← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

ولا يَجوزُ تكليفُ الأَمَةِ بالرَّعْيِ؛ لأِنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الطَّمَع؛ لِبُعدِها عمَّن يَذُبُّ عنها. وقد ذَكَرَ صاحِبُ «المحرَّر» عن نَقْلِ أسْماءَ النَّوى على رأسها للزُّبَيرِ مِنْ نحوِ ثُلَثَيْ فَرسَخٍ من المدينة (١): أنَّه حجَّةٌ في سَفَرِ المرأة السفر (٢) القصيرَ بغَيرِ مَحرَمٍ، ورَعْيُ جاريةِ (٣) الحَكَم (٤) في معناه، وأَوْلَى. وقال غَيرُه: يَجُوزُ ذلك قَولاً واحِدًا؛ لأِنَّه لَيسَ بسَفَرٍ شرعًا ولا عُرْفًا، ولا يُتأَهَّبُ له أُهْبته (٥). (وَيُرِيحُهُمْ وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ وَالنَّوْمِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ)؛ لأِنَّ العادةَ جارِيَةٌ بذلك. (وَيُدَاوِيهِمْ إِذَا مَرِضُوا) وُجوبًا، قاله جماعةٌ؛ لأِنَّ نَفَقَتَهم تَجِبُ بالملك، ولهذا تجب (٦) مع الصِّغَر. وظاهِرُ كلامِ آخَرِينَ: يُستَحَبُّ، قال (٧) في «الفروع»: وهو أظْهَرُ. قال ابنُ شِهابٍ في كَفَنِ الزَّوجة: العَبْدُ لا مالَ له، فالسَّيِّدُ أحقُّ بنَفَقَتِه ومُؤنَتِه، ولهذا: النَّفقةُ المخْتَصَّةُ بالمرض يلزمه (٨)؛ من الدَّواء وأُجْرَةِ الطَّبيب،

стр. 5287

بخِلافِ الزَّوجةِ. (وَيُرْكِبُهُمْ عُقْبَةً)، بوَزْنِ غُرْفَة، وهي النَّوبَةُ، (إِذَا سَافَرَ بِهِمْ)؛ لِئلاَّ يُكلِّفَهم ما لا يُطِيقونَ، ومَعْناهُ: يُركِبُه تارةً ويُمْشِيهِ أُخْرَى. (وَإِذَا وَلِيَ أَحَدُهُمْ طَعَامَهُ؛ أَطْعَمَهُ مَعَهُ، فَإِنْ أَبَى؛ أَطْعَمَهُ مِنْهُ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ مرفوعًا: «إذا كَفَى أحدَكم خادِمُه طَعامَه حَرَّهُ ودُخانَه؛ فلْيُجْلِسْه معه، فإنْ أَبَى؛ فليُرَوِّح (١) له اللُّقْمةَ واللُّقْمَتَينِ» (٢)، ومَعْنَى الترويح (٣): غَمْسُها في المَرَقِ والدسم (٤) ودَفْعُها إليه، ولأِنَّ الحاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُه إلى ذلك، ولكِنْ لا يَأكُلُ إلاَّ بإِذْنِه، نَصَّ عليه (٥). (وَلَا يَسْتَرْضِعُ (٦) الْأَمَةَ لِغَيْرِ وَلَدِهَا)؛ لأِنَّ فيه إضْرارًا بِوَلدِها؛ للنَّقص مِنْ كِفايَته وصرف (٧) اللَّبَن المخلوقِ (٨) له إلى غَيرِه مع حاجته إليه؛ كنَقْصِ الكبير عن كِفايَتِه. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا (٩) فَضْلٌ عَنْ رَيِّهِ)؛ لأِنَّه مِلْكه، وقد اسْتَغْنَى عنه الولَدُ، فكان له اسْتِيفاؤه؛ كما لو مات ولدُها وبَقِيَ لَبَنُها.

стр. 5288

ولا يَجوزُ له إجارتُها بلا إذْنِ زَوجٍ، قال المؤلِّفُ: لاِشْتِغالها عنه برَضاعٍ وحضانةٍ، وهذا إنما يَجيءُ إذا آجَرَها في مُدَّةِ حقِّ الزَّوج، فلو آجَرَها في غيره (١)؛ توجَّهَ الجَوازُ، وإطْلاقُه مُقيَّدٌ (٢) بتعليله، وقد يَحتَمِلُ ألاَّ يَلزَمَ تقييدُه به، فأمَّا إنْ ضَرَّ ذلك بها؛ لم يَجُزْ. (وَلَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَى الْمُخَارَجَةِ)، ومَعْناهُ: أنْ يَضرِبَ عليه خَراجًا معلومًا يُؤدِّيهِ إلى سيِّدِه، وما فَضَلَ للعبد؛ لأِنَّ ذلك عَقْدٌ بينهما (٣)، فلا يُجبَرُ عليه؛ كالكتابة. (فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، جَازَ)، بشَرْطِ أنْ يكونَ قَدْرَ كَسْبِه فأقلَّ بعدَ نَفَقَتِه؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ أبا طَيبةَ حَجَمَ النَّبيَّ ﷺ ، فأعْطاهُ أجْرَه، وأَمَرَ مَوالِيَه أنْ يُخفِّفُوا عنه من خَراجِه» (٤)، وكان كثيرٌ من الصَّحابة يَضرِبونَ على رقيقهم خَراجًا، ورُوِيَ: «أنَّ الزبير (٥) كان له (٦) ألفُ مَمْلوكٍ، على كلِّ واحدٍ منهم دِرهَمٌ كلَّ يَومٍ» (٧)، و «جاءَ أبو لُؤلُؤَةَ إلى عمرَ بنِ الخَطَّاب، فسألَه أنْ يَسألَ المُغِيرةَ بنَ شُعْبَةَ أنْ يُخفِّفَ عنه مِنْ خَراجِه» (٨).

стр. 5289

فإنْ لم يكُن له كَسْبٌ، أوْ وَضَعَ عليه أكثرَ مِنْ كَسْبِه؛ لم يَجُزْ. وفي «التَّرغيب»: إنْ قدَّر خَراجًا بقَدْرِ كَسْبِه؛ لم يُعارَضْ. وهو كعبدٍ (١) مأذونٍ له في التَّصرُّف في (٢) هديَّةِ طعامٍ، وإعارةِ مَتاعٍ، وعَمَلِ دَعْوةٍ. وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: لا يَملِكُ ذلك، وأنَّ فائدةَ المُخارَجَة: تَرْكُ العَمَلِ بَعْدَ الضريبة (٣). (وَمَتَى امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْبَيْعَ؛ لَزِمَهُ بَيْعُهُ)، نَصَّ عليه (٤)؛ كزَوجةٍ، وقالَهُ في «عُيونِ المسائل» وغَيرِها في أمِّ الولد، وهو ظاهِرُ كلامِهم، سَواءٌ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ ذلك لِعَجْزٍ أوْ غَيرِه؛ لأِنَّ بقاءَ ملْكِه عَلَيه مع الإخْلال بِسَدِّ أمْرِه؛ إضْرارٌ به، وإزالةُ الضَّرَر واجِبةٌ، وقد رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال (٥): «جارِيَتُك تَقولُ: أطْعِمْنِي واسْتَعْمِلْنِي إلى مَنْ تَتْرُكُنِي؟» رواهُ أحمدُ، والدَّارَقُطْنِيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ، ورواه (٦) البخاريُّ مِنْ قَولِ أبي هُرَيرةَ (٧). ونَقَلَ أبو داودَ عنه (٨): أَتُبَاعُ الجارِيةُ وهو يَكْسُوها ويُطعِمُها؟ قال: لا،

стр. 5290

إلاَّ أنْ تحتاجَ إلى زَوجٍ (١)؛ لأِنَّ الملكَ للسَّيِّد، فلا يُجبَرُ على إزالَتِه مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ، كما لا يُجبَرُ على طَلاقِ زَوجَتِه مع القِيامِ بما يَجِبُ لها، ولا على بَيعِ بهيمةٍ مع الإنْفاقِ عَلَيها. (وَلَهُ تَأْدِيبُ رَقِيقِهِ)، عبدًا كان أوْ أَمَةً، (بِمَا يُؤَدِّبُ بِهِ وَلَدَهُ وَامْرَأَتَهُ)، أيْ: له تأديبُهما بالتَّوبيخ والضَّرب؛ كما يُؤدِّبُ ولَدَه وامْرأتَه في النُّشوز، ولا بأْسَ بالزِّيادة على ذلك؛ للأخبار الصَّحيحة. ولَيسَ له ضَرْبُه على غَيرِ ذَنْبٍ، ولا أنْ يَضرِبَه ضَرْبًا مُبرِحًا إنْ أَذْنَبَ، ولا لَطْمُه في وَجْهِه؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ مرفوعًا: «مَنْ لَطَمَ غُلامَه؛ فكفَّارَتُه عِتْقُه» رواه مسلِمٌ (٢). ونَقَلَ حَرْبٌ (٣): لا يُضرَبُ إلاَّ في ذَنْبٍ بعدَ عَفْوِه مرَّةً أوْ مَرَّتَينِ، ولا يَضرِبُه شديدًا. ونَقَلَ حنبلٌ (٤): لا يَضرِبُه إلاَّ في ذنب عظيمٍ؛ لقوله ﵇: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فلْيَجْلِدْها» (٥)، ويُقيِّده (٦) إذا خاف عليه، ويضربه (٧) غيرَ مُبرِّحٍ، فإنْ وافَقَه وإلاَّ باعَهُ؛ لقَولِه ﵇: «لا تُعذِّبُوا عِبادَ الله» (٨). (وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ)، نَصَّ عليه (٩)، وهو قَولُ قُدَماءِ

