← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

عليه، وطاوَعَتْه في الوطء؛ فلا مَهْرَ؛ لإقرارها (١) بأنَّها زانيةٌ مطاوِعة (٢). وإنْ أنْكَرَتْ شيئًا مِنْ ذلك؛ فلها المهرُ؛ لأِنَّه وطءُ شُبْهةٍ، وهي زَوجَتُه حُكْمًا؛ لأِنَّ قَولَها غَيرُ مَقْبولٍ عليه. تنبيهٌ: إذا عَلِمَتْ صحَّةَ ما أقرَّتْ به؛ لم يَحِلَّ لها تمكينُه، وتَفتَدِي نفْسَها بما أمْكَنَها، ويَنبَغِي أنْ يكونَ الواجِبُ أقلَّ الأَمْرَينِ من المسمَّى أوْ مهرِ المِثل. فإنْ كان إقْرارُها بأُخُوَّته قبلَ النِّكاح؛ لم يَجُزْ لها نكاحُه، ولا (٣) يُقبَلُ رجوعُها عن إقْرارها في ظاهِرِ الحُكْم. وكذلك لو أقرَّ الرَّجُل أنَّها أختُه من الرّضاع، أوْ مُحرَّمةٌ عليه بغيره، وأمْكَنَ صِدْقُه؛ لم يَحِلَّ له تزويجُها بعدَ ذلك في ظاهِر الحُكم، وأمَّا فِيما بَينَه وبَينَ الله تعالى؛ فيَنْبَنِي على عِلْمه بحقيقة الحال. ويَحلِفُ مُدَّعِي الرَّضاع على البَتِّ، ومُنكِرُه على نَفْيِ العِلْمِ به (٤). وإذا ادَّعت أمَةٌ أُخُوَّةَ سيِّدها بعدَ وطءٍ؛ لم يُقبَلْ، وإنْ كان قَبْلَه؛ فوَجْهانِ. (وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: هِيَ ابْنَتِي مِنَ الرَّضَاعِ، وَهِيَ فِي سِنِّهِ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ؛ لَمْ تَحْرُمْ)؛ جزم به الأصحابُ؛ (لِتَحَقُّقِنَا كَذِبَهُ)؛ كما لو قال: أرْضَعَتْنِي وإيَّاها (٥) حَوَّاءُ. قال ابنُ المنَجَّى: ولا بدَّ أنْ يُلْحَظَ أنَّ الزَّوجَ لو قال ذلك وهي (٦) في سنٍّ

стр. 5217

لا يُولَدُ مثلها (١) لِمِثْلِه، وإنْ كان أصغر (٢)؛ كان كما لو قال ذلك وهي في سِنِّه؛ لتحقُّقِ (٣) ما ذكر فيه. فرعٌ: إذا ادَّعى أنَّ زَوجتَه أُخْتُه من الرّضاع، فأنْكَرَتْه، فشَهِدَ بذلك أُمُّه أو ابنتُه؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّها شهادةُ الوالد لولده، وإنْ شَهِدَتْ أمُّها أو ابْنتُها؛ قُبلت (٤). وعنه: لا، بِناءً على شهادة الوالد على ولده، والولد على والده. وإن ادَّعت ذلك المرأةُ، وأنْكَرَها الزَّوجُ، فشَهِدَتْ لها أُمُّها أوِ ابْنتُها؛ لم يُقْبَلَ، وإنْ شَهِدَتْ لها أمُّ الزَّوج أو ابنته (٥)؛ قُبِلَ في أصح (٦) الوَجْهَينِ، قاله في «الشَّرح». (وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ قَبْلَهُ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ وَلَمْ يَزِدْ لَبَنُهَا)، أوْ زاد قَبْلَ أوانِه؛ (فَهُوَ لِلْأَوَّلِ)؛ لأِنَّ اللَّبَنَ إذا بَقِيَ بحاله، لم (٧) يَزِدْ ولم يَنقُصْ، ولم تَلِدْ من الثَّاني؛ فهو للأوَّل؛ لأِنَّ اللَّبَنَ كان له، والأصلُ بَقاؤه. وعُلِمَ منه: أنَّها إذا لم تَحمِلْ من الثَّاني؛ أنَّه للأوَّل مُطلَقًا، وأنَّها إذا وَلَدَتْ من الثَّاني؛ فاللَّبَنُ له خاصَّةً إجماعًا (٨).

стр. 5218

(وَإِنْ زَادَ لَبَنُهَا) في أوانِه، (فَأَرْضَعَتْ بِهِ طِفْلاً؛ صَارَ ابْنًا لَهُمَا) في قَولِ أصحابنا؛ كما لو كان الولدُ منهما؛ لأِنَّ زيادتَه عِنْدَ حدوثِ الحَمْل ظاهِرٌ في أنَّه منه، وبقاءُ لبنِ الأوَّل يَقتَضِي كَونَ أصْلِه منه، فيَجِبُ أنْ يُضافَ إلَيهِما. (وَإِنِ انْقَطَعَ لَبَنُ الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَابَ (١) بِحَمْلِهَا مِنَ الثَّانِي؛ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ أيْ: هو ابنٌ لهما، اختاره أكثرُ أصحابِنا، وقدَّمه في «الفروع»؛ كما لو لم يَنقَطِعْ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: هُوَ ابْنُ الثَّانِي وَحْدَهُ)، قال الحُلْوانيُّ: وهو الأحْسَنُ؛ لأِنَّ لبنَ الأوَّل انْقَطَعَ، فزالُ حُكْمُه بانْقِطاعه، وحَدَثَ بالحمل من الثَّاني، فكان له؛ كما لو لم يكُنْ لها لَبَنٌ من الأوَّل. وإنْ لم يَزِدْ ولم يَنقُصْ حتَّى وَلَدَتْ؛ فهو لهما، نَصَّ عليه (٢)، وذَكَرَ المؤلِّفُ: أنَّه للثَّاني؛ كما لو زادَ (٣). فائدةٌ: كَرِهَ أحمدُ الاِرْتِضاعَ بلبنِ فاجِرةٍ ومُشركَةٍ؛ لقولِ عمرَ بنِ الخَطَّاب وابنِه (٤)، وكذا حَمْقاء وسيِّئة الخُلُق؛ لقوله ﵇: «لا تَزَوَّجُوا الْحَمْقاءَ، فإنَّ

стр. 5219

صُحبتَها بلاءٌ، وفي ولدها ضَياعٌ، ولا تَستَرْضِعوها، فإنَّ لَبَنَها يُغيِّرُ الطِّباعَ» (١). وفي «المجرد»: وبهيمة (٢)؛ لأنَّه يكونُ فيه بَلَدُ البهيمة، وفي «التَّرغيب»: وعمياء، وفي «المستوعب»: وزنجيَّة.

стр. 5220

(كِتَابُ النَّفَقَاتِ) وهي: جَمْعُ نَفَقَةٍ، وتجمع (١) على: نِفاقٍ؛ كثَمَرة وثمار (٢)، وهي الدَّراهِمُ ونحوُها من الأموال، لكنَّ النَّفقةَ: كفايةُ مَنْ يَمونُه خُبْزًا وأُدْمًا ونحوَها. وأصْلُها: الإخْراجُ، من النَّافِقاء، وهو مَوضِعٌ يَجعَلُهُ الضَّبُّ (٣) في مُؤخَّرِ الجُحْر رقيقًا، يُعِدُّه للخروج إذا أُتِيَ مِنْ بابه رفعه (٤) برأسه وخرج منه (٥)، ومنه سُمِّيَ النِّفاقُ؛ لأِنَّه خروجٌ من الإيمان، أوْ خروجُ الإيمان من القلب؛ فسُمِّيَ الخُروجُ نفقةً لذلك. وهِيَ أصْنافٌ: نَفَقَةُ الزَّوجات، وهي المقْصودةُ هنا، ونَفَقةُ الأقارِب، والمماليك. (يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ)، إجْماعًا (٦)، وسَنَدُه قولُه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطّلَاق: ٧]، ومَعْنَى «قُدِرَ»: ضُيِّقَ، وقَولُه تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزَاب: ٥٠]، وقَولُه ﷺ : «فاتَّقُوا اللهَ في النِّساء، فإنَّكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُروجَهنَّ بكلمةِ الله، ولهنَّ عليكُمْ نَفَقَتُهنَّ وكسْوتُهنَّ بالمعروف» رواه مسلِمٌ (٧)، وقَولُه ﵇:

стр. 5221

«أَلَا وحقُّهنَّ عليكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيهِنَّ في طعامِهنَّ وكِسوتهنَّ (١)» رواه التِّرْمذِيُّ، وصحَّحه من حديثِ عَمْرِو بن الأَحْوَص (٢)، ولأِنَّها مَحبوسةٌ على الزَّوج، يَمنَعُها مِنْ التَّصرُّف والاِكْتِساب، فوجبت (٣) نفقتُها؛ كالعبد مع سيِّده. (مَا لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ (٤)، بَيانٌ لِمَا تَجِبُ النَّفقة، (وَكُسْوَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ)؛ أيْ: إذا سلَّمت (٥) نفسَها إليه على الوجهِ الواجِبِ، فلها عليه جميعُ حاجتها؛ من (٦) مأكولٍ، ومشروبٍ، وملبوسٍ. (وَمَسْكَنُهَا)؛ لأِنَّه تعالى أوْجَبَه للمطلَّقة بقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٦]، فتجب (٧) لِمَنْ هي في صُلْبِ النِّكاح بطَريقِ الأَوْلَى، وهو (٨) من جملةِ مُعاشَرَتِها بالمعروف؛ لأِنَّها لا تَستَغْنِي عنه؛ لِلاِسْتِتار عن العُيون في الاِسْتِمْتَاع، والتَّصرُّف، والحِفْظ. (بَمَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهَا)، الظَّاهِرُ أنَّه يَعُودُ إلى المسكن خاصَّةً؛ لأِنَّ صلاحية (٩) ما قبلَ ذلك عُلِمَ بقوله: (بالمعروف)، ويكون ذلك على قدر اليَسار والإعسار (١٠)، وكالنَّفقة والكُسْوة.

