← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

(وَعَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ فِي نِسَاءِ الْعَجَمِ، وَحَدُّهُ فِي نِسَاءِ الْعَرَبِ سِتُّونَ سَنَةً)، ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ في كتاب النَّسَب: أنَّ هندَ بنتَ أبي عُبَيدةَ بنِ عبد الله ابنِ زَمْعةَ وَلَدَتْ مُوسى بنَ عبد الله بنِ حُسَينِ بنِ حَسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ولها سِتُّونَ سنةً (١). وقال (٢): يُقالُ: إنَّه لن تَلِدَ بعدَ خمسينَ سنةً إلاَّ عربيَّةٌ، ولا تَلِدُ بعدَ السِّتِّينَ إلاَّ قُرَشِيَّةٌ، ولأِنَّهنَّ أقْوَى حيلةً وطبيعةً (٣). قال المؤلِّف (٤): والصَّحيحُ أنَّها متى (٥) بلغَتْ خمسينَ سنةً، فانْقَطَع حَيضُها عن عادتها مرَّاتٍ بغَيرِ سببٍ؛ فقد صارت آيِسَةً، وإن انْقَطَعَ قبلَ ذلك؛ فكمَنْ انقَطَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، وإنْ رأت الدَّمَ بعدَ الخمسين على العادة؛ فهو (٦) حَيضٌ على الصَّحيح، وإنْ رَأَتْه بعدَ السِّتِّينَ؛ فقد تُيُقِّنَ أنَّه لَيسَ بحَيضٍ، فلا تعتدُّ (٧) به، وتَعتَدُّ بالأَشْهُر؛ كالتي (٨) لا ترى دَمًا. (وَإِنْ حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ فِي عِدَّتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى القُرُوءِ (٩)؛ لأِنَّ الشُّهورَ بَدَلٌ عنها، فإذا وُجِدَ المبدَلُ؛ بَطَلَ حُكْمُ البَدَل؛ كالتَّيمُّم مع الماء،

стр. 5112

(وَيَلْزَمُهَا (١) إِكْمَالُهَا)؛ أي: إكمالُ ثلاثةِ قروء (٢)؛ لأِنَّ إكْمالَها واجِبٌ على كلِّ (٣) مُعتَدَّةٍ بها. (وَهَلْ يُحْسَبُ مَا قَبْلَ الْحَيْضِ قُرْءًا إِذَا قُلْنَا: القُرُوءُ (٤) الْأَطْهَارُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: تعتد (٥) به؛ لأِنَّه طُهْرٌ قَبْلَ حَيضٍ، أشْبَهَ الطُّهْرَ بَينَ الحَيضَتَينِ. والثَّاني: لا يُحْسَبُ، وهو أشْهَرُ؛ لأِنَّ القرء (٦) هو الطُّهْرُ بَينَ الحَيضتَينِ، وهذا لم يَتقدَّمْه حَيْضٌ. أمَّا لو حاضَتْ بعدَ انْقِضاءِ عدَّتِها بالشُّهور، ولو بلحظةٍ؛ لم يَلزَمْها اسْتِئْنافُ العِدَّة؛ لأِنَّه حَدَثَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّة، أشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعدَ طُولِ الفصل. (وَإِنْ يَئِسَتْ ذَاتُ القُرُوءِ (٧) فِي عِدَّتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الآْيِسَاتِ)؛ أيْ: تَبْتَدِئُ بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأِنَّ العِدَّةَ لا تُلَفَّقُ مِنْ جِنسَينِ، وقد تعذَّرَ الحَيضُ، فتَنتَقِلُ إلى الأَشْهُر؛ لأِنَّها عَجَزَتْ عن الأصل، وكالتَّيَمُّم. (وَإِنْ عَتَقَتِ (٨) الْأَمَةُ الرَّجْعِيَّةُ فِي (٩) عِدَّتِهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ)، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأِنَّ الحرِّيَّةَ وُجِدَتْ وهي زَوجةٌ، فَوَجَبَ أنْ تَعتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّة؛ كما

стр. 5113

لو عَتَقَتْ قَبْلَ الطَّلاق. (وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا؛ بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ)، نَصَّ عليه (١)؛ لأِنَّ الحرِّيَّةَ لم تُوجَدْ وهي زوجة (٢)، فوَجَبَ أنْ تَبْنِيَ على عدَّةِ أَمَةٍ، وكالمدبَّرة، ولم يَلزَمْها الاِنْتِقالُ إلى عِدَّةِ الحرَّة؛ كما بَعْدَ انْقِضاء العِدَّة. فرعٌ: إذا عتَقَت (٣) الأَمَةُ تَحْتَ عبدٍ، فاخْتارَتْ نفسَها؛ اعتدَّتْ كحرَّةٍ؛ لأِنَّها بانَتْ من زَوجِها وهي حرَّةٌ، وروى الحَسَنُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بَرِيرَةَ بذلك» (٤).

стр. 5114

وإنْ طلَّقها رَجْعِيًّا، فأعْتَقَها سيِّدُها؛ بَنَتْ على عدَّةِ حرَّةٍ، سواءٌ فَسَخَتْ، أوْ أقامَتْ على النِّكاح. وإنْ لم يُفسخ فراجَعَها في عدَّتها؛ فلها الخيارُ، فإن اخْتارَت الفَسْخَ قَبْلَ المسِيسِ؛ فهل تَستَأْنِفُ، أوْ تَبْنِي على ما مَضَى؟ فيه وَجْهانِ. فإنْ قُلْنا: تَستَأْنِفُ؛ فإنَّها (١) تَستَأْنِفُ عدَّةَ حُرَّةٍ، وكذلك (٢) تَبْنِي عليها (٣).

стр. 5115

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: مَنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ)؛ أيْ: لا يُعلم (١) سببه (اعْتَدَّتْ سَنَةً، تِسْعَةَ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ)؛ أيْ: مُنْذُ انْقَطَع؛ لِتَعلَمَ براءتَها من الحمل؛ لأِنَّها غالِبُ مُدَّتِه، (وَثَلَاثَةً لِلْعِدَّةِ)، رواهُ الشَّافعيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عمرَ (٢)، قال الشَّافِعِيُّ: هذا قَضاءُ عمرَ في المهاجرين والأنصار، لا يُنكِرُه منهم مُنكِرٌ عَلِمْناهُ (٣). وقال (٤): تكونُ في عدَّةٍ أبدًا حتَّى تَحِيضَ، أوْ تَبلُغَ سنَّ (٥) الإيَاسِ، فتَعتَدُّ ثلاثةَ أشْهُرٍ، وقاله أهلُ العراق، واعْتَمَدَ على قولِ ابنِ مسعودٍ، رواه البَيهَقيُّ (٦)، ولأِنَّ الاِعْتِدادَ بالأَشْهُر جُعِلَ بَعْدَ الإياس، فلم يَجُزْ قَبْلَه كما لو

стр. 5116

تَباعَدَ حَيضُها لِعارِضٍ. وجوابُه: الإجْماعُ، ولأِنَّ الغرض (١) بالاِعْتِداد مَعرِفةُ براءةِ رَحِمِها، وهذا يَحصُلُ به براءةُ الرَّحِمِ، فاكْتُفِيَ به، ولهذا اكتُفي (٢) في حقِّ ذات القروء (٣) بثلاثة أقْراءٍ، وفي (٤) حقِّ الآيِسة بثلاثةِ أشْهُرٍ، ولو رُوعِيَ اليَقينُ؛ لَاعْتُبِرَ أقصر (٥) مدَّة الحَمْل. (وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً؛ اعْتَدَّتْ بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا)؛ تسعةٌ للحَمْلِ، واثنان (٦) للعدَّة؛ لأِنَّ مدَّةَ الحَمْل تتساوى (٧) فيه الحرَّة والأَمَةُ؛ لكَونه أمرًا (٨) حقيقيًّا، وإذْا قُلْنا: عدَّتُها شهرٌ ونصفٌ؛ فتكونُ عِدَّتُها عشرةَ أشْهُرٍ ونصفًا، وعلى الثَّانية: هي كالحُرَّة. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَقْعُدَ لِلْحَمْلِ (٩) أَرْبَعَ سِنِينَ)، حكاهُ في «المحرَّر» وغَيرِه قَولاً؛ لأنَّه (١٠) أكثرُ مدَّة الحمل، فلا تُعلَمُ البراءةُ يَقِينًا إلاَّ بذلك، ثُمَّ تَعتَدَّ كآيِسةٍ. وجَوابُه قَولُ ابنِ عبَّاسٍ: «لا تُطَوِّلُوا عليها السَّنَةَ (١١)، كفاها تسعةُ

