← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

(فَصْلٌ) (وَمَنِ اعْتَرَفَ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فِي الْفَرْجِ، أَوْ دُونَهُ)؛ صارتْ فِراشًا له، (فَإِذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسَتَّةِ (١) أَشْهُرٍ؛ لَحِقَهُ نَسَبُهُ)، نقله الجماعةُ (٢) مُطلَقًا؛ لحديثِ عائشةَ في ابنِ زَمْعةَ (٣)، ولقَول عمرَ: «لا تَأتِينِي وليدةٌ يَعتَرِفُ سيِّدُها أنَّه ألمَّ بها؛ إلاَّ ألْحَقْتُ به ولدَها، فأنْزِلُوا بعدَ ذلك أو اتْرُكوا» رواه الشَّافعيُّ، عن مالِكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سالمِ بنِ عبد الله، عن أبيه، عن عمرَ (٤)، وقياسًا على النِّكاح. وقال أبو حَنِيفةَ (٥): لا تصير (٦) فِراشًا حتَّى يُقِرَّ بولدها، فإذا أقرَّ به (٧) صارتْ فراشًا، ولَحِقَه أوْلادُه بعدَ ذلك؛ لأِنَّها لو صارَتْ فِراشًا بالوطء؛ لَصارَتْ فِراشًا بإباحته كالزَّوجة (٨). وجَوابُه: بأنَّ الملْكَ لا يتعلَّق به تحريمُ المصاهَرَة، ولا يَنعَقِدُ في محلٍّ يَحرُم الوطءُ فيه؛ كالمجوسيَّة وذَواتِ محارِمه. فلو وَطِئَها في الدُّبُر؛ لم تَصِرْ فِراشًا في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّه لَيسَ بمنصوصٍ

стр. 5077

عليه، ولا في مَعْناهُ. (وَإِنِ ادَّعَى الْعَزْلَ)؛ لأِنَّ كلَّ حكمٍ تعلَّق بالوطء؛ لم يُعتبَرْ فيه الإنزالُ، فوجَبَ ألاَّ يُعتبَرَ هنا؛ كسائر الأحكام، وحِينَئِذٍ لا يَنتَفِي عنه بلعانٍ، ولا غيرِه، قال أحمدُ: الولدُ يكونُ من الرِّيح (١)، قال ابنُ عَقِيلٍ: وهذا منه يدلُّ على أنَّه لم يُنزِلْ في الفَرْجِ؛ لأِنَّه لا رِيحَ يسيرُ إليها إلاَّ رائحةُ المنِيِّ، وذلك يكونُ بعد إنزاله فيتعلَّق بها، قال (٢): وهذا من أحمدَ عِلْمٌ عظيمٌ. (إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ الاِسْتِبْرَاءَ)؛ لأِنَّه دليلٌ على براءة الرَّحِم، والقَولُ قَولُه في حصوله؛ لأِنَّه أمرٌ خفيٌّ، لا يُمكِنُ الاطِّلاعُ عليه إلاَّ بعُسرٍ (٣) ومشقَّةٍ. (وَهَلْ يَحْلِفُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: لا يَحلِفُ؛ لأِنَّ مَنْ قُبِل (٤) قَولُه في الاِسْتِبْراء؛ قُبِلَ بغَيرِ يمينٍ؛ كما لو ادَّعت المرأةُ انْقِضاءَ عِدَّتها. والثَّاني، وهو الأَشْهَرُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يُستَحْلَفُ؛ للخبر (٥)، ولأِنَّ الاِسْتِبْراءَ غيرُ مختَصٍّ به، أشْبَهَ سائرَ الحقوق. وقال أبو الحُسَين: أوْ يُرَى القافة، نَقَلَه الفَضْلُ (٦)، وذَكَرَ (٧) أحمدُ عن زيدٍ (٨)، وابنِ عبَّاسٍ (٩)،

стр. 5078

وأنسٍ (١). وفي «الانتصار»: يَنتَفِي بالقافة، لا بدَعْوَى الاِسْتِبْراء. ونَقَلَ حنبلٌ: يَلزَمُه الولدُ إذا نَفاهُ، وألْحَقَتْه القافةُ، وأقرَّ بالوطء (٢). وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه إذا مَلَكَها؛ لا تصيرُ فِراشًا به؛ لأِنَّه قد يَقصُد بملْكها التَّمولَ، والتِّجارةَ، والخدمةَ، فلم يتعيَّنْ لإرادة (٣) الوطء. وإنْ أتَتْ بولدٍ، ولم يَعتَرِفْ به (٤)؛ لم يَلحَقْهُ نَسَبُه؛ لأِنَّه لم يُولَدْ على فراشه. قال في «الفروع»: ويتوجَّه احْتِمالٌ في أَمَةٍ تُرادُ للتَّسرِّي عادةً أنَّها تصيرُ فِراشًا بالملك، وقاله بعضُ متأخِّرِي المالكيَّة (٥)؛ لِقصَّة عبدِ (٦) بن زَمْعَةَ، واحْتِياطًا للنَّسَبِ. فرعٌ: إذا اسْتَلْحَقَ ولدًا؛ ففي لُحوقِ ما بعدَه بدونِ إقرارٍ بآخَرَ؛ وجهان (٧)، ونصوصُه تدلُّ على أنَّه يَلحَقُه؛ لثُبوتِ فراشه (٨). (فَإِنْ أَعْتَقَهَا أَوْ بَاعَهَا بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ (٩) لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُرٍ؛

стр. 5079

فَهُوَ وَلَدُهُ)؛ لأِنَّها حَمَلَتْ به وهي فراشٌ؛ لأِنَّ أقلَّ مدَّةِ الحَمْل ستَّةُ أشهُرٍ، (وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ)؛ لأِنَّها صارَتْ أمَّ وَلَدٍ. (وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا، فَأَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أيْ: من البائع؛ لَحِقَه نسبُه؛ لأِنَّه وُجِدَ منه سببه (١)، وهو الوطءُ، ولم يُوجَدْ ما يُعارِضُه ولا يَمنَعُه، فتعيَّنَ إحالةُ الحكمِ عليه، (سَوَاءٌ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ أَوْ لَمْ يَدَّعِهِ)؛ لأِنَّ المُوجِبَ لإلْحاقِه أنَّها لو أتَتَ به في ملْكِه في تلك المدَّة لَلَحِقَ به، وانتقالُ الملْك عنه لم يتجدَّدْ به شيءٌ، وحكاه في «الفروع» قولاً. وقِيلَ: يُرى القافة، نقله صالِحٌ وحنبلٌ. ونَقَل الفضْلُ: هو له، قلتُ: في نفسه منه، قال: القافة (٢). وإن ادَّعى كلٌّ منهما أنَّه للآخَر، والمشتري مقرٌّ بالوطء؛ فالخِلافُ كذلك. (وَإِنِ اسْتُبْرِئَتْ، ثُمَّ أَتَتْ (٣) بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ؛ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ الاِسْتِبْراءَ يَدُلُّ على براءتها من الحَمل، وقد أمكن أنْ يكونَ من غيره؛ لوجود مدَّة الحَمل بعدَ الاِسْتِبراء مع قيام الدَّليل، فلو أتَتْ به لأِقلَّ من ستَّةِ أشْهُرٍ؛ كان (٤) الاِسْتِبراءُ غيرَ صحيحٍ. (وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ تُسْتَبْرَأْ، وَلَمْ يُقِرَّ الْمُشْتَرِي لَهُ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أمَةِ المشْتَرِي، فلا يُقبَلُ دَعْوَى غيرِه له إلاَّ بإقرارٍ من المشتري. (فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنِ الْبَائِعُ أَقَرَّ بِوَطْئِهَا قَبْلَ بَيْعِهَا؛ لَمْ يَلْحَقْهُ الْوَلَدُ بِحَالٍ)، سواءٌ وَلَدَتْه لستَّةِ أشهرٍ، أوْ لأِقلَّ منها؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكونَ من غَيرِه، (إِلاَّ

