← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

نقول (١): إذا جَمَعَ بَينَه وبَينَ سَبُعٍ أَوْ نَمِرٍ في مكانٍ ضيِّقٍ؛ كزُبْيةٍ ونحوِها، فَقَتَلَه؛ فهو عَمْدٌ فيه (٢) القَوَدُ؛ لأِنَّه إذا تعمَّد الإلْقاءَ؛ فقد تعمَّدَ قَتْلَه بما يقتل (٣) غالِبًا. وإنْ فَعَلَ به فِعْلاً لو فَعَلَه الآدَمِيُّ لم يكُنْ عَمْدًا؛ لم يَجِب القَودُ؛ لأِنَّ السَّبُعَ صار آلَةً للآدَمِيِّ، فكان فِعلُه كفعله (٤). فإنْ ألْقاهُ مكتوفًا في فضاء (٥)، فقتله؛ فعليه القود، وكذا إنْ جَمَعَ بَينَه وبَينَ حيةٍ (٦) في مكانٍ ضيِّقٍ، فنَهَشَتْهُ وقتلته (٧). وقال القاضِي: لا يَجِبُ الضَّمانُ في الصُّورَتَينِ؛ لأِنَّ الأسَدَ والحَيَّةَ يَهرُبانِ مِنْ الآدَمِيِّ. وجَوابُه: أنَّ هذا يَقتُلُ غالِبًا، فكان عَمْدًا مَحْضًا، والأَسَدُ يَأخُذُ الآدَمِيَّ المُطلَقَ فكَيفَ يَهرُبُ مِنْ مَكتُوفٍ؟ والحية إنَّما تهرب (٨) في مكانٍ واسِعٍ. وذَكَرَ القاضِي فِيمَنْ أُلْقِيَ مكتوفًا في أرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أوْ ذاتِ حيَّات فقتلْنَه (٩): أنَّ في وُجوبِ القِصاصِ رِوايَتَينِ، وهذا يُناقِضُه، فإنَّه نَفَى الضَّمانَ بالكُلِّيَّةِ في صُورةٍ كان القَتْلُ فِيهَا أغْلَبَ، وأوْجَبَ القصاص (١٠) في صورةٍ كان

стр. 5322

أندر (١)، والأصحُّ: أنَّه لا قِصاصَ هنا، ويَجِبُ الضَّمانُ؛ لأِنَّه فَعَلَ فِعْلاً تلف (٢) به، وهو لا يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا. وقَولُه: (مِنَ القَوَاتِلِ) يَحتَرِزُ به عن حيَّةِ الماء، وثُعْبانِ الحِجاز، أوْ سَبُعٍ صغيرٍ، فقِيلَ: هو شِبْهُ عَمْدٍ؛ كالسَّوط، وكما لو كتَّفَه وطَرَحَه في أرض غير (٣) مَسْبَعَةٍ فَقَتَلَه سَبُعٌ، أوْ نهشته (٤) حيَّةٌ فماتَ، وقِيلَ: عَمْدٌ. فرع (٥): قال ابنُ حَمْدانَ: إذا أغْرَى كَلْبَه على رجلٍ فقَتَلَه؛ لم يَضمَنْ، بخِلافِ ما لو عَقَرَه، أوْ خَرَقَ ثَوبَه. (الرَّابِعُ: أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ يُغْرِقُهُ، أَوْ نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا، فَمَاتَ بِهِ (٦)؛ لأِنَّ الموتَ حَصَلَ بَعْدَ فعلٍ (٧) يَغلِبُ على الظَّنِّ إسْنادُ القَتْلِ إليه، فَوَجَبَ كَونُه عَمْدًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا ألْقاهُ في ماء يسيرٍ، فلَبِثَ فيه (٨) اخْتِيارًا حتَّى ماتَ؛ فَهَدَرٌ. وإنْ تَرَكَهُ في نارٍ يُمكِنُه التَّخلُّصُ منها، فلم يَخرُجْ حتَّى مَاتَ؛ فلا قَوَدَ، ولا يَضمَنُ في وَجْهٍ؛ لأِنَّه مُهلِكٌ لنفسه بإقامَتِه؛ كماءٍ يسيرٍ في الأصحِّ، لكِنْ يَضمَنُ ما أصَابَت النَّارُ منه. ويَضمَنُه في آخَرَ؛ لأِنَّه جانٍ بالإلْقاءِ المُفْضِي إلى الهلاك؛ لأِنَّ يسيرَ النَّار

стр. 5323

مُهلِكٌ، بخِلافِ يسيرِ الماء. وقِيلَ: إنْ قَدَرَ أنْ يَنجُوَ منهما، فلم يَفعَلْ حتَّى مات؛ وَجَبَت الدِّيَةُ. مسألةٌ: إذا حَفَرَ في بَيته بِئرًا، وستَرَه (١) لِيَقَعَ فيه أحدٌ، فَوَقَعَ فمات، وقد دَخَل بإذْنِه؛ فهو عَمْدٌ. وقِيلَ: لا (٢)؛ كما لو دَخَلَ بلا إذنه، أوْ كانَتْ مكشوفةً بحَيثُ يراها الدَّاخِلُ. ويُقبَلُ قَولُ المالك في عَدَمِ الإذْنِ. (الْخَامِسُ: خَنَقَهُ بِحَبْلٍ أَوْ غَيْرِهِ)، وهو نَوعَانِ: أحدُهما: أنْ يَخنُقَه بحَبْلٍ في عُنُقِه، ثُمَّ يُعلِّقَه في خَشَبةٍ أوْ نَحوِها، فيَموتَ؛ فهو عَمْدٌ، سَواءٌ ماتَ في الحال، أوْ بَقِيَ زَمَنًا؛ لأِنَّ هذا جَرَتْ به عادةُ اللُّصوص والمفسدين (٣). الثَّاني: أنْ يَخنِقَه وهو على الأرض. (أَوْ سَدَّ أَنْفَهُ وَفَمَهُ (٤) حتَّى مَاتَ؛ أيْ: فَعَلَ ذلك في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا، فهو عَمْدٌ، وهو قَولُ عمرَ بنِ عبد العزيز والنَّخَعِيِّ، وإنْ كان في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ في مثلِها (٥) غالبًا (٦)؛ فهو عَمْدُ خطأٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وظاهِرُه: أنَّه يُعتَبَرُ سَدُّهما جميعًا؛ لأِنَّ الحياة في الغالب لا تَفُوتُ إِلاَّ بسدِّهما، نقل (٧) أبو داودَ:

стр. 5324

إذا غَمَّه حتَّى يقتله (١)؛ قُتِلَ به (٢). (أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَيْهِ (٣) حَتَّى مَاتَ)؛ أيْ: عَصَرَهما عَصْرًا يَقتُلُه غالِبًا فَماتَ، أوْ بَقِيَ مُتألِّمًا مِنْ ذلك كلِّه (٤) مُدَّةً يَموتُ فيها غالِبًا؛ فالقَوَدُ. وإنْ صحَّ ثُمَّ مات؛ لم يَضمَنْه؛ لأِنَّه لم يَقتُلْه، أشْبَهَ ما لو بَرِئَ الجُرْحُ، ثُمَّ مَاتَ. (السَّادِسُ: حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ)، ويتعذَّر عليه الطَّلَبُ، (حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا فِي مُدَّةٍ يَمُوتُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا)؛ لأِنَّ اللهَ تَعالَى أجْرَى العادةَ بالموت عندَه، فإذا تعمَّدَه الإنسانُ؛ فقد تَعمَّدَ القَتْلَ. وقَولُه: (في مُدَّةٍ يَمُوتُ في مِثْلِها غالِبًا)؛ لأِنَّ النَّاسَ يَختَلِفونَ في ذلك؛ لأِنَّ الزَّمانَ إذا كان شديدَ الحرارة، وكان الشَّخصُ جائعًا؛ ماتَ في الزَّمن القليلِ، وإنْ كان (٥) شَبْعَانَ، والزَّمانُ مُعتَدِلٌ، أوْ بارِدٌ؛ لم يَمُتْ إلاَّ في الزَّمَنِ الطَّويل. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كانَ في مُدَّةٍ لا يَمُوتُ فيها غالِبًا؛ فهو عَمْدُ الخَطَأِ، وإنْ شَكَكْنا فيها؛ لم يَجِب القَوَدُ، أوْ تَرَكَ الأكلَ والشُّربَ مع القُدْرةِ فمات (٦)؛ فَهَدَرٌ. (السَّابِعُ: سَقَاهُ (٧) سَمًّا لَا يَعْلَمُ بِهِ (٨)، فماتَ؛ فعليه القَوَدُ؛ لأِنَّه فَعَلَ

