← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وعنه: إنْ طالَبُوا عندَ الحاكِمِ مطالبةً واحدةً؛ فحَدٌّ واحِدٌ، وإلاَّ فحُدودٌ، حكاها في «المستوعب».

стр. 5042

(فَصْلٌ) (وَلَا يَصِحُّ إِلاَّ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، ثُمَّ خُصَّ (١) الأزواجُ من عُمومِها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى العُموم. (عَاقِلَيْنِ بَالِغَيْنِ)؛ لأِنَّه إمَّا يمينٌ أوْ شهادةٌ، وكِلاهما لا يَصِحُّ مِنْ مَجنونٍ، ولا غَيرِ بالِغٍ؛ إذْ لا عِبْرَةَ بقَولِهما. (سَوَاءٌ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، أَوْ ذِمِّيَّيْنِ، أَوْ رَقِيقَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَذَلِكَ فِي إِحْدَى (٢) الرِّوَايَتَيْنِ)؛ أيْ: يَصِحُّ بَينَهما مُطلَقًا إذا كانا مُكلَّفَينِ، نَقَلَه (٣) واختاره الأكثرُ، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ أنَّه أظهر (٤) الرِّوايتَينِ؛ لعُمومِ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ … (٦)﴾ [النُّور: ٦]، ولأِنَّ اللِّعانَ يَمينٌ، بدليلِ قَولِه ﵇: «لَوْلَا الأَيْمانُ لَكانَ لي ولها شَأْنٌ» (٥)، ولأِنَّه يَفتَقِرُ إلى اسْمِ الله تعالى، ويَسْتَوِي فيه الذَّكَرُ والأنثى، ولأِنَّ الزَّوجَ يَحتاجُ إلى نَفْيِ الولد، فشُرِع له اللِّعانُ طريقًا إلى نَفْيِه؛ كما لو كانَتْ ممَّنْ يُحَدُّ بقَذْفِها.

стр. 5043

(وَالْأُخْرَى: لَا يَصِحُّ إِلاَّ بَيْنَ زَوْجَيْنِ، مُسْلِمَيْنِ، حُرَّيْنِ، عَدْلَيْنِ)، اختاره الخِرَقيُّ، وعلَّله أحمدُ: بأنَّه (١) شهادةٌ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ [النُّور: ٦]، فجَعَلَهُم شهداءَ، وقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النُّور: ٦]. وعنه: لا لِعانَ بقَذْفِ غيرِ المحْصَنةِ، وهي الأَمَةُ والذِّمِّيَّةُ والمحدودةُ في الزِّنى، لزوجها لِعانُها لِنَفْيِ الولد خاصَّةً، ولَيسَ له لِعانُها لإسْقاطِ حدِّ القَذْف والتَّعزير، ذَكَرَه القاضي. وعنه: المحْصَنَةُ وزَوجُها المكلَّفُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النُّور: ٤]. وأمَّا تسميته (٣) شهادةً؛ فلقوله في يمينه: أشْهَدُ بالله. وحاصِلُه: أنَّ المُلاعنةَ: كلُّ زَوجةٍ عاقِلةٍ بالِغةٍ. وعنه (٤): مسلمةٍ حرَّةٍ عَفِيفةٍ. (فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا؛ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّ المشروطَ يَفوتُ بفَواتِ شَرْطِه، والأُولَى هي المنصوصةُ عن أحمدَ في روايةِ الجماعة، وما يُخالِفُها شاذٌّ في النَّقل. (وَإِنْ (٥) قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً)، ثُمَّ تزوَّجَها؛ حُدَّ ولم يُلاعِنْ؛ لأِنَّه وَجَبَ في حالِ كَونِها أجنبيَّةً، أشْبَهَ ما لو لم يَتزَوَّجْها، فلو قَذَفَها ولم (٦) يتزوَّجْها؛ فعليه الحَدُّ

стр. 5044

إنْ كانَتْ مُحصَنَةً، وإلاَّ عُزِّرَ. (أَوْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ؛ حُدَّ، وَلَمْ يُلَاعَنْ)، وقاله (١) أبو ثَورٍ، سواءٌ كان ثَمَّ وَلَدٌ أوْ لَا؛ لأِنَّه قَذَفَها بزِنًى مُضافٍ إلى حال البَينونة، أشْبهَ ما لو قَذَفَها وهي بائنٌ، وفارَقَ قَذْفَ الزَّوجة؛ لأِنَّه مُحتاجٌ إليه. وعنهُ: له لِعانُها؛ لعموم الآية. وعنه: لنَفْيِ الولد، قدَّمه في «الكافي». والأوَّلُ المذهَبُ؛ لأِنَّه إنْ كان بَينَهما وَلَدٌ؛ فهو مُحتاجٌ إلى نَفْيِه، وهنا إذا تزوَّجَها وهو يَعلَمُ زِناها؛ فهو المفرِّط (٢) في نكاحِ حامِلٍ من الزِّنى. فرعٌ: إذا مَلَكَ أَمَةً وقَذَفَها؛ فلا لِعانَ، ويُعزَّرُ فَقَطْ. (وَإِنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًى فِي النِّكَاحِ)؛ أي: إذا أبانَ زَوجتَه، ثُمَّ قَذَفَها بزِنًى أضافه إلى حالِ الزَّوجيَّة أو العدَّة، وبَينَهما ولدٌ؛ لَاعَنَ لِنَفْيِه؛ لأِنَّه يَلحَقُه نَسَبُه بحُكْم عَقْدِ النِّكاح، فكان له نَفْيُه. ويُفارِقُ إذا لم يَكُنْ له ولَدٌ، فإنَّه لا حاجةَ إلى القذف؛ لكَونِها أجنبيَّةً، وسائرُ الأجنبيَّات لا يَلحَقُه وَلَدُهنَّ، فلا حاجةَ إلى قَذْفِهنَّ. وحَكى في «الانتصار» عن أصحابنا: إنْ أبانَها، ثُمَّ قَذَفَها بزِنًى في الزَّوجيَّة أنَّه يُلاعِنُ. وعلى الأوَّل: متى لَاعَنَهَا لنَفْيِ ولدِها؛ انْتَفَى وسَقَطَ عنه الحَدُّ، وفي ثبوت التَّحريم المؤبَّدِ وجْهانِ. (أَوْ قَذَفَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَبَيْنَهُمَا وَلَدٌ؛ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ، وَإِلاَّ حُدَّ وَلَمْ يُلَاعِنْ)؛ لِمَا ذَكَرْناه، فلو لَاعَنَها مِنْ غَيرِ ولدٍ؛ لم يَسقُط الحَدُّ، ولم يَثبُت التَّحريمُ المؤبَّدُ؛ لأِنَّه لِعانٌ فاسدٌ، وسواءٌ اعتقد أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ أمْ لا.

стр. 5045

فرعٌ: إذا قال: أنتِ طالِقٌ يا زانيةُ ثلاثًا؛ لَاعَنَ، نَصَّ عَليهِ (١)؛ لإبانَتِها بعدَ قَذْفِها، وكقذف (٢) الرَّجعيَّة، قِيلَ لأِحمدَ: فإنَّهم (٣) يقولونَ: يُحَدُّ، ولا يَلزَمُها إلاَّ واحدةٌ، فقال: بئس (٤) ما تَقُولونَ (٥). وإنْ قالَ: أنتِ (٦) طالِقٌ ثلاثًا يا زانيةُ؛ يُلاعِنْ (٧)، نَصَّ عليه، وهو محمولٌ على من (٨) بَينَهما وَلَدٌ؛ لأِنَّه يعني (٩) إضافةَ قَذْفِها إلى حالِ الزَّوجيَّة؛ لاِسْتِحالةِ الزِّنى منها بعدَ طلاقِه لها. فائدةٌ: سُئِلَ أحمدُ عن رجلٍ طلَّق واحدةً أو اثنتَينِ، ثُمَّ قَذَفَها، قال: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵁: «لا يلاعِن (١٠) ويُجلَدُ»، وقال ابنُ عمرَ ﵄: «يلاعِن (١١) ما كانَتْ في العدَّة» (١٢)، قال: وقَولُ ابنِ عمرَ أجْوَدُ (١٣)؛ لأِنَّها زَوجَة. (وَإِنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ قَذْفِهَا؛ فَلَهُ أَنْ يُلَاعِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ)، نَصَّ عَلَيهِ (١٤)، وهو قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لِعُمومِ الآية، فإذا لم يُلاعِنْ