стр. 5222

(وَلَيْسَ (١) ذَلِكَ مُقَدَّرًا)؛ لحديثِ هِنْد، (لَكِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الزَّوْجَيْنِ) جميعًا، هكذا ذَكَرَه الأصْحابُ. وقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ (٢): يُعتَبَرُ حالُ المرأة على قَدْرِ كِفايَتها؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، والمعروفُ: الكِفايَةُ، ولأنَّ (٣) الكُسْوةَ على قَدْرِ حالِها، فكذا النَّفقةُ. وقال الشَّافعيُّ (٤): يُعتَبَرُ حالُ الزَّوج وحدَه؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطّلَاق: ٧]، ولقوله ﵇: «أطْعِموهنَّ مِمَّا تأكُلونَ، واكْسُوهنَّ مِمَّا تلبسون (٥)» رواهُ أبو داودَ والبَيهَقِيُّ (٦). وجَوابُه: بأنَّ ما ذَكَرْناهُ فيه جَمْعٌ بَينَ الأدِلَّة، ورِعايةٌ لكلٍّ من الجانِبَينِ، فكان أَوْلى. وحِينئَذٍ: فالنَّفقةُ مُقدَّرةٌ بالكفاية. وقال القاضي: الواجِبُ رطلان (٧) مِنْ خبزٍ في كلِّ يَومٍ في حقِّ الموسِر والمعْسِر؛ اعتبارًا بالكفَّارات، وإنَّما يَختَلِفانِ في صفته وجَوْدته (٨).

стр. 5223

والمذْهَبُ: لا يَجِبُ الحَبُّ، فلو تَراضَيَا مَكانَ الخبز على حَبٍّ أوْ دقيقٍ؛ جازَ؛ لأِنَّه لَيسَ بمُعاوَضةٍ حقيقةً؛ لأنَّ (١) الشَّارِعَ لم يُعيِّن الواجِبَ بأكثرَ من الكفاية، فبأيِّ شَيءٍ حَصَلَتْ كان هو الواجب. (فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ؛ رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ) أوْ نائبِه؛ لأِنَّه أمرٌ يَختلِفُ باختلاف حال الزَّوجَينِ؛ فرُجِعَ فيه إلى اجْتِهاد الحاكِمِ أوْ نائبه؛ كسائر المخْتَلِفات، ولأِنَّه وُضِعَ لقطع (٢) النِّزاع. (فَيَفْرِضُ لِلْمُوسِرَةِ تَحْتَ الْمُوسِرِ قَدْرَ كِفَايَتِهَا، مِنْ أَرْفَعِ خُبْزِ الْبَلَدِ) الخاصِّ، (وَأُدْمِهِ) المعتادِ لِمِثْلِها، (الذِي جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهَا بِأَكْلِهِ)؛ لأِنَّه ﵇ جَعَلَ ذلك بالمعروف، ولَيسَ من المعروف (٣) إطْعامُ الموسِرة خُبْزَ المعْسِرة، ولأِنَّ الله تعالى فرَّقَ بَينَ الموسِر والمعْسِر في الإنفاق، ولم يُبَيِّنْ ما فيه التَّفريقُ، فَوَجَبَ الرُّجوعُ إلى العُرْف، وأهْلُ العُرْف يتعارَفونَ فيما بَينَهم: أنَّ جِنْسَ نفقةِ المُوسِرِينَ أعْلَى مِنْ جِنْسِ نفقةِ المعْسِرِينَ، ويَعُدُّونَ المنْفِقَ من المُوسِرِينَ مِنْ جِنْسِ نفقةِ المعْسِرينَ بخيلاً، ولأِنَّ النَّفقةَ مِنْ مُؤنَة الزَّوجة على الدوام، فاختلَف جِنسُ اليَسَار والإعْسَار؛ كالكُسْوة، فلو تبرَّمَتْ من أُدْمٍ نَقَلَها إلى غَيرِه. وظاهِرُ كلامِهم: أنَّه يَفرِضُ لحمًا عادة (٤) المُوسِرِينَ بذلك الموضِع. وقدَّم في «الرِّعاية»: كلَّ جمعةٍ مرَّتَينِ. قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ العادةُ، لكِن يُخالِفُ في إدْمانه، ولعلَّ هذا مُرادُهم.

стр. 5224

(وَمَا تَحْتَاجُ (١) إِلَيْهِ مِنَ الدُّهْنِ) على اخْتِلافِ أنواعه؛ كالسَّمْن، والزَّيت، والشَّحم، والشيرج، في كلِّ مَوضِعٍ على حِدَته؛ لأِنَّ الحاجةَ داعيةٌ إلى ذلك، أشْبَهَ كَنْسَ المسْتأجِر الدَّارَ. (وَمَا يَلْبَسُ مِثْلُهَا مِنْ جَيِّدِ الْكَتَّانِ)، بفتح الكاف، وهو فارسيٌّ مُعرَّبٌ، (وَالْقُطْنِ، وَالْخَزِّ، وَالْإِبْرِيسَمِ)، قال أبو السَّعادات: (الخَزُّ: ثيابٌ تُنسَجُ من صُوفٍ) (٢)، والإبْرِيسَمُ: الحريرُ المُصْمَتُ، وقال (٣) أبو مَنصورٍ: هو أعْجَمِيٌّ مُعرَّبٌ، بفتح الهمزة والرَّاء، وقِيلَ: بكسر الهمزة، وقال ابنُ الأعرابيِّ: هو (٤) بكسر الهمزة والرَّاء، وفتح السِّين (٥). وعُلِم منه: أنَّ كُسْوتَها واجبةٌ إجْماعًا (٦)؛ لأِنَّه لا بدَّ لها (٧) منها على الدَّوام؛ فلَزِمَتْه النفقة. وهي (٨) مُعتَبَرةٌ بكفايتها، ولَيستْ مقدَّرةً بالشَّرع؛ كالنَّفقة، ويُرجَع فيها إلى اجْتِهاد الحاكم؛ كاجْتِهاده في المتعة للمطلَّقة. (وَأَقَلُّهُ (٩): قَمِيصٌ، وَسَرَاوِيلُ، وَوِقَايَةٌ)، وهي ما تَضَعُه فَوقَ المِقْنَعة،

стр. 5225

وتُسَمَّى الطَّرحة، (وَمِقْنَعَةٌ، وَمَدَاسٌ)؛ لأِنَّ ذلك أقلُّ ما تقع (١) به الكفايةُ؛ لأِنَّ الشَّخصَ لا بدَّ له من شيءٍ يُوارِي جَسَدَه، وهو القميصُ، ومن شيءٍ يَستُرُ عورتَه، وهو السَّراويلُ، ومِن شيءٍ على رأسه، وهو الوِقايةُ، ومِن شيءٍ في رِجْلِه، وهو المداسُ، ومِن شَيءٍ يُدْفِئُه، (وَ) هو (جُبَّةٌ فِي الشِّتَاءِ)، ومِن شيءٍ ينامُ فيه، نبَّه عليه (٢) بقوله: (وَلِلنَّوْمِ: الْفِرَاشُ، وَاللِّحَافُ، وَالْمِخَدَّةُ)، ومِن شيءٍ يَجلِسُ عليه، وهو المرادُ بقوله: (وَالزِّلِّيُّ لِلْجُلُوسِ، وَرَفِيعُ الْحَصِيرِ). والكُسْوةُ بالمعروف: هي التي جَرَتْ عادةُ أمثالها بلُبْسِه، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغَيرِه، فإنْ كانَتْ عادتُها النَّومَ في الأَكْسِيَة والبُسُط؛ فعليه ذلك، ويَزيدُ في عَدَد الثِّياب ما جَرَتِ العادةُ بلُبْسه مِمَّا لا غِنَى لها عنه. زاد في «التبصرة» (٣): وإزارٌ. وظاهِرُ كلامه: أنَّه لا يَجِبُ لها خُفٌّ (٤)، ولا مِلْحَفَةٌ؛ لأِنَّها ممنوعةٌ من الدُّخول والخروج لحقِّ الزَّوج، فلا يَجِبُ عليه مؤنة (٥) ما هي ممنوعةٌ منه لأجله. (ولِلْفَقِيرَةِ (٦) تَحْتَ الْفَقِيرِ: مِنْ أَدْنَى خُبْزِ الْبَلَدِ، وَأُدْمِهِ، وَدُهْنِهِ)؛ لأِنَّها إحدى الزَّوجَينِ، فَوَجَبَ بحالها؛ كالمُوسِرَة، ويَجِبُ عليه زَيتٌ للمِصْباح، ولا يُقطِعُها اللَّحْمَ فَوقَ أربعينَ، وقدَّم في «الرِّعاية» مرَّةً في كلِّ شَهْرٍ، وظاهِرُ كلامِ الأكثرِ: العادةُ. (وَمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكُسْوَةِ، مِمَّا يَلْبَسُهُ أَمْثَالُهَا، وَيَنَامُونَ فِيهِ، وَيَجْلِسُونَ

