← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ المَقْتُولُ مَعْصُومًا)؛ أيْ: مَعْصومَ الدَّم؛ لأِنَّ القِصاصَ إنَّما شُرِعَ حِفْظًا للدِّماء المعْصُومةِ، وزَجْرًا عن إتْلافِ البُنْيةِ المطْلُوبِ بَقاؤها، وذلك معدومٌ في غَيرِ المعْصُومِ. (فَلَا يَجِبُ القِصَاصُ (١) بِقَتْلِ حَرْبِيٍّ (٢)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٣)، ولا يَجِبُ بقَتْله دِيةٌ، ولا كفَّارَةٌ؛ لأِنَّه مُباحُ الدَّم على الإطْلاق كالخِنْزيرِ، ولأِنَّ اللهَ تعالَى أَمَرَ بقَتْلِه، فقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوبَة: ٥]، وسَواءٌ كان القاتِلُ مُسلِمًا أوْ ذَمِّيًّا. (وَلَا مُرْتَدٍّ (٤)؛ لأِنَّه مُباحُ الدَّم، أشْبَهَ الحَرْبِيَّ. (وَلَا زَانٍ مُحْصَنٍ)؛ أي: لا يَجِبُ بقَتْلِه قِصاصٌ، ولا دِيَةٌ، ولا كفَّارةٌ؛ كالمرتَدِّ. وحَكَى بعضُهم وَجْهًا: أنَّ على قاتله (٥) القَوَدَ؛ لأِنَّ قَتْلَه إلى الإمام؛ كمَنْ عليه القِصاص إذا قَتَلَه غَيرُ مستحِقِّ دمِه (٦). وجَوابُه: بأنَّه مُباحُ الدَّم، مُتَحَتِّمٌ قَتْلُه، فلم يُضْمَن (٧) كالحربيِّ.

стр. 5357

وظاهِرُه: ولو قَبْلَ ثبوته (١) عِنْدَ حاكِمٍ، قال في «الرِّعاية» و «الفروع»: والمُرادُ قَبْلَ التَّوبة؛ فَهَدرٌ، وإنْ بَعْدَها إنْ قُبِلَتْ ظاهِرًا؛ فكإسْلامٍ طارئٍ (٢). فدلَّ (٣) أنَّ طَرَفَ مُحصَنٍ كمُرتَدٍّ، لا سِيَّما وقَولُهم: عُضْوٌ مِنْ نَفْسٍ وَجَبَ قَتْلُها، ولكِنْ يُعزَّرُ؛ لِلاِفْتِياتِ على وليِّ الأمر؛ كَمَنْ قَتَلَ حَرْبِيًّا. (وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذِمِّيًّا)، فيه تنبيهٌ على مُساواةِ الذِّمِّيِّ للمُسلِمِ في ذلك؛ لأِنَّ القَتْلَ منهما صادَفَ مَحَلَّه. ويَحتَمِلُ: قَتْلُ (٤) الذِّمِّيِّ بالزَّاني المحْصَنِ، قاله في «التَّرغيب»، لأنَّ الحدَّ لنا (٥)، والإمام (٦) نائبٌ. قال في «الرَّوضة»: إنْ أَسْرَعَ وليُّ قتيلٍ أوْ أجنبيٍّ فَقَتَلَ قاطِعَ طريقٍ قَبْلَ وصوله (٧) الإمامَ؛ فلا قَوَدَ؛ لأِنَّه انْهَدَرَ دَمُه، وظاهِرُه: ولا دِيَةَ، ولَيسَ كذلك. (وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ (٨) يَدَ مُرْتَدٍّ أَوْ حَرْبِيٍّ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمْ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهِ السَّهْمُ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه لم يجنِ (٩) على معصومٍ، ولأِنَّه رَمَى مَنْ هو مأمورٌ بِرَمْيِه، فلم يَضمَنْ؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في التَّضمين بحالِ ابْتِداءِ الجناية (١٠)؛ لأِنَّها مُوجِبَةٌ،

стр. 5358

وحالُها لم يكن (١) كلٌّ من الحَربيِّ والمرتَدِّ أهْلاً لأن (٢) يُضمَنَ، فلم يكُنْ على الجاني شَيءٌ؛ لِفَواتِ الأهْلِيَّة المشْتَرَطة لِوُجوبِ الضَّمان. وظاهِرُه: أنَّه لا قِصاصَ ولا دِيةَ عليه، وجَعَلَه في «التَّرغيب» كمَنْ أسْلَمَ قَبْلَ الإصابةِ. (وَإِنْ رَمَى مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ؛ فَلَا قِصَاصَ)؛ لأِنَّه رَمَى مَنْ لَيسَ بمعصومٍ، أشْبَهَ الحَرْبيَّ، (وَفِي الدِّيَةِ وَجْهَانِ): أحدُهما: لا تَجِبُ، وهو الأشْهَرُ؛ كرِدَّةِ مسلِمٍ، وكالحَرْبِيِّ. والثَّاني: تجب؛ لأِنَّ الرَّمْيَ هُنا مُحرَّمٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الاِفْتِياتِ على الإمامِ، وكتَلَفِه بِبِئْرٍ حُفِرَتْ. وقِيلَ: كمُرتَدٍّ؛ لتفريطه؛ إذْ قتله (٣) لَيسَ إليه. والعَمَلُ على الأوَّلِ، قاله الحُلْوانيُّ. فائدةٌ: قال في (٤) «الرِّعاية»: وإنْ رَمَى مُرتَدًّا أوْ حَرْبِيًّا، فأصابَه بَعْدَ إسْلامِه، فَماتَ؛ فهَدرٌ، كما لو بانَ أنَّ الحَربِيَّ كان قد أسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ وكَتَمَ إسْلامَه، وقِيلَ: تَجِبُ الدِّيَةُ، وقِيلَ: للمُرتَدِّ فقطْ، وهي كديةِ (٥) حُرٍّ مسلِمٍ مخففة (٦) على عاقِلَتِه، وقِيلَ: يقتل (٧) به. (وَإِنْ قَطَعَ يَدَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ (٨) وَمَاتَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي أَحَدِ

