← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

وقال في «الرِّعاية»: تَجِبُ في ذِمَّتِه. وقال القاضِي: تتعلَّق (١) بِرَقَبَتِه؛ لأِنَّ الوَطْءَ في النِّكاح كالجِنايَةِ. وجَوابُه: أنَّه دَينٌ أذِنَ فيه السَّيِّدُ، فَلَزِمَه، كاستدانة (٢) وكيله، والنَّفقةُ تَجِبُ مِنْ غَيرِ وطءٍ كالرتقاء ونحوها (٣)، ولَيسَ هو بجِنايَةٍ، ولا قائمٍ مَقامَه. (فَإِنْ كَانَتْ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلاً، وَعِنْدَ السَّيِّدِ نَهَارًا؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ مُقَامِهَا عِنْدَهُ)؛ أيْ: يَلزَمُ الزَّوجَ نَفَقَتُها لَيلاً من العَشاء، وتَوابِعِه؛ مِنْ غِطاءٍ ووِطاءٍ ودُهْنٍ للمصباح (٤)، ونحوِه؛ لأِنَّه وُجِدَ في حقِّه التَّمكينُ لَيلاً، فَوَجَبَتْ نَفَقَتُه، وعلى السَّيِّد نَفَقَتُها نهارًا بحُكْمِ أنَّها مملوكته (٥)، فلم تَجِبْ على غَيرِه في هذا الزَّمن. وقِيلَ: كلُّ النَّفَقة إذن (٦) عَلَيهِما نِصفَينِ؛ قطعًا (٧) للتَّنازُع. ولو سلَّمَها نهارًا فقطْ؛ لم يَجُزْ. تذنيبٌ: المعتَقُ بعضُه عليه من النَّفقة بِقَدْرِ ما فيه من الحُرِّيَّةِ، وباقِيها على سيِّدِه، أوْ في ضَريبته (٨)، أوْ رَقَبَتِه، وما وَجَبَ عليه بالحُرِّيَّة يُعتبَرُ فيه حالُه؛ إنْ كان مُوسِرًا فنَفَقَةُ المُوسِرِينَ، وإنْ كان مُعسِرًا فنَفَقَةُ المعسرين (٩)، والباقِي تَجِبُ فيه نَفَقةُ المعْسِرِينَ.

стр. 5252

(وَإِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ)؛ فلا نفقةَ لها في قَولِ عامَّتهم، ولو بنكاحٍ في عدَّةٍ، قال ابنُ المنذِر: (لا نَعلَمُ أحدًا خالَفَ إلاَّ الحكم) (١)، ولعلَّه قاسَه على المهر، ولا يَصِحُّ؛ لأِنَّ النَّفقةَ وَجَبَتْ في مُقابَلةِ التَّمكين، والمهرُ وَجَبَ بالعَقْد، بدليلِ الموت. وفي «الترغيب»: من (٢) مَكَّنَتْه من الوطء، لا مِنْ بقيَّةِ الاِسْتِمْتاع، فسُقوطُ النَّفقة يَحتَمِلُ وجهَينِ. فإنْ كان لها منه ولدٌ؛ دَفَعَ نَفَقَتَه إليها إذا كانَتْ هي الحاضنة (٣) أو المرْضِعةَ، ويلزمه (٤) تسليمُ أجْرَةِ رَضاعِها. ويُشْطَرُ (٥) لِناشِزٍ لَيلاً فقطْ، أو (٦) نهارًا فقطْ، لا بقَدْرِ الأزْمِنَة، ويشطر (٧) لها بعضُ يَومٍ. فإنْ أطاعت (٨) في حضوره أوْ غَيبته، فعَلِمَ ومَضَى زمنٌ يَقدمُ (٩) في مِثْلِه؛ عادَتْ. وفي «الشَّرح»: لا يعودُ إلاَّ بحُضوره، أوْ وكيله، أو (١٠) حكم حاكِمٍ بالوجوب. ومجرَّدُ إسْلامِ مُرتَدَّةٍ ومُتخَلِّفةٍ عن الإسلام في غَيبته؛ تَلزَمُه.

стр. 5253

فإنْ صامَتْ لِكفَّارةٍ، أوْ نَذْرٍ، أوْ قَضاءِ رَمَضانَ ووَقْتُه مُتَّسِعٌ فيهما بلا إِذْنِه، أوْ حُبِست (١) ولو ظلمًا في الأصحِّ؛ فلا نَفَقَةَ لها. (أَوْ سَافَرَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ)؛ سقطت (٢)؛ لأِنَّها ناشِزٌ، وكذا إن انتقلَتْ من منزلها بغَيرِ إذْنِه. (أَوْ تَطَوَّعَتْ بِصَوْمٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ مَنْذُورٍ فِي الذِّمَّةِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا)؛ لأِنَّها في مَعْنَى المُسافِرة، ولِمَا فيه مِنْ تَفْويتِ الاِسْتِمْتاع الواجِبِ للزَّوج. فإنْ أحْرَمَتْ بإذْنِه، فقال القاضي: لها النَّفقةُ، والصَّحيحُ: أنَّها كالمُسافِرة؛ لأِنَّها بإحرامها (٣) مانِعةٌ له من التَّمكين. (وَإِنْ بَعَثَهَا فِي حَاجَةٍ)؛ فهي على نَفَقَتِها؛ لأِنَّها سافَرَتْ في شُغْلِه ومُرادِه. (أَوْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ)، أو العمرةِ الواجِبةِ، أوْ أحْرَمَتْ بفريضةٍ، أو (٤) مكتوبةٍ في وَقْتِها؛ (فَلَهَا النَّفَقَةُ)؛ لأِنَّها فَعَلَت الواجِبَ عَلَيها بأصْلِ الشَّرع، فكان كصيامِ رَمَضانَ. فإنْ قَدَّمَت الإحرامَ على الميقات، أوْ قَبْلَ الوقت؛ خُرِّجَ فيها من القَول ما في المُحرِمة (٥) بحجِّ التَّطوُّعِ. فرعٌ: إذا اعْتقلتْ (٦)؛ فالقِياسُ: أنَّه كَسَفَرِها، فإنْ كان بغَيرِ إذْنِه؛ فلا نَفَقَةَ لها؛ لخُروجِها مِنْ مَنزِلِ زَوجها فيما لَيسَ واجبًا بأصْلِ الشَّرع، وإنْ كان

стр. 5254

بإذْنِه؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنْ أَحْرَمَتْ بِمَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ فِي وَقْتِهِ (١)، أوْ صامَتْ نَذْرًا مُعَيَّنًا في وَقْتِه؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لها النَّفَقةُ، ذَكَرَه القاضي؛ لأِنَّ أحمدَ نصَّ (٢) على أنَّه لَيسَ له مَنْعُها (٣)، ولأِنَّ النَّذرَ المعيَّنَ وَقْتُه مُتَيَقَّنٌ، أشْبَهَ حجَّةَ الإسلام. والثَّاني: يَسقُطُ؛ لأِنَّها فَوَّتَتْ على زَوجِها حقَّه من الاِسْتِمْتاع باخْتِيارِها، ولأِنَّ النذر (٤) صَدَرَ مِنْ جِهَتِها، بخِلافِ حجَّةِ الإسلام، فإنَّها واجِبَةٌ بأصْلِ الشَّرع. وقِيلَ: إنْ نَذَرَتْ بإذْنِه، أوْ قَبْلَ النِّكاح؛ فَلَهَا النَّفقةُ، وإنْ كان في نِكاحِه بلا إذْنِه؛ فلا نَفَقَةَ لها؛ لأِنَّها فَوَّتَتْ عَلَيهِ حقًّا (٥) من الاِسْتِمْتاع باخْتِيارِها. ونَقَلَ أبو زُرْعةَ الدِّمَشْقِيُّ: تَصُومُ النَّذْرَ بلا إِذْنٍ (٦). وفي «الواضِحِ»: في حجِّ (٧) نَفْلٍ إنْ لم يملِكْ مَنْعَها وتحليلَها؛ لم يَسقُطْ، وأنَّ في صلاةٍ وصَومٍ واعْتِكافٍ مَنذُورٍ في الذمة (٨) وَجْهَينِ، وفي بَقائِها في نُزْهةٍ (٩)، أوْ تجارةٍ، أوْ زيارةِ أهلِها؛ احْتِمالٌ. (وَإِنْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)؛ لأِنَّها فَوَّتَت

стр. 5255

التَّمكينَ لأِجْلِ نَفْسِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَنظَرَتْه قَبْلَ الدُّخول مُدَّةً فأنْظَرَها، إلاَّ أنْ يكونَ مُتمَكِّنًا من اسْتِمْتاعِها، فلا تسقط (١). (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهَا النَّفَقَةَ)؛ لأِنَّ السَّفَرَ بإذْنِه، فَسَقَطَ حقُّه من الاِسْتمْتاع، وتَبْقَى النَّفقةُ على ما كانَتْ عليه؛ كالثَّمَن. وحكى (٢) في «المغْنِي» عن القاضِي: أنَّ الزَّوج إنْ كان معَهَا؛ فنَفَقَتُها عليه؛ لأِنَّها في قَبْضَتِه، وإنْ كانَتْ مُنفَرِدةً فلا؛ لأِنَّها فَوَّتَت التَّمكينَ عليه. والصَّحيحُ: أنَّه لا نَفَقةَ لها هُنا بحالٍ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نُشُوزِهَا، أَوْ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ) أو الكسوة (٣) (إِلَيْهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ ذلك. وقال الآمِدِيُّ: إنِ اخْتَلَفا في النُّشوز؛ فإنْ وَجَبَت بالتَّمكين صُدِّق، وعَلَيها إثْباتُه، وإنْ وَجَبَتْ بالعَقْد صُدِّقَتْ، وعَلَيهِ إثْباتُ المَنْعِ، ولو اخْتَلَفا بعْدَ التَّمكين لم يُقبَلْ قَولُه. وفي «التَّبصرة»: يُقبَلُ قَولُه قبلَ الدُّخول، وقَولُها بعدَه. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في النَّفقة والكسوة (٤): قَولُ مَنْ يَشهَدُ له العُرْفُ؛ لأِنَّه تعارَضَ (٥) الأصلُ والظَّاهِرُ، والغالِبُ أنَّها تكون راضيَةً، وإنَّما تُطالِبُه عندَ الشِّقاق؛ كما لو أصْدَقَها تعليمَ شيءٍ فادَّعَتْ أنَّ غَيرَه عَلَّمَها وأَوْلَى؛ لأِنَّ هُنا تَعارَضَ أصْلانِ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي بَذْلِ التَّسْلِيمِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّه مُنكِرٌ،

стр. 5256

والأصلُ عَدَمُ التَّسليم، وكذا لو اخْتَلَفا في وقته، فقالَتْ: كان مِنْ شَهْرٍ، قال: بَلْ من (١) يَومٍ.

