← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

فعلى هذا: حُكْمُها حكمُ المتوفَّى عنها في تَوَقِّي الزِّينة والطِّيب. والصَّحيحُ: أنَّه لا يَجِبُ على المخْتَلَعة؛ لأِنَّها تَحِلُّ لزوجها الذي خالَعَها أنْ يتزوَّجَها في عدَّتها، بخِلافِ البائن بالثَّلاث. وفي «الاِنتصار»: لا يَلزَمُ بائنًا قبلَ دخولٍ. (وَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّها في حُكْم الزَّوجات. (وَالْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ)؛ لأِنَّها لَيستْ مُعتدَّةً مِنْ نكاحٍ، فلم تكمل (٢) الحُرْمَةُ، (أَوْ زِنًى، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ)؛ لأِنَّ مَنْ ذُكِرَ لَيسَ بِزَوجٍ. وفي «الجامع»: أنَّ المنصوصَ: يَلزَمُ الإحْدادُ في نكاحٍ فاسدٍ. (أَوْ بِمِلْكِ (٣) يَمِينٍ)؛ كالسُّرِّيَّة وأمِّ الوَلَد. وهِي كالحرَّة، وللسيِّد إمْساكُها نهارًا، وإرْسالُها لَيلاً، فإنْ أرْسَلَها لَيلاً ونهارًا؛ اعْتَدَّتْ زمانَها كلَّه في المنزل، وعلى الورثة إسْكانُها فيه؛ كالحرَّة سواءً. (وَسَوَاءٌ فِي الْإِحْدَادِ)؛ أيْ: وجوبِه؛ (الْمُسْلِمَةُ، وَالذِّمِّيَّةُ، وَالْمُكَلَّفَةُ وَغَيْرُهَا)؛ لِعُمومِ الأحاديث، ولأِنَّ غَيرَ المكلَّفة تساوي (٤) المكلَّفةَ في اجْتِنابِ المحرَّمات، وإنَّما يَفتَرِقانِ في الإثْمِ، فكذا في (٥) الإحْدادِ. (وَالْإِحْدَادُ: اجْتِنَابُ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ)، يَجِبُ على الحادَّة (٦) اجْتِنابُ ما

стр. 5147

يَدْعُو إلى جِماعِها، ويُرغِّبُ في النَّظَر إليها، ويُحسِّنُها، وذلك أمورٌ: أحدُها: الطِّيبُ، ولا خِلافَ في تحريمه (١)؛ للأخبار الصَّحيحة، ولأِنَّه يُحرِّكُ الشَّهوةَ، ويَدْعُو إلى المباشَرَة، وذلك (٢) كزَعْفَرانٍ ونحوِه، وإنْ كان بها سُقْمٌ، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٣)، ويَلحقُ به في التَّحريمِ: الأَدْهانُ المطَيَّبةُ؛ كدُهْنِ وَرْدٍ وبَانٍ؛ لأِنَّه طِيبٌ. والثَّاني: اجْتِنابُ الزِّينة في قَولِ عامَّتهم، وقالَتْ أمُّ سَلَمَةَ: دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ أبو سَلَمَةَ، وقد جَعَلْتُ على عَيْنَيَّ صَبِرًا، فقال: «ما هذا يا أمَّ سلَمَةَ؟» فقُلْتُ: إنَّما هو صَبِرٌ لَيسَ فيه طِيبٌ، قال: «إنَّه يشبُّ (٤) الوَجْهَ، فلا تَجْعَلِيهِ إلاَّ في اللَّيل، وتَنْزِعينَهُ (٥) بالنَّهار» رواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ، والبيهقي (٦) بإسْنادٍ فيه جماعةٌ لا يُحتَجُّ بهم (٧). (وَالتَّحْسِينِ؛ كَلُبْسِ الْحَلْيِ)؛ كالسِّوار، والدُّمْلُج، والخاتَم، ولا فَرْقَ فيه بَينَ أنْ يكونَ مِنْ فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ، وقال عَطاءٌ: يُباحُ حَلْيُ الفِضَّة فقط،

стр. 5148

وجَوابُه: عُمومُ النَّهي. (وَالْمُلَوَّنِ مِنَ الثِّيَابِ لِلتَّحْسِينِ؛ كَالْأَحْمَرِ، وَالْأَصْفَرِ، وَالْأَخْضَرِ الصَّافِي، وَالْأَزْرَقِ الصَّافِي)؛ لقَولِه ﵇: «لا تَلبَسُ ثَوبًا مَصْبوغًا، إلاَّ ثَوبَ عَصْبٍ» (١)، وفي حديثِ أمِّ سلمة (٢): «ولا تلبس المُعَصْفَرَ من الثِّياب، ولا الممَشَّقَ» (٣)، وفيه تنبيهٌ على أنَّ الأخْضَرَ غَيرَ الصَّافي، والأزْرقَ غَيرَ الصَّافي؛ لا يَحرُمُ عليها لُبْسُه؛ لأِنَّ ذلك لا يُلبَسُ للتَّحسين عادةً، فلم يكُنْ ذلك زينةً. والمذْهَبُ: أنَّه يَحرُمُ ما صُبِغَ غَزْلُه ثُمَّ نُسِجَ؛ كالمصبوغ بعدَ نَسْجِه. وقِيلَ: لا؛ لقوله ﵇: «إلاَّ ثَوبَ عَصْبٍ»، وفيه نَظَرٌ. (وَاجْتِنَابِ الْحِنَّاءِ، وَالْخِضَابِ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ أمِّ سلَمَةَ: «ولا تَختَضِبُ» (٤)، ولأنَّه (٥) يَدْعُو إلى الجِماع، أشْبَهَ الحَلْيَ، بل أَوْلَى، ولا تُمنَعُ (٦) مِنْ جَعْلِ الصَّبِر على غَيرِ وَجْهِهَا؛ لأِنَّها إنَّما مُنِعَتْ منه على (٧) الوَجْه؛ لأِنَّه يُصفِّرُه، فيُشْبِهُ الخِضابَ، قال (٨) في «الفروع»: فيتوجَّهُ واليَدَينِ. (وَالْكُحْلِ الْأَسْوَدِ)؛ لقَوله ﵇ في حديثِ أمِّ عَطِيَّةَ: «ولَا تَكتَحِلُ» (٩)، ولأِنَّه أبلغُ في الزِّينة، والمرادُ به: الإثْمِدُ، ولا فَرْقَ فيه بَينَ البَيضاء والسَّوداء.

стр. 5149

فإن (١) اضْطَرَّتْ إلى الكُحْل بالإثْمِد للتَّداوِي؛ فلها ذلك لَيلاً، وتَمْسَحُه نهارًا. وفي «الرِّعاية»: فإن (٢) احْتاجَتْ كُحْلاً اكْتَحَلَتْ. وقِيلَ: لَيلاً وغَسْلُه نهارًا إنْ لم تكُنْ سَوداءَ أوْ عَيْنُها. (وَالْحِفَافِ) المحرَّمِ عليها إنَّما هو (٣) نَتْفُ شَعْرِ وجْهِها، فأمَّا حَلقُه وحفُّه (٤) فمُباحٌ عندَ أصحابنا، قاله في «المطلع»، وفيه قَولٌ، وهو سَهْوٌ. (وَإِسْفِيذَاجِ الْعَرَائِسِ)، وهو شيءٌ معروفٌ يعمل (٥) من الرَّصاص، ذَكَرَه الأطِبَّاءُ إذا دُهِنَ به الوَجْهُ يَرْبُو ويَبرُقُ، (وَتَحْمِيرِ الْوَجْهِ) بالحُمْرة، (وَنَحْوِهِ)؛ أيْ: ونحوِ ذلك مما (٦) فيه زينةٌ وتحسينٌ. فائدةٌ: لها التنظُّف (٧) بِغَسْلٍ، وأخْذِ شعرٍ وظُفُرٍ، وتدهن (٨) بدُهْنٍ غيرِ مُطَيَّبٍ، ولا تَدْهُنُ رأسَها، ولها غَسْلُه بماءٍ وسِدْرٍ وخَطْمِيٍّ، لا بحِنَّاءٍ. (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْأَبْيَضُ مِنَ الثِّيَابِ)، سواءٌ كان مِنْ قُطْنٍ، أوْ كَتَّانٍ، أوْ صُوفٍ، أوْ إبْرِيسَمٍ، (وَإِنْ كاَنَ (٩) حَسَنًا)؛ لأِنَّ حُسْنَه من أصلِ خِلْقَتِه، فلا يَلزَمُ تغييرُه، وظاهِرُه: ولو (١٠) كان مُعَدًّا للزِّينة، وفيه وَجْهٌ. (وَلَا الْمُلَوَّنُ لِدَفْعِ الْوَسَخِ؛ كَالْكُحْلِيِّ، وَنَحْوِهِ)؛ كالأسْوَد؛ لأِنَّ الصَّبْغَ

стр. 5150

لدَفْعِ الوَسَخ، لا لِحُسْنه؛ لأِنَّه لَيسَ بزِينةٍ. (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَتَجْتَنِبُ النِّقَابَ)، وما في مَعْناهُ كالبُرْقِع ونحوِه؛ لأِنَّ المعتدَّةَ شبيهة (١) بالمحْرِمَة، فإنِ احْتاجَتْ إليه؛ سَدَلَتْه على وَجْهِها كمُحرِمَةٍ. والمذْهَبُ المنصوصُ عليه: أنَّ لها أنْ تَنتقِبَ (٢)؛ لأِنَّه لَيسَ في مَعْنَى المنصوص، وإنَّما مُنِعَت المحْرِمَةُ؛ لأِنَّها مَمْنوعةٌ مِنْ تَغطِيَةِ وَجْهِها، بخِلافِ الحادَّة، ولأِنَّ المحرمة (٣) يَحرُمُ عليها (٤) لُبْسُ القُفَّازَينِ، ويَجوزُ لها لُبْسُ سائرِ الثِّياب، بخِلافِ الحادَّة، ولأِنَّ المبتوتةَ لا يَحرُم عليها النِّقابُ، وإنْ وَجَبَ عليها الإحدادُ، فكذا المُتَوَفَّى عنها. وظاهِرُه: أنَّ الزِّينةَ تُباحُ في غَيرِ ذلك من الفَرْشِ، وآلة البيت، وأثاثه، وإن (٥) تَرَكَت الواجِبَ؛ أثِمَتْ، وتَمَّتْ عِدَّتُها بمُضِيِّ الزَّمَن؛ كالصَّغيرةِ.