стр. 5117

أشْهُرٍ» (١)؛ لظُهورِ براءَتِها من الحَمْل بغالِبِ مُدَّته، ولأِن في قُعودها أربعَ سِنِينَ ضرَرًا؛ لأِنَّها تُمنَعُ من الأزْواجِ وتُحبَسُ عنه، ويتضرَّرُ الزَّوجُ بإيجابِ النَّفقة والسُّكْنَى عليه. تنبيهٌ: إذا حاضَتْ بعدَها؛ لم تَنقَضِ به العِدَّةُ، وقِيلَ: بلى ما لم تتزوَّجْ، جَزَمَ به السَّامَرِّيُّ وغيرُه. وإنْ حاضَتْ فيها؛ اعْتدَّتْ بالأقْراء. وإنْ حاضَتْ بعدَ النِّكاح فلا، والنِّكاحُ باقٍ. قال ابنُ حَمْدانَ: وكذا الخِلافُ إن اعْتدَّت الكبيرةُ بالشُّهور، ثُمَّ حاضَتْ قَبْلَ النِّكاح أوْ بَعدَه، وفيه شَيءٌ. فإنْ حاضَتْ حَيضةً، ثُمَّ ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه؛ اعْتَدَّتْ سنةً في وَقْتِ انْقِطاعِ الحَيض، نَصَّ عليه، وقال: أذْهَبُ إلى حديثِ عمرَ (٢)، قال ابنُ المنذِر: قَضَى به عمرُ بَينَ المُهاجِرينَ والأنصار (٣). (وَعِدَّةُ الْجَارِيَةِ التِي أَدْرَكَتْ (٤) فَلَمْ تَحِضْ)؛ ثلاثةُ أشْهُرٍ، في قَولِ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ، وقدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ … (٤)﴾ [الطّلَاق: ٤]، ولأِنَّ الاِعْتِبارَ بحالِ المعتدَّة، لا بِحالِ غَيرِها، ولهذا لو حاضَتْ لِعَشْرِ سِنينَ؛ اعْتَدَّتْ

стр. 5118

بالحَيض، وفارَقَ مَنْ ارْتَفَع حَيضُها، فإنَّها مِنْ ذَواتِ القروء (١). (وَالْمُسْتَحَاضَةُ النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا)، ولا تمييزَ لها؛ (ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأِنَّ «النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ حَمْنةَ بنتَ جَحْشٍ أنْ تَجلِسَ في كلِّ شهرٍ ستَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعةً» (٢)، فَجَعَلَ لها حَيضةً في (٣) كلِّ شَهْرٍ، بدليلِ أنَّها تَتْرُكُ فيها الصَّلاةَ ونحوَها، ويَثبُتُ فيه سائرُ أحْكامِ الحَيض، كذا هُنَا. ومَنْ لها عادةٌ أوْ تمييزٌ؛ عَمِلَتْ بهما (٤). وإنْ عَلِمَتْ لها حَيضةً في كلِّ مدَّةٍ؛ كشَهْرٍ؛ اعْتَدَّتْ بتَكرارها، نَصَّ عليه (٥). وفي «عُمَد (٦) الأدلة»: المستحاضةُ النَّاسِيةُ لِوَقْتِ حَيضِها؛ تَعتَدُّ بستةٍ (٧) أشْهُرٍ. (وَعَنْهُ: سَنَةٌ)، أمَّا في الأُولَى؛ فاختاره القاضي وأصحابه، وقدَّمه في «المستوعب»، قال القاضي: هذه الرِّوايةُ أصحُّ؛ لأِنَّه أتَى عليها زَمَنُ الحيض، فلم تَحِضْ، أشْبَهَ مَنْ ارتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه. وضعَّفَها أبو بكرٍ، وقال: رواهُ أبو طالِبٍ، فخَالَفَ فيها أصحابَه (٨).

стр. 5119

وأمَّا في الثَّانية؛ فلأنَّها لم تَتَيَقَّنْ لها حَيضًا، مع أنَّها مِنْ ذَواتِ القُروءِ، أشبهت (١) التي ارْتَفَعَ حَيضُها. قال في «الكافي»: والأوَّلُ أَوْلَى، فيَنبَغِي أنْ يُقالَ: متى حَكَمْنا بأنَّ حَيضَها سبعةُ أيَّامٍ مِنْ كلِّ شَهْرٍ، فَمَضَى لها شَهْرانِ بالهِلال وسبعةُ أيَّامٍ مِنْ أوَّلِ الثالث؛ فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها، وإنْ قُلْنا: القُروءُ الأطهار (٢)، فطلَّقَها في آخِرِ شَهْرٍ، ثُمَّ مَرَّ لها شَهْرانِ وهلَّ الثَّالِثُ؛ انْقَضَتْ عدَّتُها. (فأمَّا (٣) التي عَرَفَتْ مَا (٤) رَفَعَ الْحَيْضَ؛ مِنْ مَرَضٍ (٥)، أَوْ رَضَاعٍ، وَنَحْوِهِ؛ فَلَا تَزَالُ فِي عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيْضُ فَتَعْتَدُّ بِهِ)؛ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، عن سعيدِ بن سالِمٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ؛ أنَّه أخْبَرَه: «أنَّ حَبَّانَ بنَ مُنقِذٍ طلَّق امرأتَه وهو صحيحٌ، وهي مُرضِعٌ، فمَكَثَتْ سبعةَ أشهر (٦) لا تَحِيضُ، منعها (٧) الرّضاعُ، ثُمَّ مَرِضَ حبَّانُ، فقِيلَ له: إنْ متَّ وَرِثَتْكَ، فجاء إلى عُثْمانَ وأخْبرَه بشَأْنِ امرأتِه، وعندَه عليٌّ وزَيدٌ، فقال لهما عُثْمانُ: ما تَرَيانِ؟ فقالا: نَرَى أنَّها تَرِثُه إنْ ماتَ، ويَرِثُها إنْ ماتَتْ، فإنَّها لَيست من القَواعد اللاَّئِي يَئِسْنَ من المحيض، ولَيسَتْ من اللاَّئي لم يَحِضْنَ، ثمَّ هي على عدَّة حَيضها ما كان من قليلٍ وكثيرٍ، فرَجَعَ حبَّانُ إلى أهله، فانْتَزعَ البنتَ منها، فلمَّا فَقَدَت الرّضاعَ؛ حاضَتْ حَيضةً، ثُمَّ أخْرَى، ثُمَّ مات حبَّانُ قبلَ أنْ

стр. 5120

تَحيضَ الثَّالثةَ، فاعتدَّتْ عِدَّةَ الوَفاة وَوَرِثَتْهُ» (١)، ورواه (٢) البَيهَقِيُّ، عن محمَّد ابنِ يَحيى بنِ حبَّانَ: «أنَّه كان عِندَه امْرَأتانِ هاشِمِيَّةٌ وأنصارِيَّةٌ، فطلَّق الأنصاريةَ وهي تُرضِعُ، فمَرَّتْ لها سنةٌ ثُمَّ مات، ولم تَحِضْ، فاخْتَصَموا إلى عُثْمانَ، فَقَضَى لها بالميراث، فَلَامَتِ الهاشميَّةُ عُثْمانَ، فقال: هذا عَمَلُ ابنِ عمِّك؛ يَعْنِي: عليَّ بنَ أبي طالِبٍ» (٣)، ولَيسَ فيه ذِكُرُ زَيدٍ، ومحمَّدٌ هذا تُوُفِّيَ سَنَةَ إحدى وعشرينَ ومائةٍ، وهو ابنُ أربعٍ وتِسْعِينَ سنةً، ولأِنَّها مِنْ ذَواتِ القروء (٤)، والعارِضُ الذي مَنَعَ الدَّمَ يَزُولُ، فانْتُظِرَ زَوالُه. (إِلاَّ أَنْ تَصِيرَ آيِسَةً؛ فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ آيِسَةٍ حِينَئِذٍ)؛ لأِنَّها آيِسةٌ، أشْبَهَتْ سائرَ الآيِسات. وعنه: يُنتَظَرُ زَوالُه، ثُمَّ إنْ حاضَت اعْتَدَّتْ به، وإلاَّ بسَنةٍ (٥)، وهو ظاهِرُ «عيون المسائل» و «الكافي». ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: تَعْتَدُّ سنةً (٦).

стр. 5121

ونَقَلَ حنبلٌ: إنْ كانَتْ لا تَحِيضُ، أو ارْتَفَعَ حَيضُها، أوْ صغيرةً؛ فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ (١). ونَقَلَ أبو الحارِث في أَمَةٍ ارْتَفَعَ حَيضُها لِعارِضٍ: تَستَبْرِئُ بِتِسْعَةِ أشْهُرٍ للحمل، وشهرٍ للحَيض (٢). واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ عَلِمَتْ عَودَه (٣)؛ فكآيِسةٍ، وإلاَّ سَنَةً (٤).