стр. 5325

فِعْلاً يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا، فكان عَمْدًا؛ كما لو ضَرَبَه بمُحدَّدٍ، (أَوْ خَلَطَ (١) سَمًّا بِطَعَامٍ فَأَطْعَمَهُ، أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِهِ فَأَكَلَهُ، وَلَا يَعْلَمُ بِهِ (٢)، فَمَاتَ)؛ لِمَا رَوَى أنَسٌ: «أنَّ يهوديَّةً أتَت النَّبيَّ ﷺ بِشاةٍ مَسمومةٍ، فَأَكَلَ منها النَّبيُّ ﷺ وبشرُ (٣) ابنُ العَلَاء (٤)، فلمَّا ماتَ بشرٌ أرْسَلَ إليها النَّبيُّ ﷺ ، فاعْتَرَفَتْ، فأمر (٥) بِقَتْلِها» رواه أبو داودَ (٦). وَأطْلَقَ ابنُ رَزِينٍ فيما إذا (٧) ألْقَمَه سَمًّا، أوْ خَلَطَه به قَولَينِ. (فَإِنْ عَلِمَ آكِلُهُ بِهِ، وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ)؛ فلا ضَمانَ عليه، أشْبَهَ ما لو قدَّم إلَيهِ سِكِّينًا، فَقَتَلَ بها نَفْسَه. وعُلِمَ منه: أنَّه يُشتَرَطُ لِنَفْيِ الضَّمانِ أمْرانِ: البُلوغُ، والعَقْل؛ لأِنَّ الصَّبِيَّ

стр. 5326

والمجنونَ لا عِبْرَةَ بفِعْلِهما. ويُشتَرَطُ له (١) أيضًا شَرْطٌ آخَرُ لم يَذكُرْه المؤلِّفُ، وهو: العِلْمُ بكَونِ السَّمِّ قاتِلاً؛ لأِنَّ مَنْ جَهِلَ ذلك لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: عَلِمَ بكَونه قاتِلاً، ذَكَرَه ابنُ المنَجَّى؛ إذ هو شيء يُضادُّ (٢) القُوَّةَ الحَيَوانِيَّةَ. (أَوْ خَلَطَهُ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، فَأَكَلَهُ إِنْسَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه لم يَقتُلْه، وإنَّما الدَّاخِلُ قَتَلَ نَفْسَه، أشْبَهَ ما لو حَفَرَ في داره بِئْرًا لِيَقَعَ فيها (٣) اللصُّ إذا دَخَلَ يَسرِقُ منها، وكذا لو دَخَلَ بإِذْنِه، فأَكَلَ الطَّعامَ المسمومَ بلا إِذْنِه. (فَإِنِ ادَّعَى الْقَاتِلُ بِالسَّمِّ: أنَّني (٤) لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سَمٌّ قَاتِلٌ؛ لَمْ يُقْبَلْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ السَّمَّ يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَهَ ما لو جَرَحَه، وقال: لم (٥) أعْلَمْ أنَّه يَموتُ به. (وَيُقْبَلُ فِي الآْخَرِ)، وقيلَ: ويَجهَلُه مِثْلُه؛ لأِنَّه يَجُوزُ أنْ يَخْفَى عليه أنَّه قاتِلٌ، وهذا شبهة تُسقِط (٦) القَوَد، (وَتَكُونُ (٧) شِبْهَ عَمْدٍ)؛ لأِنَّه مِنْ حَيثُ إنَّه قَصَدَ فِعْل الشَّيءِ الدَّاعِي إلى القتل؛ فشبه (٨) العمد، كما لو كان لا يَقتُلُ مثله (٩) غالِبًا.

стр. 5327

(الثَّامِنُ: أَنْ يَقْتُلَهُ بِسِحْرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا)، إذا كان السَّاحِرُ يَعلَمُ ذلك، أشْبَهَ المحدد (١)، وكذا إذا بَقِيَ مُدَّةً يَموتُ في مِثْلِها غالِبًا. ومُقتَضاهُ: أنَّه (٢) إذا كان مِمَّا لا يَقتُلُ غالِبًا؛ أنَّه خَطَأُ العَمْد. وعلى الأوَّل: لو ادَّعَى الجَهْل بكَونِه يَقتُلُ، ومِثلُه يَجهَلُه، أوْ كان غَيرَ قاتِلٍ، أو ادَّعَى قاتِلُ المريض الجهلَ (٣) بمَرضِه في وَجْهٍ؛ فشِبْهُ عَمْدٍ. (التَّاسِعُ: أنْ يَشْهَدَا (٤) عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلِ عَمْدٍ، أَوْ رِدَّةٍ، أَوْ زِنًى)، كذا في «المحرَّر»، وعبارةُ «الوجيز» و «الفروع»: ولو شَهِدَتْ بيِّنةٌ بما يُوجِبُ قَتْلَه، وهي أحْسَنُ، (فَيُقْتَلَ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَا)، أوْ يَرجِعَ واحِدٌ من ستَّةٍ، ذَكَرَه في «الرَّوضة»، (وَيَقُولَا: عَمَدْنَا قَتْلَهُ)، وفي «الكافي»: وعَلِمْنا أنَّه يُقْتَلُ، وفي «المغْنِي»: ولم (٥) يَجُزْ جَهْلُهما به، وفي «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: وكذَّبَتْهُما قرينةٌ؛ فعَلَيهِما القَوَدُ؛ لِمَا رَوَى القاسِمُ بنُ عبدِ الرحمن (٦): أنَّ رجُلَينِ شَهِدا عندَ عليٍّ ﵁ على رجلٍ (٧) أنَّه سرق (٨)، فَقَطَعَه، ثُمَّ رَجَعَا عن شَهادَتِهما، فقال عليٌّ: «لو أعْلَمُ أنَّكما تعمَّدتُما لَقَطَعْتُ أيْدِيَكما» (٩)،

стр. 5328

ولأِنَّهما تَوصَّلا (١) إلى قَتْلِه بِسبَبٍ يَقتُلُ غالِبًا، أشْبَه المكره. (أَوْ يَقُولَ الْحَاكِمُ: عَلِمْتُ كَذِبَهُمَا، وَعَمَدْتُ قَتْلَهُ، أَوْ يَقُولَ الْوَلِيُّ ذَلِكَ)؛ لَزِمَ القَوَدُ؛ لأِنَّهما في مَعْنَى الشُّهود، فكان الحاصِلُ بسببهما عَمْدًا كالقتل الحاصِلِ بسببِ الشَّاهِدَينِ. فلو أقرَّ الشَّاهِدانِ والحاكِمُ والوليُّ جميعًا بذلك؛ فعلى الوليِّ القِصاصُ؛ لأِنَّه باشَرَ القَتلَ عمْدًا عُدْوانًا. وقال في «الشَّرح»: يَنبَغِي ألاَّ يَجِبَ على غَيرِه شيءٌ؛ لأِنَّهم مُتسبِّبون (٢)، والمباشَرَةُ يُبْطِلُ حُكْمَها؛ كالدَّافِع مع الحافر (٣). وفي «التَّرغيب» وجْهٌ: هما كمُمسِكٍ (٤) مع مُباشِرٍ. وإنْ لم يُقِرَّ الوليُّ؛ فالقِصاصُ على الشُّهود والحاكِم؛ لأِنَّهم متسبِّبون (٥). وحاصِلُه: أنَّه يَختَصُّ بالمباشِر العالِم، ثُمَّ وَلِيًّا، ثُمَّ البيِّنة والحاكِم، وقِيلَ: ثُمَّ حاكِمًا؛ لأِنَّ سببَه أخص (٦) من البيِّنة، فإنَّ حكمه (٧) واسِطةٌ بَينَ شهادتهم وقَتلِه، فلو باشَرَ القَتْلَ وكيلُ (٨) الوليِّ، وأقرَّ بالعلم، وتعمَّدَ القَتْلَ ظُلْمًا؛ فهو القاتِلُ، وإلاَّ فالحكمُ يتعلَّق بالوليِّ. وقِيلَ: في قَتْلِ حاكِمٍ وجْهانِ؛ كمزكٍّ (٩)، فإنَّ (١٠) المزكِّيَ

стр. 5329

لا يُقتل (١) عِنْدَ القاضِي؛ لأِنَّه غَيرُ مُلجِئٍ، ويُقتل (٢) عِنْدَ أبي الخَطَّاب وغَيرِه. وإذا صار الأمرُ إلى الدِّية على البيِّنة والحاكِمِ؛ فقِيلَ: على عددهم، وقِيلَ: نِصفَينِ. ولو رَجَعَ الوليُّ والبيِّنةُ؛ ضَمِنَه الولي (٣). فرعٌ: إذا قال بعضُهم: عَمَدْتُ قَتْلَه، وبعضُهم: أخْطَأْتُ؛ فلا قَوَدَ على المتعمِّد على الأصحِّ، وعليه بحِصَّته من الدِّية المغلَّظة، والمخْطِئ من المخفَّفة. ولو قال كلُّ واحِدٍ: تعمَّدتُ وأخْطَأَ شَرِيكِي؛ فوجْهانِ في القَوَد. ولو قال واحِدٌ (٤): عَمَدْنا، والآخَرُ: أخْطَأْنا؛ لَزِمَ المقِرَّ بالعَمْد القَوَد، والآخَرَ نصفُ الدِّية. (فَهَذَا كُلُّهُ)؛ أي: الأَقْسام التِّسعة، (وَشِبْهُهُ: عَمْدٌ مَحْضٌ)؛ أي: لا شُبْهةَ فيه، (مُوجِبٌ (٥) لِلْقِصَاصِ) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)، (إِذَا كَمُلَتْ شُرُوطُهُ)؛ أيْ: بالشُّروط السَّابِقةِ.