стр. 5257

(فَصْلٌ) (وَإِنْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِنَفَقَتِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا، أَوْ بِالْكُسْوةِ)، أوْ بِبَعْضِها؛ (خُيِّرَتْ بَيْنَ فَسْخِ النِّكَاحِ وَالْمُقَامِ) على الأصحِّ، وهو قَولُ عمرَ، وعليٍّ، وأبي هُرَيرةَ (١)، واخْتَارَه الأكثرُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٩]، ولَيسَ الإمْساكُ مع تَرْكِ الإنْفاق إمْساكًا بمعروفٍ، فتعيَّنَ التَّسريحُ، وقال النَّبيُّ ﷺ : «امْرأَتُك تَقُولُ: أطْعِمْنِي وإلاَّ فَارِقْنِي» رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والبَيهَقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، ورَواهُ الشَّيخانِ مِنْ قَولِ أبي هُرَيرةَ (٢)، ورَوَى الشَّافعيُّ وسعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن أبي الزِّناد، قال: سألتُ سَعِيدَ بنَ المسيِّب عن الرَّجُل لا يَجِدُ ما يُنْفِقُ على امرأته، قال: «يُفرَّقُ بَينَهما»، قال (٣) أبو الزِّناد لسعيدٍ: سنَّةٌ؟ قال سعيدٌ: «سنة» (٤)، ولأِنَّ هذا أَوْلَى بالفَسْخ من العجز بالوطء. وهو على التَّراخِي أو الفَور؛ كخِيارِ العَيب.

стр. 5258

وذَكَرَ ابنُ البَنَّاء وجْهًا: يُؤجَّلُ ثلاثًا. ولها المقامُ، ولا تمكِّنُه (١)، ولا يَحبِسُها. فلو وَجَدَ نفقةَ يَومٍ بِيَومٍ، أو وَجَدَ في أوَّلِ النَّهار ما يُغدِّيها، وفي آخِرِه ما يُعَشِّيهَا، أوْ كان صانِعًا يَعمَلُ في الأسبوع ما يَبِيعُه في يَومٍ بقَدْرِ كِفايَتِها في الأُسبوع كلِّه؛ فلا فَسْخَ. وكذا إنْ تعذَّرَ عليه الكَسْبُ في بَعْضِ زمانه، أو البَيعُ؛ لأِنَّه يُمكِنُه الاِقْتِراضُ إلى زوالِ المانِعِ. فإنْ عَجَزَ عنه أيَّامًا يسيرةً، أو مَرِضَ مَرَضًا يُرجَى زوالُه في أيَّامٍ يسيرةٍ؛ فلا فَسْخَ، وإنْ كثُرَ فلها الفَسْخُ. (وَتَكُونُ النَّفَقَةُ)؛ أيْ: نفقةُ فقيرٍ وكُسْوتُه ومَسكَنٌ؛ (دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ)، ما لم تَمنَعْ نَفْسَها؛ لأِنَّ ذلك واجِبٌ على الزَّوج، فإذا رَضِيَتْ بتأخيرِ حقِّها فهو في ذِمَّتِه؛ كما لو (٢) رَضِيَتْ بتأخيرِ مَهْرِها، ويُجبَرُ قادِرٌ على التَّكسُّبِ على الأصحِّ. (فَإِذَا (٣) اخْتَارَتِ الْمُقَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهَا الْفَسْخُ؛ فَلَهَا ذَلِكَ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ وجوب (٤) النَّفقة يَتجدَّدُ كلَّ يَومٍ، فيتجدَّدُ لها الفَسْخُ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُها حقَّها فيما لم يَجِبْ لها؛ كإسْقاطِ شُفْعَتِها قَبْلَ البَيعِ. فإنْ تَزوَّجَتْه عالِمةً بعسرته (٥)، أوْ شَرَطَ ألاَّ يَنفِقُ، ثُمَّ عنَّ لها (٦) الفَسْخُ؛

стр. 5259

مَلَكَتْهُ، فلَوْ أسقطت (١) النَّفقةَ المستقْبَلةَ؛ لم تسقط (٢). وقال القاضِي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه لَيسَ لها الفَسْخُ؛ لأِنَّها رَضِيَتْ بعَيبه. فإنْ رَضِيَتْ بالمقام مع ذلك؛ لم يَلزَمْها التَّمكينُ من الاِسْتِمْتاع؛ لأِنَّه لم يُسلِّمْها عِوَضُه؛ كالمشْتَرِي إذا أعْسَرَ بثَمَنِ المبيع، وعليه تَخلِيَتُها لِتَكتَسِبَ وتُحصِّلَ (٣) ما تُنفِقه (٤) عليها وإنْ كانَتْ مُوسِرةً؛ لأِنَّه إنَّما يَملِكُ حَبْسَها إذا كفاها (٥) المؤنةَ. (وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ)، وقالَهُ عَطاءٌ والزُّهْرِيُّ؛ لأِنَّه إعْسارٌ عن حقِّ الزَّوجة، فلم تملك (٦) الفَسْخَ؛ كما لو أعْسَرَ عن دَينٍ لها عليه، فعلى هذا: لا تملِكُ فِراقَه، ويرفع (٧) يَدَهُ عنها لِتَكْتَسِبَ؛ لأِنَّه حقٌّ لها عليه. (وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ)؛ لِمَا ذَكَرْنا. (وَإِنْ أَعْسَرَ بِالنَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ)؛ فلا فَسْخَ؛ لأِنَّ البَدَنَ قد قامَ بِدُونِها، والنَّفقةُ الماضيةُ دَينٌ، (أَوْ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ، أَوِ الْمُتَوَسِّطِ، أَوِ الْأُدْمِ) في الأصح (٨) فيه، (أَوْ نَفَقَةِ الْخَادِمِ؛ فَلَا فَسْخَ)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ تَسقُطُ باعتباره، ويُمكِنُ الصَّبرُ عنها. وفي «الانتصار»: احْتِمالٌ في الكلِّ مع ضَرَرِها.

стр. 5260

(وَتَكُونُ الْبَقِيَّةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ)؛ لأِنَّها نفقةٌ تَجِبُ على سبيلِ العِوَضِ، فثبتت (١) في الذِّمَّة؛ كالنَّفقة الواجِبة للمرأة قُوتًا، وهذا فيما عدا الزائد على نفقةِ المعْسِر، فإنَّ ذلك يَسقطُ بالإعسار. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ)؛ أيْ: زيادةُ يَسارٍ وتَوسُّط (٢)؛ لأِنَّه مِنْ الزَّوائد، فلم يَثبُتْ في ذِمَّته؛ كالزَّائد عن الواجب عليه. وقال ابنُ حَمْدانَ: غَيرُ الأُدْم. تَتِمَّةٌ: إذا اعْتادَت الطَّيِّبَ والنَّاعِمَ، فعَجَزَ عنها؛ فلها الفَسْخُ، قال ابنُ حَمْدانَ: فبالأُدْم أَوْلَى. (وَإِنْ أَعْسَرَ بِالسُّكْنَى)؛ أيْ: بأُجْرَتِه، (أَوِ الْمَهْرِ)، قد تقدَّم في الصَّداق؛ (فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا فَسْخَ، وقاله القاضِي؛ لأِنَّ البُنْيةَ (٣) تَقُومُ بدونه. والثَّاني: لها الفَسْخُ، وقالَهُ ابنُ عَقِيلٍ، وهو أشهر (٤)؛ لأِنَّ المسكنَ (٥) مِمَّا لا بُدَّ منه؛ كالنَّفقة. (وَإِنْ أَعْسَرَ زَوْجُ الْأَمَةِ، فَرَضِيَتْ) به (٦)، نَقُولُ: نَفَقةُ الأمةِ (٧) المزوَّجة حقٌّ لها ولسيِّدها لكلِّ (٨) واحدٍ منهما طَلَبُها، ولا يَملِكُ واحِدٌ منهما إسْقاطَها؛ لِمَا في ذلك من الإضْرارِ.

стр. 5261

فعلى هذا: إنْ أعْسَرَ الزَّوجُ بها؛ فلها الفَسْخُ كالحُرَّة. وإنْ لم تَفْسَخْ، فقال القاضِي: لسيِّدها الفَسْخُ؛ لأِنَّ عليه ضررًا في عَدَمِها؛ لِمَا يَتعلَّقُ بفَواتها مِنْ فَواتِ ملْكِه وتَلَفِه. فإن (١) أنْفَقَ عليها سيِّدُها مُحتَسِبًا بالرُّجوع؛ رَجَعَ على الزَّوج، رَضِيَتْ أوْ كَرِهَتْ. وقال أبو الخَطَّاب، وهو المنصوصُ (٢): لَيسَ لسيِّدها الفَسْخُ إذا كانَتْ راضِيةً؛ لأنَّها (٣) حقٌّ لها، فلم (٤) يَملِكْ سيِّدُها الفسخ (٥)؛ كالفَسْخ بالعيب. (أَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهِنَّ الْفَسْخُ)؛ لأِنَّه فَسْخٌ لنكاحها، فلم يَملِكْه الوليُّ؛ كالفَسْخ بالعَيب. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه فَسْخٌ لِفَواتِ العوض (٦)، فَمَلَكَه؛ كفَسْخِ البَيعِ لتَعذُّرِ الثَّمَنِ.