стр. 5122

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ)، حُرَّةً كانَتْ، أوْ أَمَةً (١)، (الذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ؛ كَالذِي يُفْقَدُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ)، لَيلاً أوْ نَهارًا، (أَوْ فِي مَفَازَةٍ) مُهلِكةٍ؛ كبَرِّيَّة الحجاز، (أَوْ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ إِذَا قُتِلَ قَوْمٌ، أَوْ مَنْ غَرِقَ مَرْكَبُهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كالذي يَخرُجُ إلى الصَّلاة فلا يَرجِعُ، أوْ يَمْضِي إلى مكانٍ قريبٍ لِيَقْضِيَ حاجتَه ثُمَّ يَرجِعُ، ولا يَظهَرُ له خَبرٌ؛ (فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ)، أكثرَ مدَّةِ الحَمْل، (ثُمَّ تَعْتَدُّ (٢) لِلْوَفَاةِ (٣)، هذا المذْهَبُ، قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأِبي عبدِ الله: تَذهَبُ إلى حديثِ عمرَ، وهو أنَّ رجلاً فُقِدَ، فجاءت امرأتُه إلى عمرَ، فذَكَرَتْ ذلك له (٤)، فقال: «تربَّصِي أربعَ سِنِينَ»، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أتته (٥)، فقال: «تربَّصِي أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا»، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أتَتْه، فقال: «أين وليُّ هذا الرَّجل؟» فجاؤوا به، فقال: «طلِّقْها»، فَفَعَلَ، فقال عمرُ: «تزوَّجِي مَنْ شِئْتِ» (٦)،

стр. 5123

ورواه (١) الأثْرَمُ، والجُوزَجانيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ، قال أحمدُ (٢): هو أحْسَنُها، يُرْوَى عن عمرَ من ثمانيةِ وُجوهٍ، ثُمَّ قال: زَعَمُوا أنَّ عمرَ رَجَعَ عن هذا، هؤلاء الكذَّابِينَ، وقال: مَنْ تَرَكَ هذا، أيُّ شيءٍ يَقولُ؟ هو عن خمسةٍ من الصَّحابة؛ عمرَ، وعُثْمانَ (٣)، وعليٍّ (٤)، وابنِ عبَّاسٍ (٥)،

стр. 5124

وابنِ الزَّبَيرِ (١). ونَقَلَ عنه أبو الحارِث: كنتُ أقولُ ذلك، وقد ارْتَبْتُ فيه اليومَ، وهِبْتُ الجَوابَ لاِخْتِلافِ النَّاس، وكأنِّي أحِبُّ السَّلامةَ (٢). قال أصْحابُنا: هذا توقفٌ (٣) يَحتَمِلُ الرُّجوعَ عمَّا قاله أوَّلاً، وتكونُ زَوجتَه حتَّى يثْبُت مَوتُه، أو بمضي (٤) زمنٍ لا يَعِيشُ في مِثْلِه، ويَحتَمِلُ التَّورُّعَ عمَّا قاله أوَّلاً. قال القاضِي: أكثرُ أصحابنا أنَّ المسألةَ روايةٌ واحدة (٥)، وعِنْدِي أنَّها على روايتَينِ. وقال أبو بكرٍ: إنْ صحَّ الاِخْتِلافُ ألاَّ يَحكُمَ بحُكْمٍ ثانٍ إلاَّ بدليلٍ على الاِنتِقال، وإنْ ثَبَتَ الإجماعُ فالحُكْمُ فيه على ما نَصَّ عليه. وعنه: لا تحلُّ (٦) حتَّى تمضيَ مدَّةٌ لا يَعِيشُ في مِثْلِها غالِبًا، قدَّمه الحُلْوانيُّ. وعَنْهُ: حتَّى يُعلَمَ خبرُه، فيَقِفُ ما رأى الحاكِمُ. وعنه: يُعتبَرُ أنْ يُطلِّقَها الوليُّ بعدَ تربُّصها، اختاره ابنُ أبي موسى، فتَعتَدُّ عدَّةَ طلاقٍ؛ لقَولِ عمرَ وعليٍّ وجابِرٍ (٧).

стр. 5125

والمذهَبُ: أنَّه لا يُعتبَرُ ذلك، وهو قَولُ ابنِ عمرَ وابنِ عبَّاسٍ (١)، وهو القياس (٢). وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُعتَبَرُ فَسْخُ النِّكاح الأوَّلِ على الأصحِّ. (وَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى رَفْعِ الْأَمْرِ إِلَى الْحَاكِمِ لِضَرْبِ الْمُدَّةِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: إحداهما: يَفتَقِرُ، قدَّمها في «الرِّعاية»، وجزَمَ بها في «الوجيز»؛ لأِنَّها مُدَّةٌ مختلف (٣) فيها، أشْبَهَت مدَّةَ العُنَّة، فعلى هذا يكون (٤) ابتداءُ المدة من حِينَ ضَرَبَها الحاكِمُ، وقِيلَ: منذ انْقَطَعَ خَبَرُه، جَزَمَ به في «الرِّعاية». والثَّانيةُ، وهي الأصحُّ: أنَّه لا يَفتَقِرُ، فلو مَضَت المدَّةُ والعدَّةُ تزوَّجتْ بلا حكم (٥)، ولأِنَّ هذا ظاهِرٌ في مَوتِه، أشْبَهَ ما لو قامَتْ به بيِّنةٌ، فيَكونُ ابتداءُ المدة مِنْ حِينَ انْقَطَعَ خَبَرُه وبَعُدَ أثَرُه. فرعٌ: إذا اختارت المقامَ؛ فلها النَّفقةُ مدَّةَ حياته، وإنْ رَفَعَتْ أمْرَها إلى الحاكم، فضَرَبَ لها المدَّةَ؛ فلها النَّفقةُ مدَّةَ التَّربُّص والعِدَّةِ وبعدَها، حتَّى يَحكُمَ بالفُرقة، وإنْ حَكَمَ بفراقها؛ انقطعتْ نَفَقَتُها، وذَكَرَ ابنُ الزَّاغُونيِّ: أنَّها إذا شَرَعَتْ في عدَّة الوفاة لا نَفَقَةَ لها. (وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِالْفُرْقَةِ)، وفي «المستوعب» و «الرِّعاية»: أو انْقَضَت المدَّةُ؛ (نَفَذَ حُكْمُهُ فِي الظَّاهِرِ)؛ لأِنَّ عمرَ لمَّا حَكَمَ بالفُرقة؛ نَفَذَ ظاهِرًا (٦)،

стр. 5126

ولو لم يَنفُذْ؛ لَمَا كان في حكمه فائدةٌ، (دُونَ الْبَاطِنِ)؛ لأِنَّ حُكْمَ الحاكِم لا يُغَيِّرُ الشَّيءَ عن صِفَته في الباطن، (فَلَوْ طَلَّقَ الْأَوَّلُ؛ صَحَّ طَلَاقُهُ)؛ لأِنَّا حَكَمْنا بالفُرقة بِناءً على أنَّ الظاهِرَ هَلاكُه، فإذا ثبتت (١) حياتُه؛ انْتَقَضَ الظَّاهِرُ، ولم يَبطُلْ طلاقُه؛ كما لو شَهِدَتْ به بيِّنةٌ كاذِبةٌ، وكذا إنْ ظاهَرَ، أوْ آلَى، أوْ قَذَفَ؛ لأِنَّ نكاحَه باقٍ، بدليلِ تخييرِه في أخْذِها. (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَنْفُذَ حُكْمُهُ بَاطِنًا)، هذا روايةٌ، قال أبو الخَطَّاب: وهو القياسُ؛ لأِنَّه يَنفُذُ باطنًا في العُقود والفُسوخ في قَولٍ، وهذا فَسْخٌ، فتكونُ زوجةَ الثَّاني، ولا خِيارَ للأوَّل، (فَيَنْفَسِخُ (٢) نِكَاحُ الْأَوَّلِ، وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ)؛ لأِنَّها بانَتْ بفُرقةِ الحاكم في مَحَلٍّ مُختَلَفٍ فيه، كما لو فَسَخَ نكاحَها لِعُسرته أوْ عتقه (٣)، فلهذا لم يَقَعْ طلاقُه. ويَتَوَجَّه عليهما: الإرْثُ. (وَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ)؛ أي: تربَّصتْ أربعَ سنينَ، واعتدَّت للوفاة، (ثُمَّ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ قَدِمَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ؛ رُدَّتْ إِلَيْهِ)؛ لأنَّا تبيَّنَّا حياتَه، أشْبَهَ ما لو شَهِدَتْ بيِّنةٌ بمَوته فبان حيًّا (٤)، ولأِنَّه أحدُ الملْكَينِ، أشْبَهَ ملْكَ المال. وعُلِمَ منه (٥): أنَّها إذا لم تتزوَّجْ؛ فإنَّها تُرَدُّ إليه مُطلَقًا، وكذا إنْ كان بَعْدَ أنْ تزوَّجَتْ. (قَبْلَ دُخُولِ الثَّانِي بِهَا)، فتكونُ زوجةَ الأوَّل روايةً واحدةً؛ لأِنَّ النِّكاحَ كان باطلاً؛ لأِنَّه صادَفَ امرأةً ذاتَ زَوجٍ، وتعود (٦) إليه بالعَقْد الأوَّل، ولَيسَ

