← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5181–5220 · переход к 5186.

стр. 5181

(وَصَارَا أَبَوَيْهِ)؛ لأِنَّه ولدهما (١)، (وَآبَاؤُهُمَا أَجْدَادَهُ وَجَدَّاتِهِ)، وجميعُ أقارِبهما يُنسَبونَ إلى المرتَضِع، كما يُنسَبونَ إلى وَلَدِهما من النَّسَب؛ لأِنَّ اللَّبَنَ الذي ثابَ للمرأة مَخلوقٌ مِنْ ماءِ الرَّجُل والمرأةِ، فنَشَرَ التَّحريمَ إلَيهِما، ونَشَرَ الحُرْمةَ إلى الرَّجُل وإلى أقاربه، وهو الذي يُسَمَّى لَبَنَ الفَحْلِ؛ لقَولِه ﷺ لِعائشةَ لَمَّا سَأَلَتْه عن أفْلَحَ حِينَ قال لها: أتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وأنا (٢) عمُّكِ، فقالَتْ: كَيفَ ذلك؟ فقال (٣): أرْضَعَتْكِ امرأةُ أخِي بلَبَنِ أخي (٤)، فقال: «صَدَقَ أفْلَحُ، ائْذَنِي له» مُتَّفَقٌ عليه، ولَفْظُه للبُخاريِّ (٥)، وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عن رجلٍ له جارِيَتانِ، فأرْضَعَتْ إحْداهُما جاريةً، والأُخْرَى غُلامًا؛ أيَحِلُّ للغُلامِ أنْ يَتزَوَّجَ الجاريةَ؟ فقال: لا، اللِّقاحُ واحِدٌ» رواهُ مالِكٌ، والتِّرمذي وقال: هذا تَفْسيرُ لَبَنِ الفَحْلِ (٦). (وَإِخْوَةُ الْمَرْأَةِ وَأَخَوَاتُهَا؛ أَخْوَالَهُ وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أخْتِهم، (وَإِخْوَةُ الرَّجُلِ وَأَخَوَاتُهُ؛ أَعْمَامَهُ (٧) وَعَمَّاتِهِ)؛ لأِنَّه وَلَدُ أَخِيهِم. (وَتُنْشَرُ (٨) حُرْمَةُ الرَّضَاعِ مِنَ الْمُرْتَضِعِ إِلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ (٩) أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا، فَيَصِيرُونَ أَوْلَادًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ الرّضاعَ كالنَّسَب، والتَّحريمُ في النَّسَب

стр. 5182

يَشْمَلُ وَلَدَ الولدِ وإنْ سَفَلَ، فكذا في (١) الرَّضاع. (وَلَا يَنْشُرُ إِلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ)؛ أي: المرتَضِع، (مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَخَوَاتِهِ)؛ لأِنَّها لا تَنشر (٢) في النَّسَب، فكذا في الرَّضاع. (وَلَا مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ؛ مِنْ آبَائِهِ، وَأُمَّهَاتِهِ، وَأَعْمَامِهِ، وَعَمَّاتِهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ)؛ لأِنَّ الحُرْمةَ إذا لم تُنشَر (٣) إلى مَنْ هُو في الدَّرِجة؛ فلأن لا تُنشَر (٤) إلى مَنْ هو أعْلَى منه بطَريقِ الأَوْلَى. (فَلَا تَحْرُمُ الْمُرْضِعَةُ عَلَى أَبِي (٥) الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أَخِيهِ، وَلَا أُمُّ الْمُرْتَضِعِ، وَلَا أُخْتُهُ عَلَى أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعِ، وَلَا أَخِيهِ (٦)، فيَجوزُ للمُرْضِعةِ نكاحُ أَبِي الطِّفْل المرتَضِع، وأخِيهِ، وعمِّه، وخالِه. ولا يَحرُمُ على زَوجِ المرضِعة (٧) نكاحُ أمِّ الطِّفل المرتَضِعِ، ولا أُخْتِه، ولا عَمَّتِه، ولا خالَتِه. ولا بَأْسَ أنْ يَتزوَّجَ أوْلادُ المرْضِعة وأوَلادُ زَوجِها إخْوةَ الطِّفل المرتَضِعِ وأخَواتِه، قال أحمدُ: (لا بأس (٨) أنْ يَتزَوَّجَ الرَّجلُ أُخْتَ أخيهِ من الرّضاع، لَيسَ بَينَهما رضاعٌ ولا نَسَبٌ، وإنَّما الرّضاعُ بَينَ الجارِيَةِ وأخِيهِ) (٩). وفي «الرَّوضة»: لو ارْتَضَعَ ذَكَرٌ وأُنْثَى من امْرأةٍ؛ صارَتْ أُمًّا لهما (١٠)،

стр. 5183

فلا يَجوزُ لأِحَدِهما أنْ يَتزَوَّجَ بالآخَرِ، ولا بأخَواتِه الحادِثاتِ بعده (١)، ولا بَأْسَ بتَزويجِ أخَواتِه الحادِثاتِ قَبْلَه، ولِكُلٍّ مِنْهُما أنْ يَتزوَّجَ أُخْتَ الآخَرِ. (وَإِنْ أَرْضَعَتْ بِلَبَنِ وَلَدِهَا مِنَ الزِّنَى طِفْلاً؛ صَارَ وَلَدًا لَهَا)؛ لأِنَّه رَضَعَ مِنْ لَبَنِها حقيقةً، (وَحَرُمَ عَلَى الزَّانِي تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه وَلَدُ مَوطُوءَتِه من الوَطْءِ الحرامِ، وهو كالحلال (٢)، (وَلَمْ تَثْبُتْ حُرْمةُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّهِ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ؛ لأِنَّ مِنْ شَرْطِ ثُبوتِ المحْرَمِيَّةِ بَينَ المرتَضِعِ وبَينَ الرَّجل الذي ثَابَ اللَّبَنُ بِوَطْئِه: أنْ يكونَ لَبَنُ حَمْلٍ يُنْسَبُ إلى الواطئ (٣)، فأمَّا وَلَدُ الزِّنى ونَحوِه فلا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ)؛ أيْ: ينشر (٤) الحُرمةَ بَينَهما؛ أيْ: بَينَه وبَينَ الواطِئِ؛ لأنه (٥) مَعْنًى ينشر (٦) الحرمة، فاسْتَوَى مُباحُه ومَحظُورُه؛ كالوطء، ولأِنَّه رضاعٌ يَنشُر الحُرْمةَ إلى المرضِعة، فنَشَرَها إلى الواطِئ؛ كصُورةِ الإجْماع. وفي مَسائِلِ صالِحٍ: حدَّثنا أبي، عن سُفْيانَ، عن عَمْرٍو، عن أبي الشَّعْثاء، عن عِكْرَمةَ، في رجُلٍ فَجَرَ بامرأةٍ، فرآها (٧) تُرضِعُ جاريةً؛ هل تَحِلُّ له أمْ لا؟ قال: لا (٨)، قال أبي: وبهذا (٩) أَقُولُ أنا (١٠).

стр. 5184

والأوَّل أَوْلَى، ويُفرَّقُ بَينَها (١) وبَينَ ابْنَتِه من الزِّنى، فإنَّها من (٢) نُطْفَتِه حقيقةً، ويُفارِقُ تحريمَ المصاهَرَة، فإنَّ التَّحريمَ لا يَقِفُ على ثبوت النَّسَب، ولهذا تَحرُمُ أُمُّ زَوجَتِه وابْنتُها مِنْ غَيرِ نَسَبٍ، وتحريمُ الرّضاع مَبْنِيٌّ على النسب (٣) بقوله ﵇: «يَحرُمُ من الرَّضاع ما يَحرُمُ من النَّسَب» (٤). (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَكَذَلِكَ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ أيْ: حُكْمُه حكمُ ولدِ الزِّنى؛ لاِشْتِراكِهما في ارْتِضاعِهما لَبَنَ امرأةِ الرَّجل، وعَدَمِ ثُبوتِ نَسَبِهما منه، فيكونُ فيه الخِلافُ السَّابِقُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَثْبُتَ حُكْمُ الرَّضَاعِ فِي حَقِّ الْمُلَاعِنِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَبَنِهِ حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا)، بخِلافِ وَلَدِ الزِّنى؛ لأِنَّ الولدَ مِنْ الزاني (٥) حقيقةً، فكان اللَّبَنُ منه، واللَّبَنُ لم يَثبُتْ من المُلاعِنِ حقيقةً ولا حُكْمًا. فعلى الأوَّلِ: إنْ أرْضَعَتْ أُنْثى حَرُمَتْ عليهما بالصِّهْريَّة؛ لأِنَّها بنتُ مَوطُوءةِ الزَّاني وربيبةُ المُلاعِن، وإنْ أرْضَعَتْ ذَكَرًا حَرُمَ عليه بِنتْاهُما وأوْلادُهما، وتَحرُمُ بِنْتُه وبِنتُها عليهما، وقِيلَ: لَا. (وَإِنْ وَطِئَ رَجُلَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِهِ طِفْلاً؛ صَارَ ابْنًا لِمَنْ ثَبَتَ نَسَبُ الْمَوْلُودِ مِنْهُ)؛ لأِنَّ تحريمَ الرّضاع فَرْعٌ على ثُبوتِ النَّسَب، وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَثْبُتَ بِقائِفةٍ أوْ غيرِها، ذَكَرَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ في «الفروع» على الأوَّل. (وَإِنْ أُلْحِقَ بِهِمَا)، قال (٦) في «التَّرغيب» وغَيرِه: أوْ ماتَ ولم يَثبُتْ نسَبُه؛