стр. 5262

(فَصْلٌ) (وَإِنْ مَنَعَ النَّفَقَةَ، أَوْ بَعْضَهَا (١)، أو الكُسْوةَ، أوْ بَعضَها، (مَعَ الْيَسَارِ؛ أَخَذَتْ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا) الصَّغيرَ (بِالْمَعْرُوفِ، بِلَا إِذْنِهِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِهِنْدٍ حِينَ قَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي، قَالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلدَكِ (٣) بِالْمَعْرُوفِ») مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ عائشةَ، ولَفْظُه للبُخارِيِّ (٤). وظاهِرُه يَدُلُّ على أنَّه يُعطِيها بعضَ الكِفايَة، ولا يُتِمُّها لها، فرخَّص النَّبيُّ ﷺ لأِخْذِ تمامِ الكِفايَة بغَيرِ عِلْمِه؛ لأِنَّه مَوضِعُ حاجةٍ، فإنَّ النَّفقةَ لا غِنى عنها، ولا قِوامَ إلاَّ بها، ولأِنَّها تتجدَّدُ بتجدُّدِ الزَّمانِ شَيئًا فشَيئًا، فتَشُقُّ المرافَعةُ إلى الحاكِم، والمُطالَبةُ بها في (٥) كلِّ الأوقات (٦). وذَكَرَ القاضِي: أنَّها تَسقُط بفَواتِ وَقْتِها عندَ جَمْعٍ، ما لم يَفرِضْها حاكِمٌ، بخِلافِ الدَّينِ، فإنَّه لا يسقط (٧) عندَ أحدٍ بتَرْكِ المطالَبةِ. وفي «الرَّوضة»: القِياسُ مَنْعُها، تَرَكْناهُ للخَبَر. وفي وَلَدِها وَجْهٌ في «التَّرغيب». لكِنْ يَرِد على المذهب: قَولُه ﵇: «أدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ

стр. 5263

مَنْ خانَكَ» (١)، فإنَّه يَقتَضِي المنْعَ من الأَخْذِ مُطلَقًا. وجَوابُه: حديثُ هندٍ؛ لأِنَّه خاصٌّ بالنَّفقة، فقُدِّمَ على غَيرِه. فرعٌ: لا يَقتَرِضُ على الأب، ولا يُنْفِقُ على الصَّغير مِنْ ماله إلاَّ بإذْنِ وليِّه. (فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ (٢)؛ أي (٣): على الأَخْذِ مِنْ مالِه رافَعَتْه إلى الحاكم، فيأمُرُه بالإنفاق، (أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ)؛ أيْ: على الإنفاق، (وَ) إنْ أبَى (حَبَسَهُ)؛ لأِنَّ الحاكِمَ وُضِعَ لِفَصْلِ الخُصوماتِ، والحَبْسُ طريقٌ إلى الفَصْل، فتعيَّنَ فِعْلُه. (فَإِنْ لَمْ يُنْفِقْ؛ دَفَعَ) الحاكِمُ (النَّفَقَةَ مِنْ مَالِهِ)؛ لأِنَّها حقٌّ واجِبٌ عليه، فإذا امْتَنَع مَنْ عليه ذلك مِنْ أدائه؛ وَجَبَ الدَّفْعُ إلى مُستَحِقِّه مِنْ مالِ خَصْمه؛ كالدَّين، بلْ أَوْلَى؛ لأِنَّها آكَدُ مِنْ الدَّين، بدليلِ جوازِ الأخْذِ بغَيرِ إذْنِ المالِك. فإنْ لم يَجِدْ إلاَّ عُروضًا، أوْ عَقارًا؛ باعه (٤) ودَفَعَ إليها (٥) مِنْ ثَمَنِه كالنَّقْدَينِ، ويَدفَعُها منه يَومًا بيَومٍ. تنبيهٌ: حُكْمُ وكيلِه حُكْمُه في المطالَبة، والأَخْذِ من المال عِنْدَ امْتِناعِه. فإن ادَّعَتْ يَسارَه، فأنْكَرَ؛ فإنْ عُرِفَ له مالٌ؛ قُبِلَ قَولُها، وإلاَّ قَولُه. وإن اخْتَلَفا في فَرْضِ الحاكِمِ لها، أوْ في وَقْتِها، فقال: فَرَضَها منذُ شَهْرٍ، فقالتْ: بلْ منذُ عامٍ؛ قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ معه. (فَإِنْ غَيَّبَهُ، وَصَبَرَ عَلَى الْحَبْسِ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ)، إذا غَيَّبَ الزَّوجُ مالَه، وتعذَّر الإنفاقُ مِنْ جِهَتِه، وصَبَرَ على الحَبْس؛ فَلَهَا الفَسْخُ؛ كما لو كان

стр. 5264

مُعسِرًا، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، واختاره أبو الخَطَّابِ، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لحديثِ عمرَ: «أنَّه كَتَبَ في رجالٍ غابُوا عَنْ نِسائِهم، فأَمَرَهُم أن يُنفِقُوا، أوْ يُطلِّقُوا» (١)، وهذا إجْبارٌ على الطَّلاق عِنْدَ الاِمْتِناع مِنْ الإنفاق؛ لأِنَّ الإنفاقَ عَلَيها مِنْ مالِه مُتعذِّرٌ، فكان لها الخِيارُ؛ كحالِ الإعْسارِ، بل هذا أَوْلَى بالفَسْخ، فإنَّه إذا جاز الفَسْخ على المَعْذُور؛ فغَيرُه أَوْلَى. (وَقَالَ الْقَاضِي)، واخْتَارَه الأكْثَرُ، قاله في «التَّرغيب»: (لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ)؛ أيْ: لا تَملِكُ (٢) الفَسْخَ؛ لأِنَّ الفَسْخَ لعيب (٣) المعْسِرِ، ولم يُوجَدْ هُنا، ولأِنَّ المُوسِرَ في مَظِنَّةِ الأخْذِ مِنْ مالِه، ولأِنَّ الحاضِرَ قد يُنْفِقُ لِطُولِ الحَبْس. (وَإِنْ غَابَ مُوسِرٌ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهَا نَفَقَةً، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى مَالٍ لَهُ (٤)، وَلَا الاِسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ؛ فَلَهَا الْفَسْخُ)؛ لأِنَّها لا (٥) تَقدِرُ على الوُصولِ إلى (٦) نَفَقَتِها، أشْبَهَ ما لو ثبت (٧) إعْسارُه. وظاهِرُه: أنَّه إذا تَرَكَ لها نَفَقةً، أوْ قَدَرَتْ على مالٍ (٨) له، أوْ على الاِسْتِدانة عليه؛ أنَّه لا فَسْخَ لها؛ لأِنَّ الإنفاقَ علَيها مِنْ جِهَتِه غَيرُ مُتعذِّرٍ. (إِلاَّ عِنْدَ الْقَاضِي فِيمَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ (٩) إِعْسَارُهُ)؛ لأِنَّ الفَسْخَ ثَبَتَ لِعَيْبِ الإعْسارِ، ولم يَثبُت الإعْسارُ هُنا، وهذه مِثْلُ الأُولَى في الفَسْخِ، بلْ أَوْلَى؛

стр. 5265

لأِنَّ الحاضِرَ ربَّما (١) إذا طال (٢) عليه الحَبْسُ أنْفَقَ، وهذا قد تكونُ غَيبتُه بحَيثُ لا يُعلَمُ خَبرُه، فيكونُ الضَّرَرُ فيه (٣) أكثرَ. وعُلِمَ: أنَّه إذا ثبت (٤) إعْسارُه؛ أنَّ لها الفَسْخَ مُطلَقًا. تذنيبٌ: إذا كان له عَلَيها دَينٌ مِنْ جِنْسِ الواجب لها من النَّفقة، فأراد أنْ يَحتَسِبَ عَلَيها، وهي مُوسِرةٌ؛ فله ذلك، وإنْ كانَتْ مُعسِرةً فلا؛ لأِنَّ قَضاءَ الدَّين في الفاضل عن الكِفايَة، ولا فَضْلَ لها. فلو أُنْفِقَ عليها من مالِ زَوجِها الغائبِ، ثمَّ تَبَيَّنَ أنَّه ماتَ قبلَ إنْفاقِه؛ حُسِبَ عَلَيها ما أنفقته (٥) بِنَفْسها أوْ بأمْرِ الحاكِمِ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦). قال ابنُ الزَّاغُونيِّ: إذا ثَبَتَ عِنْدَ الحاكِمِ صحَّةُ النِّكاحِ ومَبلَغُ المهْرِ، فإنْ عَلِمَ مَكانَه، كَتَبَ: إنْ سلَّمْتَ إلَيها حقَّها، وإلاَّ بُعِثَ عَلَيكَ بقَدْره، فإنْ أبَى، أوْ لم (٧) يَعلَمْ بمَكانه؛ باعَ بقَدْرِ نصفه (٨)؛ لِجَوازِ طَلاقِه قَبْلَ الدُّخول. (وَلَا يَجُوزُ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلاَّ بِحُكْمِ حَاكِمٍ (٩)؛ لأِنَّه فَسْخٌ مُختَلَفٌ فيه، فافْتَقَرَ إلى الحاكِمِ؛ كالفَسْخ لِلْعُنَّة، ولا يُفسَخُ إلاَّ بِطَلَبِها؛ لأنَّه (١٠) لِحَقِّها، أوْ تَفْسَخُ هي بأمْرِه.