стр. 5151

(فَصْلٌ) (وَتَجِبُ عِدَّةُ الْوَفَاةِ فِي الْمَنْزِلِ الذِي وَجَبَتْ فِيهِ) لا غَيرُ، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وابنِه (٢)، وابنِ مسعودٍ (٣)، وأمِّ سَلَمَةَ (٤)، وغَيرِهم؛ لقَولِه ﵇ لِفُرَيعةَ: «امكثي (٥) في بَيتِكِ حتَّى يَبلُغَ الكِتابُ أجَلَه»، فاعتدتْ أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، فلمَّا كان عُثْمانُ أرْسَل إليَّ فسأَلَنِي عن ذلك، فأخْبرتُه، فاتَّبَعَه، وقَضَى به، رواه مالِكٌ، وأحمدُ، وأبو داودَ، وصحَّحه التِّرمذي (٦).

стр. 5152

وقال جابِرُ بنُ زَيدٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ: تَعْتدُّ حَيثُ شاءَتْ، ورواه البَيهَقيُّ عن عليٍّ (١)، وابنِ عبَّاسٍ (٢)، وعائشةَ (٣). وجَوابُه: ما سَبَقَ. وسَواءٌ كان المنزِلُ لِزَوجها، أوْ غَيرِه. فإنْ أتاها الخَبَرُ في غَيرِ مَسْكَنِها؛ رَجَعَتْ إليه فاعتدَّتْ فيه (٤). وقال ابنُ المسيِّب، والنَّخَعيُّ: لا تَبرَح من (٥) مكانها الذي أتاها فيه نَعْيُ زَوجِها.

стр. 5153

وجَوابُه: «امْكُثِي في بَيتكِ»، واللَّفْظُ الآخَرُ قضيَّةٌ في عَينٍ، ولا عُمومَ لها، ولا يُمكِنُ حَمْلُه على العموم، فإنَّه قد يأتيها الخبرُ وهي في السُّوق، والطَّريق، والبَرِّيَّة، ولا يَلزَمُها الاعتداد فيه (١)، قال أحمدُ في روايةِ ابنِ هانِئٍ: وسُئِلَ عن امرأةٍ ماتَ زَوجُها وهي مريضةٌ، أتَحوَّلُ إلى بَيتِ أمِّها؟ قال: لا يَجُوزُ (٢). (إِلاَّ أَنْ تَدْعُوَ ضَرُورَةٌ إِلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ؛ بِأَنْ يُحَوِّلَهَا مَالِكُهُ، أَوْ تَخْشَى عَلَى نَفْسِهَا)، أوْ لم تَجِدْ ما تَكتَرِي به إلاَّ مِنْ مالها، أوْ طَلَبَ به أكثرَ من أُجْرةِ مِثْلِه، ذَكَرَه في «المغْنِي»، (فَتَنْتَقِلُ)؛ لأِنَّها حالةُ عُذْرٍ. فإنْ تعذَّرت (٣) السُّكْنَى؛ سَكَنَتْ حَيثُ شاءَت، اخْتارَه القاضي والمؤلِّفُ. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: أنَّها تَنتَقِلُ إلى أقْرَبِ ما يُمكِنُها النُّقْلةُ إليه، وقَطَعَ به في «المحرر» (٤)، و «المستوعب»، و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ كنَقْل الزَّكاة في مَوضِعٍ لا يَجِدُ فيه أهْلَ السُّهْمانِ. وجَوابُه: أنَّ الواجِبَ سَقَطَ؛ كما لو سَقَطَ الحجُّ للعجز عنه، ويُفارِقُ أهلَ السُّهْمانِ، فإنَّ القَصْدَ نَفْعُ الأقْرَبِ. فلو اتَّفَقَ (٥) الوارِثُ والمرأةُ على نَقْلِها؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ السُّكْنَى هنا حقٌّ لله تعالى، بخِلافِ سُكْنَى النِّكاح، لكِنْ لهم نَقْلُها لِطُولِ لِسانها، وأذاهم بالسَّبِّ ونحوِه، وهو قَولُ الأكْثَرِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ … ﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ١]، وهو اسْمٌ للزِّنى وغيرِه من الأقْوال الفاحِشةِ.

стр. 5154

وقِيلَ: يَنتَقِلُونَ هم. وفي «التَّرغيب»، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: إنْ قُلْنا لا سُكْنَى لها؛ فعليها الأُجْرةُ، وأنَّه لَيس للورثة تحويلُها منه، وظاهِرُ «المغني» وغَيره خِلافُه. (وَلَا تَخْرُجُ لَيْلاً)؛ لِمَا رَوَى مُجاهِدٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «تَحَدَّثْنَ (١) عِنْدَ إحْداكنَّ، حتَّى إذا أَرَدْتُنَّ النَّومَ؛ فَلْتَأْتِ كلُّ واحِدةٍ إلى بَيتِها» (٢)، ولأِنَّ اللَّيلَ مَظنَّةُ الفَساد. وظاهِرُه: ولو لحاجةٍ، وهو وَجْهٌ، وقِيلَ: بلى، وظاهِرُ «الواضح» مُطلَقًا. (وَلَهَا الْخُرُوجُ نَهَارًا لِحَوَائِجِهَا)؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، قال الحُلْوانيُّ: مع وُجودِ مَنْ يَقضِيها، وقِيلَ: مُطلَقًا، نَصَّ عليه، نَقَلَ حنبلٌ: تَذهَبُ بالنَّهار، ونَقَلَ أبو داودَ: لا تَخرُجُ، قلتُ: بالنَّهار؛ قال: بلى، لكِنْ لا تبيت (٣)، قلت: بعضُ اللَّيل، قال: يَكونُ أكثرُه بيتها (٤). (وَإِنْ أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي النُّقْلَةِ إِلَى بَلَدٍ لِلسُّكْنَى فِيهِ، فَمَاتَ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْبُنْيَانِ؛ لَزِمَهَا الْعَوْدُ إِلَى مَنْزِلِهَا)؛ لأِنَّها مُقِيمَةٌ بعدُ، والاِعْتِدادُ في مَنزِلِ الزَّوج واجِبٌ. (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ؛ فَلَهَا الْخِيَارُ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ) على المذهب؛ لِتَساوِيهما، ولأِنَّ في (٥) وُجوبِ الرُّجوع مَشقَّةً.

стр. 5155

وقِيلَ: بلى في الثَّاني (١)؛ كما لو وَصَلَتْه. وهكذا حكمُ ما لو أذِنَ لها في النُّقلة مِنْ دارٍ إلى أخْرَى. وسَواءٌ مات قَبْلَ نَقْلِ مَتاعِها مِنْ الدَّار، أوْ بَعدَه؛ لأِنَّه مَسْكَنُها، ما لم تَنتَقِلْ عنه. (وَإِنْ سَافَرَ بِهَا (٢)، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ؛ لَزِمَهَا الْعَوْدُ)؛ لأِنَّها في حُكْمِ الإقامة، (وَإِنْ تَبَاعَدَتْ)؛ أي (٣): بعدَ مسافة القَصْر؛ (خُيِّرَتْ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ)؛ لِتَساوِيهما. وكلُّ مَوضِعٍ يَلزَمُها السَّفرُ، فهو مشروطٌ بوُجودِ مَحرَمٍ يُسافِرُ مَعَها؛ للخَبَر. (وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ)، نقول: المعتدَّة لَيس لها الخُروجُ لِحَجٍّ ولا غيره (٤)، رُوِيَ عن عمرَ وعُثْمانَ (٥)، وقاله الأكثرُ. فإنْ خَرَجَتْ فماتَ في الطَّريق؛ رَجَعَتْ إنْ كانَتْ قريبةً؛ لأِنَّها في حُكْمِ الإقامة، وإنْ تَباعَدَتْ مَضَتْ في سَفَرِها، ولأِنَّه أمْكَنَها الاِعْتِدادُ في مَنزِلها قَبْلَ أنْ تَبعُدَ؛ فَلَزِمَها؛ كما لو لم تفارق (٦) البنيانَ. فإنِ اخْتارَت البعيدةُ الرُّجوعَ؛ فلها ذلك إذا كانت تَصِلُ إلى منزلها في عدَّتها.

стр. 5156

ومتى كان عليها في الرُّجوع خَوفٌ، أوْ ضَرَرٌ؛ فلها المضِيُّ في سَفَرِها؛ كالبعيدة. ومتى رَجَعَتْ، وقد بَقِيَ عليها شَيءٌ من عدَّتها؛ لَزِمَها أنْ تأتيَ به في مَنزِلِ زَوجِها، بغَيرِ خِلافٍ بَينَهم (١)؛ لأِنَّه أمْكَنَها الاِعْتِدادُ، فهو (٢) كما لو لم تُسافِرْ منه. (فَأَحْرَمَتْ بِهِ، ثُمَّ مَاتَ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ؛ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا)، سَواءٌ كان (٣) حجَّةَ الإسلام أوْ غَيرَها. إذا أحْرَمَتْ بها قَبْلَ مَوته؛ فإنْ لم يُمكن (٤) الجَمْعُ؛ لَزِمَها المضِيُّ فيه، وذكره (٥) في «التَّبصرة» عن أصحابنا، ولأِنَّهما عِبادَتانِ اسْتَوَيَا في الوُجوب وضِيقِ الوقت، فوجَبَ تَقْديمُ الأَسْبَقِ منهما؛ كما لو سَبَقَت العِدَّةُ، ولأِنَّ الحجَّ آكَدُ؛ لأِنَّه أَحَدُ أرْكانِ الإسلام، والمشقَّة بتفويته تَعظُمُ، فوَجَبَ تقديمُه. وفي «المحرَّر»: هل تُقدَّم مع القُرْب العِدَّةُ، أوْ أسْبَقُهما؟ فيه رِوايَتانِ. وإنْ أمكن (٦)؛ لَزِمَها العَودُ، ذكره (٧) المؤلِّفُ وغَيرُه. وفي «المحرر»: تُخيَّر (٨) مع البُعْدِ، وتُتِمُّ تتمةَ (٩) العِدَّةِ في مَنزِلِها إنْ عادَتْ بَعْدَ الحجِّ، وتَتَحلَّلُ لِفوتِه بعُمْرةٍ.