стр. 5359

الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو الأصحُّ؛ لأِنَّها نَفْسُ مُرتَدٍّ غَيرِ مَعصومٍ ولا مَضمونٍ، بدليلِ ما لو (١) قَطَعَ طَرَفَ ذِمِّيٍّ فصار حَربِيًّا، ثُمَّ ماتَ مِنْ جِراحِه. وأمَّا اليَدُ؛ فالصَّحيحُ: أنَّه لا قَوَدَ فيها. أصْلُهما: هل يفعل (٢) به كفِعْلِه، أم في النَّفس فقطْ؟ وهل يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ أمْ قَريبُه؟ فيه وَجْهانِ: أصلهما (٣): هل مالُه فَيْءٌ أمْ لورثته؟ والوَجْهُ الثَّاني: يَجِبُ؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَه، ثُمَّ جاء آخَرُ فَقَتَلَه. وجَوابُه: بأنَّه قَطْعٌ صار قَتْلاً لم يَجِبْ به القَتْلُ، فلم يَجِبْ به القَطْعُ؛ كما لو قَطَعَ مِنْ غَيرِ مَفْصِلٍ. وظاهِرُه: أنَّه لا تَجِبُ دِيَةُ الطَّرَف في وَجْهٍ؛ لأِنَّه قَتْلٌ لغَيرِ مَعْصومٍ. وتجب (٤) في آخَرَ؛ لأِنَّ سقوط (٥) حُكْمِ سِرايَةِ الجُرْح لا يُسقِطُ ضَمانَه؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَ رَجلٍ، ثُمَّ قَتَلَه آخَرُ، فعلى هذا: يَجِبُ ضَمانُه. فَلَوْ قَطَعَ يديه (٦) ورِجْلَيهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ وماتَ؛ ففِيهِ دِيَتانِ؛ لأِنَّ الرِّدَّةَ قَطَعَتْ حُكْمَ السِّرايَة. وعلى الأوَّل: يَجِبُ عَلَيهِ الأقلُّ مِنْ دِيَةِ النَّفْس أو الطَّرَفِ، يَسْتَوْفِيهِ الإمامُ. (وَفِي الآْخَرِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ)؛ لأِنَّ المجْنِيَّ عَلَيهِ حالَ القَطْع كان مُكافِئًا، والقَتْلُ بسبَبِ القَطْعِ غَيرُ مُوجِبٍ للقِصاص هُنا، فَوَجَبَ القَطْعُ؛ لاِنْتِفاءِ إفْضائِه إلى القِصاص في النَّفس، (أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لِمَا سَبَقَ.

стр. 5360

وقِيلَ: لا قَوَدَ ولا دِيَةَ في عَمْدِ ذلك ولا خَطَئِه؛ لأِنَّ الجُرحَ صارَ بالسِّرايَة نَفْسًا، فيَدخُلُ القطع (١) فيه تَبَعًا، ولو قَتَلَه في تِلْك الحالِ لم يَضمَنْه، فكذا إذا ماتَ بالسِّرايَةِ. (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ؛ وَجَبَ (٢) الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ) مَع العَمْد، أو الدِّيَةُ مع الخَطَأ، (فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، ونَصَّ عليه في روايةِ محمَّدِ ابنِ الحَكَم (٣)؛ لأِنَّه مُسلِمٌ حالَ الجناية (٤) والموتِ؛ فوَجَبَ القِصاصُ بقَتْلِه، كما لو لم يَرتَدَّ. وأمَّا الدِّيَةُ فتَجِبُ كامِلةً، وقِيلَ: نِصفُها؛ لأِنَّها من (٥) جُرْحٍ مَضمُونٍ، وسرايةٍ (٦) غيرِ مَضْمونةٍ، كما لو جَرَحَه إنْسانٌ وجَرَحَ نَفْسَه، وماتَ مِنهُما. (وَقَالَ الْقَاضِي): يَتوَجَّهُ عِنْدِي، واخْتارَه في «التَّبصرة»، (إِنْ كَانَ زَمَنَ الرِّدَّةِ مِمَّا تَسْرِي فِيهِ الْجِنَايَةُ؛ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ كما لو (٧) عفا (٨) بعضُ المستَحِقِّينَ، ولهذا لو وُجِدَت الرِّدَّةُ في أحَدِ الطَّرَفَينِ؛ لم يجب (٩) القِصاصُ، ويَجِبُ نصفُ الدِّيَة، وقِيلَ: كلُّها. وهل تَجِبُ في الطَّرَف الذي قُطِعَ في إسْلامِه؟ فيه وَجْهانِ. تنبيهٌ: إذا رَمَى مسلمًا (١٠)،

стр. 5361

فلم يَقَعْ به (١) السَّهْمُ حتَّى ارتَدَّ؛ فلا ضَمانَ عليه، وفي دية (٢) الجُرْحِ رِوايَتانِ: إحداهما: حالَ الإصابة. والثَّانيةُ: حالَ السِّرايَة. وهَل الاِعْتِبارُ في القتل بحال (٣) الرَّامِي، أوْ بحالِ الإصابة؟ فيه وَجْهانِ، قال في (٤) «الرعاية»: والأَوْلَى أنَّ كلَّ جِنايَةٍ تُهدَرُ ابتِداءً تُهدَرُ دَوامًا، وإنْ تغيَّرَ الحالُ بعدُ، وما ضُمِنَ ابْتِداءً ضُمِنَ دَوامًا. ويُعتَبَرُ المِقْدارُ بالآخِرَة، فلو تَبدَّلَ حالُ الرَّامِي والمَرْمِيِّ بَينَ الإصابة (٥) والرَّمْيِ؛ فلا قَوَدَ حتَّى يَكمُلَ حالُها في الطَّرَفَينِ، وفي تَحمُّلِ العَقْلِ؛ يُعتَبَرُ الطَّرَفانِ والواسِطةُ. وإذا كان المَرمِيُّ مَضمونَ الدَّم في الطرفين (٦)؛ اعْتُبِرَ الضَّمانُ بالآخِرة. وإنْ كان مضمونًا حِينَ الرَّمْيِ دُونَ الإصابة؛ فَهَدرٌ، وإنِ انْعَكَسَ؛ ضَمِنَ حالَ الإصابة.