стр. 5330

(فَصْلٌ) (وَشِبْهُ الْعَمْدِ: أَنْ يَقْصِدَ الْجِنَايَةَ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا)، هذا بَيانٌ لشبه (١) العَمْد، سُمِّيَ بذلك؛ لأِنَّه قَصَدَ الفعل (٢) وأخْطَأَ في القَتْل، وسُمِّيَ خَطأَ العَمْد وعَمْدَ الخَطَأ؛ لاِجْتِماعِهما فيه. فقَولُه: (قَصْدُ الجِنايَة)؛ يُحتَرَزُ به عن الخَطَأ، وب (ما (٣) لا يَقتُلُ غالِبًا)؛ يُحتَرَزُ به عن العَمْد المَحْضِ، زاد في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفروع»: ولم يجرحه (٤) بها، وقال جماعةٌ: ولم يَقصِدْ قَتْلَه. (فَيُقْتَلُ)؛ إمَّا لقَصْدِ العُدْوانِ عليه، أوْ لقصد (٥) التَّأديب له، فيُسرِفَ فيه، فهذا لا قَوَدَ فيه في قَولِ الأكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، قال: «عقلُ (٦) شِبْهِ العَمْد مغلظٌ (٧) مِثلُ عَقْل العمدِ (٨)، ولا يُقتَلُ صاحبُه (٩)» رواه أحمدُ وأبو داودَ (١٠)،

стр. 5331

وعن عبدِ الله بن عمرو (١) مرفوعًا: «ألَا إنَّ في قَتْلِ الخَطَأ شِبْه العَمْد قتيلِ السَّوط والعَصَا فيه مِائةٌ من الإبل، منها أرْبَعونَ في بُطونِها أوْلادُها» رواه أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجَهْ، ولهم مِنْ حديثِ ابنِ عمرَ مِثلُه، ورواهما (٢) النَّسائيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ مُسْنَدًا ومُرسَلاً (٣)، سمَّاه (٤): خطأَ العمد، وأوْجَبَ فيه الدِّيةَ لا القِصاصَ. وهذا قِسْمٌ ثبت (٥) بالسُّنَّة، والقِسْمانِ الآخران (٦) ثبتا (٧) بالكتاب. (نَحْوَ (٨): أَنْ يَضْرِبَهُ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا، أَوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ)؛ لأِنَّ العادةَ لم تَجْرِ بقَتْلِه بذلك، (أَوْ يَلْكُزَهُ)، اللَّكْزُ الضَّرْبُ بجميعِ الكفِّ في أيِّ مَوضِعٍ مِنْ جَسَدِه، وقال في «النِّهاية»: هو الضَّرْبُ بالكف (٩)

стр. 5332

في الصَّدْر (١)، (أَوْ يُلْقِيَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، أَوْ يَسْحَرَهُ (٢) بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا)، والمرجِعُ في ذلك إلى أهل العِلْم به؛ لأِنَّ ما يَقتُلُ غالِبًا هو عَمْدٌ. (أَوْ يَصِيحَ بِصَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ)، وفي «الواضح»: أو امرأةٍ، وقِيلَ: أوْ مُكلَّفٍ، (وَهُمَا عَلَى سَطْحٍ، فَيَسْقُطَا)؛ لأِنَّ الصِّياحَ في العادة لا يَقتُلُ غالِبًا، فإذا تَعَقَّبَهُ الموتُ؛ كان شِبْهَ عَمْدٍ. (أَوْ يَغْتَفِلَ عَاقِلاً (٣) فَيَصِيحَ بِهِ (٤)، فَيَسْقُطَ، أَوْ نَحْوَ (٥) ذَلِكَ)؛ كذَهابِ عَقْلِه، فالدِّيةُ على العاقِلةِ؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إحداهما الأخرى (٦) بحَجَرٍ، فَقَتَلَتْها وما في بَطْنِها، فَقَضَى النَّبيُّ ﷺ : أنَّ دِيَةَ جَنِينِها عَبْدٌ أوْ وَلِيدةٌ، وقَضَى بدِيةِ المرأةِ على عاقِلَتِها» متَّفَقٌ عليه (٧)، فأوْجَبَ ديتها (٨) على العاقِلةِ، وهي لا تَحمِلُ العَمْدَ. نَقَلَ الفَضْلُ في رجلٍ بِيَدِه سِكِّينٌ، فَصَاحَ به رَجُلٌ، فرَمَى بها، فعقرت (٩) رجلاً؛ هل عَلىَ مَنْ صاحَ به شَيءٌ؟ قال: هذا أخْشَى عليه، قد صاحَ به (١٠). فرعٌ: إذا أمْسَكَ الحَيَّةَ؛ كمُدَّعِي المشْيَخَةِ، فَقَتَلَتْه؛ فَقاتِلُ نَفْسِه، وإنْ قِيلَ: إنَّه ظنَّ أنَّها لا تَقتُلُ؛ فشِبْهُ عَمْدٍ، بمَنزِلةِ مَنْ أَكَلَ حتَّى بَشِمَ، فإنَّه لم يَقصِدْ قَتْلَ

стр. 5333

نَفْسِه، وإمْساكُ الحَيَّات جِنايَةٌ، وهو مُحرَّمٌ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١).

стр. 5334

(فَصْلٌ) (وَالْخَطَأُ عَلَى ضَرْبَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ (١) يَرْمِيَ الصَّيْدَ، أَوْ يَفْعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ، فَيَقْتُلَ إِنْسَانًا؛ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ)، قال ابنُ المنذرِ: (أجْمَعَ كلُّ مَنْ نحفظ (٢) عنه من أهل العلم (٣): أنَّ القَتْلَ الخَطَأَ أنْ يَرمِيَ شَيئًا فيُصِيبَ غَيرَه، لا أعْلَمُهم يَختَلِفونَ) (٤). وتَجِبُ الكفَّارةُ على القاتِل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، والدِّية (٥) على العاقِلَة؛ لأِنَّها إذا وَجَبَت الدِّيَةُ عَلَيها في شِبْهِ العَمْدِ؛ فلأن (٦) تجب (٧) في الخَطَأِ بطَريقِ الأَوْلَى، ولأنَّ (٨) الخَطَأَ يَكثُرُ، فلو وَجَبَت الدِّيةُ على القاتل؛ لَأُجْحِفَ به، فنَاسَبَ تعليقُها بالعاقِلَة؛ لتحصيل (٩) مجموعِ الأَمْرَينِ من إيفاء (١٠) المجْنِيِّ عليه (١١) حقَّه، مع عَدَمِ الإجْحافِ بالجاني (١٢).

стр. 5335

مسألةٌ: مَنْ قال: كنتُ يَومَ قَتْلِهِ (١) صغيرًا، أوْ مَجْنونًا، وأمْكَنَ؛ صُدِّقَ بيمينِه. (الثَّانِي: أَنْ يَقْتُلَ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَنْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا وَيَكُونُ مُسْلِمًا، أَوْ يَرْمِيَ إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ فَيُصِيبَ مُسْلِمًا، أَوْ يَتَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِمُسْلِمٍ وَيُخَافَ عَلَى المُسْلِمِين (٢) إِنْ لَمْ (٣) يَرْمِهِمْ، فَيَرْمِيَهُمْ فَيَقْتُلَ الْمُسْلِمَ، فَهَذَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ)، رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وقالَهُ عَطاءٌ، ومجاهِدٌ، وعِكرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيرُهم؛ لقوله تعالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. (وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِوَايَتَانِ): إحْداهما: تجب (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً … ﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ٩٢]، وللخبر السَّابقِ (٦)، ولأِنَّه قَتَلَ مُسلِمًا خَطَأً، فوَجَبَتْ؛ كما لو كان

стр. 5336

في دارِ الإسْلامِ. والثانية (١): لا تَجِبُ، وهي ظاهِرُ المذهب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ الآية [النِّسَاء: ٩٢]، فلم يَذكُرْ دِيَةً في هذا القِسْمِ، وذَكَرَها في الذي قَبْلَه وبَعدَه، وهذا ظاهِرٌ في أنَّها غَيرُ واجِبةٍ، وبه يُخصُّ (٢) عُموم ما ذُكِرَ. وعَنْهُ: تَجِبُ في الأخيرة. وفي «عيون المسائل»: عكسها (٣)؛ لأِنَّه فَعَلَ الواجِبَ هُنا. (وَالذِي أُجْرِيَ مُجْرَى الْخَطَأِ؛ كَالنَّائِمِ يَنْقَلِبُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْتُلُ بالسَّبَبِ؛ مِثْلَ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا، أَوْ يَنْصِبَ سِكِّينًا أَوْ حَجَرًا) تعدِّيًا، ولم يَقصِدْ جِنايَةً، (فَيَؤُولَ إِلَى إِتْلَافِ إِنْسَانٍ)؛ لأِنَّه يشارك (٤) الخَطَأَ في الإتْلاف، وإنَّما لم يُجْعَلْ خَطَأً؛ لِعَدَمِ القَصْد في الجُملةِ. وقال بعض (٥) أصحابنا: الأقْسامُ ثلاثةٌ، فيَكونُ ما ذُكِرَ خطأً، وصرَّح به (٦) في «الفروع»، قال في «المحرَّر»: والقَتْلُ بالسَّبب مُلحَقٌ بالخطأ إذا لم يَقصِدْ به الجِنايَةَ، فإنْ قَصَدَها؛ فشِبْهُ عَمْدٍ، وقد يَقْوَى فيَلحَقُ بالعَمْد؛ كما ذكرنا (٧) في الإكْراه والشَّهادة. (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَهَذَا كُلُّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ لأِنَّه إذا لم يَجِبْ بالخَطَأ؛ فهذا أَوْلَى، (وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ)؛ لأِنَّها تَحمِلُ دِيَةَ الخَطَأ؛ فما

стр. 5337

أُجْرِيَ مُجْراهُ كذلك، (وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ)؛ لأِنَّ الأمْرَ في الخطأ كذلك؛ فكذا (١) في الذي أُجْرِيَ مُجراهُ.