стр. 5127

على الثَّاني صداقٌ؛ لِبُطْلانِ نكاحه، ولم يَتَّصِلْ به دُخولٌ. وعنه: يُخيَّرُ، حكاها القاضي، وأخَذَها مِنْ قَولِ أحمدَ: إذا تزوَّجَت امرأتُه فجاءَ؛ خُيِّرَ بَينَ امرأته وبَينَ الصَّداق (١). (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ)؛ أيْ: بعدَ دخولِ الثَّاني بها وَوَطْئِه؛ (خُيِّرَ الْأَوَّلُ بَيْنَ أَخْذِهَا مِنْهُ)؛ فتكونُ امرأتَه بالعَقْد الأوَّل، (وَبَيْنَ تَرْكِهَا مَعَ الثَّانِي)؛ لقَولِ عمرَ، وعُثْمانَ، وعليٍّ، وقَضَى به ابنُ الزُّبَيرِ (٢)، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان كالإجماع. فعلى هذا: إنْ أمْسَكَها الأوَّل؛ فهي زَوجتُه بالعَقْد السَّابِق، ولا يَحتاجُ الثَّاني إلى طلاقٍ في المنصوص (٣)؛ لأِنَّ نِكاحَه كان باطِلاً في الباطن. وقال القاضِي: قياسُ قَولِه أنَّه يَحتاجُ إلى طِلاقٍ؛ كسائر الأنْكِحةِ الفاسِدةِ. ويَجِبُ اعْتِزالُها حتَّى تَنقَضِيَ عِدَّتُها. وإنْ لم يَخْتَرْها؛ كانَتْ عِنْدَ الثَّاني مِنْ غَيرِ تجديدِ عَقْدٍ في الأَشْهَر، قاله في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ الصَّحابةَ لم يُنقَلْ عنهم تجديدُ عقدٍ. والقِياسُ: بَلَى، وصحَّحه المؤلِّفُ؛ لأِنَّا تَبَيَّنَّا بُطْلانَ عَقْدِه بمَجِيءِ الأوَّل، ويَحتَمِلُه قَولُ الصَّحابة. (وَيَأْخُذُ صَدَاقَهَا مِنْهُ)؛ أيْ: من الثَّاني؛ لِقضاءِ الصَّحابة (٤)، ولأِنَّه حالَ بَيْنَه وبَينَ زَوجَتِه بعَقْدٍ ودُخولٍ.

стр. 5128

(وَهَلْ يَأْخُذُ صَدَاقَهَا الذِي أَعْطَاهَا، أَوِ الَّذِي أَعْطَاهَا الثَّانِي (١)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»، و «الفروع»: إحداهما: يَرجِعُ بالصَّداق الذي أعطاها هو، اختارها أبو بكرٍ، وقدَّمَها في «الكافي»؛ لِقضَاءِ عُثْمانَ وعليٍّ (٢)، ولأِنَّ الثَّانيَ أتْلَفَ المعوَّضَ، فرجع (٣) عليه بالعِوَض؛ كشُهودِ الطَّلاق إذا رَجَعُوا، فعَلَيها: إنْ لم يكُنْ دَفَعَ إليها الصَّداقَ؛ لم يَرجِعْ بشَيءٍ، وإلاَّ رَجَعَ في قَدْر ما قُبِضَ منه. والأَشْهَرُ: أنَّه يَرجِعُ بالمهر الَّذي أصْدَقَها الثَّاني؛ لأِنَّه بَذَلَه عِوَضًا عمَّا هو مُسْتَحَقٌّ للأوَّل، فكان أَوْلَى، ويَرجِعُ الثَّاني عليها بما أُخِذَ منه في روايةٍ، وجَزَمَ بها في «الوجيز». وقال ابنُ عَقِيلٍ: والقِياسُ لا رُجوعَ. ثُمَّ قال المؤلِّفُ وجَمْعٌ: (وَالْقِيَاسُ أَنْ تُرَدَّ إِلَى الْأَوَّلِ، وَلَا خِيَارَ) له (٤)؛ لأِنَّه زَوْجُها، ولم يَنفَسِخْ نِكاحُه، فرُدَّتْ إليه؛ كما لو تزوَّجَتْ ببيِّنةٍ قامَتْ بوفاتِه، ثُمَّ تبيَّنَ كَذِبُها بقدومه (٥) حيًّا، (إِلاَّ أَنْ يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، وَنَقُولَ (٦) بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَاطِنًا، فَتَكُونُ زَوْجَةَ الثَّانِي بِكُلِّ حَالٍ)؛ لأِنَّ نكاحَه وَقَعَ بعدَ بُطْلانِ نِكاحِ الأوَّل وقَضاءِ عِدَّتها، أشْبَهَ ما لو طلَّقَها الأوَّلُ. ونَقَلَ أبو طالِبٍ: لا خِيارَ للأوَّل مع مَوتها (٧)، وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٨):

стр. 5129

هي زَوجةُ الثَّاني ظاهِرًا وباطِنًا، وتَرِثُه، ذَكَرَه أصحابُنا، وهل تَرِثُ الأوَّلَ؟ قال أبو جعفرٍ: تَرِثُه، وخالَفَه غَيرُه (١) وأنَّ متى ظَهَرَ الأوَّلُ؛ فالفُرْقةُ ونكاحُ الثَّاني مَوقوفٌ، فإنْ أخَذَها بَطَلَ نكاح الثَّاني حِينَئِذٍ، وإنْ أمضى ثَبَت (٢) نكاحُ الثَّاني. (فَأَمَّا مَنِ (٣) انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيْبَةٍ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ؛ كَالتِّجَارَةِ) في غَيرِ مهلكةٍ، (وَالسِّيَاحَةِ) في الأرض للتَّعبُّد، والتَّرَهُّب، وقِيلَ: هو الغازي (٤)، وقِيلَ: طالِبُ العلم؛ (فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تَبْقَى (٥) أَبَدًا حَتَّى تَتَيَقَّنَ (٦) مَوْتُهُ)، رُوِيَ عن عليٍّ (٧)، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوريِّ، وهو قَولُ أكْثَرِهم، وصحَّحه في «الكافي»، فيَجتَهِدُ

стр. 5130

الحاكِمُ؛ كغَيبةِ ابنِ تِسْعينَ، ذَكَرَه في «التَّرغيب»، ولأِنَّ النكاح (١) ثابِتٌ، فلا يزول (٢) بالشَّكِّ. وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّها تَبْقَى ما (٣) رأى الحاكمُ، ثُمَّ تعتدُّ للوفاة. وفي «المستوعب»: تَبقَى إلى أنْ يَثبُتَ مَوتُه، أوْ يَمْضِيَ عليه زمانٌ لا يَعِيشُ مِثْلُه في (٤) الغالِب، واخْتارَه أبو بكرٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا (٥) تَتَرَبَّصُ تِسْعِينَ عَامًا مَعَ سِنِّهِ يَوْمَ وُلِدَ)، نَقَلَها عنه أحمدُ ابنُ أصرم (٦)، جزم بها في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لا يَعِيشُ أكثرَ منها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: مائَةً وعِشْرينَ سنةً منذ وُلِدَ؛ لأِنَّه العُمرُ الطَّبيعيُّ. قُلْنا: التَّحديدُ بأنَّه التَّوقيف (٧)، ولأِنَّ تقديرَه بذلك يُفْضِي إلى اخْتِلافِ العِدَّة في حقِّ المرأة، ولا نظيرَ له، وخبرُ عمرَ ورد فِيمَن ظاهِرُ غَيبتِه الهَلاكُ، فلا يُقاسُ عليه غَيرُه. (ثُمَّ تَحِلُّ)؛ لأِنَّه قد حُكمَ بمَوته، أشْبَهَ امرأةَ المفقود الذي غيبته (٨) ظاهِرُها الهلاكُ، ولكِنْ بعْدَ أنْ تعتدَّ عدَّةَ الوفاة. قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: والمذْهَبُ الأوَّلُ؛ لأِنَّ هذه غَيبةٌ ظاهِرُها