стр. 5046

وَجَبَ عليه الحَدُّ؛ لقَوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النُّور: ٤]، ولأِنَّه قاذِفٌ لزوجته، فَوَجَبَ أنْ يُلاعِنَ؛ كما لو بَقِيَا على النِّكاح إلى حالة اللِّعان. فلو قالَتْ: قَذَفَنِي قبلَ أنْ يَتزوَّجَنِي، وقال: بل بعدَه، أوْ قالَتْ: قَذَفَنِي بعدَما بِنْتُ منه، فقال: بلْ قبلَه؛ قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّ القَولَ قَولُه في أصلِ القَذْف، فكذا في وقته. مسألةٌ: إذا مَلَكَ زوجتَه، ثُمَّ أقرَّ بوطْئِها، ثُمَّ أتَتْ بولدٍ لستَّةِ أشْهُرٍ؛ كان (١) لاحِقًا به، إلاَّ أنْ يدعيَ (٢) الاِسْتِبْراءَ؛ فيَنتَفِي عنه. وإنْ لم يكُنْ أقرَّ بوطْئِها، أوْ أقرَّ به فأتَتْ بولدٍ لِدون ستَّةِ أشْهُرٍ منذ وَطِئَ؛ كان مُلحَقًا بالنِّكاح إنْ أمْكَنَ، وله نفيُه بلعانه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وكلُّ مَوضِعٍ قُلنْا: لا لِعانَ فيه؛ فالنَّسَبُ لاحِقٌ به، ويَجِبُ بالقذف موجَبُه (٣) من الحَدِّ أو التَّعزير، إلاَّ أنْ يكونَ القاذِفُ صغيرًا أوْ مجنونًا؛ فلا شَيءَ فيه في قَولِ أكثر (٤) العلماء. (وَإِنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ أَوِ المَجْنُونَةَ (٥)؛ عُزِّرَ)؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يَسقُطُ عن درجةِ السَّبِّ، وهو يُوجِبُه، فكذا هنا. وظاهِرُه: أنَّه لا حدَّ، وصرَّح به في «المغْنِي» وغَيره؛ لأِنَّ الحدَّ لا يَجِبُ عليهما بفِعْلِ الزِّنى. (وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا)؛ لأِنَّه قَولٌ يَحصُلُ به الفرقة (٦)، فلا يَصِحُّ من غيرِ

стр. 5047

مكلَّفٍ كالطَّلاق، أو يمينٌ، فلا يَصِحُّ من غيرِ مكلَّفٍ؛ كسائر الأَيمان. فإنِ ادَّعى أنَّه كان زائلَ العقل حينَ قَذْفِه، فأنْكَرَتْ ذلك، ولأِحدِهما بيِّنةٌ؛ عُمِلَ بها، وإلاَّ قُبِلَ قَولُها مع يمينها؛ لأِنَّ الأصلَ والظَّاهِرَ السلامةُ والصِّحَّةُ، وإنْ عُرِفَتْ له حالُ جُنونٍ وحالُ إفاقةٍ؛ قُبِلَ قَولُها في الأصحِّ. وإنْ قَذَفَها وهي طِفلةٌ لا يُجامَعُ مِثْلُها؛ فلا حدَّ؛ لتيقُّنِنا (١) كَذِبَه؛ لكنَّه يُعزَّرُ للسبِّ (٢)، ولا يُحتاجُ في التَّعزير إلى مطالَبةٍ. فإنْ كانَتْ يُجامَعُ مِثْلُها؛ كابْنةِ تِسْعٍ؛ حُدَّ، ولَيسَ لها ولا لوليِّها المطالَبةُ به حتَّى تَبْلُغَ، فإذا بَلَغَتْ وطالَبتْ؛ حُدَّ، وله إسقاطُه باللِّعان، ولَيسَ له لِعانُها قبلَ البلوغ؛ لأِنَّه يُرادُ لِإسْقاطِ الحدِّ ونفي (٣) الولد. فرعٌ: إذا قَذَفَ امرأته (٤) المجنونةَ بِزِنًى أضافه إلى حال إفاقتها، أوْ قَذَفَها وهي عاقِلةٌ ثمَّ جُنَّتْ؛ لم يكُنْ لها المطالَبةُ، ولا لوليِّها قبلَ إفاقتها؛ لأِنَّ هذا طريقه التَّشفِّي، فإذا أفاقت؛ فلها المطالَبةُ، وله اللِّعانُ. فإن (٥) أراد لعانَها في حالِ جُنونها، ولا وَلَدَ يَنفِيهِ؛ لم يكُنْ له ذلك، وإنْ كانَ ثَمَّ ولدٌ يريد (٦) نفيَه؛ فالذي يَقتَضيهِ المذْهَبُ: أنْ لا تَلاعُنَ، ويَلحَقُه الولدُ. وقال (٧) القاضي: له أنْ يُلاعِنَ لِنَفْيِه؛ لأِنَّه مُحتاجٌ إلى ذلك.

стр. 5048

(فَصْلٌ) (الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَقْذِفَهَا بِالزِّنَى)؛ لأِنَّ كلَّ قَذْفٍ يَجِبُ به الحَدُّ، وسواءٌ في ذلك الأعْمَى والبصيرُ، نَصَّ عليه (١). وقال أبو الزِّناد: لا يكونُ اللِّعانُ إلاَّ بأحدِ أمْرَينِ: إمَّا رؤيةٍ، وإمَّا إنكارِ الحَمْل؛ لأِنَّ آيةَ اللِّعان نَزَلَتْ في هِلالِ بنِ أمية (٢)، وكان قال: «رأيتُ بعَيْنِي وسَمِعْتُ بأُذُنِي» (٣). وجوابُه: عمومُ الآية، والأخْذُ بعُمومِ اللَّفظ أَوْلَى من خصوص السَّبب. (فَيَقُولُ: زَنَيْتِ، أَوْ يَا زَانِيَةُ، أَوْ رَأَيْتُكِ تَزْنِينَ)، هذا بيانٌ لِمَعْنَى القَذْف، فإنْ قال: يا زانيةُ، فقالتْ: بل أنتَ زانٍ؛ فله اللِّعانُ وتُحَدُّ هي لقَذْفِه، فإنْ قال: زَنَى بك زَيدٌ في الدَّار؛ فلا. (سَوَاءٌ قَذَفَهَا بِزِنًى فِي الْقُبُلِ)، وهو ظاهِرٌ، (أَوِ الدُّبُرِ)؛ لأِنَّه قَذَفَها بِزِنًى في الفَرْج، فوَجَبَ أنْ يكونَ حكمه كالقُبُلِ. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا قَذَفَها بالوطء دُونَ الفَرْج، أو بشَيءٍ من الفواحش غير الزِّنى؛ فلا حَدَّ ولا لعان؛ كما لو قَذَفَها بضَرْبِ النَّاس وأذاهُمْ. (وَإِنْ قَالَ (٤): وُطِئْتِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ مُكْرَهَةً)، أو مع نَومٍ، أوْ إغْماءٍ، أوْ جنونٍ (٥)؛ لَزِمَه الولدُ، (وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا)، اختاره الخِرَقيُّ والمؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لم يَقذِفْها بِما يُوجِبُ الحَدَّ.

стр. 5049

(وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ؛ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ)، اخْتارَهُ الأكْثَرُ، فيَنتَفِي بلِعانه وحْدَه؛ لأِنَّه يحتاج (١) إليه، وفي «المحرَّر»: رِوايَتانِ مَنصوصتانِ، ثُمَّ قال عن الثَّانية: وهي أصحُّ عندي (٢)، (وَإِلاَّ فَلَا). (وَإِنْ قَالَ: لَمْ تَزْنِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي؛ فَهُوَ وَلَدُهُ فِي الْحُكْمِ)؛ لقَوله ﵇: «الولدُ للفِراش» (٣)، (وَلَا لِعَانَ بَيْنَهُما)؛ لأِنَّ هذا لَيسَ بقذفٍ بظاهِرِه؛ لاحتمال أنَّه يريد أنَّه مِنْ زوجٍ آخَرَ، أوْ مِنْ وطءِ شبهةٍ، أوْ غير ذلك. وإن (٤) قال: ما وَلَدَتْه، وإنَّما الْتَقطَتْهُ، أو استعارَتْه، فقالت: بل هو وَلَدِي منك؛ لم يُقبَلْ قولُها إلاَّ ببيِّنةٍ، وهو قولُ أكثرِ العلماء، فعلى هذا: لا يَلحَقُه الولدُ إلاَّ أنْ تُقيم (٥) بيِّنةً، وهي امرأةٌ مرضيَّةٌ بِوِلادَتِها له. وقِيلَ: يُقبَلُ قَولُها، فيَلحَقُه النَّسَبُ، وهل له نَفْيُه باللِّعان؟ فيه وجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَبَانَهَا، فَشَهِدَتِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ؛ لَحِقَهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ شهادتَها بالوِلادة مقبولةٌ؛ لأِنَّها ممَّا لا يَطلِّع عليه الرِّجالُ. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الآْخَرَ؛ لَحِقَهُ نَسَبُهُمَا)؛ أي: إذا ولدتْ تَوأمَينِ وبَينَهما أقلُّ من ستَّةِ أشْهُرٍ؛ لأِنَّه حَمْلٌ واحِدٌ، فلا يَجُوزُ أنْ يكونَ بعضُه منه وبعضُه مِنْ غَيره؛ لأِنَّ النَّسبَ يُحتاطُ لإثْباته، لا لِنَفْيِه. فإنْ قلتَ: لِمَ لَمْ يُحكَمْ بنَفْيِ ما أقرَّ به تَبَعًا للذي نفاهُ؟ قلتُ: ثبوتُ النسب (٦) مَبْنِيٌّ على التَّغليب، وهو يَثبُتُ بمجرَّد الإمكان وإنْ لم يَثبُت الوطءُ، ولا يَنتَفِي لِإمْكانِ النَّفْيِ، فافْتَرَقَا.