стр. 5080

أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ)؛ أيْ: على الولد أنَّه ابنٌ للبائع (١)؛ (فَيَلْحَقُهُ نَسَبُهُ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهما يثبت (٢) باتِّفاقهما. (وَإِنِ ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْمُشْتَرِي؛ فَهُوَ عَبْدٌ لِلْمُشْتَرِي)، ولا يُقبَلُ قَولُ البائع في الإيلاد؛ لأِنَّ الملكَ انْتَقلَ إلى المشْتَرِي في الظَّاهر، فلا يُقبَلُ قَولُ البائع فيما يُبطِلُ حقَّه؛ كما لو باعَ عبدًا، ثُمَّ أقرَّ أنَّه كان أعْتَقَه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ (٣) يَلْحَقَهُ نَسَبُهُ مَعَ كَوْنِهِ عَبْدًا لِلْمُشْتَرِي)؛ لأِنَّه يَجوزُ أنْ يكونَ ولدُ الواحد مملوكًا لآِخَرَ؛ كولدِ الأمةِ المزوَّجة. والقَولُ الآخَرُ: أنَّه لا يَلحَقُه، وهُو الظَّاهِرُ؛ لأِنَّ فيه ضَرَرًا على المشْتَرِي، فلو أعْتَقَه كان أبوه أحقَّ بميراثه منه (٤). وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥) فيما إذا ادَّعى البائعُ أنَّه ما باع حتَّى اسْتَبْرَأَ، وحلَفَ المشْتَرِي أنَّه ما وَطِئَها، فقال: إنْ أتَتْ به بعدَ الاِسْتِبْراء لأِكثرَ من ستَّةِ أشهر، فقيل: لا يُقبَل قولُه، ويَلحَقُه النَّسَبُ، قاله القاضي في «تعليقه»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقِيلَ: يَنتَفِي النَّسبُ، اختاره القاضي في «المجرَّد»، وابن عَقيلٍ، وأبو الخَطَّاب. وهل يَحتاجُ إلى اليمينِ على الاستبراء؟ فيه وجْهانِ. (وَإِذَا وَطِئَ الْمَجْنُونُ مَنْ لَا (٦) مِلْكَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَوَلَدَتْ

стр. 5081

مِنْهُ؛ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ (١)؛ لأِنَّه لا يَستَنِدُ إلى ملكٍ، ولا اعتقادِ إباحةٍ، وعليه مهرُ المثل إن أكْرَهَها على الوطء؛ لأِنَّ الضَّمانَ يَسْتَوِي فيه المكلَّفُ وغيرُه. أصلٌ: تبعيةُ (٢) النَّسَب للأب (٣) إجماعًا (٤)، ما لم يَنتَفِ منه، فولدُ قُرَشِيٍّ مِنْ غَيرِ قُرَشيَّةٍ قُرَشِيٌّ، ولا عَكْسَ. وتبعيةُ (٥) حرِّيةٍ ورقٍّ للأمِّ، إلاَّ مِنْ عُذْرٍ، للعيب أوْ غُرورٍ. ويتَّبع خيرَهما دِينًا، وقال (٦) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويتبع ما أكل أبواه، أو أحدهما. وفي «عيون المسائل»: أنَّه يُوجَدُ عبدٌ مِنْ حرَّة (٧)، وهو وَلَدُ الأَمَةِ المعلَّق عِتْقُها بمجيئه عبدًا، وفيه شيءٌ. مسائلُ: الأولى: ولدُ الزَّاني لا يَلحَقُ به وإن اعْتَرَفَ به، نَصَّ عليه (٨). واختار (٩) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه إذا اسْتَلْحَقَ ولدَه من الزِّنى، ولا فِراش؛ لَحِقَه (١٠).

стр. 5082

وفي «الانتصار»: يَسوغُ فيه الاِجْتِهادُ، وذَكَرَه ابنُ اللَّبَّان عن الحسن، وابن سِيرِينَ، وعروةَ، والنَّخعيِّ، وإسحاقَ. وفي «الانتصار» يَلحَقُه بحُكْمِ حاكِمٍ، وذكر أبو يعلى الصَّغير مِثْلَه. الثَّانية: إذا أَوْلَدَ أمَةً له ولغيره، أوْ أمةَ ولدِه؛ لَحِقَه نسبُه وإنْ كان عبدًا، بخلافِ أمَةِ أحدِ أبَوَيهِ. وفي أَمَةِ زَوجَتِه بإذْنِها؛ روايَتانِ. ومن خَلا بزوجتِه الكتابيَّة، وهو مسلمٌ صائمٌ (١)، ثمَّ طلَّق قبلَ الدُّخول؛ فولدتْ مَنْ يُمكِنُ أنَّه منه؛ لَحِقَه على الأصحِّ. الثالثة: إذا زوَّج (٢) أمةً من صغيرٍ لا يُولَدُ لِمِثْله، ثُمَّ وَطِئَها سيِّدُها فأتتْ بولدٍ مِنْ وطئه؛ لم يَلحقْ (٣) نسبه به، ولا بالزَّوج، وذكر ابن أبي موسى: لا يَسْتَرِقُّه السَّيِّدُ بل يُعتِقُه، قال: لأِنَّه وإن لم يَلحَقْه نسبُه؛ فهو منه. وإن اشترى أمةً فوَطِئَها قبلَ استبرائها، فأتتْ بولدٍ لأِقلَّ من ستَّةِ أشهُرٍ؛ لم يَلحَقْه نسبُه، وذَكَر ابنُ أبي موسى: أنَّه يُعتِقُه، ولا يَتبَعُه؛ لأِنَّ الماءَ يزيدُ في السَّمع والبصر.

стр. 5083

(كِتَابُ الْعِدَدِ) العِدَدُ جمعُ عِدَّةٍ، بكسر العَين فيهما، وهي ما تَعُدُّه من أيامِ أقْرائها وحَمْلها، أوْ أربعةِ أشْهُرٍ وعَشْرِ ليالٍ، قال ابنُ فارِسٍ، والجَوهَريُّ (١): عدَّةُ المرأة: أيام (٢) أقرائها، والمرأة معتدَّةٌ. وهي في الشَّرع: اسمٌ لمدَّةٍ معلومةٍ، تتربَّصُ فيها (٣) المرأةُ؛ لِتَعرِفَ براءةَ رَحِمِها، وذلك يَحصُلُ بوضعِ حَمْلٍ، أوْ مُضِيِّ أقْراءٍ، أو أشهر (٤). والأصلُ فيها (٥) قَبْلَ الإجْماع (٦): قَولُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٤]، ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤]. والأحاديثُ شهيرةٌ في ذلك، والمعْنَى يَشهَدُ له؛ لأِنَّ رحمَ المرأة ربَما كان مشغولاً بماءِ شخصٍ، وتمييزُ (٧) الأنساب مطلوبٌ في نَظَرِ الشَّارِع، والعِدَّةُ طريقٌ إليه. (كُلُّ امْرَأَةٍ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ المَسِيسِ)، وهو اللَّمْسُ باليَد، ثُمَّ

стр. 5084

اسْتُعِيرَ للجماع؛ لأِنَّه مُستَلْزِمٌ للمسِّ (١) غالِبًا، (وَالْخَلْوَةِ؛ فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا)، إجْماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآيةَ [الأحزَاب: ٤٩]، ولأنَّ (٣) العدَّة إنَّما وَجَبَتْ في الأصل لبراءة الرَّحِم. وكذا إذا كان بعدَها، والزَّوجُ ممن (٤) لا يُولَدُ لِمِثْله. (وَإِنْ خَلَا بِهَا) - خِلافًا ل «عُمد الأدلَّة» - (وَهِيَ مُطَاوِعَةٌ)، مع عِلْمِه بها؛ (فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، سَوَاءٌ كَانَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ مِنَ الوَطْءِ)، شرعيًّا كان أوْ حقيقيًّا؛ (كَالْإِحْرَامِ، وَالصِّيَامِ، وَالْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَالْمَرَضِ، وَالْجَبِّ، وَالْعُنَّةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ والأثْرَمُ، عن زُرارةَ بن (٥) أوْفَى، قال: «قَضَى الخُلَفاءُ الرَّاشِدونَ: أنَّ مَنْ أغْلَقَ بابًا، أوْ أرْخَى سِتْرًا؛ فقد وَجَبَ المهرُ، ووَجَبَتِ العِدَّةُ» (٦)، وهذه (٧) قضيَّةٌ اشْتَهَرتْ ولم تُنكَرْ، فكانت كالإجماع، وضعَّف أحمدُ ما رُوِيَ خِلافَه، ولأِنَّه عَقْدٌ على المنافع، فالتَّمْكينُ منه يَجرِي مَجْرَى الاِسْتِيفاء في الأحكام؛ كعَقْدِ الإجارة، والآيةُ مخصوصةٌ بما ذكرناه (٨). ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يَخلُوَ بها مع المانع حقيقيًّا كان؛ كالجَبِّ، أوْ شرعيًّا؛