стр. 5131

السَّلامةُ، فلم يُحكَمْ بمَوته؛ كما قَبْلَ التِّسعين. ومتى ظَهَرَ مَوتُه باسْتِفاضةٍ، أو بيِّنةٍ؛ فكمَفْقودٍ، وتَضمَنُ البيِّنةُ ما تَلِفَ من ماله ومَهْرَ الثَّاني. (وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ الْأَسِيرِ)، وكذا في «الوجيز» وغيره؛ أيْ: حُكمُها حُكمُ امرأةِ المفقود لِغَيبةٍ ظاهِرُها السَّلامةُ؛ لأِنَّهما متساويان (١)؛ فَوَجَبَ تَساوِيهما حُكْمًا، لكنَّهم أجْمَعُوا أنَّها لا تزوَّج (٢) حتَّى تُتيقَّن (٣) وفاتُه (٤). فرعٌ: إذا كانت (٥) غَيبتُه غَيرَ مُنقَطِعةٍ، يُعرَفُ خَبَرُه، ويأتي كِتابُه؛ فلَيسَ لاِمْرأتِه أنْ تتزوَّج في قولهم أجْمَعِينَ، إلاَّ أنْ يَتعذَّرَ عليها الإنفاقُ من ماله؛ فلها أنْ تطالب (٦) فَسخَ النِّكاح، فيُفسَخُ نِكاحُه. وفي «الرِّعاية»: وإنْ غاب (٧) وعُلِمَ خَبرُه؛ بَقِيَت الزَّوجةُ مع النَّفقة، وعدمِ الإضرار بتَركِ الوطء الواجِبِ. مسألةٌ: إذا أَبَقَ العبدُ؛ فزَوجتُه باقيةٌ حتَّى يُعلم (٨) مَوتُه، أوْ رِدَّتُه، فإنْ تعذَّرَ الإنفاقُ عليها من ماله؛ فحُكْمُه في الفسخ ما (٩) ذَكَرْنا، إلاَّ أنَّ العبدَ نفقةُ زوجته على سيِّده أوْ في كَسْبِه، فيُعتبَرُ تعذُّر الإنفاق مِنْ محلِّ الوجوب. (وَمَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا؛ فَعِدَّتُهَا مِنْ (١٠) يَوْمَ

стр. 5132

مَاتَ أَوْ طَلَّقَ)، هذا هو المشهورُ، وصححَّه في (١) «الكافي»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو قَولُ ابنِ عمرَ (٢)، وابنِ عبَّاسٍ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، رواه (٥) عنهم البَيهَقيُّ؛ لأنَّها (٦) لو كانَتْ حامِلاً، فَوَضَعَتْ غَيرَ عالِمةٍ بفُرقةِ زوجها؛ لَانْقَضَتْ عِدَّتُها، فكذا سائرُ أنواعِ العِدَدِ؛ وكما (٧) لو كان حاضِرًا، ولأِنَّ القَصْدَ غَيرُ مُعتَبَرٍ في العِدَّة، بدليلِ الصَّغيرةِ والمجْنونةِ، (وَإِنْ لَمْ تَجْتَنِبْ مَا تَجْتَنِبُهُ الْمُعْتَدَّةُ)؛ لأِنَّ الإحداد (٨) الواجِبَ لَيسَ بشرطٍ في العِدَّة؛ لظاهِرِ النُّصوص. (وَعَنْهُ: إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ؛ فَكَذَلِكَ)؛ كَوضْعِ الحَمْلِ؛ لتحقُّق (٩) السَّبب

стр. 5133

فَوَجَبَ أنْ تعتدَّ (١) به، (وَإِلاَّ فَعِدَّتُهَا مِنْ يَوْمَ بَلَغَهَا الْخَبَرُ)، رُوِيَ عن عليٍّ (٢) والحسن (٣)؛ لأِنَّ العدَّةَ اجْتِنابُ أشْياءَ، ولم تَجْتَنِبْها. وجَوابُه: بأنَّه يَنتَقِضُ بما إذا ثَبَتَ ببيِّنةٍ، وحَكَى البَيهَقِيُّ عن عليٍّ كالأوَّل (٤)، وما ذكرناه (٥) عنه أشْهَرُ، قالَهُ البَيهَقِيُّ. (وَعِدَّةُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ)، أوْ نكاحٍ فاسدٍ؛ (عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ)، ذَكَرَه في «الاِنتِصار» إجْماعًا؛ لأِنَّ الوَطْءَ في ذلك - مِنْ شَغْلِ الرَّحِم ولحوق النَّسب - كالوطء في النِّكاح الصَّحيح (٦)، لكِنْ عدَّةُ الأُولَى مُنْذُ وُطِئَتْ، وعَكْسُه الثَّانيةُ. (وَكَذَلِكَ عِدَّةُ الْمَزْنِيِّ بِهَا)، قدَّمه في «الكافي»، و «المستوعب»، و «المحرَّر»، و «الفروع»؛ لأِنَّه وَطْءٌ يَقتَضِي شَغْلَ الرَّحِم؛ كوطءِ الشُّبهة، ولأِنَّه لو لم تَجِب العدَّةُ لاخْتَلَطَ ماءُ الواطِئِ والزَّوج (٧)، فلم يُعلَمْ لِمَنْ الولدُ منهما. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا) لا عِدَّةَ عليها، بل (تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ)، اخْتارَه الحُلْوانيُّ وابنُ رَزِينٍ؛ لأِنَّ المقصودَ معرفةُ البَراءة من الحَمْل؛ كأَمَةٍ مُزَوَّجةٍ، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في الكلِّ، وفي كلِّ فَسْخٍ وطَلاقِ ثلاثٍ (٨). وعنه: تُسْتَبرأ (٩) بثلاثِ حِيَضٍ، وهي كالأُولَى إلاَّ أنْ يريد (١٠) تَسمِيَتَها

стр. 5134

عدَّةً، فيَجِبُ فيها الإحْدادُ، ولا يَتداخَلُ في عدةِ (١) مُطلِّقِها، بخِلافِ الاِسْتِبْراء، كما إذا اشْتَرَى أَمَةً فطلَّقَها زَوجُها بعدَ الدُّخول بها، فتَعتَدُّ عن طَلاقِها، ويَدخُلُ الاِسْتِبْراءُ في العِدَّة. فرعٌ: إذا وُطِئَتْ زوجتُه، أوْ سُرِّيَّتُه (٢) بشبهةٍ أوْ زِنًى؛ حَرُمَتْ عليه حتَّى تَعتَدَّ، وفِيما دُونَ الفَرْج وَجْهانِ.

стр. 5135

(فَصْلٌ) (وَإِذَا وُطِئَتِ الْمُعْتَدَّةُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا)؛ كنِكاحٍ فاسِدٍ؛ (أَتَمَّتْ عِدَّةَ الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّ سبَبَها سابِقٌ على الوطء المذكورِ، ولا يُحسَبُ منها مقامُها عندَ الثَّاني في الأصحِّ، وله رَجْعةُ الرَّجْعيَّة في التَّتِمَّة في الأصحِّ، (ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الْوَطْءِ)؛ لأِنَّ العِدَّتَينِ مِنْ رجُلَينِ لا يَتداخَلانِ؛ كالدَّيْنينِ (١). (وَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا، فَأَصَابَهَا الْمُطَلِّقُ عَمْدًا؛ فَكَذَلِكَ)؛ لأِنَّه وطءٌ مُحرَّمٌ، لا يَلحَقُ (٢) فيه النَّسَبُ، ولأِنَّ العدة (٣) الأُولى عدَّةُ طلاقٍ، والثَّانيةُ عِدَّةُ زِنًى، فلم تَدخلْ (٤) إحداهما في الأخرى؛ لاِخْتِلافِ سَبَبِهما؛ إذ اختلافُ (٥) السَّبَبِ لا يُوجِبُ التَّداخُلَ وإنِ اتَّحَدَ الحُكْمُ، دليلُه الكفَّاراتُ. (وَإِنْ أَصَابَهَا بِشُبْهَةٍ؛ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ لِلْوَطْءِ)؛ لأِنَّ الوَطْءَ قَطَعَ العِدَّةَ الأُولَى، وهو مُوجِبٌ لِلاِعْتِدادِ، والاِحْتِياجِ إلى العلم براءةِ (٦) الرَّحِم من الحَمْل، (وَدَخَلَتْ فِيهَا (٧) بَقِيَّةُ الْأُولَى)؛ لأِنَّ الوَطْءَ بشُبهةٍ يَلحَقُ به النَّسبُ، فدخلت (٨) بقيَّةُ الأُولَى في العدَّةِ الثَّانية. (وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا)؛ لم يَجُزْ نِكاحُها، إجْماعًا (٩)، وسَنَدُه قَولُه

стр. 5136

تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولأِنَّ العدَّةَ إنَّما اعْتُبِرتْ لمعرفة براءةِ الرَّحِم؛ لِئَلاَّ يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المياه واشْتِباهِ الأنْسابِ، و (لَمْ تَنْقَطِعْ عِدَّتُهَا)؛ لأِنَّه (١) باطِلٌ، لا تَصِيرُ به المرأة (٢) فِراشًا، ولا تَستَحِقُّ عليه نفقةً ولا سُكْنَى؛ لأِنَّها ناشِزٌ، (حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا فَتَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ)، سواءٌ عَلِمَ التَّحريمَ أوْ جَهِلَه؛ لأِنَّها تَصِيرُ بالدُّخول فِراشًا لغَيرِه بذلك، وهو يَقتَضِي ألاَّ تَبْقَى في عدَّةِ غَيرِه. (ثُمَّ إِذَا فَارَقَهَا؛ بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ الأْوَّلِ)؛ لأِنَّ حقَّه أسْبَقُ، ولأِنَّ عِدَّته وَجَبَتْ عن وَطْءٍ في نكاحٍ صحيحٍ، (وَاسْتَأنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِي)، ولا تتداخل (٣) العِدَّتانِ، رواه مالِكٌ، والشَّافِعيُّ، والبَيهَقِيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ، عن عمرَ (٤)، وعليٍّ (٥)،

