← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المغرب، ثمَّ ما دامت الشَّمس ترتفع فالظِّل ينقص، فإذا انتهت الشَّمس إلى وسط السَّماء، وهي حالة الاستواء؛ انتهى نقصانه، فإذا زال الظِّلُّ أدنى زيادة؛ فهو الزَّوال، فهو إذن ميلُها عن وسط السَّماء (١)، ويختلف فيء الزَّوال فيطول (٢) في الشِّتاء، ويقصر في الصَّيف، لكن لا يقصر ظِلُّه وقت الزَّوال في بعض بلاد خراسان؛ لسير الشَّمس ناحيةً عنها، ذكره ابن حمدان. وذكر السَّامَرِّيُّ وغيرُه: أنَّ ما كان من البلاد تحت وسَط الفَلَك -مثل (٣) مكَّةَ وصنعاءَ في يوم واحِدٍ، وهو أطول أيام السَّنة- لا ظِلَّ ولا فَيْء لوقت الزَّوال، بل يعرف الزَّوال هناك بأن (٤) يظهر للشَّخص فَيْءٌ من نحو المشرق؛ للعلم بكونها (٥) قد أخذت مُغَرِّبة. ويختلف باختلاف الشَّهر والبلد، فأقلُّ (٦) ما تزول في (٧) إقليم الشَّام والعراق -على ما نقله أبو العباس الشِّيحِيُّ (٨) - على قَدَم وثُلُث في نصف

стр. 562

حزيران، ويتزايد إلى أن يبلغ عشرة أقدام وسُدُس في نصفِ كانونَ الأوَّلِ، وهو أكثر ما تزول (١) عليه الشَّمس. فإذا أردت معرفة ذلك (٢): فقف على مستوٍ من الأرض، وعلِّم الموضع الذي انتهى إليه ظلُّك، ثمَّ ضع قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فإذا بلغت مساحة هذا القدر بعد انتهاء النَّقص فهو وقت زوال الشَّمس، وتجب (٣) به الظُّهر. وعُلم منه: أن الصَّلاة تجب بأوَّل الوقت وجوبًا موسَّعًا (٤)، نَصَّ عليه في رواية أبي طالِبٍ (٥). وشرط ابن بَطَّة وابن أبي موسى: مُضِيَّ زمن يتَّسع لأدائها؛ حذارًا من تكليف ما لا يطاق. وجوابه: أنَّه (٦) لا يكلَّف (٧) بالفعل قبل الإمكان حتَّى يلزم تكليف ما لا يطاق، وإنَّما يَثبُت في ذمَّته بفعله إذا قدر؛ كالمُغْمَى عليه. وأمَّا آخره فقال: (إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ)، وهو المراد بقولهم: سوى (٨) الزَّوال، نَصَّ عليه لما سبق، وصلاَّها

стр. 563

﵇ في حديث أبي موسى -حين سأله السَّائل- حين زالت الشَّمس، ثمَّ أخَّرها في اليوم الثَّاني حتَّى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، وقال: «الوقْتُ فيما بيْن هذَينِ» رواه مسلمٌ (١)، وعن عبد الله بن عمرو (٢) مرفوعًا: «وقت صلاة الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر» رواه مسلم (٣)، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: متى يكون الظل مثله؟ قال: (إذا زالت الشمس (٤) فكان الظلُّ بعد الزوال مثله) (٥). ومعرفة ذلك: أن يضبط ما زالت عليه الشمس، ثمَّ تُنظر (٦) الزِّيادة عليه، فإن بلغت قدر الشخص؛ فقد انتهى وقت الظُّهر، وطول الإنسان ستة أقدام وثلثان بقدمه تقريبًا. وعنه: آخره أول وقت العصر، فبينهما وقت مشترك قدر أربع ركعات. قال أحمد: الزَّوال في الدُّنيا واحد، وأنكر على المنجِّمين أنَّه يتغيَّر في البلدان (٧)، ومثله لا يقول ذلك إلاَّ عن (٨) توقيف. (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا)؛ لما روى أبو بَرْزةَ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الهَجِيرَ التي تدعونها الأُولى حين تَدْحَضُ (٩) الشَّمس» (١٠)، وقال جابِرٌ: «كان

стр. 564

النَّبيُّ ﷺ يصلِّي الظهر بالهاجِرةِ» متَّفَقٌ عليهما (١)، وقالت عائشةُ: «ما رأيتُ أحدًا أشدَّ تعجيلاً للظُّهر من رسول الله ﷺ ، ولا من أبي بكر، ولا من عمر» حديث حسن (٢). قال في «التَّلخيص»: ويحصل بأن يشتغل بأسباب الصَّلاة من حين دخول الوقت، وهو ظاهر «الفروع»، فإنَّه لا يُعدُّ حينئذٍ متوانيًا ولا مقصِّرًا. وذكر الأَزَجِيُّ قولاً: يتطهَّر قبله. (إِلاَّ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْغَيْمِ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً (٣)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز». أمَّا في الحَرِّ؛ فيُستحَبُّ تأخيرها مطلقًا إلى أن ينكسِرَ، وحكاه التِّرمذِيُّ عن ابن المبارك وأحمدَ وإسحاقَ، وقال: (هو أشبه بالاتِّباع) (٤)، وصحَّحه في «الشَّرح»، واقتصر عليه في «الكافي»، وقاله القاضي في «الجامع»، والخِرَقِيُّ وابن أبي موسى وغيرهم؛ لما روى أبو هريرة مرفوعًا: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالصَّلاة؛ فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيحِ جهنَّمَ» متفق عليه (٥)، وفي لفظٍ: «أبرِدوا بالظُّهر»، وفيح جهنم: هو غلَيانها، وانتشار لهَبِها ووهجها (٦).

стр. 565

وصريحه (١): أنَّه مختصٌّ بمن يصلِّي في (٢) جماعةً، وهو قول أبي الخَطَّاب وطائفة؛ تعليلاً بالمشقَّة. واعتبر القاضي في «المجرد» (٣) مع الخروج إلى الجماعة: كونه في البلاد الحارَّة، ومساجد الجماعات (٤). فأمَّا (٥) تأخيرُها في الغيم؛ فيستحَبُّ لكلِّ من يصلِّي جماعةً كما ذكره، وذكره القاضي والسَّامَرِّيُّ، ونَصَّ عليه في رواية المَرُّوذِي (٦)؛ لما روى ابن منصور عن إبراهيم قال: «كانوا يؤخِّرون الظُّهرَ ويعجِّلون العصر في اليوم المتغيِّم» (٧)، ولأنَّه وقت يخاف منه العوارض من المطر ونحوه، فيشقُّ الخروج لكلِّ صلاةٍ منهما، فاستُحبَّ تأخير الأولى من المجموعتين؛ ليقرب (٨) من وقت الثَّانية؛ لكي يخرج لهما خروجًا واحدًا؛ طلَبًا للأسهل المطلوب شرعًا (٩).