стр. 5362

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُكَافِئًا لِلْجَانِي)؛ لأِنَّ المَجْنِيَّ عليه إذا لم يكُنْ مُكافِئًا للجاني، فيكونُ آخِذه (١) آخِذًا به لأِكثرَ مِنْ الحقِّ. (وَهُوَ أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الدِّينِ (٢)؛ لقوله ﵇: «المؤمِنونَ تَتَكافَأُ دِماؤهم، ويَسعَى بذِمَّتِهم أدْناهم، ولا يُقتَلُ مُؤمِنٌ بكافِرٍ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وفي لفظٍ (٣): «ولا يُقتَلُ مُسلِمٌ بكافِرٍ»، وعن عليٍّ قال: «مِنْ السُّنَّة ألاَّ يُقتَلَ مُؤمِنٌ (٤) بكافِرٍ» رواهُ أحمدُ (٥)، ولأِنَّ الكافِرَ مَنقُوصٌ بالكُفْر، فلا يُقتَلُ به المسْلِمُ؛ كالمسْتَأْمَنِ. لا يُقالُ: الآياتُ والأخبار (٦) الدَّالَّةُ على قَتْلِ المسْلِمِ بمِثْلِه شامِلةٌ لِقَتْلِ المسْلِمِ بالكافِرِ؛ لأِنَّه يَجِبُ تخصيصُها بما ذُكِرَ.

стр. 5363

وقد رَوَى البَيْلماني (١): «أقاد مسلِمًا بذِمِّيٍّ»، قيل (٢): قال أحمدُ: لَيسَ له إسناد (٣)، وقال أيضًا (٤): هو مُرسَلٌ، وقال الدَّارَقُطْنِيُّ: البَيْلماني (٥) ضعيفٌ إذا أسْنَدَ؛ فكَيفَ إذا أرْسَلَ (٦). (والْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ)؛ لقَولِ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ: «لا يُقتَلُ حرٌّ بعبدٍ» رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٧)، ولأِنَّهما شَخْصانِ لا يَجْري بَينَهما القِصاصُ في الأطراف السَّليمةِ، فلم يَجِبْ في النَّفس؛ كالأُبوَّة، ولأِنَّه مَنقوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقتَلْ به الحُرُّ؛ لِرُجْحانِه عليه بوَصْفِ الحرِّيَّة. (فَيُقْتَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ أَوِ الْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ (٨) الحُرِّ أَوِ العَبْدِ (٩)

стр. 5364

بِمِثْلِهِ)؛ لحصولِ المُكافَأَةِ بَينَهما، ويُقتَلُ الذِّمِّيُّ بمِثْلِه، اتَّفَقَتْ أدْيانُهم أو اخْتَلَفَتْ، نَصَّ عليه في النَّصرانيِّ يُقتَلُ بالمجُوسِيِّ (١)، وذِمِّيٌّ بمُسْتَأْمَنٍ وعَكْسه، والعبدُ المسلمُ بمِثْلِه في قَولِ أكثرِهم؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى … ﴾ الآية [البَقَرَة: ١٧٨]، وكتَفاوُتِ الفَضائِلِ؛ كالعِلْمِ والشَّرَف، لا مُكاتَبٍ بعَبْدِه، ويُقتَلُ بعَبْدِه ذي الرَّحِم المُحرَّمِ في الأَشْهَرِ. فإنْ قتَلَ رقيقٌ مسلمٌ رقيقًا مسلِمًا كذِمِّيٍّ (٢)؛ ففي جَوازِ القَوَد وَجْهانِ، وإنْ تَساوَت القِيمةُ. وإنْ قَتَل عبدٌ ذِمِّيٌّ عبدًا مسلِمًا؛ قُتِلَ به. ويُقتَلُ قِنٌّ بمُكاتَبٍ في الأصحِّ، فإنْ كانا لسيدٍ (٣)؛ فلا قَوَدَ في وَجْهٍ. ويُقتَلُ كلٌّ منهما بالمدبَّر، وأمِّ الوَلَد، وبالعَكْس. فرعٌ: إذا قَتَلَ مَنْ بَعضُه حُرٌّ مِثْلَه، أوْ أكثرَ منه حُرِّيَّةً؛ قُتِلَ به (٤) في الأصحِّ، ولا يُقتَلُ بعبدٍ، ولا يُقتَلُ به حرٌّ. (وَيُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى)، بغَيرِ خِلافٍ (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المَائدة: ٤٥]، و «لأِنَّه ﵇ قَتَلَ يهوديًّا رضَّ رأسَ جاريةٍ بَينَ حَجَرَينِ» (٦)، ولأِنَّهما شَخْصانِ يُحَدُّ كلُّ واحِدٍ منهما بِقَذْفِ الآخَرِ، فقُتِل (٧) به؛ كالرَّجُل بالرَّجُل. (وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ)، في قَولِ عامَّتِهم؛ لأِنَّها دُونَه.

