتَتْ قَبلَه. والنِّفاسُ كالحَيضِ؛ لأِنَّه بمَنزِلَتِه في أحكامه (٨) في وَجْهٍ. وفي آخَرَ: يَقطَعُ التَّتابُع؛ لأِنَّه فِطْرٌ أمْكَنَ التَّحرُّزُ منه، لا يتكرَّرُ في العام، أشْبَهَ الفِطْرَ لغير (٩) عُذْرٍ، ولا يَصِحُّ قياسُه على الحيض؛ لأِنَّه أنْدَرُ منه. لا يُقالُ: الحَيضُ والنِّفاسُ لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منهما؛ لأِنَّه قد يُمكِنُ التَّحرُّزُ

стр. 5008

من النِّفاس بأنْ لا تبتدئ (١) الصَّومَ في حالِ الحَمْل، ومن (٢) الحيض إذا كان طُهرُها يَزِيدُ على الشَّهرَينِ، بأنْ تَبتَدِئَ الصَّومَ عَقِبَ طُهْرِها من الحيض، ومع هذا لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ به. (أَوْ جُنُونٍ)، قال جماعةٌ: (أَوْ مَرَضٍ مَخُوفٍ)، رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وسعيدِ بنِ المسيِّب، والحَسَن؛ لأِنَّه أفْطَرَ بسببٍ لا صُنع (٤) له فيه؛ كالحَيض. (أَوْ فِطْرِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لَمْ يَنْقَطِعِ التَّتَابُعُ)؛ لأِنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لعُذْرٍ من غَيرِ جِهَتِها؛ فلم يَنقَطِعْ كالمريض. (وَكَذَلِكَ إِنْ (٥) خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا)؛ لم يَنقَطِع التَّتابُعُ، وجَزَمَ به مُعظَمُ الأصْحابِ؛ لأِنَّه فِطْرٌ أُبِيحَ لهما بسببٍ لا يَتعلَّقُ باخْتِيارِهما؛ كما لو أفْطَرَتَا خَوفًا على أنْفُسِهما. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَنْقَطِعَ)؛ لأِنَّ الخَوفَ على غَيرِهما، ولهذا تلزمهما (٦) البقيَّةُ مع القَضاء. وأطْلَقَ في «المحرَّر» الخِلافَ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لاِشْتِراكِهِما في إباحة الفطر، والمشقَّة اللاَّحِقَة بقطعِ (٧) التَّتابُع، وكفِطْره ناسِيًا أوْ مُكرَهًا أوْ مُخطِئًا؛ كجَاهِلٍ به. (وَإِنْ أَفْطَرَ)؛ أيْ: تعمَّدَه (لِغَيْرِ عُذْرٍ، أَوْ صَامَ تَطَوُّعًا، أَوْ قَضَاءً، أَوْ عَنْ

стр. 5009

نَذْرٍ، أَوْ عَنْ (١) كَفَّارَةٍ أُخْرَى؛ لَزِمَهُ الاِسْتِئْنَافُ)؛ لأِنَّه أخلَّ بالتَّتابُع المشْرُوطِ، ويَقَعُ صَومُه عمَّا نَواهُ؛ لأِنَّ هذا الزَّمانَ لَيسَ بمُسْتَحَقٍّ مُتعيِّنٍ للكفارة (٢)، بخلافِ شهرِ رَمَضانَ. فإنْ كان عليه صَومُ نَذْرٍ غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ أخَّرَه إلى فَراغه من الكفَّارة، وإنْ كانَ مُتعيِّنًا؛ أخَّر الكفَّارةَ عنه، أوْ قدَّمها عليه إنْ أمْكَنَ. وإنْ كان أيَّامًا من الشَّهر؛ كالخميس وأيَّامِ البيض؛ قدَّم (٣) الكفَّارةَ عليه؛ لأِنَّه لَوْ صامَه لانقطع (٤) التَّتابُعُ، ولَزِمَه الاِسْتِئْنافُ، فيُفْضِي إلى أنَّه لا يتمكَّنُ من التَّكفير بحالٍ، والنَّذْرُ يمكِنُه قضاؤه بعدَ صَومِ الكفَّارة. وفيه شيءٌ؛ لأِنَّ النَّذرَ المتعيِّنَ زمانُه مُتَعيِّنٌ للصَّوم، فهو كرَمَضانَ، فيلزم (٥) عَدَمُ انْقِطاعِ التَّتابُع به لتعيينِه، أوِ (٦) انْقِطاعِ التَّتابُع بصَومِ رمَضانَ، ضرورة مساواةِ أحدهما للآخر في (٧) تعيينِ الزَّمان، بل الأَولَى أنْ يُقالَ: النَّذْرُ آكَدُ من رَمَضانَ؛ لأِنَّ النَّذْرَ السَّابِقَ مُقدَّمٌ، بخِلافِ رمضانَ، فإنَّ التَّكفيرَ سابِقٌ عليه، قاله ابنُ المنَجَّى. (وَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ؛ كَالسَّفَرِ، وَالْمَرَضِ غَيْرِ الْمَخُوفِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ (٨)، ذَكَرَهُما أبو الخَطَّاب في الثَّانية: أحدُهما: لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ؛ كالمرض المَخُوفِ.

стр. 5010

والثَّاني: بَلَى؛ كما لو أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ. وإنْ أفْطَرَ لسفرٍ يُبِيحُ الفِطْرَ، فالأظْهَرُ عن أحمدَ في روايةِ الأثْرَم: أنَّه لا يَنقَطِعُ (١)، وقاله الحَسَنُ؛ لأِنَّه أفْطَرَ لِعذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ في رمضانَ؛ كفِطْرِ الحائض. وقِيلَ: بلى، وقاله (٢) الأكثرُ؛ لأِنَّ السَّفَرَ حَصَلَ باخْتِياره، فَقَطَعَه، كما لو أفْطَرَ لغَيرِ عُذْرٍ. وفي «الرَّوضة»: إنْ أفْطَرَ لعُذْرٍ؛ كمَرَضٍ وعِيدٍ؛ بَنَى وكفَّرَ كفَّارةَ يمينٍ، قِيلَ لأِحمدَ: مُظاهِرٌ أفْطَرَ لمرضٍ يُعيدُ؟ قال: أرجو أنَّه في عُذْرٍ (٣). فرعٌ: إذا أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطلُعْ، وكان قد طَلَعَ، أوْ أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمسَ قد غابَتْ، ولم تَغِبْ؛ أفْطَرَ، وفي انْقِطاعِ التَّتابُعِ وجْهانِ. (وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا؛ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ)، وقالَهُ الثَّورِيُّ وأبو عُبَيدٍ، والأكثرُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾، [المجَادلة: ٤] أَمَرَ بهما خالِيَيْنِ من التَّمَاسِّ، ولم يُوجَدْ، ولأِنَّ تحريمَ الوطء لا يَختَصُّ بالصيام (٤)، فاسْتَوَى فيه اللَّيلُ والنَّهارُ؛ كالاعتكاف. لا يُقالُ: الواطئ (٥) ما بَقِيَ إلى كفَّارته سَبِيلٌ؛ لأِنَّ الآيةَ دلَّت ألاَّ يُوجَدَ التَّمَاسُّ قَبْلَ الشَّهرَينِ، ولا فيها، فإذا تعذَّر اشْتِراطُ أحدِهما؛ وَجَبَ الآخَرُ؛ لِإِمْكانِه. (وَعَنْهُ: لَا يَنْقَطِعُ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا)؛ أيْ: لا يَنقَطِعُ التَّتابُعُ بفِعْلِه لَيلاً ولا نَهارًا

стр. 5011

ناسِيًا، ورجَّحَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه وَطْءٌ لا يُفطِرُ به؛ كوَطْءِ غَيرِها. وعنه: لا يُفطِرُ، ولا يَنقَطِعُ؛ لأِنَّه فَعَلَ الفِطْرَ ناسيًا. وإنْ أُبِيحَ له الفِطْرُ لعُذْرٍ، فوطِئَ غَيرَها؛ لم يَنقَطِعْ؛ لأِنَّ الوَطْءَ لا أثَرَ له في قَطْعِ التَّتابُع، وإنْ وَطِئَها كان كوطئها لَيلاً، وهل ينقطع (١) التَّتابُع؟ فيه وَجْهانِ. ودلَّ ذلك على أنَّ وَطْأَهُ في أثْناءِ إطعامٍ (٢) - كما نَقَلَه ابنُ مَنصُورٍ (٣) - وعتقٍ، لا يَقطَعُه، ومَنَعَهما في «الانتصار»، ثُمَّ سلَّم الإطْعامَ؛ لأِنَّه بَدَلٌ، والصَّومُ مُبدَلٌ؛ كوَطْءِ مَنْ لا تطيق (٤) الصَّومَ في الإطعام. (وَإِنْ أَصَابَ غَيْرَهَا لَيْلاً؛ لَمْ يَنْقَطِعْ)، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٥)؛ لأِنَّ ذلك غَيرُ مُحرَّمٍ عليه، ولا هو مُخِلٌّ باتباع (٦) الصَّوم؛ كالأكل. ودلَّ على أنَّه إذا لَمَسَ المظاهَرَ منها، أوْ باشَرَها دُونَ الفَرْجِ على وَجْهٍ يُفطِرُ به؛ قُطِعَ التَّتابُعُ؛ لِإخْلالِه بمُوالاةِ الصِّيام، وفي «الرِّعاية» رِوايَتانِ.