стр. 5291

الأصحاب (١)، من غير بِناءٍ على رِوَايَتَي الملْكِ وعَدَمِه، بل الخِرَقِيُّ وجماعةٌ قالوا: إنَّه لا يَملِكُ، ويُباحُ له التَّسَرِّي. نَقَلَ أبو طالِبٍ (٢): أيَتَسَرَّى العَبْدُ؟ قال: نَعَمْ، قال ذلك ابنُ عُمَرَ (٣)، وابنُ عبَّاسٍ (٤)، وغيرُ واحِدٍ من التَّابِعينَ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وأهلُ المدينة على هذا. قِيلَ لأِبي عبدِ الله: فمن (٥) احْتَجَّ بهذه الرِّوايةِ (٦): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ … (٢٩)﴾ [المعَارج: ٢٩]، فأي (٧) ملْكٍ للعبد (٨)؟ قال: إذا ملَّكَه مَلَكَ، يقول (٩) النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ اشْتَرَى عبدًا وله مالٌ» (١٠)؛

стр. 5292

فقد جَعَلَ له ملْكًا (١)، وابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ أعْلَمُ بكتابِ الله مِمَّنْ احْتَجَّ بهذه الآيةِ، ولأنَّه (٢) يَملِكُ في النِّكاح؛ فمَلَكَ التَّسَرِّيَ كالحرِّ (٣)، ولأِنَّه آدَمِيٌّ؛ فيملك (٤) المالَ كالحُرِّ، وذلك لأِنَّه بآدَمِيَّتِه يَتمَهَّدُ لأِهْلِيَّةِ الملك إذا كان اللهُ تَعالَى خَلَقَ الأَمْوالَ لِلآدَمِيِّينَ؛ ليستعينوا (٥) بها على القِيام بِوَظائِفِ التَّكاليف، وإذا ثَبَتَ الملْكُ للجَنِينِ مع كَونِه نطفةً لا حَياةَ فيها باعْتِبارِ مآلِه إلى الآدَمِيَّة؛ فالعَبْدُ الّذي هو آدَمِيٌّ مُكلَّفٌ أَوْلَى. وظاهِرُه: أنَّه إذا تسرَّى (٦) بغيرِ إذْنِه؛ أنَّ الولَدَ ملْكٌ للسَّيِّد. فإنْ أذِنَ له فيه، وأطْلَقَ؛ تَسَرَّى بواحدةٍ فَقَطْ؛ كالتَّزويج، وإنْ أَذِنَ له في أكثرَ مِنْ واحِدةٍ؛ فله التَّسَرِّي بما شاءَ، نَصَّ عليه (٧)؛ لأِنَّ مَنْ جازَ له التَّسَرِّي؛ جاز له بغَيرِ حَصْرٍ؛ كالحُرِّ. (وَقِيلَ: يَنْبَنِي (٨) ذَلِكَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مِلْكِ الْعَبْدِ بِالتَّمْلِيكِ)، كذا بَناهُ القاضي وعامَّةُ مَنْ بَعدَه. احْتَجَّ المانِعُ: بأنَّ العبدَ لا يَملِكُ المالَ، والوَطْءَ لا يكونُ إلاَّ في نكاحٍ أوْ ملْكِ يمينٍ؛ للنَّصِّ. واحْتَجَّ المجيز (٩):

стр. 5293

بما سَلَفَ؛ إذِ الشارع (١) يُثبِتُ من الملك (٢) ما فيه مصلحةُ العباد، ويَمْنَعُ ما فيه فَسادُهم، والعبدُ مُحتاجٌ إلى النِّكاح، فالمصلحةُ تَقتَضِي ثبوتَ ملك (٣) البُضْعِ له (٤)، وإلاَّ فكون (٥) العبد يَملِكُ مُطلَقًا؛ إضْرارٌ بالسَّيِّد، ومَنْعُه مطلَقًا؛ إضْرارٌ به، فالعَدْلُ ثُبوتُ قَدْرِ الحاجة، وقَولُهم: إنَّه لا يَملِكُ المالَ؛ ممنوعٌ. (وَلَوْ وَهَبَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمَةً؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّسَرِّي بِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ)؛ لأِنَّ الهِبةَ إنْ لم تَصِحَّ؛ فظاهِرٌ، وإنْ صحَّتْ؛ فالعبدُ محجور عليه؛ لأِنَّه لا يَملِكُ هِبَةَ ما في يَدِه، ولا شَكَّ أنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تنقيصِ المالِ مرَّةً، وإلى الإعْدام أخرى؛ لأِنَّها ربَّما حَمَلَتْ، وذلك تنقيصٌ، ولذلك جُعِلَ عَيبًا في المَبِيع، وربُّما ماتَتْ منه، وذلك إعْدامٌ. فإنْ أَذِنَ له في التَّسرِّي؛ لم يَصِحَّ رُجوعُه فيه، نَصَّ عليه في روايةِ محمَّدِ ابنِ ماهان، وإبراهيمَ بنِ هانِئٍ (٦)؛ كالنِّكاح، قال ابنُ حَمْدانَ: حَيثُ يَجِبُ إعْفافُه، ولأِنَّه ملَّكَه بُضْعًا أُبِيحَ له وَطْؤه؛ كما لو زَوَّجَه. فرعٌ: إذا مَلَكَ المعتَقُ بعضُه بجُزْئِه الحُرِّ؛ فله وَطؤها بِلا إِذْنِ سيِّدِه في الأَقْيَسِ، ولا يتزوج (٧) إلاَّ بإذنه (٨).

стр. 5294

(فَصْلٌ) (وَعَلَيْهِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ، وَسَقْيُهَا)، وإقامةُ مَنْ يَرْعاها؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ مرفوعًا قال: «عُذِّبَت امرأةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتَّى ماتَتْ جُوعًا، لا هِيَ أطْعَمَتْها، ولا هِيَ أرْسَلَتْها تأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأرضِ» مُتَّفَقٌ عليه (١). قال في «الغُنْية»: ويُكرَهُ له إطْعامُها فَوقَ طاقَتِه، وإكْراهُه على الأكل على ما اتَّخَذَه النَّاسُ عادَةً لأِجْلِ التَّسمين. ويَحرُم عليه أنْ يَقتُلَه عَبَثًا، قالَه ابنُ حَزْمٍ (٢). (وَأَنْ لَا (٣) يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ)؛ لأِنَّ الشَّارِعَ مَنَعَ تكليفَ العبدِ ما لا يُطِيقُ، والبهيمةُ في مَعْناهُ، ولأِنَّ فيه تعذيبًا للحَيَوانِ الذي له حُرْمةٌ في نَفْسِه، وإضْرارًا به، وذلك غَيرُ جائزٍ. (وَلَا يَحْلُبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا)؛ لأِنَّ كِفايَتَه واجبةٌ على مالكه، أشْبَهَ وَلَدَ الأَمَة. ويُكرَه أنْ يُعلِّقَ عليها جَرَسًا، أوْ وَترًا، أوْ جَزَّ مَعرفةٍ وناصية (٤)، وفي جزِّ ذَنَبِها رِوايَتانِ، أظْهَرُهما: الكَراهَةُ. (وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا؛ أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا)، أوْ إجارَتِها، (أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ)؛ لأِنَّها نفقةُ حَيَوانٍ واجِبةٌ عليه، فكان للحاكم إجْبارُه عليها؛ كنفقةِ العبدِ، فإن امْتَنَع من البيع بِيعَتْ عليه، كما يُباعُ العبدُ إذا طلبه

стр. 5295

(١) بإعْسارِ سيِّده بنَفَقَتِه. فإنْ كانَتْ مِمَّا لا يُؤكَلُ؛ أُجْبِرَ على الإنفاق عليها؛ كالعبدِ الزَّمِنِ، وذَكَرَ في «الكافي»: أنَّه (٢) إذا امْتَنَعَ من الإنفاق عليها؛ أُجْبِرَ على بَيعِها، فإنْ أبَى أُكْرِيَتْ، وأُنْفِقَ عليها، فإنْ أمْكَنَ، وإلاَّ بِيعَتْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحتَمِلُ ألاَّ يُجبَرَ، ويأمره به (٣) كما يأمُرُه بالمعروف ويَنهاهُ عن المنكر؛ لأِنَّ البهيمةَ لا يَثبُتُ لها حقٌّ من (٤) جِهَةِ الحُكْم، بدليلِ أنَّه لا تصح (٥) منه الدَّعْوَى، ولا يُنصبُ عنها خَصْمٌ، فصارَتْ كالزَّرع والشَّجَر، وجِيفَتُها له، ونَقْلُها عليه، قاله أبو يَعْلَى الصَّغيرُ.