стр. 5157

وإنْ أحْرَمَتْ بعدَ مَوتِه، وخَشِيَتْ فَواتَه؛ فاحْتِمالانِ. (وَإِنْ لَمْ تَخْشَ، وَهِيَ فِي بَلَدِهَا، أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْهُ (١) يُمْكِنُهَا الْعَوْدُ؛ أَقَامَتْ لِتَقْضِيَ الْعِدَّةَ فِي مَنْزِلِهَا)؛ لأِنَّه أمْكَنَها الجَمْعُ بَينَ الحَقَّينِ مِنْ غَيرِ ضررِ الرُّجوع، فلم يَجُزْ إسْقاطُ أحدِهما، (وَإِلاَّ مَضَتْ فِي سَفَرِهَا)؛ أيْ: إذا لم تَكُنْ في بلدها، ولا قريبةً منه؛ لأِنَّ في (٢) الرُّجوع عليها مَشقَّةً وحَرَجًا، وهو مُنتَفٍ شَرْعًا. (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحْرَمَتْ، أَوْ أَحْرَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَحُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ لَمْ تَخْشَ (٣) الفَوَاتَ)؛ لأِنَّ العِدَّةَ سابِقةٌ على الإحرام، والسَّابِقُ هو المقدَّمُ. فرعٌ: لا سُكْنَى للمُتوَفَّى عنها إذا كانَتْ حائِلاً روايةً واحدةً، وإنْ كانَتْ حامِلاً فرِوايَتانِ؛ لأِنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ لها ثُمُنَ التَّرِكة أوْ رُبُعَها، وجَعَلَ باقِيها للورثة، والمسكَنُ من التَّركة؛ فَوَجَب ألاَّ يُستَحَقَّ منه أكثرُ مِنْ ذلك. وأمَّا إذا كانَتْ حامِلاً، وقُلْنا: لها السُّكْنَى؛ فَلأِنَّها حامِلٌ مِنْ زَوجِها؛ قِياسًا على المطلَّقة. وإنْ قُلْنا: لا سُكْنَى لها، فتبرَّعَ الوارِثُ أوْ غَيرُه بسُكْناها؛ لَزِمَها السُّكْنَى به. وإن قُلْنا: لها السُّكْنَى (٤)؛ ضَرَبَتْ بقَدرِ أُجْرته مع الغرماء، والحامِلُ تَضرِبُ بأقلِّ مُدَّتِه، وإنْ رَجَعَتْ فله دُونَ الفَضْل على الغرماء (٥)، وإنْ وَضَعَتْ

стр. 5158

لأِكْثَرِها؛ رَجَعَتْ عليهم بالنَّقص. (وَأَمَّا المَبْتُوتَةُ) مُطلَقًا (فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ فِي مَنْزِلِهِ)؛ لِمَا رَوَتْ فاطِمةُ بنتُ قَيسٍ: أنَّ أبا عمرو (١) بنَ حَفْصٍ طلَّقها الْبَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إلَيها بشَيءٍ فسَخِطته، فقال: واللهِ ما لَكِ عَلَينا مِنْ شَيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله ﷺ ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال لها: «لَيسَ لكِ عليه نَفَقةٌ، ولا سُكْنَى»، وأَمَرَها أنْ تَعتَدَّ عِنْدَ أمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قال: تلك امرأةٌ يَغْشاها أصْحابِي، اعْتَدِّي في بَيتِ أمِّ مَكْتومٍ (٢)» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، وإنْكارُ عُمرَ وعائِشةَ ذلك يُجابُ عنه (٤). (وَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، نَصَّ عَلَيْهِ)، إذا كان مَأْمُونًا، قال أصْحابُنا: سَواءٌ قُلْنا: لها السُّكْنَى أوْ لَا، بل يَتخيَّرُ الزَّوجُ بَينَ إقْرارِها في مَوضِعِ طَلاقِها، وبَينَ نَقْلِها إلى مسكن (٥) مِثْلِها؛ لحديثِ فاطمةَ، والمُسْتَحَبُّ إقْرارُها؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ … ﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ١]. وعنه: تَعتَدُّ حَيثَ كانَتْ ساكِنةً وقْتَ الفُرْقةِ، ولا يَثبُتُ في غَيرِه. ولا تُفارِقُ البلدَ على الأصحِّ فيهما. وعَنْهُ: هي (٦) كمُتَوَفًّى عَنْها. وإنْ شاءَ إسْكانَها في منزله، أوْ غَيرِه إنْ صَلَحَ لها؛ تحصينًا لِفِراشِه، ذَكَرَه القاضي وغيرُه، وإنْ لم يَلزَمْه نفقتها (٧) كمُعتدَّةٍ لِشُبْهةٍ، أوْ نكاحٍ، أوْ مُسْتَبْرَأَةٍ لِعْتقٍ.

стр. 5159

وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَلزَمُها. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ شاءَه، وأنْفَقَ عليها؛ فله ذلك (١). وإنْ سَكَنَتْ عُلْوَ دارٍ، وسَكَنَ بَقيَّتَها، أوْ بَينَهما بابٌ مُغلَقٌ، أوْ مَعها مَحرَمٌ؛ جاز. ورَجْعيَّةٌ في لُزومِ المنزل؛ كمُتَوَفًّى عنها، نَصَّ عليه (٢). تذنيبٌ: له الخَلْوةُ مع زوجتِه، وأَمَته، ومَحرَمِ أحدهما، وقِيلَ: مع زوجته فأكثرَ (٣)، قال في «التَّرغيب»: وأصْلُه النِّسوةُ المنفَرِداتُ هل لهنَّ السَّفرُ مع أمْنٍ بلا مَحرَمٍ؟ وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يَحرُمُ سَفَرُه بأُخْتِ زَوجتِه، ولو مَعَها (٤). ولا يَخلُو الأجنبي (٥) بأجنَبيَّاتٍ، ويَتوجَّهُ وَجْهٌ، قال القاضي: مَنْ عُرِفَ بالفِسْق مُنِعَ من الخَلوة بأجنبيَّةٍ، والأَشْهَرُ يَحرُمُ مُطلَقًا، إجْماعًا (٦). وفي «آداب صاحِبِ النَّظْم»: أنَّه يُكرَهُ الخلوة بالعَجوز، وهو غَريبٌ، وإطلاقُ الأصحاب تحريم (٧) الخَلوة بمَن لِعَورته حُكْمٌ. فأمَّا مَنْ لا عَورةَ له كدُونِ سَبعٍ؛ فلا تحريمَ. وله إرْدافُ مَحرَمٍ، ويتوجَّهُ في غَيرِها مع الأمن وعَدَمِ سُوءِ الظَّنِّ؛ خِلافٌ (٨).

стр. 5160

(بَابٌ فِي اسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ) لاِسْتِبراءُ بالمدِّ: طَلَبُ بَراءة الرَّحِم؛ كالاِسْتِعْطاء والاِسْتِمْناء: طَلَبُ العَطاء والمني (١)، وخُصَّ هذا بالأَمَة؛ للعِلْم ببَراءةِ رَحِمِها مِنْ الحَمْلِ، والحُرَّةُ وإنْ شارَكَت الأمةَ في هذا الغَرَضَ؛ فهي مُفارِقةٌ لها في التَّكرُّر، ولذلك يُستَعْمَلُ فيها لَفْظُ العِدَّة. (وَيَجِبُ الاِسْتِبْرَاءُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ): (أَحَدُهَا: إِذَا مَلَكَ أَمَةً) تَحِلُّ له ومِثْلُها يُوطَأُ لِمِثْلِه، قاله في «الرِّعاية»؛ (لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا) حتَّى يَستَبْرِئَها، بِكرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا، صغيرةً كانَتْ أوْ كبيرةً، مِمَّنْ تَحمِلُ أوْ لا، في قَولِ أكثرِ العلماء. وقال ابنُ عمرَ: «لا يَجِبُ اسْتِبْراءُ البكر (٢)»، ذَكَرَه البُخاريُّ (٣)؛ لأِنَّ الغَرَضَ بالاِسْتِبراء مَعرِفةُ براءتها من الحَمْل، وهذا معلومٌ في البِكْر. وقال اللَّيثُ: إنْ كانَتْ مِمَّنْ لا تَحمِلُ؛ لم يَجِب اسْتبْراؤها. وجَوابُه: ما رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والبَيهَقِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ، وفيه شَريكٌ القاضِي، عن أبي سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضَعَ، ولا

стр. 5161

غَيرُ ذاتِ حملٍ حتَّى تَحِيضَ» (١)، وعن رويفع (٢) بن ثابتٍ مرفوعًا: «فَلا يَقَعُ على امرأةٍ من السَّبْيِ حتَّى يَستَبْرِئَها بحَيضةٍ» رواه أبو داودَ، وقَولُه: «بحَيضةٍ» لَيسَ بمحفوظ (٣)، ورواهُ التِّرمذي وغَيرُه، ولَفظُه: «لا يَسْقِ ماءَهُ زَرْعَ غَيرِه»، وإسْنادُه حَسَنٌ (٤)، وقال أحمدُ: بَلَغَنِي أنَّ العَذْراءَ تحمل (٥)، ولأِنَّه يُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المِياهِ وفَسادِ الأنْساب. (وَالاِسْتِمْتَاعُ بِمُبَاشَرَةٍ، وَقُبْلَةٍ)، ونَظَرٍ لِشَهْوةٍ، (حَتَّى يَسْتَبْرِئْهَا)، روايةً واحدةً، قالَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه لا يَأمَنُ أنْ تَكونَ حامِلاً مِنْ مالِكِها الأوَّلِ، فتَكونُ أمَّ وَلَدٍ، فيَحصُلُ الاِسْتِمْتاعُ بأمِّ ولدِ غَيرِه، وبهذا (٦) فارَقَ الحَيضَ. وعنه: لا يَحرُم إلاَّ بالوطء، ذَكَرَه في «الإرشاد»، واخْتارَه في «الهَدْي»، واحتجَّ بجَوازِ الخَلْوة والنَّظر، وأنَّه لا يَعلَمُ في جَوازِ هذا نِزاعًا (٧). (إِلاَّ الْمَسْبِيَّةَ؛ هَلْ لَهُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: تَحرُمُ مُباشَرَتُها، والنَّظَرُ إلَيها لِشَهْوةٍ، في ظاهِرِ «الخِرَقِيِّ»، وقَدَّمَه في «الرِّعاية» و «الفروع»، قال في «الشَّرح»: هو الظَّاهِرُ عن أحمدَ؛ لأِنَّه اسْتِبْراءٌ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فحَرَّمَ دواعِيَه؛ كالعِدَّة، وكالمَبِيعة.