стр. 5338

(فَصْلٌ) (وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ) على الأَشْهَرِ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ غُلامًا قُتِلَ غِيلةً، فقال عمرُ: «لو تَمَالَأَ عليه أهلُ صَنْعاءَ لَقَتَلْتُهمْ» رواه البخاريُّ (١)، وهذا إذا كان فِعْلُ كلِّ واحِدٍ منهم صالِحًا للقتل به، وإلاَّ فَلَا، ما لم يَتواطَؤُوا على ذلك. (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُونَ)، نَقَلَها حَنبَلٌ (٢)، رُوِيَ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ (٣) وابنِ الزُّبَير (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائدة: ٤٥]، يَدُلُّ على أنَّه لا يُؤخَذُ أكثرُ مِنْ نَفْسٍ واحدةٍ بنفسٍ واحدة (٥)، ولأِنَّ كلَّ واحدٍ من الجماعة مكافِئ للمَقْتول، فلا يُؤخَذُ أبْدالٌ بمُبدَلٍ واحدٍ، كما لا تؤخذ (٦) دِياتٌ بمَقْتولٍ واحِدٍ، ولأِنَّ التَّفاوُتَ في الأوصاف يَمنَعُ، بدليلِ أنَّ الحرَّ لا (٧) يُؤخَذُ بالعبد، فالتَّفاوُتُ في العدد أَوْلَى. وعَلَيها: يلزمهم (٨) ديةٌ واحدةٌ، قال ابنُ المنذِر: (لا (٩) حُجَّةَ مع مَنْ

стр. 5339

أوْجَبَ قَتْلَ الجماعة بواحدٍ) (١)، وعلى الأولى (٢): يَلزَمهم ديةٌ واحدةٌ، نَصَّ عليه (٣)، وهو أشهر (٤)؛ كخَطَأٍ (٥). ونَقَلَ ابنُ ماهانَ: تلزمهم (٦) دِياتٌ (٧)، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ منهم. ونَقَلَ ابنُ مَنصورٍ، والفَضْلُ: إنْ قَتَلَه ثلاثةٌ؛ فله (٨) قَتْلُ أحدهم، والعَفوُ عن آخَرَ، وأخْذُ الدِّية كامِلةً من أحَدِهم (٩). (وَالمَذْهَبُ الْأَوَّلُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البَقَرَة: ١٧٩]؛ لأِنَّه إذا علم أنَّه (١٠) مَتَى قَتَلَ قُتِلَ به؛ انْكَفَّ عنه، فلو لم يُشرَع القِصاصُ في الجماعة بالواحد؛ لَبَطَلَت الحكمة في (١١) مشروعية القِصاص، ولِإجماعِ الصَّحابة، فَرَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب: «أنَّ عُمَرَ قَتَلَ سبعةً مِنْ أهلِ صَنْعاءَ قَتَلُوا رَجُلاً» (١٢)، وعن عليٍّ (١٣)،

стр. 5340

وابنِ عبَّاسٍ مَعْناهُ (١)، ولم يُعرَفْ لهم في عَصْرهم مُخالِفٌ، فكان كالإجْماع، ولأِنَّها عقوبةٌ تَجِبُ للواحد على الواحد، فوَجَبَتْ على الجماعة؛ كحدِّ القَذْف. والفَرْقُ بَينَ قَتْلِ الجماعة والدِّيَةِ: أنَّ الدَّمَ لا يَتَبعَّضُ، بخِلافِ الدِّيَة، وهذا إذا قُلْنا: إنَّ مُوجَبَ العَمْد أحدُ شَيئَينِ؛ القِصاص أو الدِّية (٢)، فمَتَى عَفَا عن القَوَدِ؛ تعيَّنَت الدِّيةُ، وإنْ قُلْنا: مُوجَبُه القَوَدُ فقطْ؛ فللأولياء أنْ يَعْفُوا على القليل (٣) والكثير مِنْ غَيرِ تقديرٍ. (وَإِنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا جُرْحًا وَالآْخَرُ مِائَة) جُرْحٍ، أوْ أوْضَحَه (٤) أحدُهما وشجَّه (٥) الآخَرُ آمَّةً، أوْ أحدُهما جائفةً والآخَرُ غَيرَ جائفةٍ؛ (فَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ)؛ لأِنَّ اعْتِبارَ التَّساوِي يُفْضِي إلى سُقوطِ القِصاص عن المشْتَرِكِينَ، إذْ لا يَكادُ جُرْحانِ يَتَساوَيانِ مِنْ كلِّ وَجْهٍ، ولو احْتَمَلَ التَّساوِيَ لم يَثبُت الحُكْمُ؛ لأِنَّ الشَّرْطَ يُعتَبَرُ العِلْمُ بوجوده، ولا يُكتَفَى باحْتِمالِ

стр. 5341

الوجود، بل الجهل (١) بوجوده كالعِلْم بِعَدَمِه في انْتِفاءِ الحُكم، ولأِنَّ الجرح (٢) الواحِدَ يَحتَمِلُ أنْ يَموتَ به دُونَ المِائةِ. فرعٌ: إذا اشْتَرَكَ ثلاثةٌ فقطع (٣) أحدُهم يَدَه، والآخَرُ رِجْلَه، والثَّالِثُ أوْضَحَه، فمات؛ فللوليِّ قَتْلُ جميعِهم، والعَفْوُ عنهم إلى الدِّيَة، ويَأخُذُ من (٤) كلِّ واحِدٍ ثُلُثَها، وله أنْ يَعفُوَ عن واحدٍ فيأخُذَ منه (٥) ثُلُثَ الدِّيَة، ويَقتُلَ الآخَرَينِ، وأنْ يَعفُوَ عن اثنَينِ فيَأخُذَ منهما ثُلُثَي الدِّيَة، ويَقتُلَ الثَّالِثَ. (وَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهُ الآْخَرُ (٦) مِنَ الْمِرْفَقِ؛ فَهُمَا قَاتِلَانِ)؛ أيْ: فهما سَواءٌ في القصاص أو الدِّية إذا قَطَعَ الثَّانِي قَبْلَ بُرْءِ جِراحةِ الأوَّل على المذْهَب؛ لأِنَّهما قَطْعانِ، فإذا مات بعدَهما؛ وَجَبَ عَلَيهما القِصاصُ؛ كما لو كانا في يَدَينِ. وقِيلَ: القاتِلُ هو الثَّاني، فيُقادُ الأوَّلُ؛ لأِنَّ قَطْعَ الثَّاني قَطْعُ سِرايَةٍ، قَطَعَه ومات بعدَ زوالِ جِنايَته. وعلى الأوَّل: إنْ سَقَطَ القَوَدُ بعَفْوٍ؛ غَرِمَا دِيَتَه نِصفَينِ. وإنِ انْدَمَلَ الجُرْحانِ، فَعَلَى مَنْ قَطَعَ من الكُوع القَوَدُ، وعلى الآخَرِ حُكومةٌ، وعَنْهُ: ثلثُ دِيةِ اليَدِ. ولو قَتَلوهُ بأفْعالٍ لا يَصلُحُ واحِدٌ لِقَتْلِه؛ نحو أنْ يَضرِبَه كلٌّ منهم سَوطًا في حالة، أوْ مُتوالِيًا؛ فلا قَوَدَ، وفيه (٧) عن تَواطُؤٍ وَجْهانِ، قاله في