стр. 5226

عَلَيْهِ)، على قدْرِ عادَتِها وعادة أمثالها. (وَلِلْمُتَوَسِّطَةِ تَحْتَ الْمُتَوَسِّطِ، أَوْ إِذَا (١) كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالآْخَرُ مُعْسِرًا: مَا بَيْنَ ذَلِكَ، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهِ)؛ لأِنَّ إيجابَ نفقةِ المُوسِرِ على المعسر، وإنفاق (٢) المعْسِر نفقةَ المُوسِرِ لَيسَ من المعروف، وفيه إضْرارٌ بصاحبه، فكان اللاَّئقُ بحالهما هو التَّوسُّط. وقِيلَ: للمُوسِرة على المعْسِر أقلُّ كفايةٍ، والباقي في ذِمَّته، وحكاهُ ابنُ هُبَيرةَ عن الأصحاب وغيرِهم. وعلى الكلِّ: لا بدَّ مِنْ ماعُونِ الدَّار، ويُكتَفَى بخَزَفٍ وخَشَبٍ، والعَدْلُ ما يَلِيقُ بهما. أصلٌ: المُوسِرُ مَنْ (٣) يَقدِرُ على النَّفقة بماله أوْ كَسْبه، وعكْسُه المعْسِر، وقِيلَ: هو الذي لا شيءَ له. والمتوسِّطُ: مَنْ يَقدِرُ على بعض النَّفقة بماله أوْ كَسْبِه. قال ابنُ حَمْدانَ: ومِسكِينُ الزَّكاة مُعْسِرٌ، ومَن فوقه (٤) مُتوسِّطٌ، وإلاَّ فهو مُوسِرٌ. (وَعَلَيْهِ مَا يَعُودُ بِنَظَافَةِ الْمَرْأَةِ؛ مِنَ الدُّهْنِ، وَالسِّدْرِ)، والمشْطِ، (وَثَمَنِ الْمَاءِ)، وأُجرةِ قَيِّمةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأِنَّ ذلك يُرادُ للتَّنظيف؛ كتَنظِيفِ الدَّار. وفي «الواضح» وَجْهٌ، قال في «عيون المسائل»: لأِنَّ ما كان مِنْ تنظيفٍ على مُكتَرٍ؛ كرشٍّ (٥) وكَنْسٍ وتَنقِيَةِ الآبار، وما كان مِنْ حِفْظ البِنْيَة؛ كبِناءِ

стр. 5227

حائطٍ وتغييرِ الجِذْع على مُكْرٍ، فالزَّوجُ كمُكْرٍ (١)، والزَّوجةُ كمُكْتَرٍ، وإنَّما يَختَلِفانِ فِيما يَحفَظُ البِنْيَةَ دائمًا من الطَّعام، فإنَّه يَلزَمُ الزَّوجَ. وفي «الرِّعاية»: يَلزَمُه ما يَقطَعُ صُنانَها ورائحةً كَرِيهةً، لا ما يُرادُ لِلاِسْتِمْتاع والزِّينة. (وَلَا تَجِبُ الْأَدْوِيَةُ، وَأُجْرَةُ الطَّبِيبِ)؛ لأِنَّ ذلك يُرادُ لِإصْلاحِ الجِسْم؛ كما لا يَلْزَمُ المستأْجِرَ بِناءُ ما يَقَعُ من الدَّار، وكذا أُجْرَةُ حجَّامٍ، وفاصِدٍ، وكَحَّالٍ. (فَأَمَّا الطِّيبُ)؛ أيْ: ثَمَنُه، وفي «الواضح» وَجْهٌ: يَلزَمُه، (وَالْحِنَّاءُ، وَالْخِضَابُ، وَنَحْوُهُ؛ فَلَا يَلْزَمُهُ)؛ لأِنَّ ذلك مِنْ الزِّينة، فلَمْ يَجِبْ عليه؛ كشِراءِ الحلي، (إِلاَّ أَنْ يُرِيدَ مِنْهَا التَّزَيُّنَ بِهِ)؛ لأِنَّه هو المُريدُ لذلك. وفي «المغْنِي»، و «الشَّرح»، و «التَّرغيب»: يَلزَمُه ما يُراد (٢) لِقَطْعِ رائحةٍ كريهةٍ. ويلزمها (٣) تَرْكُ حِنَّاءٍ وزِينةٍ نَهَى عنها (٤)، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥). فرعٌ: المُكاتَبُ والعبدُ؛ كالمعْسِرِ؛ لأِنَّهما لَيسَا بأحْسَنَ حالاً منه، ومَن نِصْفُه حرٌّ فعليه نصفُ نفقةِ نَفْسِه، ونصفُ نفقةِ زَوجتِه، وعلى سيِّده باقِيهِما، وذَكَرَ ابنُ حَمْدانَ: إنْ كان مُعسِرًا فكمُعْسِرَينِ، وإنْ كان مُوسِرًا فكمُتَوَسِّطَينِ. (فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مَنْ يَخْدِمُهَا لِكَوْنِ مِثْلِهَا لَا تَخْدِمُ (٦) نَفْسَها، أَوْ

стр. 5228

لِمَرَضِهَا (١)؛ لَزِمَهُ ذَلِكَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النِّسَاء: ١٩]، ولأِنَّه ممَّا (٢) يُحتاجُ إليه في الدَّوام، أشْبَهَ النَّفقةَ. وقِيلَ: لا يَلزَمُه إخْدامُ مريضةٍ، جَزَمَ به في «التَّرغيب»، ولا أَمَةٍ، وقِيلَ: غَيرِ جميلةٍ. (فَإِنْ كَانَ لَهَا (٣)؛ أَجْزأ (٤)؛ لأنَّ (٥) الغَرَضَ الخِدمةُ، وهي حاصِلةٌ بخادِمِها، ويُشتَرَطُ رِضاها به. (وإلاَّ) إذا لم يكُنْ لها خادِمٌ، أوْ كان ولم ترض (٦) به؛ (أَقَامَ لَهَا خَادِمًا؛ إِمَّا بِشِرَاءٍ، أَوْ كِرَاءٍ، أَوْ عَارِيَةٍ)؛ لأِنَّ المقصودَ الخِدْمةُ، كما إذا أسْكَنَها دارًا بأُجْرةٍ، فإنْ مَلَّكَها الخادم (٧) فقد زاد خَيرًا. وتَجُوزُ كتابيَّةٌ (٨) في الأصحِّ إنْ جاز نَظَرُها. وفي «الكافي» وَجْهانِ؛ بِناءً على إباحةِ النَّظَر لهنَّ. فإنْ قُلْنا بجَوازِه؛ فهل يَلزَمُ المرأةَ قَبولُها؟ فيه وجْهانِ: أحدهما: يلزمها (٩)؛ لأِنَّهم يَصلُحونَ للخِدْمة. والثَّاني: لا؛ لأِنَّ النَّفْسَ تَعافُهُم. (وَيَلْزَمُهُ (١٠) نَفَقَتُهُ)؛ لأِنَّه مَحبوسٌ بسبَبٍ مِنْ جِهَتِه، أشْبَهَ نفقةَ الزَّوجة،

стр. 5229

(بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْفَقِيرَيْنِ)؛ لأِنَّه مُعسِرٌ وحالُه حالُ المعْسِرِينَ، وحِينَئِذٍ: يَجِبُ له ثَوبٌ وأُدْمٌ (١) ومَسكَنٌ وماعُونٌ مع خُفٍّ ومِلحَفةٍ لِقَضاءِ الحاجة، وقِيلَ: دُونَ نَفَقةِ سيِّدها (٢). (إِلاَّ فِي النَّظَافَةِ)، فإنَّها لا تَلزَمُه في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّ المُشْطَ والدُّهْنَ ونحوَهما يُرادُ للزِّينة والتَّنظيف، ولا يُرادُ هذا من الخادِم. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ كثُرَ وَسَخُ الخادِم وهوامُّ رَأْسِها، أوْ تأذَّت به هي، أوْ سيِّدتُها؛ فعليه مؤونة تَنظِيفها. (وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفَقَةِ خَادِمٍ وَاحِدٍ)، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّ المُسْتَحَقَّ خِدْمَتُها في نفسها، وذلك يَحصُلُ بالواحد. وقِيلَ: وأكثر (٤) بقَدْرِ حالِها. وجَوابُه: أنَّ الخادِمَ الواحِدَ يكفيها لِنَفْسِها، والزِّيادةُ عليه يُرادُ لِحِفْظ ملْكِها والتَّجمُّلِ، ولَيسَ عليه ذلك. وتعيينُ خادِمِها إليهما، وإلاَّ فإلَيهِ، وله إبدالُه لسرقةٍ (٥) ونحوِها. فإنْ كان الخادِمُ لها ورَضِيَتْه؛ فنَفَقَتُه على الزَّوج، وكذا نفقةُ المُؤْجَرِ، والمُعارِ في وَجْهٍ، قاله في «الرِّعاية»، ولَيسَ بمُرادٍ في المؤجَر، فإنَّ نَفَقَتَه على مالكه. (فَإِنْ قَالَتْ: أَنَا أَخْدِمُ نَفْسِي، وَآخُذُ مَا يَلْزَمُكَ لِخَادِمِي؛ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ)؛ لأِنَّ الأُجْرةَ عليه، فتَعْيينُ الخادِم إلَيهِ، ولأنَّ (٦) ذلك يُؤدِّي إلى تَوفِيرِها

стр. 5230

على حقوقه وترفيهها (١) ورَفْعِ قَدْرِها، وذلك يَفُوتُ بخِدْمَتِها. (وَإِنْ (٢) قَالَ: أَنَا أَخْدِمُكِ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهَا قَبُولُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: لا يَلزَمُها قَبولُ ذلك، قدَّمه في «الشَّرح»؛ لأِنَّها تَحتَشِمُه، وفيه غَضاضةٌ عَلَيها؛ لكون (٣) زَوجِها خادِمًا لها. والثَّاني: بلى، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الكِفايةَ تَحصُلُ به، قال ابنُ حَمْدانَ: له ذلك فِيمَا يَتوَلاَّهُ مِثْلُه لِمَنْ يَكفِيها خادِمٌ واحِدٌ. ولا يَلزَمُه أُجْرَةُ مَنْ يُوضِّئُ مريضةً، بخِلافِ رقيقهِ، ذَكَرَه أبو المعالي.