стр. 5365

(وَعَنْهُ: يُعْطَى الذَّكَرُ نِصْفَ الدِّيَةِ إِذَا قُتِلَ بِالْأُنْثَى)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، ثَنَا هُشَيمٌ، أنَا يُونُسُ، عن الحَسَن، عن عليٍّ، قال: «يُقتَلُ الرَّجُلُ بالمرأة، ويُعْطَى أوْلياؤه نصفَ الدية» (١)، ولأِنَّ دِيَتَها نِصْفُ دِيَتِه، فَوَجَبَ أنْ يُعْطَى ذلك؛ ليَحصُلَ (٢) التَّساوِي. (وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ إِلاَّ أَنْ تَسْتَوِيَ قِيمَتُهُمَا)؛ لأِنَّه بَدَلُ مالٍ، فيعتبر (٣) فيه التَّساوِي؛ كالقيمة، (وَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ). والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ للنَّصِّ، ولأِنَّه قِصاصٌ، فلا يُعتَبَرُ فيه التَّساوِي في القيمة؛ كالأحرار. ولم يَتعرَّض المؤلِّفُ للخُنْثَى، وحاصِلُه: أنَّه يُقتَلُ كلُّ واحِدٍ من الذَّكَر والأنْثَى بالخُنْثى، ويُقتَلُ بهما؛ لأِنَّه إمَّا رجلٌ أو امرأةٌ. (وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ)؛ لأِنَّه «﵇ قَتَلَ يهودِيًّا بجاريةٍ» (٤)، ولأِنَّه إذا قُتِلَ بمِثْلِه؛ فمَنْ فوقه (٥) أَوْلَى. (وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ)؛ لأِنَّه أكملُ (٦) منه، أشْبَهَ قَتْلَ الكافِرِ بالمسْلِم.

стр. 5366

(وَالْمُرْتَدُّ بِالذِّمِّيِّ)؛ لأِنَّ المرتدَّ كافِرٌ، فيُقتَلُ بالذِّمِّيِّ كالأصليِّ؛ ولأنَّ (١) المرتَدَّ أسْوَأُ حالاً من الذِّمِّيِّ؛ لأِنَّه مُهدَرُ الدَّم، بخِلافِ الذِّمِّيِّ. فَعَلَى هذا: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يَبْقَى على رِدَّتِه، أوْ يَعودَ إلى الإسلام، ونَبَّهَ عَلَيهِ بقَولِه: (وَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٢)؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في القِصاص بحالِ الجِنايَة، وحالةُ المرتدِّ والذِّمِّيِّ سَواءٌ بالنِّسبة إلى نَفْسِ الكُفْر. (وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) مطلقًا (٣)، في قَولِ أكثرِ العلماء، منهم عمرُ (٤)، وعُثْمانُ (٥)،

стр. 5367

وعليٌّ (١)، وزَيدٌ (٢)؛ لقوله ﵇: «لا يُقتَلُ مسلِمٌ بكافِرٍ» رواهُ البخاريُّ (٣). وظاهِرُه: ولو ارْتَدَّ، ولأِنَّه مَنقُوص بالكفر، فلا (٤) يُقتَلُ به المسلِمُ؛ كالمسْتَأْمَنِ. وقِيلَ: يُقتَلُ به؛ للعُمومات، وأنَّ (٥) الخبر (٦) في الحربيِّ؛ كما يُقطَعُ بسَرِقةِ ماله. وفي (٧) كلامِ بعضهم: حكمُ المال غَيرُ حُكْمِ النَّفْس، بدليلِ القَطْع بسَرِقةِ مالِ زانٍ مُحصَنٍ، وقاتِلٍ في محاربة (٨)، ولا يُقتَلُ قاتِلُهما. والفَرْقُ: أنَّ مالَهما باقٍ على العِصْمة؛ كمالِ غَيرِهما، وعِصمةُ دَمِهِما زالَتْ. وعَجِبَ أحمدُ مِنْ قَولِ الشَّعبيِّ والنَّخَعِيِّ: أنَّه يُقتَلُ المسْلِمُ بالمجوسيِّ،

стр. 5368

واسْتَشْنَعَه (١)؛ لأِنَّه لَيسَ بمحقون (٢) الدَّمِ. (وَلَا حُرٌّ (٣) بِعَبْدٍ)؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، فدلَّ على أنَّه لا يُقتَلُ به الحرُّ، ولِمَا رَوَى أحمدُ عن عليٍّ أنَّه قال: «من السُّنَّة أن (٤) لا يُقتَلَ حرٌّ بعبدٍ»، وعن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا مِثلُهُ، رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٥)، ولأِنَّه لا يُقطَعُ طَرَفُه بطَرَفِه مع التَّساوِي في السَّلامة، فلا يُقتَلُ به؛ كالأبِ مع ابْنِه. ويتوجَّه: عَكْسُه، وهو قَولُ ابنُ المسيِّب والنَّخَعِيِّ، ولأِنَّه آدَمِيٌّ مَعصومٌ أشْبَهَ الحرَّ. وجَوابُه: أنَّه مَنقُوصٌ بالرِّقِّ، فلم يُقتَلْ به الحُرُّ؛ كالمكاتَبِ إذا مَلَكَ ما يُؤدِّي. (إِلاَّ أَنْ يَقْتُلَهُ وَهُوَ مِثْلُهُ، أَوْ يَجْرَحَهُ، ثُمَّ يُسْلِمَ الْقَاتِلُ، أَوِ الْجَارِحُ، أَوْ يَعْتِقَ، وَيَمُوتَ الْمَجْرُوحُ؛ فَإنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٦). وحاصِلُه: أنَّ الاِعْتِبارَ في التَّكافُؤِ بحالةِ الوُجوب؛ كالحَدِّ، فعلى هذا: إذا قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أوْ جَرَحَه، ثُمَّ أسْلَمَ الجارِحُ، وماتَ المجْروحُ، أوْ قَتَلَ عَبْدٌ عبدًا، أوْ جَرَحَه، ثمَّ عَتَقَ القاتِلُ أو الجارحُ (٧)، ومات المجروح؛ وَجَبَ القِصاصُ؛ لأِنَّهما متكافئان (٨) حالَ الجِنايَةِ، ولأِنَّ القِصاصَ قد وَجَبَ، فلا