стр. 5296

(بَابُ الْحَضَانَةِ) الحَضانةُ بفَتْحِ الحاء: مصدر حَضَنْتُ الصَّغِيرَ حَضانةً؛ أيْ: تحمَّلت (١) مُؤنَتَه وتَربِيَتَه، والحاضنة (٢): الَّتي تُرَبِّي الطِّفْلَ، سُمِّيَتْ به؛ لأِنَّها تَضُمُّ الطِّفلَ إلى حِضْنِها. وهي واجبةٌ؛ لأِنَّه يَهلِكُ بتَرْكِه، فَوَجَبَ حِفْظُه عن الهلاك، كما يَجِبُ الإنفاقُ عليه، وإنجاؤه (٣) من المهالِكِ. ومُستَحِقُّها: رجلٌ عَصَبةٌ، وامرأةٌ وارِثةٌ، أوْ مُدْلِيَةٌ بِوارِثٍ؛ كخالةٍ وبناتِ أخَواتٍ، أوْ مُدلِيَةٌ بعَصَبةٍ؛ كبِناتِ إخْوةٍ وأعمام (٤)، ثُمَّ هل تكونُ كحاكِمٍ، أوْ كبقيَّةِ الأقارِب مِنْ رَجُلٍ وامرأةٍ ثُمَّ لحاكم (٥)؟ فيه وَجْهانِ. (أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ، وَالْمَعْتُوهِ)، وهو المُخْتَلُّ العَقْلِ: (أُمُّهُ)؛ أي (٦): إذا كانَتْ حرَّةً، عاقِلةً، عَدْلاً في الظَّاهِر، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٧)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه: أنَّ امرأةً قالَتْ: يا رسولَ الله إنَّ ابْنِي هذا كان بَطْنِي له وِعاءً، وثَدْيِي له سِقاءً، وحِجْرِي له حِواءً، وإنْ أباهُ طلَّقَنِي، وأرادَ أنْ ينتزعه (٨) مِنِّي، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «أنتِ أحقُّ به ما لم

стр. 5297

تَنكِحِي» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ ولَفْظُه له (١)، ولِقضاءِ أبي بكرٍ على عمرَ، بعاصِمِ بنِ عمرَ لأِمِّه، فقال: «ريحُها وشَمُّها ولَطْفُها خَيرٌ له منكَ» رواه (٢) سعيدٌ (٣)، واشْتَهَرَ ذلك ولم يُنكَرْ، ولأِنَّها أشْفَقُ عليه وأقْرَبُ، ولا يُشارِكُها في القُرْب إلاَّ الأبُ، ولَيسَ له مِثْلُ شَفَقَتِها، ولا يَتوَلَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدفَعُه إلى مَنْ يَقومُ به. وظاهِرُه: ولو بأجرِ (٤) مِثْلٍ؛ كرَضاعٍ، قاله في «الواضح»، واقْتَصَرَ عليه في «الفروع». فإن لم تكُنْ مَوجُودةً، أوْ كانَتْ ولم تَستَوعِبِ الشُّروطَ؛ انتقلَ إلى مَنْ يَلِيها في الاِسْتِحْقاقِ، وهو المنبَّهُ عليه بقَولِه: (ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا)؛ لأِنَّ وِلادَتَهُنَّ مُتحَقِّقةٌ فَهُنَّ في (٥) مَعْنَى الْأُمِّ، (الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ)؛ لأِنَّ الأقْرَبَ أكْمَلُ شَفَقةً من الأبْعَدِ، وأقْرَبُ شَبَهًا بالأمِّ. (ثُمَّ الْأَبُ) في الصَّحيح عنه؛ لأِنَّه أقْرَبُ مِنْ غَيرِه، ولَيسَ لِغَيرِه كمالُ

стр. 5298

شفقته (١)، ترجَّح بها، فَوَجَبَ أنْ يكون (٢) أحقَّ بها بَعْدَ مَنْ ذُكِرَ. (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ)؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ بمن (٣) هو أحقُّ. فإنْ قِيلَ: الجَدُّ يُدْلِي بالأقْرَبِ؛ فساواهنَّ في ذلك، فَلِم يُقدَّمْنَ عليه؟ قِيلَ: الأَبَوِيَّة مع التَّساوِي، فَوَجَبَ الرُّجْحانُ (٤)، دليلُه: الأمُّ مع الأَبِ. وعنه: أنَّ أمَّ الأب مُقدَّمَةٌ على أمِّ الأمِّ؛ لأِنَّها تُدْلِي بعَصَبةٍ، فَعَلَيْها: يَكونُ الأبُ أَوْلَى بالتَّقديم؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ به، فيكونُ الأبُ بعدَ الأمِّ، ثُمَّ أمهاته (٥). (ثُمَّ الْجَدُّ)؛ لأِنَّه أبٌ، أوْ بمنزلَتِه، ومُقتَضاهُ: تقديمُه بَعْدَ الأَبِ، تُرِكَ العَمَلُ به في أُمَّهاتِ الأبِ؛ لِمَا ذُكِرَ من التَّرجيح بالأَبَوِيَّة (٦). (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ)؛ لِمَا ذُكِرَ في أمَّهاتِ الأَبِ. فإنْ قِيلَ: الأخَوَاتُ يُدْلِينَ بالأب، وهو أحقُّ من الجَدِّ، فيَجِبُ أنْ يكونَ مَنْ يُدْلِي به أحقَّ مِمَّنْ يُدْلِي بالجَدِّ. قِيلَ: أُمَّهاتُ الجَدِّ اجْتَمَعَ فِيهنَّ الإدْلاءُ بالجَدِّ، وكَونُ الطِّفْل بَعضًا مِنهُنَّ، وذلك مَفْقودٌ في الأَخَواتِ. (ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأَبِ، ثُمَّ لِلْأُمِّ)، قَدَّمهنَّ على (٧) سائرِ القَراباتِ؛ لأِنَّهنَّ يُشارِكْنَ في (٨) النَّسب، وقُدِّمْنَ في المِيراثِ، وتُقدَّمُ الأُخْتُ

стр. 5299

لِلْأَبَوَينِ؛ لِقُوَّةِ قَرابَتِها، ثُمَّ مَنْ كانَتْ لأِبٍ، ثُمَّ لأِمٍّ، نَصَّ عليه (١). (ثُمَّ الْخَالَةُ)؛ لأِنَّها تُدْلِي بالأُمِّ، ولأِنَّ الشَّارِعَ قَدَّمَ خالةَ ابْنةِ حَمزةَ على عَمَّتِها صَفِيَّةَ (٢)؛ لأِنَّ صَفِيَّةَ لم تَطلُبْ، وجَعفَرٌ طَلَبَ نائبًا عن خالتها (٣)؛ فَقَضَى الشَّارِعُ بها لها في غَيبَتِها (٤). (ثُمَّ الْعَمَّةُ)؛ أيْ: لِأَبَوَينِ، ثُمَّ لأِبٍ، ثُمَّ لأِمٍّ، (فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)؛ كالأَخَوات، قد تَبِعَ المؤلِّفُ القاضِيَ وأصحابَه في تقديمِ الخالة على العمَّة، والأختِ من الأب (٥) على الأُخْتِ مِنْ الأُمِّ، قال بعضُهم: فتَناقَضُوا. وقُدِّمْنَ على الأَعْمام؛ لأِنَّهنَّ نِساءٌ مِنْ أهْلِ الحَضانة، فَقُدِّمْنَ على مَنْ في دَرَجَتِهِنَّ مِنَ الرجال (٦)؛ كتقديمِ الأمِّ على الأَبِ. ثُمَّ خالات (٧) أَبَوَيهِ، ثُمَّ عمَّاتُ أبِيهِ، ثُمَّ بناتُ الأعمامِ. وقيل: تُقدَّمُ بناتُ بناتِ الإخْوةِ والأخوات (٨) على العَمَّات والخَالاتِ

стр. 5300

ومَن بعدَهنَّ. وهل (١) تُقدَّمُ أمُّ أمِّه على أمِّ أبيهِ، وأخْتُه لِأُمِّه على أَخْتِه لأِبيهِ، وخالَتُه على عَمَّتِه، وخالةُ أمِّه على خالةِ أبيه، وخَالَاتُ أبيه على عَمَّاتِه، ومَنْ أدْلَى بعمة (٢) وخالةٍ بأمٍّ عَلَى مَنْ أدْلَى بأبٍ، أوْ بالعكس (٣)؟ فيه رِوايَتانِ. (وَعَنْهُ: الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ)؛ لأِنَّهنَّ نِساءٌ يُدْلِينَ بالأُمِّ، فكُنَّ أَوْلَى من الأَبِ؛ كالجَدَّاتِ، (وَيَكُونُ (٤) هَؤُلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْعَصَبَاتِ)؛ لأِنَّهنَّ أحقُّ مِنْ الأَبِ، والأَبُ أحقُّ مِنْ الأْخْتِ مِنْ الأَبِ ومِن جَمِيعِ العَصَباتِ، فَعَلَى هذه: تُقدَّمُ نِساءُ الحَضانة على كلِّ رجلٍ. وقِيلَ: إنْ لم يُدْلِينَ به. ويَحتَمِلُ تقديمُ نِساءِ الأمِّ على الأب وجِهَتِه. وقِيلَ: يُقدَّمُ العَصَبةُ على امْرأةٍ مع قُرْبِه، فإنْ تَساوَيا فَوَجْهانِ. (قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ)، فيُؤخَذُ منه (٥): تقديمُ قَرابةِ الأَبِ على قَرابَةِ الأم (٦)؛ لأِنَّهنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ، فَقُدِّمْنَ؛ كتقديمِ الأخْت من الأب على الأُخْتِ من الأُمِّ؛ لأِنَّ الخالاتِ أخَواتُ الأمِّ، فيجرين (٧) في الاِسْتِحْقاق والتَّقديمِ فِيما بَينَهُنَّ مَجْرَى الأَخَواتِ المفترِقات (٨).