стр. 5085

كالصَّوم، أوْ مع عدمه (١)؛ لأِنَّ الحُكْمَ ههُنا مُعلَّقٌ على الخَلْوة التي هي (٢) مظنَّة الإصابة، دُونَ حقيقتها. وعنه: لا يَكمُلُ الصَّداقُ مع وجود المانع، فكذا يُخرَّج في العِدَّة. وعنه: أنَّ صَومَ رمَضانَ يَمنَعُ كمالَ الصَّداق مع الخَلوة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المانِعَ متى كان متأكِّدًا؛ كالإحرام؛ مَنَعَ كمالَ الصَّداق، ولم تَجِب العِدَّةُ. فلو خَلَا بها، واخْتَلَفا في المسيس؛ قُبِلَ قَولُ مَنْ يدَّعِي الوطءَ؛ احْتِياطًا للأبْضاع، وأقْرَبُ إلى حال الخَلوة. وقِيلَ: يُقبَلُ قَولُ المنكِر. وإنْ أنْكَرَ وطْأَها؛ اعتدَّتْ كالمَوطُوءةِ، وقِيلَ: إنْ صدَّقَتْه؛ فلها حكمُ المدخول بها مُطلَقًا، إلاَّ في حِلِّها لمطلِّقها (٣) ثلاثًا، أوْ في الزِّنى، فإنَّهما يُجْلَدانِ فَقَطْ. (إِلاَّ أَلاَّ يَعْلَمَ بِهَا؛ كَالْأَعْمَى وَالطِّفْلِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا)، ولا يَكمُلُ صَداقُها؛ لأِنَّ المظنَّةَ لا تتحقَّقُ. وكذا إنْ كانَتْ صغيرةً لا (٤) يُوطَأُ مِثْلُها، أوْ لم تكُنْ مُطاوِعةً؛ لِعَدَم تحقُّق (٥) المظنَّة مع ظُهور اسْتِحالةِ المسِيس. فرعٌ: إذا تحمَّلتْ ماءَ رجلٍ، أوْ قَبَّلَها، أوْ لَمَسَها؛ فوَجْهانِ، قال ابنُ حَمْدانَ: إنْ كان ماءُ زَوجِها اعْتَدَّتْ، وإلاَّ فلا. ولو وُطِئَتْ في الدُّبُر؛ اعْتدَّتْ. (وَالْمُعْتَدَّاتُ عَلَى سِتَّةِ أَضْرُبٍ)، وسيأتي الكلامُ عليهنَّ، ولم يَجعَل

стр. 5086

الآيِساتِ من المحيض ضَرْبًا، واللاَّئي لم يَحضِنْ ضربًا (١)؛ لاستواء (٢) عِدَّتِهما. (إِحْدَاهُنَّ: أُولَاتُ الْأَحْمَالِ، أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)، بغيرِ خلافٍ (٣)؛ للآية، (حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً، مِنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ أَوِ المَمَاتِ)، إلاَّ ما رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وعن عليٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنقَطِعٍ (٥)، أنَّها تَعتَدُّ أطْولَ الأَجَلَينِ، وقاله (٦) أبو السَّنابِل بنُ بَعْكَكٍ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ ، فردَّ عليه النَّبيُّ ﷺ قَولَه (٧)، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه رَجَعَ إلى قَولِ الجماعة (٨)، وآيةُ الحَمْلِ متأخِّرةٌ عن آيةِ الأَشْهُر، قال ابنُ مسعودٍ: «من (٩) شاء باهَلْتُه، أوْ لَاعَنْتُه: أنَّ الآيةَ التي في سورة النِّساء القُصْرَى ﴿وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٤] نزلتْ بعدَ آيةِ البقرة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ … (٢٣٤)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٣٤]» (١٠)،

стр. 5087

والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ، ولأِنَّها مُعتدَّةٌ حاملٌ، فتَنقَضِي عدَّتُها بوَضْعِه؛ كالمطلَّقة؛ إذ الوَضْعُ أدلُّ الأشياء على براءتها. فلو ظَهَرَ بعضُه؛ فهي في عدَّتِها حتَّى ينفصل (١) باقِيهِ. وإنْ كانا اثنَينِ أوْ أكثرَ؛ لم تَنقَضِ عدَّتُها إلاَّ بوَضْعِ الآخِر. وعنه: بالأوَّل، ذَكَرَها ابنُ أبي موسى، وقاله أبو قِلابةَ وعِكرمةُ، ولكِنْ لا تتزوَّجُ حتَّى تَضَعَ الآخَرَ منهما، وهذا شاذٌّ مُخالِفٌ لظاهِر الكتاب وقَولِ أهلِ العلم، والمعْنَى. واحتجَّ القاضي والأَزَجِيُّ: بأنَّ أوَّلَ النِّفاس من الأوَّل وآخِره منه؛ بأنَّ أحكامَ الولادة تتعلَّق بأحدِ الولدَينِ؛ لأِنَّ انقطاعَ الرَّجعة وانْقِضاءَ العدَّة تتعلَّق بأحدهما، لا بكلِّ واحدٍ منهما، كذلك مُدَّةُ النَّفاس، وفيه نظرٌ. فلو وَضَعَتْ واحدًا وشكَّتْ في آخَرَ؛ لم تَنقَضِ عدَّتُها حتَّى تزولَ الرِّيبةُ. (وَالْحَمْلُ الذِي تَنْقَضِي بِهِ العِدَّةُ): ما (٢) تصيرُ به أمَّ ولدٍ، وهو (مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الإِنْسَانِ)؛ كالرَّأس واليد والرِّجل، فتَنقَضِي به العدَّةُ إجْماعًا، حكاه ابنُ المنذِر (٣)؛ لأِنَّه عُلِمَ أنَّه حملٌ، فيَدخُلُ في عُمومِ النَّصِّ. الثَّاني: ألْقَتْ مُضْغةً لم يَتبَيَّنْ فيها شيءٌ من الخِلْقة، فشَهِدَ ثقاتٌ من القَوابِل أنَّ فيه صورةً خفيَّةً بان بها أنَّها خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، فكذلك. (وَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا (٤) شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ثِقَاتٌ مِنَ

стр. 5088

النِّسَاءِ: أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ؛ فَهَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، هذا هو الثَّالِثُ، وفيه رِوايَتانِ: إحْداهما: تَنقَضِي، وجَزَمَ به في «الوجيز» وغيره؛ كما لو تَصوَّر. والثَّانية: لا، قدَّمها في «الكافي»، وذكر أنَّها المنصوصُ، وهي اختيارُ أبي بكرٍ؛ لأِنَّه لم يَصِرْ ولدًا، أشْبَهَ العَلَقَة. الرَّابِعة: ألْقَتْ نطفةً أوْ دَمًا لا تَدْرِي هل هو ما (١) يُخلَقُ منه آدَمِيٌّ أوْ لا؛ فهذا لا يتعلَّقُ به شيءٌ من الأحكام؛ لأِنَّه لم يَثبُتْ أنَّه وَلَدٌ بالمشاهَدة، ولا بالبيِّنة. الخامِسة: إذا وَضَعَتْ مُضغَةً لا صورةَ فيها، ولم تَشهَد القَوابِلُ أنَّه (٢) مُبتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ؛ لم تَنقضِ، ولا تَنقَضِي بما قَبْلَ المضغة، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا إلاَّ الحسن، قال: إذا عُلِمَ أنَّه حملٌ انْقَضَتْ به، وفيه الغُرَّة. (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُهُ (٣) نَسَبُهُ؛ كَامْرَأَةِ الطِّفْلِ)، ومجبوبٍ ومُطلَّقةٍ عَقِبَ عَقْدٍ، ومَن أتَتْ به لِدونِ نصفِ سنةٍ منذُ عَقَدَ عليها؛ (لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه حملٌ لَيسَ منه يقينًا، فلم تعتد (٥) بوضْعِه؛ كما لو ظَهَرَ بعدَ مَوتِه، فعلى هذا: تعتدُّ بالأشْهُرِ. (وَعَنْهُ: تَنْقَضِي بِهِ)؛ لأِنَّه حملٌ، فيَدخُلُ في عمومِ النَّصِّ، (وَفِيهِ بُعْدٌ)، ووجهُه (٦): أنَّ شرطَ انقضاء العدَّة بالحمل: أنْ يكونَ حملَ المفارِق، وهذا