стр. 5185

(كَانَ الْمُرْتَضِعُ (١) ابْنًا لَهُمَا)؛ لأِنَّ المرتَضِعَ في كلِّ مَوضِعٍ تَبَعٌ للمُناسِب، فمَتَى لَحِقَ المُناسِب شخصًا؛ فالمرتَضِعُ مِثْلُه. وإنْ أشْكَلَ أمْرُه؛ فَقِيلَ: كنَسَبٍ، وقِيلَ: هو لأِحدِهما مبهمًا (٢)، فيَحرُم عليهما، وجَزَمَ به في «المغْنِي» فِيما لم يَثْبُتْ نَسَبُه. (وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالرَّضَاعِ فِي حَقِّهِمَا)؛ تغليبًا للحَظْر، كما لو اخْتَلَطَتْ أختُه بأجنبيَّاتٍ. وإن انْتَفَى عنهما جميعًا؛ بأنْ تأتيَ به لِدُونِ ستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ وَطْئِها، أوْ لأِكثرَ من أربعِ سِنِينَ مِنْ (٣) وطْءِ الآخَرِ؛ انْتَفَى المرتَضِع عنهما (٤). فإنْ كان المرتَضِعُ أنثى؛ حرُمَتْ عليهما تحريمَ المصاهَرَة، ويَحرُمُ أولادُها عليهما أيضًا؛ لأنَّها (٥) ابْنَةُ مَوطُوءَتِهما. (وَإِنْ ثَابِ لاِمْرَأَةٍ لَبَنٌ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ تَقَدَّمَ)، قال جماعةٌ: أو وَطْءٍ؛ (لَمْ يَنْشُرِ الْحُرْمَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي لَبَنِ الْبِكْرِ (٦)، وهو (٧) ظاهِرُ المذهَبُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه نادِرٌ لم تَجْرِ العادةُ به لِتَغذِيَة الأطفال، أشْبَهَ لَبَنَ الرَّجل والبهيمة. وقال جماعةٌ: لأِنَّه لَيسَ بلَبَنٍ حقيقةً، بل رُطوبةٌ متوَلِّدةٌ؛ لأِنَّ اللَّبَنَ ما أنشز (٨) العَظْمَ وأنْبَتَ اللَّحْمَ، وهذا لَيسَ كذلك.

стр. 5186

(وَعَنْهُ: يَنْشُرُهَا، ذَكَرَهَا (١) ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ)، وصحَّحه في «الشَّرح»، وقالَهُ أكْثَرُ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٣]، ولأِنَّه لَبَنُ امرأةٍ، فتعلَّقَ به التَّحريمُ، كما لو ثاب (٢) بِوَطْءٍ، ولأِنَّ لَبَنَ المرأة خُلِقَ لِغَذاءِ الطفل، وإنْ كانَ هذا نادِرًا، فجنسه (٣) مُعْتادٌ. (وَلَا (٤) يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ غَيْرُ لَبَنِ الْمَرْأَةِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ طِفْلَانِ مِنْ بَهِيمَةٍ)؛ لم يَنشُر الحُرْمةَ، ولم يَصِيرَا أخَوَينِ في قَولِ عامَّتهم؛ لأِنَّه لَيسَ بمنصوصٍ عليه، ولا هو في مَعْناهُ. وقال بعضُ السَّلَف: يَصِيرانِ أخَوَينِ. ورُدَّ: بأنَّ الأُخُوَّةَ فرعٌ عن (٥) الأُمومة، ولا تَثْبُتُ الأُمومةُ بهذا الرّضاعِ، فالأُخُوَّةُ أَوْلَى، ولأِنَّه لم يُخلَقْ لِغِذاءِ المولود الآدَمِيِّ، أشبه (٦) الطَّعامَ. (أَوْ رَجُلٍ)، فكذلك في قَولِ الجمهور؛ لِمَا ذَكَرْنا. وقال الكَرَابِيسي (٧): يَتعلَّقُ به التَّحريمُ؛ لأِنَّه لَبَنُ آدَمِيٍّ أشْبَهَ المرأةَ. (أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لَمْ يَنْشُرِ (٨) الْحُرْمَةَ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّه لم يَثْبُتْ كَونُه

стр. 5187

امرأةً، فلا يَثْبُتُ التَّحريمُ مع الشَّكِّ. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُوقَفُ أَمْرُ الْخُنْثَى حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ)، فعلى هذا: يَثبُتُ التَّحريمُ إلى أنْ يتبيَّنَ كَونُه رجلاً؛ لأِنَّه لا يُؤمَنُ كَونُه مُحَرِّمًا؛ كما لو اختَلَطَتْ أختُه بأجانِبَ. وقِيلَ: إنْ حَرَّمَ لَبَنٌ بغيرِ حملٍ ولا وَطْءٍ، ففي الخنثى المشْكِلِ وجْهانِ، وإنْ يُئِسَ من انْكِشافِ حالِه بمَوتٍ أوْ غَيرِه؛ فالأصْلُ الحِلُّ.

стр. 5188

(فَصْلٌ) (وَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِالرَّضَاعِ إِلاَّ بِشَرْطَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرْتَضِعَ فِي الْعَامَيْنِ (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، وعن عائشةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عليها وعِندها رجلٌ قاعِدٌ، فَسَأَلَها عنه، فقالَتْ: هو أخِي من الرَّضاعة، فقال: «انظُرْنَ مَنْ إخْوانُكنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعة» مُتَّفقٌ عليه (٢)، وعن أمِّ سلَمَةَ مرفوعًا: «لا يحرم من (٣) الرّضاع إلاَّ ما فَتَقَ الأمْعاءَ، وكان قَبْلَ الفِطامِ» رواه التِّرمذي وصحَّحه (٤)، ورواه (٥) الدَّارَقُطْنيُّ والبَيهَقيُّ عن عمرَ (٦)، ورواهُ سعيدٌ عن هُشَيمٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الله، ورواه سعيدٌ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، ورواه الدَّارَقُطْنِيُّ والبَيهَقيُّ عن ابن عبَّاسٍ،

стр. 5189

قال البَيهَقِيُّ: هذا هو الصَّحيحُ أنَّه مَوقُوفٌ، ورواهُ ابنُ عَدِيٍّ وغَيرُه من حديثِ الهَيثَمِ بنِ جَمِيلٍ، عن ابن (١) عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دِينارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لا يُحرِّمُ من الرَّضاع إلاَّ ما كان في الحَولَينِ»، والهَيثَمُ ثِقَةٌ حافِظٌ، وثَّقه أحمدُ، وإبراهيمُ الحَرْبِيُّ، والعِجْلِيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وغَيرُهم (٢). (فَلَوِ ارْتَضَعَ بَعْدَهُمَا بِلَحْظَةٍ (٣)؛ لَمْ يَثْبُتْ)؛ لأِنَّ شرْطَ ثُبوتِه كَونُه في الحَولَينِ، ولم يُوجَدْ، وقيَّده أبو الخَطَّاب بَعدَهما بساعةٍ. وقال القاضي: لو شَرَعَ في الخامسة، فحالَ الحَولُ قبلَ كمالها؛ لم يَثْبُت التَّحريمُ.

стр. 5190

وجوابه: أنَّ ما وُجِدَ من الرَّضْعة في الحَولَينِ كافٍ (١) في التَّحريم، بدليلِ ما لو انْفَصَل مِمَّا بعدَه. واغتفر (٢) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين ما لو رَضَعَ قبلَ الفِطام، قال: أوْ كبيرٌ لحاجةٍ (٣)، نحو: جعله مَحْرمًا؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ: أنَّ سَهْلَةَ بنتَ سُهيل (٤) بن عمرو جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله إنَّ سالِمًا مَولَى أبي حُذَيفةَ مَعَنَا في بَيتِنا، وقد بَلَغَ ما تَبلُغُ الرِّجالُ، وعَلِمَ ما تَعلَمُ الرِّجالُ، فقال: «أرْضِعِيهِ تَحرُمِي عليه» رواه مسلِمٌ (٥). وجَوابُه: بأنَّه (٦) خاصٌّ به دُونَ سائرِ النَّاس؛ جَمْعًا بَينَ الأدِلَّةِ. وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّ الاِعْتِبارَ بالحَولَينِ، فلو فُطِمَ قبلَهما، ثُمَّ ارْتَضَعَ فيهما حَصَلَ التَّحريمُ، ولو لم يُفطَمْ حتَّى جاوَزَهما، ثُمَّ ارْتَضَعَ قَبْلَ الفِطام؛ لم يَثبُتْ. (الثَّانِي: أَنْ يَرْتَضِعَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وهو الصَّحيحُ، وهو قَولُ عائشةَ (٧)، وابنِ مسعودٍ (٨)، وابنِ الزُّبَير (٩)، وغَيرِهم؛ لِمَا رَوَتْ

стр. 5191

عائشةُ قالَتْ: «كان فِيما نَزَلَ من القُرْآن: عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ يُحرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بخَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ، فتُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ وهي فِيما يُقرَأُ من القرآن (١)» رواه مسلمٌ، ورواهُ مالِكٌ عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ، عن سَهْلةَ بنتِ سهيل (٢): «أرْضِعِي سالِمًا خمسَ رَضَعاتٍ» (٣). (وَعَنْهُ: ثَلَاثٌ يُحَرِّمْنَ)، وبه قال أبو عُبَيدٍ، وأبو ثَورٍ؛ لقَولِه ﷺ : «لا تُحرِّمُ المَصَّةُ، ولا المَصَّتانِ» (٤)، وفي لفظ: «لا تُحرِّمُ الإمْلاجَةُ، ولا الإمْلاجَتانِ» رواهما مُسلِمٌ (٥)، ولأِنَّ ما (٦) يُعتبَرُ فيه العددُ يعتبر (٧) فيه الثَّلاثُ؛ كالعادة في الحَيض. (وَعَنْهُ: وَاحِدَةٌ)، وهي قَولُ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ (٨)، وقالَهُ أكثرُ العلماء، وزَعَمَ اللَّيثُ: أنَّهم أجْمَعُوا على ذلك، كما يُفْطِرُ به الصَّائمُ، وعُمومُ الكتاب