стр. 5231

(فَصْلٌ) (وَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَكُسْوَتُهَا، وَمَسْكَنُهَا؛ كَالزَّوْجَةِ سَوَاءً)؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٨]، ولأِنَّها زوجةٌ يَلحَقُها طَلاقُه وظِهارُه، أشْبَهَ ما قَبْلَ الطَّلاق. (وَأَمَّا الْبَائِنُ بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً؛ فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى)، إجْماعًا (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ … ﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ٦]، وقَولُه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطّلَاق: ٦]، وفي بَعْضِ أخْبارِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لَا نَفَقَةَ لكِ إلاَّ أنْ تَكُونِي حامِلاً» (٢)، ولأِنَّ الحَمْلَ وَلَدُه، والإنْفاقُ عَلَيهِ دُونَها مُتعذِّرٌ، فوَجَبَ كما وَجَبَتْ أُجْرةُ الرّضاع. وفي حكايةِ الإجماع (٣) نَظَرٌ، فإنَّ أحمد (٤) نَصَّ في روايةٍ ذَكَرَها الخَلاَّلُ: أنَّ لها (٥) النَّفقةَ دُونَ السُّكْنَى (٦). وفي «الموجز» و «التَّبصرة» روايةٌ: لا يَلزَمُه، وهي سَهْوٌ. وفي «الرَّوضة»: تَلزَمُه النَّفَقةُ، وفي السُّكْنَى رِوايَتانِ. (وَإِلاَّ فَلَا شَيْءَ لَهَا) إذا (٧) لم تكُنْ حامِلاً، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وقال ابنُ هُبَيرةَ: هي أظْهَرُ

стр. 5232

الرِّوايَتَينِ، وقالَهُ جَمْعٌ من الصحابة (١)، منهم عليٌّ (٢)، وابنُ عبَّاسٍ (٣)، وجابِرٌ (٤)، ومَنْ بَعدَهُم؛ لقوله ﷺ لِفاطِمةَ بنتِ قَيسٍ: «لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ» رواه البُخاريُّ، ومُسلِمٌ وزاد: «وَلَا سُكْنَى»، وفي لَفْظٍ: قال النَّبيُّ ﷺ : «انظري (٥) يا ابْنَةَ قَيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمرأة على زَوجِها ما كانَتْ له عَلَيها الرجعة (٦)، فإنْ لم تكُنْ له عَلَيها الرجعة (٧)، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى» رواهُ أحمدُ والحميدي (٨). (وَعَنْهُ: لَهَا السُّكْنَى)، وهي (٩)

стр. 5233

قَولُ عمر (١)، وابنِه (٢)، وابنِ مَسعودٍ (٣)، وعائشةَ (٤)، والفُقهاءِ السَّبعة، وبه قال أكثرُ العلماء، واختارها أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ … (٦)﴾ [الطّلَاق: ٦]، فأوْجَبَ لها السُّكْنَى مُطلَقًا، ثُمَّ خَصَّ الحامِلَ بالإنْفاق عَلَيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ … ﴾ الآيةَ [الطّلَاق: ٦]. وفي «الاِنْتِصار»: لا يَسقُطُ بتَراضِيهِما؛ كعِدَّةٍ. وعَنْهُ: ولها النَّفقةُ أيضًا، قالَهُ أكْثَرُ فقهاءِ العراق، ويُرْوَى عن عمرَ وابنِ مسعودٍ (٥)؛ لأِنَّها مُطلَّقةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفقةُ والسُّكْنَى؛ كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطِمةَ بقَولِ عمرَ: «لا نَدَعُ كِتابَ ربِّنا وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَولِ امْرأةٍ» رواه مُسلِمٌ، وأنْكَرَه أحمدُ، قال عُرْوةُ: لقد (٦) عابَتْ عائشةُ ذلك أشدَّ العَيبِ، وقالَتْ: «إنَّها (٧) كانَتْ في مَكَانٍ وَحْشٍ

стр. 5234

فخِيفَ على ناحيتها (١)» (٢). والأوَّلُ أَوْلَى، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قَولُ أحمدَ ومَن تابَعَه أصحُّ وأرْجَحُ (٣)؛ لأِنَّه ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ نَصًّا صريحًا، فأيُّ شَيءٍ يُعارِضُ هذا، وقَولُ عمرَ ومَن وافَقَه؛ فَقَدْ خالَفَه عليٌّ، وابنُ عبَّاسٍ، وجابِرٌ، وقَولُ عُمرَ: «لا نَدَعُ كِتابَ ربِّنا»؛ إلاَّ لِمَا هو مَوجُودٌ في كِتابِ الله تعالى (٤)، وهو قَولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ … ﴾ [الطّلَاق: ٦]، وقد رَوَى أبو داودَ بإسْنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: «ففرَّق (٥) رسولُ الله ﷺ بَينَهُما، وقَضَى أنْ لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ» (٦)، ولأِنَّها مُحرَّمَةٌ عليه تحريمًا تُزيله (٧) الرَّجْعةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نَفَقَةَ؛ كالمُلاعَنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعيَّة، فإنَّها زَوجةٌ. (فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَائِلاً، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَامِلٌ؛ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) على الأصحِّ؛ لأِنَّه تَبَيَّنَّا اسْتِحْقاقَها له، فرَجَعَتْ به عليه كالدَّين. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُلْنَا: النَّفقةُ لها؛ رَجَعَتْ، وإلاَّ فلا.

стр. 5235

(وَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا يَظُنُّهَا حَامِلاً، فَبَانَتْ حَائِلاً؛ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالنَّفَقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أصحُّهما: يَرجِعُ عليها، أشْبَهَ ما لو قَضَاها دَينًا، ثُمَّ تَبيَّنَ بَراءَتُه منه. والثَّانيةُ: لا رُجوعَ بشَيءٍ؛ لأِنَّه أنْفَقَ عليها بحُكْمِ آثارِ النِّكاح، فلم يَرجِعْ به؛ كالنَّفقة في النِّكاح الفاسد إذا تَبيَّنَ فَسادُه. وفي «الوسيلة»: إنْ نفى (١) الحَمْل ففي رُجوعِه رِوايَتان. وإنْ عَلِمَتْ بَراءَتَها من الحَمْل بالحَيض، فكَتَمَتْهُ؛ فيَنبَغِي أنْ يَرجِعَ قَولاً واحِدًا. فرعٌ: إذا ادَّعَتْ حَمْلاً مُمْكِنًا؛ أنْفَقَ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ، نَصَّ عليه (٢). وعنه: إنْ شَهِدَ به النِّساءُ. فإنْ مَضَتْ ولم يَبِنْ؛ رَجَعَ بما أنْفَقَ. وعَنْهُ: لا؛ كنِكاحٍ تَبَيَّنَ فَسادُه لتفريطه، كنَفَقَتِه على أجنبيَّةٍ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُلْنَا: يَجِبُ تعجيلُ النَّفقة؛ رَجَعَ، وإلاَّ فلا. وكذا إنْ ظَنَّها حامِلاً فبَانَتْ حائِلاً، أوْ ولدت (٣) بَعْدَ أكثرِ مُدَّةِ الحَمْل، فأنْكَرَه. وقِيلَ: يَرجِعُ بِنَفَقةِ ستَّةِ أشْهُرٍ فَقَطْ. (وَهَلْ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لِحَمْلِهَا، أَوْ لَهَا مِنْ أَجْلِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: (إِحْدَاهُمَا: أَنَّهَا لَهَا)؛ أيْ: مِنْ أجْلِ الحَمْل، اخْتَارَه ابنُ عَقِيلٍ في «التَّذكرة»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّها تَجِبُ مع الإعسار، ولا تَسقُطُ بمُضِيِّ

стр. 5236

الزَّمانِ، (فَتَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ رَقِيقًا)؛ لأِنَّ الزَّوجَ عليه نفقةُ زَوجَتِه، (وَلَا تَجِبُ لِلنَّاشِزِ)؛ لأِنَّ النفقة وجبت (١) في مُقابَلَةِ تَمْكِينِها، ومع النُّشوز لا تمكين (٢)، (وَلَا لِلْحَامِلِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ)؛ لأِنَّها لَيسَتْ زَوجةً يَجِبُ الإنْفاقُ عَلَيهَا. (وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لِلْحَمْلِ)، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ، وأبو بكرٍ، والقاضي (٣)، وأصحابُه، قال الزَّرْكَشِيُّ: وهي أشْهَرُهما؛ لأِنَّها تَجِبُ بِوُجودِه وتسقط (٤) بِعَدَمِه. (فَتَجِبُ (٥) لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ)؛ لأِنَّه وَلَدُه، فَلَزِمَتْهُ نَفَقَتُه، (وَلَا تَجِبُ لَهَا إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا)؛ لأِنَّ العبدَ لا تلزمه (٦) نفقةُ وَلَدِه، والأمة (٧) نَفَقَتُها على سيِّدها؛ لأِنَّها ملْكُه. وأوْجَبَهَا الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: له ولها لأِجْلِه، وجَعَلَهَا كمُرضِعةٍ بأُجْرةٍ (٨). وفي «الواضِح»: في مسألةِ الرقِّ (٩) رِوايَتانِ؛ كحَمْلٍ في نِكاحٍ صحيحٍ، أوْ لا حُرْمةَ له. وإنْ قُلْنا: هي لها؛ فلا نَفَقَةَ. وممَّا (١٠) يَتفرَّعُ على الخلاف: إذا كان الزَّوجُ غائِبًا أوْ مُعْسِرًا؛ فعلى