стр. 5342

«الترغيب» (١). (وَإِنْ فَعَلَ أَحَدُهُمَا فِعْلاً لَا تَبْقَى (٢) الْحَيَاةُ مَعَهُ؛ كَقَطْعِ حُشْوَتِهِ)، بضمِّ الحاء وكسْرِها: أمْعاؤه، (أَوْ مَرِيئِهِ) بالهمز، وهو مَجرَى الطَّعام والشَّراب في الحَلْق، (أَوْ وَدَجَيْهِ)، بفَتْحِ الواو وكسْرِها، والوَدَجانِ: هما عِرْقانِ في العُنُق، (ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ آخَرُ؛ فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ)؛ لأِنَّ الحياةَ لا تَبقَى مع جِنايَته، (وَيُعَزَّرُ الثَّانِي)؛ كما لو جَنَى على ميتٍ، فلِهَذا لا يضمنه (٣)، ودلَّ على (٤) أنَّ هذا (٥) التَّصرُّف فيه كميتٍ لو كان عبدًا، فلا يَصِحُّ بَيعُه. كذا جَعَلُوا الضَّابِطَ: من (٦) يعيشُ مِثْلُه، ومَن لا يَعِيشُ. وكذا علَّل الخِرَقِيُّ المسألتَينِ، مع أنَّه قال في الذي لا يَعِيشُ: خرق (٧) بطنه وأخرج حُشْوَته، فَقَطَعَها فأبانها منه (٨)، وهذا يَقتَضِي: أنَّه لو لم (٩) يُبِنْها لم يكُنْ حُكْمُه كذلك، مع أنَّه بقَطْعِها لا يَعِيشُ، فاعتُبِرَ كَونُه لا يَعِيشُ في مَوضِعٍ خاصٍّ، فتعميم (١٠) الأصْحابِ فيه نَظَرٌ. (وَإِنْ شَقَّ الْأَوَّلُ بَطْنَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِي عُنُقَهُ؛ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي)؛ لأِنَّه هو (١١) المفَوِّتُ للنَّفْس جَزْمًا، فعلى هذا: عليه القِصاصُ في

стр. 5343

النَّفْس، والدِّيةُ إنْ عَفَا عنه؛ لأِنَّه لم (١) يَخرُجْ بجُرْحِ الأوَّل مِنْ حُكْمِ الحياة. (وَعَلَى الْأَوَّلِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ)؛ لأِنَّه حَصَلَ بجنايته (٢)، (بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ الجناية (٣) تارةً تكونُ مُوجِبةً للقصاص؛ كقَطْعِ اليَدِ عَمْدًا، وتارةً لا تكونُ كذلك؛ كقطعها خطأً، لكِنَّ جُرْحَ الأوَّل إنْ كانَ مُوجِبًا للقصاص؛ خُيِّر بَينَ قَطْعِ طَرَفِه والعَفْوِ على ديته (٤) والعَفْوِ مُطلَقًا، وإنْ كان لا يُوجِبُ قودًا (٥) كالجائفة؛ فعَلَيهِ الأَرْشُ، وإنَّما جَعَلْنا عليه القِصاصَ؛ لأِنَّ الثَّانيَ بفعله (٦) قَطَعَ سِرايَةَ الأوَّلِ. وإنْ كان جُرْحُ الأوَّل يُفْضِي إلى الموت لا مَحالَةَ، إلاَّ أنَّه لا يَخرُجُ به مِنْ حُكْمِ الحياة، وتَبْقَى معه الحياةُ المستقرة (٧)؛ فالقاتِلُ هو الثَّاني؛ لأِنَّ عمرَ لَمَّا جُرِحَ وسُقِيَ لبنًا، فخَرَجَ من جَوفِه، فعَلِمَ أنَّه ميِّتٌ، وعهد (٨) إلى النَّاس، وجَعَلَ الخِلافَةَ في أهْلِ الشُّورَى؛ فقَبِلَ الصَّحابةُ عَهْدَه، وعَمِلُوا به (٩). (وَإِنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ آخَرُ بِسَيْفٍ فَقَدَّهُ؛ فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي)؛ لأِنَّه فَوَّتَ حَيَاتَه قبلَ المصير إلى حالٍ يُيأَس (١٠) فيها من حياته، أشْبَهَ ما لو رَماهُ بِسَهْمٍ، فبادَرَهُ آخَرُ فَقَطَعَ عُنُقَه قبلَ وُصولِ السَّهم إلَيهِ، ولأِنَّ الرَّمْيَ سببٌ (١١)

стр. 5344

والقَتْل مُباشَرةٌ. (وَإِنْ (١) رَمَاهُ فِي لُجَّةٍ، فَتَلَقَّاهُ حُوتٌ فَابْتَلَعَهُ؛ فَالْقَوَدُ عَلَى الرَّامِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»، وهو المذْهَبُ؛ لأِنَّه تسبَّبَ إلى قَتْلِه، ولم توجد (٢) مُباشَرَةٌ، فصلح (٣) إسْنادُ القَتْلِ إليه، فَوَجَبَ أنْ يَعمَلَ السَّبَبُ عمله (٤)، وبه فارَقَ ما تقدَّمَ. والثَّاني: لا قَوَدَ عليه؛ لأِنَّه مُتسبِّبٌ، والإتْلافُ حَصَلَ بالمُباشَرَة، وهو يُوجِبُ قَطْع التَّسبُّبِ، وكما لو مَنَعَهُ مَوجٌ أوْ غَيرُه، أوْ كان الماءُ غَيرَ مُغرِقٍ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ قَطْعَ التَّسبُّبِ لا يكونُ إلاَّ بشَرْطِ صلاحيَةِ إسْنادِ التلف (٥) إلى المباشر (٦)، وهو مفقودٌ هنا. وعلى هذا: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يَلتَقِمَه قبلَ أنْ يَمَسَّ الماءَ أوْ بعدَه، قبلَ الغَرَق أوْ بَعدَه. وقِيلَ: إنِ الْتَقَمَه بعدَ حُصوله فيه قَبْلَ غَرَقِه. وقِيلَ: شِبْهُ عَمْدٍ. ومع قِلَّتِه (٧)؛ فإنْ عَلِمَ بالحُوت؛ فالقَودُ، وإلاَّ الدِّية (٨). (وَإِنْ أَكْرَهَ إِنْسَانًا) مُكلَّفًا (عَلَى الْقَتْلِ)؛ أيْ: على قَتْلِ مُكافِئِه، (فَقَتَلَ؛ فالقِصَاصُ (٩) أو الدِّيةُ، قاله في «المحرَّر» و «الوجيز»، (عَلَيْهِمَا)؛ لأِنَّ المكرِه

стр. 5345

تسبَّبَ إلى قتله (١) بما يُفْضِي إليه غالِبًا، أشْبَهَ ما لو أنْهَشَه حيَّةً، والمكرَهَ قتله (٢) ظُلْمًا لاِسْتِبْقاءِ نَفْسِه؛ كما لو قتله (٣) في المجاعة ليأكله (٤)، فعلى هذا: إنْ صار الأمْرُ إلى الدِّية؛ فهي عَلَيهِما كالشَّريكَينِ. وفي «الموجَز»: إذا قُلْنا: تُقتل (٥) الجماعةُ بالواحد، وخصَّه بعضهم (٦) بمكره، ويَتوجَّهُ عَكْسُه. لا يُقالُ: المكرَه مُلجَأٌ؛ لأِنَّه غَيرُ صحيحٍ؛ لأِنَّه مُتمَكِّنٌ من الاِمْتِناع، ولهذا يأثَمُ بالقَتْل، وقَولُه ﵇: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عمَّا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» (٧) محمولٌ على غَيرِ القَتْلِ. (وَإِنْ أَمَرَ مَنْ لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا)، أوْ أعجَمِيًّا لا يَعلَمُ خَطَرَ القَتْل، وفي «الرِّعاية» و «الفروع»: أوْ كبيرًا (٨) يَجهَلُ تحريمَه، (أَوْ عَبْدَهُ (٩) الذِي لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْقَتْلَ مُحَرَّمٌ)؛ كمَنْ نَشَأَ في غَيرِ بلادِ الإسلام، (فَقَتَلَ؛ فَالْقِصَاصُ عَلَى الآْمِرِ)؛ لأِنَّ القاتِلَ هنا كالآلة، أشْبَهَ ما لو أنهشه (١٠) حيَّةً. ونَقَلَ مُهَنَّى: إذا (١١) أمَرَ صَبِيًّا أنْ يَضرِبَ رجُلاً، فضَرَبَه فَقَتَلَه؛ فعلى

стр. 5346

الآمِرِ، ولا شَيءَ عليه بدَفْع سِكِّينٍ إليه (١) ولم يَأمُرْه (٢). وفي «الانتصار»: إنْ أَمَرَ صبيًا (٣)؛ وجَبَ على آمره (٤) وشريكِه في روايةٍ، وإنْ سُلِّم (٥) لا يَلزَمُهما؛ فلِعجْزه غالِبًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا أقام (٦) في بلادِ الإسلام بَينَ أهْلِه؛ فلا يَخْفَى عليه تحريمُ القَتْل، ولا يُعذَرُ فيه إذا كان عالِمًا، وحينئذ (٧): يُقتَلُ العبدُ، ويُؤدَّبُ سيِّدُه الآمِرُ، نَصَّ عليه (٨). وعَنْهُ: يُقتَلُ الآمِرُ، ويُحبَسُ العَبْدُ حتَّى يَموتَ؛ كمُمْسِكِه. وعُلِمَ: أنَّه إذا أمَرَه بزِنًى أوْ سَرِقةٍ؛ فعلى المُباشِرِ. (وَإِنْ (٩) أَمَرَ كَبِيرًا، عَاقِلاً، عَالِمًا بِتَحْرِيمِ الْقَتْلِ، فَقَتَلَ؛ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١٠)؛ لأِنَّه مَقتولٌ ظلمًا، فَوَجَبَ عليه القِصاصُ؛ كما لو لم يُؤمَرْ. وقال ابنُ المنَجَّى: المرادُ بالكبيرِ هنا: مَنْ يُميِّزُ ولَيسَ بكبيرٍ، فلا قَوَدَ عليه، ولا على الآمِرِ؛ لأِنَّه غيرُ مُكلَّفٍ، ولأِنَّ تمييزَه يَمنَعُ كَونَه كالآلة، ولَيسَ بظاهِر.