стр. 5012

(فَصْلٌ) (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ) الصومَ لكبرٍ، أوْ مرضٍ ولو رُجِيَ زوالُه، أوْ يَخافُ زيادتَه أوْ بُطْأَه، قال جماعةٌ: أوْ لِشَبَقٍ؛ (لَزِمَهُ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)، إجْماعًا (١)، وسَنَدُه الآيةُ الكريمةُ والخبرُ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يجوزُ الاِنْتِقالُ إليه لأجل السَّفر؛ لأِنَّه لا يُعجِزُه عن الصِّيام، وله نهايةٌ يَنتَهِي إليها، وهو من أفعاله الاِخْتِياريَّة، بخلاف المرض. (مُسْلِمًا حُرًّا، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، إِذَا أَكَلَ الطَّعَامَ)، وحاصِلُه: أنَّ مَنْ أُعْطِيَ الزَّكاةَ لحاجته جاز إعْطاؤُه مِنْ طعامها، والمساكينُ هم الذين تُدفَعُ إليهم الزَّكاةُ لحاجتهم، ويَدخُلُ فيه الفقراءُ؛ لأنهم وإنْ كانوا صِنْفَينِ فهم صِنْفٌ واحدٌ. واقْتَصَرَ في «الهَدْي» (٢) عليهما؛ لظاهِر القرآن. وشرطه: الإسلامُ، وهو قَولُ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه شَرْطٌ في دَفْعِ الزَّكاة إليه، والكفَّارةُ جاريةٌ مَجْراها. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب وغَيرُه في ذِمِّيٍّ تخريجًا (٣) من عتقه، وخرَّج الخَلاَّلُ دَفْعَها إلى كافرٍ، قال ابنُ عَقِيلٍ: لعلَّه من المؤلَّفة، ولأِنَّه مِسْكِينٌ من أهل دار الإسلام، فأجْزَأَ الدَّفعُ إليهم منها؛ كالمسلم، وقال الثَّوريُّ: يُعطِيهم إذا لم يَجِدْ غَيرَهم. وجَوابُه: أنَّهم (٤) كُفَّارٌ، فلم يَجُزْ إعْطاؤهم منها؛ كمساكينِ أهلِ الحرب،

стр. 5013

والآيةُ مخصوصةٌ بهذا. والحرِّيَّةُ؛ فلا يَجوزُ دَفْعُها إلى عبدٍ، ولا مُكاتَبٍ، ولا أمِّ ولدٍ؛ لِوجوبِ نَفَقَتِهم على السَّيِّد. ولا فَرْقَ فيه بَينَ الكبير والصَّغير؛ لأِنَّه مسكينٌ، فجاز إطْعامُه كالكبير (١)، وهذا إذا أكَلَ الطَّعامَ، فإنْ لم يأكُلْه؛ لم يُدفَعْ إليه في ظاهِرِ الخِرَقيِّ، وقاله (٢) القاضي، وهي أشْهَرُ الرِّوايتَينِ، قاله المجْدُ، وهو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف؛ كزكاةٍ في روايةٍ نَقَلَها جماعةٌ (٣). وسَواءٌ كان محجورًا عليه أوْ لا، لكن (٤) مَنْ لا حَجْرَ عليه يَقبِضُ لنَفْسِه أوْ وكيلِه، والمحجورُ عليه؛ كالصَّغير والمجنونِ يَقبِضُ له وَلِيُّه. والأخْرى: يُدفَعُ إلى الصَّغير الذي لم يَطعَمْ، ذَكَرَها أبو الخَطَّاب المذهبَ، وقالَهُ أكْثَرُ الفقهاء؛ لأِنَّه مُسْلِمٌ حرٌّ (٥) مُحْتاجٌ، أشْبَهَ الكبيرَ. (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى مُكَاتَبٍ)؛ لأِنَّه عبدٌ. واختار الشَّريفُ: جوازَ دَفْعِها إليه، واختاره (٦) في «المحرَّر» وغيره. وقال أبو الخَطَّاب: يَتخرَّجُ دَفْعُها إليه، بِناءً على جواز إعتاقِه؛ لأِنَّه يأخُذُ من الزَّكاة لِحاجَتِه، أشْبَهَ المسكين (٧). وجوابُه: بأنَّه لَيسَ في معنى المسكين؛ لأِنَّ حاجتَه مِنْ غيرِ جنسِ

стр. 5014

حاجتهم، والكفَّارةُ إنَّما هي للمساكين للآية، ولأِنَّ المسكينَ يُدفَعُ إليه ليقيمَ (١) كِفايَتِه، والمكاتَبُ إنَّما يأخُذُ لِفَكاكِ رَقَبَتِه، وكفايتُه من (٢) كَسْبِه. (وَلَا إِلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ)؛ لأِنَّ الزَّكاة لا تُدفَع إليهم، فكذا الكفَّارةُ. وفي دَفْعِها إلى الزَّوج وجْهانِ؛ بناءً على دَفْعِ الزَّكاة إليه. (وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ مِسْكِينًا)؛ أي: ظاهِرُه الفَقرُ، (فَبَانَ غَنِيًّا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الشَّرح»: وجْهانِ؛ بِناءً على الرِّوايتَينِ في الزَّكاة، وظاهِرُه: أنَّه إذا بان كافِرًا، أوْ عبدًا؛ أنَّه لا يُجزِئُه وَجْهًا واحدًا. (وَإِنْ رَدَّدَهَا عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ سِتِّينَ يَوْمًا؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالى أوْجَبَ إطعامَ ستِّينَ مِسْكينًا، ولم يُطعِمْ إلاَّ مسكينًا واحِدًا، (إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُ، فَيُجْزِئُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ من (٣) عدم الوِجْدان لغيره معذورٌ. (وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ) مُطلَقًا، اختاره في «الانتصار»؛ لظاهِرِ الآية، وقال لمَن احتجَّ لعدمٍ (٤) بزكاةٍ ووصيَّةٍ للفقراء، وخمس (٥) الخُمُس؛ بأنَّ فيه نَظَرًا، وصحَّحها أيضًا في «عيون المسائل»، وقال: اختارها أبو بكرٍ، واحتجَّ ابنُ شِهابٍ: بأنَّه مال أُضِيفَ إلى عددٍ محصورٍ (٦)، فلم يَجُزْ صَرْفُه إلى واحدٍ؛ كما لو قال: للهِ عليَّ أنْ أُطْعِمَ ستِّينَ مسكينًا، أوْ وصَّى لهم.

стр. 5015

(وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ وَإِنْ (١) وُجِدَ غَيْرُهُ)، اختارها (٢) ابن بطَّةَ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّ هذا المسكينَ لم يَسْتَوفِ قوتَ (٣) يومِه من هذه الكفَّارة، فجاز أنْ يُعْطَى منها؛ كاليوم الأوَّل. (وَإِنْ دَفَعَ إِلَى مِسْكِينٍ فِي يَوْمٍ وَاحَدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ؛ أَجْزَأَهُ) على المذهب؛ لأِنَّه دَفَعَ القدرَ الواجبَ إلى العدد الواجب، فأجزأه (٤)، كما لو دَفَعَ ذلك إليه في يَومَينِ. (وَعَنْهُ: لَا يُجْزِئُهُ)؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى قوتَ يوم (٥) من كفَّارةٍ، فلم يَجُزْ أنْ يُدفَعَ إليه ثانيًا؛ كما لو دَفَعَها إليه (٦) من كفَّارةٍ واحدةٍ. فعلى هذا: يُجزِئُه عن إحدى (٧) الكفَّارتَينِ، ويَرجِعُ في الأخرى إنْ كان أعْلَمَه أنَّها كفَّارةٌ، وإلاَّ فلا. ويتخرَّجُ: ألاَّ يَرجِعَ بشيءٍ؛ كالزَّكاة. والأوَّلُ أقْيَسُ وأصحُّ، فإنَّ اعْتِبارَ عدَّةِ المساكين أَوْلَى من اعتبار عدد الأيَّام. فإن (٨) دفع إلى السِّتِّينَ من كفَّارتَينِ؛ فرِوايَتانِ. (وَالْمُخْرَجُ فِي الْكَفَّارَةِ: مَا يُجْزِئُ فِي الْفِطْرَةِ)، وهو التَّمرُ والزَّبيبُ والبُرُّ والشَّعير ونحوُها، وإخراجُ الحبِّ أفضلُ؛ للخروجِ من الخِلاف، وهي حالةُ