стр. 5162

والثَّانيةُ: لا يَحرُمُ؛ لِفِعْلِ ابنِ عمرَ (١)، ولأِنَّه لا يَخْشَى انْفِساخَ ملْكِه لها بحَمْلِها، فلا يَكونُ مُسْتَمْتِعًا إلاَّ بمَمْلوكَةٍ (٢). والأوَّلُ أصحُّ، قالَهُ في «المغْنِي»، وقال: حديثُ ابنِ عمرَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأِنَّه ذَكَرَه على سبيلِ العيب (٣) على نفسه؛ لقَولِه: «فقُمْتُ إليها فقبَّلْتُها والنَّاسُ يَنظُرونَ». فإنْ كانَتْ غَيرُ المسْبِيَّة آيسةً (٤)، أوْ صغيرةً لا تَحِيضُ؛ فهل له التَّلَذُّذُ بِلَمْسِها وتَقْبِيلِها في زَمانِ الاِسْتِبْراء؟ فِيه رِوايَتانِ. وإنْ كانَتْ حامِلاً؛ حَرُمَ ذلك في الصَّحيح من المذْهَبِ، وظاهِرُه: أنَّ فيه قَولاً آخَرَ أنَّه يُباحُ. وعنه: لَا اسْتِبْراءَ لِمَنْ لا تَحِيضُ لِصِغَرٍ، أوْ تأخُّرِ حَيضٍ، أوْ إِيَاسٍ، قالَهُ في «الرِّعاية». (سَوَاءٌ مَلَكَهَا مِنْ صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امِرَأَةٍ)، أَوْ مَجْبوبٍ، أوْ من رجلٍ قد اسْتَبْرَأَها ثُمَّ لم يَطَأْها؛ لحديثِ أبي سعيدٍ (٥)، ولأِنَّه يَجِبُ للملْك المتجدِّدِ، وذلك مَوجُودٌ في كلِّ واحِدٍ منها (٦)، ولأِنَّه يَجوزُ أنْ تكونَ حامِلاً

стр. 5163

مِنْ غَيرِ البائع؛ فَوجَبَ اسْتِبراؤها؛ كالمسبِيَّة (١) من امرأةٍ. وعَنْهُ: لا يَلزَمُ مالِكًا مِنْ طِفْلٍ، أوِ امرأةٍ؛ كامْرأةٍ على الأصحِّ. وعَنْهُ: وطِفْل. وعنه: لا يَلزَمُ في مَسبِيَّةٍ، ذَكَرَه الحُلْوَانيُّ. وفي «التَّرغيب» وَجْهٌ: لا يَلزَمُ في إرْثٍ. وخالَفَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في بِكْرٍ كَبِيرةٍ، أوْ آيِسةٍ (٢). (وَإِنْ أَعْتَقَهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا)، فلو خالَفَ وفَعَلَ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ النِّكاحَ يُرادُ للوطء، وذلك حرامٌ. وقال الحَنَفِيَّةُ: له ذلك، ويُرْوَى أنَّ الرَّشيدَ اشْتَرَى جاريةً، فأفْتاهُ أبو يوسفَ بذلك؛ أي: يُعتِقُها، ويَتزَوَّجُها، ويَطؤُها (٣). قال الإمامُ أحمدُ: ما أعْظَمَ هذا!! أبْطَلُوا الكتابَ والسُّنَّةَ، فإنْ كانَتْ حامِلاً كيف يَصْنَعُ؟ وهذا لا يَدْرِي أهِيَ حامِلٌ أمْ لا! ما أسْمَجَ هذا (٤)!. وعنه: يَصِحُّ، ولا يَطَأُ؛ لِمَا ذَكَرْنا. وعنه: يَتزَوَّجُها إنْ كان بائعُها اسْتَبْرأَ ولم يَطَأْ، صحَّحه في «المحرَّر» وغيره. (وَلَهَا نِكَاحُ غَيْرِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَائِعُهَا يَطَؤُهَا)؛ لأِنَّها حُرَّةٌ لم تكُنْ فِراشًا، فكان لها نكاحُ غَيرِ مُعتِقها؛ كما لو أعْتَقَها مالِكُها، وعبَّرَ المؤلِّفُ بالبائع؛ لأِنَّ البَيعَ أغْلَبُ من غيرِه. وظاهِرُه: أنَّه لَيس لها ذلك إنْ كان البائعُ يَطَؤُها؛ لِمَا فيه من اخْتِلاطِ

стр. 5164

المياه واشتَباهِ الأنْساب، والتَّمكينِ مِنْ وَطْءِ امْرأةٍ لا يَعلَمُ براءةَ رَحِمِها. والفَرْقُ بَينَ الموطوءة وغيرِها: أنَّ الموطُوءةَ فِراشٌ، فلم يَحِلَّ وَطْؤُها حتَّى يَعلَمَ بَراءةَ رَحِمها (١)؛ كزوجةِ الغَيرِ، وغَيرَ الموطوءة فإنَّها لَيستْ فِراشًا، فلم يَتوقَّفْ على ذلك. وبَينَ المشْتَرِي وغَيرِه: أنَّ المشْتَرِيَ لا يَحِلُّ له وَطْؤها بملْكِ اليمين، فكذا النِّكاحُ؛ لأِنَّه يُتَّخَذُ حِيلةً لِإبْطالِ الاِسْتِبْراءِ، والحِيَلُ كلُّها خدعٌ (٢) باطِلَةٌ. (وَالصَّغِيرَةُ التِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا، هَلْ يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَ الخِلافَ في «المحرَّر» و «الفروع»، وحَكَياهُ رِوايتَينِ: إحداهما: يَجِبُ، وهو ظاهِرُ كلامه في أكْثَرِ الرِّواياتِ عنه، فإنَّه قال: تُسْتَبْرَأُ وإنْ كانَتْ في المَهْدِ (٣)، وتحرم (٤) مُباشَرَتُها كالكبيرة؛ لأِنَّ الاِسْتِبراءَ يَجِبُ عليها بالعِدَّة، كذلك هذا. والثَّانيةُ: لا يَجِبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الشَّرح»، واخْتارَه ابنُ أبي مُوسَى؛ لأنَّ (٥) سببَ الإباحة مُتحَقِّقٌ، ولَيسَ على تحريمها دليلٌ، فإنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنصوص، ولا يُرادُ لِبَراءَةِ الرَّحِم، ولا يُوجَدُ الشُّغْلُ في حقِّها. (وَإِنِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ)؛ لم يَلزَمْه اسْتِبْراءٌ؛ لأِنَّها فِراشٌ له، لكِنْ يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لِيَعلَمَ هذا الولدَ من النِّكاح؛ لِيَكونَ عليه وَلاؤه؛ لأِنَّه عَتَقَ بملْكه، ولا تَصِيرُ به أمَّ ولدٍ.

стр. 5165

وأوْجَبَه بعضُ أصحابنا؛ لِتَجدُّدِ الملْك، قاله في «الرَّوضة»، قال: ومتى وَلَدَتْ لستَّةِ أشْهُرٍ فأكثرَ؛ فأمُّ ولدٍ، ولو أنْكَرَ الولدَ بَعْدَ أنْ يُقِرَّ بِوَطْئِها، لا لأِقلَّ منها، ولا مع دَعْوَى اسْتِبراءٍ. وكذا لو اشْتَرَى مطلَّقتَه (١) دُونَ الثَّلاث؛ لم يَجِبْ، وله وَطْؤُها، وقِيلَ: يُكرَهُ. (أَوْ عَجَزْتْ مُكَاتَبَتُهُ (٢)؛ حلَّت لِسيِّدِها بغَيرِ اسْتِبراءٍ؛ لأِنَّه لم يَزُلْ ملْكُه. (أَوْ فَكَّ أَمَتَهُ مِنَ الرَّهْنِ)؛ حلَّت بغَيرِ خلافٍ (٣)؛ لأِنَّ الاِسْتَبْراءَ إنَّما شُرِعَ لِمَعْنَى مَظنَّةِ تجديدِ الملْكِ، فلا يُشرَعُ مع تَخلُّفِ المظنَّةِ والمعْنَى. (أَوْ أَسْلَمَتِ الْمَجُوسِيَّةُ، أوْ الْمُرْتَدَّةُ، أوْ الْوَثَنِيَّةُ (٤) الَّتِي حَاضَتْ عِنْدَهُ)؛ فإنَّها تَحِلُّ، وهذا هو الأصحُّ؛ لأِنَّ الملْكَ لم يَتجَدَّدْ بالإسلام، ولا أصابَ واحِدَةً منهنَّ وَطءُ غَيرِه، فلم يَلزَمْه اسْتِبْراءٌ، أشْبَهَ ما لو حلَّت المحْرِمَةُ مِنْ إمائه. والآخَرُ: لا تَحِلُّ له (٥) حتَّى يُجدِّدَ اسْتِبْراءَها بَعْدَ إسْلامِها؛ لأِنَّ ملْكَه تَجدَّدَ على اسْتِمْتاعِها، أشْبَهَ ما لو تجدَّد ملْكُه على رَقَبَتِها. وجوابُه: أنَّ الاِسْتِبْراءَ إنَّما وَجَبَ كَيْ لا يُفْضِيَ إلى اخْتِلاطِ المِياه واشْتِباهِ الأنْساب، ومَظنَّة ذلك تجديدُ الملك على رَقَبَتِها، ولم يُوجَدْ. أمَّا إذا ملكهُنَّ (٦) قبلَ الاِسْتِبْراء؛ لم تحلَّ (٧) له واحدةٌ مِنهُنَّ حتَّى