стр. 5347

فرعٌ: إذا قال لغَيرِه: اقْتُلْنِي، أو اجْرَحْنِي، فَفَعَلَ غَيرَ مُكرَهٍ، وهما مُكلَّفانِ؛ فَهَدَرٌ، نَصَّ عليه (١). وعَنْهُ: تَلزَمُ الدِّيةُ. وعَنْهُ: عليه ديةُ نَفْسه إرْثًا. ويَحتَمِلُ: القَوَدَ. ولو قال ذلك عبدٌ لِمَنْ يُقتَلُ به، فَقَتَلَه؛ ضَمِنَه لسيِّدِه بمالٍ فقَطْ، نَصَّ عليه (٢). ولو قال: اقْتُلْنِي وإلاَّ قَتَلْتُكَ؛ فخِلافٌ، كإذْنِه. وفي «الانتصار»: لا إثْمَ ولا كفَّارةَ. وفي «الرِّعاية»: اقْتُلْ نَفسَكَ وإلاَّ قَتَلْتُكَ؛ إكْراهٌ، كاحْتمالٍ في: اقْتُلْ زَيدًا أوْ عَمْرًا. (وَإِنْ أَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ إِنْسَانٍ بِغَيْرِ حَقٍّ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ (٣)؛ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ)؛ لأِنَّه غَيرُ مَعْذُورٍ في فِعْلِه؛ لقوله ﵇: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِقِ» (٤)، ولأِنَّ غَيرَ السُّلطان لو أَمَرَه بذلك؛ كان القِصاصُ على المباشِر، عَلِمَ أو لم (٥) يَعلَم. ويَحتَمِلُ: إنْ خافَ السُّلْطانَ قتلاً؛ كما لو أكْرَهَه. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ؛ فَعَلَى الآْمِرِ)؛ لأِنَّ المأمورَ معذورٌ؛ لِوُجُوبِ طاعةِ الإمام

стр. 5348

في غَيرِ المعصية، والظَّاهِرُ مِنْ حاله أنَّه لا يأمُرُ إلاَّ بالحقِّ. فرعٌ: إذا أكْرَهَه السُّلْطانُ على قَتْلِ أحدٍ بغَيرِ حقٍّ؛ فالقَوَدُ أو الدِّيةُ عَلَيهِما. فإنْ كان الإمامُ يَعتَقِدُ جَوازَ القَتْل دُونَ المأمور؛ كمُسلِمٍ قَتَلَ ذِمِّيًّا، فقال القاضي: الضَّمانُ عَلَيهِ دُونَ الإمام؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ لا يَحِلُّ له قَتْلُه. قال في «المغْنِي»: يَنبَغِي أنْ يُفرَّقَ بَينَ المجْتَهِد والمقلِّد، فإنْ كان مُجتَهِدًا؛ فهو كقَولِ القاضي، وإنْ كان مُقلِّدًا؛ فلا ضَمانَ عليه (١)؛ لأِنَّ له تقليدَ الإمامِ فيما رآه (٢). وإنْ كان الإمامُ يَعتَقِدُ تحريمَه، والمأمورُ يَعتَقِدُ حِلَّه؛ فالضَّمانُ على الآمِرِ، كما لو (٣) أَمَرَ السَّيِّدُ عبدَه الذي لا (٤) يعتقد (٥) تحريمَ القَتْلِ به. (وَإِنْ أَمْسَكَ إِنْسَانًا لآِخَرَ لِيَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ؛ قُتِلَ (٦) الْقَاتِلُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ يُكافِئُه عمدًا بغَيرِ حقٍّ. (وَحُبِسَ الْمُمْسِكُ حَتَّى يَمُوتَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِمَا رَوَى ابنُ عُمَرَ مرفوعًا، قال: «إذا أمْسَكَ الرَّجُلَ وقَتَلَه الآخر (٨)؛ قُتِلَ الْقاتِلُ، ويُحْبَسُ الذي أمْسَكَ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٩)،

стр. 5349

وَرَوَى الشَّافِعيُّ نحوَه مِنْ قَضاءِ عليٍّ ﵁ (١)، ولأِنَّه حَبَسَه إلى الموت، فيُحبَسُ الآخَرُ عن الطَّعام والشَّراب حتَّى يَموتَ. (وَالأُخْرَى (٢): يُقْتَلُ أَيْضًا)، اخْتارَه أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وادَّعاه (٣) سُلَيمانُ بنُ موسى إجْماعًا (٤)؛ لأِنَّ قتله (٥) حَصَلَ بفِعْلِهِما، كما لو جَرَحاهُ، لكِنْ إنْ لم يَعلَمِ المُمْسِكُ أنَّه يَقتُلُه؛ أنَّه لا شَيءَ عليه. وكذا الخِلافُ لو فَتَحَ واحِدٌ فمَه وسَقاهُ آخَرُ سَمًّا قاتِلاً فماتَ، وجَزَمَ في «الوجيز» بقَتْلِه. ومِثْلُه: لو أمسكه (٦) لِيَقطَعَ طَرَفَه، ذَكَرَه في «الانتصار»، أوْ تبع (٧) رجلاً لِيَقْتُلَه، فهَرَبَ، فأدركه (٨) آخَرُ فَقَطَعَ رِجْلَه، ثُمَّ أدْرَكَه الثَّاني فَقَتَلَه، فإنْ كان (٩)

стр. 5350

الأوَّلُ حَبَسَه بالقطع (١) لِيَقْتُلَه الثَّاني؛ فَعَلَيهِ القَوَدُ في القَطْعِ، وحكمه (٢) في النَّفْس حُكْمُ الممْسِكِ، وإن (٣) لم يَقصِدْ حَبْسَه؛ فَعَلَيهِ القَطْعُ دُونَ القَتْل، كالذي أمْسَكَهُ غَيرَ عالِمٍ. (وَإِنْ كَتَّفَ إِنْسَانًا، وَطَرَحَهُ (٤) فِي أَرْضٍ مَسْبَعَةٍ، أَوْ ذَاتِ حَيَّاتٍ فَقَتَلْنَهُ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُمْسِكِ)، ذَكَرَه القاضِي، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ: أنَّه لا قِصاصَ فيه؛ لأِنَّه لا يَقتُلُ غالِبًا، وتَجِبُ فيه الدِّيةُ؛ لأِنَّه فَعَلَ به (٥) فِعْلاً مُتعمَّدًا، لا يَقتُلُ غالِبًا، فهو شِبْهُ عمْدٍ. فرعٌ: إذا أمَسْكَ زَيدٌ عبدًا، فَقَتَلَه آخَرُ؛ ضَمِنَه زَيدٌ، ورجعَ على قاتِلِه (٦)، وله تضمينُ أيِّهما شاء، وإنْ أمْسَكَه لغير (٧) قَتْلِه؛ لم يَضمَنْه الممْسِكُ بحالٍ، قاله في «الرِّعاية». ومَن تعرَّضَ لِقَتْلِ زَيدٍ، ولم يَدفَعْه عن نفسه وسَكَتَ، فَقَتَلَه؛ ضَمِنَه إنْ قُلْنا: الدِّيَةُ إرْثٌ، وإنْ قُلْنا: له؛ فَوَجْهانِ.