стр. 566

وعنه: لا تُؤخَّرُ، بل تُعجَّل مع الغيم، وهو ظاهر الخِرَقِيِّ و «الكافي» و «التَّلخيص»؛ إذ مطلوبية (١) التَّأخير في عامَّة الأحاديث إنَّما وردت في الحرِّ. وفيه وجه: يُستحَبُّ التَّأخير لكلِّ مصلٍّ، وظاهر كلام أبي الخَطَّاب: يؤخِّر الظُّهرَ لا المغرب. وأمَّا الجمعة؛ فيسنُّ تقديمها مطلقًا، قال سهل بن سعد: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلاَّ بعد الجمعة» (٢)، وقال سلَمة بن الأكوع: «كنَّا نجمِّع مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ نرجع نَتَتَبَّع (٣) الفيء» متفق عليهما (٤). وتأخيرها لمن لم تجب عليه الجمعة إلى بعد صلاتها، ولمن يرمي الجمرات حتَّى يرميها؛ أفضل. (ثُمَّ الْعَصْرُ)، وهو العشِيُّ، قال الجوهري: (والعصران: الغداة والعشِيُّ، ومنه سمِّيت (٥) صلاة العصر) (٦). وذكر الأزهري مثله: (تقول (٧): فلان يأتي فلانًا العصرين والبردين؛ إذا كان يأتيه طرفي النهار) (٨)، فكأنَّها سمِّيت باسم وقتها. (وَهِيَ الْوُسْطَى)، مؤنَّث الأوسط، وهو والوسط: الخيار، وفي صفة النَّبيِّ ﷺ : أنَّه من أوسط قومه؛ أي: من خيارهم (٩)، وليست بمعنى متوسِّطة؛ لكون

стр. 567

الظهر هي الأولى، بل بمعنى (١) الفُضْلى، وفي الصَّحيحين: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «شَغَلونا عن الصَّلاة الوُسطى حتَّى غابت الشَّمسُ»، ولمسلم: «شَغَلونا عن الصَّلاة الوسطى (٢) صلاة العصر» (٣)، وقاله أكثر العلماء من الصَّحابة وغيرهم، وصحَّحه النووي، قال المَاوَرْدِيُّ: (هذا مذهب الشَّافعي)، قال: (وإنَّما نصَّ على أنَّها الصُّبح؛ لأنَّه لم تبلغه (٤) الأحاديث الصَّحيحة في العصر) (٥). وقيل: هي الصُّبح. وقيل: الظُّهر. وقيل: المغرب؛ لأنَّها وتر النهار ولا تُقصر. وقيل: هي العشاء. وقيل: إحدى الخمس مبهمة (٦). وقيل: جميعها. وقيل: الجمعة. (وَوَقْتُهَا: مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ)، وهو إذا صار ظلُّ كلِّ شيء مثلَه سوى فَيْءِ الزَّوال، ومقتضاه: أنَّ بخروج وقت الظُّهر يدخل وقت العصر، من غير فاصِلٍ بين الوقتَين، هذا هو المعروف في المذهب؛ لحديث جابر: «أنَّ جبريلَ صلَّى بالنَّبيِّ صلى الله عليهما العصرَ حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه في اليوم الأوَّل» (٧). وظاهر الخِرَقِيِّ و «التَّلخيص»: أنَّ بينهما وقتًا فاصلاً، فلا تجب إلاَّ بعد الزِّيادة.

стр. 568

وآخِرُ وقتِها المختار (١): (إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ) في روايةٍ نقلها الأثرم وغيرُه (٢)، وصحَّحها في «الشَّرح»، وابن تَميم، وجزم بها في «الوجيز»، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لما روى عبدُ الله بن عَمْرٍو: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «وقت العصر ما لم تَصْفرَّ الشَّمس» رواه مسلم (٣). (وَعَنْهُ: إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) سوى ظلِّ الزَّوال إن كان، وهي اختيار الخِرَقِي وأبي بكر والقاضي وكثير من أصحابه، وقدَّمها في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنَّبيِّ ﷺ في اليوم الثَّاني حين صار ظلُّ كلِّ شَيءٍ مِثلَيه، وقال: «الوقت فيما بين هذين» (٤). وفي «التَّلخيص»: (أنَّ ما بينهما وقت جواز، ثمَّ هو وقت ضرورة إلى غروبها)، وفي «الكافي»: (أنه (٥) إذا خرج وقت الاِختيار بقي (٦) وقت الجواز إلى الغروب)، قال ابن تميم: (وظاهر «الرَّوضة» أنَّ وقت العصر يخرج بالكلِّيَّة بخروج وقت الاختيار). (ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ)، وهو الذي يجوز تأخير الصَّلاة إلى آخره من غير عذر، وجزم (٧) في «المحرَّر» و «الشَّرح»: أنَّه لا يحلُّ تأخيرها عن وقت الاختيار إلاَّ لعذر، وظاهر كلام غيرهما الكراهة. (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ)، وهو الذي تقع الصَّلاة فيه أداءً، ويأثم فاعلُها

стр. 569

بالتَّأخير إليه لغير عذر (إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ)؛ لأنَّ مقتضى (١) الأحاديث ذهاب الوقت بعد ما (٢) ذُكر فيها، تُرك العمل به في الإدراك قبل غيبوبة الشَّمس؛ فيبقى ما عداه على مقتضاه. وظاهره: أنَّ وقت العصر يبقى إلى الغروب في حقِّ المعذور وغيره، هذا هو المعروف في المذهب، وعليه أكثر العلماء؛ لقوله ﵇: «من أدرك من العصر ركعةً قبل أن تغرب الشَّمس؛ فقد أدركها» متفق عليه (٣)، وحينئذٍ لا فرق بين المعذور وغيره إلاَّ في الإثم (٤) وعدمه، فالمعذور له التَّأخير، وغيره ليس له ذلك ويأثم به. وظاهر الخِرَقِيُّ وابن أبي موسى: أنَّ الإدراك مختصٌّ بمن له ضرورة؛ كحائض طهرت، وصبيٍّ بلغ، ومجنون أفاق، ونائمٍ استيقظ، وذمِّيٍّ أسلم، وألحق ابن عبدوس به: الخباز والطَّباخ والطَّبيب إذا خَشُوا تَلَف ذلك. وعلى هذا: من لا عذر له لا يدركها بذلك، بل تفوت بفوات وقتها المختار، وتقَع منه (٥) بعد ذلك قضاءً، وقاله بعض العلماء، وهو أحد احتمالي ابن عبدوس، ووجَّهه الزَّركشي. (وَتعْجِيلُهَا) في أوَّل الوقت (أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) (٦)، وهو قول أكثر العلماء؛ لما روى أبو بَرْزَةَ الأَسْلَميُّ قال: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي العصر، ثمَّ

стр. 570

يَرجِع (١) أحدُنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمسُ حيَّة» (٢) وعن رافِع بن خَدِيجٍ قال: «كنَّا نصلِّي العصر مع النَّبيِّ ﷺ ثمَّ نَنحَر الجَزور، ثمَّ نَقسِم (٣) لحمَها عشرةَ أجزاءٍ، ثمَّ تُطبخ (٤) فنأكل (٥) لحمًا نضيجًا (٦) قبل أن تغيب (٧) الشَّمسُ» متَّفَقٌ عليهما (٨)، والأحاديث الثَّابتة تدل على هذا؛ فمنها: ما رَوى التِّرمذيُّ مرفوعًا أنه (٩) قال: «الوقت الأوَّل في الصَّلاة (١٠) رضوانُ الله، والوقتُ الآخِر (١١) عفوُ الله» (١٢).