стр. 5192

والسُّنَّة تَشهَدُ لذلك، ولأِنَّه فِعْلٌ يَتعلَّقُ به التَّحريمُ المؤبَّدُ، فلم يُعتبَرْ تَعدادُ الرَّضَعات؛ كتحريمِ أمَّهات النِّساء. وعن حَفْصةَ: عَشْرٌ، رواه البَيهَقِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ (١)، ورواهُ أيضًا عن عائشةَ (٢) وابنِ عبَّاسٍ (٣)، ورجالُه ثِقاتٌ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ عليه (٤)، بخِلافِ غَيرِه، فإنَّه ثابِتٌ بالعُموم أوْ بالمفْهومِ، والصَّريحُ راجِحٌ عليهما، والمطلَقُ من كلامِ الله تعالى مقيَّدٌ بسنَّةِ نبيه ﷺ ، وقال ابنُ المنذِر: لم يَقِفِ اللَّيثُ على الخلاف في هذه المسألةِ (٥).

стр. 5193

(وَمَتَى أَخَذَ الثَّدْيَ، فَامْتَصَّ ثُمَّ تَرَكَهُ، أَوْ قُطِعَ عَلَيْهِ؛ فَهِيَ رَضْعَةٌ)، كذا قاله (١) أبو بكرٍ في حَدِّ الرَّضْعة، وقدَّمه في «الفروع» وغيره؛ لأِنَّ المَرجِعَ فيها إلى العُرف؛ لأِنَّ الشَّرعَ ورَدَ بها مُطلَقًا، ولم يحدها (٢) بزمنٍ ولا مِقْدارٍ، فدلَّ على أنَّه ردَّهم إلى العُرْف، فإذا ارْتَضَعَ ثُمَّ قَطَعَ باخْتِياره، أوْ قُطِعَ عليه؛ فهي رَضْعةٌ. (فَمَتَى (٣) عَادَ؛ فَهِيَ رَضْعَةٌ أُخْرَى)؛ لأِنَّ العَودَ ارْتِضاعٌ، فكان رَضْعةً أخرى؛ كالأُولَى، (بَعُدَ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ قَرُبَ)، إذ العِبْرةُ بتَعْدادِ الرَّضَعات، وذلك مَوجودٌ فيهما، ولأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ بالرَّضْعة، ولم يَحُدَّها بزمانٍ، فوجَبَ أنْ يكونَ القريبُ كالبعيد. (وَسوَاَءٌ تَرَكَهُ شِبَعًا، أَوْ لِأَمْرٍ يُلْهِيهِ)؛ لأِنَّ الفَصلَ مَوجُودٌ في الكلِّ، (أَوْ لاِنْتِقَالِهِ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى غَيْرِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ إِلَى غَيْرِهَا)، اخْتارَه أبو بكرٍ، وهو ظاهِرُ كلامِه في روايةِ حنبلٍ (٤)، فإنَّه قال: أمَا تَرَى الصَّبيَّ يَرضَعُ من الثَّدْي، فإذا أدْرَكَه النَّفَسُ أمْسَكَ عن الثَّدْيِ لِيَتَنَفَّسَ ويَسْتَرِيحَ، فإذا فَعَلَ ذلك فهِيَ رَضْعةٌ، ولأِنَّ اليسيرَ من السَّعوط والوَجُور رَضْعةٌ، فكذا هُنَا. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٌ: إِنْ لَمْ يَقْطَعْ بِاخْتِيَارِهِ؛ فَهُمَا رَضْعَةٌ)؛ لأِنَّ القَطْعَ لا يُنسَبُ إليه، فلا (٥) يُحتَسَبُ عليه، (إِلاَّ أَنْ يَطُولَ (٦) الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا)، فيكونان رضْعَتَينِ؛ لأِنَّ جَعْلَهما رَضْعةً يُلْغِي (٧) الزَّمانَ مع طُوله، أو انتقاله (٨) من امرأةٍ

стр. 5194

إلى غَيرِها؛ لأِنَّ الآكِلَ لو قَطَعَ الأكلَ للشُّرْب أوْ عارِضٍ وعاد (١) في الحال؛ كان أَكْلةً واحدةً، فكذا الرَّضاعُ. والأوَّلُ أَوْلَى. وقال ابنُ أبي مُوسَى: حَدُّ الرَّضْعة أنْ يمصَّ (٢)، ثُمَّ يُمْسِكَ عن الاِمْتِصاص لِتَنفُّسٍ أوْ غَيرِه، سَواءٌ أخرج (٣) الثَّدْيَ من (٤) فِيهِ أوْ لم يُخرِجْ؛ لقوله ﵇: «لا تُحرِّمُ المَصَّةُ، ولا المَصَّتانِ» (٥)، يَدُلُّ على أنَّ لكلِّ مَصَّةٍ أثَرًا، ولأِنَّ القليلَ من الوَجور والسَّعوط رَضْعةٌ، فالاِمْتِصاصُ أَوْلَى. (وَالسَّعُوطُ)، هو (٦) أنْ يُصَبَّ في (٧) أنفه اللَّبَنُ مِنْ إناءٍ أوْ غَيرِه فيَدخُلَ حَلْقَه، (وَالْوَجُورُ) هو أنْ يَصُبَّه في حلْقِه من غَيرِ الثَّدْي، قاله (٨) في «الشَّرح»؛ (كَالرَّضَاعِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي الأَصَحُّ وِفاقًا (٩)، لِمَا رَوَى ابنُ مسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا رَضَاعَ إلاَّ ما أنشر (١٠) العَظْمَ، وأَنْبَتَ اللَّحْمَ» رواه أبو داود وغَيرُه (١١)، ولأِنَّ هذا يَصِلُ إليه اللَّبَنُ، كما يَصِلُ بالاِرْتِضاع.

стр. 5195

والثَّانيةُ: لا يُحرِّمُ، اخْتارَها أبو بكرٍ، وقالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ في السَّعوط؛ لأِنَّ هذا لَيسَ برضاعٍ، أشْبَهَ ما لو حَصَلَ مِنْ جُرْحٍ في بَدَنِه. وعلى الأولى (١): إنَّما يُحرِّمُ مِنْ ذلك ما يُحرِّمُ بالرّضاع، وهو خَمْسٌ على الأَشْهَرُ، فإنَّه فَرعٌ على الرَّضاع، فيَأخُذُ حُكْمَه. والاِعْتِبارُ بشُرْبِ الطِّفْلِ له، فأمَّا إنْ سَقاهُ جُرْعةً بَعْدَ أخْرَى مُتَتابِعةً؛ فرَضْعةٌ في ظاهِرِ قَولِ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ المعتَبَرَ في الرَّضعة العُرْفُ، وهم لا يَعُدُّونَ هذا رَضَعاتٍ. ويَحتَمِلُ أنْ يُخرَّجَ على (٢) ما إذا قَطَعَتْ عليه الرَّضاعَ. (وَيُحَرِّمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ)، وهو كلَبَنِ الحيَّة، نَصَّ عليه (٣)، اخْتارَه أبو بكرٍ، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه يُنبِتُ اللَّحْمَ، ونَجاسَتُه لا تُؤثِّرُ؛ كما لو حُلِبَ في إناءٍ نَجِسٍ، وكما لو حُلِبَ منها في حياتها فشَرِبَه بَعْدَ مَوتِها. وقال الخَلاَّلُ: لا ينشر (٤) الحُرْمةَ، وتوقَّفَ عنه أحمدُ في روايةِ مُهَنَّى (٥)؛ لأِنَّه لَبَنٌ لَيسَ بمَحَلٍّ للوِلادة، أشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُل. (وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ) بغَيرِه، سواءٌ اخْتَلَطَ بشرابٍ أوْ غَيرِه، (ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، واخْتارَه القاضِي، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ (٦) ما تعلَّقَ الحُكْمُ به لم يُفرَّقْ فيه بَينَ الخالِص والمَشُوبِ؛ كالنَّجاسة في الماء، والنَّجاسة الخالِصةِ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا)، وهو قِياسُ قَولِ أحمدَ؛ لأِنَّ