стр. 5266

فإذا فَرَّقَ الحاكِمُ بَينَهما؛ فهو فَسْخٌ لا رَجْعةَ له فيه. فإذا ثَبَتَ إعْسارُه؛ فَسَخَ بطَلَبِها، أوْ فَسَخَتْ بأمْرِه، ولا يَنفُذُ بدُونِه. وقِيلَ: ظاهِرًا. وفي «التَّرغيب»: يَنفُذُ مع تعذُّرِه، زاد في «الرِّعاية»: مُطلَقًا. وإنْ قُلْنَا: هو طلاقٌ؛ لأمره (١) بطَلَبِها، بطَلاقٍ أوْ نَفَقَةٍ، فإنْ أبَى؛ طلَّقَ عليه، جَزَمَ به في «التَّبصرة»، فإنْ راجع (٢)، فقِيلَ: لا يصحُّ (٣) مع عُسْرته، وقِيلَ: بلى؛ فيُطلِّقُ ثانيةً ثُمَّ ثالِثةً. وقِيلَ: إنْ طَلَبَ المُهْلةَ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ أُجِيبَ، فلو لم يَقدِرْ؛ فقيل (٤): ثلاثةَ أيَّامٍ، وقِيلَ: إلى آخِرِ اليوم المتخلِّفة (٥) نَفَقَتُه. وفي «المغْنِي»: يُفرَّقُ بَينَهما. وهي فَسْخٌ، فإنْ أجْبَرَه على الطَّلاق فطلَّقَ، فراجَعَ ولم يُنفِقْ؛ فلِلْحاكِمِ الفَسْخُ. وظاهِرُ كلامِ القاضِي: أنَّ الحاكِمَ يَملِكُ الطَّلاقَ والفَسْخَ. وإنْ أيْسَرَ في العِدَّة؛ فله ارْتِجاعُها؛ لأِنَّه تفريقٌ لاِمْتِناعِه من الواجِبِ، أشْبَهَ تَفريقَه بَينَ المُولِي وامْرأَتِه.

стр. 5267

(بَابُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ) وهي واجبةٌ مع اليَسار فَقَطْ. (يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، ولقوله تعالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسرَاء: ٢٣]، ومِن الإحْسانِ الإنْفاقُ عَلَيهِما عِنْدَ حاجَتِهِما، ولقَولِه تَعالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمَان: ١٥]، ومِن المعروف القيامُ بكِفايَتِهما عِنْدَ حاجَتِهما، ولِقولِه ﵇: «إنَّ أطْيَبَ ما أكلتم مِنْ كَسْبِكُم، وإنَّ أوْلادَكم مِنْ كَسْبِكم» رواه أبو داودَ، والتِّرمذِيُّ وحسَّنَه (١)، وقال ابنُ المنذِر: (أجْمَعَ أهلُ العلم أنَّ نَفَقةَ الوالِدَينِ الفَقِيرَينِ اللَّذَينِ لا كَسْبَ لهما ولا مالَ؛ واجِبةٌ في مالِ الولد) (٢)، ولأِنَّ الإنسانَ يَجِبُ عليه أنْ يُنفِقَ على نفسه وزَوجَتِه (٣)، فكذا على بَعْضِه وأصْلِه. (وَوَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ)، الجارُّ مُتعلِّقٌ ب «يَجِبُ»، أوْ بَعضُها؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦]. (إِذَا كَانُوا فُقَرَاءَ)؛ أيْ: لا مالَ لهم، ولا كَسْبَ يَسْتَعينُونَ (٤) به عن غَيرِهم، والكُسْوةُ والسكنى كالنَّفَقة. وشَرْطُه: الحُرِّيَّةُ، فمَتَى كان أحدُهما رقيقًا فلا نَفَقَةَ، قالَه الزَّرْكَشِيُّ، وجَزَمَ في «الخِرَقِيِّ» و «المغْنِي»: أنَّ الوَلَدَ الرَّقيقَ لا نَفَقَةَ له على أبيهِ، وإنْ كان الأبُ حُرًّا.

стр. 5268

(وَلَهُ مَا يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ فَاضِلاً عَنْ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَامْرَأَتِهِ) ورقيقِه، يَومَه ولَيلتَه، من كَسْبِه وأُجْرَةِ ملْكِه؛ لقَولِه ﵇: «ابْدَأْ بنَفْسِكَ، ثُمَّ بمَنْ تَعُولُ» (١)، ولأِنَّها مُواساةٌ، فلم تَجِبْ على المُحْتاجِ؛ كالزَّكاة. (وَكَذَلِكَ تَلْزَمُهُ (٢) نَفَقَةُ سَائِرِ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوا، وَأَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلُوا)، في قَولِ الجُمْهور؛ لِدُخولِهم في اسْمِ الآباء والأَوْلادِ؛ لقوله تعالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١١]، فيَدخُلُ فيه ولدُ البَنِينَ، وقال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النِّسَاء: ١١]، وقال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحَجّ: ٧٨]، ولأِنَّ بَينَهُما قرابةً، فَوَجَبَ العِتْقُ وردُّ الشَّهادة، أشْبَهَ الولَدَ والوالِدَينِ القَرِيبَينِ. (وَتَلْزَمُهُ (٣) نَفَقَةُ كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ)، ظاهِرُ المذْهَبِ: أنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ على كلِّ وارِثٍ لِمورُوثِه بشَرْطِ: إرْثِ المنفِقِ، وغِناهُ، وفَقْرِ المنْفَقِ عَلَيهِ، (سَوَاءٌ وَرِثَهُ الآْخَرُ)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، أوْجَبَ النَّفَقَةَ على الأب، ثُمَّ عَطَفَ الوارِثَ عليه، وذلك يَقتَضِي الاِشْتِراكَ في الوُجوب، (أَوْ لَا) يَرِثُه؛ (كَعَمَّتِهِ وَعَتِيقِهِ)؛ أيْ: كابْنِ الأخ مع عَمَّتِه، والمعتِقِ مع عَتِيقِه؛ للآية. (وَحُكِيَ عَنْهُ: إنْ لَمْ يَرِثْهُ الآخَرُ (٤)؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ)؛ لأِنَّ الوارِثَ أحدُ القَرابَتَينِ، فلم تلزمه (٥) نَفَقةُ قريبه؛ كالآخَر.

стр. 5269

وعَنْهُ: تختص (١) العَصَبةُ مُطلَقًا، نَقَلَها جماعةٌ (٢). فيُعتَبَرُ أنْ يَرِثَهم بفَرْضٍ أوْ تَعصِيبٍ في الحال؛ لِقضاءِ عمرَ على بَنِي عمِّ مَنفُوسٍ بنَفَقَتِه، احتجَّ به أحمدُ (٣)، وكالعقل (٤)، فلا يَلزَمُ بعيدًا مُوسِرًا يَحجُبُه قريبٌ مُعْسِرٌ. وعَنْهُ: بَلَى إنْ وَرِثَه وَحْدَه لَزِمَتْه مع يَسارِه، ومَع فَقْرِه يَلزَمُ بعيدًا موسرًا (٥). فلا يَلزَمُ جَدًّا مُوسِرًا مع أبٍ فقيرٍ، وأخًا مُوسِرًا مع ابنٍ فقيرٍ على الأولى (٦)، ويَلزَمُ على الثَّانيةِ. وإن اعْتُبِرَ إرْثٌ في غَيرِ عَمُودَيْ نَسَبِه؛ لَزِمَت الجَدَّ، قال المؤلِّفُ: وهو

стр. 5270

الظَّاهِرُ، وأطْلَقَ في «التَّرغيب» ثلاثةَ أوْجُهٍ. وعَنْهُ: يُعتَبَرُ تَوارُثُهما، اخْتارَه أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رجلاً سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ : مَنْ أَبَرُّ؟ قال: «أمَّكَ وأباك، وأخْتَكَ وأخاكَ، ومَولاكَ الذي يَلِي ذلك حقٌّ واجِبٌ، ورَحِمٌ مَوصولَةٌ» رواه أبو داودَ (١)، وبه يَظهَرُ الفَرْقُ بَينَه وبين قَريبِه؛ لأنَّه يَرِثُه (٢)، بخِلافِ العَكْسِ. (فَأَمَّا ذَوُو (٣) الْأَرْحَامِ)، وهم الذينَ لا يَرِثُونَ بفَرْضٍ ولا تَعصِيبٍ؛ (فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ الْقَاضِي)؛ لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِمْ، ولأِنَّ قَرابَتَهم ضعيفةٌ، وإنَّما يَأخُذُونَ مالَه عِنْدَ عَدَمِ الوارِثِ، فهُم كسائرِ المسلمين، فإنَّ (٤) المال يُصرَفُ إليهم إذا لم يكُنْ للميِّتِ وارِثٌ، بدليلِ تقديمِ الرَّدِّ عَلَيهِم. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُخَرَّجُ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ (٥) رِوَايَتَانِ): إحداهما: ما سَبَقَ، وهي المذْهَبُ. والثَّانيةُ: تجب (٦) لكلِّ وارِثٍ، واخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٧)؛ لأِنَّه مِنْ