стр. 5016

كمالِه (١)؛ لأِنَّه يُدَّخَرُ ويُتهيَّأ لمنافعه كلِّها، بخلافِ غيره. ونَقَلَ ابنُ هانئ (٢): التَّمرُ والدَّقيق أحبُّ إليَّ ممَّا سواهما. وفي «التَّرغيب»: التَّمرُ أعْجَبُ إلى أحمدَ. فإنْ أخْرَجَ دقيقًا جاز؛ لأِنَّه أجزاء الحبِّ (٣)، وقد كفَاهم مُؤنتَه، وهيَّأه لهم، بخلاف الهريسة؛ فإنَّها تَفسُدُ عن قُرْبٍ، وفي السَّوِيق الخلافُ السَّابقُ. (وَفِي الْخُبْزِ رِوَايَتَانِ)، المنصوصُ: الإجزاءُ (٤)، اخْتارَه الخِرَقيُّ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]، والمُطْعِمُ للخبز من أوْسَطِ ما يُطعِم أهلَه، ولأِنَّه مُهيَّأٌ للأكل. والثَّانية: لا، وهو ظاهر «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّه خَرَجَ عن حال الكمال والادِّخار، أشْبَهَ الهَرِيسَةَ. قال القاضي وأصحابُه: الأَوْلى الجَوازُ، وفي «المغني»: هو أحسَنُ، وهذا من أوْسَط ما يُطعِمُ أهْلَه، ولَيسَ الاِدِّخارُ مقصودًا في الكفَّارة، فإنَّها مُقدَّرةٌ بما يَقُوتُ المسكينَ في يومه، وهذا مُهيَّأ للأكل المعتاد للاقْتِيات به، وأمَّا الهَريسةُ فإنَّها خَرَجَتْ عن (٥) الاقتياتِ المعتادِ إلى حَيِّز (٦) الإدام. (فَإِنْ كَانَ قُوتُ بَلَدِهِ غَيْرَ ذَلِكَ)؛ كالذُّرَةِ، والأَرُزِّ؛ (أَجْزَأَهُ مِنْهُ)، في قَولِ أبي الخَطَّاب، والمؤلِّفِ وغيرِهما؛ (لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]) وهذا مِمَّا يُطعِمُه أهلَه، فَوَجَبَ أنْ يُجزِئَه بظاهر النَّصِّ.

стр. 5017

فإنْ أخْرَجَ عن قُوتِ بلده أجْوَدَ منه؛ فقد زاده (١) خَيرًا. واعْتَبَرَ في «الواضح»: غالِبَ قُوتِ بلدِه. وأوْجَبَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وَسَطَه قَدْرًا ونَوعًا مُطلَقًا، بلا تقديرٍ (٢). (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ)، سَواءٌ كان قُوتَ بلده، أوْ لم يكُنْ؛ لأِنَّ الخَبَرَ وَرَدَ بإخراج هذه الأصنافِ في الفطرة، فلم يَجُزْ غَيرُه؛ كما لو لم يكُنْ قوتَ بلده. والأول (٣) أجْوَدُ. (وَلَا يُجْزِئُ مِنَ الْبُرِّ) أوْ دقيقِه (أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ)، وقاله زَيدٌ (٤)، وابنُ عبَّاسٍ (٥)، وابنُ عمرَ (٦)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، حدَّثنا إسماعيلُ، وحدَّثنا أيُّوبُ عن ابنِ يزيدَ المدني (٧)، قال: جاءتِ امرأةٌ من بَنِي بَياضَةَ بنصفِ وَسْقٍ شَعِيرٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ للمُظاهِرِ: «أطْعِمْ هذا، فإنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكانَ مُدِّ

стр. 5018

بُرٍّ» (١)، وعلى هذا يُحمَلُ ما رُوِيَ عن أبي سَلَمَةَ عن سَلَمَةَ بنِ صَخْرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعْطاهُ مِكْتَلاً فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «أطْعِمْ ستِّينَ مِسْكينًا، وذلك لِكُلِّ مسكينٍ مُدٌّ» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وهو للتِّرْمذِيِّ بمَعْناهُ (٢). (وَلَا مِنْ غَيْرِهِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّيْنِ)؛ لقوله ﵇: «فإنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ»، وهو مَرسَلٌ جيِّدٌ، ولأِبي داودَ عن أبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن قال: (يَعْنِي بالعَرَقِ (٣): زِنْبِيلاً يأخُذ خمسةَ عَشَرَ صاعًا) (٤)،

стр. 5019

وإذَن العرقان (١) ثلاثون صاعًا، فيكون لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، ولأِبي داودَ في روايةٍ: «العَرَق (٢) مِكْتَلٌ يَسَعُ ثلاثينَ صاعًا»، وقال: هذا أصحُّ (٣). وعنه: مدٌّ من كلِّ واحدٍ؛ لحديثِ عَطاءٍ عن (٤) أوسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطاهُ خمسةَ عَشَرَ صاعًا من شَعيرٍ إطْعامُ ستِّينَ مسكينًا» رواه أبو داودَ، وقال: عَطاءٌ لم يُدرِكْ أَوْسًا (٥)، وروى (٦) الأثرمُ عن أبي هريرةَ في حديثِ المُجامِعِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتى بعَرَق (٧) فيه خمسةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: «خُذْهُ وتصدَّقْ به» (٨)، ولأِنَّه إطْعامٌ واجِبٌ، فلم يَختَلِفْ باخْتِلافِ أنْواعِ المخرَج؛ كالفِطْرة. وجَوابُه: بأنَّه يَحتَمِلُ أنَّه لم يَجِدْ سِواهُ، ولذلك لَمَّا أخْبَرَه بحاجته إليه أمَرَه بأكْلِه، وفي المتَّفَق عليه قريبٌ من نحو (٩) عشرينَ صاعًا، ولَيسَ ذلك مذهَبًا لأِحَدٍ.

стр. 5020

(وَلَا مِنَ الْخُبْزِ) - إذا قُلْنا بإجزائه - (أَقَلُّ مِنْ رَطْلَيْنِ بِالْعِرَاقِيِّ)؛ أي: مع عدم العلم بأنَّه مُدٌّ؛ لأِنَّ الغالَبَ أنَّ ذلك لا يبلُغُ مُدًّا؛ لأِنَّه ثلاثةُ أسْباعِ الدِّمَشْقِيِّ، وهو به خمسُ أواقٍ وسُبُعُ أُوقِيَّةٍ، فإنْ كان من الشَّعير؛ فلا يُجزِئُ إلاَّ ضِعْفٌ، (إِلاَّ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُدٌّ) من الحِنطة؛ فيُجزِئُ؛ لأِنَّه الواجِبُ. وظاهِرُ ما سَبَقَ: أنَّه لا يَجِبُ الأُدْمُ، بل هو مُستَحَبٌّ، نَصَّ عليه (١). وعنه: بلى، وذَكَر قولَ ابنِ عبَّاسٍ: «بأُدْمِه» (٢). وذَكَرَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين روايةً، وأنَّه (٣) لا يَجِبُ التَّمليكُ في قياس المذهب؛ كزَوْجةٍ، وأنَّ (٤) الأُدْمَ يَجِبُ إذا كان يُطعِمُه أهْلَه (٥). (وَإِنْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ)؛ لم يُجزِئْه، نَقَلَها الميمونيُّ والأثرمُ (٦)، وهو قَولُ الأكثر، منهم عمرُ (٧)، وابنُ عبَّاسٍ (٨)؛ لأِنَّ الواجِبَ هو الإطعامُ، وإعطاءُ (٩) القيمة ليس بإطْعامٍ، فهو باقٍ في عُهْدةِ الواجب.