стр. 5137

ولا يُعرف (١) لهما مُخالِفٌ في الصَّحابة، ولأِنَّهما حَقَّانِ مَقْصودانِ لآِدَمِيَّينِ؛ كالدَّينينِ (٢)، ولأِنَّه حبسٌ (٣) يَستَحِقُّه الرِّجالُ على النِّساء، فلم يَجُزْ أنْ تكونَ المرأةُ في حَبْسِ رَجُلَينِ؛ كالزَّوجة (٤). (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) عَينًا، أَوْ ألْحَقَتْه به (٥) قافةٌ وأمْكَنَ، بأنْ تأتيَ به لِستَّةِ أشْهُرٍ فأكثرَ مِنْ وطءِ الثَّاني، نَقَلَه الجماعةُ (٦)، ولأِربعِ سِنِينَ فأقلَّ مِنْ بَينونةِ الأوَّل؛ لَحِقَه، (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ)؛ لأِنَّ عدَّةَ الشَّخص تَنقَضِي بوَضْعِ حَمْله، وقد وُجِدَ، (ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلآْخَرِ أَيَّهُمَا كَانَ)؛ لأِنَّه لا يَجوزُ أنْ يكونَ الحَمْلُ من إنسانٍ والعِدَّةُ من غَيرِه. (وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا) بما ذكرناه (٧)؛ (أُرِيَ الْقَافَةَ مَعَهُمَا)؛ لأِنَّ القافةَ تُلحِقُه بأشْبَهِهما، ويَصيرُ ذلك بمنزلةِ ما لو عَلِمَ ذلك بطَريقِه؛ (فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ قولها (٨) في ذلك حجَّةٌ، (وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُ (٩)؛ لأِنَّ الولدَ له حكمًا، أشْبَهَ ما لو عَلِمَ ذلك يقينًا، (وَاعْتَدَّتْ لِلآْخَرِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا.

стр. 5138

(وَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا؛ لَحِقَ بِهِمَا (١)، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِهِ مِنْهُمَا (٢)؛ لأِنَّ الولدَ محكومٌ به لهما، فتكونُ قد وَضَعَتْ حَمْلَها منهما. وفي «الانتصار» احْتِمالٌ: تَستَأْنِفُ عدَّةَ الآخَرِ؛ كمَوطُوءةٍ لاِثْنَينِ. وعندَ أبي بكرٍ: إنْ أتَتْ به لِستَّةِ أشْهُرٍ من نكاحِ الثَّاني؛ فهو له، ذَكَرَه القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، ونَقَلَ ابنُ منصورٍ مِثْلَه، وزاد: فإنِ ادَّعَيَاهُ؛ فالقافة (٣)، ولها المهرُ بما أصابها، ويُؤدَّبانِ (٤). ولم يَتكلَّم المؤلِّفُ على ما إذا نَفَتْه القافةُ عنهما، أوْ أشكل (٥) عليهم، أو (٦) لم تُوجَدْ قافةٌ، والحُكْمُ فيه: أنَّها تعتدُّ بعدَ وَضْعِه بثلاثةِ قُروءٍ؛ لأِنَّه إنْ كان من الأوَّل؛ فقد أتَتْ بما (٧) عليها مِنْ عدَّةِ الثَّاني، وإنْ كانَ مِنْ الثَّاني؛ فعليها أنْ تُكملَ عدَّةَ الأوَّل؛ ليَسقُطَ (٨) الفَرضُ بيقينٍ. وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّها إذا ولدتْ لِدونِ ستَّةِ أشْهُرٍ من وطءِ الثَّاني، ولأِكثرَ من أربعِ سِنِينَ مِنْ فراقِ الأوَّل؛ لم يَلحَقْ بواحِدٍ منهما، ولا تَنقَضِي عِدَّتُها به منه (٩)؛ لأِنَّا نَعلَمُ أنَّه مِنْ وَطْءٍ آخر. (وَلِلثَّانِي أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّتَينِ)، وهو قَولُ عليٍّ (١٠)، وروي

стр. 5139

(١) عن عمرَ أنَّه رَجَعَ إليه، رواه البَيْهَقِيُّ بإسْنادٍ جيَّدٍ (٢)، وكما لو زَنَى بها، وآياتُ الإباحة عامَّة. وقال الشَّافِعيُّ: له نِكاحُها بَعْدَ قَضاءِ عدَّةِ الأوَّل (٣)؛ لأِنَّ العدَّة إنَّما شُرِعَتْ لِحِفظِ النَّسب وصيانةً للماء (٤)، والنَّسَبُ لَاحِقٌ به، أشْبَهَ ما لو خالَعَها، ثُمَّ نكَحَها في عِدَّتها. قال في «المغني»: وهذا قَولٌ حَسَنٌ، مُوافِقٌ للنَّظر، وَوَجْهُ تحريمِها قبلَ قَضاءِ العِدَّتَينِ: قَولُه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ … ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولأِنَّه وَطْءٌ يَفسُدُ به النَّسبُ، فلم يَجُز النِّكاحُ في العدَّة؛ كوطءِ الأجنبيِّ، وأمَّا الأوَّلُ؛ فإنْ كانَ طلَّقها ثلاثًا لم تَحِلَّ له بهذا النِّكاحِ وإنْ وَطِئَ فيه؛ لأِنَّه باطِلٌ، وإنْ كان دُونَ الثَّلاث؛ فله رَجْعَتُها بعدَ العِدَّتَينِ، وإنْ كانَتْ رجعيَّةً؛ فله رَجْعَتُها في عِدَّتها منه. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ)؛ لقَولِ عمرَ: «لا تنكحها (٥) أبدًا» رواهُ مالِكٌ، والشَّافِعيُّ، والبَيهَقيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ (٦)، ولأِنَّه اسْتَعْجَلَ الحقَّ قَبْلَ

стр. 5140

وَقْتِه؛ فحُرِمَه في وَقْتِه؛ كالوارِث إذا قَتَلَ مورِّثه (١)، وكاللِّعان. وقِيلَ: في النِّكاح الفاسِدِ، وحكاه في «المحرَّر» و «الرِّعاية» روايةً. فرعٌ: كلُّ مُعتدَّةٍ مِنْ غَيرِ النِّكاحِ الصَّحيحِ؛ كالزَّانية والموطوءة (٢) بشُبْهةٍ؛ فقياسُ المذهَب تحريمُ نكاحها على الواطِئِ وغَيرِه، قال في «المغْنِي»: والأَوْلَى حِلُّ نكاحها لمن هي (٣) معتدَّة (٤) منه إنْ كان يَلحَقُه نَسَبُ وَلَدها؛ لأِنَّ العدَّةَ لحفظِ مائه وصيانةِ نسبه، ولا يُصانُ ماؤه المحْتَرَمُ، عن مائه المحرَّم، ولا يُحفَظُ نَسَبُه عنه. (وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً) بشُبهةٍ أوْ زِنًى؛ (فَعَلَيْهَا عِدَّتَانِ لَهُمَا)؛ لقَولِ عمرَ وعليٍّ (٥)، ولأِنَّهما حقَّانِ مَقْصودانِ لآِدَمِيَّينِ، فلم يتداخلا؛ كالدَّينينِ (٦). واختار (٧) ابنُ حَمْدانَ: إذا زَنَى بها تَكفِيهِ عدَّةٌ، سواءٌ قُلْنا: هي حَيضةٌ، أوْ أكثرُ. فرعٌ: إذا خَالَعَ امْرأتَه، أوْ فَسَخَ نكاحَه؛ فله أنْ يتزوَّجَها في عدَّتها في قَولِ الأكثر، وشذَّ (٨) بعضُ المتأخِّرِينَ، فقال: لا يَحِلُّ نكاحُها، ولا خِطْبَتُها.

стр. 5141

(فَصْلٌ) (وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى طَلَّقَهَا ثَانِيَةً؛ بَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْعِدَّةِ)؛ لأِنَّهما طَلاقانِ لم يتخلَّلْهما وَطْءٌ ولا رَجْعةٌ، أشبها (١) الطَّلْقَتَينِ في وقتٍ واحد (٢). (وَإِنْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا؛ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ) مِنْ الطَّلاق الثَّاني؛ لأِنَّه طلاقٌ من نكاحٍ اتَّصَلَ به المَسِيسُ. (وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا؛ فَهَلْ تَبْنِي، أَوْ تَسْتَأْنِفُ (٣)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أُولاهُما: أنَّها تَستَأْنِفُ؛ لأِنَّه طلاقٌ في نِكاحٍ صحيحٍ وَطِئَ فيه، كما لو لم يتقدَّمْه طلاقٌ. والثَّانية: تبني (٤)؛ لأِنَّه لو نَكَحَها ثُمَّ طلَّقها قبلَ المسيس؛ لم يَلزَمْه لذلك الطَّلاقِ عِدَّةٌ، كذلك الرَّجعةُ. وإن (٥) فُسِخَ نكاحُها قبلَ الرَّجعة بخُلْعٍ أوْ غَيرِه؛ احْتَمَلَ أنْ يكونَ حُكمُه حكمَ الطَّلاق؛ لأِنَّ موجَبَه (٦) في العِدَّة مُوجَبُ الطَّلاق، واحتمل (٧) أنْ تستأنف (٨) العدَّة؛ لأِنَّهما جِنسانِ، بخلافِ الطَّلاق.