стр. 5301

وإن (١) قُلْنا بتقديمِ الخالات؛ فبَعدَهُنَّ العَمَّاتُ، والعكسُ (٢) بالعكس، فإذا عُدِمْنَ انْتَقَلَتْ إلى خالةِ الأب على قَولِ الخِرَقِيِّ، وعلى الصَّحيح: إلى خالةِ الأمِّ. (ثُمَّ تَكُونُ (٣) لِلْعَصَبَةِ)، وأقْرَبُهم: أبٌ، ثُمَّ جَدٌّ، ثُمَّ أقْرَبُ عَصَبةٍ على تَرتَيبِ المِيراث، ولأِنَّ لهم وِلايَةً وتعصيبًا بالقرابة، فتثبت (٤) لهم الحَضانةُ كالأب، بخِلافِ الأجانِبِ، فإنَّه لا قَرابَةَ لهم، ولا شَفَقَةَ. (إِلاَّ أنَّ (٥) الْجَارِيَةَ لَيْسَ لاِبْنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا)، وعلَّله: (لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا)، ولَيسَ هذا خاصًّا بابْنِ العَمِّ، بل يَجْرِي ذلك في كلِّ عصبةٍ غَيرِ مَحرمٍ (٦). وظاهره: ولو كانَتْ مميِّزةً. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: إذا بَلَغَتْ سَبْعًا لم تُسلَّمْ إلَيهِ. وفي «التَّرغيب»: تُشْتَهَى. واخْتارَ صاحِبُ «الهَدْيِ»: مُطلَقًا (٧)، وحِينَئِذٍ: يُسلِّمُها إلى ثِقَةٍ يَختارُها هو، أوْ إلى (٨) مَحرَمِه؛ لأِنَّه أَوْلَى مِنْ أجنَبِيٍّ وحاكِمٍ. وهذا إذا لم يكُنْ بَينَهما رَضاعٌ مُحرِّمٌ، فإنْ كان؛ فيَجوزُ له حَضانَتُها. وكذا قال فِيمَنْ تزوَّجَتْ ولَيسَ للولد غَيرُها، وهذا مُتوَجِّهٌ، ولَيسَ بمُخالِفٍ

стр. 5302

للخبر؛ لِعَدَمِ عُمُومِه. (وَإِذَا امْتَنَعَتِ (١) الْأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا؛ انْتَقَلَتْ إِلَى أُمِّهَا) في أظْهَرِ الوَجْهَينِ؛ لأِنَّ حقَّ القريب سَقَطَ لِمَعْنًى اختصَّ به، فاختصَّ السُّقوطُ به؛ كما لو سَقَطَ لمانع (٢). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَنْتَقِلَ (٣) إِلَى الْأَبِ)؛ لأِنَّ أمَّهاتِها فَرْعٌ عليها (٤) في الاِسْتِحْقاق، فإذا أسْقَطَتْ حقَّها؛ سَقَطَ فَرْعُها. وكذا الخِلافُ في الأب إذا أسقط (٥) حقَّه، بخلافِ الأُخْتِ للأبَوَينِ، وأنَّها إذا أسْقَطَتْ حقَّها؛ لم يَسقُطْ حقُّ الأخْتِ مِنْ الأب وَجْهًا واحدًا؛ لأِنَّ اسْتِحْقاقَها مِنْ غَيرِ جِهَتِها، وليست (٦) فَرْعًا عَلَيهَا. (فَإِنْ عُدِمَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ؛ فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: لَهُمْ ذَلِكَ)؛ لأِنَّ لهم رَحِمًا وقَرابَةً يَرِثُونَ بِها عِنْدَ عَدَمِ مَنْ هو أَوْلَى منهم، أشْبَهَ البعيدَ مِنْ العَصَبةِ، (فَيَكُونُ أَبُو الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ (٧) أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ)؛ لأِنَّه يُسقِطه (٨) في المِيراثِ. (وَفِي تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الْأَخِ مِنَ الأَمِّ (٩) وَجْهَانِ):

стр. 5303

أحدهما: يُقدَّمُ الأخُ مِنْ الأم (١)؛ لأِنَّه يَرِثُ بالفَرْض، ويُسقِطُ ذَوِي الأرْحامِ كلَّهم، فيُقدَّمُ عَلَيهم في الحَضانَة. والثَّاني: أبُو الأمِّ وأمَّهاتُه أَوْلَى منه؛ لأِنَّ أبا الأمِّ يُدْلِي إلَيها بالأُبُوَّة، والأخُ يُدْلِي بالبُنُوَّة، والأبُ يُقدَّمُ على الاِبنِ في الوِلايَة، فيُقدَّمُ في الحَضانَة؛ لأنَّها (٢) وِلايَةٌ. والوجْهُ الثَّاني: لا حقَّ لهم فيها، ويَنتَقِلُ الأمرُ إلى الحاكم؛ لأِنَّهم لَيسُوا مِمَّنْ يَحْضُنُ بنَفْسِه، ولا لهم وِلايَةٌ؛ لِعَدَمِ تعْصِيبِهم، أشْبَهُوا الأجانِبَ. (وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ)؛ لِعَجْزِه عنها بخِدْمةِ مَولاهُ، وظاهره (٣): ولو كان فيه جُزْءٌ رقيقٌ؛ لأِنَّه لا يَملِكُ نَفْعَه الذي يُحصِّلُ الكفالة (٤). وفي «المغْنِي»، و «الشَّرح» في مُعْتَقٍ بعضُه (٥): قِياسُ قَولِ أحمدَ يَدخُلُ في مُهايَأَةٍ؛ أيْ: له الحَضانةُ في أيَّامه. وفي «الفنون»: لم يَتعرَّضُوا لأِمِّ ولدٍ (٦)؛ فلها حضانةُ وَلَدِها مِنْ سيِّدِها، وعَلَيهِ نَفَقَتُها؛ لِعَدَمِ المانِعِ، وهو الاِشْتِغالُ بزَوجٍ وسيِّدٍ. وقال في «الهَدْيِ»: لا دليلَ على اشْتِراطِ الحُرِّيَّة (٧). (وَلَا فَاسِقٍ)؛ لأِنَّه لا يوفي (٨) الحَضانَةَ حقها (٩)، ولا حضانةَ للولد؛ لأِنَّه

стр. 5304

يَنشَأُ على طريقتِه، وخالَفَ صاحِبُ «الهَدْيِ» (١)؛ لأِنَّه لا يُعرَفُ أنَّ الشَّرعَ فرَّقَ لذلك، وأقرَّ النَّاسَ، ولم يبَيِّنْه بيانًا واضِحًا عامًّا، ولاِحتياط (٢) الفاسِقِ وشَفَقَتِه على وَلَدِه. (وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)، بَلْ ضرره (٣) أعْظَمُ؛ لأِنَّه يَفتِنُه عن دينه، ويُخرِجُه عن الإسلام بتعليمه الكفرَ وتربِيَته عليه، وفي ذلك كلِّه ضَرَرٌ، فكان منفيًّا. (وَلَا امْرَأَةٍ (٤) مُزَوَّجَةٍ)، اقْتَصَرَ عليه الخِرَقِيُّ والحلواني (٥)، وكذا أطْلَقَه أحمدُ (٦)؛ لقَوله ﵇: «أنْتِ أحقُّ به ما لم تَنكِحِي» (٧)، فجَعَلَ اسْتِحْقاقَها مشروطًا (٨) بِعَدَمِ النِّكاح. وشَرْطُه: أنْ تكونَ مُزَوَّجةً (لِأَجْنَبِيٍّ مِنَ الطِّفْلِ)، وكذا في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لأِنَّها تَشتَغِلُ عن الحَضانة بحُقوقِ الزَّوج، وظاهِرُه: ولو رَضِيَ الزَّوجُ. قال صاحِبُ «الهَدْيِ»: لا يَسقُطُ إنْ رَضِيَ؛ بِناءً على أنَّ سُقوطَها لِمُراعاةِ حقِّ الزَّوج (٩). ومُقْتَضاهُ: أنَّها إذا كانَتْ مُزَوَّجَةً بنَسيبٍ للطِّفل؛ لم يَمنَعْ ذلك من الحضانة.

стр. 5305

وقِيلَ: لا حَضانَةَ لها وإنْ تزوَّجَتْ بنسيب (١)؛ إلاَّ أنْ يكونَ جَدًّا للطِّفل، والأَشْهَرُ: وقَرِيبَه، وهو مَعْنَى قَولِ بعضِهم: ونسيبَه، ويتوجَّهُ احْتَمالٌ: ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ. وعَنْهُ: لها حضانةُ الجاريةِ فَقَطْ إلى سَبْعِ سنينَ؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ عليًّا وجعفرًا وزَيدَ بنَ حارثةَ تَنازَعُوا في حَضانةِ بنتِ حمزةَ، فقال عليٌّ: بنتُ عمِّي، وقال زَيدٌ: بنتُ أخِي - لأِنَّه ﵇ آخَى بَينَهما -، وقال جعفرٌ: بنتُ عَمِّي وخالَتُها عِنْدِي، فقال النَّبيُّ ﷺ : «الخالَةُ أُمٌّ»، وسلَّمَها إلى جعفرٍ، رواه أبو داودَ بنحوِه (٢)، فجَعَلَ لها الحَضانةَ وهي مُزَوَّجةٌ؛ لأِنَّ الحاضِنةَ إذا تزوَّجَتْ بمن (٣) هو مِنْ أهْلِ الحَضانة؛ كالجَدَّة المزوَّجَةِ بالجَدِّ؛ لم تَسقُطْ؛ لأِنَّه يُشارِكُها في الوِلادَة والشفقة عليه (٤)، أشْبَهَ الأمَّ إذا كانت مُزَوَّجةً بالأب. وظاهِرُه: لا يُعتَبَرُ الدُّخولُ في الأصحِّ؛ لأِنَّه بالعَقْدِ مَلَكَ مَنافِعَها، واسْتَحَقَّ زَوْجُها مَنْعَها من الحَضانة، أشْبَهَ ما لو دَخَلَ بِها. والثَّاني: لا تسقط (٥) إلاَّ بالدُّخول؛ لأنَّ (٦) به تشتغل (٧) عن الحَضانة. فرعٌ: كلُّ عَصَبَتَينِ تَساوَيَا وأحدهما (٨) متزوِّجٌ بمن (٩) هي أهلٌ للحضانة (١٠)؛ قُدِّمَ بذلك.