стр. 5089

لَيسَ حملاً منه ضرورةَ أنَّه (١) لا يَلحَقُه نسبُه. وعنه: مِنْ غَيرِ طفلٍ؛ للُحوقِه باسْتِلْحاقه. وقِيلَ: تَنقَضِي به العِدَّةُ، ولا يَلحَقُه، وفيه نظرٌ. (وَأَقَلُ مُدَّةِ الْحَمْلِ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ)، وِفاقًا (٢)؛ لِمَا رَوَى الأثْرَمُ والبَيهَقيُّ، عن أبي الأسود: «أنَّه رُفِعَ إلى عمرَ: أنَّ امرأةً ولدتْ لستَّةِ أشْهُرٍ، فَهمَّ عمرُ برَجْمها، فقال له عليٌّ: لَيسَ لك ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فحَولانِ وستَّةُ أشْهُرٍ ثلاثونَ شهرًا، لا رَجْمَ عليها، فخلَّى عمرُ سبيلَها» (٣)، وقال ابنُ عبَّاسٍ كذلك، رواه البَيهَقِيُّ (٤). وذَكَرَ ابنُ قُتَيبةَ (٥): أنَّ عبدَ الملِك بنَ مَرْوانَ وُلِدَ لستَّةِ أشْهُرٍ.

стр. 5090

(وَغَالِبُهَا تِسْعَةُ) أَشْهُرٍ؛ لأِنَّ غالِبَ النِّساء كذلك يَحمِلْنَ، وهذا أمرٌ معروفٌ بَينَ النَّاس. (وَأَكْثَرُهَا (١) أَرْبَعُ سِنِينَ) في ظاهر المذهب، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ ما لا نَصَّ فيه يُرجَعُ فيه إلى الوجود، وقد وُجِد أربعُ سِنِينَ، فروى (٢) الدَّارَقُطْنِيُّ عن الوليد بن مسلمٍ، قلتُ لمالِك بنِ أنسٍ عن (٣) حديثِ عائشةَ، قالَتْ: «لا تَزيدُ المرأةُ في حَمْلِها على سنتَينِ» (٤)، فقال: سبحانَ الله مَنْ يقولُ هذا؟! هذه جارتُنا امرأةُ محمدِ بن (٥) عَجْلانَ امرأةُ صِدْقٍ، وزَوجُها رجلُ صِدْقٍ، حمَلَتْ ثلاثةَ أبْطُنٍ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سنةً (٦)، وقال الشَّافِعيُّ: بَقِيَ محمَّدُ بنُ عَجْلانَ في بطنِ أُمِّه أربعَ سِنَينَ (٧)، وقال أحمدُ: نساءُ بني عَجْلانَ تَحمِلُ أربعَ سِنينَ (٨)، وإذا تقرَّر وجودُه، وَجَبَ أنْ يُحكَمَ به، ولا يُزادُ عليه لِعدَمِ وُجودِه. (وَعَنْهُ: سَنَتَانِ)، اختاره أبو بكرٍ وغيرُه، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ، عن جميلةَ بنتِ سعدٍ، قالَتْ: قالَتْ عائشةُ: «لا تَزِيدُ

стр. 5091

المرأةُ في الحَمْل على سنتَينِ» رواه (١) سعيدٌ والبَيهَقيُّ، وقد أنْكَرَه مالِكٌ (٢). (وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْوَلَدُ: أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا)، وهو أقلُّ ما تَنقَضِي به العدَّةُ من الحَمْل، وهو أنْ تَضَعَه بعدَ ثمانِينَ يومًا منذ (٣) أمْكَنَه وَطْؤُها؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال (٤): «إنَّ أحدَكم يُجمَعُ خَلقُه في بطنِ أمه أربعين يومًا نطفةً، ثُمَّ يكون (٥) علقةً مِثْلَ ذلك، ثُمَّ يكونُ مُضْغةً مِثْلَ ذلك» (٦)، ولا شكَّ أنَّ العِدَّةَ لا تَنقَضِي بما دُونَ المضْغةِ، فوَجَبَ أنْ يكونَ بعدَ الثَّمانِينَ، فأمَّا بعد (٧) أربعةِ أشْهُرٍ فلَيس فيه إشْكالٌ، وقِيلَ: بل ثمانونَ ولَحْظَتانِ، وهو إذَنْ مُضْغةٌ غيرُ مصوَّرٍ، ويُصوَّرُ بعدَ أربعةِ أشْهُرٍ.

стр. 5092

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا)، ما لم تكُنْ حامِلاً، (وَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً (١)؛ بالإجماع (٢)، وسَنَدُه الآيةُ، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَحِلُّ لاِمْرأةٍ تُؤمِنُ بالله واليوم الآخِر أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلاَّ على زوجٍ أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا» (٣)؛ أيْ: عشر (٤) ليالٍ بعَشَرَةِ أيَّامٍ، ولا شكَّ أنَّ اليومَ مُقدَّمٌ قبلَ اللَّيلة، لا يُجزِئُها إلاَّ أربعةُ أشْهُرٍ وعشرةُ أيَّامٍ، وسواءٌ كانَتْ بالِغةً أوْ غيرَ بالِغةٍ، ولا يُعتبَرُ وجودُ الحَيض في عدَّةِ الوفاة في قَولِ عامَّتِهم. والعشرُ المعتَبَرةُ فيها هي: عَشْرُ ليالٍ بأيَّامها، وقاله الأكثرُ. وقال الأَوْزاعِيُّ: تجب (٥) عَشْرُ ليالٍ وتسعةُ أيَّامٍ؛ لأِنَّ العَشْرَ تُستَعْمَلُ في اللَّيالي دونَ الأيَّام، وإنَّما دَخَلَت الأيَّامُ اللاتي (٦) في أثْناءِ اللَّيالي تَبَعًا. وجوابُه: أنَّ العَرَبَ تُغلِّب (٧) حكمُ التَّأنيث في العدد خاصَّةً على المذكَّر، يُطلَقُ (٨) لفظُ اللَّيالي وتريد (٩) اللَّيالي بأيَّامها؛ لقوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مَريَم: ١٠] يُريدُ بأيَّامها، لقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عِمرَان: ٤١] يُريدُ بلَيالِيها، ولو

стр. 5093

نَذَرَ اعْتِكافَ العَشْرِ الأخير مِنْ رَمَضانَ؛ لَزِمَه اللَّيالي والأيَّامُ. (وَشَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ إِنْ كَانَتْ أَمَةً)؛ لأِنَّ الصَّحابةَ أجْمَعُوا على أنَّ عِدَّةَ الأمَة على النِّصف مِنْ عدَّة الحرَّة (١). وقال ابنُ سِيرِينَ: ما أرى عدَّةَ الأَمَة إلاَّ كالحرَّة، إلاَّ أنْ تكون (٢) قد مَضَتْ سنَّةٌ؛ لِعُمومِ الآية. وجَوابُه: ما سَبقَ. فإنْ كان حَمْلُها مِنْ غَيره؛ اعتدَّتْ للزَّوج بعدَ وَضْعِ الحَمْلِ. فرعٌ: مُعتَقٌ بعضُها بالحساب من عدَّةِ حرَّةٍ وأمة (٣)، ويُجبَرُ الكسر (٤). (وَسَوَاءٌ مَاتَ (٥) قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ)؛ لِعُموم الآية، لا يُقالُ: هلاَّ حُمِلَ على المدخول بها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ … (٢٢٨)﴾ الآيةَ [البَقَرَة: ٢٢٨]؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ قياسُها على المطلَّقة؛ إذِ النِّكاحُ عَقْدُ عُمُرٍ، فإذا مات انْتَهَى، والشَّيءُ إذا انْتَهَى تقرَّرتْ أحكامُه؛ كالصِّيام بدُخولِ اللَّيل، بخِلافِ الطَّلاق، فإنَّه قَطْعٌ للنِّكاح قبلَ حصولِ مَقْصوده، أشْبَهَ فَسْخَ الإجارة قبلَ التَّسليم، ولأِنَّ المطلَّقةَ إذا أتَتْ بولدٍ أمْكَنَ تكذيبُها بنَفْيِه، بخلافِ الميت. (وَإِنْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ؛ اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ)؛ لأِنَّها زوجةٌ، فيَدخُلُ في عُمومِ قَولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ … (٢٣٤)﴾ الآيةَ [البَقَرَة: ٢٣٤]، (وَسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلاقِ)؛ لأِنَّها مُعتدَّةٌ للوفاة، فلا يَجتَمِعُ معها