стр. 5021

(أَوْ غَدَّى الْمَسَاكِينَ، أَوْ عَشَّاهُمْ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ) مُطْلَقًا في ظاهر المذهب؛ لأِنَّ المنقولَ عن الصَّحابة إعْطاؤهم، ولحديث كعبٍ في فِدْيةِ الأذى (١)، ولأِنَّه مالٌ وَجَبَ للفقراء شرعًا، أشْبَهَ الزَّكاةَ. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ (٢)، أمَّا أوَّلاً؛ فلأِنَّ المقصودَ دَفْعُ حاجَةِ المساكين، وهو يَحصُلُ بدَفْع القيمة، وأمَّا ثانيًا؛ فالإجْزاءُ مَشْروطٌ بإذا (٣) أطْعَمَهم القَدْرَ الواجِبَ لهم. ولم يَقُل الشَّيخُ تقيُّ الدِّين بالواجب (٤)، وهو ظاهِرُ نقْلِ أبي داودَ وغَيرِه، فإنَّه قال: أشْبِعْهم، قال: ما أُطْعِمُهم؛ قال: خُبْزًا ولَحْمًا إنْ قَدَرْتَ، أوْ مِنْ أوْسَطِ طعامِكم (٥)، وأَطْعَمَ أنسٌ في فِدْيةِ الصيام (٦)، قال أحمدُ: أطْعَمَ شيئًا كثيرًا (٧). فعلى المذهب: لو قدَّمَ إليهم مُدًّا، وقال (٨): هذا بَينَكم فقَبِلوه، فإنْ قال

стр. 5022

بالسَّوية (١)؛ أجْزَأَ، وإلاَّ فَوَجْهانِ. وقال القاضِي: إنْ عَلِمَ أنَّه وَصَلَ إلى كلِّ واحد (٢) قَدْرُ حقِّه؛ أجْزَأَ، وإلاَّ فلا.

стр. 5023

(فَصْلٌ) (وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ)، لَا بنية التَّقرُّب؛ لأِنَّه حقٌّ على سَبِيلِ الطُّهْرة، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّة؛ كالزَّكاة. (وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ وَالصِّيَامُ)؛ لحديثِ «الْأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ» (١)، ولقوله (٢): «لَا عَمَلَ إلاَّ بِنِيَّةٍ» (٣)؛ لأِنَّ العِتْقَ يَقَعُ مُتبَرَّعًا به، وعن كفَّارةٍ أخرى، أوْ عن نَذْرٍ (٤)، فلم يَنصرِفْ إلى هذه الكفَّارة إلاَّ بنيَّةٍ. وصِفَتُها: أنْ يَنوِيَ العِتْقَ، أو الصِّيامَ، أو الإطعامَ عن الكفَّارة، فإنْ زاد: (الواجِبَة)؛ فتأكيدٌ، وإنْ نَوَى وجوبَها، ولم يَنْوِ الكفَّارةَ؛ لم يُجزِئْه؛ لأِنَّ الوجوبَ يَتَنوَّعُ، فَوَجَبَ تمييزُه. وموضعُها (٥) مع التَّكفير، أوْ قَبْلَه بيسيرٍ. فإنْ كانت الكفَّارةُ صيامًا؛ اشْتُرِطَ نيةُ (٦) الصِّيام عن الكفَّارة في كلِّ ليلةٍ؛ للخَبَرِ (٧). (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لم يَلزَمْه تعيينُ سببِها، سَواءٌ عَلِمَها أوْ

стр. 5024

جَهِلَها، فإنْ عيَّنَه فغَلطَ؛ أجْزَأَهُ عمَّا يَتداخَلُ، وهي الكفَّاراتُ من جِنْسٍ، (فَنَوَى عَنْ كَفَارَتَيْنِ (١)؛ أَجْزَأَهُ)؛ لأِنَّ النِّيَّةَ تعيَّنتْ لها، ولأِنَّه نَوَى عن كفَّارته، ولا مُزاحِمَ لها؛ فَوَجَبَ تعليقُ النِّيَّة بها. (وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ مِنْ جِنْسٍ)؛ كما لو ظاهَرَ من نِسائِه الأَرْبَعِ؛ (فَنَوَى إِحْدَاهَا (٢)؛ أَجْزَأَهُ عَنْ وَاحِدَةٍ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٣)، فإذا أعْتَقَ عبدًا عن ظِهارِه؛ أجْزَأَه عن إحداهنَّ، وحلَّت له واحدةٌ غَيرُ مُعيَّنةٍ؛ لأِنَّه واجِبٌ من جِنْسٍ واحدٍ، فأجْزَأَتْه نيَّةٌ مُطلَقةٌ، كما لو كان عليه صَومُ يَومَينِ من رمَضانَ. وقياسُ المذْهَبِ: أنَّه يُقرِعُ بَينَهنَّ، فيُخرِجُ المحلَّلةَ منهنَّ بالقُرْعة، وقاله أبو ثَورٍ. وقال بعضُ العلماء: له أنْ يَصرِفَها إلى أيَّتِهنَّ شاء فتَحِلُّ. فعلى الأوَّل (٤): لو كان الظِّهارُ من ثلاثٍ نسوةٍ، فأعْتَقَ، ثمَّ صام، ثُمَّ أطْعَمَ؛ حلَّ الجميعُ من (٥) غير قُرْعةٍ؛ لأِنَّ التَّكفيرَ حصل عن الثَّلاث؛ أشْبَهَ ما لو أعتق ثلاثةَ أعْبُدٍ عن الجميع دَفْعةً واحدةً. (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ)؛ كظِهارٍ، وقَتْلٍ، ويمينٍ، فأعتق رقبةً عن أحدها (٦)، ولم يُعيِّنْه؛ (فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، وصحَّحه في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّها عبادةٌ واجبةٌ، فلم تفتقر (٧)

стр. 5025

صحَّةُ أدائها إلى تعيينِ سببها (١)؛ كما لو كانَتْ من جِنْسٍ، قال ابنُ شِهابٍ: بِناءً على أنَّ الكفَّاراتِ كلَّها من جنسٍ، ولأِنَّ آحادها (٢) لا يَفتَقِرُ إلى تعيينِ النِّيَّة، بخِلافِ الصلوات (٣). (وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يُعَيِّنَ سَبَبَهَا)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وحُكِيَ عن أحمدَ (٤)؛ لأنَّهما (٥) عِبادَتانِ من جِنْسَينِ؛ كما لو وَجَبَ عليه صَومٌ من قضاءٍ ونَذْرٍ، وكتيمُّمه لأجناس (٦)، وكوجهٍ في دم (٧) نُسُكٍ ودمٍ محظورٍ، وكعتقِ نذرٍ وعتقِ كفَّارةٍ في الأصحِّ، قاله في «التَّرغيب». (فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ نَسِيَ سَبَبَهَا؛ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ)، قاله أبو بكرٍ؛ لأِنَّ تعيينَ السَّببِ لَيسَ شرطًا، فإذا أخرج كفَّارةً؛ وقَعَتْ عن كفَّارته، فيخرج (٨) عن العُهْدة. (وَعَلَى الثَّانِي) - لا بدَّ من تعيينِ السَّبب -: (تَجِبُ (٩) عَلَيْهِ كَفَّارَاتٌ بِعَدَدِ الْأَسْبَابِ)؛ كما لو نَسِيَ صلاةً من خَمْسٍ، وكما لو عَلِمَ أنَّ عليه يَومًا لا يَعلَمُ هل هو قضاءٌ، أوْ نذرٌ؛ فإنَّه يَلزَمُه صَومُ يَومَينِ، فإنْ كان عليه صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ لا يَدْرِي أهي مِنْ كفارةٍ (١٠)، أوْ نَذْرٍ، أوْ قَضاءٍ؛ لَزِمَه صَومُ تسعةِ أيَّامٍ، كلُّ

стр. 5026

ثلاثةٍ عن واحدةٍ من الجهات. واخْتارَ في «الانتصار»: إن اتَّحد السَّببُ فنوعٌ، وإلاَّ فجنسٌ. قال في «الفروع»: ولو كفَّرَ مرتدٌّ بغَيرِ الصَّوم؛ فنَصُّه: لا يَصِحُّ (١)، وقال القاضي: المذهَبُ صحَّتُه. مسألةٌ: إذا كان عليه (٢) كفَّارتانِ، فأعْتَقَ عنهما عَبدَينِ؛ فله أقْسامٌ: (١) أن يقول: أعتقت هذا عن هذه الكفارة، وهذا عن الأخرى؛ فيجزئه إجماعًا (٣). (٢) أن يقولَ: أعتقتُ هذا عن إحداهما، وهذا عن الأخرى، من غير تعيينٍ؛ فإن (٤) كانا من جنس (٥)؛ جاز، وإنْ كانا من جنسَينِ؛ خُرِّج على (٦) الخلاف في اشْتِراطِ السَّبب. (٣) أنْ يقولَ: أعْتَقْتُهما عن الكفَّارتَينِ؛ أجزآه إنْ كانا من جنسٍ، وإلاَّ فالخِلافُ. (٤) أنْ يُعتِقَ كلَّ واحدٍ منهما جميعًا (٧)، فيكون مُعتِقًا عن كلِّ واحدةٍ من الكفَّارتَينِ نصفَ العَبدَينِ، وفيه الخلافُ السَّابقُ. وذَكَرَ القاضي وجهًا ثالثًا: إنْ كان باقِيهما حرًّا (٨) جاز؛ لأِنَّه حَصَل تكميلُ الأحكام والتَّصرُّف.