стр. 5306

(وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ)؛ فأسْلَمَ الكافِرُ، وعَقَلَ المجنونُ، وعَتَقَ الرَّقِيقُ، وعُدِّلَ الفاسِقُ؛ (رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا)؛ لأِنَّ سببَها قائمٌ، وإنَّما امْتَنَعَتْ لِمانِعٍ، فإذا زال المانِعُ؛ عاد الحقُّ بالسَّبَبِ السَّابِقِ المُلازِمِ؛ كالزَّوجة إذا طُلِّقَتْ. وعَنْهُ: لا يَعودُ حقُّها في طلاق (١) رجعيٍّ بعدَ العِدَّة، وصحَّحه في «المستوعب»؛ لأِنَّ الزَّوجيَّةَ قائِمةٌ، بدليل أنَّه (٢) يَلحَقُها طَلاقُه وظِهارُه، فلذلك لا تعودُ إليه قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها. وجوابُه: أنَّها مُطلَّقةٌ، فعاد حقُّها من الحضانة كالبائن، ونَظِيرُها: لو وَقَفَ على أوْلادِه، فمَن تزوَّج من البنات فلا حقَّ لها، قاله القاضي. وهل يَسقُطُ حقُّها بإسِقاطها؟ فيه احْتِمالانِ. فائدةٌ: هل الحَضانةُ حقٌّ للحاضِنِ، أوْ عَلَيهِ؟ فيه قَولانِ. وهل لِمَنْ له الحضانة أنْ يُسقِطَها ويَنزِلَ عنها؟ فيه قَولانِ. وأنَّه لا يَجِبُ عليه خِدْمةُ الولد (٣) أيَّامَ حَضانَتِه إلاَّ بأُجْرةٍ؛ إنْ قُلْنا: الحقُّ له، وإلاَّ وَجَبَتْ عليه خِدْمَتُه مَجَّانًا، وللفقير الأُجْرةُ، على القَولَينِ. وإنْ وَهَبَت الحضانةَ للأب، وقُلْنا: الحقُّ لها؛ لَزِمَت الهِبةُ، ولم تَرجِعْ فيها، وإنْ قُلْنا: الحقُّ عليها؛ فلها العَودُ إلى طَلَبها، ذَكَرَه في «الهَدْيِ»، ونَسَبَه إلى (٤) كلامِ أصحابِ مالِكٍ (٥).

стр. 5307

(وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ النُّقْلَةَ (١) إِلَى بَلَدٍ (٢) بَعِيدٍ آمِنٍ لِيَسْكُنَهُ؛ فَالأَبُ (٣) أَحَقُّ)، هذا هو المشهورُ، سَواءٌ كان المقيمُ هو الأَبَ، أوْ المنتَقِلُ؛ لأِنَّه اخْتُلِفَ في (٤) مَسكَنِهما، فكان الأبُ أحقَّ؛ كما لو انتَقَلَتْ مِنْ بلدٍ إلى قرية (٥). (وَعَنْهُ: الْأُمُّ أَحَقُّ)، وقيَّدَها في «التَّرغيب» و «المستوعب»: بإقامَتِها؛ لأِنَّها أتَمُّ شَفَقَةً، أشْبَهَ ما لو لم يُسافِرْ واحدٌ منهما. وقِيلَ: للمُقيمِ منهما. وقال في «الهَدْي»: إنْ أراد المنتَقِلُ مُضارَّةَ الآخَرِ، وانْتِزاعَ الولَدِ؛ لم يُجَبْ إليه (٦)، بَلْ يُعمَلُ ما (٧) فيه مصلحةُ الولد، وهو مُرادُ الأصْحابِ. لكِنَّ الأوَّلَ هو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ الأبَ هو الذي يقوم (٨) بتأديبِ ولَدِه، وتَخريجِه، وحِفْظِ نَسَبِه، فإذا لم يكُنْ في بَلَدِه؛ ضاعَ، أشْبَهَ ما لو كان في قريةٍ. والبعيدُ هو مَسافة القَصر، جَزَمَ به الأكْثَرُ؛ لأِنَّ ما دُونَه في حُكْمِ القريب، ونَصُّه: ما لم يُمْكِنْه العَودُ في يَومِه (٩)، اخْتارَه في «المغْنِي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ مُراعاةَ الأب له مُمْكِنةٌ في ذلك، بخِلافِ ما زاد.

стр. 5308

(فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ)؛ لأِنَّه لا مَعْنَى في انْتِزاعه، وهو صُوَرٌ: مِنْهَا: إذا كان السَّفرُ لِحاجةٍ ثُمَّ يَعُودُ، فالمقيمُ أَوْلَى؛ لأِنَّ في المسافَرَةِ بالطِّفل إضْرارًا به. وقِيلَ: لِلأمِّ. وقِيلَ: مع قُرْبِه. ومِنْهَا: إذا كان الطَّريقُ أو البلدُ الذي يَنتَقِلُ إليه مَخُوفًا؛ فالمقيمُ أحقُّ؛ لأِنَّ في السَّفَر خَطَرًا وتَغريرًا بالولد. ومِنْهَا: إذا كان للسُّكْنَى مع قُرْبِه، فكذا، وقِيلَ: للأمِّ، فلو انتَقَلَا جميعًا إلى بلدٍ واحِدٍ فالأمُّ على حَضانَتِها، وكما لو أَخَذَه الأبُ، ثُمَّ اجْتَمَعا، فإنَّه يَعُودُ حقُّها. فرعٌ: غَيرُ الأب مِنْ العَصَباتِ، وغَيرُ الأمِّ مِمَّنْ له الحَضانةُ؛ يَقُومُ مقامَهما (١) في ذلك.

стр. 5309

(فَصْلٌ) (وَإِذَا (١) بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ) وهو عاقِلٌ؛ (خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ) على المذهب، (فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا)؛ قَضَى به عمرُ ﵁، رواهُ سعيدٌ (٢)، وعليٌّ، رواه الشَّافِعِيُّ والبَيهَقِيُّ (٣). وعَنْهُ: أبوهُ. وعَنْهُ: أمُّه. وقِيلَ: حتَّى يأكُلَ، ويَشْرَبَ، ويَتوَضَّأَ، ويلبس (٤) وحدَه، فيكونُ أبوه أحقَّ به بلا تخييرٍ. والأوَّلُ هو المنصورُ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ، قال: جاءت امرأةٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالَتْ: إنَّ زَوجِي يُرِيدُ أنْ يَذهَبَ بابْنِي، وقد سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أبي عنبة (٥)، ونَفَعَني (٦)، فقال النَّبيُّ ﷺ : «هذا أبوكَ وهذا أمُّك، فخُذ (٧) بِيَدِ أيِّهما شِئْتَ»، فأخَذَ بِيَدِ أمِّه، فانْطَلَقَتْ به، رواه الشَّافِعيُّ، وأحمدُ، والتِّرْمذِيُّ وصحَّحه، ورجالُه ثِقاتٌ (٨)، ولأِنَّه إذا مَالَ إلى أحَدِ أبَوَيهِ دلَّ على أنَّه أرْفَقُ به وأشْفَقُ عليه.

стр. 5310

وقُيِّد (١) بالسَّبْع؛ لأِنَّها أوَّلُ حالٍ أمَرَ الشَّرعُ فيها بمُخاطَبَتِه بالصَّلاة، بخِلافِ الأمِّ، فإنَّها قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَر؛ لِحاجَتِه إلى حَمْله ومُباشَرَةِ خِدْمَتِه؛ لأِنَّها أعْرَفُ بذلك. وهذا إذا كانا من أهلِ الحضانة، فإنْ كانا مَعدُومَينِ، أوْ مِنْ غَيرِ أهْلِها؛ فإلى (٢) امْرأةٍ؛ كأُخْتِه أوْ عمَّتِه، فإنَّها تَقُومُ مَقامَ الأمِّ. فلو بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ غَيرَ مُمَيِّزٍ، أوْ خَمْسَ عَشرةَ مَعْتوهًا؛ فأُمُّه. فلو اخْتارَ الصَّبِيُّ أباهُ، ثُمَّ زالَ عَقْلُه؛ رُدَّ إلى الأمِّ. وعُلِمَ منه: أنَّه (٣) لا حَضانةَ على البالِغِ الرَّشيد، ويُقِيمُ أيْنَ شاءَ وأَحَبَّ، ويُستَحَبُّ ألاَّ يَنفَرِدَ عنهما. فأمَّا الجارِيَةُ؛ فلَيسَ لها ذلك، ولأِبِيهَا مَنْعُها منه، فإنْ لم يكُنْ لها أبٌ؛ قام الوليُّ مَقامَه. (فَإِنِ اخْتَارَ أَبَاهُ؛ كَانَ عِنْدَهُ لَيْلاً وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ)؛ لِمَا فيه من الإغْراء بالعُقوقِ، وقَطِيعةِ الرَّحِمِ. (وَلَا تُمْنَعُ هِيَ تَمْرِيضَهُ)؛ لأِنَّه صَارَ بالمرض كالصَّغير في الحاجة. (وَإِنِ اخْتَارَ أُمَّهُ؛ كَانَ عِنْدَهَا لَيْلاً)؛ لأِنَّه مُستَحَقٌّ الحضانةَ، (وَعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا؛ لِيُعَلِّمَهُ (٤) الصِّنَاعَةَ وَالْكِتَابَةَ، وَيُؤَدِّبَهُ)؛ لأِنَّ ذلك هو القَصْدُ مِنْ حِفْظِ الولَدِ.