стр. 571

وعنه: مع غَيم، نقله صالح (١)، قاله القاضي، ولفظ روايته: (يؤخِّر (٢) العصر أحبُّ إليَّ، آخِر وقت العصر عندي ما لم تَصفَرَّ الشمس)، فظاهره مطلقًا (٣). تنبيه: قد استفيد من كلامهم: أنَّ من الصَّلوات ما له إلاَّ وقت واحد؛ كالظُّهر، والمغرب، والفجر على المختار، وما له ثلاثة؛ كالعصر والعشاء؛ وقت فضيلة وجوازٍ وضرورة، وفي كلام بعضهم: أنَّ لها وقت فضيلة ووقتَ اختيار على الخلاف، ووقتَ جواز على قول، ووقتَ كراهة؛ أي: تأخيرها إلى الاصفرار، ووقتَ تحريم، أي: تحريم التَّأخير إليه، ومعناه: أن يبقى ما لا يَسعُ الصَّلاة. فائدة: يسنُّ الجلوس بعدها إلى الغروب، وبعد الفجر إلى طلوعها، ولا يستحبُّ ذلك في بقيَّتها، نَصَّ عليه (٤)، ذكره ابن تميم.

стр. 572

(ثُمَّ الْمَغْرِبُ)، وهو في الأصل مصدر غربت الشَّمس، بفتح الرَّاء وضمِّها، غُروبًا ومغربًا، ويطلق في اللغة على وقت الغروب ومكانه، فسمِّيت هذه بذلك؛ لفعلها في هذا الوقت، (وَهِيَ الْوَتْرُ)؛ أي: وتر النَّهار (١)، وليس مراده الوتر المشهور، بل إنَّها وتر لكونها ثلاثَ ركعات. (وَوَقْتُهَا: مِنْ مَغِيبِ الشَّمْسِ) إجماعًا (٢)؛ للأحاديث المستفيضة بذلك، وغَيبوبةُ الشَّمس سقوطُ قُرْصها، وحكى الماوردي: أنَّه لا بدَّ من غيبوبة الضَّوء المسْتَعْلِي عليها (٣). قلت: ويعرف الغروب في العمران بزوال الشُّعاع من رؤوس الجبال، وإقبال الظَّلام من المشرق. ويمتدُّ وقتُها (إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ)، قال النَّوَوِيُّ: (وهذا هو الصَّحيح أو الصَّواب (٤) الذي لا يَجُوزُ غيرُه) (٥)؛ لأنَّه ﵇ «صلَّى المغرب حين غابتِ الشَّمس، ثمَّ صلَّى المغرب في اليوم الثَّاني حين غاب الشَّفقُ» (٦)،

стр. 573

وعن عبد الله بن عمْرٍو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وقتُ المغرب ما لم يَغِبِ الشَّفَقُ» رواهما مسلمٌ (١)، ولأنَّ ما قبل مغيب الشَّفق وقت لاستدامتها، فكان وقتًا لابتدائها؛ كأوَّل وقتها. وقال (٢) م ش (٣) في المشهور عنهما: لها وقت واحدٌ مضيَّق مُقَدَّرٌ (٤) آخره بالفَراغ منها. وقالتِ الشَّافعيَّةُ (٥): هو عُقَيبَ غروب الشَّمس بقَدْر ما يتطهَّر ويَستُرُ عَورتَه، ويؤذِّن ويُقِيم، ويُصلِّي خمسَ ركعات، قال بعضُهم: (وأكل لُقَمٍ يَكسِر بها (٦) سَورة الجُوع (٧)، والصَّحيح عندهم: أنَّه يأكل حتَّى يشبع (٨)؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنَّبيِّ ﷺ في اليَومَين (٩) حين غابتِ الشَّمس (١٠).

стр. 574

وأجيب: بحمله على الاستحباب والاختيار، وتأكيد فعلها أول الوقت، وما سبق على الجواز، مع أنَّها متضمِّنة لزيادة، وهي متأخِّرة عن حديث جبريل؛ لأنَّه كان أوَّل فرض الصَّلاة بمكَّة، وأحاديثُنا بالمدينة، فتكون ناسخةً لما يخالفها على تقدير التَّعارض. (الْأَحْمَرِ)، كذا ذكره مُعظَم الأصحاب، قال النَّوويُّ: (وهو قول جمهور الفقهاء وأهل اللُّغة) (١)؛ لما روى ابن عمر (٢) مرفوعًا قال: «الشَّفقُ الحُمْرةُ (٣)» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ، والصحيح وقفه (٤)، ولأنَّ الشَّمس أوَّل ما تَغرُب يَعقُبها شُعاعٌ، فإذا بعُدت عن الأفق قليلاً زال الشُّعاع، وبقِيَتْ حمرة، ثمَّ تَرِقُّ الحمرة، وتنقلب صفرةً، ثمَّ بياضًا على حسب البُعْد. وعنه: الشَّفَقُ البياضُ، روي عن أبي هريرة (٥) وأنس (٦)؛ لأخبار لا حجَّة فيها إن صحَّت.

стр. 575

وعنه: هو الحمرة في السَّفر، وفي الحضر البياض، اختاره الخِرَقِيُّ، وعلَّله: بأنَّ (١) في الحضر قد تنزل الحمرة فتُواريها الجدرانُ، فيُظنُّ (٢) أنَّها قد غابت. والأوَّل أصحُّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦)﴾ [الانشقاق: ١٦]، وقد قال الخليل بن أحمد وغيره: البياض لا يغيب إلاَّ عند طلوع الفجر (٣). (وَتَعْجِيلُهَا) أوَّلَ وقتها (أَفْضَلُ) إلاَّ لعذر إجماعًا (٤)؛ لما رَوى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يصلِّي المغربَ إذا وَجَبتْ» (٥)، وعن رَافِع بن خَدِيجٍ قال: «كنَّا نصلِّي المغرب (٦) مع النَّبيِّ ﷺ ، فينصرف أحدُنا وإنَّه ليبصر مواقِع نَبله» متَّفَقٌ عليهما (٧)، ولما فيه من الخروج من الخلاف. (إِلاَّ لَيْلَةَ جَمْعٍ)، وهي ليلة المزدَلِفةِ، سمِّيت جَمْعًا؛ لاجتماع الناس فيها، وهي ليلة عيد الأضحى، (لمن قصدها)؛ أي: لمُحرِم قصدها، فيستحَبُّ له

стр. 576

تأخيرها ليصلِّيَها مع العشاء الآخِرةِ، إجماعًا (١)؛ لفعل النَّبيِّ ﷺ (٢). وكلامهم يقتضي: لو دفع من عرفة قبل الغروب، وحصل بالمزدلفة وقت الغروب؛ لم يؤخِّرها، ويصلِّيها في وقتها. وظاهره: تعجيلها أفضلُ ولو مع غَيْم في روايةٍ، وهو (٣) ظاهر «المستوعب» و «الكافي» و «التَّلخيص». وفي أخرى: يُسنُّ تأخيرها معه، وهو الذي في «المحرَّر»، وقدَّمه في «الرِّعاية». وهل ذلك لكلِّ مُصَلٍّ، أو لمن يخرج إلى الجماعة؟ فيه وجهان. فائدة: لا يُكرَه تسميتُها بالعشاء، وبالمغرب أولى. (ثُمَّ الْعِشَاءُ)، قال الجوهري: (العَشِيُّ والعشِيَّةُ من صلاة المغرب إلى العَتَمة) (٤)، والعِشاء بالكسر والمدِّ مثلُه، وهو اسم لأوَّل الظَّلام، سمِّيت الصَّلاة بذلك؛ لأنَّها تفعل فيه، ويقال لها: عِشاءُ الآخِرَةِ، وأنكره الأَصمَعِيُّ، وغلَّطوه في إنكاره (٥). (وَوَقْتُهَا: مِنْ مَغِيبِ الشَّفَقِ)؛ أي: المعهود، وهو (الْأَحْمَرُ) إن كان في مكان يظهر له الأفق، وإن كان في مكان يستَتِرُ عنه الأفق بالجبال أو نحوها؛ استظهر حتَّى يغيب البياض، فيستَدِلُّ به على غيبوبة الحمرة لا لنفسه.