стр. 5351

(فَصْلٌ) (وَإِنِ اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ اثْنَانِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى أَحَدِهِمَا؛ كَالْأَبِ وَأَجْنَبِيٍّ فِي قَتْلِ الْوَلَدِ، وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فِي قَتْلِ الْعَبْدِ، وَالْخَاطِئِ وَالْعَامِدِ؛ فَفِي (١) وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الشَّرِيكِ رِوَايَتَانِ): إحداهما (٢): لا قصاصَ عَلَيهِ؛ لأِنَّه يُركَّب (٣) من (٤) مُوجِبٍ وغَيرِ مُوجِبٍ، فلم يَجِب القِصاصُ؛ لِكوْنِ القَتْلِ لم يَتمَحَّضْ مُوجِبًا. والثَّانيةُ: يَجِبُ على الشَّريك، قدَّمه في «الرِّعاية»، واخْتارَهُ أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لأِنَّ سُقوطَه عن شريكه (٥) لمعنًى مُختَصٍّ به، فلم يَنفُذْ إلى غَيرِه، وكما لو أكره (٦) أبًا على قَتْلِ ابْنِه. (وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: وُجُوبُهُ عَلَى شَرِيكِ الْأَبِ وَالْعَبْدِ)؛ لأِنَّ قَتْلَهما عمدٌ مَحْضٌ عُدْوانٌ، ولأِنَّه شارَكَ في القَتْل العَمْد العُدْوانِ، فيُقتَلُ به؛ كشريكِ الأجنبيِّ، وفِعْلُ الأب يَقتَضِي الإيجابَ؛ لِكَونِه تمَحَّضَ (٧) عَمْدًا عُدْوانًا، والجِنايَةُ به أعْظَمُ إثْمًا، ولذلك (٨) خصَّه اللهُ بالنَّهْي، وإنَّما امْتَنَعَ الوُجوبُ في حقِّ الأب لِمَعْنًى مُختَصٍّ بالمَحَلِّ، لا لقصور (٩) في السبب (١٠) الموجِبِ.

стр. 5352

وكذلك كلُّ شَريكَينِ امْتَنَعَ القَوَدُ في حقِّ أحَدِهما لمعنًى (١) فيه مِنْ غَيرِ قُصورٍ في السَّبَب؛ كمُسْلِمٍ وذِمِّيٍّ في قَتْلِ ذِمِّيٍّ. (وَسقُوطُهُ عَنْ شَرِيكِ الْخَاطِئِ)، في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لأِنَّه لم يَتَمَحَّضْ عَمْدًا، فلم يَجِبْ به قَوَدٌ؛ كشِبْهِ العمد، وكما لو قَتَلَه واحِدٌ بجُرحَينِ عمدًا وخَطَأً. وكذا الخِلافُ لو اشْتَرَكَ مُكلَّفٌ وغَيرُ مُكلَّفٍ، والأصحُّ في المذهب: أنَّه لا قِصاصَ على البالِغِ، وهو قَولُ الحَسَنِ والأَوْزاعيِّ؛ لأِنَّه شارَكَ مَنْ لا إثم (٢) عليه في فِعْلِه؛ كشَريكِ الخاطِئِ. (وَفِي شَرِيكِ السَّبُعِ، وَشَرِيكِ نَفْسِهِ؛ وَجْهَانِ)، وصُورَتُه: أنْ يَجرَحَه أَسَدٌ أوْ نَمِرٌ، أوْ يجرحه (٣) إنسانٌ ثُمَّ يَجرَحَ نَفْسَه مُتعَمِّدًا، وهما في شريكِ الوليِّ المقْتَصِّ، وشَرِيكِ القاطِعِ حَدًّا، وشَرِيكِ دَفْعِ الصَّائلِ: أحدُهما: لا قِصاصَ فيه؛ لأِنَّه شارَكَ مَنْ لا يَجِبُ عليه القِصاصُ؛ كشَرِيكِ الخاطِئِ، بَلْ أَوْلَى. والثَّاني: عَلَيهِ القِصاصُ، واخْتارَه أبو بكرٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو المنصوصُ؛ لأِنَّه قَتْلٌ عَمْدٌ مُتمحِّض (٤)، فَوَجَبَ القِصاصُ على الشَّريك؛ كشريكِ الأبِ. فأمَّا إنْ جَرَحَ نَفْسَه خَطَأً؛ فلا قِصاصَ على شريكه في الأصحِّ. وإذا قُلْنا: لا قَوَدَ عَلَيهِ، أوْ عَدَل (٥) إلى طَلَبِ المال منه؛ لَزِمَه نصفُ الدِّية.

стр. 5353

وقِيلَ: يَلزَمُه كمالُها في شَريك السَّبُعِ خاصَّةً. وقِيلَ: يَلزَمُه كمالُها في شريك (١) المقْتَصِّ. ودِيةُ شَرِيك مُخطِئٍ في ماله، لا على عاقلتِه (٢) على الأصحِّ، قاله القاضي. (وَلَوْ جَرَحَهُ إِنْسَانٌ عَمْدًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ بِسَمٍّ، أَوْ خَاطَهُ فِي اللَّحْمِ) الحيِّ، (أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلِيُّهُ، أَوِ الْإِمَامُ)، فَمَاتَ؛ (فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ وَجْهَانِ): أحدُهما: لا قِصاصَ عليه، وهو أشْهَرُ؛ لأِنَّ المداويَ قَصَدَ مُداواةَ النَّفْس، فكان فِعْلُه عَمْدَ خَطَأٍ؛ كشَرِيكِ الخاطِئِ. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّه شريكٌ (٣) في القتل. لكن (٤) إنْ كان سَمَّ ساعةٍ، يَقتلُ (٥) في الحالِ؛ فقد قَتَلَ نَفْسَه، وقَطَعَ سِرايَةَ الجُرح، وجَرَى مجْرَى مَنْ ذَبَحَ (٦) نَفسَه بَعْدَ أنْ جُرِحَ، ويُنظر (٧) في الجُرْح؛ فإن (٨) كان مُوجِبًا للقصاص؛ فلوليِّه اسْتِيفاؤه، وإلاَّ أَخَذَ الأَرْش. وإنْ كان السَّمُّ لا يَقتُلُ غالِبًا، فَفِعْلُ الرَّجُلِ في نَفْسه عمدُ الخَطَأِ، وشَريكُه كشريكِ الخاطِئِ. وإنْ خاطَهُ غَيرُه بغَيرِ إذْنِه كُرْهًا؛ فهما قاتِلانِ عَلَيهِما القَوَدُ.

стр. 5354

(بَابُ شُرُوطِ الْقِصَاصِ) (وَهِيَ أَرْبَعَةٌ)، وسَيَذْكُرُها المؤلِّفُ. (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُكَلَّفًا)؛ لأِنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ، وغَيرُ المكلَّفِ لَيسَ مَحَلًّا لها. (فَأَمَّا الصَّبِيُّ، وَالْمَجْنُونُ؛ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا)، بغَيرِ خِلافٍ (١)؛ لأِنَّ التَّكليفَ مِنْ شُروطِه، وهو مَعدومٌ، وكذا إذا كان زائلَ العَقْلِ بِسَبَبٍ يُعذَرُ فيه؛ كالنَّائمِ والمُغْمَى عَلَيهِ؛ لأِنَّه لا قَصْدَ لهم صحيحٌ. فلو قال القاتِلُ: كنتُ يَومَ القَتْلِ صغيرًا، أوْ مجنونًا؛ صُدِّقَ مع الإمْكانِ بيَمِينِه، وإنْ قال: أنا الآنَ صغيرٌ؛ فلا قَوَدَ ولا يمين (٢). (وَفِي السَّكْرَانِ وَشِبْهِهِ)؛ كمَنْ زالَ عَقْلُه بسببٍ غَيرِ مَعْذورٍ فيه؛ كمَنْ يَشرَبُ الأَدْوِيةَ المُجنِّنة (٣)؛ (رِوَايَتَانِ)، وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: أنَّ ذلك مبنيٌّ على طلاقه، وفيه رِوايَتانِ، فيكونُ في وُجوبِ القِصاصِ عَلَيهِ وَجْهانِ: أحدُهما: لا يَجِبُ عليه (٤)؛ لأِنَّه زائلُ العَقْل، أشْبَهَ المجْنونَ، ولأِنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، أشْبَهَ الصَّبِيَّ. (أَصَحُّهُمَا: وُجُوبُهُ عَلَيْهِ)، نَصَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وجَزَمَ به القاضي وصاحِبُ «الوجيز»؛ لأِنَّ الصَّحابةَ أوْجَبُوا عليه حَدَّ القَذْفِ، وإذا وجب (٥) الحَدُّ؛ فالقِصاصُ المتمحِّضُ (٦) حقَّ آدَمِيٍّ أَوْلَى،

стр. 5355

ولأنَّه (١) يُفْضِي إلى أنْ يصيرَ عِصْيانُه سَبَبًا لِإسْقاطِ العُقوبةِ عنه، والطَّلاقُ قولٌ (٢) يُمكِنُ إلْغاؤه، بخِلافِ القَتْل.

стр. 5356

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المَقْتُولُ مَعْصُومًا)؛ أيْ: مَعْصومَ الدَّم؛ لأِنَّ القِصاصَ إنَّما شُرِعَ حِفْظًا للدِّماء المعْصُومةِ، وزَجْرًا عن إتْلافِ البُنْيةِ المطْلُوبِ بَقاؤها، وذلك معدومٌ في غَيرِ المعْصُومِ. (فَلَا يَجِبُ القِصَاصُ (١) بِقَتْلِ حَرْبِيٍّ (٢)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٣)، ولا يَجِبُ بقَتْله دِيةٌ، ولا كفَّارَةٌ؛ لأِنَّه مُباحُ الدَّم على الإطْلاق كالخِنْزيرِ، ولأِنَّ اللهَ تعالَى أَمَرَ بقَتْلِه، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوبَة: ٥]، وسَواءٌ كان القاتِلُ مُسلِمًا أوْ ذَمِّيًّا. (وَلَا مُرْتَدٍّ (٤)؛ لأِنَّه مُباحُ الدَّم، أشْبَهَ الحَرْبِيَّ. (وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ)؛ أي: لا يَجِبُ بقَتْلِه قِصاصٌ، ولا دِيَةٌ، ولا كفَّارةٌ؛ كالمرتَدِّ. وحَكَى بعضُهم وَجْهًا: أنَّ على قاتله (٥) القَوَدَ؛ لأِنَّ قَتْلَه إلى الإمام؛ كمَنْ عليه القِصاص إذا قَتَلَه غَيرُ مستحِقِّ دمِه (٦). وجَوابُه: بأنَّه مُباحُ الدَّم، مُتَحَتِّمٌ قَتْلُه، فلم يُضْمَن (٧) كالحربيِّ.