стр. 5094

غيرُها إجْماعًا، حكاهُ ابنُ المنذِرِ الآيةَ (١). وعنه: تَعتَدُّ أطْوَلَ الأَجَلَينِ، وبَعَّدَه في «الشَّرح». (وَإِنْ (٢) طَلَّقَهَا فِي الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ مَاتَ فِي عِدَّتِهَا؛ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ عِدَّتِهَا)، وتَبْنِي على عدَّة الطَّلاق مُطلَقًا، ولا تعتدُّ (٣) للوفاة؛ للآية، ولأِنَّها أجنبيَّةٌ منه في نكاحه وميراثه، وتَحِلُّ له أخْتُها، فلم تَعتَدَّ لوفاته، كما لو انْقَضَتْ عدَّتُها. وعَنْهُ: تعتدُّ للوفاة إنْ وَرِثَتْ، اختاره جماعةٌ؛ كما لو طلَّقها في مَرَضِ مَوته. ولَيسَ بشَيءٍ، فإنَّ الحَمْلَ تنقضي (٤) بوضْعِه كلُّ عدَّةٍ، ولا يَجِبُ عليها الاعتداد (٥). (وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ اعْتَدَّتْ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ عِدَّةِ الْوِفَاةِ)، نَصَّ عليه (٦)، وهو المذهبُ؛ لأِنَّها وارِثةٌ، فيَجِبُ عليها أنْ تعتدَّ للوفاة، ومن (٧) حيثُ إنَّها مطلَّقةٌ يَجِبُ عليها أنْ تعتدَّ للطَّلاق، فيَجِبُ أنْ تعتدَّ بأطْولِهما ضرورةَ أنَّها لا تَخرُجُ عن العُهْدة بيقينٍ إلاَّ بذلك. وعنه: تَعْتَدُّ لطلاق (٨)؛ لأِنَّه ماتَ ولَيستْ زوجةً له؛ لأِنَّها بائِنٌ من النِّكاح، فلا تكونُ منكوحةً، وكالتي لا تَرِثُ. وعنه: تعتدُّ للوفاة فقطْ، ذَكَرَهما في «المجرد»؛ لأِنَّها تَرِثُه، أشْبَهَت الرَّجْعيَّةَ.

стр. 5095

وعُلِمَ منه: أنَّ مَنْ لا تَرِثُه؛ كالأَمَةِ والذِّمِّيَّة، ومَن جَاءَتِ البَينونةُ مِنْ قِبَلِها؛ فلا يَلزَمُها سِوَى عدَّةِ الطَّلاق روايةً واحدةً، ذَكَرَه في «المحرَّر»، وفي «الواضح» تعليلُه يَدُلُّ على التَّفرِقة. فرعٌ: إذا مات المريضُ المطلِّقُ بعدَ عدَّةِ طلاقٍ رجْعِيٍّ، أوْ كان طلاقُه قبلَ الدُّخول؛ فلَيسَ عليها عدَّةُ وفاةٍ. وعنه: بلى إنْ وَرِثَتْه، اختارها (١) أبو بكرٍ. وكذا مَنْ أبانَها في مرضه قَبْلَ الدُّخول، أوْ بَعدَه فاعتدَّتْ، ثُمَّ ماتَ. (وَإِنِ ارْتَابَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْحَمْلِ؛ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَانْتِفَاخِ الْبَطْنِ، وَانْقِطَاعِ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ؛ لَمْ تَزَلْ فِي عِدَّةٍ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ)، وتَبْقَى في حكمِ الاِعتداد إلى أنْ تزولَ الرِّيبةُ، فإنْ بان حَمْلاً؛ انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِه، فإنْ زالَتْ، وبانَ أنَّه لَيسَ بحَمْلٍ؛ تبَيَّنَّا أنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ بالشُّهور أوْ بالأقراء (٢) إنْ كان فارَقها في الحياة. (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ زَوَالِهَا (٣)؛ أيْ: زوال الرِّيبة؛ (لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ)؛ لأِنَّها تزوَّجَتْ، وهي في حُكْمِ المعتدَّات. وقِيلَ: يَصِحُّ إذا كان بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة. (فَإِنْ ظَهَرَ بِهَا ذَلِكَ بَعْدَ نِكَاحِهَا؛ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِ)؛ لأِنَّه وُجِدَ بعدَ قَضاءِ العِدَّة ظاهِرًا، والحَملُ مع الرِّيبة مَشْكوكٌ فيه، فلا يَزُولُ ما حَكَمْنا بصحَّته، ولا يَحِلُّ لزَوجِها وَطْؤُها حتَّى تزولَ الرِّيبةُ؛ لِشَكِّنا في حلِّ وَطْئِها؛ لقولِه ﵇: «مَنْ كان يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِر فلا يَحِلُّ له أنْ يَسْقِيَ ماءَه زَرْعَ غَيرِه» (٤).

стр. 5096

(لَكِنْ إِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا) الثَّاني وَوَطِئَها؛ (فَهُوَ)؛ أي: النِّكاحُ (بَاطِلٌ)؛ لأِنَّه نَكَحَها وهي حامِلٌ مِنْ غَيرِه، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي: إذا أتَتْ به لأِكثرَ من ذلك؛ أنَّ النِّكاحَ صحيحٌ؛ لأِنَّ الولدَ أمْكَنَ أنْ يكونَ من الثَّاني، فلم يُصادِفْ نكاحَها له مُبطِلٌ، فلم يَبطُلْ؛ لأِنَّ الولدَ لاحِقٌ به. فلو ظَهَرَت الرِّيبةُ بعدَ العِدَّة وقبلَ النِّكاح، أوْ بعدَه قبلَ الدُّخول؛ فوَجْهانِ: أحدهما: لا يَحِلُّ لها أنْ تتزوَّجَ، وإنْ فَعَلَتْ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّها شاكَّةٌ في انْقِضاءِ عدَّتِها. والثَّاني: يَحلُّ لها، ويَصِحُّ؛ لأِنَّا حَكَمْنا بانْقِضاءِ عِدَّتها، فلا يَتغَيَّرُ الحُكْمُ بالشَّكِّ، بدليلِ أنَّ حكمَ الحاكم لا يتغيَّرُ بتغييرِ اجْتِهادِه ورجوعِ الشُّهود. (فَإِذَا مَاتَ عَنِ امْرَأَةٍ نِكَاحُهَا فَاسِدٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، نَصَّ عَلَيْهِ) في روايةِ جعفرِ بنِ محمَّدٍ (١)، واختاره أبو بكرٍ، وقدَّمه الأكثرُ؛ لأِنَّه نكاحٌ يَلحَقُ به النَّسبُ، فوَجَبَتْ به العِدَّةُ كالصَّحيح. وإنْ فارَقَها في الحياة بعدَ الإصابة؛ اعتدَّت بثلاثةِ قُرُوءٍ، أوْ بثلاثةِ أشْهُرٍ إنْ لم يكُنْ، بغَيرِ خلافٍ (٢). وإنْ كان قبلَ الخَلْوةِ؛ فلا عِدَّة عليها؛ كالصَّحيح، بل أَوْلَى. وإنْ كان بعدَها قبلَ الإصابة؛ فالمنصوصُ: أنَّ عليها العدَّةَ (٣)؛ لأِنَّه

стр. 5097

أُجْرِيَ مُجْرَى الصَّحيح في لُحُوقِ النَّسَب، فكذا في العِدَّة. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا لِلْوَفَاةِ لِذَلِكَ)؛ لأِنَّه لا يَثبُتُ الحلُّ، فلم يوجب (١) العدَّةَ؛ كالباطل، فعلى هذا: إنْ كان قَبْلَ الدُّخول؛ فلا عِدَّةَ عليها، وإنْ كان بعدَه؛ اعتَدَّتْ. (وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلَانِهِ)؛ كذاتِ مَحرَمِه ومُطلَّقتِه ثلاثًا؛ (لَمْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ مِنْ أَجْلِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأِنَّ النِّكاحَ المذكورَ وُجودُه كعَدَمِه؛ للإجماع (٢) على بُطْلانِه.