стр. 5196

المَشُوبَ لَيسَ بلَبَنٍ خالِصٍ، فلم يُحرِّمْ كالماء. (وَقَالَ (١) ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ؛ حَرَّمَ)، وذَكَرَه في «عُيونِ المسائلِ» الصَّحيح من المذْهَب؛ لأِنَّ الحُكمَ للأغْلَبِ في كثيرٍ من الصُّوَر، فكذا هُنَا، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يَغلِبِ اللَّبَنُ لم يُحرِّمْ؛ لأِنَّه يَزُولُ بذلك الاِسْمُ والمعنى المرادُ. وهذا كله إذا كانت صفاتُ اللَّبَنِ باقيةً، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، فلو صبَّه في ماءٍ كثيرٍ لم يَتغيَّرْ به؛ لم يَثبُت التَّحريمُ؛ لأِنَّ هذا لَيسَ بمُشوبٍ، ولا يَحصُلُ به التَّغذِّي، ولا إنبات (٢) اللَّحْم، ولا إنْشار العَظْم. وقال القاضي: يُحرِّمُ؛ لأِنَّ أجزاءَ اللَّبن (٣) حَصل في بطنِه، أشْبَهَ ما لو كان ظاهِرًا. وجَوابُه: أنَّ هذا لَيسَ برَضاعٍ ولا هو في مَعْناهُ. فرعٌ: إذا عُمِلَ اللَّبنُ جُبْنًا؛ حرَّمَ في الأصحِّ؛ لأِنَّه واصِلٌ من الحَلْق يَحصُلُ به إنْباتُ اللَّحْم. وعنه: لا؛ لِزوالِ الاِسْم، وإذا قُلْنا: الوجُورُ لا يُحرِّمُ؛ فهذا أَوْلَى. (وَالحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)، وقدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ هذا لَيسَ برَضاعٍ، ولا يَحصُلُ به التَّغذِّي، فلَمْ يَنشُرِ الحُرْمةَ؛ كما لو قَطَرَ في إحْليلِه، وكما لو وَصَلَ مِنْ جُرْحٍ. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ)، وابْنُ أبي مُوسَى: (يَنْشُرُهَا)؛ لأِنَّه سبيلٌ يَحصُلُ

стр. 5197

بالواصل (١) منه الفِطْرُ، فيتعلَّقُ به التَّحريمُ؛ كالرَّضاعِ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ إذِ الفَرْقُ بَينَ الفِطر والرَّضاع ثابِتٌ مِنْ حَيثُ إنَّ الرَّضاعَ يُعتبَرُ فيه إنْشار العَظْم، وإنبات (٢) اللَّحْم، وهو مَفْقودٌ في الحقنة (٣) مَوجُودٌ في الرّضاع. وهذا كلُّه لبنُ أنثى تمَّ لها تِسْعُ سِنينَ، وإنْ ثابَ بعدَها فقد حاضَتْ وبَلَغَتْ، وإنْ ثابَ بِدونِ حَمْلٍ وَوَطْءٍ، وقُلْنا يَنشُرُ الحُرْمَةَ؛ صار المرتَضِعُ ابنًا لها (٤). وإنْ شَكَّتِ المرْضِعةُ في الرَّضاع أوْ كَمالِه في الحَولَينِ، ولا بَيِّنةَ؛ فلا تحريمَ. فرعٌ: إذا حَلَبَ مِنْ نِسْوةٍ وسَقَى طِفْلاً؛ فهو كما لو رَضَعَ مِنْ كلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ.

стр. 5198

(فَصْلٌ) (وَإِذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَثَلَاثَ صَغَائِرَ، فَأَرْضَعَتِ الْكَبِيرَةُ إِحْدَاهُنَّ فِي الْحَوْلَيْنِ؛ حَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ عَلَى التَّأْبِيدِ)، وهو قَولُ الثَّوريِّ وأبي ثَورٍ؛ لأِنَّها صارت مِنْ أُمَّهاتِ نِسائه. وقال الأَوْزاعِيُّ: نِكاحُها ثابِتٌ، وتُنزَع (١) منه الصَّغيرةُ. وجَوابُه: ما تَقدَّمَ. (وَيَثْبُتُ (٢) نِكَاحُ الصَّغِيرَةِ)، اخْتَارَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّها ربيبةٌ؛ لم يَدخُلْ بأمِّها. (وَعَنْهُ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا)؛ لأِنَّها اجْتَمَعَتْ مع أمِّها في النِّكاح، كما لو صارَتَا أختَينِ، وكما لو عَقَدَ عليهما بعدَ الرَّضاع عَقْدًا واحدًا. وجَوابُه: أنَّ الكُبْرى أَوْلَى بفَسْخِ نكاحها؛ لِتَحْريمها على التَّأبيد، كما لو ابْتَدَأَ العَقْدَ على أخْتِه وأجنبيَّةٍ، ولأِنَّ الجَمْعَ طرَأَ على نكاحِ الأُمِّ والبِنْت، فاخْتَصَّ الفَسْخُ بنكاحِ الأمِّ؛ كما لو أسلْمَ وتَحتَه امْرأةٌ وبِنْتُها، والأُخْتانِ لَيسَتْ إحْداهما أَوْلَى بالفَسْخ من الأخرى، وفارَقَ ما لو ابْتَدَأَ العَقْدَ عليها (٣)؛ لأِنَّ الدَّوامَ أقْوَى من الاِبْتِداء. (وَإِنْ أَرْضَعَتِ اثْنَتَيْنِ مُنْفَرِدَتَيْنِ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى)؛ لأِنَّهما صارَتَا أختَينِ واجْتَمَعَتَا في الزَّوجيَّة؛ كما لو أرْضَعَتْهما معًا. (وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْأُولَى، وَيَثْبُتُ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ)؛ لأِنَّ الكبيرةَ

стр. 5199

لمَّا أرْضَعَت الصَّغيرةَ أَوَّلاً؛ انْفَسَخَ نِكاحُهما، ثُمَّ أرْضَعَتِ الأخْرَى، فلم يَجتَمِعْ مَعَهُما في النِّكاح، فلم يَنفَسِخْ نِكاحُهما. (وَإِنْ أَرْضَعَتِ الثَّلَاثَ مُتَفَرِّقَاتٍ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُ الأَوَّلَتَيْنِ (١)؛ لأِنَّهما صارتا أختَينِ في نكاحه، (وَثَبَتَ نِكَاحُ الثَّالِثَةِ (٢)؛ لأِنَّ رضاعَها (٣) بعدَ انْفِساخِ نكاحِ الكبيرة والصَّغيرَتَينِ اللَّتَينِ قَبْلَها، فلم يصادف (٤) أُخُوَّتُها (٥) جَمْعًا في النِّكاح، (عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى)، وهي أنَّ الكبيرةَ تَحرُمُ، ولا يَنفَسِخُ نكاحُ الصَّغيرة. (وَعَلَى الثَّانِيَةِ)، وهي انْفِساخُ نكاحِ الصَّغيرة: (يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الْجَمِيعِ)؛ لأِنَّ الصَّغيرةَ إذا انْفَسَخَ نكاحُها، ثُمَّ أرْضَعَت الكبيرةُ الثَّانيةَ؛ لم يَنفَسِخْ نكاحُها، لم تصادف (٦) أُخُوَّتُها جمعًا في النِّكاح، فإذا أرْضَعَت الثَّالثةَ؛ انْفَسَخَ نكاحهما (٧)؛ لأِنَّهما اجْتَمَعا في نكاحه، وهما أُخْتانِ، وحِينَئذٍ يَنفَسِخُ نِكاحُ الجَميع. (وَإِنْ أَرْضَعَتْ إِحْدَاهُنَّ مُنْفَرِدَةً، وَاثْنَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ مَعًا (٨)؛ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ)؛ لأِنَّهن صِرْنَ أخواتٍ في نِكاحه؛ لأِنَّها إذا أرْضَعَتْ إحداهنَّ مُنفَرِدةً، فلم يَنفَسِخْ نكاحُها (٩)؛ لأنَّها (١٠) مُنفَرِدةٌ، ثُمَّ إذا (١١) أرْضَعَت

стр. 5200

اثنتَينِ بعدَها مُجتَمِعاتٍ؛ انْفَسَخَ نكاحُ الجميع؛ لأِنَّهن أخواتٍ في النِّكاح على الأُولى. وعلى الثانية (١): يَنفَسِخُ نكاحُ (٢) الأولى بالاِجْتِماع، ثُمَّ يَنفَسِخُ نكاحُ الاِثنتَينِ؛ لكَونِهما أُختَينِ معًا. (وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْأَصَاغِرِ)؛ لأِنَّ تحريمَهنَّ تحريمُ جَمْعٍ، فإنَّهنَّ ربائبُ لم يَدخُلْ بأُمِّهِنَّ. (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكُبْرَى؛ حَرُمَ الْكُلُّ عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ)؛ لأِنَّهنَّ ربائِبُ دَخَلَ بأمِّهِنَّ. (وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَحْرُمُ ابْنَتُهَا عَلَيْهِ - كَأُمِّهِ، وَجَدَّتِهِ، وَأُخْتِهِ، وَرَبِيبَتِهِ -؛ إِذَا أَرْضَعَتْ طِفْلَةً؛ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّها تَصِيرُ ابْنَتَها من الرَّضاع، فعلى هذا: إذا كانَت المرْضِعةُ أُمَّه؛ فالمرتَضِعةُ أُخْتُه، وإنْ كانَتْ جَدَّتَه؛ فهي عَمَّتُه. (وَكُلُّ رَجُلٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ - كَأَخِيهِ، وَأَبِيهِ، وَابْنِهِ (٣) -، إِذَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ بِلَبَنِهِ طِفْلَةً؛ حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّها تَصِيرُ ابْنَتَه، فعلى هذا: إنْ كانَت المرْضِعةُ امرأةَ أخِيهِ؛ فالمرتَضِعَةُ بنتُ أخِيهِ، وإنْ كانت امرأةَ أبيه؛ فالمرتَضِعةُ أخْتُه، وإنْ كانت امرأةَ ابْنه؛ فالمرتَضِعةُ بنتُ ابنه، فلو أرْضَعَتْها امرأةُ أحدِ هؤلاء بلَبنِ غَيرِه؛ لم تَحرُمْ عليه؛ لأِنَّها ربيبةُ زَوجها. (وَ) على الأوَّل: (فَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ (٤) إِنْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ)؛ لأِنَّ التَّحريمَ إذا طَرَأَ أوْجَبَ الفَسْخَ؛ كما لَوْ كان الزَّوجُ طِفْلاً؛ فأرْضَعَتْه زَوجَتُه الكبيرةُ.