стр. 5369

يَسقُطُ بما طَرَأَ؛ كما لو جُنَّ، ذَكَرَه الأَصْحابُ. وقِيلَ: لا يُقتَلُ به، وقاله (١) الأَوْزاعِيُّ؛ كما لو كان مُؤمِنًا حالَ قَتْلِه. والأوَّلُ أقْيَسُ، لا (٢) يُقالُ: لِمَ اعْتُبِرَت المكافَأةُ عِنْدَ ذلك؟ لأِنَّ القِصاصَ عُقوبةٌ، فكان الاِعْتِبارُ فيها (٣) بحالِ الوُجوب دُونَ الاِسْتِيفاءِ، ولأِنَّ القِصاصَ حقٌّ (٤) وَجَبَ عليه قَبْلَ إسْلامِه وعِتْقِه، فلم يُسقِطه (٥) الإسلامُ؛ كسائِرِ الحُقوقِ. (وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، أَوْ جَرَحَ حُرٌّ (٦) عَبْدًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ وَعَتَقَ، وَمَاتَ؛ فَلَا قَوَدَ)؛ لأِنَّ المكافأةَ معدومةٌ حالةَ الجِنايَةِ، (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِ ابْنِ حَامِدٍ)، قدَّمه في «المحرَّر»، و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الاِعْتِبارَ في الأَرْشِ بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية (٧)، بدليلِ ما لو قَطَعَ يَدَيْ رَجلٍ ورِجلَه (٨)، فَسَرَى إلى نفسه ففيه دِيَةٌ واحدةٌ؛ اعْتِبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية، ولو اعْتُبِر حالُ الجناية؛ وجبت (٩) دِيَتانِ. وللسيِّد أقلُّ الأَمْرَينِ من نصفِ قِيمتِه، أوْ نصفِ ديةِ حرٍّ، والباقي لورثته. وقِيلَ: الدِّيةُ لسيِّده؛ لوجوبها عليه قَبْلَ العتق، وما زاد منها على أرْشِ الجناية إرْثٌ.

стр. 5370

(وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ)، والقاضي وأصحابِه، وابنِ حامِدٍ فيما حكاه ابنُ عَقِيلٍ عنه (١) في «التذكرة»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: (عَلَيْهِ فِي الذِّمِّيِّ دِيَةُ ذِمِّيٍّ، وَفِي الْعَبْدِ: قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهِ). وديةُ مسلِمٍ لوارثٍ مسلِمٍ؛ لأِنَّ حكمَ القِصاص مُعتَبَرٌ بحال الجناية، فكذا إذا أسْلَمَ أوْ عَتَقَ. نَقَلَ حنبلٌ: يأخُذُ قِيمتَه وقْتَ جِنايَتِه (٢)، وكذا دِيَتُه، نَقَلَه حَرْبٌ (٣)، إلاَّ أنْ يُجاوِزَ أرْشَ الجناية؛ فالزِّيادة للوَرَثَة، وإنْ وجب (٤) بهذه الجنايةِ قَوَدٌ؛ فطَلَبُه للورثة (٥) على هذه، وعلى الأخرى: للسَّيِّد. فرعٌ: قَتَلَ أوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أوْ عبدٌ عبدًا، ثمَّ أسْلَمَ أوْ عَتَقَ مُطلَقًا؛ قُتِلَ به (٦) في المنصوص (٧)؛ كجُنونه في الأصحِّ، وعَدَمُ قَتْلِ مَنْ أسْلَم ظاهرُ (٨) نقلِ بكرٍ (٩)؛ كإسلامِ حربيٍّ قاتِلٍ. وكذا إنْ جَرَحَ مُرتَدٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أسْلَمَ. ولَيسَتِ التَّوبةُ بَعْدَ الجُرْحِ، أو بَعْدَ الرَّمْيِ قَبْلَ الإصابة مانِعةً من (١٠) القَوَدِ في ظاهِرِ كلامِهم، وجَزَمَ به شَيخُنا (١١)، كما بَعْدَ الزُّهوقِ، ذَكَرَه في «الفروع».