стр. 5166

يَستَبْرِئَها، أوْ تُتِمَّ ما بَقِيَ مِنْ اسْتِبْرائها. ومَفْهومُ كلامِه: أنَّ مَنْ ذَكَرَ إذا لم يَحِضْنَ عِندَه؛ أنَّه لا يَجوزُ للمُشْتَرِي الوطءُ قبلَ الاِسْتِبْراء، وصرَّح به في «المغْنِي» وغَيره؛ لِدُخُوله في عُموم الأخبار، ولأنَّ (١) ذلك تجديدُ ملْكٍ لم يَحصُلْ فيه اسْتِبْراءٌ، فلم يحلَّ (٢) الوطءُ قَبلَه؛ كالمسِلْمة. (أَوْ كَانَ (٣) هُوَ المُرْتَدَّ فَأَسْلَمَ)، فهِيَ حَلالٌ بغَيرِ اسْتِبْراءٍ؛ لأِنَّ إسْلامَه لم يَتجدَّدْ له به ملْكٌ، أشْبَهَ إسْلامَ المرتدَّة (٤). (أَوِ اشْتَرَى مُكَاتَبُهُ ذَوَاتِ رَحِمِهِ، فَحِضْنَ عِنْدَهُ، ثُمَّ عَجَزَ (٥)؛ حلَّتْ للسَّيِّد بغَيرِ اسْتِبْراءٍ، ذَكَرَه أصْحابُنا؛ لأِنَّه يَصِيرُ حُكْمُها حُكْمَ المكاتَب؛ إنْ رَقَّ رَقَّتْ، وإنْ عَتَقَ عَتَقَتْ، والمُكاتَبُ عبدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ. وفي (٦) وَجْهٍ: يَجِبُ الاِسْتِبْراءُ، صحَّحه في «المحرَّر»؛ للعُموم. وظاهِرُه: أنَّ المُكاتَبَ إذا اشْتَرَى غَيرَ مَحارِمِه، ثُمَّ عَجَزَ؛ لا تَحِلُّ له بغَيرِ اسْتِبْراءٍ، وصرَّح به (٧) في «الكافي» وغَيره؛ لأِنَّه لَيسَ للسَّيِّد ملْكٌ على ما في يَدِ مُكاتَبِه، ولأِنَّه تجدَّدَ له ملْكٌ. (أَوِ اشْتَرَى عَبْدُهُ التَّاجِرُ أَمَةً فَاسْتَبْرأهَا (٨)، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ)؛ أيْ: بَعْدَ اسْتِبْرائها؛ (حَلَّتْ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ)؛ لأِنَّ ملْكَه ثابِتٌ على ما في يَدِ عَبْدِهِ.

стр. 5167

وقِيلَ: إنْ كانَ عليه دَينٌ؛ قَضاهُ سيِّدُه، ثُمَّ استبرأها (١) لِنَفْسِه. (وَإِنْ وُجِدَ الاِسْتِبْرَاءُ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ أَجْزَأَ) في أظْهَرِ الوَجْهَينِ؛ لأِنَّ الملْكَ يَنتَقِلُ به. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يُجْزِئَ)؛ لأِنَّ القَصْدَ مَعرفةُ بَراءةِ رَحِمِها مِنْ ماءِ البائع، ولا يحصل (٢) ذلك مع كونِها في يَدِه. وعنه: لا يُجزِئُ إلاَّ في المَوروثةِ. ويَكْفِي قَبْضُ الوكيل على الأصحِّ، فلو مَلَكَ بعضَها، ثُمَّ مَلَكَ باقِيَها؛ لم يَحتَسِبْ إلاَّ مِنْ حِينَ مَلَكَ باقِيَها. فإنْ مَلَكَها بِبَيعِ خِيارٍ؛ فَهَلْ يُجزِئُ اسْتِبراؤها إذا قُلْنا يُنقَلُ (٣) المِلك؟ على وَجْهَينِ (٤). وإنْ كانَ المَبِيعُ مَعِيبًا؛ فابْتِداؤه مِنْ حِين البَيعِ؛ لأِنَّ العَيبَ لا يَمنَعُ نَقْلَ الملْكِ بغَيرِ خِلافٍ (٥). (وَإِنْ بَاعَ أَمَتَهُ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ القَبْضِ (٦)؛ وَجَبَ اسْتِبْرَاؤُهَا)؛ أيْ: حَيثُ انْتَقَلَ الملْكُ؛ لأِنَّه تجديدُ ملْكٍ، سَواءٌ كان المشْتَرِي لها رجلاً أو امرأةً. (وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): قال ابنُ هُبَيرةَ: أظْهَرُهما: أنَّه يَجِبُ؛ لأِنَّه تجديدُ ملْكٍ.

стр. 5168

والثَّانيةُ: لا، وهي قَولُ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّه لا فائدةَ في الاِسْتِبْراء مع يقينِ البراءة، وكما لو اشْتَراها منه امرأةٌ. ولو فُسِخَ كخِيارِ شرطٍ، وقُلْنا: يُمنَعُ نقلُ الملك؛ لم يَلْزَمْه اسْتِبْراءٌ، وإنْ قُبِضَت منه، قاله في «المحرَّر». ويَكفِي اسْتِبراءُ مَنْ مَلَكَ بشراءٍ ووصية (١) وغنيمةٍ وغيرِها قبلَ قَبْضٍ. (وَإِنِ اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجَةً فَطَلَّقَهَا (٢) الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لَزِمَ (٣) اسْتِبْرَاؤُهَا)، نَصَّ عليه (٤)، وقال: هذه حيلةٌ وَضَعَها بَعضُهم؛ لأِنَّه تجديدُ ملْكٍ؛ كما (٥) لو لم تَكُنْ مُزَوَّجةً، ولأِنَّ إسْقاطَه هنا ذريعةٌ إلى إسْقاطِه في حقِّ مَنْ أرادَ إسقاطه (٦) بأنْ تزوَّجها (٧) عندَ بَيعِها، ثُمَّ يُطلِّقُها زَوجُها بعدَ تمامِ البيع، والحِيلُ حرامٌ. وكذا لو اشْتَرَى مُطلَّقةً قبلَ الدُّخول. وإنْ طلِّقَتْ بعدَ الدُّخول، أوْ ماتَ زَوجُها قبلَه أوْ بعدَه، أو اشْتَرَى مُعتدَّةً؛ ففي وُجوبِ الاِسْتِبْراء بعدَ العِدَّة وَجْهانِ: أحدهما: لا تَجِبُ؛ لأِنَّ براءَتَها قد عُلِمَتْ بها. والثَّاني: بَلَى؛ كالعِدَّتَينِ من رَجُلَينِ. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ؛ لَمْ يَجِبْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، صحَّحه ابنُ المنَجَّى، وهو

стр. 5169

ظاهِرُ «الوجيز»؛ لأِنَّ الاِسْتِبْراءَ لِبَراءةِ رَحِمِها، وذلك حاصِلٌ بالعدَّة؛ كما (١) لو عَتَقَتْ. والثَّاني: يَجِبُ؛ لِمَا سَبَقَ. فرع: إذا زوَّج أَمَتَه فطُلِّقَتْ؛ لم يَلزَمْه اسْتِبْراءٌ إلاَّ إنْ كان دَخَلَ بها، أوْ ماتَ، فإنَّها تَعتَدُّ. (الثَّانِي: إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ، ثُمَّ أَرَادَ تَزْوِيجَهَا؛ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا)، وَجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ الزَّوجَ لا يَلزَمُه اسْتِبْراءٌ، فيُفْضِي إلى اخْتِلاطِ المياه واشْتِباهِ الأَنْسابِ. وعنه: يَصِحُّ بِدُونِه، ولا يَطَأُ الزَّوجُ قَبْلَه، نَقَلَه الأَثْرَمُ وغَيرُه (٢). وجَوابُه: أنَّها فِراشٌ لِسيِّدها، فلَمْ يَجُزْ أنْ تنتقل (٣) إلى فِراشِ غَيرِه بغَيرِ استِبْراءٍ؛ كما لَوْ مَاتَ عنها. (وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهَا) ونحوَه؛ (فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «الفروع»: إحْداهما: يَجِبُ، صحَّحَها في «الشَّرح» فِيما إذا كانَتْ تَحمِلُ؛ لأِنَّ عمرَ أنْكَرَ على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ؛ باعَ جارِيةً له كان (٤) يَطَؤُها قبلَ اسْتِبْرائها (٥)، ولأِنَّه يَجِبُ على المشْتَرِي لِحِفْظ مائه، فكذلك (٦) البائعُ، ولأِنَّه قَبْلَ الاِسْتِبْراء مَشْكوكٌ في صحَّةِ البيع وجَوازِه؛ لاِحْتِمالِ أنْ تكونَ أمَّ وَلَدٍ،