стр. 5050

(وَيُلَاعِنُ لِنَفْيِ الْحَدَّ)؛ لأِنَّ اللِّعانَ تارةً يُرادُ لنَفْيِ الولد، وتارةً لِإسْقاطِ الحَدِّ، فإذا تعذَّر (١) نفي الولد لِمَا سَبَقَ؛ بَقِيَ اللِّعانُ لإسْقاطِ الحَدِّ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُحَدُّ)، ولا يَملِكُ إسْقاطَه باللِّعان؛ لأِنَّه باسْتِلْحاقه اعْتَرَفَ بكَذِبه في قذْفه، فلم يُسمَعْ إنكارُه بعدَ ذلك. فإنْ ماتَا معًا، أوْ أحدُهما؛ فله أن (٢) يُلاعِنَ لنفْيِ نسبِهما. وقال بعضُ العلماء: يَلزَمُه نسبُ الحي (٣)، ولا يُلاعِنُ إلاَّ لنَفْيِ الحَدِّ، لأنَّه (٤) بالموت انقطع نسبُه؛ كمَوتِ أمِّه. وجوابُه: أنَّ الميِّتَ يُنسَبُ إليه فيقال: ابنُ فُلانٍ، ويَلزَمُه تجهيزُه وتكفينُه (٥).

стр. 5051

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ تُكَذِّبَهُ الزَّوْجَةُ، وَيَسْتَمِرَّ ذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ اللِّعَانِ)؛ لأِنَّه لا يَتِمُّ إلاَّ أنْ يُوجَدَ من الزَّوجَينِ، فإذا أقرَّت المرأةُ بالزِّنى؛ تعذَّر اللِّعانُ منهما (١)؛ لأِنَّ الإنسانَ لا يُستَحْلَفُ على ما أقرَّ به. (فَإِنْ صَدَّقَتْهُ) مرَّةً أو أكثرَ، (أَوْ سَكَتَتْ)، أوْ عَفَتْ عنه، أوْ ثَبَتَ زِناها بأربعةٍ سواهُ، أوْ قَذَفَ مجنونةً بزِنًى قَبلَه، أوْ محصَنَةً فجُنَّتْ، أوْ ناطِقةً فخَرِسَتْ، نقَلَ ابنُ منصورٍ: أو صماء (٢)؛ (لَحِقَهُ النَّسَبُ)؛ لأِنَّ الولدَ للفراش، وإنَّما يَنتَفِي عنه باللِّعان، ولم يُوجَدْ شَرْطُه، (وَلَا لِعَانَ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ)، ونَصَّ عليه (٣)؛ لأنَّ (٤) اللِّعانَ كالبيِّنة، وهي لا تُقامُ مع الإقرار. ثُمَّ إنْ كان تصديقُها له قبلَ لعانه؛ فلا لِعانَ؛ لأِنَّ اللِّعانَ كالبيِّنة، إنَّما تُقامُ مع الإنكار، وإنْ كان بعدَ لِعانِه؛ لم تُلاعِنْ هي؛ لأنَّها لا تَحلِف مع الإقرار، وحكمُها كما لو (٥) امتنعتْ مِنْ غيرِ إقرارٍ. وإن (٦) أقرَّتْ أربعًا؛ وَجَبَ الحَدُّ، ولا لِعانَ إذا لم يكن ثَمَّ نسبٌ يُنفَى، وإنْ رَجَعَتْ؛ سقط الحدُّ عنها، بغير خلافٍ عَلِمْناهُ (٧)؛ لأِنَّ الرُّجوعَ عن الإقرار بالحدِّ مقبولٌ، ولا لِعانَ بَينَهما، لا للحدِّ؛ لتصديقها إيَّاه، ولا لنفْيِ

стр. 5052

النَّسَب؛ لأِنَّ نفيَ الولد إنَّما يكون بلعانهما معًا، وقد تعذَّر منهما. (وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ)، أوْ قبلَ تَتِمَّتِه؛ فقد مات على الزَّوجيَّةِ؛ لأِنَّ الفُرقةَ لا تَحصُلُ إلاَّ بكمالِ اللِّعان، (وَرِثَه صَاحِبُهُ، وَلَحِقَهُ نَسَبُ الْوَلَدِ) نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ النِّكاحَ إنَّما يَقطَعه اللِّعانُ؛ كالطلاق. وقِيلَ: يَنتَفِي بلِعانه وحدَه مُطلَقًا؛ كدَرْءِ حدٍّ. والأوَّلُ المذْهَبُ؛ لأِنَّ الشَّرعَ إنَّما رتَّبَ الأحكامَ على اللِّعان التَّامِّ، والحُكْمُ لا يَثبُتُ قبلَ إكمال (٢) سَبَبِه. فإنْ ماتَتْ بعدَ طَلَبِها للحَدِّ؛ قام وارِثُها مَقامَها. (وَلَا لِعَانَ)؛ لأِنَّ شَرْطَه مُطالَبَةُ الزَّوجة، وقد تعذَّرَ بمَوتِها. (وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ؛ فَلَهُ لِعَانُهَا وَنَفْيُهُ)؛ لأِنَّ شُروطَ اللِّعان تَتَحقَّقُ بِدُونِ الولدِ، فلا يَنتَفِي بمَوته؛ لأِنَّه يُنسَبُ إليه. (وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ؛ خُلِّيَ سَبِيلُهَا، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ (٣)، وأبو بكرٍ، وابن (٤) حمدانَ، وهي أصحُّ، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ عَلَيها شيءٌ، ويَلحَقُه الولدُ؛ لأِنَّ نُكولَ الزَّوجة بمَنزِلةِ إقْرارِها. وعُلِمَ منه: أنَّه لا حدَّ؛ لأِنَّ زِناها لم يَثْبُتْ، فإنَّه لو ثبت (٥) زِناها بلِعانِ الزَّوج؛ لم يُسمَعْ لِعانُها، كما لو قامت به البيِّنةُ، ولا يَثبُتُ بنُكولها؛ لأِنَّ الحدَّ يُدرَأُ بالشُّبهة، وهي مُتمَكِّنَةٌ منه.

стр. 5053

وقال الجُوزَجانيُّ، وأبو الفرَج، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين: تُحَدُّ (١)، قال في «الفروع»: وهو قَوِيٌّ؛ لقوله تعالى: الآيةَ ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ … (٨)﴾ [النُّور: ٨]. ويُؤيِّدُ الأوَّلَ قَولُ عمرَ: «الرَّجْمُ على مَنْ زَنَى وقد أحْصَنَ، إذا كان بيِّنةٌ، أوْ كان الحَمْلُ، أو الاِعْتِرافُ» (٢)، فلم يَذكُرِ اللِّعانَ، قال أحمدُ: أُجْبِرُها على اللِّعان، وَهِبْتُ أنْ أحكُمَ عليها بالرَّجْم؛ لأِنَّها لو أقرَّت (٣) بلسانها لم أرْجُمْها إذا رَجَعَتْ، فكيف إذا أبَتِ اللِّعانَ؟! (٤) (وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهَا تُحْبَسُ)، قدَّمها في «الكافي» و «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وصحَّحها القاضي (٥)، (حَتَى تُقِرَّ) أربعًا، وقِيلَ: ثلاثًا، (أَوْ تُلَاعِنَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ … (٨)﴾ الآيةَ [النُّور: ٨]، فإذا لم تَشهَدْ؛ وَجَبَ ألاَّ يُدرَأَ عنها العذابُ. ولا يَسقُطُ النَّسَبُ إلاَّ بالْتِعانِهما جميعًا؛ لأِنَّ الفِراشَ قائِمٌ، والولدُ للفِراش. وحَكَى في «الفُروع» الخِلافَ مِنْ غَيرِ ترجيحٍ. (وَلَا يُعْرَضُ) - بِضَمِّ الياء على البناء للمفعول - (لِلزَّوْجِ حَتَّى تُطَالِبَهُ (٦) الزَّوْجَةُ)؛ يَعْنِي: لا يُتعرَّضُ له بإقامةِ الحدِّ عليه، ولا طَلَبِ اللِّعان منه حتَّى

стр. 5054

تُطالِبَه زَوجَتُه بذلك؛ لأِنَّه حقٌّ لها، فلا يُقامُ مِنْ غَيرِ طَلَبِها؛ كسائر الحقوق. فإنْ عَفَتْ عن الحدِّ، أو لم تُطالِبْ؛ لم تجز (١) مُطالَبَتُه بنَفْيِه، ولا حدَّ، ولا لِعانَ. ولا يَملِكُ وليُّ المجنونة والصَّغيرة وسيِّدُ الأَمَة المطالَبَةَ بالتَّعزير مِنْ أجْلِهنَّ؛ لأِنَّ هذا حقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّي، فلا يقومُ الغَيرُ فيه مَقامَ المسْتحِقِّ؛ كالقِصاص. (فَإِنْ أَرَادَ اللِّعَانَ مِنْ غَيْرِ طَلَبِهَا؛ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)، وقاله القاضي؛ لأِنَّه ﵇ لَاعَنَ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ وزَوجَتَه، ولم تكُنْ طالَبَتْه، ولأنَّه (٢) مُحتاجٌ إلى نَفْيِه، فيُشْرَعُ له (٣) طريقٌ إليه، كما لو طالَبَتْه، ولأِنَّ نفيَ النَّسَب الباطلِ حقٌّ له، فلا يَسقُط بِرِضاها به؛ كما لو طالَبَتْ باللِّعان ورَضِيَتْ بالولد. ويَحتَمِلُ: ألاَّ يُشرَعَ اللعان (٤)؛ كما لو قَذَفَها فصدَّقته (٥)؛ لأِنَّه أحدُ مُوجَبَيِ القَذْف، فلا يُشرَعُ مع عَدَم المطالبة له (٦) كالحَدِّ. (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: إذا لم يكُنْ هناك ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه؛ لم يكُنْ له (٧) أنْ يُلاعِنَ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٨)؛ لأِنَّ الحاجةَ إلى اللِّعان لِإسْقاطِ الحَدِّ أوْ لِنَفْيِ

стр. 5055

الولَدِ، والحَدُّ لم (١) يُطالَبْ به، والولدُ معدومٌ.