стр. 5371

(وَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى عَتَقَ وَأَسْلَمَ؛ فَلَا قَوَدَ)؛ لعدَمِ المكافَأةِ، (وَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ) للوَرَثةِ، ولا شَيءَ للسَّيِّد، (إِذَا مَاتَ مِنَ الرَّمْيَةِ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، لا نِزاعَ في وجوبِ ديةِ حرٍّ مسلِم إذا مات من الرَّمْية؛ لأِنَّ الإتْلافَ حَصَلَ لِنَفْسِ حرٍّ مُسلِمٍ، فتعين (١) أن لا قَوَدَ، قاله الخِرَقيُّ، والقاضِي، وابنُ حامِدٍ؛ إذ (٢) الرَّمْيُ جزءٌ من الجناية، ولا رَيبَ في انْتِفاءِ المكافَأَة حالَ الرَّمْيِ، وإذا عُدِمَت المكافأةُ في بعضِ الجِنايَة؛ عُدِمَتْ في كلِّها؛ إذ الكلُّ يَنتَفِي بانْتِفاءِ بعضِه، وكما لو رَمَى مُرتَدًّا فأسلم (٣). (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: (عَلَيْهِ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّه قَتَلَ مُكافِئًا له عمدًا عُدْوانًا، فوَجَبَ القَوَدُ؛ كما لو كان حرًّا مسلِمًا حالَ الرَّمْيِ، ولأِنَّ الاِعْتِبارَ بالإصابة، بدليلِ ما لو رَمَى فلم يُصِبْه حتَّى ارْتَدَّ، وكقتله (٤) مَنْ عَلِمَه أوْ ظَنَّه ذِمِّيًّا أوْ عبدًا، فكان قد أسْلَمَ أوْ عتق (٥)، أوْ قاتِلَ أبيه، فلم يَكُنْ في الأصحِّ. وفي «الرَّوضة»: إذا رَمَى مُسلِمٌ ذِمِّيًّا؛ هل يَلزَمُه ديةُ مُسلِمٍ أوْ دِيةُ كافِرٍ؟ فيه رِوايَتانِ؛ اعتبارًا بحال (٦) الإصابة أو الرَّمْيةِ، ثمَّ بَنَى مسألةَ العبد على الرِّوايتَينِ في ضَمانِه بدِيَةٍ أوْ قيمة (٧)، ثُمَّ بَنَى عليهما مَنْ رَمَى مُرتدًّا أوْ حربِيًّا فأسْلَمَ قَبْلَ وُقوعه؛ هل يَلزَمُه دية (٨) مسلمٍ، أوْ هَدرٌ؟

стр. 5372

فرعٌ: إذا رَمَى كافِرًا فأصابه (١) السَّهمُ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ؛ كانَتْ دِيَتُه لورثته المسلمين، وفي «الشَّرح»: وجوبُ المال مُعتَبَرٌ بحال الإصابة؛ لأِنَّه بَدَلٌ عن المحلِّ، فيُعتبَرُ عن المحلِّ الذي فاتَ بها، فيَجِبُ بقدره (٢)، وقد فات بها نفسُ مسلِمٍ حرٍّ، والقِصاصُ جزاءُ الفعل، فيُعتَبَرُ الفِعْلُ فيه (٣) والإصابة معًا؛ لأِنَّها طَرَفاهُ، فلذلك (٤) لم يَجِب القصاصُ بقَتْلِه، قال في «الرِّعاية»: في الأصحِّ. (وَلَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْرِفُهُ ذِمِّيًّا عَبْدًا، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ؛ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ)، جَزَمَ به الشَّيخانِ وصاحِبُ «الوجيز»؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ يُكافِئُه بغَيرِ حقٍّ، أشْبَهَ ما لو عَلِمَ حالَه. (وَإِنْ كَانَ (٥) يَعْرِفُهُ مُرْتَدًّا)، فَبانَ أنَّه قد أسْلَمَ؛ (فَكَذَلِكَ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ)؛ لأنَّه (٦) قَتَلَ مُكافِئًا عُدْوانًا عَمْدًا، والظَّاهِرُ: أنَّه لا يُخلَّى في دار الإسلام إلاَّ بَعْدَ إسْلامِه، بخِلافِ مَنْ في دارِ الحرب. (قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَلاَّ يَلْزَمَهُ) القِصاصُ؛ لأِنَّه لم يَقصِدْ قَتْلَ معصومٍ، فلم يَلزَمْه قِصاصٌ؛ كما لو قَتَلَ في دار الحرب مَنْ يَعتَقِدُه حربيًّا بعْدَ أنْ أسْلَمَ، ولا يَلزَمُه (إِلاَّ الدِّيَةُ)؛ لأِنَّ الاِرْتِدادَ سلَّطَه عليه، وَوَجَبَت الدِّيةُ؛ لِئَلاَّ يفوت (٧) القصاص لا (٨) إلى بَدَلٍ.

стр. 5373

تنبيهٌ: يُقتَلُ المكلَّفُ بطفلٍ ومجنونٍ، والعالِمُ والشَّريفُ بضِدِّهما، والصَّحيحُ بالمريض ولو قارَبَ الموت، والسَّمِينُ بالهَزِيل، وكذا فِيما دُونَ النَّفس. مسألةٌ: إذا (١) قَتَلَ حرٌّ مسلمٌ في دار الحرب مَنْ عَلِمَه أوْ ظنَّه حربيًّا، فبان أنَّه قد أسْلَمَ؛ فهَدرٌ. فلو دَخَلَها مسلمٌ بأمانٍ، فقَتَلَ بها حربيًّا قد (٢) أسْلَمَ وكَتَمَ إيمانَه؛ ففي وجوبِ الدِّيَة رِوايَتانِ. وكذلك الحُكْمُ لو قَتَلَ هذا المستأمن بدارِ الحرب مسلِمًا قد دَخَلَها بأمانٍ، ولم يَعلَمْ إسْلامَه؛ فَعَلَى الأوَّلِ: يَجِبُ على المسلِمِ المسْتَأْمَنِ ديةُ ذِمِّيٍّ.

стр. 5374

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: أَلاَّ يَكُونَ أَبًا لِلْمَقْتُولِ)؛ لأِنَّه لو لم يكُنْ مِنْ شروطه لَقُتِلَ به، واللاَّزِمُ مُنتَفٍ، (فَلَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ)، نَصَّ عليه (١)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا: «لَا يُقتَلُ والِدٌ بوَلَدِه» رواه ابنُ ماجهْ، والتِّرْمذِيُّ، مِنْ روايةِ إسماعيلَ ابنِ مسلِمٍ المَكِّيِّ، ورواهُ أحمدُ، والتِّرمذِيُّ، وابن ماجَهْ، من روايةِ حجَّاجِ بنِ أرطاة، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عمرَ (٢)، قال ابنُ عبد البَرِّ: (هو حديثٌ مشهورٌ عِنْدَ أهلِ العِلْمِ بالحِجاز والعراق، يُستغنى (٣) بشُهْرَتِه وقَبولِه والعَمَلِ به عن الإسناد، حتَّى يكونَ الإسْنادُ في مِثْلِهِ