стр. 5027

فرعٌ: لا يَجوزُ تقديم (١) الكفَّارة على سببها؛ كتقديم (٢) الزَّكاة على الملْكِ، وإنْ كفَّر بعدَ السَّبب، وقَبْلَ الشَّرط؛ جاز، فلو كفَّر عن الظِّهار بعدَه، وقبلَ العَود؛ جاز؛ لأِنَّه حقٌّ مالي (٣)؛ فجاز تقديمُه قبلَ شَرْطه؛ كالزَّكاة. فلو قال لعبده: إنْ تظهَّرتُ فأنتَ حرٌّ عن ظِهاري، ثُمَّ قال لاِمْرأته: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي؛ عَتَقَ؛ لوجود الشَّرط. وهل يُجزِئُه عن الكفَّارة؟ فيه وجْهانِ.

стр. 5028

(كِتَابُ اللِّعَانِ) هو مَصدَرُ لَاعَنَ لِعانًا، إذا فَعَلَ ما ذُكِرَ، أوْ لَعَنَ كلُّ واحدٍ منهما الآخَرُ، وهو مشتقٌّ من اللَّعْن؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَلعَنُ نفسَه في الخامسة. وقال القاضي: سُمِّيَ به؛ لأِنَّ أحدَ الزَّوجَينِ لا يَنفَكُّ عن أنْ يكونَ كاذِبًا، فتَحصُلُ اللَّعنةُ عليه، وهي الطَّرْدُ والإبعاد، يقال: لَعَنَه اللهُ؛ أيْ: باعَدَه، والْتَعَنَ الرَّجلُ: إذا لَعَنَ نفسَه مِنْ قِبَلِ نَفْسِه. واللِّعانُ لا يكونُ إلاَّ من اثنَينِ، يُقالُ: لاعَنَ امرأتَه لِعانًا، ومُلاعَنَةً، وتَلاعَنَا بمَعْنًى، ولَاعَنَ الإمامُ بَينَهما، ورَجُلٌ لُعَنَة، بوَزْنِ هُمَزَةٍ: إذا كان يَلعَنُ النَّاسَ كثيرًا، ولُعْنةً، بسكون العَين: إذا كان يَلعَنُه النَّاسُ. وشَرْعًا: شهادات (١) مؤكَّدات بأيمان (٢) من الجانِبَينِ، مقرونةٌ باللَّعن والغضب، قائمةٌ مَقامَ حدِّ قَذْفٍ (٣) في جانبه، وحدِّ زِنًى في جانِبها. والأصلُ فيه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ الآياتِ [النُّور: ٦]، نَزَلَتْ سنة (٤) تِسْعٍ، مُنصَرَفُه ﵇ مِنْ تَبوكَ، في عُوَيمرٍ العجلاني أوْ هلال بن أميَّةَ (٥)، ويَحتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ فيهما، ولم يَقَعْ بعدَها بالمدينة إلاَّ في

стр. 5029

زمَنِ عمرَ بنِ عبدِ العزيز، والسُّنَّةُ شهيرةٌ بذلك. ولأِنَّ الزَّوجَ يُبْتَلَى بقذفِ امرأته لنَفْيِ العار والنَّسب الفاسدِ، ويَتعذَّر عليه إقامةُ البيِّنة، فجُعِلَ اللِّعانُ بيِّنةً له، ولهذا لَمَّا نَزَلَتْ آيةُ اللِّعان قال النَّبيُّ ﷺ : «أبْشِرْ يا هلالُ؛ فقد جَعَلَ اللهُ لك فَرَجًا ومَخرَجًا» (١). (وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ) العاقِلُ (امْرَأَتَهُ بِالزِّنَى)، ولو (٢) في طُهْرٍ وَطِئَ فيه، في قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، فكذَّبَتْه؛ لَزِمَه ما يَلزَمُ بقَذْفِ أجنبيَّةٍ من (٣) إيجابِ الحدِّ عليه (٤)، وحُكِم بفسقه وردِّ شهادته، إلاَّ أنْ يأتيَ ببيِّنةٍ أوْ يلاعِن (٥)، ولهذا أعْقَبَه بقَوله: (فَلَهُ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللِّعَانِ)؛ لقَوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … ﴾، الآية [النُّور: ٢٣]، وهو عامٌّ في الزَّوج وغيرِه، وإنَّما خُصَّ الزَّوجُ بأنْ أقامَ لعانَه مَقامَ الشَّهادة في نَفْيِ الحدِّ والفِسْقِ، وردِّ الشَّهادة، ويَدُلُّ عليه قَولُه ﷺ لهلالٍ: «البيِّنةُ، وإلاَّ حَدٌّ في ظَهْرِكَ» (٦)، ولأِنَّه قاذِفٌ؛ فلَزِمَه الحدُّ؛ كما لو أكْذَبَ نفسَه، وكالأجنبيِّ.

стр. 5030

وله إسْقاطُه بلِعانه ولو بَقِيَ سوطٌ (١) واحدٌ، ولو زَنَتْ قبلَ الحدِّ، ويَسقُطُ بلعانه وَحدَه، ذَكَرَه في «المغني» و «التَّرغيب». (وَصِفَتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ الزَّوْجُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ امْرَأَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنَى، وَيُشِيرُ إِلَيْهَا)، ولا يَحتاجُ مع الحضور والإشارة إلى تسميةٍ ونَسَبٍ، كما لا يَحتاجُ إلى ذلك في سائر العقود. (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً سمَّاهَا (٢) وَنَسَبَهَا)، حتَّى تَنتَفِيَ المشارَكةُ بَينَها وبَينَ غيرها، قلتُ: ولا يَبعُدُ أنْ يقومَ وصفُها (٣) بما هي مشهورةٌ به مَقامَ الرَّفع في نَسَبِها. (حَتَّى يُكَمِّلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنَ الزِّنَى). وقِيلَ: لا يُشترَطُ أنْ يذكُرَ الرَّميَ بالزِّنى، قاله في «الرِعاية». (ثُمَّ تَقُولَ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)، وتُشيرُ إليه إنْ كان حاضرًا، وإنْ كان غائبًا أسْمَتْه ونسَبَتْه، (ثُمَّ تَقُولَ فِي الْخَامِسَةِ: وَأَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَماَنِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)؛ للآية والأخبار، وإنَّما خُصَّتْ هي في الخامسة بالغضب؛ لأِنَّ النِّساءَ يُكثِرْنَ اللَّعن (٤) كما وَرَدَ (٥). (فَإِنْ)؛ هذا شروعٌ في بيان شروطه وهي ستَّةٌ: أحدها: اسْتِعْمال الألفاظ الخمسة، فإنْ (نَقَصَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَلْفَاظِ

стр. 5031

الْخَمْسَةِ شَيْئًا)، ولو قلَّ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ الله تعالى علَّق الحكمَ عليها، ولأِنَّها بيِّنةٌ، فلم يَجُزْ النَّقصُ من عددها؛ كالشَّهادة. (أَوْ بَدَأَتْ بِاللِّعَانِ قَبْلَهُ)؛ لم يُعتَدَّ به؛ لأِنَّه خلافُ المشروع، وكذا إنْ قدَّم الرَّجلُ اللَّعنةَ على شيءٍ من الألفاظ الأربعة، أوْ قدَّمَتْ هي الغَضَبَ عليها؛ لأِنَّ لِعانَ الرَّجل بيِّنةٌ لإثبات (١)، ولعانَها بيِّنةٌ لإنكار (٢)، فلم يَجُزْ تقديمُ الإنكار على الإثبات (٣). (أَوْ تَلَاعَنَا بِغَيْرِ حَضْرَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ نَائِبِهِ؛ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ)؛ لأِنَّه يمينٌ في دعوَى (٤)، فاعتُبِرَ فيه أمرُ الحاكِم؛ كسائر الدَّعاوَى. الرَّابعُ: أنْ يأتيَ كلُّ واحدٍ منهما باللِّعان بعدَ إلْقائه عليه، فإنْ بادر قبلَ أنْ يُلقِيَه الإمامُ أوْ نائبُه؛ لم يصحَّ؛ كما لو حلف قبلَ أنْ يحلِّفَه الحاكمُ. الخامسُ: الإشارةُ من كلٍّ منهما إلى صاحبه إنْ كان حاضِرًا، أوْ يسمِّيه ويَنسُبُه إنْ كان غائبًا. ولا يُشترَطُ حضورُهما معًا، بل لو كان أحدُهما غائبًا عن صاحبه؛ مثلَ أنْ يكونَ الرَّجلُ في المسجد، والمرأةُ على بابه لعُذْرٍ؛ جاز. (وَإِنْ أَبْدَلَ لَفْظَةَ أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ، أَوْ أَحْلِفُ، أَوْ لَفْظَةَ اللَّعْنَةِ بِالْإِبْعَادِ، أَوِ الْغَضَبِ (٥) بِالسُّخْطِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، هذا هو الشَّرطُ السَّادِسُ لصحَّةِ اللِّعان، وهو أنْ يأتيَ بالألفاظ على صورةِ (٦) ما وَرَدَ الشرع به (٧)؛ لأِنَّ اتباع لفظ