стр. 5056

(فَصْلٌ) (وَإِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا ثَبَتَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ): (أَحَدُهَا: سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ)؛ أيْ: عن الزَّوج إنْ كانَتْ زَوجتُه مُحصَنَةً، (أَوِ التَّعْزِيرُ) إنْ لم تكُنْ مُحصَنَةً؛ لقَولِ هلالِ بنِ أُمَيَّةَ: «واللهِ لا يُعذِّبُنِي اللهُ عليها (١)، كما لم يَجْلِدْني عليها» (٢)، ولأِنَّ شهادتَه أُقِيمَتْ مَقامَ بيِّنته، وبيِّنتُه تُسقِطُ الحَدَّ، كذلك لِعانُه. وإن (٣) نَكَلَ عن اللِّعان، أوْ عَنْ إتمامه (٤)؛ فعليه الحَدُّ، فإنْ ضُرب (٥) بعضُه، فقال: أنا أُلاعِنُ، سُمِعَ ذلك منه؛ لأِنَّ ما أَسقط (٦) كله أَسقط بعضَه؛ كالبيِّنة. ولو نَكَلَتِ المرأةُ عن الملاعَنَة، ثُمَّ بَذَلَهَا (٧)؛ سُمِعَ منها؛ كالرَّجل. (وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ)، سواءٌ ذَكَرَه في لِعانه أوْ لَا؛ (سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا)؛ لأِنَّ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوجَتَه بِشَرِيكِ بنِ سحماء (٨)، ولم يَحُدُّه النَّبيُّ ﷺ لِشَرِيكٍ (٩)، ولا عزَّرَه له، ولأِنَّ اللِّعانَ بَيِّنةٌ في أحدِ الطَّرَفَينِ، فكان بيِّنةً في الآخَر؛ كالشَّهادة.

стр. 5057

لكِنْ إنْ لم يُلاعِنْ؛ فلِكُلِّ واحِدٍ منهما المطالَبةُ، وأيُّهما طَلَبَ؛ حُدَّ له دُونَ مَنْ لم يُطالِبْ؛ كما لو قَذَفَ رجلاً بالزِّنى بامْرأةٍ مُعَيَّنةٍ. وقال أبو الخَطَّاب: يُلاعِنُ لإسْقاطِ الحَدِّ لها وللمُسمَّى. فرعٌ: مَنْ نَفَى تَوأمَينِ، أوْ أكثرَ؛ كفاهُ لِعانٌ واحدٌ، ولو بعدَ مَوتِ أحدِهما، قال في «الشَّرح»: وإنْ أتَتْ بولدٍ فَلاعَنَ لنَفْيِه، ثُمَّ وَلَدَتْ آخَرَ لأِقلَّ من ستَّةِ أشْهُرٍ لم يَنتَفِ الثَّاني باللِّعان الأوَّلِ، ويَحتَمِلُ: أنْ يَنتَفِيَ بنَفْيِه مِنْ غَيرِ حاجةٍ إلى لِعانٍ ثانٍ. (الثَّانِي: الفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا) بتَمامِ تَلاعُنِهما، اختاره أبو بكرٍ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقاله ابنُ عبَّاسٍ وغَيره (١)، لقَولِ ابنِ عُمَرَ (٢): «المتَلاعِنانِ يُفرَّقُ بَينَهما، قال: لا يَجتَمِعانِ أبدًا» رواه سعيدٌ (٣)، ولأِنَّه معنًى يَقتَضِي التَّحريمَ المؤبَّدَ، فلم يَقِفْ على حكمِ حاكِمٍ؛ كالرّضاع، ولأِنَّها لو وُقِفَتْ على تفريقِ الحاكم لساغ (٤) تَرْكُ التَّفريق إذا لم يَرْضَيَا به؛ كالتَّفريق للعيب (٥) والإعْسار، وتفريقُه ﷺ بَينَهما بمَعْنَى إعْلامِه

стр. 5058

لهما بحُصولِ الفُرْقةِ. (وَعَنْهُ: لَا تَحصُلُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا)، في ظاهِرِ كلامِ الخِرقِيِّ، واختاره القاضِي، والشَّريف، وأبو الخَطَّاب، وابن البَنَّاء، والمؤلِّفُ؛ لِمَا رَوَى نافِعٌ عن ابنِ عمرَ: «أنَّ رجلاً لَاعَنَ امْرأتَه في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ ، وانْتَفَى مِنْ وَلَدِها، ففرَّق رسولُ الله ﷺ بَينَهما، وألْحَقَ الولدَ بالمرأة» رواه الجماعةُ (١)، وعن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ قال: قُلْتُ لاِبنِ عمرَ: رجلٌ قَذَفَ امرأتَه؛ قال: فرَّقَ رسولُ الله ﷺ بَينَ أخَوَيْ بَنِي عَجْلانَ، وقال: «اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحدكما كاذِبٌ؛ فهل مِنكما تائِبٌ؟» يُردِّدُها ثلاثَ مرَّاتٍ، فأَبَيَا، ففرَّقَ بَينَهما، متَّفَقٌ عليه (٢). قِيلَ: إنَّ الفُرقةَ لم تَحصُلْ بمجرَّدِ اللِّعان، فَعَلَى هذه: إنْ طلَّقَها قبلَ التَّفريق؛ لَحِقَها طلاقُه. ويَلزَمُ الحاكِمَ الفُرْقةُ مِنْ غَيرِ طَلَبٍ؛ لأِنَّه ﷺ فرَّق بَينَهما مِنْ غَيرِ اسْتِئْذانهما، وعليها: لو لم يُفرِّقِ الحاكِمُ بَينَهما؛ كان النكاح (٣) بحاله، قاله المؤلِّفُ. وقال الشَّافِعيُّ: تَحصُلُ الفُرْقَةُ بلِعانِ الزَّوج وحدَه، وإنْ لم تَلتعِن (٤) هي؛ كالطَّلاق (٥).

стр. 5059

قال المؤلِّفُ: ولا نَعلَمُ أنَّ أحدًا وافَقَه على ذلك. وعَلَيهما: فُرْقَةُ اللِّعان فَسْخٌ؛ لأِنَّها فُرقةٌ تُوجِبُ تحريمًا مُؤَبَّدًا، فكانَتْ فَسْخًا؛ كالرّضاع. (الثَّالِثُ: التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ)، نَقَلَه واختاره الأكثرُ (١)؛ لقَولِ سَهْلِ بنِ سعدٍ: «مَضَتِ السُّنَّةُ في المتَلاعِنَينِ أنْ يُفرَّقَ بَينَهما، لا يَجتَمِعانِ أبدًا» رواه الجُوزَجَانيُّ وأبو داودَ، ورجالُه ثِقاتٌ (٢)، ورَوى الدَّارَقُطْنِيُّ ذلك عن عليٍّ (٣)، ولأِنَّه تحريمٌ لا يَرتَفِعُ قبلَ الجَلدْ والتَّكذيب، فلم يرتفع (٤) بهما؛ كتَحريمِ الرّضاع. (وَعَنْهُ: إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ؛ حَلَّتْ لَهُ)، وعاد فِراشُه بحاله؛ كما لو لم يلاعِن (٥)، ولكِن هذه الرِّوايةُ شذَّ بها حنبلٌ (٦) عن أصحابه، قال أبو بكرٍ: لا نَعلَمُ أحدًا رواها غيرُه.

стр. 5060

قال المؤلِّفُ: ويَنبَغِي أنْ يُحمل (١) على ما (٢) إذا لم يُفرِّق الحاكِمُ، فأمَّا مع تفريقه؛ فلا وجْهَ لِبَقاءِ النِّكاح بحاله. وأغْرَبُ منه قَولُ سعيدِ بنِ المسيِّب: أنَّه إذا أكْذَبَ نَفسَه، فهو خاطِبٌ من الخُطَّاب. (وَإِنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ الْأَمَةَ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا؛ لَمْ تَحِلَّ لَهُ)؛ لأِنَّه تحريمٌ مُؤبَّدٌ كالرّضاع، ولأِنَّ المطلِّقَ ثلاثًا إذا اشْتَرَى مُطلَّقَتَه لم تَحِلَّ له قبلَ زوجٍ وإصابةٍ، فهُنا أَوْلَى؛ لأِنَّ هذا التَّحريمَ مؤبَّد (٣)، وتحريمُ الطَّلاق يَختَصُّ النِّكاح. (إِلاَّ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى)؛ أي: الضَّعيفة، فإنَّها تَحِلُّ له. (وَإذا (٤) قُلْنَا: تَحِلُّ لَهُ الزَّوْجَةُ بِإِكْذَابِ نَفْسِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ مِنْهُ (٥) طَلَاقٌ؛ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ)؛ لأِنَّ اللِّعانَ على هذا القَولِ لا يَحرُمُ على التَّأْبيد، وإنَّما يُؤمَرُ بالطَّلاق، كما يُؤمَرُ المُولِي به إذا لم يأتِ بالفَيئة، فإذا لم يأتِ بالطَّلاق؛ بَقِيَ النِّكاحُ بحاله، وزال الإجْبارُ على الطَّلاق؛ لتَكذيبِ نفسه. (وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُ (٦) طَلَاقٌ دُونَ الثَّلَاثِ؛ فَلَهُ رَجْعَتُهَا)؛ كالمطلَّقة دُونَ الثَّلاث بغَيرِ عِوَضٍ. (الرَّابِعُ: انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ)؛ لِمَا رَوَى