стр. 5098

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: ذَاتُ الْقُرُوءِ التِي فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا)، ولو بطلقةٍ ثالثةٍ إجماعًا (١)، (وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً) أوْ بعضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، (وَقُرْآنِ إِنْ كَانَتْ أَمَةً)، في قَولِ أَكْثَرِ العُلماء؛ لِمَا رُوِيَ عن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «طَلاقُ الأَمةِ تَطْلِيقتَانِ وعِدَّتُها حَيضَتانِ» رواه أبو داودَ والتِّرمذي، وقال: (حديثٌ غريبٌ لا نَعرِفُه مرفوعًا إلاَّ مِنْ حديثِ مُظاهِرِ بنِ أسْلَمَ، ولا يُعرَفُ له في العِلْم غيرُ هذا الحديث)، وعن ابنِ عمر (٢) نحوُه، رواهُ ابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ من روايةِ عطيَّة، وهو ضعيفٌ (٣)، وهو قول (٤) عمرَ (٥)،

стр. 5099

وعليٍّ (١)، وابنِ عمرَ (٢)، ولا يعرف (٣) لهم في الصَّحابة مُخالِفٌ، وكالحَدِّ. وكان (٤) القياسُ يَقتَضِي أنْ تكون (٥) حيضةً ونصفًا؛ كما كان حدُّها على النِّصف من الحرَّة، إلاَّ أنَّ الحَيضَ لا يَتبَعَّضُ، فَوَجَبَ تكميلُه كالمطلَّقة، ولهذا قال عمر: «لو أستطيع أنْ أجعلَ العدَّةَ حَيضةً ونصفًا لَفَعَلْتُ» رواه البَيهقِيُّ (٦)، ولا يصحُّ (٧) للجهالة، أو الانقطاع. والمُدبَّرةُ والمُكاتَبةُ وأمُّ الولد كالأمَة. (وَالْقُرْءُ: الْحَيْضُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ)، القرء (٨) في كلامِ العرب يقع على

стр. 5100

الحَيض والطُّهر جميعًا، فهو من الأسماء المشترَكة، قال الخليلُ: يُقالُ: أقْرأَت المرأةُ إذا دَنا حَيضُها، وأقْرَأَتْ إذا دنا طَهرُها (١). وقال أحمدُ بنُ يحيى ثَعْلب (٢): القروءُ (٣) الأوقات، فقد يكونُ حَيضًا، وقد يَكونُ طُهْرًا، والقَولُ بأنَّه الحَيضُ هو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّه يُطلَقُ تارةً ويُرادُ به الاِنتِقالُ، يقال (٤): قَرَأَ النَّجْمُ؛ أي (٥): انتقل من مَحَلٍّ إلى آخَرَ، ويُرادُ به الجَمْعُ، يُقالُ: ما قَرَأَت النَّاقَةُ؛ أيْ: لم تَجمَعْ في بطنها ولدًا، فالأخْذُ به أَوْلَى؛ لأِنَّ فيه جمعًا بَينَ حقيقتَينِ. وهذا هو الأَظْهَرُ عن أحمدَ (٦)، صحَّحه في «المستوعب»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وهو قَولُ عمرَ (٧)، وعليٍّ (٨)، وابنِ عبَّاسٍ (٩)، ورُوِيَ عن أبي بكر (١٠)، وعثمانَ، وأبي موسى (١١)، وعبادةَ، وأبي الدَّرداء (١٢)، قال أحمدُ في رواية الأثرم: (كنتُ أقولُ: إنَّه الأَطْهارُ، ثُمَّ

стр. 5101

وقفتُ؛ لقَولِ الأكابِر) (١)، ولأِنَّه لم يُعهَدْ في لسان الشَّرع اسْتِعْمالُه بمَعْنَى الطُّهر في مَوضِعٍ، واسْتُعْمِل بمَعْنَى الحَيضِ في غيرِ حديثٍ (٢). وظاهِرُ النَّصِّ يَقتَضِي وجوبَ التَّربُّص بثلاثةٍ كاملةٍ، ومَن جعل القروءَ (٣) الأطهارَ؛ لم يُوجِبْ ثلاثةً، ولأِنَّ العِدَّةَ اسْتِبْراءٌ، فكانت بالحيض؛ كاسْتِبْراء الأَمَةِ. (وَلَا تَعْتَدُّ بِالْحَيْضَةِ التِي طَلَّقَهَا فِيهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِثَلَاثٍ كَامِلَةٍ بَعْدَهَا)، لا

стр. 5102

نَعلَمُ فيه خلافًا (١)، ورواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ رجالُه ثِقاتٌ، عن ابنِ عمرَ (٢)، ولأِنَّ المطلَّقةَ فيها لم يَبقَ منها ما يَتِمُّ مع اثنتَينِ ثلاثةٌ كامِلةٌ، فلا يُعتَدُّ بها، ولأِنَّ الطَّلاقَ في الحَيض إنَّما حَرُمَ للضَّرر بتطويلِ العِدَّة، فلو اعتدَّت بالحَيضة المطلَّقِ فيها لكانت العدَّةُ حِينَئِذٍ أقْصَرُ. (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ؛ حَلَّتْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمها (٣) في «الكافي» و «الرِّعاية»، واختارها أبو الخَطَّاب؛ للآية، وقد كَمَلَت القروء (٤) بوجوب الغسل عليها، ووجوب الصَّلاة، وفِعْل الصِّيام وصحَّته منها (٥)، ولأِنَّه لم يَبْقَ حكمُ العدَّة في الميراث، ووقوع الطَّلاق بها، واللِّعان، والنَّفقة، فكذا هُنَا. (وَالْأُخْرَى: لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ)، اختاره الخِرَقِيُّ، والقاضي، والشَّريفُ، والشِيرازيُّ؛ اعتمادًا على أنَّ هذا قَولُ أكابِرِ الصَّحابة، قال أحمدُ (٦): رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه كان يَقولُ: «إذا انْقَطَعَ الدَّمُ من الحَيضة الثَّالثة؛ فقد بانَتْ منه» (٧)، وهو أصحُّ في النَّظَر، قِيلَ له: فلِمَ لا تَقولُ به؟

стр. 5103

قال: ذلك يَقولُ به عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعودٍ (١)، فأنا أهيبُ (٢) أنْ أُخالِفَهم؛ يعني: اعْتِبار الغُسْل، ويُرشِّحُه: أنَّ الظاهِرَ إنَّما تركوه (٣) عن توقيفٍ ممَّن له البَيانُ، ورُوِيَ عن أبي بكرٍ، وعثمانَ، وأبي موسى، وعبادةَ، وأبي الدَّرداء (٤). وظاهِرُه: ولو فرَّطَتْ في الغُسْل سِنِينَ، حتَّى قال به شريكٌ عِشْرينَ سنةً، وحَكاهُ في «الهَدْيِ» روايةً (٥). لكِنْ إذا طلَّقها وهي حامِلٌ، فَوَضَعَتْ بعدَ ذلك؛ انْقَضَتْ عدَّتُها وإنْ لم تَغتَسِلْ، نَصَّ عليه (٦). وعنه: أنَّها في عدَّتها، وله (٧) رَجْعَتُها حتَّى يمضي (٨) وقتُ الصَّلاة التي طَهُرَتْ في وقْتِها، وجَزَمَ به في «الوجيز». فعلى هذا: تَنقَطِعُ بقيَّةُ الأحكام مِنْ قَطْعِ الإرث، والطَّلاقِ، واللِّعانِ، والنَّفقةِ بانْقِطاعِ الدَّم، رِوايةً واحدةً، وجَعَلَها ابنُ عَقِيلٍ على الخلاف (٩). (وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: القُرْءُ الأَطْهَارُ)، وهو قَولُ زَيدٍ (١٠)،