стр. 5357

وظاهِرُه: ولو قَبْلَ ثبوته (١) عِنْدَ حاكِمٍ، قال في «الرِّعاية» و «الفروع»: والمُرادُ قَبْلَ التَّوبة؛ فَهَدرٌ، وإنْ بَعْدَها إنْ قُبِلَتْ ظاهِرًا؛ فكإسْلامٍ طارئٍ (٢). فدلَّ (٣) أنَّ طَرَفَ مُحصَنٍ كمُرتَدٍّ، لا سِيَّما وقَولُهم: عُضْوٌ مِنْ نَفْسٍ وَجَبَ قَتْلُها، ولكِنْ يُعزَّرُ؛ لِلاِفْتِياتِ على وليِّ الأمر؛ كَمَنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا. (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا)، فيه تنبيهٌ على مُساواةِ الذِّمِّيِّ للمُسلِمِ في ذلك؛ لأِنَّ القَتْلَ منهما صادَفَ مَحَلَّه. ويَحتَمِلُ: قَتْلُ (٤) الذِّمِّيِّ بالزَّاني المحْصَنِ، قاله في «التَّرغيب»، لأنَّ الحدَّ لنا (٥)، والإمام (٦) نائبٌ. قال في «الرَّوضة»: إنْ أَسْرَعَ وليُّ قتيلٍ أوْ أجنبيٍّ فَقَتَلَ قاطِعَ طريقٍ قَبْلَ وصوله (٧) الإمامَ؛ فلا قَوَدَ؛ لأِنَّه انْهَدَرَ دَمُه، وظاهِرُه: ولا دِيَةَ، ولَيسَ كذلك. (وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ (٨) يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمْ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه لم يجنِ (٩) على معصومٍ، ولأِنَّه رَمَى مَنْ هو مأمورٌ بِرَمْيِه، فلم يَضمَنْ؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في التَّضمين بحالِ ابْتِداءِ الجناية (١٠)؛ لأِنَّها مُوجِبَةٌ،

стр. 5358

وحالُها لم يكن (١) كلٌّ من الحَربيِّ والمرتَدِّ أهْلاً لأن (٢) يُضمَنَ، فلم يكُنْ على الجاني شَيءٌ؛ لِفَواتِ الأهْلِيَّة المشْتَرَطة لِوُجوبِ الضَّمان. وظاهِرُه: أنَّه لا قِصاصَ ولا دِيةَ عليه، وجَعَلَه في «التَّرغيب» كمَنْ أسْلَمَ قَبْلَ الإصابةِ. (وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ؛ فَلَا قِصَاصَ)؛ لأِنَّه رَمَى مَنْ لَيسَ بمعصومٍ، أشْبَهَ الحَرْبيَّ، (وَفِي الدِّيَةِ وَجْهَانِ): أحدُهما: لا تَجِبُ، وهو الأشْهَرُ؛ كرِدَّةِ مسلِمٍ، وكالحَرْبِيِّ. والثَّاني: تجب؛ لأِنَّ الرَّمْيَ هُنا مُحرَّمٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الاِفْتِياتِ على الإمامِ، وكتَلَفِه بِبِئْرٍ حُفِرَتْ. وقِيلَ: كمُرتَدٍّ؛ لتفريطه؛ إذْ قتله (٣) لَيسَ إليه. والعَمَلُ على الأوَّلِ، قاله الحُلْوانيُّ. فائدةٌ: قال في (٤) «الرِّعاية»: وإنْ رَمَى مُرتَدًّا أوْ حَرْبِيًّا، فأصابَه بَعْدَ إسْلامِه، فَماتَ؛ فهَدرٌ، كما لو بانَ أنَّ الحَربِيَّ كان قد أسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ وكَتَمَ إسْلامَه، وقِيلَ: تَجِبُ الدِّيَةُ، وقِيلَ: للمُرتَدِّ فقطْ، وهي كديةِ (٥) حُرٍّ مسلِمٍ مخففة (٦) على عاقِلَتِه، وقِيلَ: يقتل (٧) به. (وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ (٨) وَمَاتَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي أَحَدِ

стр. 5359

الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو الأصحُّ؛ لأِنَّها نَفْسُ مُرتَدٍّ غَيرِ مَعصومٍ ولا مَضمونٍ، بدليلِ ما لو (١) قَطَعَ طَرَفَ ذِمِّيٍّ فصار حَربِيًّا، ثُمَّ ماتَ مِنْ جِراحِه. وأمَّا اليَدُ؛ فالصَّحيحُ: أنَّه لا قَوَدَ فيها. أصْلُهما: هل يفعل (٢) به كفِعْلِه، أم في النَّفس فقطْ؟ وهل يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ أمْ قَريبُه؟ فيه وَجْهانِ: أصلهما (٣): هل مالُه فَيْءٌ أمْ لورثته؟ والوَجْهُ الثَّاني: يَجِبُ؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَه، ثُمَّ جاء آخَرُ فَقَتَلَه. وجَوابُه: بأنَّه قَطْعٌ صار قَتْلاً لم يَجِبْ به القَتْلُ، فلم يَجِبْ به القَطْعُ؛ كما لو قَطَعَ مِنْ غَيرِ مَفْصِلٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَف في وَجْهٍ؛ لأِنَّه قَتْلٌ لغَيرِ مَعْصومٍ. وتجب (٤) في آخَرَ؛ لأِنَّ سقوط (٥) حُكْمِ سِرايَةِ الجُرْح لا يُسقِطُ ضَمانَه؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَ رَجلٍ، ثُمَّ قَتَلَه آخَرُ، فعلى هذا: يَجِبُ ضَمانُه. فَلَوْ قَطَعَ يديه (٦) ورِجْلَيهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ وماتَ؛ ففِيهِ دِيَتانِ؛ لأِنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرايَة. وعلى الأوَّل: يَجِبُ عَلَيهِ الأقلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْس أو الطَّرَفِ، يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ. (وَفِي الآْخَرِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ)؛ لأِنَّ المجْنِيَّ عَلَيهِ حالَ القَطْع كان مُكافِئًا، والقَتْلُ بسبَبِ القَطْعِ غَيرُ مُوجِبٍ للقِصاص هُنا، فَوَجَبَ القَطْعُ؛ لاِنْتِفاءِ إفْضائِه إلى القِصاص في النَّفس، (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لِمَا سَبَقَ.

стр. 5360

وقِيلَ: لا قَوَدَ ولا دِيَةَ في عَمْدِ ذلك ولا خَطَئِه؛ لأِنَّ الجُرحَ صارَ بالسِّرايَة نَفْسًا، فيَدخُلُ القطع (١) فيه تَبَعًا، ولو قَتَلَه في تِلْك الحالِ لم يَضمَنْه، فكذا إذا ماتَ بالسِّرايَةِ. (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ؛ وَجَبَ (٢) الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) مَع العَمْد، أو الدِّيَةُ مع الخَطَأ، (فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، ونَصَّ عليه في روايةِ محمَّدِ ابنِ الحَكَم (٣)؛ لأِنَّه مُسلِمٌ حالَ الجناية (٤) والموتِ؛ فوَجَبَ القِصاصُ بقَتْلِه، كما لو لم يَرتَدَّ. وأمَّا الدِّيَةُ فتَجِبُ كامِلةً، وقِيلَ: نِصفُها؛ لأِنَّها من (٥) جُرْحٍ مَضمُونٍ، وسرايةٍ (٦) غيرِ مَضْمونةٍ، كما لو جَرَحَه إنْسانٌ وجَرَحَ نَفْسَه، وماتَ مِنهُما. (وَقَالَ الْقَاضِي): يَتوَجَّهُ عِنْدِي، واخْتارَه في «التَّبصرة»، (إِنْ كَانَ زَمَنَ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ؛ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ كما لو (٧) عفا (٨) بعضُ المستَحِقِّينَ، ولهذا لو وُجِدَت الرِّدَّةُ في أحَدِ الطَّرَفَينِ؛ لم يجب (٩) القِصاصُ، ويَجِبُ نصفُ الدِّيَة، وقِيلَ: كلُّها. وهل تَجِبُ في الطَّرَف الذي قُطِعَ في إسْلامِه؟ فيه وَجْهانِ. تنبيهٌ: إذا رَمَى مسلمًا (١٠)،
следующие страницы →