стр. 5061

سهلُ بنُ سعدٍ: «أنَّ رسولَ الله ﷺ فرَّقَ بَينَهما» (١)، ولا يُدْعَى ولدها، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لِمَّا لَاعَنَ بَينَ هلالٍ وامرأتِه ففرَّقَ بينهما (٢)، وقَضَى ألاَّ يُدْعَى ولدُها لأِبٍ، ولا يُرْمَى ولدُها، ومَن رماها أو رَمَى ولدَها؛ فعليه الحَدُّ» رواه أحمدُ وأبو داودَ (٣). فظاهِرُه: أنَّه لا يُشترَط ذِكْرُه فيه، ولأِنَّه أحدُ مَقصودي اللِّعان، فيَثبُتُ به؛ كإسقاط الحَدِّ. والمذْهَبُ؛ كما اختاره الخِرَقِيُّ والقاضي، وصحَّحه في «الكافي»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّه لا يَنتَفِي إلاَّ بذِكْرِه؛ لأنَّه (٤) شخصٌ يَسقُط باللِّعان، فكان ذِكْرُه شرْطًا؛ كالزوجية (٥)، ورجَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وأجابا عن حديثِ سهلٍ: بأنَّ ابنَ عمرَ رَوَى القِصَّةَ، وذَكَرَ فيها: «أنَّ رجلاً لَاعَنَ امرأتَه في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ ، وانْتَفَى مِنْ ولدِها، ففرَّقَ النبي ﷺ (٦) بَينَهما، وألْحَقَ الولدَ بالمرأة» (٧)، والزِّيادةُ من الثِّقة مَقبولةٌ، فعلى هذا: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الولد في كلِّ لفظةٍ، ومع اللَّعْن في الخامسة؛ لأِنَّها من لَفظات اللِّعان. (وَيَنْتَفِي عَنْهُ حَمْلُهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ)، هذا هو ظاهِرُ كلامِ أبي بكرٍ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَاعَنَ على الحَمْل» رواه أحمدُ (٨)، ولأِنَّ

стр. 5062

الحَمْلَ تثبت (١) له الأحكامُ الثابتة (٢) بعدَ الوَضْعِ؛ مِنْ وُجوبِ النَّفَقة، والمسْكَنِ، ونَفْيِ طلاقِ البِدْعةِ، ووجوبِ الاِعْتِداد به، فكان كالمتيقَّن. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَنْتَفِي حَتَّى يَذْكُرَهُ فِي اللِّعَانِ). منصوصُ أحمدَ في روايةِ الجماعة: أنَّه لا يَصِحُّ نَفْيُ الحَمْل، وقال: لعلَّه (٣) يكون ريحًا (٤)، وعلى هذا عامة (٥) الأصحاب، مُعتَمِدينَ: بأنَّه قد يكون ريحًا، وقد يكونُ غيرَه، فيَصِيرُ نفيُه مشروطًا بوجوده، ولأِنَّ الأحكامَ التي يَنفَرِدُ بها الحَمْلُ تَقِفُ على وِلادَته؛ بدليلِ الميراث والوصيَّة، فعلى هذا: لا بُدَّ أنْ يَنفِيَه عندَ وَضْعِها له ويلاعن (٦). (فَإِذَا قَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ زَنَتْ، يَقُولُ: وَمَا هَذَا الْوَلَدُ وَلَدِي، وَتَقُولُ هِيَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ كَذَبَ، وَهَذَا الْوَلَدُ وَلَدُهُ)، وقال القاضي: يُشترَط أنْ يقولَ: هذا الولدُ من زِنًى ولَيسَ مِنِّي، والصَّحيحُ خلافُه. (وَإِنْ (٧) نَفَى الْحَمْلَ فِي الْتِعَانِهِ؛ لَمْ يَنْتَفِ حَتَّى يَنْفِيَهُ عِنْدَ وَضْعِهَا وَيُلَاعِنَ)؛ لأِنَّ ذلك زَمَنُ لُحُوقِ الولَدِ. والأوَّلُ أَوْلَى وأصحُّ؛ لأِنَّه ﵇ لَاعَنَ بَينَ هلالٍ وامرأتِه قبلَ أنْ تَضَعَ (٨)، ونَفَى الحَمْلَ عنه.

стр. 5063

ويَنبَنِي على الخلاف: اسْتِلْحاقُه، والمنصوصُ في روايةِ ابنِ القاسِمِ: أنَّه لا يَصِحُّ اسْتِلْحاقُه قبلَ وَضْعِه (١)، وقِيلَ: بلى. وله نَفْيُه بعده (٢) باللِّعان، نَصَّ عليه (٣)، ولا يَنفِيهِ في لعانه حتَّى يَنفِيَه بعدَ وَضْعِه وقتَ العِلْمِ به. وقِيلَ: أوْ في مَجْلِسِ العلم، ويُلاعِنُ له. وقِيلَ: يَنتَفِي بذِكْرِه فيه، وقِيلَ: وبِدونِه. وإنْ أخَّر نَفْيَه لم يَسقُطْ، وقِيلَ: إنْ أقرَّ به، ثمَّ نَفاهُ بعدَ وَضْعِه؛ صحَّ نَفْيُه، نَصَّ عليه.

стр. 5064

(فَصْلٌ) (وَمِنْ شَرْطِ نَفْيِ الْوَلَدِ: أَلاَّ يُوجَدَ مِنْهُ (١) دَلِيلٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ)؛ لأِنَّ الدَّليلَ على الإقرار به بمنزلة الإقْرارِ به، (فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ)؛ لم يَملِكْ نَفْيَه في قَولِ أهلِ العلم، (أَوْ) أَقَرَّ (بِتَوْأَمِهِ، أَوْ نَفَاهُ وَسَكَتَ عَنْ تَوْأَمِهِ)؛ لَحِقَه نَسَبُه، ولم يكُنْ له نَفْيُه؛ لأِنَّه إذا أقرَّ بأحدهما كان إقرارًا بالآخَرِ. (أَوْ هُنِّئَ بِهِ فَسَكَتَ (٢)؛ كان إقرارًا به، ذَكَرَه أبو بكرٍ؛ لأِنَّ السُّكوتَ دليلٌ على الرِّضا في حقِّ المنكِرِ، فهُنا أَوْلَى. (أَوْ أَمَّنَ عَلَى الدُّعَاءِ)؛ لَزِمَه في قولهم جميعًا، وكذا إنْ قال: أحْسَنَ اللهُ جزاءكَ، أوْ بارَكَ اللهُ عَلَيكَ، أوْ رَزَقَك اللهُ مِثْلَه. (أَوْ أَخَّرَ نَفْيَهُ مَعَ إِمْكَانِهِ)، وقِيلَ: له نَفْيُه في مَجلِسِ عِلْمِه فقط؛ (لَحِقَهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ ذلك كلَّه دليلُ على الإقرار به، (وَلَمْ يَمْلِكْ نَفْيَهُ)؛ لأِنَّ نفيَه ثَبَتَ لنَفْيِ ضررٍ متحَقِّقٍ (٣)، فكان على الفور؛ كخِيارِ الشُّفْعة. قال أبو بكرٍ: لا يتقدَّر (٤) ذلك بثلاثٍ، بل هو على ما جَرَتْ به العادةُ، إنْ كان ليلاً فحتَّى يُصبِحَ وينتشر (٥) النَّاس، وإنْ كان جائعًا أوْ ظَمْآنَ فحتَّى يأكُلَ أو يشرب (٦)، وإن (٧) كان ناعِسًا فحتَّى يَنامَ، أوْ يَلبَسَ ثَوبَه ويُسْرِجَ دابَّتَه