стр. 5032

النَّصِّ أَوْلَى، ولأنَّه (١) مَوضِعٌ وَرَدَ الشَّرعُ فيه بلفظ الشَّهادة، أشْبَهَ الشَّهادةَ في الحقوق، وهذا أظْهَرُ الوَجْهَينِ، قاله في «المستوعب»، وصحَّحه المؤلِّفُ وغيرُه. والآخَرُ: يُعتَدُّ به؛ لأِنَّه أتى بالمعنى، أشبه ما لو أبدل: (إنِّي لمن الصَّادقِينَ) بقوله: (لقد زَنَتْ)، قال الخِرَقيُّ: يقولُ الرَّجلُ: (أشْهَدُ بالله لقد زَنَتْ)، وليس هذا لفظَ النَّصِّ، فدلَّ على أنَّه لم يُشترَطْ ذكرُ اللَّفظ، ولكِنْ نقلَ ابنُ منصورٍ: (على ما في كتاب الله تعالى) (٢). وإنْ أبدلت لفظة الغضب باللَّعنة؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الغَضَبَ أبْلَغُ، ولهذا اختصَّتِ المرأةُ به؛ لأِنَّ إثْمَها أعظمُ، والمعيَّرةُ (٣) بزِناها أقبحُ. وإنْ أبدلتها (٤) بالسُّخط؛ خُرِّجَ على الوجهَينِ فيما إذا أبدل لفظة اللَّعنة بالإبعاد. وإنْ أبْدَلَ لفظة (٥) اللَّعنة بالغضب؛ فاحتمالانِ: الجَوازُ؛ لأِنَّه أبلغُ. وعدمُه؛ لمخالفة المنصوص. ولا يَصِحُّ تعليقُه على شرطٍ، قاله ابنُ عقيلٍ وغيرُه. وفي «الترغيب»: تُشترَطُ موالاةُ الكلمات. وأوْمَأَ في روايةِ ابنِ منصورٍ: أنَّ الخامِسةَ لا تشترط، تنفيذ (٦) حكمه، لا على الأولى، قاله في «الانتصار».

стр. 5033

(وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اللِّعَانِ بِالْعَرَبِيَّةِ؛ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إِلاَّ بِهَا)؛ لأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بالعربيَّة، فلم يصحَّ بغيرها؛ كأذكار (١) الصَّلاة. (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا؛ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّه منصوصٌ عليه، فلَزِمَه تعلُّمها؛ كالفاتحة. (وَفِي الآخَرِ (٢): يَصِحُّ بِلِسَانِهِ)، في ظاهِرِ المذهب، قاله في «الواضح»، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الكافي» و «الوجيز»؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، وكالنكاح (٣). فإن كان الحاكِمُ يُحسِنُ لسانَهما؛ أجْزَأَ ذلك، ويُستحَبُّ أنْ يَحضُرَ معه أربعةٌ يُحسِنونَ لسانهما (٤)، فإنْ كان الحاكِمُ لا يُحسِنُ؛ فلا بدَّ من ترجمان (٥)، ولا يُجزِئُ فيها أقلُّ من عدلَينِ على المذهب. (وَإِذَا فُهِمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ، أَوْ كِتَابَتُهُ؛ صَحَّ لِعَانُهُ بِهَا (٦)، قاله القاضي وأبو الخَطَّاب، وذكره في «المستوعب» و «الرِّعاية»، وقدَّمه في «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ كطلاقه. وعنه: لا يَصِحُّ، اختاره المؤلِّفُ، قال أحمدُ: إذا كانت المرأةُ خَرْساءَ لم تُلاعِنْ (٧)؛ لأِنَّه لا تُعلم مطالَبتها، ولأِنَّ اللِّعانَ يَفتَقِرُ إلى الشَّهادة، أشْبَهَ الشَّهادةَ الحقيقيَّة، ولأِنَّ الحَدَّ يُدرأُ بالشُّبهة، والإشارة ليستْ صريحةً كالنُّطق، ولا يَخْلُو من احتمالٍ وتردُّدٍ.

стр. 5034

وجوابه: أنَّ الشَّهادةَ يُمكِنُ حصولُها من غيره، فلم تَدْعُ الحاجة إليه فيها، واللِّعانُ لا يَحصُلُ إلاَّ منه؛ فدعت (١) الحاجة إلى قَبوله منه؛ كالطَّلاق. قال المؤلِّفُ: وقَولُنا أحْسَنُ؛ إذ الشَّهادةُ قد لا تَحصُلُ إلا (٢) منه؛ لاِخْتِصاصه برؤيةِ المشْهودِ عليه، أوْ سماعه إيَّاه. وجوابُه: بأنَّ مُوجِبَ القَذْفِ وُجوبُ الحَدِّ، وهو يدرأ بالشُّبهة، ومَقصودُ اللِّعان نفيُ النَّسب، وهو يَثبُتُ بالإمْكان مع ظهور انتفائه. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا كان غيرَ معلومي الإشارة والكتابة؛ لم يصح (٣). فرعٌ: إذا قَذَفَ الأخرسُ ولَاعَنَ، ثمَّ تكلَّم فأنكرهما؛ لم يُقبَلْ إنكارُه للقذف؛ لأِنَّه قد يتعلَّقُ به حقٌّ لغيره بحكم الظَّاهر، ويُقبَلُ إنكارُه للِّعان (٤) فيما عليه، فيُطالَبُ بالحدِّ، ويَلحَقُه النَّسبُ، ولا تَعودُ الزَّوجةُ. فإنْ قال: أنا أُلَاعِنُ لسُقوطِ الحدِّ ونفيِ النَّسَبِ؛ كان له ذلك. وإنِ اعْتَرَفَ بالزِّنى، ثُمَّ أنْكَرَ؛ فكاللعان (٥). (وَهَلْ يَصِحُّ لِعَانُ مَنِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، وَأُيِسَ مِنْ نُطْقِهِ بِالْإِشَارَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يصحَّ (٦)؛ كالأخْرَس الأصليِّ. والثَّاني: لا؛ لأِنَّه عَجَزَ عن النُّطق لعارِضٍ، أشبهَ غير المأْيُوس. فإنْ قال: لم أُرِدْ قذْفًا ولِعانًا؛ قُبِلَ في لعانٍ في حدٍّ ونسبٍ فقط، ويُلاعِنُ لهما.

стр. 5035

فإنْ رجِيَ نطقُه انْتُظِرَ، وفي «الترغيب»: ثلاثةَ أيَّامٍ. وفائدتُه: صحَّةُ قذفِ الأخرس ولِعانه؛ لأِنَّا لا نأمُرُه باللِّعان، ونَحبِسُه إذا نَكَلَ حتَّى يُلاعِنَ، ذَكَرَه في «عيون المسائل»، وكلامُ غيرِه يَقتَضِي أنَّه يُحَدُّ.