стр. 5271

صِلَةِ الرَّحِم، وهو عامٌّ؛ لِعُمومِ المِيراثِ في (١) ذوي الأرْحامِ، بَلْ أَوْلَى، قال: وعلى هذا ما وَرَدَ من حَمْلِ الخال للعقل (٢)، وقَوله: «ابنُ أخْتِ القَومِ مِنهم»، وقوله: «مَولَى القَومِ منهم» (٣)، وكان مِسْطَحٌ ابنَ خالَةِ أبي بَكْرٍ، فيَدخُلُونَ في قَولِه تعالَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسرَاء: ٢٦]. وأوْجَبَها جماعةٌ لِعَمُودَيْ نَسَبِه فَقَطْ. (وَإِنْ كَانَ لِلْفَقِيرِ وَارِثٌ؛ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إِرْثِهِمْ مِنْهُ)؛ لأِنَّ الله تعالى رتَّبَ النَّفَقةَ على الإرْثِ، فيَجِبُ أنْ يَترتَّبَ على المقْدارِ عَلَيهِ. وحاصِلُه: أنَّ الصَّغِيرَ إذا لم يكُنْ له أبٌ؛ فالنفقة على وارِثِه مُطلَقًا. (فَإِذَا (٤) كَانَ أُمٌّ وَجَدٌّ؛ فَعَلَى الأُمِّ الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْجَدِّ)؛ لأِنَّهما

стр. 5272

يرثانِه كذلك. مسائلُ: ابْنٌ وبِنْتٌ: النَّفَقةُ عَلَيهِما أثْلاثًا. أمٌّ وابْنٌ: على الأمِّ السُّدُسُ، والباقِي على الاِبْنِ، فإنْ كانَتْ بِنْتٌ وابْنُ ابْنٍ فالنَّفَقةُ عَلَيهِما نِصفانِ. أمٌّ وبِنْتٌ: النَّفَقةُ عَلَيهِما أرْباعًا؛ كمِيراثِهِما منه، فإنْ كانَتْ بِنتٌ وابنُ بِنتٍ؛ فالنَّفَقةُ على البِنْت. (وَإِنْ كَانَتْ (١) جَدَّةٌ وَأَخٌ؛ فَعَلَى الْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي عَلَى الْأَخِ)؛ لأِنَّ مِيراثَهما منه (٢) كذلك، (وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى حِسَابُ النَّفَقَاتِ)؛ يَعْنِي: أنَّ ترتيبَ النَّفَقات على ترتيبِ المِيراث، فكما أنَّ للجَدَّة السُّدسَ من المِيراثِ؛ كذلك (٣) عليها (٤) سُدُسُ النَّفقة، والباقِي على الأخ؛ لأِنَّ الباقي (٥) له. ولو اجْتَمَع بِنْتٌ وأختٌ، أوْ بنت (٦) وأخٌ، أوْ ثلاثُ أخوَاتٍ مفترقات (٧)؛ فالنَّفَقةُ بَينَهم على قَدْرِ الميراث في ذلك، سَواءٌ كان في المسألة رَدٌّ أوْ عَولٌ، أوْ لا. ولو اجْتَمَع أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ؛ فهُما سَواءٌ في النَّفَقة؛ لاِسْتِوائِهِما في الميراث.

стр. 5273

(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبٌ؛ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ … ﴾ [الطّلَاق: ٦]، ﴿وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]. وفي «الواضح»: ما دامَتْ أمُّه أحقَّ به (٢). وقال (٣) ابنُ عَقِيلٍ: ومِثْلُه الولد (٤)؛ أيْ: يَختَصُّ الولدُ بنَفَقةِ والِدِه. وقال القاضِي وأبو الخَطَّاب: القِياسُ في أبٍ وابْنٍ؛ أن (٥) يَلزَمَ الأبَ سُدُسٌ فَقَطْ، لكِن تَرَكَه أصْحابُنا؛ لِظَاهِرَ الآية، ذَكَرَه في «المستوعب». (وَمَنْ لَهُ ابْنٌ فَقِيرٌ وَأَخٌ مُوسِرٌ؛ فَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا)، الاِبْنُ لِعُسْرته، والأخُ لِعَدَمِ مِيراثِه. ويتخرَّجُ في كلِّ وارِثٍ لَولا الحَجْب إذا كان مَنْ يَحجُبُه مُعسْرًا وَجْهانِ: أحدُهما: لا نَفَقةَ له عليه؛ لأِنَّه غَيرُ وارِثٍ؛ كالأجنَبِيِّ. والثاني (٦): عليه النَّفَقةُ؛ لِوُجودِ القَرابة المقْتَضِيَةِ للإرْث والإنفاقِ، صحَّحه السَّامَرِّيُّ، وصرَّح ابن عَقِيلٍ بذلك، والمانِعُ مِنْ الإرْثِ لا يَمنَعُ من الإنفاق؛ لأِنَّه مُعْسِرٌ لا يُمكِنُه الإنْفاقُ، فوُجودُه بالنِّسبة إلى الإنفاق كعَدَمَه. (وَمَنْ لَهُ أُمٌّ فَقِيرَةٌ وَجَدَّةٌ مُوسِرَةٌ؛ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا)؛ أيْ: على الجَدَّة، وذلك أنَّ الوارِثَ القَريبَ المعْسِرَ إذا اجْتَمَعَ مع بعيدٍ مُوسِرٍ مِنْ عَمُودَي النَّسَب - كهذه المسألة -؛ وَجَبَت النَّفقةُ على المُوسِرِ، فأبٌ مُعْسِرٌ مع جَدٍّ مُوسِرٍ، النَّفقةُ على الجَدِّ.

стр. 5274

قال أحمدُ: لا يَدفَعُ الزَّكاةَ إلى وَلَدِ ابْنَتِه (١)؛ لقَوله ﵇ للحَسَنِ: «إنَّ ابْنِي هذا سيِّدٌ» (٢)، فسمَّاه ابْنَه، وهو ابْنُ بِنْتِه. فإذا مُنِعَ مِنْ دَفْعِ الزَّكاة إلَيهِم لِقَرابَتِهم؛ وَجَبَ أنْ تَلزمَه (٣) نَفَقَتُهم مَعَ حاجَتِهم، وبَناهُ في «المحرَّر» على ما تَقدَّمَ من الرِّوايات. (وَمَنْ (٤) كَانَ صَحِيحًا مُكَلَّفًا، لَا حِرْفَةَ لَهُ - سِوَى الْوَالِدَيْنِ -، فَهَلْ تَجِبُ نَفَقَتُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، لا يُشتَرَط في نَفَقةِ الوالِدينَ والمَولُودِينَ نَقْصُ الخِلْقة، ولا نَقْصُ الأحكام في ظاهِرِ المذهب؛ لقوله ﵇ لِهِنْدَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمعْرُوف» (٥)، ولم يَسْتَثْنِ منهم بالِغًا، ولا صحيحًا، ولأِنَّه وَلَدٌ فقيرٌ، فاسْتَحَقَّ النَّفقةَ على والِدِه الغني (٦)؛ كالزَّمِن. وقال القاضِي: لا يُشتَرَطُ ذلك في الوالِدينَ، وهل يُشتَرُطُ في الوَلَد؟ فكلامُ أحمدَ يَقتَضِي رِوايَتَينِ: إحْداهُما: يلزم (٧)؛ لأِنَّه فقيرٌ. والثَّانيةُ: إنْ كان يَكتَسِبُ فيُنفِقُ على نفسه؛ لم تَلزَمْ نَفَقَتُه، وهذا يَرجِعُ إلى الذي لا يَقدِرُ على كَسْبِ ما يَقُومُ به؛ فتَلْزَمُ نَفَقَتُه روايةً واحدةً، سَواءٌ كان ناقِصَ الأحكام، أوِ الخِلْقةِ. وظاهِرُه: إذا لم يَكُنْ صحيحًا فتَجِبُ نَفَقَتُه، بغَيرِ خِلافٍ (٨)، أو لَيس

стр. 5275

بمُكلَّفٍ؛ كالصَّبيِّ والمجْنون؛ فإنَّها تَجِبُ، بَلْ أَوْلَى؛ لأِنَّ عجزهما أبْلَغُ مِنْ عَجْزِ غَيرِ الصَّحيح. وكذا إذا (١) كان له حِرْفةٌ، فإنَّها لا تَجِبُ نَفَقَتُه بغَيرِ خِلافٍ؛ لأِنَّ الحِرفةَ تُغْنِيهِ، ونَفَقَةُ القريب لا تَجِبُ إلاَّ مع الفقر، ولا بُدَّ أنْ تكونَ الحِرْفةُ يَحصُلُ بها غِناهُ، فإن لم (٢) يُغنِه؛ فالخِلافُ. وعَنْهُ: لا نَفَقةَ لِفَقيرٍ غَيرِ عَمُودَي النَّسَب. وهل يَلزَمُ المُعدِمَ الكَسْبُ لِنَفَقةِ قَرِيبِه؟ على الرِّوايتَينِ في الأُولَى، قاله في «التَّرغِيب»، وجَزَمَ جماعةٌ: يَلزَمُه. (وَإِنْ (٣) لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ إِلاَّ نَفَقَةُ وَاحِدٍ؛ بَدَأَ) بامرأته (٤)؛ لأِنَّها تَجِبُ على سبيلِ المُعاوَضَةِ. ثُمَّ بِرَقِيقِه؛ لِحدِيثِ جابِرٍ (٥)، ولأِنَّها تَجِبُ مع اليَسَار والإعْسَار، ويُقدّمُ مَنْ يَخدِمُه على غَيرِه. ثمَّ (٦) (بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ)؛ لأِنَّ نَفَقةَ القَرِيبِ تَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ، ثُمَّ العَصَبةِ، ثُمَّ التَّساوِي. وقيل (٧): يُقدَّمُ وارِثٌ، ثُمَّ التَّساوِي.