стр. 577

ويمتَدُّ (إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ)، نَصَّ عليه (١)، واختاره الأكثر؛ لأنَّ جبريل صلاَّها بالنبي ﷺ في اليوم الأوَّل حين غاب الشَّفق، وفي اليوم الثَّاني (٢) حين كان ثلث اللَّيل الأول، ثمَّ قال: «الوقت فيما بين هذين» رواه مسلمٌ (٣)، وعن عائشةَ قالت: «كانوا يصلُّون العَتَمة فيما بين أن يغيب الشَّفق إلى ثلث اللَّيل» رواه البخاري (٤). (وَعَنْهُ: نِصْفِهِ)؛ أي: يمتَدُّ وقت الاختيار إلى نصف اللَّيل، اختاره القاضي وابن عَقِيل والشَّيخانِ، وقدَّمه ابن تميم، قال في الفروع (٥): (وهو أظهر)؛ لما رَوى أنَسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخَّرها إلى نصف اللَّيل، ثمَّ صلَّى، ثمَّ قال: «ألا صلَّى النَّاس وناموا، أما إنَّكم في صلاةٍ ما انتظرتُموها» متَّفَقٌ عليه (٦)، وعن عبد الله بن عَمْرو مرفوعًا قال: «وقت العشاء إلى نصف اللَّيل» رواه مسلمٌ (٧). وفي «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ الأَوْلى أنَّها لا تؤخَّر عن ثلث اللَّيل؛ لأنَّه يجمع الرِّواياتِ، والزِّيادة تعارضت فيها الأخبار، وصحَّحه الحُلْوَانِيُّ. لكن يقال: ثبت تأخيرها إلى نصف اللَّيل عنه ﵇ قولاً وفعلاً، وهو زيادة على الثُّلث، فيكون الأخذ به أَوْلى. وفي «الوجيز»: يسنُّ تأخيرُها إلى ثلث اللَّيل إن سَهُل. وفي «التَّلخيص»: ما بينهما وقت جوازٍ.

стр. 578

(ثُمَّ يَذْهَبُ وَقْتُ الاِخْتِيَارِ) على الخلاف فيه، (وَيَبْقَى وَقْتُ الضَّرُورَةِ)؛ أي: الإدراك (إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي)؛ لقوله (١) ﵇: «ليس في النَّومِ تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليقَظَة، أن تُؤَخَّرَ (٢) صَلاةٌ إلى أن يدخل وقتُ صلاةٍ أخرى» رواه مسلم من حديث أبي قتادة (٣)، ولأنَّه وقت للوتر، وهو من توابع العشاء، فاقتضى أن يكون وقتًا لها؛ لأنَّ التَّابع إنَّما يُفعل في وقت المتبوع؛ كركعتي (٤) الفجر. والحكم فيه حكم الضَّرورة في وقت العصر على ما ذكرناه. ويحرم تأخيرُها عن وقت الاختيار بلا عذر، ذكره الأكثر. وقدَّم في «الرِّعاية» وغيرِها الكراهة. وظاهر «الرَّوضة»: يخرج الوقت مطلقًا بخروج وقت الاختيار (٥). ولم يذكر في «الوجيز» لها وقت ضرورة، قال في «الفروع»: (ولعله اكتفى بذكره في العصر، وإلاَّ فلا وجه لذلك). ورَوى سعيدٌ عن ابن عبَّاس: «أنَّه كان يَستحِبُّ تأخيرها مطلقًا» (٦)، قال النَّووِيُّ: (لم يقل أحد من الأئمَّة: إنَّ تأخيرها إلى بعد نصف اللَّيل أفضل من التَّقديم) (٧).

стр. 579

(وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ)، هذا بيان لمعنى الفجر الثَّاني، ويُسمَّى المستطير؛ لانتشاره في الأفق، قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسَان: ٧]؛ أي: منتَشِرًا فاشِيًا ظاهِرًا. والفجرُ الأوَّلُ الكاذِبُ: المستطيلُ بلا اعتراض، أزرق، له شُعاعٌ ثمَّ يُظْلِمُ، ولدِقَّته يسمَّى ذَنَب السِّرحان، وهو الذِّئْب؛ لأنَّ الضَّوء يكون في الأعلى دون الأسفل؛ كما أنَّ الشَّعر يكون على أعلى الذَّنب دون أسفله. وقال محمَّدُ بن حسنويه: (سمعت أبا عبد الله يقول: الفجر يطلع بليل، ولكنَّه يستره أشجار جِنان عدْن) (١)، وهذا قريب ممَّا تقدَّم في زوال الشَّمس، لا بدَّ من ظهوره لنا، ولا يكفي وجوده في نفس الأمر. (وَتَأْخِيرُهَا) إلى آخر وقتها المختارِ بحيث يفعلها فيه (أَفْضَلُ مَا لَمْ يَشُقَّ)، في قول أكثر العلماء من الصَّحابة ومَن بعدهم؛ لما رَوى أبو بَرْزَةَ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يَستَحبُّ أن يُؤَخِّرَ العِشاءَ التي تدعونها العَتَمة» متَّفَقٌ عليه (٢)، وروى أبو هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم أن يؤخِّروا العِشاء إلى ثلث اللَّيلِ أو نصفِه» رواه أحمد، والتِّرمذي وصحَّحه (٣). ومحلُّه ما لم تؤخَّرِ (٤) المغربُ لغَيم أو جَمْع. وظاهره: أنَّه إذا شقَّ على المأمومِين - والأصحُّ: أو على بعضهم-؛ فإنَّه

стр. 580

يُكرَه، ونَصَّ عليه في رواية الأثرم (١)؛ لأنَّه ﵇ كان يأمر بالتَّخفيف رِفْقًا بهم (٢). وظاهِرُه: أنَّها تؤخَّر ولو مع غَيم. وعنه: يُستَحبُّ تعجيلها معه. وهل ذلك لكلِّ مصلٍّ، أو لمن يخرج إلى الجماعة؟ فيه وجهان، ذكرهما ابن تميم. نعم؛ ويلتحق بما ذكره: عادم الماء العالم أو الرَّاجي وُجُودَه في آخر الوقت؛ أنَّ التَّأخير أفضل، وكذا تأخيرها لمصلِّي كسوف إن أمِن فوتَها، ولو أمره والده بتأخيرها ليصلِّي معه أَخَّر، نَصَّ عليه (٣)، ويقدَّم في الكل إذا ظن مانعًا منها. فائدة: لا يُكرَه تسميتُها بالعَتَمة في الأصحِّ، وهي في اللُّغة: شدَّة الظُّلمة، والأفضل أن تسمَّى العشاء. فرع: يكره النَّوم قبلها؛ لحديث أبي برزة (٤) الأسلمي (٥)، متفق عليه. وعنه: بلا مُوقِظٍ؛ «لأنَّه ﵇ رخَّص لعليٍّ» رواه أحمد (٦).