стр. 5237

الأولى (١): لا شَيءَ لها؛ إذْ نَفَقةُ الغائب تَسقُطُ بمُضِيِّ الزَّمان وبالإعْسار، وعلى الثَّانية: تَثْبُتُ في ذِمَّةِ الغائب، ويَلزَمُ المعْسِرَ. فإنْ وُطِئَتْ زَوجَتُه، فحَمَلَتْ؛ فالنَّفقةُ على الواطِئِ إنْ وجَبَتْ للحَمْل، ولها على الأصحِّ إنْ كانَتْ مُكرَهَةً أوْ نائمةً، وإنْ كانَتْ مُطاوِعةً تَظُنُّه زَوجَها؛ فلا. مسألةٌ: إذا بان الحَمْلُ؛ دَفَعَ النَّفقةَ إليها يَومًا فَيَومًا، نَصَّ عليه (٢)؛ للنَّصِّ، ولأِنَّ الحَمْلَ يَتحَقَّقُ حُكْمًا في مَنْعِ النِّكاح، والأخْذِ مِنْ الزَّكاة، ووُجوبِ الدَّفْع في الدِّيَة، والرَّدِّ بالعَيب، فكذا في وُجوبِ النَّفَقَة لها. وقال أبو الخَطَّاب: لا يَجِبُ دَفْعُ النَّفقة حتَّى تَضَعَ الحَمْلَ؛ لأِنَّه لا يُتحَقَّقُ، ولهذا وَقَفْنَا المِيراثَ، ولا يَصِحُّ اللِّعانُ عليه قَبْلَ وَضْعِه على إحدى (٣) الرِّوايتَينِ، فعلى هذا: إذا وضعت (٤) اسْتَحَقَّتْ نَفَقةَ الحَمْلِ. والمذْهَبُ الأوَّلُ، والميراثُ يُشتَرَطُ له الوَضْعُ والاِسْتِهْلالُ. فإنْ أنْكَرَ حَمْلَها؛ قُبِلَ قَولُ امرأةٍ من أهل الخِبْرة. (وَأَمَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ حَائِلاً؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى) روايةً واحدةً؛ لأِنَّ ذلك يَجِبُ للتَّمْكِينِ من الاِسْتِمْتاع، وقد فات، وكزانيةٍ. وعَنْهُ: لها السُّكْنَى، اخْتارَه أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، فهي كغَرِيمٍ. وفي «المغْنِي»: إنْ مات (٥) وهي في مَسْكَنِه؛ قُدِّمَتْ به، ويُستَدَلُّ لها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ … (٢٣٤)﴾ [البَقَرَة: ٢٣٤]، نَسَخ بعضَ المدَّة وبقي باقيها (٦) على الوجوب، ولو لم تَجِب السُّكْنَى لِفُرَيعَةَ؛ لم يكُنْ لها أنْ

стр. 5238

تَسكُنَ إلاَّ بإذِنِهم. وجَوابُه: أنَّ الآيةَ مَنسوخَةٌ، وقِصَّةُ فُرَيعةَ قَضِيَّةٌ في عَينٍ. (وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً؛ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا شَيءَ لها، صحَّحه القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرعاية» (١)، و «الفروع»؛ لأِنَّه قد صار للورثة، ونَفَقَةُ الحامل (٢) وسُكْناها إنَّما هو للحَمْل، أو لها (٣) مِنْ أجْلِه، ولا يَلزَمُ ذلك الورثة (٤)؛ لأِنَّه إنْ كان للميت مِيراثٌ؛ فنَفَقَةُ الحَمْل في نصيبه، وإلاَّ لم يَلزَمْ وارِثَ الميِّت الإنْفاقُ على حَمْلِ امرأتِه؛ كما بَعْدَ الوِلادة. والثَّانيةُ: لها ذلك؛ لأِنَّها مُعتَدَّةٌ من نكاحٍ صحيحٍ، أشبهت (٥) البائنَ في الحياة. وعَنْهُ: يَجِبانِ منها مع الحمل، لها أوْ لَهُ. وعَنْهُ: بل حقُّه منها فقطْ، سَواءٌ قُلْنَا: النَّفَقةُ له أوْ لَهَا. وقِيلَ: تجب (٦) نفقةُ الحَمْلِ مِنْ حقِّه. وحُكمُ أمِّ (٧) الولد؛ كالمتَوَفَّى عنها زَوجُها، ونقل الكحَّال (٨): يُنفقُ من مالِ حَمْلِها، ونَقَلَ جعفَرٌ: مِنْ جميعِ المال (٩).

стр. 5239

وإذا قُلْنا: لها السُّكْنَى؛ فهي (١) أحقُّ بسُكْنَى المسْكَنِ الذي كانَتْ تَسكُنُه، ولا يباع (٢) في دَينه بَيعًا يَمنَعُها السُّكْنَى حتَّى تنقضي (٣) العِدَّةُ، وإنْ تعذَّر ذلك اكْتَرَى الوَارِثُ لها مَسْكَنًا مِنْ مالِ الميِّتِ، فإنْ لم يَفعَلْ أجْبَرَه الحاكِمُ.

стр. 5240

(فَصْلٌ) (وَعَلَيْهِ دَفْعُ النَّفَقَةِ إِلَيْهَا)، وهو دَفْعُ القُوتِ، لا بَدَلِه، ولا حَبٍّ، (فِي صَدْرِ كُلِّ يَوْمٍ) بطُلوعِ الشَّمس؛ لأِنَّه أوَّلُ وَقْتِ الحاجة، وقِيلَ: وَقْت الفَجْر. (إِلاَّ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا أَوْ تَعْجِيلِهَا، لِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ، فَيَجُوزُ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهما، لا يَخرُجُ عَنْهُما؛ كالدَّين بغَيرِ خِلافٍ علمناه (١)، وتَملِكه (٢) بقَبْضِه، قاله في «التَّرغيب». (وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا دَفْعَ القِيمَةِ (٣)؛ لَمْ يَلْزَمِ الآْخَرَ ذَلِكَ)؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ، فلا يُجبَرُ عليها واحدٌ منهما؛ كالبيع، وإنْ تَراضَيَا عليه جازَ؛ لأِنَّه طعامٌ وَجَبَ في الذِّمَّة لآِدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فجَازَتِ المُعاوَضةُ عنه؛ كالطَّعام في القَرْضِ. وظاهِرُه: أنَّ الحاكِمَ لا يَملِكُ فَرْضَ غَيرِ الواجِبِ؛ كدَراهِمَ - مَثَلاً - إلاَّ باتفاقهما، فلا يُجبَرُ مَنْ امْتَنَعَ. قال في «الهَدْيِ»: لا أصْلَ له في كِتابٍ ولا سنَّةٍ، ولا نَصَّ عليه أحدٌ مِنْ الأئمَّة؛ لأِنَّها مُعاوَضةٌ بغَيرِ الرِّضَا عن (٤) غَيرِ مُستَقِرٍّ (٥). قال في «الفروع»: وهذا مُتوَجِّهٌ مع عَدَم الشِّقاق، وعَدَمِ الحاجة، فأمَّا (٦) مع الشِّقاق والحاجة؛ كالغائب مَثَلاً؛ فيتوجَّهُ الفَرضُ للحاجة إليه على ما لا يَخْفَى، ولا يَقَعُ الفرْضُ بِدُونِ ذلك بغَيرِ الرِّضا.

стр. 5241

(وَعَلَيْهِ كُسْوَتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ)؛ لأِنَّه العادةُ، ويَكُونُ الدَّفْعُ في أوَّلِه؛ لأنَّه أول (١) وَقْتِ الوُجوبِ. وقال الحُلْوانيُّ، وابنُه، وابنُ حَمْدانَ: في أوَّلِ الصَّيف كُسْوةٌ، وفي أوَّلِ الشِّتاء كُسْوةٌ. وفي «الواضح»: كلَّ نصفِ سنةٍ. وتَملِكُها في الأصحِّ بقَبْضِها. (فَإِذَا أَقْبَضَهَا (٢) فَسُرِقَتْ، أَوْ تَلِفَتْ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهَا)؛ لأِنَّها قَبَضَتْ حَقَّها، فلم يَلزَمْهُ غَيرُه؛ كالدَّين إذا وفَّاها إيَّاه، ثُمَّ ضاع منها. لكِنْ لو بَلِيَتْ في الوقت الذي يَبْلَى فيه مِثلُها؛ لَزِمَه بَدَلُها؛ لأِنَّ ذلك مِنْ تمامِ كُسْوَتِها، وإنْ بَلِيَتْ قبله (٣) لِكَثْرةِ خُروجِها ودُخولِها؛ فلا، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَتْها. وإنْ مَضَى زمنٌ يَبْلَى فيه مِثْلُها بالاِسْتِعْمال، ولم تَبْلَ فوجهان: أحدُهما: لا يَلزَمُه بَدَلُها؛ لأِنَّها غَيرُ مُحتاجَةٍ إلى الكُسْوةِ. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ بمُضِيِّ الزَّمان دُونَ حقيقةِ الحاجة. فلو أُهْدِيَ إلَيها كُسْوةٌ؛ لم تَسقُطْ كُسْوَتُها. (وَإِنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ؛ فَعَلَيْهِ كُسْوَةُ السَّنَةِ الْأُخْرَى)، قدَّمه في «المستوعب» و «المحرَّر»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ بمُضِيِّ الزَّمان دُونَ بقائِها، بدليلِ ما لو (٤) تَلِفَتْ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَلْزَمَهُ)؛ لأِنَّها غَيرُ مُحْتاجَةٍ إلى الكُسْوَةِ.