стр. 5276

وفي «المحرَّر»: فإن اسْتَوَيا؛ قَدِّمَ العَصَبةُ على غَيرِه، وإلاَّ فهما (١) سَواءٌ. وقِيلَ: يُقدَّمُ مَنْ امْتازَ بفَرْضٍ أوْ تعصيبٍ، فإنْ تَعارَضَت المَزِيَّتانِ، أوْ تقدَّما؛ فهُما سَواءٌ. (فَإِنْ (٢) كَانَ لَهُ أَبَوَانِ؛ فَهُوَ بَيْنَهُمَا)، هذا هو أحدُ (٣) الوُجوهِ؛ لِتَساوِيهِما. وقِيلَ: تُقدَّمُ الأمُّ؛ لأِنَّها أحقُّ بالبِرِّ، ولها فضيلةُ الحَمْل والرَّضاع والتَّربية، فهو أضعف (٤) منها. والمذْهَبُ: يُقدَّمُ الأَبُ عَلَيها؛ لِفَضيلتِه، وانْفِرادِه بالوِلاية، واسْتِحْقاقِ الأَخْذِ من مالِه. والأوَّلُ أَوْلَى، قالَهُ في «الشَّرح». (وَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا ابْنٌ)، وهما صحيحانِ؛ (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ): (أَحَدُهَا: يُقْسَمُ (٥) بَيْنَهُمْ)؛ لِتَساوِيهِمْ في القُرْب. (وَالثَّانِي (٦): يُقَدِّمُهُ (٧) عَلَيْهِمَا)؛ لِوُجوبِ نَفَقتِه بالنَّصِّ، نَقَلَ أبو طالِبٍ: الاِبْنُ أحقُّ بالنَّفَقة منها، وهي أحقُّ بالبِرِّ (٨). (وَالثَّالِثُ: يُقَدِّمُهُمَا (٩) عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ حُرْمَتَهُما آكَدُ.

стр. 5277

وقال القاضِي: إنْ كانَ الاِبْنُ صغيرًا أوْ مَجْنونًا؛ قُدِّمَ؛ لأِنَّ نَفَقَتَه وَجَبَتْ بالنَّصِّ، مع أنَّه عاجِزٌ عن الكَسْب، وإنْ كان كبيرًا والأبُ زَمِنٌ؛ فَهُو أحقُّ؛ لأِنَّ حرمته (١) آكَدُ، وحاجَتَه أشدُّ. مسألةٌ: أُمُّ أُمٍّ وأُمُّ أَبٍ بَينَهما نصفان. أبوان (٢) أَوْلَى مِنْ أبي الأمِّ (٣)؛ لاِمْتِيازِه بالتَّعصيب، ومع أَبِي أَبِي أَبٍ يَستَوِيانِ. وقِيلَ: يُقدَّمُ أبو أُمٍّ. وفي «الفُصول» احْتِمالٌ: عَكْسُه، جَزَمَ به المؤلِّفُ. وفي «المستوعب»: يُقدَّمُ الْأَحْوَجُ في الكلِّ. واعْتَبَرَ في «التَّرغيب»: بإرْثٍ، وأنَّ مع الاجتماع (٤) يُوزَّعُ لهم بقَدْرِ إرْثِهِمْ. فرعٌ: إذا كان مَنْ يَجِبُ عليه خُنْثَى مُشكِلٌ؛ فالنَّفَقةُ عليه على قَدْرِ مِيراثِه، فإن انْكَشَفَ حالُه، فبَانَ أنَّه أنْفَقَ أكثرَ؛ رَجَعَ بالزِّيادة، وإنْ بانَ أنَّه أنْفَقَ أقلَّ؛ رُجِعَ عليه، فإنْ كانَ أحدُ الوَرَثةِ مُوسِرًا؛ لَزِمَه بِقَدْرِ إرْثِه. وعَنْهُ: الكُلُّ. قال ابنُ حَمْدانَ: ومِثلُه إذا كان أحدُهما حاضِرًا، وتعذَّر (٥) أخْذُ نَصِيبِ الغائب. (وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ؛ فَالْأَبُ وَالاِبْنُ أَحَقُّ)؛ لأنَّهما (٦)

стр. 5278

أقْرَبُ وأحقُّ بمِيراثه؛ كالأب مع الأخ. وقِيلَ: بالتَّساوِي؛ أيْ: يَسْتَوِي الجَدُّ والأبُ، والاِبْنُ وابْنُه؛ لِتَساوِيهما في الولادة والتَّعصيب. قال أبو الخَطَّاب: هو سَهْوٌ من القاضِي. قال في «الشَّرح»: إذا اجْتَمَعَ ابنٌ وجَدٌّ، أو أبٌ (١) وابنُ ابنٍ؛ احَتَمَلَ وَجهَينِ: أحدهما: تقديم الاِبْنِ والأبِ؛ لِقُرْبِهما، ولا يَسقُطُ إرْثُهما بحالٍ. ويَحتَمِلُ: التَّسْويةَ بَينَهما؛ لأِنَّهما سَواءٌ في الإرْثِ والتَّعصيب والوِلادَة. والأوَّلُ أَوْلَى. (وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ)؛ أيْ: إذا كان دِينُ القَرِيبَينِ مُختَلِفًا؛ فلا نَفَقَةَ لأِحَدِهما على الآخَرِ؛ لأِنَّه لا تَوَارُثَ بَينَهُما، ولا وِلايَةَ، أشْبَهَ ما لو كان أحدُهما رقيقًا. (وَقِيلَ: فِي عَمُودَيِ النَّسَبِ رِوَايَتَانِ)، ذَكَرَهُما القاضي: أحدُهما (٢): تَجِبُ؛ لأِنَّ نَفَقَتَه مع اتِّفاقِ الدِّين (٣)، فيَجِبُ مع اخْتِلافِه؛ كنَفَقَةِ الزَّوجة. والثَّانيةُ: لا تجب، ونَصَرَهَا في «الشَّرح»؛ لأِنَّها مُواساةٌ على سبيلِ البِرِّ والصِّلَة، فلم تجب (٤) مع اخْتِلافِ الدِّين؛ كأداءِ زكاته إلَيهِ، وعَقْلِه عَنْهُ، وإرْثِه منه.

стр. 5279

(وَإِنْ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ الوَاجِبَ مُدَّةً؛ لَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضُهُ)، أطْلَقَه الأكثرُ (١)، وجَزَمَ به في «الفصول»؛ لأِنَّ نفقةَ القريب وجَبَتْ لِدَفْع الحاجة وإحْياءِ النَّفس، وقد حَصَلَ ذلك في الماضي بدُونِها. وذَكَرَ جماعةٌ: إلاَّ بفرضِ (٢) حاكِمٍ؛ لأِنَّه تأكَّد بفَرْضِه؛ كنَفَقةِ الزَّوجة. وفي «المحرَّر»: لا يَلزَمُه وإنْ فُرِضَتْ، إلاَّ أَنْ يُسْتَدانَ عَلَيهِ بإذْنِ الحاكِمِ. وظاهر (٣) ما اخْتارَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ويَستَدِينُ (٤) عَلَيهِ، فلا يَرجِعُ إن اسْتَغْنَى بكَسْبٍ، أوْ نَفَقةِ مُتبَرِّعٍ (٥). وظاهِرُ كلامِهم: يأخُذُ مَنْ وَجَبَتْ له النَّفقةُ بلا إذْنٍ؛ كزوجةٍ، نَقَلَ ابناهُ: يأخُذُ مِنْ مالِ والدِه بلا إذْنِه، بالمعروف إذا احْتاجَ، ولا يَتصدَّقُ (٦). (وَمَنْ لَزِمَهُ نَفَقَةُ رَجُلٍ؛ فَهَلْ تَلْزَمُهُ (٧) نَفَقَةُ امْرَأَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أشْهَرُهما: أنَّه يَلزَمُه نَفَقَتُها وخادِمٍ تحتاجه (٨)؛ لأِنَّه لا يَتمكَّنُ من الإعْفافِ إلاَّ به. والثَّانيةُ: لا يَلزَمُه؛ لأِنَّ بُنْيَتَه (٩) تَقُومُ بِدُونِ المرأة، بخِلافِ نَفَقةِ نَفْسِه، وحَمَلَها في «الشَّرح» على أنَّ الاِبنَ كان يَجِدُ نَفَقَتَها.

стр. 5280

وعَنْهُ: تجب (١) لزوجةِ (٢) الأب فَقَطْ. وعَنْهُ: تَجِبُ في عَمُودَي النَّسَب. وهي مسألةُ الإعْفاف. ويَلزَمُه إعْفافُ أبيه إذا احْتاجَ إلى ذلك، وكذا ابْنُه إذا لَزِمَتْه نَفَقَتُه، وهو أنْ يُزَوِّجَه حُرَّةً تُعِفُّه، أوْ بِسُرِّيَّةٍ، ولا يَملِكُ اسْتِرْجاعَ أَمَةٍ أعَفَّه بها مع غِناهُ في الأصحِّ، ويُصدَّقُ في أنَّه تائِقٌ بلا يَمِينٍ، ويُعتَبَرُ (٣) عَجْزُه، ويَكْفِي إعْفافُه بواحدةٍ، ويُعِفُّه ثانيًا إنْ ماتَتْ، وقِيلَ: لا؛ كمُطَلِّقٍ لِعُذْرٍ في الأصحِّ. ويَلزَمُه إعْفافُ أُمِّه كالأْبِ، قال (٤) القاضي: ولو سُلِّم (٥) فالأبُ آكد؛ ولأنَّه لا يُتصوَّر؛ لأنه بالتزوُّج (٦) ونَفَقَتُها عليه. وقِيلَ: يَلزَمُه إعفافُ (٧) كلِّ إنسانٍ تَلزَمُه نَفَقَتُه.