стр. 5201

مسائلُ: إذا تزوَّج بنتَ عمِّه، فأرْضَعَتْ جدَّتُهما أحدَهما صغيرًا؛ انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأِنَّها إنْ أرْضَعَت الزَّوجَ؛ صارَ عمَّ زَوجَتِه، وإنْ الزوجةَ (١)؛ صارت عمَّتَه. وإنْ تزوَّج بنتَ عمَّته، فأرْضَعَتْ جدَّتُهما إحداهما صغيرًا؛ انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأِنَّها إنْ أرْضَعَت الزَّوجَ؛ صار خالَها، وإنْ أرْضَعَت الزَّوجةَ؛ صارَتْ عمَّتَه. وإنْ تزوَّجَ بنتَ خاله (٢)، فأرْضَعَتْ جدَّتُهما الزَّوجَ؛ صارَ عمَّ زَوجَتِه، وإنْ أرضعتها (٣)؛ صارَتْ خالَتَه. وإنْ تزوَّج بنتَ خالَتِه؛ فأرْضَعَت الزَّوجَ؛ صار خالَ زَوْجَتِه، وإنْ أرضعتها (٤)؛ صارَتْ خالَةَ زَوجِها. وإنْ أرْضَعَتْ أُمَّ رجلٍ، وابْنتَه، وأُخْتَه، وزَوجةَ ابنه طِفْلةً رَضْعةً رَضْعةً؛ لم تَحرُمْ على الرَّجل في الأصحِّ.

стр. 5202

(فَصْلٌ) (وَكُلُّ مَنْ أَفْسَدَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَهْرِهَا الذِي يَلْزَمُهُ لَهَا)؛ لأِنَّه قرَّره عليه بَعْدَ أنْ كانَ بعَرَضِ (١) السُّقوط؛ كشُهود الطَّلاق إذا رَجَعُوا، وإنَّما لَزِمَه نصفُ مَهْرِ الصَّغيرة؛ لأِنَّ نكاحَها انْفَسَخَ قَبْلَ الدُّخول بها مِنْ غَيرِ جِهَتِها، والفَسْخُ مِنْ أجنبيٍّ كطَلاقِ الزَّوج في وُجوبِ الصداق (٢) عليه. (وَإِنْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا) قبلَ الدُّخول؛ (سَقَطَ مَهْرُهَا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لأِنَّ الفَسْخَ بسببٍ مِنْ جِهَتِها؛ كما لو ارْتَدَّتْ. فعلى هذا: إذا (٤) أرْضَعَت امْرَأَتُه الكُبْرى الصُّغْرى؛ فعلى الزَّوج نصفُ مَهْرِ الصُّغرى، يَرجِعُ به على الكُبْرى، وِفاقًا للشَّافِعيِّ (٥). وقال بعضُ أصحابه (٦): يرجِعُ (٧) بجميعِ صداقها؛ لأِنَّها أتْلَفَتِ البُضْعَ؛ فوَجَبَ ضَمانُه. وقال أبو حَنِيفةَ: إنْ كانت المرضِعةُ أرَادَت (٨) الفَسادَ؛ رَجَعَ عليها بنِصفِ الصَّداق، وإلاَّ فَلَا (٩).

стр. 5203

وقال مالِكٌ: لا يَرجِعُ بشَيءٍ (١). وجَوابُه: أنَّه يَرجِعُ عليها بالنِّصف؛ لأِنَّها قرَّرَتْه عليه، وألْزَمَتْه (٢) إيَّاه، وأتْلَفَتْ عليه ما في مُقابَلتِه، فَوَجَبَ عليها الضَّمانُ؛ كما لو أتْلَفَتْ عليه المَبِيعَ. والواجِبُ نصفُ المسمَّى، لا (٣) نصفُ مَهْرِ المِثْل؛ لأِنَّه إنَّما يَرجِعُ بما غَرِمَ، ولأِنَّ خُروجَ البُضْع من ملْكِ الزَّوج غَيرُ مُتقوِّمٍ، بدليلِ ما لو أفْسَدَتْ نكاحَها بقتل (٤) أوْ غَيرِه، فإنَّها لا تَغرَمُ له شَيئًا. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ)، وأفْسَدَه غَيرُها؛ (وَجَبَ مَهْرُهَا) المسمَّى لها، (وَلَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى أَحَدٍ)، قال في «المحرَّر»: هو الأقْوَى، وفي «المغْنِي»: هو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأِنَّه لم يُقَرِّر (٥) على الزَّوج شيئًا، ولم يُلزِمْه (٦) إيَّاهُ، فلم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ؛ كما (٧) لو أفْسَدَتْ نكاحَ نفسها، ولأِنَّه لو مَلَكَ الرُّجوعَ بالصَّداق بَعْدَ الدُّخول؛ لَسَقَطَ إذا كانت المرأةُ هي المفْسِدةَ للنِّكاح؛ كما (٨) قَبْلَ الدُّخول. (وَذَكَرَ (٩) الْقَاضِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ، وَرَوَاهُ (١٠) عَنْ أَحْمَدَ)؛ أيْ: نَصَّ عليه

стр. 5204

في روايةِ ابنِ القاسِمِ (١)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المرأةَ تَسْتَحِقُّ المهرَ كلَّه على زَوجِها، فيرجع (٢) بما لَزِمَه؛ كنصف (٣) المهرِ في غَيرِ المدْخُولِ بها، ولها (٤) الأَخْذُ من المفْسِدِ، نَصَّ عليه (٥). واعْتَبَرَ ابنُ أبي موسى للرُّجوع: العَمْدَ والعِلْمَ بحُكْمِه. (وَلَوْ أَفْسَدَتْ نِكَاحَ نَفْسِهَا) بَعْدَ الدُّخول؛ (لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ)، وفي «المغْنِي»: لا نَعلَمُ خِلافًا في ذلك (٦)؛ كما لو ارْتدَّتْ، ولأِنَّ المهرَ استقرَّ بالدُّخول، والمسْتَقِرُّ لا يَسقُطُ بَعْدَ اسْتِقْراره، ولا يَرجِعُ عليها الزَّوجُ بشَيءٍ إذا كان أدَّاه إليها. وقِيلَ: يَجِبُ نصفُ المسمَّى إنْ أفْسَدَتْه بعْدَ الدُّخول. وذَكَرَ القاضِي: أنَّ لها نصفَ مَهْرِها، قالَهُ في «المستوعب». (وَإذَا (٧) أَرْضَعَتِ امْرَأَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى، فَانْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِ الصُّغْرَى)؛ لأِنَّ نكاحَها انْفَسَخَ بغَيرِ سببٍ مِنْ جِهَتِها، وذلك يُوجِبُ نصفَ المهرِ على الزَّوج؛ لأِنَّ الفَسْخَ إذا جاز مِنْ أجنبيٍّ؛ كان كطَلاقِ الزَّوج في كَونِ المهر عليه، (يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْكُبْرَى)؛ لأِنَّها هي التي تسبَّبتْ في انْفِساخِ نكاحِه؛ كما لو أتْلَفَ عليه المبِيعَ، فإنْ كانَتْ أمَةً؛ ففي رَقَبتِها؛ لأِنَّ ذلك مِنْ جِنايَتِها.

стр. 5205

وإنْ أرْضَعَتْ أمُّ وَلَدِه زَوجَتَه الصُّغرى؛ حرُمَت الصَّغيرةُ؛ لأِنَّها ربيبةٌ دخل بأمِّها، وتَحرُمُ أمُّ الولد أبدًا؛ لأِنَّها مِنْ أُمَّهاتِ نسائه، ولا غَرامَةَ عليها (١)؛ لأِنَّها أفْسَدَتْ على سيِّدها، ويَرجِعُ على المُكاتَبة؛ لأِنَّه يَلزَمُها أرْشُ جِنايَتِها. (وَلَا مَهْرَ لِلْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا)؛ لأِنَّها هي التي تَسَبَّبتْ إلى انْفِساخِ نكاحِها، فَسَقَطَ صَداقُها؛ كما لو ارْتدَّتْ. (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا؛ فَعَلَيْهِ صَدَاقُهَا)؛ لأِنَّه اسْتَقرَّ بالدُّخول، بدليلِ أنَّه لا يَسقُطُ برِدَّتها ولا بغَيرِها. (وَإِنْ كَانَتِ الصُّغْرَى (٢) هِيَ التِي دَبَّتْ إِلَى الْكُبْرَى وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَارْتَضَعَتْ مِنْهَا؛ فَلَا مَهْرَ لَهَا)؛ لأِنَّها فَسَخَتْ نِكاحَ نَفْسِها، وقاسَ في «الواضح» نائمةً على مُكرَهةٍ. (وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْكُبْرَى إِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا)؛ لأِنَّها تَسَبَّبتْ إلى فَسْخِ نكاحِها المُوجِبِ لتَقْريرِ نصفِ المسمَّى، وأتْلَفَتْ على الزَّوج البُضْعَ، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَتْ عليه مَبِيعًا. (أَوْ بِجَمِيعِهِ إِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا (٣) عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي)، ونَسَبَهُ في «الشَّرح» إلى الأصحاب؛ لِمَا تقدَّمَ. (وَعَلَى مَا (٤) اخْتَرْنَاهُ: لَا يَرْجِعُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِشَيْءٍ). فإن ارْتَضَعَت الصَّغيرةُ منها رضعتَينِ وهي نائمةٌ، ثُمَّ انتبهت (٥) الكبيرةُ فأتمَّتْ لها ثَلاثَ رَضعاتٍ؛ فقد حَصَلَ الفَسادُ بفِعْلِهما، فيَسقُطُ الواجِبُ