стр. 5311

(فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الآْخَرَ؛ نُقِلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنِ (١) اخْتَارَ الْأَوَّلَ؛ رُدَّ إِلَيْهِ)، هكذا أبدًا؛ لأِنَّ هذا اخْتِيارُ تَشَهٍّ، وقد يَشْتَهِي أحدَهما في وَقْتٍ دُونَ آخَرَ، فأُتْبِعَ ما يشتهيه (٢). وقِيلَ: إنْ أسْرَفَ فَبَانَ نَقِيضُه؛ أخَذَتْه أمه (٣)، وقِيلَ: مَنْ قَرَعَ. ولا يُقَرُّ بِيَدِ مَنْ لا يَصونُه ويُصلِحُه. (فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا؛ أُقْرِعَ (٤) بَيْنَهُمَا)؛ لأنه (٥) لا مَزِيَّةَ لأِحَدِهِما على الآخَرِ. وفي «التَّرغيب» احْتِمالٌ: أمُّه أحقُّ؛ كبُلوغِه غَيرَ رَشِيدٍ. وإذا قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعة، ثُمَّ اخْتَارَ الآخَرَ؛ نُقِلَ إلَيهِ. (وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْحَضَانَةِ؛ كَالْأُخْتَيْنِ؛ قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ)؛ أيْ: قَبْلَ السَّبْع، ويَكونُ لِمَنْ اخْتارَه الطِّفْلُ بعدَها إنْ خُيِّرَ. فرعٌ: سائرُ العَصَبة كالأب في التَّخْييرِ، والإقامةِ، والنُّقْلة بالطِّفل إنْ كان مَحرَمًا. وذُو الحَضانة (٦) مِنْ عَصَبةٍ وذَوِي رَحِمٍ في التَّخيير مع الأمِّ كالأب (٧). وحَضانَةُ رقيقٍ لسيِّدِه، فإنْ كان بعضُه حُرًّا؛ تَهايَأ (٨) فيه سيِّدُه وقَرِيبُه.

стр. 5312

(وَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سَبْعًا؛ كَانَتْ عِنْدَ أَبِيهَا)؛ لأِنَّ الغَرَضَ مِنْ الحَضانَةِ الحظ (١)، وهو لها بعدَ السَّبْع؛ لأِنَّها تَحتاجُ إلى الحِفْظ، وإنَّما تُخطَبُ مِنْ أبِيهَا، فكانَ أَوْلَى من غَيرِه. وعَنهُ: الأمُّ أحقُّ، قال في «الهَدْيِ»: وهِيَ الأَشْهَرُ عن أحمدَ، وأصحُّ دليلاً (٢). وعَنْهُ: يُخيَّرُ. وجَوابُه: أنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بها فِيهَا، والفَرْقُ بَينَهُما واضِحٌ. والمذْهَبُ الأوَّلُ، تَبَرَّعَتْ بِحَضانَتِه أمْ لا. وعَنْهُ: بَعْدَ تِسْعٍ. فإنْ بَلَغَتْ؛ فهِيَ عِندَه حتَّى يَتَسلَّمَها زَوجٌ. وعَنْهُ: عِنْدَها. وقِيلَ: إنْ حُكِمَ بِرُشْدِها؛ فحَيْثُ أَحَبَّتْ؛ كغُلامٍ، وقاله في «الواضح»، وخرَّجه على عَدَمِ إجْبارِها، والمراد: بشرط (٣) كَونها مَأْمونَةً. (وَلَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَتِهَا وَتَمْرِيضِهَا)؛ لأِنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، وهي أحقُّ بالستر (٤) والصِّيانة؛ لأِنَّها مُخدَّرةٌ، بخِلافِ أُمِّها، فإنَّها تَخرَّجَتْ وعَرَفَتْ وعَقَلَتْ، فلا يُخافُ عَلَيها. فرعٌ: لم أقِفْ في الخُنْثَى المشْكِلِ بَعْدَ البُلوغِ عَلَى نَقْلٍ، والذي يَنبَغِي أنْ يكونَ كالبِنْتِ البِكْرِ، حتَّى يَجِيءَ في جِوازِ اسْتِقْلاله وانْفِرادِه عن أبَوَيهِ

стр. 5313

الخِلافُ، واللهُ أعلم (١).

стр. 5314

(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ) (١) وهي جَمْعُ جِنايَةٍ، وجُمِعَتْ وإنْ كانَتْ مَصْدَرًا؛ لِتَنوُّعِها إلى عَمْدٍ، وشِبْهِ عَمْدٍ، وخطأ (٢)، والمُرادُ بها (٣): جِناياتُ الجِراحة ونحوِها. وهي: كلُّ فِعْلٍ عُدْوانٍ على نَفْسٍ أوْ مالٍ، لكنَّها في العُرف مَخصوصةٌ بما يَحصُلُ فيه التَّعدِّي على الأَبْدانِ بما يُوجِبُ قِصاصًا أوْ نحوه (٤)، وسَمَّوا الجِنايَةَ على الأَمْوال: غَصْبًا، ونَهْبًا، وسَرِقةً، وإتْلافًا. وأجْمَعَ العُلَماءُ على تحريمِ القَتْل بغَيرِ حقٍّ (٥)، وسَنَدُه قَولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعَام: ١٥١]، وقَولُه ﷺ : «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مسلم (٦) يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْس، والتَّارِكُ لِدِينِه المُفَارِقُ للجَماعةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ ابنِ مَسعودٍ (٧). فإذا فَعَلَ، ثُمَّ تابَ؛ قُبلت توبته (٨) عِنْدَ الأكْثَرِ؛ لِلآية، والخَبَرِ المتَّفَقِ عَلَيهِ (٩)، وكالكافِرِ.

стр. 5315

وعَنْهُ: لا تُقبَلُ، ذَكَرَها أبو الخَطَّاب في «انْتِصاره»، وهي قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (١)؛ لقوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا … (٩٣)﴾ [النِّسَاء: ٩٣]. وحُمِلَتْ على مَنْ قَتَلَه مُستَحِلًّا ولم يتب (٢)، أوْ على أنَّ هذا جزاؤه إنْ جازاهُ اللهُ تعالى. (الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: عَمْدٌ، وَشِبْهُ (٣) عَمْدٍ، وَخَطَأٌ، وَمَا أُجْرِيَ مُجْرَى الخَطَأِ)، كذا ذَكَرَه المؤلِّفُ تَبَعًا لِأَبِي الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز». وَوَجْهُه: أنَّه إذا قَصَدَ قَتْلَه بما يصلُحُ غالِبًا عُرْفًا فهو عَمْدٌ، وإنْ كان (٤) بما لا (٥) يَصلُحُ للقَتْل غالِبًا فهو شِبْهُ عَمْدٍ، وإنْ لم يَقصِد القَتْلَ فهو خَطَأٌ، وما ألحق (٦) به؛ كالقَتْل بالسَّبَب، وكالنائم (٧) يَنْقَلِبُ على إنْسانٍ. لكِنَّ الأَوْلَى: أنَّ الحُكْمَ الشَّرعيَّ لا يَزيدُ على ثلاثةٍ: عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ، صرَّح (٨) به الخِرَقِيُّ، والمؤلِّفُ في «الكافي»، والمجْدُ في «مُحرَّره»،

стр. 5316

والجَدُّ في «فُروعه»؛ لأِنَّ ما أُجْرِيَ مجْرَى الخطأِ خَطَأٌ؛ لأِنَّ فاعِلَه لم يَقصِدْه؛ إذ (١) هُو من (٢) فِعْلِ مَنْ لا يَصِحُّ قَصْدُه. (فَالْعَمْدُ)، يَختَصُّ القَوَدُ به: (أَنْ يَقْتُلَهُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِهِ، عَالِمًا بِكَوْنِهِ آدَمِيًّا مَعْصُومًا)، هذا بيانٌ للعَمْد المُوجِبِ للقِصاصِ شَرْعًا، فالأوَّلُ: احْتِرازٌ مِنْ شِبْهِ العَمْد، وبالثَّاني: احْتِرازٌ مِنْ الخَطَأ، وبالثَّالِث وهو «معصومًا»: احْتِرازٌ من الحربي (٣) ونحوِه؛ لأنَّه (٤) غَيرُ مَعْصومٍ. (وَهُوَ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ)، وسيأتِي بَيانُها. (أَحَدُهَا: أَنْ يَجْرَحَهُ بِمَا لَهُ مَوْرٌ)؛ أيْ: نُفُوذٌ (فِي الْبَدَنِ؛ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ)؛ كرَصاصٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ، فهذا كلُّه إذا جَرَحَه جُرْحًا كبيرًا فماتَ، فهو عَمْدٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٥)، ولو طالَتْ عِلَّتُه منه، (مِثْلَ: أَنْ يَجْرَحَهُ بِسِكِّينٍ، أَوْ يَغْرِزَهُ بِمِسَلَّةٍ فَيَمُوتَ)، فهذا عَمْدٌ مَحْضٌ. ثمَّ (٦) أشار إلى مَحَلِّ الخِلاف، فقال: (إِلاَّ أَنْ يَغْرِزَهُ بِإِبْرَةٍ، أَوْ شَوْكَةٍ، وَنَحْوِهِمَا)؛ كشَرطةِ (٧) الحَجَّام، (فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، فَيَمُوتَ فِي الْحَالِ؛ فَفِي كَوْنِهِ عَمْدًا وَجْهَانِ)، وجُمْلَتُه: أنَّه (٨) إذا جَرَحَه جُرْحًا صغيرًا في غَيرِ مَقتَلٍ، فمات في الحال: فقال ابنُ حامِدٍ: لا قَوَدَ فيه؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لم يمت (٩) منه كَالْعَصَا.