стр. 5281

(فَصْلٌ) (وَتَجِبُ نَفَقَةُ ظِئْرِ الصَّبِيِّ)، كذا في «المحرَّر»، وعبَّر في «الفروع»: صَغِير، وهو أولى، حولين، (عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ)؛ لأِنَّ نَفَقَةَ ظِئْرِ الصَّغيرِ كنَفَقَةِ الكبيرِ، ويَختَصُّ وُجوبُها بالأبِ وَحْدَه. (وَلَيْسَ لِلْأَبِ مَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا إِذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ)؛ أيْ: إذا طَلَبَت الأمُّ رضاعَ وَلَدِها بأُجْرَةِ مِثْلِها - ولو أرْضَعَه غَيرُها مَجَّانًا - فهي أحقُّ به، سواءٌ كانَتْ تحتَه أوْ بائنًا منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ … (٢٣٣)﴾ الآية [البَقَرَة: ٢٣٣]، وهو خبرٌ يُرادُ به الأمْرُ، وهو عامٌّ في كلِّ والدةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطّلَاق: ٦]، ولأنَّها (١) أشْفَقُ وأحقُّ بالحَضانة، ولَبَنُها أمْرَأُ. وقِيلَ: بلى (٢) في حِباله؛ كخِدْمته، نَصَّ عليها (٣). (وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا، وَوُجِدَ مَنْ يَتَبَرَّعُ بِرَضَاعِهِ؛ فَهِيَ أَحَقُّ)؛ لِمَا تَقدَّمَ، ولأِنَّ في إرْضاعِ غَيرِها تَفْويتًا لِحَقِّ الأمِّ من الحَضانة، وإضْرارًا بالولد. فإنْ طَلَبَتْ أكثرَ مِنْ أجْرِ مِثْلِها، وَوُجِدَ مَنْ تُرضِعُه مُتبَرِّعةً، أوْ بأُجْرةِ مثلها (٤)؛ جاز انْتِزاعُه منها؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطّلَاق: ٦]. ونَقَلَ أبو طالِبٍ: هي أحقُّ بما تَطلب (٥) به من الأجرة، لا بأكثرَ (٦).

стр. 5282

وفي «المنتخب»: إن اسْتَأْجَرَها مَنْ هي تحتَه لرضاعِ ولدِه؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّه اسْتَحَقَّ نَفْعَها؛ كاسْتِئْجارها للخِدمة شهرًا، وإنْ لم يَجِدْ مُرضِعةً إلاَّ بتلك الأُجْرةِ؛ فالأمُّ أحقُّ. (وَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ رَضَاعِهِ؛ لَمْ تُجْبَرْ) إذا كانَتْ مُفارِقةً، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١)، وكذا إنْ كانَتْ في حِبالِ الزَّوج في قَولِ أكثرِهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ … ﴾ [الطّلَاق: ٦]، وإن اخْتَلَفا فقد تعاسَرا، ولأِنَّ الإجبارَ على الرّضاع إمَّا أنْ يكونَ لِحَقِّ الولد، أو الزَّوج، أوْ هُما، لا يجوز أنْ يكونَ لِحَقِّ الزَّوج، فإنَّه لا يَملِكُ إجْبارَها على رضاعِ ولده مِنْ غَيرِها، ولا على خِدمتِه فِيما يَختَصُّ به، ولا لِحَقِّ الولد؛ لأنَّه لو كان له لَلَزِمَها بعدَ الفُرقة، ولأِنَّه مِمَّا يَلزَمُ الوالِدَ لولده كالنَّفقة، ولا يَجوزُ أنْ يكونَ لهما؛ لأِنَّه لو كان لهما لَثَبَتَ الحُكمُ به بعدَ الفُرقة، والآيةُ محمولةٌ على حالِ الإنفاق وعَدَمِ التَّعاسُرِ. (إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا وَيُخْشَى عَلَيْهِ)؛ بأنْ لا يُوجَدَ مُرضِعةٌ سواها، أوْ لا يَقبَلَ الصَّغيرُ الاِرْتِضاعَ مِنْ غَيرِها، فإنَّه يَجِبُ عليها التَّمكينُ مِنْ رَضاعِه؛ لأِنَّه حالُ ضرورةٍ، وحفظٌ لِنفْسِ ولدها؛ كما لو لم يكُنْ له أخْذُ (٢) غيرها (٣). (وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الظِّئْرِ لِمَا زَادَ عَلَى الْحَوْلَيْنِ)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٣]، فلم يَلزَمْه ما زاد على ذلك؛ لأِنَّه زائدٌ على الكمال، أشْبَهَ الحَلْوَى. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُفطَمُ قبلَ تمامِ الحَولَينِ إلاَّ بِرِضَا أبَوَيهِ، ما لم ينضرَّ. وفي «الرِّعاية» هنا: يَحرُم رَضاعُه بعدَهما، ولو رَضِيَا.

стр. 5283

وظاهِرُ «عيون المسائل»: إباحتُه مُطلَقًا. (وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْمَرْأَةُ؛ فَلِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ رَضَاعِ وَلَدِهَا (١) مُطلَقًا؛ لأِنَّ عَقْدَ النِّكاح يَقتَضِي تمليكَ الزَّوج مِنْ الاِسْتِمْتاع في كلِّ الزَّمان سِوَى أوْقاتِ الصَّلَوات، فالرَّضاعُ يُفَوِّتُ عليه الاِسْتِمْتاعَ في بعضِ الأوقات، فكان له مَنْعُها؛ كالخروج من مَنزِلِه. (إِلاَّ أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهَا)، فإنَّه حالُ ضرورةٍ، وحفظٌ لنفْس ولدها، فقُدِّم (٢) على الزَّوج؛ كتقديمِ المضْطَرِّ على المالِك إذا لم يكُنْ به مِثْلُ ضَرورتِه. فرعٌ: إذا اسْتَأْجَرَها للرَّضاع، ثُمَّ تزوَّجَتْ؛ صحَّ النِّكاحُ، ولم يَملِك الزَّوجُ فَسْخَ الإجارةِ، ولا مَنْعَها من الرَّضاع حتَّى تمضيَ المدة (٣)؛ لأِنَّ مَنافِعَها مُلِكَتْ بعَقْدٍ سابِقٍ، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجةً، ذَكَرَه في «الشَّرح». وللزَّوج الثَّاني وَطْؤُها ما لم يَفسُد اللَّبَنُ، فإنْ فَسَدَ؛ فللمُستَأْجِرِ فَسْخُ الإجارة. والأَشْهَرُ: تحريمُ الوطء. فإنْ شَرَطَتْ فِي عَقْدِ النِّكاح أنَّها تُرضِعُه؛ فلها شَرْطُها.

стр. 5284

(فَصْلٌ) (وَعَلَى السَّيِّدِ الْإِنْفَاقُ عَلَى رَقِيقِهِ) عُرْفًا، ولو آبِقٌ، وأَمَةٌ ناشِزٌ، (قَدْرَ كِفَايَتِهِمْ)، مِنْ غالِبِ قُوتِ البلد، سَواءٌ كان قُوتَ سيِّدِه، أوْ دُونَه، أوْ فَوْقَه، وأُدْمُ مِثْلِه بالمعروف، (وَكِسْوَتُهُمْ) مُطلَقًا؛ أيْ: لأِمْثالِ الرَّقيق في ذلك البلدِ الذي هو فيه، وكذا (١) المسلمين (٢)؛ لِمَا رَوَى أبو هريرةَ مرفوعًا قال: «للمَمْلوك طَعامُه وكُسْوتُه بالمعروف، ولا يُكلَّفُ من العَمَلِ ما لا يطيق (٣)» رواهُ الشَّافِعيُّ والبَيهَقيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ (٤). واتَّفَقُوا على وُجوبِ ذلك على السَّيِّد (٥)؛ لأِنَّه أخصُّ النَّاس به، فوَجَبَتْ نَفَقَتُه عليه كبهيمتِه، ومحلُّه: ما لم يكُنْ للرَّقيق صَنعةٌ يتكسَّبُ بها. (وَ) له (تَزْوِيجُهُمْ إِذَا طَلَبُوا ذَلِكَ)؛ كالنَّفقة؛ لقوله تعالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النُّور: ٣٢]، والأمْرُ يَقتَضِي الوُجوبَ، ولأِنَّه يُخافُ مِنْ تَرْكِ إعْفافِه الوُقوعُ في المحظور، وهو مُخيَّرٌ بَينَ تَزْويجِه، أوْ تمليكِه أَمَةً. ولا يَجوزُ تزويجه (٦) إلاَّ باخْتِيارِه إذا كان كبيرًا. (إِلاَّ الْأَمَةَ إِذَا كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا)؛ لأِنَّ المقصودَ قضاءُ الحاجة (٧)، وإزالةُ

стр. 5285

ضَرَرِ الشَّهوة، وإنْ شاء زوَّجها إذا طَلَبَتْ ذلك. وظاهِرُه: ولو مُكاتَبةً بشَرْطِه. وفي «المستوعب»: يَلزَمُه تزويجُ المُكاتَبةِ بطَلَبِه، ولو وَطِئَها وأُبِيحَ بالشَّرْط، ذَكَرَه ابنُ البَنَّاء؛ لِمَا فيه من اكْتِسابِ المَهْرِ، فمَلَكه كأنْواعِ التَّكسُّب، وظاهِرُ كلامهم خِلافُه، وهو أظْهَرُ لِمَا فيه من إسْقاطِ حقِّ السَّيِّد، وإلغاء الشَّرْطِ. وعلى الأوَّل: إنْ أَبَى أُجْبِرَ عليه، وتُصدَّقُ في أنَّه لا يَطَأُ على الأصحِّ. فرعٌ: مَنْ غاب عن أمِّ ولده (١) زوِّجت، نَصَّ عليه (٢)، لحاجةِ نفقةٍ، وكذا: أوْ وطءٍ عندَ مَنْ جَعَلَه كنفقة (٣)، وفي «الانتصار»: يُزوِّجُها مَنْ يَلِي مالَه، أوْمَأَ إليه في روايةِ بَكْرٍ (٤). ويَلزَمُه نفقةُ ولدِ أمَتِه الرَّقيق، دُونَ زَوجها، ويَلزَمُ حرَّةً نفقةُ وَلَدِها مِنْ عبدٍ، نَصَّ عليه (٥)، ومُكاتَبةً نفقةُ ولدها وكَسْبُه لها، ويُنفِقُ على مَنْ بعضُه حُرٌّ بقَدْر رِقِّه، وبَقيَّتُها عليه. (وَلَا يُكَلِّفُهُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ)؛ لحديثِ أبي ذَرٍّ: «ولا تُكلِّفوهم ما يَغلِبُهم، فإنْ كلَّفْتُموهم فأعِينُوهم» رواه البخاريُّ (٦)، ولأِنَّه مِمَّا يَشُقُّ عليه (٧)، والمرادُ: مَشقَّةً كبيرة (٨).