стр. 5206

عليها (١)، وعليه (٢) مَهْرُ الكبيرة، وثلاثة أعْشارِ مهرِ الصَّغيرةِ يَرجِعُ به على الكُبْرَى. وإنْ كان دَخَلَ بالكبيرة (٣)؛ فعليه خُمسُ مهرها (٤)، يَرجِعُ به على الصَّغيرة، وهل يَنفَسِخُ نكاحُ الصَّغيرةِ؟ على رِوايتَينِ. فرعٌ: إذا أَرْضعتْ (٥) أمُّ زوجتِه الكبرى المدخولِ بها زَوجتَه الصُّغرى؛ بَطَلَ نِكاحُهما؛ لأِنَّهما أُخْتانِ، وله نِكاحُ أيَّتِهما شاءَ، وتَغرَمُ المرضِعةُ كلَّ مَهْرِ الكُبْرى للزَّوج في الأصحِّ. وإنْ أرْضَعَتْها بنتُ زوجته الكُبْرى؛ فهي كأمِّها. وإنْ أرْضَعَتْها جدَّتُها؛ صارت الصُّغرى خالةَ الكُبْرى، أوْ عمَّتَها، فانْفَسَخَ نِكاحُهما، ونَكَحَ مَنْ شاءَ منهما. وكذلك إنْ أرْضَعَتْها أُختُها، أو زوجةُ أخيها بلَبَنِه؛ لأِنَّها صارَتْ بنتَ أختِ الكبيرةِ، أوْ بنتَ أخيه، وكذلك إنْ أرضعتها (٦) بنتُ أخيها، أو بنتُ أخْتِها، ولا تَحرُمُ واحدةٌ منهنَّ على التَّأبيد. (وَلَوْ كَانَ لِرُجُلٍ خَمْسُ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ، لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ (٧)، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَةً؛ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، صحَّحه في

стр. 5207

«الرِّعاية»، وقدَّمه في «الفروع» وغيره (١)؛ لأِنَّها ارْتَضَعَتْ مِنْ لَبَنِه خمسَ رَضَعاتٍ؛ كما لو أرْضَعَتْها واحدةٌ منهنَّ، فعلى هذا: تَثبُتُ الأُبُوَّةُ، (وَلَمْ تَحْرُمْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ)؛ لأِنَّه لم تثبت (٢) لهنَّ أُمُومةٌ. والثَّاني: لا يَصِيرُ أبًا لها؛ لأِنَّه رَضاعٌ لم تَثبُتْ به الأُمومةُ، فلم يَثبُتْ به الأُبُوَّةُ؛ كلَبَنِ البهيمة. فلَوْ أرْضَعْنَ طِفْلاً؛ لم يصيروا أمَّهاتٍ له، وصار المَوْلَى أبًا له، وقاله (٣) ابنُ حامِدٍ وغَيرُه؛ لأِنَّه ارْتَضَعَ مِنْ لَبَنِه خمسَ رَضَعاتٍ. وقِيلَ: لا تَثبُتُ الأُبُوَّةُ؛ كالأمومة، وكلَبَنِ الرَّجل. والأوَّلُ أصحُّ، فإنَّ الأُبُوَّةَ إنَّما ثبتت (٤) لكونه رَضَعَ من لَبَنِه، لا لكَونِ المرضعةِ (٥) أُمًّا له، وإذا قُلْنا بثُبوتِ الأُبُوَّة؛ حَرُمَتْ عليه المرضِعاتُ، لأنه ربيبُهنَّ (٦)، وهنَّ مَوطوءات أبيه. فإنْ أرْضَعْنَه بغَيرِ لَبَنِ السَّيِّد؛ لم يَصْر السَّيِّدُ أبًا له بحالٍ، ولا يَحرُمُ أحدهما (٧) على الآخَر في أصحِّ الوَجْهَينِ، قاله في (٨) «الكافي». فرعٌ: إذا كان له خمسُ بناتٍ، فأرْضَعْنَ طِفْلاً رَضْعةً رَضْعةً؛ لم يَصِرْنَ أمَّهاتٍ له، وهل يَصِيرُ الرَّجلُ جَدًّا، وأوْلادُه - إخْوةُ المرْضِعاتِ - أخْوالَه وخَالَاتِه؟ على وَجْهَينِ:

стр. 5208

أحدهما: يَصِيرُ؛ لأِنَّه قد كَمُلَ للمُرتَضِعِ خمسُ رَضَعاتٍ مِنْ لَبَنِ بناته؛ كما لو كان من واحدةٍ. والآخر (١): لا؛ لأنَّ كَونَه جَدًّا فَرْعٌ على كَونِ ابْنَتِه أُمًّا، وكَونَه خالاً فَرْعٌ على (٢) كَونِ أُخْتِه أُمًّا، ولم يَثبُتْ ذلك، فلا يَثبُتُ الفَرْعُ، وهذا الوَجْهُ أرْجَحُ؛ لأِنَّ الفَرْعيَّةَ مُتحَقِّقة. فإن قُلْنا: يَصِيرُ أخوهنَّ خالاً؛ لم تثبت (٣) الخُؤولةُ في حقِّ واحدةٍ منهنَّ، ولكِنْ يَحتَمِلُ التَّحريمَ؛ لأِنَّه قد اجْتَمَعَ من اللَّبن المحرِّمِ خمسُ رَضَعاتٍ. ولو كَمُلَ للطِّفل خمسُ رَضَعاتٍ مِنْ أُمِّه، وأُخْتِه، وابْنَتِه، وزَوجَتِه، وزَوجةِ ابْنِه؛ فعلى الخِلاف. (وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ لَهُنَّ لَبَنٌ مِنْهُ، فَأَرْضَعْنَ امْرَأَةً لَهُ (٤) صُغْرَى، كُلُّ وَاحِدَةٍ رَضْعَتَيْنِ (٥)؛ لَمْ تَحْرُمِ الْمُرْضِعَاتُ)؛ لأِنَّ عددَ الرَّضَعات لم يَكمُلْ لكلِّ واحدةٍ مِنْهُنَّ. (وَهَلْ تَحْرُمُ الصُّغْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): (أَصَحُّهُمَا: تَحْرُمُ)؛ لأِنَّها ارتضعت (٦) مِنْ لَبَنِه خَمْسَ رَضَعَاتٍ. والثَّاني: عُلِمَ من المسألة الأولى. وجَمَعَ بَينَهُما المؤلِّفُ في «الكافي»، وصحَّح التَّحريمَ فيهما. (وَعَلَيْهِ نِصْفُ مَهْرِهَا)؛ لأِنَّ نكاحَها انْفَسَخَ لا بسببٍ منها، (يَرْجِعُ (٧) بِهِ

стр. 5209

عَلَيْهِنَّ)؛ لأِنَّهنَّ قرَّرْنَ ذلك عليه، وتسبَّبْنَ إلى إتْلافِ البُضْعِ، أشْبَهَ ما لو أتْلَفْنَ مَبِيعَه، (عَلَى قَدْرِ رَضَاعِهِنَّ، فَيُقْسَمُ (١) بَيْنَهُنَّ أَخْمَاسًا)؛ لأِنَّه إتْلافٌ اشْتَرَكُوا فيه، فكان على كلِّ واحدةٍ بقَدْرِ ما أتْلَفَ؛ كما لو أتْلَفُوا عَينًا وتَفاوَتُوا في الإتْلافِ. فرعٌ: إذا أرْضَعَت امرأتُه طفلاً ثلاثَ رَضَعاتٍ بلَبنِ رجلٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ لبنُها فتزوَّجَتْ غَيرَه، فصار لها لبنٌ، فأرْضَعَتْ به الطِّفْلَ رضعتَينِ؛ صارتْ أمَّه بغَيرِ خلافٍ علمناه عندَ القائلين بأنَّ الخَمْسَ مُحرِّماتٌ (٢)، ولم يَصِر الرَّجُلانِ أبَوَيهِ؛ لأِنَّه لم يَكمُلْ عددُ الرَّضاع من لبنِ واحدٍ منهما، ويَحرُمُ عَلَيهِما لكونه ربيبهما (٣)، لا لكَونِه ولدهما (٤). (فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثُ بَنَاتِ امْرَأَةٍ؛ لَهُنَّ لَبَنٌ، فَأَرْضَعْنَ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ (٥) صِغَارًا؛ حَرُمَتِ الْكُبْرَى)؛ لأِنَّها من جَدَّاتِ النِّساء، وجَدَّةُ الزَّوجة مُحرَّمةٌ، (وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا؛ حَرُمَ الصِّغَارُ أَيْضًا)؛ لأِنَّهنَّ ربائبُ مَدخُولٌ بأُمِّهِنَّ. (وَإِنْ (٦) لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ فَهَلْ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ مَنْ كَمُلَ رَضَاعُهَا، أَوْ لَا؟ (٧) عَلَى رِوَايَتَيْنِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحدةٍ اجْتَمَعَتْ مع جَدَّتِها في النِّكاح، أشبه (٨) ما لو اجْتَمَعَتْ مع أمِّها، وقد تقدَّمتِ الرِّوايَتانِ فيما إذا اجْتَمَعَتْ مع أُمِّها. (وَإِنْ أَرْضَعْنَ وَاحِدَةً، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رَضْعَتَيْنِ؛ فَهَلْ تَحْرُمُ الْكُبْرَى

стр. 5210

بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أصحُّهما: تَحرُمُ؛ لأِنَّها صارَتْ جدَّةً بكَونِ الصغرى (١) قد كَمُل لها خمسُ رَضَعاتٍ مِنْ بناتِها. والثَّاني، قال في «الشَّرح»: وهو أَوْلَى: لا تَصِيرُ جَدَّةً، ولا يَنفَسِخُ نكاحُها؛ لأِنَّ كَونَها جَدَّةً فَرْعٌ على كَوْنِ ابْنَتِها أُمًّا، ولم تَثْبُتِ الأُمومةُ، فما هو فَرْعٌ عليها أَوْلَى. فرعٌ: تزوج (٢) رجلانِ كُبْرَى وصُغْرَى، ثُمَّ طلَّقاهُما، وتزوَّجَ كلُّ واحدٍ منهما زوجةَ الآخَر، فأرْضَعَت الكُبْرى الصُّغْرى؛ حَرُمَت الكُبْرى عليهما؛ لأِنَّها صارَتْ من أمَّهاتِ نسائهما، وتَحرُمُ الصُّغْرَى على مَنْ دَخَلَ بالكُبْرَى؛ لأِنَّها ربيبةٌ مَدخُولٌ بأمِّها (٣).