стр. 5065

ويَركَبَ ويُصلِّيَ إنْ حَضَرَت الصَّلاةُ. (وَإِنْ قَالَ: أَخَّرْتُ (١) نَفْيَهُ رَجَاءَ مَوْتِهِ (٢)؛ لَمْ يُعْذَرْ بِذَلِكَ)؛ لأِنَّ الموتَ قريبٌ غَيرُ متيقَّنٍ، فتعليقُ النَّفي عليه تعليقٌ على أمرٍ مَوهُومٍ. (وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ بِهِ)؛ أيْ: بالوِلادة، وأمْكَنَ صِدقُه؛ بأنْ يكونَ في مكانٍ يَخْفَى عليه، بخلافِ ما إذا كان معها في الدَّار؛ لأِنَّ الأصلَ عدمُ العِلْم. (أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ لِي نَفْيَهُ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ)، وكان ذلك مِمَّا يَخْفَى كعامَّة النَّاس؛ قُبِلَ منه، ولأنَّه مما (٣) يَخْفَى عليهم؛ كحديثِ العَهْد بالإسلام، والنَّاشِئِ بباديةٍ. فإنْ كان فقيهًا؛ لم يُقبَلْ منه؛ لأِنَّه لا يَخْفَى عليه مِثْلُه. وقِيلَ: بَلَى؛ لأِنَّ الفقيهَ يَخْفَى عليه كثيرٌ من الأحكام. (وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ) بما ذَكَرْنا؛ (قُبِلَ مِنْهُ (٤)؛ لأِنَّه مُحتَمِلٌ، (وَلَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ)؛ لأِنَّه معذورٌ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ لِحَبْسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ، أَوْ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ؛ لَمْ يَسْقُطْ نَفْيُهُ)؛ أيْ: إذا كان عُذْرٌ يَمنَعُه الحضورَ كما مثَّلَه، وكالاِشْتِغال بحِفْظِ مالٍ يَخافُ ضَيعتَه. فإنْ كانَتْ مدَّةُ ذلك قصيرةً؛ لم يَبطُلْ نَفْيُه؛ لأِنَّه بمنزلةِ مَنْ عَلِمَ ليلاً (٥) فأخَّره إلى الصُّبح، وإنْ كانَتْ طويلةً وأمْكَنَه التَّنفيذ (٦) إلى حاكِمٍ لِيَبعَثَ إليه مَنْ

стр. 5066

يَسْتَوْفِي عليه اللِّعانَ والنَّفْيَ، فلم يَفعَلْ؛ سَقَطَ نَفْيُه. وإنْ لم يُمكِنْه؛ أشْهَدَ على نفسه أنَّه نافٍ لولدِ امْرَأتِه، فإنْ لم يفعل (١)؛ بَطَلَ خيارُه؛ لأِنَّه إذا لم يَقدِرْ على نَفْيِه؛ قام الإشْهادُ مَقامَه. فرعٌ: إذا قال: لم أصدِّق المُخبِرَ به (٢)، وهو عَدْلٌ، أوْ قد اسْتَفاضَ الخبرُ؛ لم يُقبَلْ قَولُه، وإلاَّ قُبِلَ منه. وكلُّ مَوضِعٍ لَزِمَه الولدُ؛ لم يكُنْ له نَفْيُه بعدَ ذلك (٣). (وَمَتَى أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ؛ لَحِقَهُ النَّسَبُ)؛ أيْ: إذا لَاعَنَ امرأتَه ونَفَى ولدَها، ثُمَّ أكْذَبَ نفسَه؛ لَحِقَه الولدُ إذا كان حيًّا، غنِيًّا كان أوْ فقيرًا، بغَيرِ خِلافٍ (٤)، وكذا إنْ كان ميتًا. وقال الثَّوريُّ: إذا اسْتَلْحَقَ الولدَ الميتَ (٥)، وكان ذا مالٍ؛ لم يَلحَقْه؛ لأِنَّه إنَّما يَدَّعِي مالاً، وإلاَّ لَحِقَه. وقال الحَنَفِيَّةُ (٦): إنْ كان الولدُ الميِّتُ ترك ولدًا؛ ثبَتَ نَسَبُه من المسْتَلْحِق، وتَبِعَه نسبُ ابنه، وإن لم يكن ترك ولدًا؛ لم يَصِحَّ استلحاقه، ولم يَثبُتْ نَسَبُه، ولا يَرِثُ منه المدَّعِي شيئًا؛ لأِنَّ نسبَه مُنقَطِعٌ بالموت. وجوابه: أنَّ هذا ولدٌ نفاه باللِّعان، فكان له اسْتِلحاقُه (٧)؛ كما لو كان حيًّا؛ لأنَّهم (٨) جَعَلُوا نَسَبَ الولد تابِعًا لِنَسبِ ابنه؛ أيْ: يَتبَعُ الأصلُ الفرعَ،

стр. 5067

وهو مردودٌ، وعن الثَّوريِّ: إنَّما يَدَّعِي النَّسبَ، والميراثُ تبعٌ (١) له. (وَلَزِمَهُ الْحَدُّ إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْصَنَةً)، سواءٌ أَكْذَبها (٢) قبلَ لعانه أوْ بعده (٣)، بغير خلافٍ نعلَمهُ (٤)؛ لأِنَّ اللِّعانَ أُقِيمَ مُقامَ البيِّنة في حقِّ الزَّوج، فإذا (٥) أكْذَب نفسَه؛ فإنَّ لِعانَه كَذِبٌ، وزيادةٌ في هَتْكها، وتَكْرارٌ لِقَذْفِها، فلا أقلَّ من أنْ يَجِبَ الحَدُّ الذي كان (٦) واجبًا بالقذف المجرَّد. فإنْ عاد عن إكْذابِ نفسِه، وقال: لي بيِّنة أُقِيمُها بزناها، أو أراد إسقاطَ الحدِّ باللِّعان؛ لم تُسمَعْ؛ لأِنَّ البيِّنةَ واللِّعان لتحقُّق ما قاله، وقد أقرَّ بكَذِبِ نفسِه، فلا يُقبَلُ منه خلافه (٧). (أَوِ التَّعْزِيرُ (٨) إِنْ لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً)؛ كقَذْفِ غيرِ زوجته، وحينئذ (٩): يَنجَرُّ النَّسبُ من جِهَة الأمِّ إلى جهة الأب؛ كالولاءِ، وتوارثا. وقد عُلِمَ منه: أنَّه إذا اسْتَلْحَقَه ورثتُه (١٠)، وقد نفاه باللِّعان؛ أنَّه (١١) لا يلحق به، نصَّ عليه (١٢). وفي (١٣) «المستوعب» روايةٌ: لا يُحَدُّ.

стр. 5068

وإنْ نَفَى مَنْ لا يَنتَفِي، وأنَّه مِنْ زنًى؛ حُدَّ في روايةٍ اختارها القاضي وغيرُه. وعنه: إنْ لم يُلاعِنْ، اختارها أبو الخطَّاب، والمؤلِّفُ. ومَن نَفَى أولادًا؛ فلِعانٌ واحدٌ.

стр. 5069

(فَصْلٌ فِيمَا يَلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ) (مَنْ أَتَتِ امْرَأَتُهُ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُ)، ولو مع غَيبته عشرينَ سنةً، ذَكَرَه في «المغْنِي»، وعليه نصوصُ أحمد (١)، والمرادُ: ويَخفَى سيره (٢)، وإلاَّ فالخِلافُ على ما ذَكَرَه في «التَّعليق» وغيرِه، ولا يَنقطِعُ الإمكانُ عنه (٣) بالحيض، قاله في «التَّرغيب». (وَهُوَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُهُ بِهَا، وَلِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا، وَهُوَ مِمَّنْ يُولَدُ لِمِثْلِهِ)؛ كابنْ عَشْرِ سِنينَ، وقِيلَ: وتِسْعٍ، وقِيلَ: اثنتي عشرةَ. واختار أبو بكرٍ، وابنُ عقيلٍ، وأبو الخَطَّاب: لا يَلحَقُه حتَّى يَبلُغَ؛ كما لا يَملِكُ نَفْيَه حتَّى يعلَمَ بلوغَه؛ للشَّكِّ في جِهَةِ يمينِه. والمذهَبُ: ما ذَكَرَه المؤلِّفُ كغَيرِه. (لَحِقَهُ نَسَبُهُ)، ما لم يَنفِهِ بلعانٍ (٤)؛ لقوله ﷺ : «الولدُ للفراش» (٥)، ولأِنَّه يُمكِنُ كَونُه منه؛ لقوله ﵇: «واضْرِبوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقُوا بَينَهم في المضاجع» (٦). وعلى هذا: لا يَصِيرُ بالِغًا، ولا يتقرَّر به مهرٌ، ولا تثبت (٧) به عِدَّةٌ، ولا رَجعةٌ.

стр. 5070

قال في «الفروع»: (ويتوجَّه فيه (١) قَولٌ؛ كثبوت الأحكام بصومِ يومِ الغيم (٢)، ونقل حربٌ فِيمَنْ طلَّق قبلَ الدُّخول وأتَتْ بولدٍ فأنكره: يَنتَفِي باللِّعان، وأخَذَ شَيخُنا من هذه الرِّواية أنَّ الزَّوجةَ لا تَصيرُ فِراشًا إلاَّ بالدُّخول، واختاره. وفي (٣) «الانتصار»: لا يَلحَقُ مطلقًا (٤) إن اتَّفَقا أنَّه لم يَمَسَّها. ونَقَلَ مُهَنَّى: لا يَلحَقُ الولدُ حتَّى يُوجَدَ الدُّخولُ) (٥). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأنَّه (٦) زمن يُمكِنُ البُلوغُ فيه، فيَلحَقُه الولدُ كالبالغ، وقد رُوِيَ: أنَّه لم يَكُنْ بين عمرِو بنِ العاص وابنه عبد الله (٧) إلاَّ اثنتا عَشْرَةَ سنةً، وما عُهِدَ بلوغٌ لِتِسْعٍ. ويَلحَقُ النَّسب في النِّكاح الفاسد؛ كالصَّحيح، وقِيلَ: إن اعتقد فسادَه فلا. فرعٌ: إذا تحمَّلتْ ماءَ زوجها؛ لَحِقَه نسبُ مَنْ ولَدَتْه منه، وفي العدَّة والمهرِ وجْهانِ. فإنْ كان حرامًا، أوْ ماءَ مَنْ ظنَّتْه زوجَها؛ فلا نَسَبَ، ولا مهرَ، ولا عِدَّةَ في الأصحِّ فيها. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَوْنُهُ مِنْهُ، مِثْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا،