стр. 5242

وفي «الرِّعاية»: فإنْ كَسَاها السَّنَةَ أوْ نِصفَها، فسُرِقَتْ، أوْ تَلِفَتْ فيها، وقِيلَ: في وَقَتٍ يبلى (١) مثله، أوْ تَلِفَتْ؛ فلا بدَلَ عليه. وقِيلَ: هي إمْتاعٌ، فيَلزَمُه بَدَلُها؛ ككسْوةِ القريب. وإنْ بَقِيَتْ صحيحةً؛ لَزِمَه كُسْوَةُ سنةٍ أخرى إنْ قُلْنا: هي ملْكٌ، وإنْ قلنا: هي (٢) إمْتاعٌ؛ فلا؛ كالمسْكَنِ وأوْعِيَةِ الطَّعام، والماعُونِ، والمُشْط، ونحوِها. وفي غِطاءٍ ووِطَاءٍ، ونحوِهما؛ الوَجْهانِ. (وَإِنْ مَاتَتْ، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ؛ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِقِسْطِ بَقِيَّةِ السَّنَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَرجِعُ، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه دَفَعَ لِمُدَّةٍ مُستَقْبَلَةٍ، كما لو دَفَعَ إليها نفقةَ مُدَّةٍ، ثُمَّ طَلَّقَها قَبْلَ انْقِضائِها. والثَّاني: لا رُجوعَ؛ لأِنَّه دَفَعَ إليها الكُسْوةَ بَعْدَ وُجوبِها عليه؛ كما لو دَفَعَ إليها النَّفَقةَ بَعْدَ وُجوبِها ثُمَّ طلَّقَها قَبْلَ أكْلِها، بخِلافِ النَّفَقةِ المستقبلة، وكنَفَقَةِ اليَوم. وقِيلَ: يرجع بنفقته (٣). وقِيلَ: بالكُسْوة. وقِيلَ: كزَكاةٍ مُعجَّلَةٍ، جَزَمَ به في «المنتخب». وقال ابنُ حَمْدانَ: لا يَرجِعُ فيهما إنْ بانَتْ (٤)، ويَرجِعُ إنْ أبانَها بطَلاقٍ أوْ فَسْخٍ.

стр. 5243

وعلى الأوَّل: يَرجِعُ إلا (١) يوم الفُرْقة والسَّلَف، وهو أصحُّ، إلاَّ على النَّاشِزِ، فيَرجِعُ عليها في الأصحِّ. وفي «عيون المسائل»: لا يرجع (٢) بما وَجَبَ؛ كيَومٍ وكُسْوةِ سنةٍ، بل بما (٣) لم يَجِبْ. ويَرجِعُ بنَفَقَتِها مِنْ مالِ غائبٍ بعدَ مَوتِه بظُهورِه على الأصحِّ. (وَإِذَا قَبَضَتِ النَّفَقَةَ؛ فَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهَا)، مِنْ بَيعٍ وهِبةٍ وصَدَقةٍ، ونحوِ ذلك؛ لأِنَّها حقُّها (٤)، فمَلَكَت التَّصرُّفَ فيها؛ كسائر مالها، لكِنَّ ذلك مَشْروطٌ بقَولِه: (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِهَا، ولَا يَنْهَكُ)، بفَتْحِ الياء؛ أيْ: يُجهِدُه، (بَدَنَهَا (٥)، فإنْ عادَ عَلَيها ضررٌ في بَدَنِها، أوْ نَقَصَ من (٦) اسْتِمْتاعِها؛ لم تملكه (٧)؛ لأِنَّه يَفُوتُ حقُّه بذلك. والكُسْوةُ كالنَّفقة في ذلك، ويَحتَمِلُ المنْعَ؛ لأِنَّ له اسْتِرْجاعَها لو طلَّقها في وَجْهٍ، بخِلافِ النَّفقة. فرعٌ: إذا أكَلَتْ مَعَهُ عادَةً، أوْ كَسَاها بلا إذْنٍ، ولم يَتَبرَّعْ؛ سقطت (٨)، وفي «الرِّعاية»، وهو ظاهِرُ «المغْنِي»: إنْ نَوَى أنْ يَعتَدَّ بها. (وَإِنْ غَابَ مُدَّةً، وَلَمْ يُنْفِقْ؛ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى (٩)، ولم تسقط (١٠)، بلْ

стр. 5244

تكون (١) دَينًا في ذمَّتِه، سَواءٌ تَرَكَها لِعذْرٍ أوْ غَيرِه في ظاهِر المذهَبِ، وقالَه الأكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، قال: نبأنا مُسلِمُ بنُ خالِدٍ، عن عُبَيدِ الله بنِ عمر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (٢): «أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأَجْناد في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، فأمَرَهُم أن يأخذوهم (٣) بأنْ يُنفِقُوا أوْ يُطلِّقُوا، فإنْ طلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقةِ ما حَبَسُوا» ورواه (٤) البَيهَقِيُّ أيْضًا، قال ابنُ المنْذِر: (وهو (٥) ثابِتٌ عن عمرَ) (٦)، ولأِنَّه حقٌّ لها وَجَبَ عليه (٧) بحُكْمِ العِوَضِ، فرَجَعَت به عليه كالدَّين، قال ابنُ المنذِر: (هذه نفقةٌ وَجَبَتْ بالكتاب والسُّنَّة والإجْماع، ولا (٨) يَزُولُ ما وَجَبَ بهذه الحجج (٩) إلاَّ بِمِثْلِها) (١٠). والكُسْوةُ والسُّكْنَى؛ كالنَّفقة، ذَكَرَه في «الرِّعاية الكبرى». (وَعَنْهُ: لَا نَفَقَةَ لَهَا)، اختاره في «الإرشاد»، وفي «الرِّعاية»: أو الزوج (١١) بِرِضاها (١٢)؛

стр. 5245

لأِنَّها نفقةٌ تَجِبُ يَومًا فيَومًا، فيسقط (١) بتأخيرها إذا لم يَفرِضْها الحاكِمُ؛ كنَفَقةِ الأَقارِبِ. وجَوابُه: بأنَّ نفقةَ الأقارب صِلةٌ (٢)، يُعتَبَرُ فيها اليَسَارُ من المنْفِقِ والإعْسارُ مِمَّنْ تجب (٣) له، بخِلافِ نفقةِ الزَّوجة، ويَثبُتُ في ذِمَّته حسبما (٤) وَجَبَتْ لها، مُوسِرًا كان أوْ مُعسِرًا، ويَصِحُّ ضَمانُها على الأوَّل؛ لأِنَّ مَآلَه إلى الوُجوبِ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا (٥)، فتلزم (٦) بحُكمِه روايةً واحدةً؛ لأِنَّ فرضه (٧) حكمٌ، وحُكمُه لا يُنقَضُ. وفي «الانتصار»: أنَّ أحمدَ أسْقَطَها بالموت. وعلَّلَ في «الفصول» الثَّانيةَ: بأنَّه حقٌّ ثَبَتَ بقَضاءِ القاضي. فلو اسْتَدانَتْ وأنْفَقَتْ؛ رَجَعَتْ، نَقَلَه أحمدُ بنُ هاشِمٍ (٨)، ذَكَرَه (٩) في «الإرشاد». تتمة: الذِّمِّيَّةُ كالمسْلِمة فِيما ذَكَرْنا في قَولِ عامَّةِ العلماء؛ لِعُمومِ النَّصِّ والمعْنَى.

стр. 5246

(فَصْلٌ) (وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ (١) نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ مَمَّنْ يُوطَأُ مِثْلُهَا (٢)، كذا أطْلَقَه المؤلِّفُ تَبَعًا للخِرَقِيِّ، وأبِي الخطَّاب، وابنِ عَقِيلٍ، والشِّيرازِيِّ، وأَنَاطَ القاضِي ذلك بابْنةِ تِسْعِ سِنِينَ، وتَبِعَه في (٣) «المحرَّر» و «الوجيز»، وهو مُقتَضَى نَصِّ أحمدَ في رِوايةِ صالِحٍ وعبدِ الله (٤)، وسُئِلَ: مَتَى يُؤخَذُ مِنْ الرَّجل نفقةُ الصَّغيرة؟ فقال: إذا كان مِثْلُها يُوطَأُ؛ كبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ، ويُمكِنُ حَمْلُ الإطلاق على هذا؛ لقَولِ عائشةَ: «إذا بَلَغَتِ الجارِيةُ تِسْعًا فهي امرأةٌ» (٥). وظاهِرُه: أنَّها لا تَجِبُ النَّفقةُ عليه إلاَّ بالتَّسليم، أوْ بُذِلَت (٦) له بَذْلاً يَلزَمُه قَبولُه في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّ النَّفقةَ تَجِبُ في مُقابَلةِ الاِسْتِمْتاعِ، وذلك مُمْكِنٌ منه. وعَنْهُ: يَلزَمُه بالعَقْد مع عَدَمِ مَنْعٍ لمَنْ يَلزَمُه تَسلُّمُها لو بَذَلَتْه. وقِيلَ: ولصغيرةٍ، وهو (٧) ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، فعَلَيها: لو تَساكَنَا بَعْدَ العَقْد مُدَّةً؛ لَزِمَه. (أَوْ يَتَعَذَّرُ وَطْؤُهَا لِمَرَضٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ رَتَقٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كَكَونِها نِضْوةَ الخَلْق لا يُمكِنُ وَطْؤُها؛ (لَزِمَ زَوْجَهَا نَفَقَتُهَا)؛ لِمَا ذَكَرْنا، فإنْ حدَثَ بها شَيءٌ من ذلك؛ لم يَسقُطْ؛ لأِنَّ الاِسْتِمْتاعَ مُمْكِنٌ، ولا تَفريطَ مِنْ جِهَتِها.