стр. 5211

(فَصْلٌ) (إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَلَهَا لَبَنٌ مِنْهُ، فَتَزَوَّجَتْ بِصَبِيٍّ، فَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ؛ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا مِنْهُ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّها صارَتْ أُمَّه من الرَّضاع، (وَعَلَى الْأَوَّلِ أَبَدًا)، وعلَّله المؤلِّفُ بقَولِه: (لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ حَلَائِلِ أَبْنَائِهِ)، وذلك أنَّ الصَّبيَّ صار ابنًا للمطلق (١)؛ لأِنَّه رَضعَ مِنْ لبنه (٢) رضاعًا مُحرِّمًا، وهي زوجتُه، فلَزِمَ مِنْ صَيرورتِها من حَلائلِ أبنائه. وإنْ تزوَّجَتْ بآخر (٣) ودَخَلَ بها، ومات عنها؛ لم يَجُزْ أنْ يتزوَّجَها الأوَّلُ؛ لأِنَّها صارَتْ مِنْ حَلائلِ الأبْناءِ لَمَّا أرْضَعَت الصَّبِيَّ الذي تزوَّجَتْ به. (وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الصَّبِيَّ أَوَّلاً، ثُمَّ فَسَخَتْ نِكَاحَهُ لِعَيْبٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ كَبِيرًا، فَصَارَ لَهَا (٤) مِنْهُ لَبَنٌ، فَأَرْضَعَتْ بِهِ الصَّبِيَّ؛ حَرُمَتْ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَبَدِ) على الكبير؛ لأِنَّها صارَتْ مِنْ حلائلِ أبْنائِه، وعلى الصَّبيِّ؛ لأِنَّها صارَتْ أُمَّه. مسألةٌ: إذا زوَّج (٥) أمَّ وَلَدِه صغيرًا مَمْلوكًا، فأرْضَعَتْه بلَبَنِ سيِّدها؛ انْفَسَخَ نكاحُها، وحَرُمَتْ على سيِّدها أبدًا؛ لأِنَّها صارَتْ مِنْ حلائلِ أبنائه. ولو زوَّجَها حرًّا صغيرًا؛ لم يَصِحَّ نكاحُه؛ لِعَدَمِ خَوفِ العَنَت، وإنْ أرْضَعَتْه بلَبَنِ السَّيِّد لم يَصِر السَّيِّدُ أباهُ، ولم يَحرُمْ أحدُهما على الآخر (٦) في الأصحِّ؛ لأِنَّه لَيسَ بزوجٍ في الحقيقة.

стр. 5212

(فَصْلٌ) (إِذَا شَكَّ فِي الرَّضَاعِ، أَوْ عَدَدِهِ؛ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُه، والأصلُ عدمُ وُجودِ الرَّضاع المحرِّمِ. (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ امْرَأَةٌ مَرْضِيَّةٌ؛ ثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا)، هذا المذهَبُ، وهو قَولُ طاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، والأَوْزاعِيِّ؛ لِمَا رَوَى عقبةُ بنُ الحارِثِ، قال: تزوَّجْتُ أمَّ يَحيى بنتَ أبي إِهابٍ، فجاءَتْ أَمَةٌ سَوداءُ، فقالَتْ: قد أرْضَعْتُكما، فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: «وَكَيْفَ، وقد زَعَمَتْ ذلك (١)» فنَهاهُ عنها، وفي روايةٍ: «دَعْهَا عَنْكَ» رواه البخاريُّ (٢)، وقال الزُّهْرِيُّ: «فُرِّقَ بَينَ أهلِ أبْياتٍ في زَمَنِ عُثْمانَ بشهادةِ امرأةٍ واحدةٍ» (٣)، ولأِنَّ هذه شهادةٌ على عَورةٍ، فتُقبل (٤) فيه شهادةُ النِّساء مُنفَرِداتٍ؛ كالوِلادَة، ولأِنَّه مَعْنًى يُقبَلُ فيه قَولُ النِّساء المنفَرِداتِ، فيُقبل فيه (٥) شهادةُ امرأةٍ، يُؤيِّدُه: ما رَوَى محمَّدُ ابنُ عبد الرَّحمن بن البيلماني (٦) عن أبيه، عن ابن عمرَ قال (٧): سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ ما يَجُوزُ في الرّضاع من الشهود؟ فقال (٨): «رجلٌ، أو امرأة (٩)» رواه أحمدُ،

стр. 5213

وقال (١) البَيهَقِيُّ: إسناده (٢) ضعيفٌ، وقد اخْتُلِفَ في مَتْنِه (٣). وظاهِرُه: أنَّها إذا لم تكُنْ مَرضِيَّةً؛ أنَّه لا يُقبَلُ قَولُها، وهو كذلك. وتُقبَلُ شهادةُ المرضِعةِ على فِعْلِ نفسها؛ للخبر. والمتبرِّعةُ وغَيرُها سَواءٌ، وقِيلَ: مع اليمين، قاله ابنُ حَمْدانَ، ولأِنَّه فِعْلٌ لا يَحصُلُ لها به نَفْعٌ مَقصودٌ، ولا يَدفَعُ عنها ضررًا. لا يُقالُ: إنَّها تستبيح الخَلْوةَ والسَّفرَ معه، وتَصيرُ مَحرَمًا له؛ لأِنَّ هذا لَيسَ من الأُمور المقصودة التي تُرَدُّ بها الشَّهادةُ، ألَا تَرَى لو أنَّ رجلَينِ شَهِدَا أنَّ فُلانًا طلَّق زوجتَه وأعْتَقَ أمَتَه؛ قُبِلَت (٤) شهادتُهما وإنْ حلَّ لهما (٥) نكاحُها بذلك. (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتْ مَرْضِيَّةً اسْتُحْلِفَتْ) مع شَهادَتها، (وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً؛ لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْيَضَّ (٦) ثَدْيَاهَا)، أيْ: يُصِيبَها فيه بَرَصٌ؛ عُقُوبةً على شهادتها (٧) الكاذِبةِ، (وَذَهَبَ فِيهِ إِلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٨)،

стр. 5214

فالظاهر أنَّه (١) لا يَقولُ ذلك إلاَّ عن تَوقِيفٍ؛ لأِنَّ هذا لا يَقتَضِيهِ القِياسُ، ولا يَهتَدِي إليه رأيٌ. وعَنْهُ: لا تقبل (٢) إلاَّ شهادةُ امْرأتَينِ، وهو قَولُ الحَكَم؛ لأِنَّ الرِّجالَ أكْمَلُ من النِّساء. تنبيهٌ: قال ابنُ حَمْدانَ: يُقبل (٣) فيه قَولُ أمِّ المنْكِر وبِنْتِه، لا المدَّعِي، إلاَّ أنْ يَبتدِئا حِسْبةً. ولا يُقبَلُ في الإقرار به شهادةُ النِّساء فَقَطْ، حتَّى أمِّ المرضِعةِ، وقال (٤) ابن حَمْدانَ: إنَّ (٥) الظِّئْرَ إذا قالَتْ: أشْهَدُ أنَّي أرضعتهما (٦) لم يُقبَلْ، وإنْ قالَتْ: أشْهَدُ أنَّهما ارتضعا (٧) منِّي قُبِلَ. (وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ الدُّخُولِ: هِيَ أُخْتِي مِنَ الرَّضَاعِ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ)، وحَرُمَتْ عليه؛ لأِنَّه أقرَّ بما يتضمَّن تحريمَها عليه؛ كما لو أقرَّ بالطَّلاق ثُمَّ رَجَعَ، أو أقرَّ (٨) أنَّ أمَتَه أختُه من النَّسَب، ولو ادَّعى خَطَأً. وهذا في الحُكْم، فأمَّا فِيما بَينَه وبَينَ الله تعالى؛ فإنْ عَلِمَ أنّ الأمْرَ كذلك؛ فهي مُحرَّمةٌ عليه، وإنْ عَلِمَ كَذِبَ نفْسِه؛ فالنِّكاحُ باقٍ بحاله.