стр. 5071

أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ أَبَانَهَا)؛ لم يَلحَقْهُ؛ لأِنَّا علمنا (١) أنَّها عَلِقَتْ به قَبْلَ النِّكاح، ولا يَحتاجُ إلى نفيه باللِّعان، ولأِنَّ اللِّعان يمينٌ، واليمينُ جُعِلَتْ لتحقُّق أحدِ الجائزَينِ ونفْيِ أحدِ المحْتَمِلَينِ، وما لا يَجوزُ لا يحتاجُ إلى نفيِه (٢). (أَوْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِالقُرُوءِ (٣)، ثُمّ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَهَا)؛ لم يَلحَقْه، وقاله ابنُ سُريج (٤)؛ لأِنَّها أتَتْ به بعدَ الحُكمِ بانقضاء عدَّتها في وقتٍ يُمكِنُ ألاَّ يكونَ منه، فلم يَلحَقْه؛ كما لو انْقَضَتْ عدَّتُها بالحمل، وإنَّما يُعتبَرُ الإمْكانُ مع بقاء الزَّوجيَّة والعِدَّة، وأمَّا بعدَهما فلا يُكتفى بالإمكان لِلَحاقِه، وإنَّما يكتفى بالإمكان لنفيه، وذلك أنَّ الفراشَ سببٌ، ومع وجود السَّبب (٥) يُكتفى بإمكان الحكم (٦)، فإذا (٧) انتفى السَّببُ؛ انْتَفى الحكمُ لاِنْتِفائه، ولا يُلتَفَتُ إلى مجرَّد الإمكان. وظاهِرُه: أنَّها إذا أقرَّت بانقضاء عدَّتها بالقروء (٨)، ثمَّ أتَتْ به لأِقلَّ مِنْ ستَّة أشهُرٍ مِنْ آخِر أقرائِها؛ يَلحَقُه، صرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لِعِلْمِنا أنَّها كانتْ حامِلاً في زَمَن رؤيةِ الدَّم، فيَلزَمُ ألاَّ يكونَ الدَّمُ حَيضًا. (أَوْ فَارَقَهَا حَامِلاً فَوَضَعَتْ، ثُمَّ أَتَتْ بِآخَرَ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ)؛ لم يَلحَقْه؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ أنَّه يكون الوَلَدانِ حملاً واحدًا وبَينَهما مدَّةُ الحَمْل، فعُلِمَ أنَّها

стр. 5072

عَلِقَتْ به بعدَ زوال الزَّوجيَّة وانْقِضاء العِدَّة، وكونِها أجنبيَّةً كسائر الأجنبيَّات. وظاهِرُه: أنَّها إذا وَضَعَت لِدُونِ ستَّة أشْهُرٍ؛ أنَّه يَلحَقُه. (أَوْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهَا)، وله صُوَرٌ؛ (كَالتِي يَتَزَوَّجُهَا (١) بِحَضْرَةِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فِي الْمَجْلِسِ) قبلَ غيبته عنهم، وتأتِي به لستَّة أشْهُرٍ، وذلك عِلْمٌ حِسِّيٌّ ونَظَرِيٌّ، (أَوْ يَتَزَوَّجُهَا (٢) وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ) بعيدةٌ، (لَا يَصِلُ إِلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ التِي أَتَتْ بِالْوَلَدِ فِيهَا)؛ كمَشرِقِيٍّ يتزوَّج مغربيَّةً، فإنَّ الوقتَ لا يَسَعُ مدَّة (٣) الولادة وقُدومَه وَوَطأه بعدَه وأقلَّ مدَّة الحَمْلِ؛ للقَطْع بأنَّ الوَطْءَ لَيسَ مُمْكِنًا. والمرادُ: وعاش، وإلاَّ لَحِقَه بالإمكان، كما بعدها، قاله في «الفروع»؛ لأِنَّه لم يَحصُلْ منه إمْكانُ الوطء في هذا العَقْد، فلم يَلحَقْ به؛ كزوجة الطِّفل، أو كما (٤) ولدَتْه لِدونِ ستَّة أشْهُرٍ، والإمْكانُ إذا وُجد لم (٥) يُعلم أنَّه ليس (٦) منه قطعًا؛ لجواز أنْ يكونَ وَطِئَها من حَيثُ لا تَعلَمُ، ولا سبيلَ إلى معرفةِ حقيقة الوطء، فعلَّقنا (٧) الحكمَ على إمكانه في النِّكاح، ولم يَجُزْ حذفُ الإمكان عن الاعتبار؛ لأِنَّه إذا انتفى حصل اليقينُ بانتفائه عنه. وفي «التَّعليق»، و «الوسيلة»، و «الانتصار»: ولو أمْكنَ، ولا يَخفَى السَّيرُ؛ كأميرٍ وتاجرٍ كبيرٍ، ومثَّل (٨) في «عيون المسائل»: بالسُّلطان والحاكم.

стр. 5073

ونقلَ ابنُ منصورٍ: إنْ عُلِمَ أنَّه لا يَصِلُ مِثلُه؛ لم يقْضَ بالفراش، وهي مِثْلُه (١). (أَوْ يَكُونُ صَبِيًّا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ)، وقد ذَكَرْناهُ. (أَوْ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ؛ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ) في قَولِ عامَّتهم؛ لأِنَّه يَستَحيلُ منه الإيلاجُ والإنزالُ. نَقَلَ ابنُ هانِئٍ فِيمَنْ قُطِعَ ذَكَرُه وأُنْثَياهُ قال: إنْ دَفَقَ، فقد يكونُ الولدُ من الماء القليل، فإنْ شكَّ في ولده؛ فالقافةُ (٢). وسأله المرُّوذِي عن خَصِيٍّ، قال: إنْ كان مجبوبًا لَيسَ له شيءٌ، فإنْ أنْزَلَ؛ فإنَّه يكون الولدُ منه، وإلاَّ فالقافة (٣). (وَإِنْ قُطِعَ أَحَدُهُمَا؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّه إذا قُطِعَ الذَّكرُ بَقِيَت الأنثيَانِ، فساحقَ وأنْزَلَ، وإنْ قُطِعَ الأنثيان بقي الذَّكرُ، فأوْلَجَ به، (وَفِيهِ بُعْدٌ)؛ لأِنَّ الولدَ لا يُوجَدُ إلاَّ مِنْ مَنِيٍّ، ومَن قُطِعَتْ أنثياه، لا مَنِيَّ له. وحاصله: أنَّه (٤) إذا قُطِعت أنْثَياه فقط؛ لا يَلحَقه، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّه لا يُنزِلُ إلاَّ ماءً رقيقًا، لا يُخلَقُ منه الولدُ، ولا وُجِدَ ذلك، ولا اعْتِبارَ بإيلاجٍ لا يُخلَقُ منه الولدُ، كما لو أَوْلَجَ الصَّغيرُ. وجزم الأكثرُ بلُحوقِ نَسَبهِ به (٥)؛ لِمَا ذَكَرْنَا. وإن قُطع الذَّكر؛ لحقه؛ لأنَّه يُمكن أن يُساحِق فيُنزِل ماءً يُخلَق منه الولدُ، ولهذا ألحقنا ولدَ الأمة بسيِّدها إذا اعترف بوطئها دون الفرج.

стр. 5074

(وَإنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا (١)، فَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ طَلَّقَهَا)، وقبل انقضاء عدَّتها، (أَوْ لِأَقَلَّ (٢) مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ (٣) مُنْذُ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا؛ فَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ): أحدهما: يلحَقُهُ، صحَّحه في «المستوعب»، وجزَمَ بِه في «الوجيز»؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوجات، أشبَهَ ما (٤) قبل الطلاق. والثَّاني: لا يلحَقُهُ؛ لأنَّها عَلِقت به بعد طَلاقٍ، أشبهت البائنَ. وإن وَلَدتِ (٥) الرَّجعيةُ بعد أكثر مدَّة الحملِ منذُ طلقت، وقبلَ نصفِ سنة منذُ فرَغَت عدَّتها؛ لحِقَه في الأشهر، سواء أَخبرت بفراغِ العدَّة أو لا. فرعٌ: إذا أُخبِرتْ بموتِ زوجها فاعتدَّت، ثمَّ تزوَّجت؛ لَحِقَ بالثَّاني ما وضَعَتْه لنصفِ سنةٍ فأكثرَ، نَصَّ عليه (٦)، وقاله أكثرُ العلماء. وقال أبو حنيفةَ: الولدُ (٧) للأوَّل (٨). وما وَلَدَت البائنُ بموتٍ، أو طلاقٍ، وقيل: أو (٩) انقضاءِ عدَّة الرَّجعيَّة، أوْ فَسْخٍ لَأكثرِ مدَّةِ الحمل فأقلَّ منذ بانَتْ، ولم تَنكِحْ؛ لَحِقَه، وانْقَضَتْ به

стр. 5075

عِدَّتُها منه، وما ولدَتْه بعدَ أكثرها؛ لم يَلحَقْه، وفي انقضاء العدَّة به وجْهانِ. مسألةٌ: إذا تزوَّجَتْ في العدَّة، وَوَلَدَتْ قبلَ نصفِ سنةٍ منذ تزوَّجتْ، وقبل أربعِ (١) سنينَ منذ بانَتْ من الأوَّل؛ فهو له، وإنْ كان لنصفِ سنةٍ فأكثرَ منذ تزوَّجت، وبعدَ أربعِ سنينَ من فُرقةِ الأوَّل؛ فهو للثَّاني.