стр. 5375

مع شُهْرَتِه تَكلُّفًا (١) (٢)، وقال ﵇: «أنْتَ ومالُكَ لأِبِيكَ» (٣)، فمقتضى (٤) هذه الإضافةِ تمليكُه إيَّاه، فإذا لم تثبت حقيقةُ الملكِيَّةِ؛ ثبتت (٥) الإضافةُ شبهةً (٦) في إسقاطِ القِصاص. وظاهِرُه: ولو اخْتَلَفَا دِينًا وحُرِّيَّةً؛ لأِنَّه كان سببًا في إيجاده، فلا يكون سببًا في إعْدامِه، إلاَّ أنْ يكونَ ولدَه (٧) مِنْ رضاعٍ أوْ زِنًى، فإنَّه يُقتَلُ به. قال في «عيون المسائل»: ولا يَلزَمُ الزَّاهِدَ العابِدَ، فإنَّ معه من الدِّين والشَّفقة ما يَردَعُه عن القتل (٨)؛ لأِنَّ رادِعَه حُكْمِيٌّ، وهو ضعيفٌ، ورادع الأب (٩) طَبْعِيٌّ، وهو أقوى (١٠)، بدليلِ أنَّه لا يُمكِنُه إزالَتُه. (وَإِنْ سَفَلَ)؛ أيْ: لا يُقتَلُ والِدٌ بِوَلَدِه وإنْ نَزَل؛ لأِنَّ الجَدَّ وإنْ عَلَا والِدٌ، فيَدخُلُ في الحديث، ولأِنَّ ذلك حكمٌ يَتعَلَّقُ بالوِلادة، فاسْتَوَى فيه القريبُ والبعيدُ؛ كالمَحْرَمِيَّة، والمعْتَقِ عليه إذا مَلَكَه، فوَجَبَ تَساوِيهما في الحُكم. (وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي ذَلِكَ (١١) سَوَاءٌ)؛ لأِنَّها أحَدُ (١٢) الوالِدَينِ فيشملها

стр. 5376

الخبرُ، ولأِنَّها أَوْلَى بالبِرِّ منه، فعلى هذا: الجَدَّةُ وإنْ عَلَتْ، مِنْ قبل (١) الأب والأمِّ؛ كالأمِّ، ولو قال: وأمٌّ كأبٍ في ذلك؛ لكان (٢) أَوْلَى. وعَنْهُ: تُقتل (٣) أمٌّ به، نَقَلَها مُهَنَّى في أمِّ الولد قتلت (٤) سيِّدَها عَمْدًا: تُقتَلُ، قال: من (٥) يَقتُلُها؟ قال: ولدُها (٦)، وكالأخِ. وعنه: يُقتَلُ أبٌ به، وقالَهُ ابنُ عبد الحَكَم، وابن (٧) المنْذِرِ؛ للعُمومات، وكالأجْنَبين. وقال مالك: إنْ قَتَلَه حذفًا (٨) بالسَّيف ونحوِه؛ لم يُقتَلْ به، وإنْ أضْجَعَه وذَبَحَه قُتِلَ به (٩). وجَوابُه: أنَّ الأبَ يُفارِقُ سائرَ النَّاس، فإنَّهم لو قَتلُوا بالحذف (١٠) بالسَّيف؛ وَجَبَ عليهم القِصاصُ، والأبُ بخِلافِه. وقِيلَ: يُقتَلُ أبو أمٍّ بولَدِ بِنْتِه، وعَكْسُه. وفي «الرَّوضة»: لا تقتل (١١) أمٌّ، والأصح (١٢): وجَدَّةٌ.

стр. 5377

وفي «الانتصار»: لا (١) يجوزُ للابن قَتْلُ أبيه برِدَّةٍ وكُفْرٍ بدارِ حرب (٢)، ولا رَجْمُه بِزِنًى، ولو قُضِيَ عليه بِرَجْمٍ. وعَنْهُ: لا قَوَدَ بقتلٍ (٣) في دارِ حَرْبٍ، فتَجِبُ دِيَةٌ، إلاَّ لغير (٤) مُهاجِرٍ. تذنيبٌ: إذا (٥) ادَّعى اثْنانِ نَسَبَ لَقِيطٍ، ثُمَّ قتلاه (٦) قَبْلَ لُحوقِه بأحدهما؛ فلا قَوَدَ، فإنْ رَجَعَ أحدُهما عن الدَّعْوَى، أوْ ألحقته (٧) القافَةُ بغيره؛ انْقَطَعَ نَسَبُه منه وعليه القَوَدُ، وإنْ رَجَعَا عنها؛ لم يُقبَلْ منهما؛ لأِنَّ النَّسَبَ حقٌّ للولد. فإنْ بَلَغَ انْتَسَبَ إلى أحدهما، وقُلْنا: يَصِحُّ انْتِسابُه، فهل يُقتَلُ الآخَرُ به؟ فيه وجْهانِ. وإن اشْتَرَكَ اثْنانِ في وَطْءِ امرأةٍ، فأتَتْ بولدٍ يُمكِنُ أنْ يكونَ منهما، فَقَتَلاهُ قَبْلَ لُحوقه بأحدهما؛ فلا قَوَدَ، ولو أنْكَرَ أحدُهما النَّسَبَ؛ لم يُقتَلْ به؛ لبقاءِ فِراشِه مع إنْكارِه. (وَيُقْتَلُ الْوَلَدُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ)، هذا هو الصَّحيحُ؛ للآية، والأخبار (٨)، ومُوافَقَةِ القِياسِ. والثَّانيةُ: لا يُقتَلُ به (٩)؛ لأِنَّه ممَّن لا تقبل (١٠) شهادتُه لِحَقِّ النَّسَب، فلا