стр. 5036

(فَصْلٌ) (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَتَلَاعَنَا قِيَامًا)؛ لقوله ﵇ لِهِلالِ بنِ أُمَيَّةَ: «قُمْ فاشْهَدْ أرْبَعَ شهاداتٍ» (١)، ولأِنَّه أبْلَغُ في الرَّدْع، فيَبدَأُ الزَّوجُ فيَلْتَعِنُ وهو قائمٌ، فإذا (٢) فرغ قامت المرأةُ، فالْتَعَنَتْ. (بِحَضْرَةِ (٣) جَمَاعَةٍ)؛ لحُضورِ ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وابنِ عُمَرَ (٥)، وسَهْلِ ابنِ سعدٍ (٦) مع حَداثةِ أسْنانِهم، فدلَّ على (٧) أنَّه حضَرَ جمْعٌ كثيرٌ؛ لأِنَّ الصِّبْيانَ إنَّما يَحضُرونَ تَبَعًا للرِّجال؛ إذِ اللِّعانُ مَبْنِيٌّ على التَّغليظ للرَّدْع والزَّجْر، وفِعْلُهُ في الجماعة أبْلَغُ في ذلك. ويُستَحَبُّ ألاَّ يَنقُصُوا عن أربعةٍ؛ لأِنَّ بيِّنةَ الزِّنى التي شُرِعَ اللِّعانُ من أجْلِ الرَّمْيِ به أربعةٌ، ولَيسَ بواجِبٍ بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٨). (فِي الْأَوْقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الْمُعَظَّمَةِ)، هذا (٩) قَولُ أبي الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «المستوعب» و «المحرَّر» و «الوجيز». ففي الزَّمان: بَعْدَ العصر؛ لقول الله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ

стр. 5037

فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، والمرادُ: صلاةُ العصر في قَولِ المفسِّرِينَ (١)، وقال أبو الخَطَّاب: وبَينَ الأَذَانَينِ؛ لأِنَّ الدُّعاءَ بَينَهما لا يُرَدُّ. وفي المكان: بمكَّةَ، بَينَ الركن (٢) الذي فيه الحَجَرُ الأسودُ والمقامُ، وهو المسمَّى بالحَطِيم، ولو قِيلَ: بالحِجْر لَكانَ أَوْلَى؛ لأِنَّه من البيت. وبالمدينة: عِنْدَ المنبَر مِمَّا يَلِي القبرَ الشَّريفَ؛ لقوله ﵇: «ما بَينَ قَبْرِي ومِنْبَرِي رَوضةٌ من رياضِ الجَنَّة» (٣). وببيت (٤) المقْدِسِ: عندَ الصَّخرة. وفي سائر البلدان: في جَوامِعها. وهل يَجوزُ أنْ يَرتَقِيَا على المنابِر أوْ لا، وإنْ كان في النَّاس كَثْرَةٌ؟ فيه احْتِمالٌ، أو وجهٌ (٥)، قاله في «الواضح».

стр. 5038

وحائضٌ ونحوُها ببابِ المسجد (١)؛ لتحريمِ مُكْثِها فيه (٢)، فلو رَأَى الإمامُ تأخيرَه إلى انْقِطاعِ الدَّم وغُسْلِها؛ لم يَبعدْ. والوجْهُ الثَّاني: لا يُستَحَبُّ التَّغليظُ مُطلَقًا، قاله القاضي، وقدَّمه في «الكافي»؛ لأِنَّ الله تعالى أطْلَقَ الأمْرَ به، ولأِنَّه ﵇ أمَرَ الرَّجلَ بإحْضارِ امرأته (٣)، ولم يَخُصُّه بزمنٍ، ولو خَصَّه لَنُقِلَ. وأطْلَقَ الخِلافَ في «الفروع»، وخَصَّهما في «التَّرغيب» بالذِّمَّة. وظاهِرُه على الأوَّل: ولو كانا كافِرَينِ، فعلى هذا يَحضُرُهم في أوقاتهم المعظَّمةِ، وبُيوتِ عباداتهم (٤)؛ كالكنائس لأِهْلِ الكتاب، وبُيوتِ النَّار للمجوس، ويَحتَمِلُ أنْ يُغلَّظَ بالمكان (٥). (وَإِذَا بَلَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخَامِسَةَ؛ أَمَرَ الْحَاكِمُ رَجُلاً فَأَمْسَكَ يَدَهُ عَلَى فِي الرَّجُلِ، وَامْرَأَةً تَضَعُ يَدَهَا عَلَى فِي الْمَرْأَةِ، ثُمَّ يَعِظُهُ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ قال: ««يشهد (٦) أربعَ شهاداتٍ بالله إنَّه لمن الصَّادقِينَ»، ثُمَّ أمَرَ به فأُمْسِكَ على فيه، فوَعَظَه، وقال: «ويْحَكَ، كلُّ شَيءٍ أهْوَنُ عليكَ من لعنةِ الله»، ثُمَّ أرْسَلَهُ، فقال: «لعنةُ الله عليه إنْ كانَ من الكاذبِين»، ثُمَّ دَعَا بها فشَهِدَتْ أربعَ شهادات بالله إنَّه لمنَ الكاذبِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بها فأُمْسِكَتْ على فيها فَوَعَظَها، وقال: «ويْلَكِ، كلُّ شَيءٍ أهْوَنُ عليكِ من غَضَبِ الله» أخْرَجَه الجُوزَجانِيُّ (٧).

стр. 5039

وظاهِرُه: أنَّ الواعِظَ هو الحاكِمُ، وحَكاهُ في «الرِّعاية» قَولاً. (فَيَقُولُ: اتَّقِ اللهَ، فَإِنَّهَا الْمُوجِبَةُ) للَّعنة، أو الغضب (١) من الله، (وَعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآْخِرَةِ)؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عبَّاسٍ قال: «لَمَّا كانَتِ الخامِسةُ قِيلَ لِهلالِ بنِ أُمَيَّةَ: اتَّقِ الله (٢)، فإنَّها الموجِبَةُ، وفيه: فإنَّ عذابَ الدُّنيا أهون من عذاب الآخِرَةِ» (٣)؛ لأِنَّ عذابَ الدُّنيا مُنقَطِعٌ، وعذاب الآخرة دائمٌ؛ لِيَتُوبَ الكاذِبُ منهما، ويَرتَدِعَ عمَّا عَزَمَ عليه. (وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ) أوْ نائبِه، وقد تقدَّم أنَّ هذا شرطٌ لصحَّةِ اللِّعانِ، فإنْ تحاكَما إلى رجلٍ يَصلُحُ للقضاء فحكَّماه بَينَهما فَلَاعَنَ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ اللِّعانَ مَبْنِيٌّ على التَّغليظ، فلم يَجُزْ لغَيرِ الحاكِمِ؛ كالحَدِّ. وحَكَى المؤلِّفُ: أنَّه يَنفُذُ في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وسواءٌ كان الزَّوجانِ حُرَّينِ، أوْ مَمْلوكَينِ في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ. وقال الشَّافِعِيُّ: للسَّيِّد أنْ يُلاعِنَ بَينَ عبده وأَمَتِه؛ كالحَدِّ (٤). وجَوابُه: أنَّه لا يَملِكُ إقامَتَه على أَمَتِه المزوَّجةِ، ثُمَّ لا يُشْبِهُ اللِّعانُ الحَدَّ؛ لأِنَّه زَجْرٌ وتأديبٌ، واللِّعانُ إمَّا شَهادةٌ أوْ يمينٌ، فافترقا. (فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ خَفِرَةً)، بفَتْح الخاء وكَسْرِ الفاء؛ يَعْنِي: شديدةَ الحَياء،

стр. 5040

وهي ضدُّ البَرْزَة؛ (بَعَثَ مَنْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا) يَعْنِي: نائبَه وعُدولاً، فلو اقْتَصَرَ على نائبه؛ جاز؛ لأِنَّ الجَمْعَ غيرُ واجِبٍ؛ كما يَبعَثُ مَنْ يَستَحْلِفُهما في الحقوق، ولأِنَّ الغَرَضَ يَحصُلُ ببعث (١) مَنْ يَثِقُ الحاكِمُ به، فلا ضَرورةَ إلى إحضارها وتَرْكِ عادتها مع حصول (٢) الغَرَض بِدُونِه. وفي «عيون المسائل»: للزَّوج أنْ يُلاعِنَ مع غَيْبتها وتُلاعِنَ مع غَيبتِه. (وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ (٣) نِسَاءَهُ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ)، على المذهب سواءٌ قَذَفَهُنَّ بكلمةٍ، أوْ كَلِماتٍ؛ لأِنَّه قاذِفٌ لكلِّ واحدةٍ منهنَّ، أشْبَهَ ما لو لم يَقذِفْ غَيرَها. ويَبدَأُ بِلِعانِ التي تَبدَأُ بالمطالَبةِ، فإنْ طالَبْنَ جميعًا، وتَشاحَحْنَ؛ فالقُرْعةُ، وإنْ لم يَتَشاحَحْنَ؛ بَدَأَ بمَنْ شاء منهنَّ، ولو بَدَأَ بواحدةٍ منهنَّ من غَيرِ قرعةٍ مع المشاححة؛ جاز. (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ لِعَانُ وَاحِدٌ)؛ لأِنَّ اللِّعانَ تابِعٌ للقَذْف، والقَذْفُ وإنْ تعدَّد فكَلِمَتُه واحدةٌ، فعلى هذا: (يَقُولُ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكُنَّ بِهِ مِنَ الزِّنَى، وَتَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَى)؛ لأِنَّ حَلِفَهُنَّ جملةً لا يُمكِنُ. (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ الْقَذْفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ لِعَانٌ وَاحِدٌ (٤)؛ لأِنَّه قَذْفٌ واحِدٌ، فخَرَجَ عن عُهْدَته بلِعانٍ واحِدٍ، كما لو قَذَفَ واحِدةً، (وَإِنْ قَذَفَهُنَّ بِكَلِمَاتٍ؛ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ)؛ كما لو قَذَفَ كلَّ واحدةٍ بعدَ لِعَانِ الأخرى.