стр. 5247

فَلَوْ بَذَلَت الصحيحةُ (١) الاِسْتِمْتاعَ بِما دُونَ الوطء؛ لم تَجِبْ نَفَقَتُها. فلو ادَّعت أنَّ عَلَيها ضَرَرًا في وَطْئِه لِضِيقِ فَرْجِها، أوْ قُروحٍ به؛ أُرِيَتِ امرأةً ثِقةً، ويُعمَلُ بقَولِها. وإنِ ادَّعَتِ عَبالَةَ ذَكَرِه وعِظَمَهُ (٢)؛ جاز أنْ تنظر المرأةُ إلَيهِما حال اجْتِماعِهما؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجة (٣)، ويَجُوزُ النَّظَرُ للعَورة للحاجة والشَّهادة. (سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ كَبِيراً) إجْماعًا (٤)، (أَوْ صَغِيراً)، هذا هو المشهورُ؛ لأِنَّ الاِسْتِمْتاعَ بها مُمْكِنٌ، وإنَّما تعذَّرَ بسبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوج، كما لو كان كبيرًا فَهَرَبَ، ويُجبَرُ الوليُّ على نَفَقَتِها مِنْ مالِ الصَّبِيِّ؛ لأِنَّها عليه، والولي (٥) يَنُوبُ عنه في أداءِ الواجِباتِ؛ كالزَّكاة. والثَّانيةُ: لا تجب (٦) عليه مَعَ صِغَرِه؛ لأِنَّ الزَّوجَ لا يَتمَكَّنُ من الاِسْتِمْتاع بها، فلم تلزمه (٧) نفقتها، كما لو كانَتْ صغيرةً. وجَوابُه: الفَرْقُ بَينَهما، فإنَّ الصَّغيرةَ لم تُسلِّمْ نفسَها تسليمًا صحيحًا، ولم تبذل (٨) ذلك. وكذلك إذا كان يَتعذَّرُ عليه الوطءُ؛ كالمريض والمجْبُوب؛ لأِنَّ التَّمْكِينَ وُجِدَ مِنْ جِهَتِها، وإنَّما (٩) تعذَّرَ مِنْ جِهَتِه، فوجبت (١٠) النَّفقةُ.

стр. 5248

(يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ؛ كَالْعِنِّينِ، وَالْمَرِيضِ، وَالمَجْبُوبِ (١)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا؛ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهَا) في قَولِ الأكْثَرِ؛ لأِنَّه لم يُوجَد التَّمكينُ من الاِسْتِمْتاع لأِمْرٍ مِنْ جِهَتِها، قال في «الرِّعاية»: لم تجب (٢)؛ كما لو تزوَّجَ مَنْ لا يَطَأُ مِثْلُه بمَنْ لا يوطأ (٣) مِثْلُها في الأصحِّ؛ لِعَدَم المُوجِبِ. (وَلَا) يَجِبُ على الزَّوج (تَسَلُّمُهَا، وَلَا تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ إِذَا طَلَبَهَا)؛ لأِنَّه لا يُمكِنُه اسْتِيفاءُ حقِّه منها، ولأِنَّ وُجوبَ التَّسليمِ إنَّما كان لضرورةِ تمكينِه مِنْ تسليمِ الحقوق المتعلِّقة بالزوجية (٤)، وهي مُنتَفِيةٌ هنا. وظاهِرُه: أنَّ الصَّغيرةَ الَّتي (٥) يُمكِنُ وَطْؤُها إذا سَلَّمَتْ نَفْسَها؛ فإنَّه يَلزَمُه نَفَقَتُها كالكبيرة. وإنْ غابَ الزَّوجُ فبَذَلَ وليُّها تسليمَها؛ فهو كما لو بَذَلَت المكلَّفةُ التَّسلِيمَ؛ لأِنَّ وَلِيَّها يَقومُ مَقامَها. وإنْ بَذَلَتْ هي دُونَ وَلِيِّها؛ فلا نَفَقَةَ لها؛ لأِنَّه لا (٦) حُكْمَ لِكَلامِها، ذَكَرَه في «الشَّرح». (فَإِنْ بَذَلَتْهُ وَالزَّوْجُ غَائِبٌ؛ لَمْ يُفْرَضْ لَهَا (٧)؛ لأِنَّها بَذَلَتْ في حالٍ لا

стр. 5249

يُمكِنُه التَّسليمُ فيه، (حَتَّى تُرَاسِلَ الحَاكِمَ)؛ أيْ: يَكتُبَ الحاكِمُ إلى حاكِمِ البلد الذي هُوَ فيه ليستدعيه (١) ويُعْلِمَه ذلك، (وَيَمْضِيَ زَمَنٌ يُمْكِنُ أَنْ يَقْدَمَ فِي مِثْلِهِ)؛ لأِنَّ البَذْلَ قَبْلَ ذلك وُجودُه كَعَدَمِه، فإذا سار إلَيها، أوْ وكَّلَ في تَسلِيمِها؛ وَجَبَت النَّفَقةُ حِينَئِذٍ، فإنْ لم يَفعَلْ؛ فَرَضَ الحاكِمُ عليه نَفَقَتَها في أول (٢) الوَقْت الذي يُمكِنُه الوُصولُ إلَيها وتَسلُّمها (٣) فيه، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ الزَّوجَ امْتَنَعَ مِنْ تَسْليمِها؛ لِإمْكانِ ذلك وبَذلها له، فَلَزِمَه نَفَقَتُها، كما لو كان حاضِرًا. (وَإِنْ مَنَعَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا، أَوْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)؛ لأِنَّ البَذْلَ شَرْطٌ لِوُجوبِ النَّفقة، ولم يُوجَدْ. وفي «الفروع»: إذا بَذلَت التَّسليمَ، فحَالَ بَينَها وبَينَه أوْلِياؤها؛ فظاهِرُ كَلامِ جماعةٍ: لها النَّفقةُ، وفي «الرَّوضة»: لا، ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، قال: وفيه نَظَرٌ. وكذا إذا بَذَلَتْ تسليمًا غَيرَ تامٍّ؛ كتَسْلِيمِها في مَنزِلٍ أوْ في (٤) بلدٍ دُونَ آخَرَ، ما لم يكُنْ مَشْروطًا في العَقْد. (إِلاَّ أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الْحَالَّ؛ فَلَهَا ذَلِكَ)؛ لأِنَّ تسليمَها قَبْلَ تسليمِ صَداقِها يُفْضِي إلى تسليمِ مَنفَعَتِها المعْقُودِ عَلَيها بالوطء، ثمَّ لا تُسلَّمَ (٥) صداقَها، فلا يمكنه الرجوع فيما استوفى منها، بخلاف المبِيعِ إذا تسلَّمَه المشْتَرِي، ثُمَّ أعْسَرَ بثَمَنِه، فإنَّه يُمكِنُه الرُّجوعُ فيه. (وَتَجِبُ نَفَقَتُهَا)؛ لأِنَّها فَعَلَتْ ما لَها أنْ تَفعَلَه، فلو مَنَعَتْ نَفْسَها لمرضٍ؛

стр. 5250

لم يكُنْ لها نفقةٌ، والفَرْقُ بَينَهما: أنَّ امْتِناعَها لِقَبْضِ صداقِها امْتِناعٌ مِنْ جِهَةِ الزَّوج، فهو يُشبِهُ تعذُّرَ الاِسْتِمْتاع لصِغَرِ (١) الزَّوج، بخِلافِ الاِمْتِناعِ لِمَرضها؛ لأِنَّه امْتِناعٌ مِنْ جِهَتِها، فهو يُشبِهُ تعذُّرَ الاِسْتِمْتاع لِصِغَرِها. (وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لها النَّفقةُ؛ كما (٢) قَبْلَ الدُّخول. والأَشْهَرُ: أنَّه لا نفقةَ لها؛ كما لو سلَّمَ المبِيعَ، ثُمَّ أراد مَنْعَه منه. (بِخِلَافِ الآجِلِ)؛ أي (٣): إذا مَنَعَتْ نفسَها لِقَبْضِ صَداقِها الآجل أنَّه لا نفقة لها؛ لأنه (٤) لَيسَ لها أنْ تَمنَعَ نَفْسَها حتَّى تَقبِضَ ذلك؛ لأِنَّ قَبضَه غَيرُ مُسْتَحَقٍّ، فيَكونُ مَنْعُها مَنْعًا للتَّسليم المُوجِبِ للنَّفَقة، ولا فَرْقَ فيه بَينَ الدُّخول وعَدَمِه. (وَإِنْ سَلَّمَتِ الْأَمَةُ نَفْسَهَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا؛ فَهِيَ كَالحُرَّةِ) في وُجوبِ النَّفقة على زوجها الحُرِّ، ولو أَبَى؛ للنَّصِّ، ولأِنَّها زَوجةٌ مُمَكِّنةٌ مِنْ نَفْسِها، فَوَجَبَتْ نَفَقتُها على زَوجِها؛ كالحُرَّة. فإنْ كان مَمْلوكًا؛ فالنَّفقةُ واجِبةٌ لِزَوجَتِه إجْماعًا (٥) إذا بَوَّأَها بَيتًا، ويَلزَمُ السَّيِّدَ؛ لأِنَّه أَذِنَ في النِّكاح المُفْضِي إلى إِيجابِها. وعَنْهُ: في كَسْبِ العبد؛ لأِنَّه لم يُمْكِن (٦) إيجابُها في ذِمَّته، ولا رَقَبَته، ولا ذِمَّةِ السَّيِّد، ولا إسقاطها، فتعلَّقَتْ بكَسْبِه، فإنْ عَدِمَ أوْ تعذَّر فعلى سيِّدِه.