стр. 5317

والثَّاني، وهو الأَشْهَرُ: فِيهِ القِصاصُ، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ المحدَّد (١) لا يُعتَبَرُ فيه غَلَبةُ الظَّنِّ في حُصولِ القَتْل به، بدليلِ ما لو قَطَعَ شَحْمَةَ أُذنِه أوْ أَنْمَلَتَه، ولأِنَّه لمَّا لم يمكن (٢) إدارةُ الحُكْمِ وضَبْطُهُ بغَلَبةِ الظَّنِّ؛ وَجَبَ رَبْطُه بكَونِه محددًا (٣)، ولأِنَّ في البَدَن مَقاتِلَ خَفِيَّةً، وهذا له سِرايَةٌ ومَورٌ، أشْبَهَ الجُرْحَ الكبير. (وَإِنْ بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنًا)؛ أيْ: مُتأَلِّمًا، وهُو بفَتْح الضَّاد وكَسْرِ الميم، وقال الجَوهَريُّ: هو الذي به الزَّمانَةُ في جَسَدِه (٤)، وقِيلَ: هو الذي لَزِمَه عِلَّةٌ، (حَتَّى مَاتَ)، فاتَّفَقُوا على أنَّ فِيهِ القَوَدَ، قالَهُ في «الشَّرح» و «التَّرغيب»؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّه ماتَ منه. وقِيلَ: لا يَجِبُ به (٥) القِصاصُ؛ لأِنَّه لَمَّا احْتَمَلَ حُصولَ الموت بغَيرِه ظاهِرًا؛ كان شبهةً (٦) في دَرْءِ القِصاصِ. (أَوْ كَانَ الْغَرْزُ بِهَا فِي مَقْتَلٍ؛ كَالْفُؤَادِ، وَالْخُصْيَتَيْنِ)، والعَينِ، والخَاصِرة، والصُّدْغ، وأصْلِ الأُذن؛ (فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ)؛ لأِنَّ الإصابةَ بذلك في مَقتَلٍ؛ كالإصابة بالسِّكِّين في غَيرِ مَقتَلٍ، وكذا إنْ بالَغَ في إدْخالِ الإبْرة ونحوِها في البدن؛ لأِنَّه يَشتَدُّ أَلَمُه، ويُؤدِّي إلى القَتْلِ؛ كالكبير. (وَإِنْ قَطَعَ سِلْعَةً) خَطِرَةً، أَوْ بَطَّها (مِنْ أَجْنَبِيٍّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَمَاتَ؛ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ)؛ لأِنَّه متعَدٍّ (٧) بفِعْلِه، أشْبَهَ ما لَوْ قَتَلَه.

стр. 5318

(وَإِنْ قَطَعَهَا (١) حَاكِمٌ مِنْ صَغِيرٍ) أوْ مَجنونٍ، (أَوْ وَلِيُّهُ؛ فَلَا قَوَدَ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه فَعَلَه لمصْلَحَتِه، أشْبَهَ ما لو خَتَنَه، ولو عبَّر بقَوله: (وإنْ قَطَعَها من صغيرٍ ونحوِه وَلِيُّه)؛ لَكانَ أَوْلَى؛ لشموله (٢) الحاكِمَ وغَيرَه. (الثَّانِي: أَنْ يَضْرِبَهُ بِمُثَقَّلٍ (٣) كَبِيرٍ فَوْقَ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ)، وهو بَيتٌ مِنْ شَعَرٍ، وعَمُودُه الخَشَبةُ التي يَقُومُ عليها، قال القاضي: وهو ما فِيهِ دِقَّة (٤) ورَشاقَةٌ. وحاصِلُه: أنَّه إذا (٥) قَتَلَه بمثقَّل (٦) يَغلِبُ على الظَّنِّ حُصولُ الزُّهُوقِ به عِنْدَ اسْتِعْماله؛ فهو عَمْدٌ مُوجِبٌ للقِصاص، وهو قَولُ النَّخَعيِّ، والزُّهْرِيِّ، وابنِ سِيرِينَ، والأكثرِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، ولِمَا رَوَى أنس (٧): أنَّ يهوديًّا قَتَلَ جارِيَةً على أوْضاحٍ لها بحَجَرٍ، فَقَتَلَه النَّبيُّ ﷺ (٨) بَينَ حَجَرَينِ (٩)، ولِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ، قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ (١٠) فقال: «ومَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ؛ فهو بخَيرِ النَّظَرَينِ إمَّا أنْ يُودَى، وإمَّا أنْ يُقادَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِما (١١)، ولأِنَّ المثَقَّلَ يَقتُلُ غالِبًا، فَوَجَبَ

стр. 5319

القِصاصُ به؛ كالمحدد (١). ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا ضَرَبَه بمِثْلِ عَمُودِ الفُسْطاط؛ أنَّه لا يَجِبُ القَوَدُ، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه ﵇ لَمَّا سُئِلَ عن المرأة التي ضَرَبَتْ جارَتَها بعَمودِ الفُسْطاط، فَقَتَلَتْها وجَنِينَها؛ فَقَضَى في الجَنِينِ بغُرَّةٍ، وقَضَى بالدِّيَة على عاقِلَتِها، ولا شَكَّ أنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ ما يُوجِبُ القِصاصَ. ونَقلَ ابنُ مشيش عنه: أنَّه يَجِبُ (٣)، ولعلَّه ضَرَبه بالعَمُود الذي يتَّخِذُه التُّرْكُ لِخِيَمِهم، فإنَّه يَقتُلُ غالِبًا. (أَوْ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَمُوتُ بِهِ (٤)؛ كَاللُّتِّ)، وهو بضمِّ اللاَّمِ، نَوعٌ مِنْ آلةِ السِّلاح مَعروفٌ في زمانِنا، وهو لَفْظٌ مُولَّدٌ ليس (٥) مِنْ كلامِ العَرَب، (وَالْكُوذَيْنِ)، وهو لَفْظٌ مُوَلَّدٌ أيضًا، وهو عِبارةٌ عن (٦) الخشَبَة الثَّقيلة التي يَدُقُّ بها الدَّقَّاقُ الثِّيابَ، (وَالسَّنْدانِ)، الظَّاهِرُ أنَّه مُوَلَّدٌ، وهو عِبارَةٌ عن الآلة المعروفةِ من الحديد الثَّقيلة يَعمَلُ عَلَيها الحَدَّادُ صِناعَتَه، (أَوْ حَجَرٍ كَبِيرٍ)؛ لاِشْتِراكِ الكلِّ (٧) في كَونِه يَقتُلُ غالِبًا، ولأِنَّ القِصاصَ هنا لكَونِه مُثقَّلاً، فلا أَثَرَ للفَرْقِ. (أَوْ يُلْقِي عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ سَقْفًا، أَوْ يُلْقِيهِ مِنْ شَاهِقٍ)؛ لاِشْتِراكِ الكلِّ في القَتْل. (أَوْ يُعِيدُ الضَّرْبَ بِصَغِيرٍ)؛ كالْعَصَا، والحَجَرِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ الإعادةَ تَقُومُ

стр. 5320

مقام (١) المثَقَّلِ الكبيرِ، كذا نَقَلَه أبو طالِبٍ (٢)، (أَوْ يَضْرِبُهُ بِهِ (٣) مرَّةً (فِي مَقْتَلٍ (٤)؛ لأِنَّ القَتْلَ حَصَلَ به، وفيهما (٥) وَجْهٌ في «الواضح»، وفي الأُولَى في «الانتصار»: هو (٦) ظاهر كَلامِه. (أَوْ فِي حَالِ ضَعْفِ قُوَّةٍ؛ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ صِغَرٍ، أَوْ كِبَرٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ، وَنَحْوِهِ)؛ لأنَّه (٧) قَتَلَه بما يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ المثَقَّلَ الكبيرَ، ومِثْلُه: لو قَتَلَه بلَكْمَةٍ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وفي (٨) «الرعاية»: يَعلَمُه، وقِيلَ: أوْ يَجْهَلُه، فإنْ قال: لم أقْصِدْ قَتْلَه؛ لم يُصدَّقْ. (الثَّالِثُ: أَلْقَاهُ (٩) فِي زُبْيَةِ (١٠) أَسَدٍ)، الزُّبْيةُ (١١): بوَزْنِ غُرْفَةٍ، وهي الرَّابِيةُ الَّتي (١٢) لا يَعلُوها الماءُ، (أَوْ أَنْهَشَهُ (١٣)، بالمعْجَمةِ والمُهْمَلة سَواءٌ، وقِيلَ: بالمُهمَلةِ الأخْذُ بأطْرافِ الأسْنان، وبالمعْجَمةِ بالأضراس (١٤)، (كَلْبًا، أَوْ سَبُعًا، أَوْ حَيَّةً، أَوْ أَلْسَعَهُ (١٥) عَقْرَبًا مِنَ الْقَوَاتِلِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُ).