стр. 581

والحديث بعدها في الجملة إلاَّ لشغل (١) وشيءٍ يسير، والأصحُّ: وأهلٍ وعيالٍ. وسبب الكراهة: أنَّ نومه يتأخَّر، فيخاف منه تفويت الصُّبح عن وقتها أو عن أوَّلِه، أو يفوته قيام اللَّيل ممَّن يعتاده، وعلَّله القُرطُبِيُّ: بأنَّ الله جعل اللَّيل سكَنًا (٢)، وهذا يخرجه عن ذلك. ويُستثنى منه: ما إذا كان في خير؛ كقراءة حديثٍ، ومذاكرةِ فقه، وحكايات الصَّالحين، وإيناس الضَّيف؛ لأنَّه خيرٌ ناجِزٌ، فلا يترك لمفسدة متوهَّمة (٣). (ثُمَّ الْفَجْرُ)، سمِّي به؛ لاِنفجارِ الصُّبح، وهو ضوء النَّهار إذا انشقَّ عنه اللَّيل، وقال الجوهري: (هو في (٤) آخِر اللَّيل؛ كالشَّفق في أوله، وقد أفجرنا كما تقول (٥): قد أصبحنا من الصُّبح) (٦)، وهو مثلَّثُ الصَّاد، حكاه ابن مالك (٧)، وهو ما جمع بياضًا وحُمرة، والعرب تقول: وجه صبيح؛ لما فيه من بياض وحمرة.

стр. 582

ولا يُكرَه تسميتُها بصلاة الغداة في الأصحِّ، وهي من صلاة النهار، نَصَّ عليه (١). (وَ) أوَّلُ (وَقْتِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) إجماعًا (٢)، ويُسمَّى الصَّادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصُّبح، ويمتدُّ وقتها المختار (إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ)؛ لما روى عبد الله بن عمرو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وقت الفجر ما لم تطلع الشَّمس» رواه مسلم (٣). وقال القاضي وابن عَقيل وابن عبدوس: يذهب وقت الاختيار بالإسفار، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشَّمس، قدَّمه في «الرِّعاية». فعلى هذا؛ يُكرَه التَّأخير بعد الإسفار بلا عذر، وقيل: يَحرُم. قال ابن البَنَّاء: وبطلوع الشَّمس وغروبها يعتبَرُ في كلِّ بلد بحسبه. فائدة: وقت الفجر يَتبَعُ اللَّيلَ، فيكون في الشِّتاء أطول من الصَّيف، والعشاء على العكس. قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (ومن زعم أنَّ وقت العشاء بقدر حصَّة الفجر في الشَّتاء وفي الصَّيف، فقد غلِط غلَطًا بيِّنًا باتِّفاق النَّاس) (٤). (وَتَعْجِيلُهَا) أوَّلَ الوقت إذا تيقَّنه أو غلب على ظنِّه (أَفْضَلُ)، قدَّمه في «الكافي» و «المستوعب» و «الرِّعاية»، ونصره المؤلِّف، وجزم به في «الوجيز»، قال في «الفروع»: (وهي أظهر)؛ لما رَوتْ عائشةُ قالت: «كُنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاةَ الفجر متلفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلِبْنَ إلى بيوتهنَّ حين يَقضِين الصَّلاةَ ما يعرفهنَّ أحد من الغَلَس» متَّفَقٌ عليه (٥)، وعن

стр. 583

أبي مسعود الأنصاريِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ غلَّس بالصُّبح، ثمَّ أسفر، ثمَّ لم يَعُد إلى الإسفار حتَّى مات» رواه أبو داود وابن خزيمة في «صحيحه»، قال الحازمي: (إسناده ثقات، والزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ) (١)، قال ابن عبد البَرِّ: (صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكر وعمرَ وعثمانَ أنَّهم كانوا يغلِّسون (٢)، ومحالٌ أن يتركوا الأفضلَ وهم النِّهاية في إتيان الفضائل) (٣). (وَعَنْهُ: إِنْ أَسْفَرَ الْمَأْمُومُونَ (٤)؛ فَالْأَفْضَلُ الْإِسْفَارُ)، وهو الذي في «التَّحقيق»، وجزم به الشَّريف وأبو الحسين، وأبو الخَطَّاب في «رؤوس المسائل»، قال الحُلْوانِيُّ: (العملُ عليها)، وصحَّحها ابن عَقيل، قال القاضي:

стр. 584

نقلها عبدُ الله والحسن بن ثواب (١)؛ لفعله ﵇ في العِشاء، فينبغي أن يكون في الفجر مثلُه، ولمَّا بعث النَّبيُّ ﷺ مُعاذًا إلى اليمن فقال (٢): «يا معاذُ إذا كان الشِّتاءُ فغلِّسْ بالفجرِ، وإذا كان الصَّيفُ فأسفرْ؛ فإنَّ اللَّيلَ قصيرٌ، والنَّاسُ ينامُون» رواه أبو سعيد الأُمَوِيُّ في «مغازيه» والبَغَوِيُّ في «شرح السُّنَّة» (٣). وظاهره: اعتبار حال المأمومين كلِّهم، والمذهب كما صرَّح به الشِّيرازيُّ والجَدُّ: أو أكثرهم، ولعلَّه مراد من أطلق. وعنه: الإسفار أفضل مطلقًا؛ لما روى الطحاويُّ عن محمَّد بن خُزَيمةَ، عن القَعْنَبِيِّ، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: «ما اجتمع أصحاب النَّبيِّ ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير» (٤)، وعن عليٍّ وابنِ مسعود: «أنَّهما كانا يُسفِران بها» رواه سعيدٌ (٥)، وعن رافع بن خَدِيج:

стр. 585

أنَّ النَّبيَّ ﷺ (١) قال: «أسفِروا بالفجر؛ فإنَّه أعظمُ للأجر» رواه أحمد وأبو داود، وصحَّحه ابن حبَّان (٢). ويُستثنى من ذلك: الحاجُّ بمزدَلِفةَ. لكن حكى التِّرمذيُّ عن الشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ: أنَّ معنى الإسفار أن يضيء الفجر فلا يُشَكُّ فيه (٣)، قال الجوهري: (أسفر الصُّبح، أي: أضاء) (٤)، يقال: أسفرتِ المرأةُ عن وجهها؛ إذا كشفته وأظهرته. (وَمَنْ أَدْرَكَ تَكْبِيَرةَ الْإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا؛ فَقَدْ أَدْرَكَهَا)، جزم به في «التَّلخيص»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، واختاره أبو الخَطَّاب؛ لما رَوتْ عائشةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أدركَ سجدةً مِنْ العصر قبلَ أن تغربَ الشَّمسُ، أو مِنْ الصُّبح قبل أن تطلُعَ الشَّمسُ؛ فقد أدركها» رواه مسلم، وللبخاريِّ: «فليُتِمَّ صلاتَهُ» (٥)، وكإدراك الجمعة، والمسافِر صلاةَ المُقِيم. وذكر القاضي: أنَّه يدركها بإدراك أيِّ جزء كان، قال: وهو ظاهر كلام الإمام. وظاهره: لا فرق بين أن يكون أخَّرها لعذر؛ كحائض تَطهُر، ومجنونٍ يُفيق، أو لغيره. ومحلُّه في غير الجمعة، كما قيَّده في «الوجيز» وغيرِه، وهو الأصحُّ فيها.