стр. 5076

(فَصْلٌ) (وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ)؛ صارتْ فِراشًا له، (فَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسَتَّةِ (١) أَشْهُرٍ؛ لَحِقَهُ نَسَبُهُ)، نقله الجماعةُ (٢) مُطلَقًا؛ لحديثِ عائشةَ في ابنِ زَمْعةَ (٣)، ولقَول عمرَ: «لا تَأتِينِي وليدةٌ يَعتَرِفُ سيِّدُها أنَّه ألمَّ بها؛ إلاَّ ألْحَقْتُ به ولدَها، فأنْزِلُوا بعدَ ذلك أو اتْرُكوا» رواه الشَّافعيُّ، عن مالِكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبد الله، عن أبيه، عن عمرَ (٤)، وقياسًا على النِّكاح. وقال أبو حَنِيفةَ (٥): لا تصير (٦) فِراشًا حتَّى يُقِرَّ بولدها، فإذا أقرَّ به (٧) صارتْ فراشًا، ولَحِقَه أوْلادُه بعدَ ذلك؛ لأِنَّها لو صارَتْ فِراشًا بالوطء؛ لَصارَتْ فِراشًا بإباحته كالزَّوجة (٨). وجَوابُه: بأنَّ الملْكَ لا يتعلَّق به تحريمُ المصاهَرَة، ولا يَنعَقِدُ في محلٍّ يَحرُم الوطءُ فيه؛ كالمجوسيَّة وذَواتِ محارِمه. فلو وَطِئَها في الدُّبُر؛ لم تَصِرْ فِراشًا في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّه لَيسَ بمنصوصٍ

стр. 5077

عليه، ولا في مَعْناهُ. (وَإِنِ ادَّعَى الْعَزْلَ)؛ لأِنَّ كلَّ حكمٍ تعلَّق بالوطء؛ لم يُعتبَرْ فيه الإنزالُ، فوجَبَ ألاَّ يُعتبَرَ هنا؛ كسائر الأحكام، وحِينَئِذٍ لا يَنتَفِي عنه بلعانٍ، ولا غيرِه، قال أحمدُ: الولدُ يكونُ من الرِّيح (١)، قال ابنُ عَقِيلٍ: وهذا منه يدلُّ على أنَّه لم يُنزِلْ في الفَرْجِ؛ لأِنَّه لا رِيحَ يسيرُ إليها إلاَّ رائحةُ المنِيِّ، وذلك يكونُ بعد إنزاله فيتعلَّق بها، قال (٢): وهذا من أحمدَ عِلْمٌ عظيمٌ. (إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الاِسْتِبْرَاءَ)؛ لأِنَّه دليلٌ على براءة الرَّحِم، والقَولُ قَولُه في حصوله؛ لأِنَّه أمرٌ خفيٌّ، لا يُمكِنُ الاطِّلاعُ عليه إلاَّ بعُسرٍ (٣) ومشقَّةٍ. (وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: لا يَحلِفُ؛ لأِنَّ مَنْ قُبِل (٤) قَولُه في الاِسْتِبْراء؛ قُبِلَ بغَيرِ يمينٍ؛ كما لو ادَّعت المرأةُ انْقِضاءَ عِدَّتها. والثَّاني، وهو الأَشْهَرُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يُستَحْلَفُ؛ للخبر (٥)، ولأِنَّ الاِسْتِبْراءَ غيرُ مختَصٍّ به، أشْبَهَ سائرَ الحقوق. وقال أبو الحُسَين: أوْ يُرَى القافة، نَقَلَه الفَضْلُ (٦)، وذَكَرَ (٧) أحمدُ عن زيدٍ (٨)، وابنِ عبَّاسٍ (٩)،

стр. 5078

وأنسٍ (١). وفي «الانتصار»: يَنتَفِي بالقافة، لا بدَعْوَى الاِسْتِبْراء. ونَقَلَ حنبلٌ: يَلزَمُه الولدُ إذا نَفاهُ، وألْحَقَتْه القافةُ، وأقرَّ بالوطء (٢). وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه إذا مَلَكَها؛ لا تصيرُ فِراشًا به؛ لأِنَّه قد يَقصُد بملْكها التَّمولَ، والتِّجارةَ، والخدمةَ، فلم يتعيَّنْ لإرادة (٣) الوطء. وإنْ أتَتْ بولدٍ، ولم يَعتَرِفْ به (٤)؛ لم يَلحَقْهُ نَسَبُه؛ لأِنَّه لم يُولَدْ على فراشه. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احْتِمالٌ في أَمَةٍ تُرادُ للتَّسرِّي عادةً أنَّها تصيرُ فِراشًا بالملك، وقاله بعضُ متأخِّرِي المالكيَّة (٥)؛ لِقصَّة عبدِ (٦) بن زَمْعَةَ، واحْتِياطًا للنَّسَبِ. فرعٌ: إذا اسْتَلْحَقَ ولدًا؛ ففي لُحوقِ ما بعدَه بدونِ إقرارٍ بآخَرَ؛ وجهان (٧)، ونصوصُه تدلُّ على أنَّه يَلحَقُه؛ لثُبوتِ فراشه (٨). (فَإِنْ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ (٩) لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ؛

стр. 5079

فَهُوَ وَلَدُهُ)؛ لأِنَّها حَمَلَتْ به وهي فراشٌ؛ لأِنَّ أقلَّ مدَّةِ الحَمْل ستَّةُ أشهُرٍ، (وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)؛ لأِنَّها صارَتْ أمَّ وَلَدٍ. (وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا، فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أيْ: من البائع؛ لَحِقَه نسبُه؛ لأِنَّه وُجِدَ منه سببه (١)، وهو الوطءُ، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه ولا يَمنَعُه، فتعيَّنَ إحالةُ الحكمِ عليه، (سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ)؛ لأِنَّ المُوجِبَ لإلْحاقِه أنَّها لو أتَتَ به في ملْكِه في تلك المدَّة لَلَحِقَ به، وانتقالُ الملْك عنه لم يتجدَّدْ به شيءٌ، وحكاه في «الفروع» قولاً. وقِيلَ: يُرى القافة، نقله صالِحٌ وحنبلٌ. ونَقَل الفضْلُ: هو له، قلتُ: في نفسه منه، قال: القافة (٢). وإن ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه للآخَر، والمشتري مقرٌّ بالوطء؛ فالخِلافُ كذلك. (وَإِنِ اسْتُبْرِئَتْ، ثُمَّ أَتَتْ (٣) بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ الاِسْتِبْراءَ يَدُلُّ على براءتها من الحَمل، وقد أمكن أنْ يكونَ من غيره؛ لوجود مدَّة الحَمل بعدَ الاِسْتِبراء مع قيام الدَّليل، فلو أتَتْ به لأِقلَّ من ستَّةِ أشْهُرٍ؛ كان (٤) الاِسْتِبراءُ غيرَ صحيحٍ. (وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تُسْتَبْرَأْ، وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لَهُ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أمَةِ المشْتَرِي، فلا يُقبَلُ دَعْوَى غيرِه له إلاَّ بإقرارٍ من المشتري. (فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا؛ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ)، سواءٌ وَلَدَتْه لستَّةِ أشهرٍ، أوْ لأِقلَّ منها؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكونَ من غَيرِه، (إِلاَّ

стр. 5080

أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ)؛ أيْ: على الولد أنَّه ابنٌ للبائع (١)؛ (فَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهما يثبت (٢) باتِّفاقهما. (وَإِنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي؛ فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي)، ولا يُقبَلُ قَولُ البائع في الإيلاد؛ لأِنَّ الملكَ انْتَقلَ إلى المشْتَرِي في الظَّاهر، فلا يُقبَلُ قَولُ البائع فيما يُبطِلُ حقَّه؛ كما لو باعَ عبدًا، ثُمَّ أقرَّ أنَّه كان أعْتَقَه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ (٣) يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّه يَجوزُ أنْ يكونَ ولدُ الواحد مملوكًا لآِخَرَ؛ كولدِ الأمةِ المزوَّجة. والقَولُ الآخَرُ: أنَّه لا يَلحَقُه، وهُو الظَّاهِرُ؛ لأِنَّ فيه ضَرَرًا على المشْتَرِي، فلو أعْتَقَه كان أبوه أحقَّ بميراثه منه (٤). وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥) فيما إذا ادَّعى البائعُ أنَّه ما باع حتَّى اسْتَبْرَأَ، وحلَفَ المشْتَرِي أنَّه ما وَطِئَها، فقال: إنْ أتَتْ به بعدَ الاِسْتِبْراء لأِكثرَ من ستَّةِ أشهر، فقيل: لا يُقبَل قولُه، ويَلحَقُه النَّسَبُ، قاله القاضي في «تعليقه»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقِيلَ: يَنتَفِي النَّسبُ، اختاره القاضي في «المجرَّد»، وابن عَقيلٍ، وأبو الخَطَّاب. وهل يَحتاجُ إلى اليمينِ على الاستبراء؟ فيه وجْهانِ. (وَإِذَا وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا (٦) مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَوَلَدَتْ
следующие страницы →