стр. 5104

وابنِ عمرَ (١)، وعائشةَ (٢)، رواه الشَّافِعِيُّ عنهم بإسْنادٍ جيِّدٍ، وقال الشَّافِعِيُّ: أنا مالِكٌ، عن ابن شِهابٍ، سَمِعْتُ أبا بكرِ بنِ عبدِ الرَّحْمن يَقولُ: «ما أدْرَكْتُ أحدًا من فُقهائنا إلاَّ وهو يقولُ هذا» (٣)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ورَجَعَ إليه أحمدُ (٤)، قال في روايةِ الأثْرَمِ: رأيتُ الأحاديثَ عمَّن قال: القروء (٥) الحِيَضُ تَختَلِفُ، والأحاديثُ عمَّنْ قال: إنَّه الأطْهارُ صِحاحٌ قَوِيَّةٌ (٦). والعُمْدةُ في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]؛ أيْ: في عِدَّتهنَّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبيَاء: ٤٧]؛ أي: في يوم القيامة، والمشْروعُ الطَّلاقُ في الأطْهار، لا في الحِيَض إجْماعًا، وحديث ابن عمر: «أنَّه طلَّق امرأتَه، وهي حائضٌ، وأمَرَه النَّبيُّ ﷺ بمُراجَعَتِها» (٧)، ولأِنَّها عدَّةٌ عن طلاقٍ مُجرَّدٍ مُباحٍ؛ فوَجَبَ أنْ يُعتَبَرَ عُقيبَ الطَّلاق؛ كعِدَّة الآيِسة والصَّغيرة. وجوابُه: بأنَّ المرادَ بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]: ثلاثٌ

стр. 5105

مُستَقْبِلاتٌ لِعدَّتهنَّ؛ كما تقولُ: لَقِيتُه لِثَلاثٍ بَقِينَ من الشَّهر، أيْ: مستقبِلات (١) لثلاثٍ، وقال ابن عمرَ: «وقَرَأَ النَّبيُّ ﷺ : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُلِ عدَّتهنَّ» رواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ (٢). (وَتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الذِي طَلَّقَهَا فِيهِ قُرْءًا)؛ لأِنَّ (٣) الطَّلاقَ إنَّما حَرُمَ في الحيض دَفْعًا للضَّرر عنها بتطويل العِدَّة عليها، فلو لم تَعتَدَّ ببقيَّةِ الطُّهر قُرْءًا؛ كان الطَّلاقُ في الطُّهر أضرَّ بها وأطْوَلَ عليها. وقال الزُّهْرِيُّ: إنَّها (٤) تعتدُّ بثلاثةِ قروء (٥) سوى الطُّهر الذي طلَّقَها فيه. (ثُمَّ إِذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ)، أوْ الأَمَة في الثَّانية؛ (حَلَّتْ)، قاله ابنُ عمرَ، وزيدٌ، وعائشةُ، رواه عنهم الأثرمُ (٦)؛ لأِنَّها لو لم تَحِلَّ بذلك؛ لَأدَّى إلى إيجابِ أكثرَ من ثلاثةِ قروءٍ (٧)، وذلِكَ مُخالِفٌ للنَّصِّ. وقِيلَ: لا تَنقَضِي العدَّةُ حتَّى يَمْضِيَ من الدَّم يَومٌ وليلةٌ؛ لِجَوازِ أنْ يكونَ الدَّمُ دمَ (٨) فسادٍ، فلا تَنقَضِي العدَّةُ حتَّى يَزولَ الاِحْتِمالُ، ولَيسَ من العدَّة في الأصحِّ. وإن (٩) طلَّقَها في سَلْخِ طُهْرٍ، أوْ علَّقه (١٠) على سَلْخِه، فأوَّلُ عِدَّتها أوَّلُ

стр. 5106

طُهْرٍ يأتي بعدَ حيضةٍ. فرعٌ: كلُّ فُرقةٍ بَينَ زَوجَينِ بعدَ الدُّخول؛ فعدَّتُها عدَّةُ طلاقٍ في قَولِ أكثرِ العلماء. وعن ابنِ عبَّاسٍ (١): عدَّةُ الملاعَنَة تسعةُ أشْهُرٍ. وعن عُثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وإسْحاقَ: عدَّةُ المُخْتَلِعة بحَيضةٍ (٢)، ورواهُ ابنُ القاسِم عن أحمدَ (٣)، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في بقيَّة الفُسوخ (٤)، وأوْمَأَ إليه في روايةِ صالِحٍ (٥)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ: «أنَّ امرأةَ ثابِتِ بنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ من زَوجها، فأمَرَها النَّبيُّ ﷺ أنْ تعتدَّ بحَيضةٍ» رواه

стр. 5107

أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذي، وقال: حسن (١) غريبٌ (٢). وجَوابُه: عمومُ الآية، وكفُرْقةِ غَيرِ الخُلْع، وحديثُهم قال أبو بكرٍ: هو ضعيفٌ مُرسَلٌ، وقَولُ عُثمانَ وابنِ عبَّاسٍ قد خالَفَهُ عمرُ (٣) وعليٌّ (٤)، وقَولُهما أَوْلَى، والصَّحيحُ عن ابن عمرَ: «أنَّ عدَّتَها عدَّةُ المطلَّقة» رواه مالِكٌ (٥).

стр. 5108

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: اللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ؛ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ إِنْ كُنَّ (١) حَرَائِرَ)، إجْماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ … (٤)﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ٤]. فإنْ كان الطَّلاقُ في أوَّلِ الشَّهر؛ كفى ثلاثةُ أشْهُرٍ بالأهِلَّة؛ للنَّصِّ. وإنْ كان في أثنائه؛ اعْتدَّتْ بقيَّتَه، ثُمَّ اعْتَدَّتْ شَهْرَينِ بالأهلَّة، ثمَّ مِنْ الثَّالث تمامَ ثلاثِينَ يومًا، جَزَمَ به في «الكافي» وغيرُه، وقدَّمه في «المستوعب»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ الأصلَ الهِلالُ، فلا يُرجَعُ إلى العدد إلاَّ عِنْدَ التَّعذُّر. وعنه: يُعتبَرُ الجميعُ بالعَدَد (٣)، وهو قَولُ بنت (٤) الشَّافعي؛ لأِنَّه إذا حُسِبَ الأوَّلُ بالعدد؛ كان ابتداءُ الثَّاني من نصف الشَّهر، وكذلك الثَّالث. قُلْنا: لا يَلزَمُ إتمامُ الشَّهر الأوَّل من الثَّاني، بل من الرَّابع. ويُحتَسَبُ من السَّاعة التي فارقها فيها في قول الأكثرِ. وقال (٥) ابنُ حامِدٍ: يُحتَسَبُ بأوَّل اللَّيل أو النهار (٦)؛ لأِنَّ حساب السَّاعات يَشُقُّ؛ فسَقَطَ اعْتِبارُه.

стр. 5109

وجَوابُه: قولُه تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطّلَاق: ٤]، فلا تجوزُ الزِّيادةُ بغَيرِ دليلٍ، وحساب السَّاعات ممكنٌ، إمَّا يقينًا وإمَّا اسْتِظْهارًا. (وَإِنْ كُنَّ إِمَاءً فَشَهْرَانِ (١)، هذا أكثرُ الرِّوايات عنه، واختارها الأكثرُ، واحتجَّ فيه بقَولِ عمرَ، رواه الأثْرَمُ (٢)، ولأنَّ كلَّ شهرٍ مكانَ قُرءٍ (٣)، وعدَّتُها بالأقْراء قُرْءانِ، فكذا هنا. (وَعَنْهُ: ثَلَاثَةٌ)، رُوِيَ عن الحسن ومجاهِدٍ، وقدَّمه في «الرِّعاية الكبرى»؛ لعُمومِ الآية، ولأِنَّ اعْتِبارَ الشُّهور لمعرفة براءة الرَّحِم، ولا يَحصُلُ بأقلَّ من ثلاثةٍ. (وَعَنْهُ: شَهْرٌ وَنِصْفٌ)، نَقَلَها الميمونيُّ، والأثْرَمُ (٤) واختارها، وقاله عليٌّ (٥) وابنُ عمرَ (٦)؛ لأِنَّ عدَّتَها نصفُ عدَّةِ الحرَّة، وإنَّما كمَّلنا الأقْراءَ لتعذُّر تَنصيفها.