стр. 5286

ولا يَجوزُ تكليفُ الأَمَةِ بالرَّعْيِ؛ لأِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَع؛ لِبُعدِها عمَّن يَذُبُّ عنها. وقد ذَكَرَ صاحِبُ «المحرَّر» عن نَقْلِ أسْماءَ النَّوى على رأسها للزُّبَيرِ مِنْ نحوِ ثُلَثَيْ فَرسَخٍ من المدينة (١): أنَّه حجَّةٌ في سَفَرِ المرأة السفر (٢) القصيرَ بغَيرِ مَحرَمٍ، ورَعْيُ جاريةِ (٣) الحَكَم (٤) في معناه، وأَوْلَى. وقال غَيرُه: يَجُوزُ ذلك قَولاً واحِدًا؛ لأِنَّه لَيسَ بسَفَرٍ شرعًا ولا عُرْفًا، ولا يُتأَهَّبُ له أُهْبته (٥). (وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ)؛ لأِنَّ العادةَ جارِيَةٌ بذلك. (وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا) وُجوبًا، قاله جماعةٌ؛ لأِنَّ نَفَقَتَهم تَجِبُ بالملك، ولهذا تجب (٦) مع الصِّغَر. وظاهِرُ كلامِ آخَرِينَ: يُستَحَبُّ، قال (٧) في «الفروع»: وهو أظْهَرُ. قال ابنُ شِهابٍ في كَفَنِ الزَّوجة: العَبْدُ لا مالَ له، فالسَّيِّدُ أحقُّ بنَفَقَتِه ومُؤنَتِه، ولهذا: النَّفقةُ المخْتَصَّةُ بالمرض يلزمه (٨)؛ من الدَّواء وأُجْرَةِ الطَّبيب،

стр. 5287

بخِلافِ الزَّوجةِ. (وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً)، بوَزْنِ غُرْفَة، وهي النَّوبَةُ، (إِذَا سَافَرَ بِهِمْ)؛ لِئلاَّ يُكلِّفَهم ما لا يُطِيقونَ، ومَعْناهُ: يُركِبُه تارةً ويُمْشِيهِ أُخْرَى. (وَإِذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ؛ أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى؛ أَطْعَمَهُ مِنْهُ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «إذا كَفَى أحدَكم خادِمُه طَعامَه حَرَّهُ ودُخانَه؛ فلْيُجْلِسْه معه، فإنْ أَبَى؛ فليُرَوِّح (١) له اللُّقْمةَ واللُّقْمَتَينِ» (٢)، ومَعْنَى الترويح (٣): غَمْسُها في المَرَقِ والدسم (٤) ودَفْعُها إليه، ولأِنَّ الحاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُه إلى ذلك، ولكِنْ لا يَأكُلُ إلاَّ بإِذْنِه، نَصَّ عليه (٥). (وَلَا يَسْتَرْضِعُ (٦) الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا)؛ لأِنَّ فيه إضْرارًا بِوَلدِها؛ للنَّقص مِنْ كِفايَته وصرف (٧) اللَّبَن المخلوقِ (٨) له إلى غَيرِه مع حاجته إليه؛ كنَقْصِ الكبير عن كِفايَتِه. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا (٩) فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ)؛ لأِنَّه مِلْكه، وقد اسْتَغْنَى عنه الولَدُ، فكان له اسْتِيفاؤه؛ كما لو مات ولدُها وبَقِيَ لَبَنُها.

стр. 5288

ولا يَجوزُ له إجارتُها بلا إذْنِ زَوجٍ، قال المؤلِّفُ: لاِشْتِغالها عنه برَضاعٍ وحضانةٍ، وهذا إنما يَجيءُ إذا آجَرَها في مُدَّةِ حقِّ الزَّوج، فلو آجَرَها في غيره (١)؛ توجَّهَ الجَوازُ، وإطْلاقُه مُقيَّدٌ (٢) بتعليله، وقد يَحتَمِلُ ألاَّ يَلزَمَ تقييدُه به، فأمَّا إنْ ضَرَّ ذلك بها؛ لم يَجُزْ. (وَلَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى الْمُخَارَجَةِ)، ومَعْناهُ: أنْ يَضرِبَ عليه خَراجًا معلومًا يُؤدِّيهِ إلى سيِّدِه، وما فَضَلَ للعبد؛ لأِنَّ ذلك عَقْدٌ بينهما (٣)، فلا يُجبَرُ عليه؛ كالكتابة. (فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ)، بشَرْطِ أنْ يكونَ قَدْرَ كَسْبِه فأقلَّ بعدَ نَفَقَتِه؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أبا طَيبةَ حَجَمَ النَّبيَّ ﷺ ، فأعْطاهُ أجْرَه، وأَمَرَ مَوالِيَه أنْ يُخفِّفُوا عنه من خَراجِه» (٤)، وكان كثيرٌ من الصَّحابة يَضرِبونَ على رقيقهم خَراجًا، ورُوِيَ: «أنَّ الزبير (٥) كان له (٦) ألفُ مَمْلوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم دِرهَمٌ كلَّ يَومٍ» (٧)، و «جاءَ أبو لُؤلُؤَةَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّاب، فسألَه أنْ يَسألَ المُغِيرةَ بنَ شُعْبَةَ أنْ يُخفِّفَ عنه مِنْ خَراجِه» (٨).

стр. 5289

فإنْ لم يكُن له كَسْبٌ، أوْ وَضَعَ عليه أكثرَ مِنْ كَسْبِه؛ لم يَجُزْ. وفي «التَّرغيب»: إنْ قدَّر خَراجًا بقَدْرِ كَسْبِه؛ لم يُعارَضْ. وهو كعبدٍ (١) مأذونٍ له في التَّصرُّف في (٢) هديَّةِ طعامٍ، وإعارةِ مَتاعٍ، وعَمَلِ دَعْوةٍ. وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَملِكُ ذلك، وأنَّ فائدةَ المُخارَجَة: تَرْكُ العَمَلِ بَعْدَ الضريبة (٣). (وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ)، نَصَّ عليه (٤)؛ كزَوجةٍ، وقالَهُ في «عُيونِ المسائل» وغَيرِها في أمِّ الولد، وهو ظاهِرُ كلامِهم، سَواءٌ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذلك لِعَجْزٍ أوْ غَيرِه؛ لأِنَّ بقاءَ ملْكِه عَلَيه مع الإخْلال بِسَدِّ أمْرِه؛ إضْرارٌ به، وإزالةُ الضَّرَر واجِبةٌ، وقد رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (٥): «جارِيَتُك تَقولُ: أطْعِمْنِي واسْتَعْمِلْنِي إلى مَنْ تَتْرُكُنِي؟» رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ، ورواه (٦) البخاريُّ مِنْ قَولِ أبي هُرَيرةَ (٧). ونَقَلَ أبو داودَ عنه (٨): أَتُبَاعُ الجارِيةُ وهو يَكْسُوها ويُطعِمُها؟ قال: لا،

стр. 5290

إلاَّ أنْ تحتاجَ إلى زَوجٍ (١)؛ لأِنَّ الملكَ للسَّيِّد، فلا يُجبَرُ على إزالَتِه مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ، كما لا يُجبَرُ على طَلاقِ زَوجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيعِ بهيمةٍ مع الإنْفاقِ عَلَيها. (وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ)، عبدًا كان أوْ أَمَةً، (بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ)، أيْ: له تأديبُهما بالتَّوبيخ والضَّرب؛ كما يُؤدِّبُ ولَدَه وامْرأتَه في النُّشوز، ولا بأْسَ بالزِّيادة على ذلك؛ للأخبار الصَّحيحة. ولَيسَ له ضَرْبُه على غَيرِ ذَنْبٍ، ولا أنْ يَضرِبَه ضَرْبًا مُبرِحًا إنْ أَذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ مرفوعًا: «مَنْ لَطَمَ غُلامَه؛ فكفَّارَتُه عِتْقُه» رواه مسلِمٌ (٢). ونَقَلَ حَرْبٌ (٣): لا يُضرَبُ إلاَّ في ذَنْبٍ بعدَ عَفْوِه مرَّةً أوْ مَرَّتَينِ، ولا يَضرِبُه شديدًا. ونَقَلَ حنبلٌ (٤): لا يَضرِبُه إلاَّ في ذنب عظيمٍ؛ لقوله ﵇: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فلْيَجْلِدْها» (٥)، ويُقيِّده (٦) إذا خاف عليه، ويضربه (٧) غيرَ مُبرِّحٍ، فإنْ وافَقَه وإلاَّ باعَهُ؛ لقَولِه ﵇: «لا تُعذِّبُوا عِبادَ الله» (٨). (وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)، نَصَّ عليه (٩)، وهو قَولُ قُدَماءِ
следующие страницы →