стр. 5321

نقول (١): إذا جَمَعَ بَينَه وبَينَ سَبُعٍ أَوْ نَمِرٍ في مكانٍ ضيِّقٍ؛ كزُبْيةٍ ونحوِها، فَقَتَلَه؛ فهو عَمْدٌ فيه (٢) القَوَدُ؛ لأِنَّه إذا تعمَّد الإلْقاءَ؛ فقد تعمَّدَ قَتْلَه بما يقتل (٣) غالِبًا. وإنْ فَعَلَ به فِعْلاً لو فَعَلَه الآدَمِيُّ لم يكُنْ عَمْدًا؛ لم يَجِب القَودُ؛ لأِنَّ السَّبُعَ صار آلَةً للآدَمِيِّ، فكان فِعلُه كفعله (٤). فإنْ ألْقاهُ مكتوفًا في فضاء (٥)، فقتله؛ فعليه القود، وكذا إنْ جَمَعَ بَينَه وبَينَ حيةٍ (٦) في مكانٍ ضيِّقٍ، فنَهَشَتْهُ وقتلته (٧). وقال القاضِي: لا يَجِبُ الضَّمانُ في الصُّورَتَينِ؛ لأِنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهرُبانِ مِنْ الآدَمِيِّ. وجَوابُه: أنَّ هذا يَقتُلُ غالِبًا، فكان عَمْدًا مَحْضًا، والأَسَدُ يَأخُذُ الآدَمِيَّ المُطلَقَ فكَيفَ يَهرُبُ مِنْ مَكتُوفٍ؟ والحية إنَّما تهرب (٨) في مكانٍ واسِعٍ. وذَكَرَ القاضِي فِيمَنْ أُلْقِيَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أوْ ذاتِ حيَّات فقتلْنَه (٩): أنَّ في وُجوبِ القِصاصِ رِوايَتَينِ، وهذا يُناقِضُه، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورةٍ كان القَتْلُ فِيهَا أغْلَبَ، وأوْجَبَ القصاص (١٠) في صورةٍ كان

стр. 5322

أندر (١)، والأصحُّ: أنَّه لا قِصاصَ هنا، ويَجِبُ الضَّمانُ؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلاً تلف (٢) به، وهو لا يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا. وقَولُه: (مِنَ القَوَاتِلِ) يَحتَرِزُ به عن حيَّةِ الماء، وثُعْبانِ الحِجاز، أوْ سَبُعٍ صغيرٍ، فقِيلَ: هو شِبْهُ عَمْدٍ؛ كالسَّوط، وكما لو كتَّفَه وطَرَحَه في أرض غير (٣) مَسْبَعَةٍ فَقَتَلَه سَبُعٌ، أوْ نهشته (٤) حيَّةٌ فماتَ، وقِيلَ: عَمْدٌ. فرع (٥): قال ابنُ حَمْدانَ: إذا أغْرَى كَلْبَه على رجلٍ فقَتَلَه؛ لم يَضمَنْ، بخِلافِ ما لو عَقَرَه، أوْ خَرَقَ ثَوبَه. (الرَّابِعُ: أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، فَمَاتَ بِهِ (٦)؛ لأِنَّ الموتَ حَصَلَ بَعْدَ فعلٍ (٧) يَغلِبُ على الظَّنِّ إسْنادُ القَتْلِ إليه، فَوَجَبَ كَونُه عَمْدًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا ألْقاهُ في ماء يسيرٍ، فلَبِثَ فيه (٨) اخْتِيارًا حتَّى ماتَ؛ فَهَدَرٌ. وإنْ تَرَكَهُ في نارٍ يُمكِنُه التَّخلُّصُ منها، فلم يَخرُجْ حتَّى مَاتَ؛ فلا قَوَدَ، ولا يَضمَنُ في وَجْهٍ؛ لأِنَّه مُهلِكٌ لنفسه بإقامَتِه؛ كماءٍ يسيرٍ في الأصحِّ، لكِنْ يَضمَنُ ما أصَابَت النَّارُ منه. ويَضمَنُه في آخَرَ؛ لأِنَّه جانٍ بالإلْقاءِ المُفْضِي إلى الهلاك؛ لأِنَّ يسيرَ النَّار

стр. 5323

مُهلِكٌ، بخِلافِ يسيرِ الماء. وقِيلَ: إنْ قَدَرَ أنْ يَنجُوَ منهما، فلم يَفعَلْ حتَّى مات؛ وَجَبَت الدِّيَةُ. مسألةٌ: إذا حَفَرَ في بَيته بِئرًا، وستَرَه (١) لِيَقَعَ فيه أحدٌ، فَوَقَعَ فمات، وقد دَخَل بإذْنِه؛ فهو عَمْدٌ. وقِيلَ: لا (٢)؛ كما لو دَخَلَ بلا إذنه، أوْ كانَتْ مكشوفةً بحَيثُ يراها الدَّاخِلُ. ويُقبَلُ قَولُ المالك في عَدَمِ الإذْنِ. (الْخَامِسُ: خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ)، وهو نَوعَانِ: أحدُهما: أنْ يَخنُقَه بحَبْلٍ في عُنُقِه، ثُمَّ يُعلِّقَه في خَشَبةٍ أوْ نَحوِها، فيَموتَ؛ فهو عَمْدٌ، سَواءٌ ماتَ في الحال، أوْ بَقِيَ زَمَنًا؛ لأِنَّ هذا جَرَتْ به عادةُ اللُّصوص والمفسدين (٣). الثَّاني: أنْ يَخنِقَه وهو على الأرض. (أَوْ سَدَّ أَنْفَهُ وَفَمَهُ (٤) حتَّى مَاتَ؛ أيْ: فَعَلَ ذلك في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عَمْدٌ، وهو قَولُ عمرَ بنِ عبد العزيز والنَّخَعِيِّ، وإنْ كان في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ في مثلِها (٥) غالبًا (٦)؛ فهو عَمْدُ خطأٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وظاهِرُه: أنَّه يُعتَبَرُ سَدُّهما جميعًا؛ لأِنَّ الحياة في الغالب لا تَفُوتُ إِلاَّ بسدِّهما، نقل (٧) أبو داودَ:

стр. 5324

إذا غَمَّه حتَّى يقتله (١)؛ قُتِلَ به (٢). (أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ (٣) حَتَّى مَاتَ)؛ أيْ: عَصَرَهما عَصْرًا يَقتُلُه غالِبًا فَماتَ، أوْ بَقِيَ مُتألِّمًا مِنْ ذلك كلِّه (٤) مُدَّةً يَموتُ فيها غالِبًا؛ فالقَوَدُ. وإنْ صحَّ ثُمَّ مات؛ لم يَضمَنْه؛ لأِنَّه لم يَقتُلْه، أشْبَهَ ما لو بَرِئَ الجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ. (السَّادِسُ: حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ)، ويتعذَّر عليه الطَّلَبُ، (حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا)؛ لأِنَّ اللهَ تَعالَى أجْرَى العادةَ بالموت عندَه، فإذا تعمَّدَه الإنسانُ؛ فقد تَعمَّدَ القَتْلَ. وقَولُه: (في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا)؛ لأِنَّ النَّاسَ يَختَلِفونَ في ذلك؛ لأِنَّ الزَّمانَ إذا كان شديدَ الحرارة، وكان الشَّخصُ جائعًا؛ ماتَ في الزَّمن القليلِ، وإنْ كان (٥) شَبْعَانَ، والزَّمانُ مُعتَدِلٌ، أوْ بارِدٌ؛ لم يَمُتْ إلاَّ في الزَّمَنِ الطَّويل. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كانَ في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ فيها غالِبًا؛ فهو عَمْدُ الخَطَأِ، وإنْ شَكَكْنا فيها؛ لم يَجِب القَوَدُ، أوْ تَرَكَ الأكلَ والشُّربَ مع القُدْرةِ فمات (٦)؛ فَهَدَرٌ. (السَّابِعُ: سَقَاهُ (٧) سَمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ (٨)، فماتَ؛ فعليه القَوَدُ؛ لأِنَّه فَعَلَ

стр. 5325

فِعْلاً يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا، فكان عَمْدًا؛ كما لو ضَرَبَه بمُحدَّدٍ، (أَوْ خَلَطَ (١) سَمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِ (٢)، فَمَاتَ)؛ لِمَا رَوَى أنَسٌ: «أنَّ يهوديَّةً أتَت النَّبيَّ ﷺ بِشاةٍ مَسمومةٍ، فَأَكَلَ منها النَّبيُّ ﷺ وبشرُ (٣) ابنُ العَلَاء (٤)، فلمَّا ماتَ بشرٌ أرْسَلَ إليها النَّبيُّ ﷺ ، فاعْتَرَفَتْ، فأمر (٥) بِقَتْلِها» رواه أبو داودَ (٦). وَأطْلَقَ ابنُ رَزِينٍ فيما إذا (٧) ألْقَمَه سَمًّا، أوْ خَلَطَه به قَولَينِ. (فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ)؛ فلا ضَمانَ عليه، أشْبَهَ ما لو قدَّم إلَيهِ سِكِّينًا، فَقَتَلَ بها نَفْسَه. وعُلِمَ منه: أنَّه يُشتَرَطُ لِنَفْيِ الضَّمانِ أمْرانِ: البُلوغُ، والعَقْل؛ لأِنَّ الصَّبِيَّ
следующие страницы →