стр. 5142

وإنْ وَطِئَها في عدَّتها، وقُلْنا تَحصُلُ به الرَّجعةُ؛ فحُكْمُها حكمُ مَنْ ارْتجَعَها بلفظِه ثُمَّ وَطِئَها، وإلاَّ لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّة؛ كوطء الشُّبهة، وتَدخُلُ عدَّةُ الطَّلاق فيها. وإنْ حَمَلَتْ من هذا الوطء؛ دَخَلَتْ فيها بقيَّةُ الأولى في وَجْهٍ؛ لأِنَّهما من رجلٍ واحدٍ. وفي آخَرَ: لا (١)؛ لأِنَّهما من جِنْسَينِ، فإذا وَضَعَتْ حَمْلَها أتمَّت (٢) عدَّةَ الطَّلاق. وإنْ وَطِئَها وهي حامِلٌ؛ ففي تَداخُلِ العِدَّتَينِ وَجْهانِ، فإنْ قُلْنا بالتَّداخُل؛ فانْقِضاؤهما معًا بِوَضْعِ الحمل، وإنْ قُلْنا بِعدَمِه؛ فانْقِضاءُ عدَّة الطَّلاق بوَضْعِ الحمل، وتستأنف (٣) عدَّة الوطء بالقُروء. (وَإِنْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِيهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): (أُولَاهُمَا: أَنَّهَا (٤) تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْعِدَّةِ الْأُولَى)، اختاره المؤلِّفُ، وجزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّها تَنقَطِعُ بعَقْدِ التَّزويج؛ لكَونها تَصيرُ به فِراشًا، فلا تَبْقَى مُعتدَّةً منه (٥) مع كَونها فِراشًا له؛ (لأِنَّ هَذَا طَلَاقٌ مِنْ نِكَاحٍ لَا دُخُولَ فِيهِ) ولا مَسيسَ، (فَلَا يُوجِبُ عِدَّةً)؛ كما لو لم يتقدَّمْه نكاحٌ. وذَكَرَ القاضي في مَوضِعٍ: أنَّه لا يَلزَمُها اسْتِئْنافُ العدَّة روايةً واحدةً، لكِنْ

стр. 5143

يَلزَمُها بقيَّةُ عدَّة الأُولَى؛ لأِنَّ إسْقاطَها يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المياه؛ لأنَّه (١) يتزوَّج امرأةً ويطؤها (٢) ويَخلَعُها، ثُمَّ يَتزوَّجُها ويُطلِّقُها في الحال، ويتزوَّجها الثَّاني في يومٍ واحدٍ. والثَّانيةُ: تَستَأْنِفُ؛ لأِنَّه طَلاقٌ لا يَخلُو من عدَّةٍ كالأوَّل. ولو أبانها حاملاً، ثم نَكَحها حاملاً (٣)، ثُمَّ طلَّقَها حامِلاً؛ فَرَغَتْ بِوَضْعِه عليهما (٤)، ولو أتَتْ به (٥) قبلَ طلاقه؛ فلا عِدَّةَ على الأُولَى.

стр. 5144

(فَصْلٌ) (وَيَجِبُ (١) الْإِحْدَادُ)، وهو المنْعُ؛ إذِ المرأةُ تَمنَعُ نَفْسَها ممَّا كانَتْ تَتَهيَّأُ به لزَوجها؛ من تَطيُّبٍ وتَزَيُّنٍ، يُقالُ: أحدَّت المرأةُ إحْدادًا، فَهِيَ محدٌّ (٢)، وحَدَّتْ تَحدُّ بالضَّمِّ والكسر، فهي حادَّةٌ، يُسمى (٣) الحديدُ حديدًا للاِمْتِناع به، أوْ لامتناعه (٤) على من (٥) يُجادِلُه (٦). (عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ)، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٧)، إلاَّ عن الحسن، فإنَّه ذَهَبَ إلى أنَّه لَيسَ بواجِبٍ، وهو قولٌ شاذٌّ، فلا يُعرَّجُ عليه، احتجَّ بعضُهم بقوله تعالى: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤]، فإنَّ ظاهِرَه ما تَنفرِدُ به المرأةُ، والنِّكاحُ لا يَتِمُّ إلاَّ مع الغَير، فحمل (٨) على ما يتمُّ به وحدَها من الزِّينة والطِّيب، وقد رَوَتْ أمُّ عطيَّةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا تُحِدُّ امرأةٌ فَوقَ ثلاثٍ إلاَّ على زوجٍ، فإنَّها تُحِدُّ عليه أربعةَ أشْهُرٍ وعشرًا (٩)، ولا تَلبَسُ ثوبًا مصبوغًا إلاَّ ثَوبَ عَصْبٍ، ولا تَكتَحِلُ، ولا تَمَسُّ طِيبًا» متَّفقٌ عليه (١٠).

стр. 5145

فائدةٌ: العَصْب: بفَتح العَين وإسْكان الصَّاد المهمَلَتَينِ، وهو نَوعٌ من البُرود، يُصبَغُ غَزْلُه ثُمَّ يُنسَجُ. (وَهَلْ يَجِبُ (١) عَلَى الْبَائِنِ)؛ كالمطلَّقة ثلاثًا، والمخْتَلِعةِ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المستوعب» و «الرِّعاية»: إحداهما: لا تَجِبُ؛ لِمَا رَوَتْ أمُّ سَلَمَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «المتوفَّى عَنْهَا زَوجُها لا تَلبَسُ المعَصْفَرَ من الثِّياب، ولا المُمَشَّق (٢)، ولا الْحَلْي، ولا تَخْتَضِبُ، ولا تَكتَحِلُ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ (٣)، ولأِنَّ الإحْدادَ في عدَّة الوفاة لِإظْهارِ الأَسَفِ على فِراقِ زَوجِها ومَوتِه، فأمَّا البائنُ فإنَّه فارَقَها باخْتِيارِه، وقَطَعَ نكاحها (٤)، فلا مَعْنَى لِتكلُّفها الحُزْنَ عليه، ولأِنَّ المتوفَّى عنها لو أتَتْ بوَلَدٍ؛ لَحِقَ الزَّوج به، ولَيسَ له مَنْ يَنفِيهِ، فاحْتِيطَ عليها بالإحْداد؛ لِئلاَّ يَلحَقَ بالميت مَنْ لَيسَ منه، بخِلافِ المطلَّقة البائنِ. والثَّانيةُ: يَجِبُ، واختارَه الأكثرُ، والرَّجعيَّةُ زَوجةٌ، والحديثُ مَدلولُه تحريمُ (٥) الإحداد على ميتٍ غَيرِ الزَّوج، ونَحْنُ نَقولُ به، ولهذا جاز الإحْدادُ ههُنا بالإجماع، لكِنْ لا يُسَنُّ، قاله في «الرِّعاية»، مع أنَّه يَحرُمُ فَوقَ ثلاثٍ على ميتٍ غير (٦) زَوجٍ.

стр. 5146

فعلى هذا: حُكْمُها حكمُ المتوفَّى عنها في تَوَقِّي الزِّينة والطِّيب. والصَّحيحُ: أنَّه لا يَجِبُ على المخْتَلَعة؛ لأِنَّها تَحِلُّ لزوجها الذي خالَعَها أنْ يتزوَّجَها في عدَّتها، بخِلافِ البائن بالثَّلاث. وفي «الاِنتصار»: لا يَلزَمُ بائنًا قبلَ دخولٍ. (وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّها في حُكْم الزَّوجات. (وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ)؛ لأِنَّها لَيستْ مُعتدَّةً مِنْ نكاحٍ، فلم تكمل (٢) الحُرْمَةُ، (أَوْ زِنًى، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ)؛ لأِنَّ مَنْ ذُكِرَ لَيسَ بِزَوجٍ. وفي «الجامع»: أنَّ المنصوصَ: يَلزَمُ الإحْدادُ في نكاحٍ فاسدٍ. (أَوْ بِمِلْكِ (٣) يَمِينٍ)؛ كالسُّرِّيَّة وأمِّ الوَلَد. وهِي كالحرَّة، وللسيِّد إمْساكُها نهارًا، وإرْسالُها لَيلاً، فإنْ أرْسَلَها لَيلاً ونهارًا؛ اعْتَدَّتْ زمانَها كلَّه في المنزل، وعلى الورثة إسْكانُها فيه؛ كالحرَّة سواءً. (وَسَوَاءٌ فِي الْإِحْدَادِ)؛ أيْ: وجوبِه؛ (الْمُسْلِمَةُ، وَالذِّمِّيَّةُ، وَالْمُكَلَّفَةُ وَغَيْرُهَا)؛ لِعُمومِ الأحاديث، ولأِنَّ غَيرَ المكلَّفة تساوي (٤) المكلَّفةَ في اجْتِنابِ المحرَّمات، وإنَّما يَفتَرِقانِ في الإثْمِ، فكذا في (٥) الإحْدادِ. (وَالْإِحْدَادُ: اجْتِنَابُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ)، يَجِبُ على الحادَّة (٦) اجْتِنابُ ما