стр. 5110

ومَن ردَّ الرِّوايةَ الثَّانية قال: هي مُخالِفةٌ لإجماعِ الصَّحابة؛ لأِنَّهم اختلفوا على القولين - أي: الأوَّل والثَّالث -، فلا يجوز إحداثُ ثالِثٍ؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى تَخْطِئَتهم، وخروجِ الحقِّ عن قَولِ جميعهم، ولا يجوز ذلك، ولأِنَّها مُعتَدَّةٌ بغير الحمل، فكانَتْ دونَ الحرَّة؛ كذات القروء (١) والمتوفَّى عنها زَوجُها. وأغْرَبُ منه رابعةٌ: أنَّ عدَّتَها شهرٌ فقط. (وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ)، والمكاتبة (٢)، والمدبَّرَة؛ (عِدَّةُ الْأَمَةِ)؛ لأِنَّها أمة (٣) مملوكةٌ، ولأِنَّ أمَّ الولد أَمَةٌ في كلِّ أحكامها، إلاَّ في جَوازِ بَيعِها. (وَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ)، فإذا (٤) كان نصفُها حُرًّا؛ فعلى الأولى (٥): عدَّتُها شهرانِ ونصفٌ، وعلى الثَّالثة: شَهْرانِ وسبعةُ أيَّامٍ ونصفٌ، وقال السَّامَرِّيُّ: شَهرانِ وثمانيةُ أيَّامٍ، وعلى الثَّانية: تُساوِي الحرَّةَ. وذكر أبو بكرٍ، وقدَّمه في «الترغيب»: أنَّ عدَّتَهَا كحرَّةٍ على الرِّوايات. وهي كالحرَّة إذا اعْتَدَّتْ بالحمل؛ لأِنَّ عدَّةَ الحامِلِ لا تَختلِفُ بالحرِّيَّةِ والرِّقِّ. (وَحَدُّ الْإِيَاسِ: خَمْسُونَ سَنَةً)؛ لقَولِ عائشةَ: «لن تَرَى في بَطْنِها ولدًا (٦) بعدَ خَمْسينَ سنةً» (٧).

стр. 5111

(وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ فِي نِسَاءِ الْعَجَمِ، وَحَدُّهُ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ سِتُّونَ سَنَةً)، ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ في كتاب النَّسَب: أنَّ هندَ بنتَ أبي عُبَيدةَ بنِ عبد الله ابنِ زَمْعةَ وَلَدَتْ مُوسى بنَ عبد الله بنِ حُسَينِ بنِ حَسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ولها سِتُّونَ سنةً (١). وقال (٢): يُقالُ: إنَّه لن تَلِدَ بعدَ خمسينَ سنةً إلاَّ عربيَّةٌ، ولا تَلِدُ بعدَ السِّتِّينَ إلاَّ قُرَشِيَّةٌ، ولأِنَّهنَّ أقْوَى حيلةً وطبيعةً (٣). قال المؤلِّف (٤): والصَّحيحُ أنَّها متى (٥) بلغَتْ خمسينَ سنةً، فانْقَطَع حَيضُها عن عادتها مرَّاتٍ بغَيرِ سببٍ؛ فقد صارت آيِسَةً، وإن انْقَطَعَ قبلَ ذلك؛ فكمَنْ انقَطَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، وإنْ رأت الدَّمَ بعدَ الخمسين على العادة؛ فهو (٦) حَيضٌ على الصَّحيح، وإنْ رَأَتْه بعدَ السِّتِّينَ؛ فقد تُيُقِّنَ أنَّه لَيسَ بحَيضٍ، فلا تعتدُّ (٧) به، وتَعتَدُّ بالأَشْهُر؛ كالتي (٨) لا ترى دَمًا. (وَإِنْ حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ فِي عِدَّتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى القُرُوءِ (٩)؛ لأِنَّ الشُّهورَ بَدَلٌ عنها، فإذا وُجِدَ المبدَلُ؛ بَطَلَ حُكْمُ البَدَل؛ كالتَّيمُّم مع الماء،

стр. 5112

(وَيَلْزَمُهَا (١) إِكْمَالُهَا)؛ أي: إكمالُ ثلاثةِ قروء (٢)؛ لأِنَّ إكْمالَها واجِبٌ على كلِّ (٣) مُعتَدَّةٍ بها. (وَهَلْ يُحْسَبُ مَا قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا إِذَا قُلْنَا: القُرُوءُ (٤) الْأَطْهَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: تعتد (٥) به؛ لأِنَّه طُهْرٌ قَبْلَ حَيضٍ، أشْبَهَ الطُّهْرَ بَينَ الحَيضَتَينِ. والثَّاني: لا يُحْسَبُ، وهو أشْهَرُ؛ لأِنَّ القرء (٦) هو الطُّهْرُ بَينَ الحَيضتَينِ، وهذا لم يَتقدَّمْه حَيْضٌ. أمَّا لو حاضَتْ بعدَ انْقِضاءِ عدَّتِها بالشُّهور، ولو بلحظةٍ؛ لم يَلزَمْها اسْتِئْنافُ العِدَّة؛ لأِنَّه حَدَثَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة، أشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعدَ طُولِ الفصل. (وَإِنْ يَئِسَتْ ذَاتُ القُرُوءِ (٧) فِي عِدَّتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الآْيِسَاتِ)؛ أيْ: تَبْتَدِئُ بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأِنَّ العِدَّةَ لا تُلَفَّقُ مِنْ جِنسَينِ، وقد تعذَّرَ الحَيضُ، فتَنتَقِلُ إلى الأَشْهُر؛ لأِنَّها عَجَزَتْ عن الأصل، وكالتَّيَمُّم. (وَإِنْ عَتَقَتِ (٨) الْأَمَةُ الرَّجْعِيَّةُ فِي (٩) عِدَّتِهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ)، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأِنَّ الحرِّيَّةَ وُجِدَتْ وهي زَوجةٌ، فَوَجَبَ أنْ تَعتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّة؛ كما

стр. 5113

لو عَتَقَتْ قَبْلَ الطَّلاق. (وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا؛ بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ الحرِّيَّةَ لم تُوجَدْ وهي زوجة (٢)، فوَجَبَ أنْ تَبْنِيَ على عدَّةِ أَمَةٍ، وكالمدبَّرة، ولم يَلزَمْها الاِنْتِقالُ إلى عِدَّةِ الحرَّة؛ كما بَعْدَ انْقِضاء العِدَّة. فرعٌ: إذا عتَقَت (٣) الأَمَةُ تَحْتَ عبدٍ، فاخْتارَتْ نفسَها؛ اعتدَّتْ كحرَّةٍ؛ لأِنَّها بانَتْ من زَوجِها وهي حرَّةٌ، وروى الحَسَنُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بَرِيرَةَ بذلك» (٤).

стр. 5114

وإنْ طلَّقها رَجْعِيًّا، فأعْتَقَها سيِّدُها؛ بَنَتْ على عدَّةِ حرَّةٍ، سواءٌ فَسَخَتْ، أوْ أقامَتْ على النِّكاح. وإنْ لم يُفسخ فراجَعَها في عدَّتها؛ فلها الخيارُ، فإن اخْتارَت الفَسْخَ قَبْلَ المسِيسِ؛ فهل تَستَأْنِفُ، أوْ تَبْنِي على ما مَضَى؟ فيه وَجْهانِ. فإنْ قُلْنا: تَستَأْنِفُ؛ فإنَّها (١) تَستَأْنِفُ عدَّةَ حُرَّةٍ، وكذلك (٢) تَبْنِي عليها (٣).

стр. 5115

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ)؛ أيْ: لا يُعلم (١) سببه (اعْتَدَّتْ سَنَةً، تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ)؛ أيْ: مُنْذُ انْقَطَع؛ لِتَعلَمَ براءتَها من الحمل؛ لأِنَّها غالِبُ مُدَّتِه، (وَثَلَاثَةً لِلْعِدَّةِ)، رواهُ الشَّافعيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عمرَ (٢)، قال الشَّافِعِيُّ: هذا قَضاءُ عمرَ في المهاجرين والأنصار، لا يُنكِرُه منهم مُنكِرٌ عَلِمْناهُ (٣). وقال (٤): تكونُ في عدَّةٍ أبدًا حتَّى تَحِيضَ، أوْ تَبلُغَ سنَّ (٥) الإيَاسِ، فتَعتَدُّ ثلاثةَ أشْهُرٍ، وقاله أهلُ العراق، واعْتَمَدَ على قولِ ابنِ مسعودٍ، رواه البَيهَقيُّ (٦)، ولأِنَّ الاِعْتِدادَ بالأَشْهُر جُعِلَ بَعْدَ الإياس، فلم يَجُزْ قَبْلَه كما لو
следующие страницы →