стр. 5215

(فَإِنْ صَدَّقَتْهُ؛ فَلَا مَهْرَ)؛ لأِنَّهما اتَّفَقا على أنَّه نكاحٌ (١) باطِلٌ مِنْ أصْله، لا يَستَحِقُّ فيه مَهْرًا؛ كما لو ثَبَتَ ببينة (٢). (وَإِنْ كَذَّبَتْهُ)؛ قُبِلَ قَولُها؛ لأِنَّ قَولَه غَيرُ مَقْبولٍ عليها في إسْقاطِ حُقوقِها، وتحريمُها عليه حقٌّ له، فقُبِلَ؛ (فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ)؛ لأِنَّها فُرْقَةٌ قَبْلَ الدُّخول. (وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَلَهَا الْمَهْرُ بِكُلِّ حَالٍ)؛ لأِنَّه اسْتَقرَّ بالدُّخول، وهذا ما (٣) لم تُطاوِعْه عالِمةً بالتّحريم. وقِيلَ: إنْ صدَّقَتْهُ؛ سقَطَ، قال في «الفروع»: ولعلَّ مُرادَه المسمَّى؛ فيَجِبُ مَهْرُ المِثْل. لكِنْ قال في «الرَّوضة»: لا مَهْرَ لها عليه. وقال ابنُ حمْدانَ: بلْ يَجِبُ لها مهرُ المِثْل مع جَهْلِها بالتَّحريم. (وَإِنْ كَانَتْ هِيَ التِي قَالَتْ: هُوَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعِ، وَأَكْذَبَهَا)، ولا بيِّنةَ، وحَلَفَ، قاله (٤) في «الرِّعاية»؛ (فَهِيَ زَوْجَتُهُ (٥) فِي الْحُكْمِ)؛ لأِنَّه لا يُقبَلُ قَولُها في فَسْخِ النِّكاح؛ لأِنَّه حقٌّ عليها (٦). ولا مَهْرَ لها إنْ طلَّقها قَبْلَ الدُّخول؛ لأِنَّها تُقِرُّ بأنَّها لا تَستَحِقُّه، وإنْ كانَتْ قَبَضَتْه لم يَطْلُبْه الزَّوجُ؛ لأِنَّه يُقِرُّ بأنَّه حقٌّ لها. وإنْ كان بَعْدَ الدُّخول؛ وَجَبَ، قدَّمه في «الرِّعاية». وفي «الشَّرح»، و «الفروع»: إنْ كانَتْ عالِمةً بأنَّها أختُه، وبتحريمها (٧)

стр. 5216

عليه، وطاوَعَتْه في الوطء؛ فلا مَهْرَ؛ لإقرارها (١) بأنَّها زانيةٌ مطاوِعة (٢). وإنْ أنْكَرَتْ شيئًا مِنْ ذلك؛ فلها المهرُ؛ لأِنَّه وطءُ شُبْهةٍ، وهي زَوجَتُه حُكْمًا؛ لأِنَّ قَولَها غَيرُ مَقْبولٍ عليه. تنبيهٌ: إذا عَلِمَتْ صحَّةَ ما أقرَّتْ به؛ لم يَحِلَّ لها تمكينُه، وتَفتَدِي نفْسَها بما أمْكَنَها، ويَنبَغِي أنْ يكونَ الواجِبُ أقلَّ الأَمْرَينِ من المسمَّى أوْ مهرِ المِثل. فإنْ كان إقْرارُها بأُخُوَّته قبلَ النِّكاح؛ لم يَجُزْ لها نكاحُه، ولا (٣) يُقبَلُ رجوعُها عن إقْرارها في ظاهِرِ الحُكْم. وكذلك لو أقرَّ الرَّجُل أنَّها أختُه من الرّضاع، أوْ مُحرَّمةٌ عليه بغيره، وأمْكَنَ صِدْقُه؛ لم يَحِلَّ له تزويجُها بعدَ ذلك في ظاهِر الحُكم، وأمَّا فِيما بَينَه وبَينَ الله تعالى؛ فيَنْبَنِي على عِلْمه بحقيقة الحال. ويَحلِفُ مُدَّعِي الرَّضاع على البَتِّ، ومُنكِرُه على نَفْيِ العِلْمِ به (٤). وإذا ادَّعت أمَةٌ أُخُوَّةَ سيِّدها بعدَ وطءٍ؛ لم يُقبَلْ، وإنْ كان قَبْلَه؛ فوَجْهانِ. (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ، وَهِيَ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ؛ لَمْ تَحْرُمْ)؛ جزم به الأصحابُ؛ (لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ)؛ كما لو قال: أرْضَعَتْنِي وإيَّاها (٥) حَوَّاءُ. قال ابنُ المنَجَّى: ولا بدَّ أنْ يُلْحَظَ أنَّ الزَّوجَ لو قال ذلك وهي (٦) في سنٍّ

стр. 5217

لا يُولَدُ مثلها (١) لِمِثْلِه، وإنْ كان أصغر (٢)؛ كان كما لو قال ذلك وهي في سِنِّه؛ لتحقُّقِ (٣) ما ذكر فيه. فرعٌ: إذا ادَّعى أنَّ زَوجتَه أُخْتُه من الرّضاع، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَ بذلك أُمُّه أو ابنتُه؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّها شهادةُ الوالد لولده، وإنْ شَهِدَتْ أمُّها أو ابْنتُها؛ قُبلت (٤). وعنه: لا، بِناءً على شهادة الوالد على ولده، والولد على والده. وإن ادَّعت ذلك المرأةُ، وأنْكَرَها الزَّوجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أوِ ابْنتُها؛ لم يُقْبَلَ، وإنْ شَهِدَتْ لها أمُّ الزَّوج أو ابنته (٥)؛ قُبِلَ في أصح (٦) الوَجْهَينِ، قاله في «الشَّرح». (وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا)، أوْ زاد قَبْلَ أوانِه؛ (فَهُوَ لِلْأَوَّلِ)؛ لأِنَّ اللَّبَنَ إذا بَقِيَ بحاله، لم (٧) يَزِدْ ولم يَنقُصْ، ولم تَلِدْ من الثَّاني؛ فهو للأوَّل؛ لأِنَّ اللَّبَنَ كان له، والأصلُ بَقاؤه. وعُلِمَ منه: أنَّها إذا لم تَحمِلْ من الثَّاني؛ أنَّه للأوَّل مُطلَقًا، وأنَّها إذا وَلَدَتْ من الثَّاني؛ فاللَّبَنُ له خاصَّةً إجماعًا (٨).

стр. 5218

(وَإِنْ زَادَ لَبَنُهَا) في أوانِه، (فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلاً؛ صَارَ ابْنًا لَهُمَا) في قَولِ أصحابنا؛ كما لو كان الولدُ منهما؛ لأِنَّ زيادتَه عِنْدَ حدوثِ الحَمْل ظاهِرٌ في أنَّه منه، وبقاءُ لبنِ الأوَّل يَقتَضِي كَونَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أنْ يُضافَ إلَيهِما. (وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ (١) بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ أيْ: هو ابنٌ لهما، اختاره أكثرُ أصحابِنا، وقدَّمه في «الفروع»؛ كما لو لم يَنقَطِعْ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ)، قال الحُلْوانيُّ: وهو الأحْسَنُ؛ لأِنَّ لبنَ الأوَّل انْقَطَعَ، فزالُ حُكْمُه بانْقِطاعه، وحَدَثَ بالحمل من الثَّاني، فكان له؛ كما لو لم يكُنْ لها لَبَنٌ من الأوَّل. وإنْ لم يَزِدْ ولم يَنقُصْ حتَّى وَلَدَتْ؛ فهو لهما، نَصَّ عليه (٢)، وذَكَرَ المؤلِّفُ: أنَّه للثَّاني؛ كما لو زادَ (٣). فائدةٌ: كَرِهَ أحمدُ الاِرْتِضاعَ بلبنِ فاجِرةٍ ومُشركَةٍ؛ لقولِ عمرَ بنِ الخَطَّاب وابنِه (٤)، وكذا حَمْقاء وسيِّئة الخُلُق؛ لقوله ﵇: «لا تَزَوَّجُوا الْحَمْقاءَ، فإنَّ

стр. 5219

صُحبتَها بلاءٌ، وفي ولدها ضَياعٌ، ولا تَستَرْضِعوها، فإنَّ لَبَنَها يُغيِّرُ الطِّباعَ» (١). وفي «المجرد»: وبهيمة (٢)؛ لأنَّه يكونُ فيه بَلَدُ البهيمة، وفي «التَّرغيب»: وعمياء، وفي «المستوعب»: وزنجيَّة.

стр. 5220

(كِتَابُ النَّفَقَاتِ) وهي: جَمْعُ نَفَقَةٍ، وتجمع (١) على: نِفاقٍ؛ كثَمَرة وثمار (٢)، وهي الدَّراهِمُ ونحوُها من الأموال، لكنَّ النَّفقةَ: كفايةُ مَنْ يَمونُه خُبْزًا وأُدْمًا ونحوَها. وأصْلُها: الإخْراجُ، من النَّافِقاء، وهو مَوضِعٌ يَجعَلُهُ الضَّبُّ (٣) في مُؤخَّرِ الجُحْر رقيقًا، يُعِدُّه للخروج إذا أُتِيَ مِنْ بابه رفعه (٤) برأسه وخرج منه (٥)، ومنه سُمِّيَ النِّفاقُ؛ لأِنَّه خروجٌ من الإيمان، أوْ خروجُ الإيمان من القلب؛ فسُمِّيَ الخُروجُ نفقةً لذلك. وهِيَ أصْنافٌ: نَفَقَةُ الزَّوجات، وهي المقْصودةُ هنا، ونَفَقةُ الأقارِب، والمماليك. (يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ)، إجْماعًا (٦)، وسَنَدُه قولُه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطّلَاق: ٧]، ومَعْنَى «قُدِرَ»: ضُيِّقَ، وقَولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥٠]، وقَولُه ﷺ : «فاتَّقُوا اللهَ في النِّساء، فإنَّكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهنَّ بكلمةِ الله، ولهنَّ عليكُمْ نَفَقَتُهنَّ وكسْوتُهنَّ بالمعروف» رواه مسلِمٌ (٧)، وقَولُه ﵇:
следующие страницы →