стр. 5147

يَدْعُو إلى جِماعِها، ويُرغِّبُ في النَّظَر إليها، ويُحسِّنُها، وذلك أمورٌ: أحدُها: الطِّيبُ، ولا خِلافَ في تحريمه (١)؛ للأخبار الصَّحيحة، ولأِنَّه يُحرِّكُ الشَّهوةَ، ويَدْعُو إلى المباشَرَة، وذلك (٢) كزَعْفَرانٍ ونحوِه، وإنْ كان بها سُقْمٌ، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٣)، ويَلحقُ به في التَّحريمِ: الأَدْهانُ المطَيَّبةُ؛ كدُهْنِ وَرْدٍ وبَانٍ؛ لأِنَّه طِيبٌ. والثَّاني: اجْتِنابُ الزِّينة في قَولِ عامَّتهم، وقالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أبو سَلَمَةَ، وقد جَعَلْتُ على عَيْنَيَّ صَبِرًا، فقال: «ما هذا يا أمَّ سلَمَةَ؟» فقُلْتُ: إنَّما هو صَبِرٌ لَيسَ فيه طِيبٌ، قال: «إنَّه يشبُّ (٤) الوَجْهَ، فلا تَجْعَلِيهِ إلاَّ في اللَّيل، وتَنْزِعينَهُ (٥) بالنَّهار» رواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والبيهقي (٦) بإسْنادٍ فيه جماعةٌ لا يُحتَجُّ بهم (٧). (وَالتَّحْسِينِ؛ كَلُبْسِ الْحَلْيِ)؛ كالسِّوار، والدُّمْلُج، والخاتَم، ولا فَرْقَ فيه بَينَ أنْ يكونَ مِنْ فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ، وقال عَطاءٌ: يُباحُ حَلْيُ الفِضَّة فقط،

стр. 5148

وجَوابُه: عُمومُ النَّهي. (وَالْمُلَوَّنِ مِنَ الثِّيَابِ لِلتَّحْسِينِ؛ كَالْأَحْمَرِ، وَالْأَصْفَرِ، وَالْأَخْضَرِ الصَّافِي، وَالْأَزْرَقِ الصَّافِي)؛ لقَولِه ﵇: «لا تَلبَسُ ثَوبًا مَصْبوغًا، إلاَّ ثَوبَ عَصْبٍ» (١)، وفي حديثِ أمِّ سلمة (٢): «ولا تلبس المُعَصْفَرَ من الثِّياب، ولا الممَشَّقَ» (٣)، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الأخْضَرَ غَيرَ الصَّافي، والأزْرقَ غَيرَ الصَّافي؛ لا يَحرُمُ عليها لُبْسُه؛ لأِنَّ ذلك لا يُلبَسُ للتَّحسين عادةً، فلم يكُنْ ذلك زينةً. والمذْهَبُ: أنَّه يَحرُمُ ما صُبِغَ غَزْلُه ثُمَّ نُسِجَ؛ كالمصبوغ بعدَ نَسْجِه. وقِيلَ: لا؛ لقوله ﵇: «إلاَّ ثَوبَ عَصْبٍ»، وفيه نَظَرٌ. (وَاجْتِنَابِ الْحِنَّاءِ، وَالْخِضَابِ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ أمِّ سلَمَةَ: «ولا تَختَضِبُ» (٤)، ولأنَّه (٥) يَدْعُو إلى الجِماع، أشْبَهَ الحَلْيَ، بل أَوْلَى، ولا تُمنَعُ (٦) مِنْ جَعْلِ الصَّبِر على غَيرِ وَجْهِهَا؛ لأِنَّها إنَّما مُنِعَتْ منه على (٧) الوَجْه؛ لأِنَّه يُصفِّرُه، فيُشْبِهُ الخِضابَ، قال (٨) في «الفروع»: فيتوجَّهُ واليَدَينِ. (وَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ أمِّ عَطِيَّةَ: «ولَا تَكتَحِلُ» (٩)، ولأِنَّه أبلغُ في الزِّينة، والمرادُ به: الإثْمِدُ، ولا فَرْقَ فيه بَينَ البَيضاء والسَّوداء.

стр. 5149

فإن (١) اضْطَرَّتْ إلى الكُحْل بالإثْمِد للتَّداوِي؛ فلها ذلك لَيلاً، وتَمْسَحُه نهارًا. وفي «الرِّعاية»: فإن (٢) احْتاجَتْ كُحْلاً اكْتَحَلَتْ. وقِيلَ: لَيلاً وغَسْلُه نهارًا إنْ لم تكُنْ سَوداءَ أوْ عَيْنُها. (وَالْحِفَافِ) المحرَّمِ عليها إنَّما هو (٣) نَتْفُ شَعْرِ وجْهِها، فأمَّا حَلقُه وحفُّه (٤) فمُباحٌ عندَ أصحابنا، قاله في «المطلع»، وفيه قَولٌ، وهو سَهْوٌ. (وَإِسْفِيذَاجِ الْعَرَائِسِ)، وهو شيءٌ معروفٌ يعمل (٥) من الرَّصاص، ذَكَرَه الأطِبَّاءُ إذا دُهِنَ به الوَجْهُ يَرْبُو ويَبرُقُ، (وَتَحْمِيرِ الْوَجْهِ) بالحُمْرة، (وَنَحْوِهِ)؛ أيْ: ونحوِ ذلك مما (٦) فيه زينةٌ وتحسينٌ. فائدةٌ: لها التنظُّف (٧) بِغَسْلٍ، وأخْذِ شعرٍ وظُفُرٍ، وتدهن (٨) بدُهْنٍ غيرِ مُطَيَّبٍ، ولا تَدْهُنُ رأسَها، ولها غَسْلُه بماءٍ وسِدْرٍ وخَطْمِيٍّ، لا بحِنَّاءٍ. (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْأَبْيَضُ مِنَ الثِّيَابِ)، سواءٌ كان مِنْ قُطْنٍ، أوْ كَتَّانٍ، أوْ صُوفٍ، أوْ إبْرِيسَمٍ، (وَإِنْ كاَنَ (٩) حَسَنًا)؛ لأِنَّ حُسْنَه من أصلِ خِلْقَتِه، فلا يَلزَمُ تغييرُه، وظاهِرُه: ولو (١٠) كان مُعَدًّا للزِّينة، وفيه وَجْهٌ. (وَلَا الْمُلَوَّنُ لِدَفْعِ الْوَسَخِ؛ كَالْكُحْلِيِّ، وَنَحْوِهِ)؛ كالأسْوَد؛ لأِنَّ الصَّبْغَ

стр. 5150

لدَفْعِ الوَسَخ، لا لِحُسْنه؛ لأِنَّه لَيسَ بزِينةٍ. (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَتَجْتَنِبُ النِّقَابَ)، وما في مَعْناهُ كالبُرْقِع ونحوِه؛ لأِنَّ المعتدَّةَ شبيهة (١) بالمحْرِمَة، فإنِ احْتاجَتْ إليه؛ سَدَلَتْه على وَجْهِها كمُحرِمَةٍ. والمذْهَبُ المنصوصُ عليه: أنَّ لها أنْ تَنتقِبَ (٢)؛ لأِنَّه لَيسَ في مَعْنَى المنصوص، وإنَّما مُنِعَت المحْرِمَةُ؛ لأِنَّها مَمْنوعةٌ مِنْ تَغطِيَةِ وَجْهِها، بخِلافِ الحادَّة، ولأِنَّ المحرمة (٣) يَحرُمُ عليها (٤) لُبْسُ القُفَّازَينِ، ويَجوزُ لها لُبْسُ سائرِ الثِّياب، بخِلافِ الحادَّة، ولأِنَّ المبتوتةَ لا يَحرُم عليها النِّقابُ، وإنْ وَجَبَ عليها الإحدادُ، فكذا المُتَوَفَّى عنها. وظاهِرُه: أنَّ الزِّينةَ تُباحُ في غَيرِ ذلك من الفَرْشِ، وآلة البيت، وأثاثه، وإن (٥) تَرَكَت الواجِبَ؛ أثِمَتْ، وتَمَّتْ عِدَّتُها بمُضِيِّ الزَّمَن؛ كالصَّغيرةِ.
следующие страницы →