стр. 586

وعنه: لا تدرك (١) بدون ركعة، اختارها الخِرَقِيُّ، وصحَّحها الحُلْوانيُّ؛ لتخصيص الشَّارع الإدراك بالرَّكعة، وهو متَّفقٌ عليه من حديث أبي هريرة (٢)، وكالجمعة. ومقتضاه: أنَّ الصَّلاةَ كلَّها أداءٌ إذا وقع بعضها خارج الوقت في ظاهر المذهب، ولو صلَّى دون ركعة، ولهذا ينويه، وقطع به أبو المعالي في المعذور؛ اعتبارًا بالتَّحريمة. وقيل: قضاءً؛ اعتبارًا بالسَّلام؛ فإنَّه وقت سقوط الفرض. وقيل: الخارج عن الوقت. ولا تبطل (٣) بخروج وقتها (٤) وهو فيها هـ (٥) في الفجر؛ لوجوبها كاملةً، فلا تؤدَّى ناقصةً، ومثله عصر أمسه تغرب وهو فيها. (وَمَنْ شَكَّ فِي) دخول (الْوَقْتِ؛ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ)؛ لأنَّ الأصل عدم دخوله، فلو صلَّى مع الشَّكِّ؛ لم يصحَّ وإن أصاب، كما لو صلَّى مَنْ اشتبهت عليه القِبلة من غير اجتهاد. وقال ابن حمدان: من أحرم بفرض مع ما ينافيه، لا مع ما ينافي الصَّلاة، عمدًا أو جهلاً أو سهوًا؛ فسَد فرضُه، ونفله يحتمل وجهين. فلو غلب على ظنِّه دخولُه؛ كمن له صنعة جرت عادته بعمل شيء مقدَّر إلى وقت الصَّلاة، أو قارئ جرت عادته بقراءة شيء فقرأه؛ جازت صلاته، جزم به جماعةٌ؛ لأنَّه أمر اجتهادِيٌّ، فاكتُفي فيه بغلبة الظَّنِّ كغيره، ولأنَّ

стр. 587

الصَّحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظَّنِّ (١)، ولا يعيد بحال، صرَّح به في «المحرَّر»، إلاَّ أن يتبين أنَّ صلاتَه قَبلَ الوقت. وأمَّا إذا تيقَّن؛ كالعالِم بالمواقيت ودقائق السَّاعات وبسَيْر (٢) الكواكب إذا لم يكن في السَّماء عِلَّة ولا مانع؛ فمن باب أَوْلى. وقيل: إن قدر على اليقين؛ لم يعمل بالظَّن، وهو ظاهر ما قدَّمه ابن تميم. (فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ)؛ أي: بدخول الوقت (مُخْبِرٌ) ثِقةٌ (٣) (عَنْ يَقِينِ) علم؛ بأن قال: رأيت الفجر طالِعًا، والشَّفقَ غارِبًا؛ (قَبِلَ قَوْلَهُ)؛ لأنَّ خبره مع الثِّقة يفيد وجوب العمل به، ولأنَّه خبر دِينيٌّ أشبه الرِّواية، وظاهره: ولو أمكنه اليقين. (وَإِنْ كَانَ عَنْ ظَنٍّ؛ لَمْ يَقْبَلْهُ)؛ لأنَّه يقدر على الصَّلاة باجتهاد نفسه (٤)، وتحصيل (٥) مثل ظنِّه، أشبه حال اشتباه القبلة، زاد ابن تميم وغيره: إلاَّ أن يتعذَّر عليه الاجتهادُ، فيعمَل بقوله. والأعمى والمطمور القادران على التَّوصُّل بالاستدلال؛ كالبصير القادر (٦)؛ لاستوائهما (٧) في إمكان التَّقدير بمرور الزَّمان. فإن كان الأعمى عاجزًا عن معرفته بنفسه؛ قلَّد بصيرًا عالِمًا به، فإن عَدِم من يقلِّده، فاجتهد وصلَّى؛ أعاد إن أخطأ، وإلاَّ فلا، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه،

стр. 588

وسيأتي، والأصحُّ: أنَّه يعيد مطلقًا. تذنيب: إذا سمع أذان ثقة عارف بالوقت؛ فله تقليده؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّه لا يؤذِّن إلاَّ بعد دخول الوقت، فجرى مجرى خبرِه، ولأنَّه مؤتَمَن، لكن قال ابن عَقيل وأبو المعالي وابن تميم: لا يعمل به في دار الحرب حتَّى يعلم إسلامَه. وفي كتاب أبي المعالي و «الرِّعاية»: لا أذان في غَيم؛ لأنَّه عن اجتهاد، ويجتهد هو، فدلَّ أنَّه لو عرف أنَّه يعرف الوقت بالسَّاعات، أو تقليدِ عارِفٍ؛ عمل به، جزم به المجْدُ، وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (قال بعض أصحابنا: لا يعمل بقول المؤذِّن مع إمكان العلم بالوقت، وهو خلاف مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبَرِين) (١). قلت: ومن الأَمارات: صياح الدِّيك المجرَّب، وكثرة (٢) المؤذِّنين. (وَمَتَى اجْتَهَدَ) قال الجَوهريُّ: (الاجتهادُ بَذلُ الوُسع في المجهود) (٣)، وفي «الرَّوضة»: الاجتهاد التَّامُّ: أن يبذل الوسع في الطَّلب إلى أن يحسَّ (٤) من نفسه بالعجز عن مزيد طلب، (وَصَلَّى، فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ)؛ أجزأه؛ لأنَّ الصَّلاة وقعت الموقع؛ لكونه أدَّى ما خُوطِب به وفُرض عليه (٥). (أَوْ مَا بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ)؛ لأنَّ الصَّلاة تقع بعد الوقت قضاءً، وهو مسقِطٌ للفرض، ومجزِئٌ عنه (٦).

стр. 589

(وَإِنْ (١) وَافَقَ قَبْلَهُ؛ لَمْ يُجْزِئْهُ)؛ لأنَّه أدَّاها قبل وقت الوجوب، ويكون نفلاً، صرَّح به في «الوجيز» و «الرِّعاية»، وكذا إذا ظنَّ أنَّ عليه فائتةً فأحرم بها، فبان أنَّها ليست عليه. وقيل: تبطل. وذكر ابن تميم وغيره: أنَّه إذا أخبره ثقةٌ عن علمٍ أنَّه صلَّى قبل الوقت؛ أعاد، وإلاَّ فلا. ولا بدَّ من الفرق فيما إذا اجتهد في القبلة وصلَّى؛ فلا إعادة عليه وإن أخطأ، بخلاف الاجتهاد في الوقت، والفرق بينهما: أنَّ المجتهِد في القِبلة أدَّى (٢) الصَّلاة بعد وجوبها عليه، وفي الوقت أدَّاها قبل وجوبها، ثمَّ تجدد (٣) سبب الوجوب. وأيضًا: فإنَّ تحصيل اليقين في الوقت ممكن، بخلاف القِبلة، ذكره ابن المُنَجَّى (٤)، وفي الآخير نظر. (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ) وهو مكلَّف (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ)؛ أي: تكبيرة الإحرام، ولكن أطلقه أحمد والأصحاب، فلهذا قيل: بجزء، (ثُمَّ) طرأ ما يسقط الفرض عنه، كما إذا (جُنَّ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ؛ لَزِمَهُمُ الْقَضَاءُ)، ذكره الأكثرُ، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّها وجبت بدخول الوقت، والأصل عدم سقوطها، وكآخر الوقت، وكالتي أمكن أداؤها. وظاهر كلامهم: أنَّ المسألة مصوَّرة بدخول الوقت، ولكن إدراك جزء من الوسط كذلك.