стр. 5251

وقال في «الرِّعاية»: تَجِبُ في ذِمَّتِه. وقال القاضِي: تتعلَّق (١) بِرَقَبَتِه؛ لأِنَّ الوَطْءَ في النِّكاح كالجِنايَةِ. وجَوابُه: أنَّه دَينٌ أذِنَ فيه السَّيِّدُ، فَلَزِمَه، كاستدانة (٢) وكيله، والنَّفقةُ تَجِبُ مِنْ غَيرِ وطءٍ كالرتقاء ونحوها (٣)، ولَيسَ هو بجِنايَةٍ، ولا قائمٍ مَقامَه. (فَإِنْ كَانَتْ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلاً، وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ)؛ أيْ: يَلزَمُ الزَّوجَ نَفَقَتُها لَيلاً من العَشاء، وتَوابِعِه؛ مِنْ غِطاءٍ ووِطاءٍ ودُهْنٍ للمصباح (٤)، ونحوِه؛ لأِنَّه وُجِدَ في حقِّه التَّمكينُ لَيلاً، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُه، وعلى السَّيِّد نَفَقَتُها نهارًا بحُكْمِ أنَّها مملوكته (٥)، فلم تَجِبْ على غَيرِه في هذا الزَّمن. وقِيلَ: كلُّ النَّفَقة إذن (٦) عَلَيهِما نِصفَينِ؛ قطعًا (٧) للتَّنازُع. ولو سلَّمَها نهارًا فقطْ؛ لم يَجُزْ. تذنيبٌ: المعتَقُ بعضُه عليه من النَّفقة بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سيِّدِه، أوْ في ضَريبته (٨)، أوْ رَقَبَتِه، وما وَجَبَ عليه بالحُرِّيَّة يُعتبَرُ فيه حالُه؛ إنْ كان مُوسِرًا فنَفَقَةُ المُوسِرِينَ، وإنْ كان مُعسِرًا فنَفَقَةُ المعسرين (٩)، والباقِي تَجِبُ فيه نَفَقةُ المعْسِرِينَ.

стр. 5252

(وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ)؛ فلا نفقةَ لها في قَولِ عامَّتهم، ولو بنكاحٍ في عدَّةٍ، قال ابنُ المنذِر: (لا نَعلَمُ أحدًا خالَفَ إلاَّ الحكم) (١)، ولعلَّه قاسَه على المهر، ولا يَصِحُّ؛ لأِنَّ النَّفقةَ وَجَبَتْ في مُقابَلةِ التَّمكين، والمهرُ وَجَبَ بالعَقْد، بدليلِ الموت. وفي «الترغيب»: من (٢) مَكَّنَتْه من الوطء، لا مِنْ بقيَّةِ الاِسْتِمْتاع، فسُقوطُ النَّفقة يَحتَمِلُ وجهَينِ. فإنْ كان لها منه ولدٌ؛ دَفَعَ نَفَقَتَه إليها إذا كانَتْ هي الحاضنة (٣) أو المرْضِعةَ، ويلزمه (٤) تسليمُ أجْرَةِ رَضاعِها. ويُشْطَرُ (٥) لِناشِزٍ لَيلاً فقطْ، أو (٦) نهارًا فقطْ، لا بقَدْرِ الأزْمِنَة، ويشطر (٧) لها بعضُ يَومٍ. فإنْ أطاعت (٨) في حضوره أوْ غَيبته، فعَلِمَ ومَضَى زمنٌ يَقدمُ (٩) في مِثْلِه؛ عادَتْ. وفي «الشَّرح»: لا يعودُ إلاَّ بحُضوره، أوْ وكيله، أو (١٠) حكم حاكِمٍ بالوجوب. ومجرَّدُ إسْلامِ مُرتَدَّةٍ ومُتخَلِّفةٍ عن الإسلام في غَيبته؛ تَلزَمُه.

стр. 5253

فإنْ صامَتْ لِكفَّارةٍ، أوْ نَذْرٍ، أوْ قَضاءِ رَمَضانَ ووَقْتُه مُتَّسِعٌ فيهما بلا إِذْنِه، أوْ حُبِست (١) ولو ظلمًا في الأصحِّ؛ فلا نَفَقَةَ لها. (أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ سقطت (٢)؛ لأِنَّها ناشِزٌ، وكذا إن انتقلَتْ من منزلها بغَيرِ إذْنِه. (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)؛ لأِنَّها في مَعْنَى المُسافِرة، ولِمَا فيه مِنْ تَفْويتِ الاِسْتِمْتاع الواجِبِ للزَّوج. فإنْ أحْرَمَتْ بإذْنِه، فقال القاضي: لها النَّفقةُ، والصَّحيحُ: أنَّها كالمُسافِرة؛ لأِنَّها بإحرامها (٣) مانِعةٌ له من التَّمكين. (وَإِنْ بَعَثَهَا فِي حَاجَةٍ)؛ فهي على نَفَقَتِها؛ لأِنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه. (أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ)، أو العمرةِ الواجِبةِ، أوْ أحْرَمَتْ بفريضةٍ، أو (٤) مكتوبةٍ في وَقْتِها؛ (فَلَهَا النَّفَقَةُ)؛ لأِنَّها فَعَلَت الواجِبَ عَلَيها بأصْلِ الشَّرع، فكان كصيامِ رَمَضانَ. فإنْ قَدَّمَت الإحرامَ على الميقات، أوْ قَبْلَ الوقت؛ خُرِّجَ فيها من القَول ما في المُحرِمة (٥) بحجِّ التَّطوُّعِ. فرعٌ: إذا اعْتقلتْ (٦)؛ فالقِياسُ: أنَّه كَسَفَرِها، فإنْ كان بغَيرِ إذْنِه؛ فلا نَفَقَةَ لها؛ لخُروجِها مِنْ مَنزِلِ زَوجها فيما لَيسَ واجبًا بأصْلِ الشَّرع، وإنْ كان

стр. 5254

بإذْنِه؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ (١)، أوْ صامَتْ نَذْرًا مُعَيَّنًا في وَقْتِه؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لها النَّفَقةُ، ذَكَرَه القاضي؛ لأِنَّ أحمدَ نصَّ (٢) على أنَّه لَيسَ له مَنْعُها (٣)، ولأِنَّ النَّذرَ المعيَّنَ وَقْتُه مُتَيَقَّنٌ، أشْبَهَ حجَّةَ الإسلام. والثَّاني: يَسقُطُ؛ لأِنَّها فَوَّتَتْ على زَوجِها حقَّه من الاِسْتِمْتاع باخْتِيارِها، ولأِنَّ النذر (٤) صَدَرَ مِنْ جِهَتِها، بخِلافِ حجَّةِ الإسلام، فإنَّها واجِبَةٌ بأصْلِ الشَّرع. وقِيلَ: إنْ نَذَرَتْ بإذْنِه، أوْ قَبْلَ النِّكاح؛ فَلَهَا النَّفقةُ، وإنْ كان في نِكاحِه بلا إذْنِه؛ فلا نَفَقَةَ لها؛ لأِنَّها فَوَّتَتْ عَلَيهِ حقًّا (٥) من الاِسْتِمْتاع باخْتِيارِها. ونَقَلَ أبو زُرْعةَ الدِّمَشْقِيُّ: تَصُومُ النَّذْرَ بلا إِذْنٍ (٦). وفي «الواضِحِ»: في حجِّ (٧) نَفْلٍ إنْ لم يملِكْ مَنْعَها وتحليلَها؛ لم يَسقُطْ، وأنَّ في صلاةٍ وصَومٍ واعْتِكافٍ مَنذُورٍ في الذمة (٨) وَجْهَينِ، وفي بَقائِها في نُزْهةٍ (٩)، أوْ تجارةٍ، أوْ زيارةِ أهلِها؛ احْتِمالٌ. (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)؛ لأِنَّها فَوَّتَت

стр. 5255

التَّمكينَ لأِجْلِ نَفْسِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَنظَرَتْه قَبْلَ الدُّخول مُدَّةً فأنْظَرَها، إلاَّ أنْ يكونَ مُتمَكِّنًا من اسْتِمْتاعِها، فلا تسقط (١). (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ)؛ لأِنَّ السَّفَرَ بإذْنِه، فَسَقَطَ حقُّه من الاِسْتمْتاع، وتَبْقَى النَّفقةُ على ما كانَتْ عليه؛ كالثَّمَن. وحكى (٢) في «المغْنِي» عن القاضِي: أنَّ الزَّوج إنْ كان معَهَا؛ فنَفَقَتُها عليه؛ لأِنَّها في قَبْضَتِه، وإنْ كانَتْ مُنفَرِدةً فلا؛ لأِنَّها فَوَّتَت التَّمكينَ عليه. والصَّحيحُ: أنَّه لا نَفَقةَ لها هُنا بحالٍ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ) أو الكسوة (٣) (إِلَيْهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ ذلك. وقال الآمِدِيُّ: إنِ اخْتَلَفا في النُّشوز؛ فإنْ وَجَبَت بالتَّمكين صُدِّق، وعَلَيها إثْباتُه، وإنْ وَجَبَتْ بالعَقْد صُدِّقَتْ، وعَلَيهِ إثْباتُ المَنْعِ، ولو اخْتَلَفا بعْدَ التَّمكين لم يُقبَلْ قَولُه. وفي «التَّبصرة»: يُقبَلُ قَولُه قبلَ الدُّخول، وقَولُها بعدَه. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في النَّفقة والكسوة (٤): قَولُ مَنْ يَشهَدُ له العُرْفُ؛ لأِنَّه تعارَضَ (٥) الأصلُ والظَّاهِرُ، والغالِبُ أنَّها تكون راضيَةً، وإنَّما تُطالِبُه عندَ الشِّقاق؛ كما لو أصْدَقَها تعليمَ شيءٍ فادَّعَتْ أنَّ غَيرَه عَلَّمَها وأَوْلَى؛ لأِنَّ هُنا تَعارَضَ أصْلانِ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بَذْلِ التَّسْلِيمِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ،
следующие страницы →