стр. 5170

وحِينَئِذٍ يَجِبُ الاِسْتِبْراءُ؛ لِإزالةِ الاِحْتِمالِ. فعلى هذا: في صحَّةِ البيع رِوايَتانِ، جَزَمَ في «الشَّرح» بصحَّتِه في الظَّاهِر؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ الحَمْل. والثَّانيةُ: لا يجب (١)، قدَّمها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وهي قَولُ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه يَجِبُ على المشْتَرِي، فأغْنَى عن اسْتِبْراءِ البائع. قال في «المغْنِي»: وذَكَرَ أصحابُنا الرِّوايَتَينِ في كلِّ أَمَةٍ يَطَؤها، مِنْ غَيرِ تفريقٍ بَينَ الآيِسة وغَيرِها، والْأَوْلَى أنَّه لا يَجِبُ في الآيِسة؛ لأِنَّ عِلَّةَ الوُجوب احْتِمالُ الحَمْل، وهو بعيدٌ، والأصْلُ عَدَمُه، فلا يثْبتُ به حكمٌ بمجرَّده. والثَّالِثةُ: يَلزَمُه ولو لم يَطَأْ، ذكرها (٢) أبو بكرٍ في «مقنعه» واختارها. ونقَلَ حنبلٌ: فإنْ كانَتِ البائعةُ امرأةً، قال: لا بُدَّ أنْ يَسْتَبْرئَها، وما يُؤمِنُ أنْ تكونَ قد جاءتْ بحَمْلٍ، وهو ظاهر (٣) ما نَقَلَه جماعةٌ (٤). (وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِبْرَاؤُهَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ)؛ لأِنَّه قد حَصَلَ يَقينُ براءتها منه. (الثَّالِثُ: إِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَوْ أَمَةً كَانَ يُصِيبُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا؛ لَزِمَهَا اسْتِبْرَاءُ نَفْسِهَا)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدةٍ منهما مَوطُوءةٌ وَطْئًا له حُرْمةٌ، فَلَزِمَها اسْتِعْلَامُ براءةِ رَحِمِها؛ كالمَوطوءةِ بشُبْهةٍ، (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ مُزَوَّجَةً، أَوْ مُعْتَدَّةً)، أوْ فَرَغَتْ عِدَّتُها مِنْ زَوجها؛ فأعْتَقَها وأراد تزويجَها قبلَ وَطْئِها؛ (فَلَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ)؛ لأِنَّه زالَ فِراشُه عنها قَبْلَ وُجوبِ الاِسْتِبْراءِ؛ كما لو طلَّق امرأتَه قَبْلَ دخوله بها.

стр. 5171

وكذا لو أراد تزويجها (١)، أو اسْتَبْرَأَ بَعْدَ وَطْئِه، ثُمَّ أعْتَقَها، أوْ باعَها فأعْتَقَها مُشْتَرٍ قَبْلَ وَطْئِها. فإنْ بانَتْ من الزَّوج قَبْلَ الدُّخول بطَلاقٍ، أوْ بانَتْ بمَوتِ زَوجِها، أوْ طلاقِه بعدَ الدُّخول فأتمَّتْ عِدَّتَها، ثُمَّ ماتَ سيِّدُها؛ لَزِمَها الاِسْتِبْراءُ؛ لأِنَّها عادَتْ إلى فِراشِه. ونَقَلَ ابنُ القاسِمِ، وسِنْدِيٌّ: أنَّه لا اسْتِبْراءَ إنْ لم يَطَأْ؛ لزَوالِ فِراشِه بتزويجها (٢). (وَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ يُعْلَمِ السَّابِقُ مِنْهُمَا)، أوْ عُلِمَ ثُمَّ نُسِيَ، (وَبَيْنَ مَوْتِهِمَا أَقَلُّ مِنْ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ؛ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الآْخِرِ مِنْهُمَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنَ الْوَفَاةِ حَسْبُ)؛ لأِنَّ السَّيِّدَ إنْ كان ماتَ أوَّلاً؛ فقد ماتَ وهي زَوجةٌ، وإنْ كان مات آخرًا (٣)؛ فقد ماتَ وهي مُعتدَّةٌ، ولا اسْتِبْراءَ عَلَيها على التقديرين (٤). وفي «الواضح»: تَعتَدُّ بأربعةِ أشْهُرٍ وعَشَرَةِ أيَّامٍ فِيها حَيضَةٌ في ظاهِرِ المذهب؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يكونَ السَّيِّدُ ماتِ أوَّلاً؛ فَيَجِبُ عليها عِدَّةُ حرَّةٍ، ويَحتَمِلُ أنْ يكونَ الزَّوجُ أسْبَقَ؛ فَيَجِبُ عليها حَيضةٌ، فجَمَعْنا بَينَهما احْتِياطًا، وعلى الرِّواية بأنَّ أمَّ الولَدِ تَعتَدُّ بثَلاثِ حِيَضٍ؛ هنا مِثلُه. وقَولُ المؤلِّف: (بَعْدَ مَوتِ الآخِرِ) مَعْناهُ: أنَّ عدَّةَ الوفاة يَجِبُ أنْ يكونَ ابتداؤها بَعْدَ مَوتِ الآخِرِ مَوتًا؛ لأِنَّها لا تَعلَمُ خروجَها من عهدة (٥) العِدَّة

стр. 5172

بيقينٍ إلاَّ بذلك؛ لأِنَّ الزَّوجَ إنْ كانَ الميِّتَ آخِرًا؛ فالعِدَّةُ واجِبَةٌ من ذلك الوَقْتِ، فالخُروجُ عن العُهْدة بيَقِينٍ لا تحصل (١) إلاَّ بالاِعْتِداد مِنْ مَوتِ الآخِرِ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ جُهِلَتِ الْمَدَّةُ؛ لَزِمَهَا بَعْدَ مَوْتِ الآْخِرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ أَوِ الاِسْتِبْرَاءِ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنَّ الزَّوجَ ماتَ آخِرًا؛ فعليها عدَّةُ الحُرَّة، ويحتمل (٢) أنَّ السَّيِّدَ ماَتَ آخرًا (٣)؛ فَعَلَيها الاِسْتِبْراءُ بحَيضةٍ، فَوَجَبَ الجَمْعُ بَينَهما؛ لِيَسقُطَ الفَرْضُ بيَقينٍ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: على هذا جميعُ القائِلينَ بأنَّ عدَّةَ أمِّ الوَلَدِ مِنْ سيِّدها حَيضةٌ، ومِن زَوْجِها شَهْرانِ وخمسةُ أيَّامٍ (٤). وعنه: تَعتَدُّ أمُّ ولدٍ بموت (٥) سيِّدها لِوفاةٍ؛ كحرة (٦). وعَنهُ: كأَمَةٍ. وإنِ ادَّعت مَوْروثةٌ تحريمَها على وارِثٍ بوَطءِ مورُوثِهِ (٧)؛ ففي تَصدِيقِها وَجْهانِ. فرعٌ: لا تَرِثُ من الزوج (٨)؛ لأِنَّه الأصلُ، فلا ترث (٩) مع الشَّكِّ، وإيجابُ العدة (١٠) اسْتِظْهارًا،

стр. 5173

لا (١) ضَرَرَ فيه على غيرِها، بخِلافِ الإرث. (وَإِنِ اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فِي وَطْءِ أَمَةٍ؛ لَزِمَهَا اسْتِبْرَاآنِ) في الأصحِّ؛ لأِنَّ الاستبراء منهما حَقَّانِ مقصودان (٢) لآِدَمِيَّيْنِ، فلم يَدخُلْ أحدُهما في الآخَرِ؛ كالعِدَّتَينِ. واخْتارَ ابنُ حَمْدانَ: اسْتِبْراءٌ واحدٌ؛ لأِنَّ القَصْدَ به معرفةُ براءةِ الرَّحم، وصرَّح (٣) به في «الشَّرح»، فقال (٤): إذا كانَت الأَمَةُ لِرَجُلَينِ فَوِطئاها، ثُمَّ باعاها (٥) لآِخَرَ؛ أَجْزَأَ اسْتِبْراءٌ واحِدٌ؛ لأِنَّه تَحصُلُ (٦) به براءةُ الرَّحِم، فلو أعْتَقاها لَزِمَها استبراءان؛ لأِنَّ وجوبَه في حقِّ المعتدَّة مُعلَّلٌ بالوطء، وقد وُجِدَ من اثْنَينِ، وفي مسألتنا مُعلَّلٌ بتجديدِ الملْك، والملْكُ واحِدٌ.

стр. 5174

(فَصْلٌ) (وَالاِسْتِبْرَاءُ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إِنْ كَانَتْ حَامِلاً)؛ للآية، والخبرِ (١)، والمعْنَى. (أَوْ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مَمَّنْ يَحِيضُ)، لا بِبَقِيَّتِها، وفي لفظٍ: «حتَّى تُستَبْرَأَ بِحَيضةٍ» (٢). وتُصدَّقُ في حَيضٍ، فلو أنْكَرَتْه، فقال: أخْبَرْتِنِي به؛ فوجْهانِ. وَوَطْؤُه في مُدَّةِ الاِسْتِبْراءِ حرامٌ، ولا يَقطَعُه، وإنْ أحْبَلَها فيه اسْتُبْرِئَتْ بِوَضْعه، وإنْ أَحْبَلَها في الحَيضة؛ حلَّت في الحال؛ لأِنَّ ما مَضَى حَيضة. (أَوْ بِمُضِيِّ شَهْرٍ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الشَّهرَ أُقيم (٣) مُقام (٤) الحَيضة في عِدَّةِ الحُرَّة والأَمَة، وكذا بالِغةٌ لم تَحِضْ، فإنْ حاضَتْ فيه؛ اعْتَدَّتْ بِحَيضةٍ. (وَعَنْهُ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ)، نَقَلَها الجماعةُ (٥)، (اخْتَارَهُ الخِرَقِيُّ) وابنُ عَقِيلٍ، قال في «الكافي»: وهي (٦) أظْهَرُ، وقال ابنُ حَمْدانَ: وهي أَوْلَى، قال أحمدُ (٧): وإنَّما قُلْنَا: بثلاثةِ أشْهُرٍ من أجل الحَمْل، فإنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز

стр. 5175

سأل عن ذلك جَمْعًا من أهل العِلْم والقَوابِل فأخْبَرُوهُ أنَّ الحَمْلَ لا يتبين (١) في أقلَّ مِنْ ثلاثةِ أشْهُرٍ، فأمَّا شَهْرٌ؛ فلا معنى (٢) له، ولا نَعلَمُ به قائلاً. وعنه: بشَهْرَينِ وعنه: بشهرٍ ونِصفٍ؛ كالأَمَة المطلَّقة. (وَإِنِ ارْتَفَعَ حَيْضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، فَبِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (٣)؛ لأِنَّ مدَّةَ التَّربُّص تِسعةُ أشْهُرٍ، والشَّهرُ العاشِرُ بدل الحَيضة. وقِيلَ: ونِصفٌ. وقِيلَ: بأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. وعنه: بسنة (٤)؛ كالآيِسة. والفَرْقُ: أنَّ اعْتِبارَ تكرارِها في الآيِسة؛ لِتُعلَمَ براءتُها منه بمُضِيِّ غالِبِ مُدَّته، فجَعَلَ أحمدُ الشَّهرَ مَكانَ الحَيضة على وَفْقِ القياس (٥). وظاهِرُه: أنَّها إذا عَلِمَتْ ما رَفَعَه؛ فإنَّها تَعتَدُّ كحُرَّةٍ. (وَعَنْهُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا مَاتَ سَيِّدُهَا: اعْتَدَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)، وقاله الثَّورِيُّ، وإسْحاقُ، ورَوَى أبو داودَ، وابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيهَقِيُّ، عن (٦) قَبيصةَ بنِ ذُؤَيْبٍ، عن عَمْرِو بنِ العاص، قال: «لا تُفْسِدُوا عَلَينا سُنَّةَ نَبِيِّنا ﷺ ، عِدَّةُ أمِّ الولد إذا تُوُفِّيَ عنها سيدها (٧): أربعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ (٨)»، قال

стр. 5176

الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّوابُ أنَّه مَوقُوفٌ، وهو مُرسَلٌ؛ لأنَّ (١) قَبيصةَ لم يَسمَعْ من عمرو (٢)، «ومارِيَّةُ اعْتَدَّتْ بَعْدَ النَّبيِّ ﷺ بثَلاثِ حِيَضٍ» رواه البَيهَقِيُّ، وقال: هو مُنقَطِعٌ (٣). (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ)؛ أيْ: تُستبرَأُ بحَيضةٍ، رواهُ مالِكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ (٤)، وقال: ذلك الأمرُ عِندَنا، وقال ابنُ المنذِر: (ضَعَّفَ أحمدُ وأبو عُبَيدٍ حديثَ عمرو) (٥)، ولأِنَّ (٦) الغَرَضَ براءةُ رَحِمِها، وهو (٧) يَحصُلُ بحَيضةٍ. وعَنْهُ: بشَهْرَينِ وخمسةِ أيَّامٍ، قال المؤلِّفُ: ولا أظنها صحيحةً، ورُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ وطاوُس وقتادة؛ كما لو مَاتَ عن زَوجته الأَمَةِ، ثُمَّ عَتَقَتْ بعدَ مَوتِه.

стр. 5177

وجَوابُه: أنَّه (١) اسْتِبْراءٌ لزوال الملْكِ عن الرَّقَبة، فكانَتْ حَيضةً في حقِّ مَنْ تَحيضُ؛ كسائر اسْتِبْراءِ المعْتَقاتِ والمَمْلوكات، وإنَّما لم يُعتَبَر استبراء الزَّوجة؛ لأِنَّ له نَفْيَ الوَلَد باللِّعان، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ عن أبي (٢) بكرٍ الشَّاشيِّ (٣). مسألة: إذا اشْتَرَى جاريةً، فظَهَرَ بها حَمْلٌ؛ لم يخل (٤) من خمسةِ أحْوالٍ: (١) أنْ يكونَ البائعُ أقرَّ بِوَطْئِها عِنْدَ البَيع أوْ قَبْلَه، وأتَتْ به لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ، أوْ يكونَ البائعُ ادَّعاهُ وصدَّقَه المشْتَرِي؛ فهو ولدُ البائع، والبَيعُ باطِلٌ. (٢) أنْ يكونَ كلُّ واحِدٍ منهما اسْتَبْرَأَها، وأتَتْ به لأِكْثَرَ مِنْ ستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ حِينَ وَطِئَها المشْتَرِي؛ فالولدُ للمشتري (٥)، وهي أمُّ وَلَدِه. (٣) أنْ تأتيَ به لأِكْثَرَ مِنْ ستَّةِ أشْهُرٍ بَعْدَ اسْتِبْراءِ أحدهما، ولأِقلَّ من ستَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَها المشتري (٦)؛ فلا يلحق (٧) واحدًا منهما، وتكون (٨) ملْكًا للمُشْتَرِي، ولا يَملِكُ فَسْخَ البَيع؛ لأِنَّ الحَمْلَ تجدَّدَ في ملْكِه ظاهِرًا. (٤) أنْ تأتيَ به بَعْدَ ستَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ وَطِئَها المشْتَرِي قَبْلَ اسْتِبرائها؛ فنَسَبُه

стр. 5178

لاحِقٌ بالمشْتَرِي، فإنِ ادَّعاهُ البائعُ، فأقرَّ له المشْتَرِي؛ لَحِقَه وبَطَلَ البَيعُ، وإنْ كذَّبَه؛ فالقَولُ قَولُ المشْتَرِي، وإنِ ادَّعاهُ كلٌّ منهما؛ عُرِضَ على القافَة. (٥) أتَتْ به لأِقلَّ مِنْ ستَّةِ أشْهُرٍ مُنذُ باعَها، ولم يكُنْ أقرَّ بِوَطْئِها؛ فالبَيعُ صحيحٌ في الظَّاهِر، والولدُ مَمْلوكٌ للمُشْتَرِي، فإنِ ادَّعاه البائعُ؛ فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا في القِسْمِ الثَّالِث، واللهُ أعْلَمُ بالصواب (١).

стр. 5179

(كِتَابُ الرَّضَاعِ) الرّضاعُ: بفَتْحِ الرَّاء وكَسْرِها، مَصدَرُ رَضعَ الثَّدْيَ إذا مَصَّه، بفَتح الضَّاد وكَسْرِها، قال ابنُ الأعرابيِّ: الكَسْرُ أفْصَحُ، وله سَبْعُ مَصادِرَ. وقال المُطَرِّزِيُّ في «شرحه» (١): امرأةٌ مُرضِعٌ إذا كانَتْ تُرضِعُ ولدَها ساعةً بَعْدَ ساعةٍ، وامرأةٌ مُرضِعةٌ إذا كان (٢) ثَديها في (٣) فِيْ وَلَدِها، قال ثَعلَبٌ: ويَدُلُّ عليه قَولُه تعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ (٤). وقِيلَ: المرْضِعةُ الأُمُّ، والمُرْضِعُ: التي معها صبيٌّ تُرضِعُه، والوَلَدُ: رَضِيعٌ وراضِعٌ. وشَرعًا: وُصولُ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ إلى جَوفِ صغيرٍ حيٍّ. وأَوْلَى منه: مصُّ (٥) لَبَنٍ ثَابَ مِنْ حَمْلٍ، مِنْ ثَدْيِ امرأةٍ، أوْ شُرْبُه ونحوُه. وأصلُ التَّحريم ثابِتٌ بالإجْماع (٦)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، والأحاديثُ شهيرةٌ بذلك، وقد ثَبَتَ تحريمُ الأمِّ والأُخْت بالنَّصِّ، وتَحريمُ البِنْت وغَيرِها ثَبَتَ بالسُّنَّة، ولأِنَّها إذا حَرُمَت الأُخْتُ؛ فالْبِنْتُ أَوْلَى.

стр. 5180

(وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ)، قاله النَّبيُّ ﷺ حِينَ أُرِيدَ على ابْنَةِ حَمْزةَ، فقال: «إنَّها (١) لا تَحِلُّ لي، إنَّها لَابْنَةُ أخِي من الرَّضاعة، ويَحرُمُ مِنْ الرَّضاعة ما يَحرُمُ من النَّسب» مُتَّفَقٌ عليه مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وعن عائشةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «الرّضاعُ يُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الوِلادةُ» مُتَّفَقٌ عليه (٣). (وَإِذَا حَمَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ رَجُلٍ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ)؛ أيْ: يكونُ لاحِقًا بالواطِئِ، يَحتَرِزُ بذلك: عن (٤) الوَلَدِ المنفَيِّ باللِّعان ونحوِه؛ (فَثَابَ لَهَا لَبَنٌ)، يُخرِجُ بذلك: ما لو كان لها لَبَنٌ مِنْ غَيرِه، فإنَّه لا يكونُ ولدًا للرَّجل؛ لأِنَّ اللَّبنَ لَيسَ منه، (فَأَرْضَعَتْ (٥) بِهِ طِفْلاً؛ صَارَ وَلَدًا لَهُمَا)؛ أيْ: للمرأة (٦) بغَيرِ خِلافٍ (٧)، وكذا لِمَنْ يُنسَبُ الحَمْلُ إليه، (فِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالى عَطَفَ الأمَّ من الرَّضاع على المحرَّمات نكاحُهنَّ من النسب (٨)، (وَإِبَاحَةِ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ)؛ لأِنَّ الأمَّ من الرَّضاعِ مُحرَّمةٌ على التَّأْبيد، أشْبَهَت الأمَّ من النَّسَب، (وَثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ)؛ لأِنَّها فَرْعٌ على التَّحريم إذا كان بسببٍ مُباحٍ. وفي ذلك إشْعارٌ بأنَّه لا يَصِيرُ وَلَدًا في شَيءٍ مِنْ بقيَّةِ أحْكامِ النَّسَب؛ من النَّفقة، والعِتْق، وردِّ الشَّهادة، وغيرِ ذلك؛ لأِنَّ النَّسَبَ أقْوَى منه، فلا يُقاسُ عليه. (وَأَوْلَادُهُ وَإِنْ سَفَلُوا أَوْلَادُ وَلَدِهِمَا)؛ لأِنَّهم أوْلادُ الطِّفل، وهو وَلَدُهما.