стр. 590

وعنه: أنَّه لا قضاء عليه إلاَّ أن يدرك منه ما يتمكَّن من فعلها، اختاره ابن أبي موسى وابن بَطَّة، كما لو طرأ العذر قبل دخول الوقت. واختار الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: أن يضيق الوقت (١). وفي وجوب الثَّانية من صلاتي الجمع بوجوب الأُولى روايتان: إحداهما: يجب، ويلزمه قضاؤها، كما لو أدرك جزءًا من وقت العصر. والثَّانية (٢): لا، وهي الأصحُّ؛ لأنَّه لم يدرك شيئًا من وقتها، ولا (٣) وقت تَبَعِها، أشبه من لم يدرك شَيئًا، بخلاف الثَّانية؛ فإنَّها تُفعل تَبَعًا للأُولى، فمُدرِك (٤) وقتها مدرِكٌ لجزء (٥) من وقتِ تَبَعِ (٦) الأُولى. (وَإِنْ) طرأ تكليف؛ بأن (بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ولو (بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ)، وهو الأصحُّ، وقيل: يجزئ كبعض تكبيرة، وفي «الفروع»: (وظاهر ما ذكره أبو المعالي حكاية القول بإمكان الأداء، وقد يؤخذ منه حكاية القول بركعة، فيكون فائدة المسألة، وهو متَّجِهٌ)؛ (لَزِمَهُمُ الصُّبْحُ)؛ أي: صلاة الصُّبح؛ لما تقدَّم من قوله: «من أدرك سجدةً من الفجر قبل أن تطلع الشَّمسُ فقد أدركها» (٧)، فقوله: سجدةً؛ أي: مقدار سجدة.

стр. 591

(وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لَزِمَهُمُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ)؛ لما روى سعيد والأثرم عن ابن عبَّاس وعبد الرحمن بن عوف أنَّهما قالا: «إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشَّمس؛ صلَّت الظُّهرَ والعصر، وإذا رأت الطُّهر قبل أن يطلع الفجر صلَّت المغرب والعشاء»، ورواه الخلاَّل والبَيْهَقِيُّ عن عبد الرَّحمن، وفي الإسناد ضعف (١)، ولم يعرف لهما في الصَّحابة مخالِفٌ، قال أحمد: (عامَّة التَّابعين يقولون به إلاَّ الحسن وحده قال: لا يجب إلاَّ الصَّلاة التي طهرت (٢) فيها) (٣)؛ لأنَّ وقت الثَّانية وقت للأُولى حال العذر، فإذا أدركه (٤) المعذور؛ لزمه فرضها، كما يلزمه (٥) فرض الثَّانية، ولأنَّ ما دون الرَّكعة تجب به الثَّانية، فوجبت (٦) به الأولى كالرَّكعة. وظاهره: ولو لم يتَّسع لفعلها، وقدر ما تجب به الثَّانية، ولا يُعتَبَر زمن يتَّسِع للطَّهارة، نَصَّ عليه (٧).

стр. 592

(وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لَزِمَهُمُ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ)؛ لما ذكرناه، وعلَّل أبو الخَطَّاب ذلك: بأنَّ من لزمه عصر يومه لزمه ظهر يومه؛ كالمُغمَى عليه إذا أفاق قبل الغروب. (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ) بعذر أو غيرِه؛ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) وفاقًا (١). وقال بعضُ الظَّاهريَّةِ: إنَّ غير المعذور لا يَقضِي (٢)، واختاره الشيخ تقي الدين (٣)، وحكاه ابن (٤) كج عن ابن بنت الشَّافِعِيِّ (٥)، وحكمتُه: التَّغليظُ عليه. (عَلَى الْفَوْرِ (٦) في المنصوص (٧)، إن لم يتضرَّر في بدنه أو معيشةٍ (٨) يحتاجها، نَصَّ عليه (٩)؛ لما رَوى أنسٌ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من نام عن

стр. 593

صلاةٍ أو نسِيَها فليصلِّها إذا ذكرها» متَّفقٌ عليه، ولفظه للبخاريِّ (١)، وفي روايةٍ: «مَنْ نسيَ صلاةً فوقتُها إذا ذكرها» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ بإسنادٍ فيه ضَعفٌ (٢)، فأمر بالصَّلاة عند الذِّكر، والأمر للوجوب، وإنَّما تحوَّل ﵇ بأصحابه لمَّا ناموا، وقال: «إنَّ هذا منزلٌ حضرنا فيه الشَّيطانُ» (٣)؛ لأنَّه سُنَّة، كفعل سُنَّة قبل الفرض. وقيل: لا يجب القضاء على الفور. وعلى الأول: يجوز التَّأخير لغرض صحيحٍ؛ كانتظار رُفقةٍ أو جماعةٍ للصَّلاة. (مُرَتَّبًا) على الأصحِّ؛ لما روى جابِرٌ عن عمرَ بن الخطَّاب: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ فاتته صلاةُ العصر يوم الخندق، فصلاَّها بعدما غربت الشَّمس، ثمَّ صلَّى بعدها المغرب»، متفق عليه (٤)، وعن ابن عمر مرفوعًا: «من نسيَ صلاةً فلم يذكرها إلاَّ وهو مع الإمام؛ فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي، ثم ليعد الصَّلاة التي صلاها مع الإمام (٥)» رواه أبو بكر، وأبو يعلى المَوصِليُّ بإسنادٍ حسَنٍ (٦)، ولأنَّها صلواتٌ مؤقَّتات، فوجب التَّرتيب فيها كالمجموعتَين، ولأنَّ القضاء يحكي الأداء.

стр. 594

فظاهره: يختصُّ بحالة العذر. وجوابه: أنَّه إذا وجبت الفوريَّة والتَّرتيب على المعذور؛ فغيره أَوْلى، وإنَّما قيَّده بالنِّسيان؛ لأنَّه قد خرج على سبب. وعنه: لا يجب التَّرتيب، قاله في «المبهج»؛ لأنَّ كلَّ واحدة عبادة مستقلَّة، والأداء إنَّما كان واجبًا في الأوَّل لضرورة الوقت؛ وكالصَّوم (١). وأسقط القاضي في موضعٍ الفوريَّةَ والتَّرتيبَ فيما زاد على خمس. وعلى الأوَّل: التَّرتيب شرط لصحَّتها، فلو أخلَّ به؛ لم يصحَّ؛ كالرُّكوع والسُّجود. قال في «الفروع»: (ويتوجَّه احتمال: يجب التَّرتيب ولا يعتبر للصِّحَّة). مسألة: يُستَحَبُّ أن يصلِّي الفائتة جماعة. ومن شكَّ فيما عليه من الصَّلاة؛ فإن شكَّ في زمن الوجوب؛ قضى ما يعلم وجوبه، وإن شكَّ في الصَّلاة بعد الوجوب؛ قضى ما يعلم فيه (٢) براءة ذمَّته، نَصَّ عليه (٣). (قَلَّتْ) الفوائتُ (أَوْ كَثُرَتْ)؛ لأنَّ التَّرتيب واجِبٌ، فلم يَسقُط بالكثرة، كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، لكن إذا قلَّت الفوائت؛ قضاها بسنَّتِها، وإن كثرت فالأَوْلى الاقتصار على الفرض؛ لفعله (٤) ﵇ يوم الخندق (٥).