стр. 5041

وعنه: إنْ طالَبُوا عندَ الحاكِمِ مطالبةً واحدةً؛ فحَدٌّ واحِدٌ، وإلاَّ فحُدودٌ، حكاها في «المستوعب».

стр. 5042

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، ثُمَّ خُصَّ (١) الأزواجُ من عُمومِها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى العُموم. (عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ)؛ لأِنَّه إمَّا يمينٌ أوْ شهادةٌ، وكِلاهما لا يَصِحُّ مِنْ مَجنونٍ، ولا غَيرِ بالِغٍ؛ إذْ لا عِبْرَةَ بقَولِهما. (سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ فِي إِحْدَى (٢) الرِّوَايَتَيْنِ)؛ أيْ: يَصِحُّ بَينَهما مُطلَقًا إذا كانا مُكلَّفَينِ، نَقَلَه (٣) واختاره الأكثرُ، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ أنَّه أظهر (٤) الرِّوايتَينِ؛ لعُمومِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ [النُّور: ٦]، ولأِنَّ اللِّعانَ يَمينٌ، بدليلِ قَولِه ﵇: «لَوْلَا الأَيْمانُ لَكانَ لي ولها شَأْنٌ» (٥)، ولأِنَّه يَفتَقِرُ إلى اسْمِ الله تعالى، ويَسْتَوِي فيه الذَّكَرُ والأنثى، ولأِنَّ الزَّوجَ يَحتاجُ إلى نَفْيِ الولد، فشُرِع له اللِّعانُ طريقًا إلى نَفْيِه؛ كما لو كانَتْ ممَّنْ يُحَدُّ بقَذْفِها.

стр. 5043

(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ إِلاَّ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَيْنِ)، اختاره الخِرَقيُّ، وعلَّله أحمدُ: بأنَّه (١) شهادةٌ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فجَعَلَهُم شهداءَ، وقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النُّور: ٦]. وعنه: لا لِعانَ بقَذْفِ غيرِ المحْصَنةِ، وهي الأَمَةُ والذِّمِّيَّةُ والمحدودةُ في الزِّنى، لزوجها لِعانُها لِنَفْيِ الولد خاصَّةً، ولَيسَ له لِعانُها لإسْقاطِ حدِّ القَذْف والتَّعزير، ذَكَرَه القاضي. وعنه: المحْصَنَةُ وزَوجُها المكلَّفُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النُّور: ٤]. وأمَّا تسميته (٣) شهادةً؛ فلقوله في يمينه: أشْهَدُ بالله. وحاصِلُه: أنَّ المُلاعنةَ: كلُّ زَوجةٍ عاقِلةٍ بالِغةٍ. وعنه (٤): مسلمةٍ حرَّةٍ عَفِيفةٍ. (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا؛ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ المشروطَ يَفوتُ بفَواتِ شَرْطِه، والأُولَى هي المنصوصةُ عن أحمدَ في روايةِ الجماعة، وما يُخالِفُها شاذٌّ في النَّقل. (وَإِنْ (٥) قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً)، ثُمَّ تزوَّجَها؛ حُدَّ ولم يُلاعِنْ؛ لأِنَّه وَجَبَ في حالِ كَونِها أجنبيَّةً، أشْبَهَ ما لو لم يَتزَوَّجْها، فلو قَذَفَها ولم (٦) يتزوَّجْها؛ فعليه الحَدُّ

стр. 5044

إنْ كانَتْ مُحصَنَةً، وإلاَّ عُزِّرَ. (أَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ؛ حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعَنْ)، وقاله (١) أبو ثَورٍ، سواءٌ كان ثَمَّ وَلَدٌ أوْ لَا؛ لأِنَّه قَذَفَها بزِنًى مُضافٍ إلى حال البَينونة، أشْبهَ ما لو قَذَفَها وهي بائنٌ، وفارَقَ قَذْفَ الزَّوجة؛ لأِنَّه مُحتاجٌ إليه. وعنهُ: له لِعانُها؛ لعموم الآية. وعنه: لنَفْيِ الولد، قدَّمه في «الكافي». والأوَّلُ المذهَبُ؛ لأِنَّه إنْ كان بَينَهما وَلَدٌ؛ فهو مُحتاجٌ إلى نَفْيِه، وهنا إذا تزوَّجَها وهو يَعلَمُ زِناها؛ فهو المفرِّط (٢) في نكاحِ حامِلٍ من الزِّنى. فرعٌ: إذا مَلَكَ أَمَةً وقَذَفَها؛ فلا لِعانَ، ويُعزَّرُ فَقَطْ. (وَإِنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًى فِي النِّكَاحِ)؛ أي: إذا أبانَ زَوجتَه، ثُمَّ قَذَفَها بزِنًى أضافه إلى حالِ الزَّوجيَّة أو العدَّة، وبَينَهما ولدٌ؛ لَاعَنَ لِنَفْيِه؛ لأِنَّه يَلحَقُه نَسَبُه بحُكْم عَقْدِ النِّكاح، فكان له نَفْيُه. ويُفارِقُ إذا لم يَكُنْ له ولَدٌ، فإنَّه لا حاجةَ إلى القذف؛ لكَونِها أجنبيَّةً، وسائرُ الأجنبيَّات لا يَلحَقُه وَلَدُهنَّ، فلا حاجةَ إلى قَذْفِهنَّ. وحَكى في «الانتصار» عن أصحابنا: إنْ أبانَها، ثُمَّ قَذَفَها بزِنًى في الزَّوجيَّة أنَّه يُلاعِنُ. وعلى الأوَّل: متى لَاعَنَهَا لنَفْيِ ولدِها؛ انْتَفَى وسَقَطَ عنه الحَدُّ، وفي ثبوت التَّحريم المؤبَّدِ وجْهانِ. (أَوْ قَذَفَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ؛ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ، وَإِلاَّ حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ)؛ لِمَا ذَكَرْناه، فلو لَاعَنَها مِنْ غَيرِ ولدٍ؛ لم يَسقُط الحَدُّ، ولم يَثبُت التَّحريمُ المؤبَّدُ؛ لأِنَّه لِعانٌ فاسدٌ، وسواءٌ اعتقد أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ أمْ لا.

стр. 5045

فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ يا زانيةُ ثلاثًا؛ لَاعَنَ، نَصَّ عَليهِ (١)؛ لإبانَتِها بعدَ قَذْفِها، وكقذف (٢) الرَّجعيَّة، قِيلَ لأِحمدَ: فإنَّهم (٣) يقولونَ: يُحَدُّ، ولا يَلزَمُها إلاَّ واحدةٌ، فقال: بئس (٤) ما تَقُولونَ (٥). وإنْ قالَ: أنتِ (٦) طالِقٌ ثلاثًا يا زانيةُ؛ يُلاعِنْ (٧)، نَصَّ عليه، وهو محمولٌ على من (٨) بَينَهما وَلَدٌ؛ لأِنَّه يعني (٩) إضافةَ قَذْفِها إلى حالِ الزَّوجيَّة؛ لاِسْتِحالةِ الزِّنى منها بعدَ طلاقِه لها. فائدةٌ: سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ طلَّق واحدةً أو اثنتَينِ، ثُمَّ قَذَفَها، قال: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵁: «لا يلاعِن (١٠) ويُجلَدُ»، وقال ابنُ عمرَ ﵄: «يلاعِن (١١) ما كانَتْ في العدَّة» (١٢)، قال: وقَولُ ابنِ عمرَ أجْوَدُ (١٣)؛ لأِنَّها زَوجَة. (وَإِنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ قَذْفِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ)، نَصَّ عَلَيهِ (١٤)، وهو قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لِعُمومِ الآية، فإذا لم يُلاعِنْ
следующие страницы →