стр. 5181

(وَصَارَا أَبَوَيْهِ)؛ لأِنَّه ولدهما (١)، (وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ)، وجميعُ أقارِبهما يُنسَبونَ إلى المرتَضِع، كما يُنسَبونَ إلى وَلَدِهما من النَّسَب؛ لأِنَّ اللَّبَنَ الذي ثابَ للمرأة مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الرَّجُل والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحريمَ إلَيهِما، ونَشَرَ الحُرْمةَ إلى الرَّجُل وإلى أقاربه، وهو الذي يُسَمَّى لَبَنَ الفَحْلِ؛ لقَولِه ﷺ لِعائشةَ لَمَّا سَأَلَتْه عن أفْلَحَ حِينَ قال لها: أتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وأنا (٢) عمُّكِ، فقالَتْ: كَيفَ ذلك؟ فقال (٣): أرْضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبَنِ أخي (٤)، فقال: «صَدَقَ أفْلَحُ، ائْذَنِي له» مُتَّفَقٌ عليه، ولَفْظُه للبُخاريِّ (٥)، وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ له جارِيَتانِ، فأرْضَعَتْ إحْداهُما جاريةً، والأُخْرَى غُلامًا؛ أيَحِلُّ للغُلامِ أنْ يَتزَوَّجَ الجاريةَ؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحِدٌ» رواهُ مالِكٌ، والتِّرمذي وقال: هذا تَفْسيرُ لَبَنِ الفَحْلِ (٦). (وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا؛ أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أخْتِهم، (وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ؛ أَعْمَامَهُ (٧) وَعَمَّاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أَخِيهِم. (وَتُنْشَرُ (٨) حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ (٩) أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ الرّضاعَ كالنَّسَب، والتَّحريمُ في النَّسَب

стр. 5182

يَشْمَلُ وَلَدَ الولدِ وإنْ سَفَلَ، فكذا في (١) الرَّضاع. (وَلَا يَنْشُرُ إِلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ)؛ أي: المرتَضِع، (مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ)؛ لأِنَّها لا تَنشر (٢) في النَّسَب، فكذا في الرَّضاع. (وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ؛ مِنْ آبَائِهِ، وَأُمَّهَاتِهِ، وَأَعْمَامِهِ، وَعَمَّاتِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّ الحُرْمةَ إذا لم تُنشَر (٣) إلى مَنْ هُو في الدَّرِجة؛ فلأن لا تُنشَر (٤) إلى مَنْ هو أعْلَى منه بطَريقِ الأَوْلَى. (فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي (٥) الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَلَا أُمُّ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتُهُ عَلَى أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا أَخِيهِ (٦)، فيَجوزُ للمُرْضِعةِ نكاحُ أَبِي الطِّفْل المرتَضِع، وأخِيهِ، وعمِّه، وخالِه. ولا يَحرُمُ على زَوجِ المرضِعة (٧) نكاحُ أمِّ الطِّفل المرتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالَتِه. ولا بَأْسَ أنْ يَتزوَّجَ أوْلادُ المرْضِعة وأوَلادُ زَوجِها إخْوةَ الطِّفل المرتَضِعِ وأخَواتِه، قال أحمدُ: (لا بأس (٨) أنْ يَتزَوَّجَ الرَّجلُ أُخْتَ أخيهِ من الرّضاع، لَيسَ بَينَهما رضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرّضاعُ بَينَ الجارِيَةِ وأخِيهِ) (٩). وفي «الرَّوضة»: لو ارْتَضَعَ ذَكَرٌ وأُنْثَى من امْرأةٍ؛ صارَتْ أُمًّا لهما (١٠)،

стр. 5183

فلا يَجوزُ لأِحَدِهما أنْ يَتزَوَّجَ بالآخَرِ، ولا بأخَواتِه الحادِثاتِ بعده (١)، ولا بَأْسَ بتَزويجِ أخَواتِه الحادِثاتِ قَبْلَه، ولِكُلٍّ مِنْهُما أنْ يَتزوَّجَ أُخْتَ الآخَرِ. (وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَى طِفْلاً؛ صَارَ وَلَدًا لَهَا)؛ لأِنَّه رَضَعَ مِنْ لَبَنِها حقيقةً، (وَحَرُمَ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه وَلَدُ مَوطُوءَتِه من الوَطْءِ الحرامِ، وهو كالحلال (٢)، (وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبوتِ المحْرَمِيَّةِ بَينَ المرتَضِعِ وبَينَ الرَّجل الذي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِه: أنْ يكونَ لَبَنُ حَمْلٍ يُنْسَبُ إلى الواطئ (٣)، فأمَّا وَلَدُ الزِّنى ونَحوِه فلا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ)؛ أيْ: ينشر (٤) الحُرمةَ بَينَهما؛ أيْ: بَينَه وبَينَ الواطِئِ؛ لأنه (٥) مَعْنًى ينشر (٦) الحرمة، فاسْتَوَى مُباحُه ومَحظُورُه؛ كالوطء، ولأِنَّه رضاعٌ يَنشُر الحُرْمةَ إلى المرضِعة، فنَشَرَها إلى الواطِئ؛ كصُورةِ الإجْماع. وفي مَسائِلِ صالِحٍ: حدَّثنا أبي، عن سُفْيانَ، عن عَمْرٍو، عن أبي الشَّعْثاء، عن عِكْرَمةَ، في رجُلٍ فَجَرَ بامرأةٍ، فرآها (٧) تُرضِعُ جاريةً؛ هل تَحِلُّ له أمْ لا؟ قال: لا (٨)، قال أبي: وبهذا (٩) أَقُولُ أنا (١٠).

стр. 5184

والأوَّل أَوْلَى، ويُفرَّقُ بَينَها (١) وبَينَ ابْنَتِه من الزِّنى، فإنَّها من (٢) نُطْفَتِه حقيقةً، ويُفارِقُ تحريمَ المصاهَرَة، فإنَّ التَّحريمَ لا يَقِفُ على ثبوت النَّسَب، ولهذا تَحرُمُ أُمُّ زَوجَتِه وابْنتُها مِنْ غَيرِ نَسَبٍ، وتحريمُ الرّضاع مَبْنِيٌّ على النسب (٣) بقوله ﵇: «يَحرُمُ من الرَّضاع ما يَحرُمُ من النَّسَب» (٤). (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ أيْ: حُكْمُه حكمُ ولدِ الزِّنى؛ لاِشْتِراكِهما في ارْتِضاعِهما لَبَنَ امرأةِ الرَّجل، وعَدَمِ ثُبوتِ نَسَبِهما منه، فيكونُ فيه الخِلافُ السَّابِقُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا)، بخِلافِ وَلَدِ الزِّنى؛ لأِنَّ الولدَ مِنْ الزاني (٥) حقيقةً، فكان اللَّبَنُ منه، واللَّبَنُ لم يَثبُتْ من المُلاعِنِ حقيقةً ولا حُكْمًا. فعلى الأوَّلِ: إنْ أرْضَعَتْ أُنْثى حَرُمَتْ عليهما بالصِّهْريَّة؛ لأِنَّها بنتُ مَوطُوءةِ الزَّاني وربيبةُ المُلاعِن، وإنْ أرْضَعَتْ ذَكَرًا حَرُمَ عليه بِنتْاهُما وأوْلادُهما، وتَحرُمُ بِنْتُه وبِنتُها عليهما، وقِيلَ: لَا. (وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلاً؛ صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ)؛ لأِنَّ تحريمَ الرّضاع فَرْعٌ على ثُبوتِ النَّسَب، وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَثْبُتَ بِقائِفةٍ أوْ غيرِها، ذَكَرَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ في «الفروع» على الأوَّل. (وَإِنْ أُلْحِقَ بِهِمَا)، قال (٦) في «التَّرغيب» وغَيرِه: أوْ ماتَ ولم يَثبُتْ نسَبُه؛

стр. 5185

(كَانَ الْمُرْتَضِعُ (١) ابْنًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ المرتَضِعَ في كلِّ مَوضِعٍ تَبَعٌ للمُناسِب، فمَتَى لَحِقَ المُناسِب شخصًا؛ فالمرتَضِعُ مِثْلُه. وإنْ أشْكَلَ أمْرُه؛ فَقِيلَ: كنَسَبٍ، وقِيلَ: هو لأِحدِهما مبهمًا (٢)، فيَحرُم عليهما، وجَزَمَ به في «المغْنِي» فِيما لم يَثْبُتْ نَسَبُه. (وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا)؛ تغليبًا للحَظْر، كما لو اخْتَلَطَتْ أختُه بأجنبيَّاتٍ. وإن انْتَفَى عنهما جميعًا؛ بأنْ تأتيَ به لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ وَطْئِها، أوْ لأِكثرَ من أربعِ سِنِينَ مِنْ (٣) وطْءِ الآخَرِ؛ انْتَفَى المرتَضِع عنهما (٤). فإنْ كان المرتَضِعُ أنثى؛ حرُمَتْ عليهما تحريمَ المصاهَرَة، ويَحرُمُ أولادُها عليهما أيضًا؛ لأنَّها (٥) ابْنَةُ مَوطُوءَتِهما. (وَإِنْ ثَابِ لاِمْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ)، قال جماعةٌ: أو وَطْءٍ؛ (لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي لَبَنِ الْبِكْرِ (٦)، وهو (٧) ظاهِرُ المذهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه نادِرٌ لم تَجْرِ العادةُ به لِتَغذِيَة الأطفال، أشْبَهَ لَبَنَ الرَّجل والبهيمة. وقال جماعةٌ: لأِنَّه لَيسَ بلَبَنٍ حقيقةً، بل رُطوبةٌ متوَلِّدةٌ؛ لأِنَّ اللَّبَنَ ما أنشز (٨) العَظْمَ وأنْبَتَ اللَّحْمَ، وهذا لَيسَ كذلك.
следующие страницы →