стр. 595

واستثنى أحمد سنَّة الفجر، وقال: (لا يهملها) (١)، وقال في الوتر: (إن شاء قضاه، وإن شاء فلا) (٢)، ونقل مُهنَّى: (يقضي سنَّة الفجر لا (٣) الوتر) (٤)؛ لأنَّه دونها. وأطلق القاضي وغيره: يقضي السُّنن والوتر كما يقضي غيره من الرَّواتب، نَصَّ عليه (٥). ولا يصحُّ نفل مطلق على الأصحِّ؛ لتحريمه، كأوقات النَّهي. وكذا يتخرَّج في النَّفل المبتدَأ بعد الإقامة، أو عند ضيق وقت المؤدَّاة مع علمه بذلك وتحريمه. فائدة: قال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (إن عجز فمات بعد التَّوبة؛ غُفر له) (٦)، قال: (ولا تسقط بحجٍّ، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثَّلاثة، ولا غير ذلك) (٧). (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ)؛ سقط وجوب التَّرتيب في الصَّحيح المشهور في المذهب؛ لئلاَّ تصيرا فائتتَين، وفعل الحاضرة آكد؛ بدليل أنَّه يُقتل بتركها بخلاف الفائتة، ولأنَّ ترك التَّرتيب أيسرُ من ترك الوقت. وعنه: لا يسقط، اختاره الخلاَّل؛ لأنَّه ترتيب، فلم يسقط بضيق الوقت؛ كترتيب الرُّكوع والسُّجود. ونقل ابن منصور: (إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتَّسع لها وقت الحاضرة؛

стр. 596

صلى الحاضرة (١) في أوَّل وقتها) (٢)، وهي اختيار أبي حفص، وصحَّحه في «المغني»؛ لأنَّه إذا لم يكن بدٌّ من الإخلال بالتَّرتيب؛ ففعلها في أوَّل الوقت ليحصل (٣) فضيلة الوقت والجماعة أَوْلى، ولأنَّ فيه مشقَّةً، فإنَّه يتعذَّر معرفة آخِر الوقت في حقِّ أكثر النَّاس. فعلى الأوَّل: المراد بفوات الحاضرة: ضيق وقتها حتَّى لا يتَّسع لفعلهما جميعًا. وقيل: ما لا يتَّسع لفعل الفائتة وإدراك الحاضرة. وهل خروج وقت الاختيار كخروج الوقت؟ فيه وجهان. ولا يشتغل عن الحاضرة بالقضاء، فإن خالف وقضى؛ صحَّ، نَصَّ عليه (٤)، لا نافلة في الأصحِّ. وظاهره: لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها، فإنَّ خوف فوت الجمعة كضيق (٥) الوقت في سقوط التَّرتيب، نصَّ عليه (٦)، فيصلِّي الجمعة قبل القضاء. وعنه: لا يسقط، قال جماعة: لكنْ عليه فعل الجمعة في الأصح، ثمَّ يقضيها ظهرًا. فإن كان الذي عليه الفائتة الإمام في الجمعة، وصلاَّها مع ذكره، فإن سقط التَّرتيب لضيق الوقت؛ صحَّت الجمعة، وقضى ما عليه، وإن قلنا: لا

стр. 597

يسقط؛ أعاد الجمعة إن (١) كان الوقت باقيًا. فإن ذكر الفائتة قبل إحرامه بالجمعة؛ استناب فيها، وقضى الفائتة، فإن (٢) أدرك الجمعة مع نائبه (٣)، وإلاَّ صلَّى ظهرًا. وإن لم يفعل، وصلَّى بهم؛ فعلى الخلاف. وقيل: يلزمه أن يقضي، ثمَّ يأتي بما يدرك به الجمعة، وهو أشبه. (أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ) بين فوائت حالَ قضائِها، أو بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتَّى فرَغ منها؛ (سَقَطَ وُجُوبُهُ)، وليس عليه إعادةٌ، نصَّ عليه في رواية الجماعة (٤)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لأمَّتي عن الخطأ والنِّسيان» (٥)، ولأنَّ المنسيَّة ليس عليها أَمَارة، فجاز أن يؤثِّر فيها النِّسيان؛ كالصِّيام.

стр. 598

وعنه: لا يسقط مع النِّسيان؛ كالمجموعتَين. وجوابه: أنَّه لا يتحقَّق فيهما؛ إذ لا بدَّ من نيَّة الجمع، وهو متعذِّر (١) مع النِّسيان. وظاهره: لا فرق بين أن يكون ذكر الفائتة ثمَّ نسيها، أو لم يسبق لها ذكر. وأنَّه لا يسقط التَّرتيب بخشية فوات الجماعة في الحاضرة على الأصحِّ. ولا بالجهل بوجوبه (٢) في الأصحِّ؛ لأنَّه نادرٌ، ولأنَّه (٣) اعتقد بجهله خلاف الأصل، وهو التَّرتيب، فلم يعذر. فلو صلَّى الظُّهر، ثمَّ الفجر جاهلاً، ثمَّ صلَّى العصر في وقتها؛ صحَّت عصره (٤) لاعتقاده (٥) لا صلاة عليه، كمن صلاها ثمَّ تبيَّن (٦) أنَّه صلَّى الظُّهر بلا وضوء؛ أعاد الظُّهر.

стр. 599

وإن نسي ظهرًا وعصرًا من (١) يومين، وجهل السَّابقة؛ فعنه: يبدأ بالظُّهر، ثمَّ بالعصر؛ اعتبارًا بالتَّرتيب الشَّرعي. وعنه: يتحرَّى. فإن استويا؛ فعنه: بما شاء. وعنه: يصلِّي ظهرين بينهما عصرًا، وبالعكس؛ لأنَّه أمكنه أداء فرضه بيقين، قال في «المغني»: وهو القياس. فرع: إذا ذكر فائتةً في حاضرةٍ؛ أتمَّها غير الإمام. وعنه: وهو نفلاً. وقيل: فرضًا. وعنه: تبطل (٢). وإن نسي صلاةً من خمس يجهل عينَها؛ صلَّى خمسًا، نصَّ عليه (٣)، بنيَّة الفرض. وعنه: فجرًا، ثمَّ مغربًا، ثمَّ رُباعيةً. وإن ترك عشر سجدات من صلاة شهر (٤)؛ قضى صلاة عشرة أيَّام؛ لجواز تركه كلَّ يوم سجدة، ذكره أبو المعالي.

стр. 600

(بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) العورة في اللُّغة: النُّقصان، والشَّيء المستقبَح، ومنه كلمة عَوراء، أي: (١) قبيحة، فهي سوءة الإنسان، وكلُّ ما يُستحيا منه، وسمِّيت عورةً؛ لقبح ظهورها. ثمَّ إنَّها تطلق على ما يجب سترها في الصَّلاة، وهو المراد هنا، وعلى ما يحرم النَّظر إليه، وسيأتي في النِّكاح. (وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) في قول أكثر العلماء، قال ابن عبد البَرِّ: (أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلَّى عريانًا) (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعرَاف: ٣١]، لأنَّها وإن كانت نزلت بسبب خاصٍّ؛ فالعبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، ولقوله ﵇: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلاَّ بخمارٍ» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي وحسَّنه من حديث عائشة، ورواه الحاكم، وقال: (على شرط مسلم) (٣)، والمراد بالحائض: البالِغ، ولأنَّه ﵇: «نهى عن الطَّوافِ بالبيتِ عُريانًا» (٤)، فالصَّلاة أَوْلى؛ لأنَّها أعلى وآكد منه.
следующие страницы →