стр. 5378

يُقتَلُ به؛ كالأب مع ابنه (١). وجوابُه: بأنَّ قِياسَه على الأب مُمْتَنِعٌ؛ لتأكُّدِ حرْمَته، ولأِنَّه إذا قُتِلَ بالأجنبيِّ؛ فَبِأَبِيهِ أَوْلَى، ولأِنَّه يُحَدُّ بقَذْفِه، فيُقتَلُ به؛ كالأجنبي (٢). لا يُقالُ: قد رَوَى سُراقَةُ مرفوعًا أنَّه قال: «لا يُقادُ الأب (٣) من ابْنَه، ولا الاِبْنُ مِنْ أبيه»، ورُوِيَ عنه: «أنَّه كان يُقِيدُ الاِبْنَ من أبيه (٤)»؛ لأِنَّهما خَبَرانِ لا يُعرَفانِ (٥)، ولا يُوجَدانِ في الكُتُب المشهورةِ، وإنْ كان لهما أصْلٌ؛ فهما مُتعارِضانِ، فيَتَعَيَّنُ سُقوطُهما، والعَمَلُ بالنُّصوص الواضِحة غَيرهما. (وَمَتَى وَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ)؛ سَقَطَ القِصاصُ؛ لأِنَّه لو (٦) لم يَسقُطْ لَوَجَبَ للولد على الوالد، وهو ممنوعٌ؛ لأِنَّه إذا لم يَجِبْ بالجناية عليه؛ فَلِئَلاَّ يَجِبَ بالجناية على غَيرِه بطريقِ الأَوْلَى. (أَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّه لو لم يَسقُطْ لوجب (٧) القِصاصُ له (٨) على نفسه، وهو ممنوعٌ. (فَلَوْ قَتَلَ امْرَأَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ)؛ فلا قَوَدَ؛ لأِنَّه لو وَجَبَ لوجب (٩) لولده عليه، وإذا لم يَجِبْ للولد بالجناية عليه فغَيرُه أَوْلَى. وسَواءٌ كان الولدُ ذَكَرًا أوْ أُنْثَى، أوْ كان للمقتول مَنْ يشاركه (١٠) في

стр. 5379

الميراث؛ لأِنَّه لو ثَبَتَ القَوَدُ لَوَجَبَ له جُزْءٌ منه، ولا يُمكِنُ وجوبُه، وإذا سَقَطَ بعضُه سَقَطَ كلُّه؛ لأِنَّه لا يتبعَّضُ؛ كما لو عَفَا أحدُ الشَّريكَينِ. (أَوْ قَتَلَ أَخَاهَا فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا، أَوْ وَلَدُهُ؛ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّها تَرِثُ النِّصفَ إنْ كان الأخُ لأِبَوَيهَا أوْ أبيها، والسُّدسَ إنْ كان لأُمِّها إذا كان معها مَنْ يَرِثُ بقيَّةَ المال، والجميعَ إنْ لم يكُنْ معها أحدٌ، وهو ظاهِرُ كلامِ المؤلِّف، فلمَّا ماتَتْ؛ وَرِثَ شَيئًا من الدَّم، أوْ وَرِثَ وَلَدُه ذلك، وهو مُقْتَضَى سقوطِ القصاص (١)، سواءٌ كان لها ولدٌ مِنْ غَيرِه أوْ لَا؛ لأِنَّه لا يَتبعَّض (٢). وعنه: لا يسقط (٣) بإرْثِ الولد، اختاره بعضُهم. فإنْ لم يكُنْ للمقتول ولدٌ منهما (٤)؛ وَجَبَ القِصاصُ في قَولِ أكثرِهم؛ لأِنَّهما شَخْصانِ مُتَكافِئانِ يُحَدُّ كلٌّ منهما بقَذْفِ الآخَرِ، فيُقتَلُ به؛ كالأجنَبِيَّينِ. (وَلَوْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ (٥)، فَوَرِثَهُ أَخَوَاهُ، ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ بَعْضَ دَمِ نَفْسِهِ)؛ لأِنَّ أخويه (٦) يَستحِقَّانِ دمَ أبيهِما، فإذا قَتَلَ أحدُهما صاحبَه؛ وَرِثَ القاتِلُ الأوَّلُ ما (٧) كان يَستَحِقُّه المقتولُ؛ لأِنَّه أخوه، فعلى هذا: يَستَحِقُّ نصفَ دَمِه؛ لأِنَّ دَمَ الأب بَينَ الأخَوَينِ نِصفانِ، ضرورةَ أنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ. وإنْ قَتَلَ الثَّاني الأوَّلَ، ثُمَّ الثَّالِثُ الرَّابِعَ؛ قُتِلَ الثَّالِثُ دُونَ الثَّاني؛ لِإرْثِه

стр. 5380

نصفَ دَمِه عن الرَّابِع، وعليه نصفُ دِيَةِ الأوَّل للثَّالِثِ. (وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ الاِبْنَيْنِ أَبَاهُ، وَالآْخَرُ أُمَّهُ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ)، وهو (١) قاتِلُ الأب؛ لأِنَّه وَرِثَ بعضَ دمِ نَفْسِه، وذلك ثُمُن (٢) دمِ الأبِ، (وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَخِيهِ وَيَرِثُهُ)، إذا قَتَلَ أكبرُ الأخوَينِ لأِبَوَينِ أباهما، وأصْغَرُهما أمَّهما مع الزَّوجيَّةِ؛ فلا قَوَدَ على الأكبر؛ لِمَا ذَكَرْنا؛ لِإرِثِه ثُمُن (٣) دمِه عن أمِّه، وعليه سبعةُ أثْمانِ دِيَةِ أبيه للأصغر، وله قتله (٤) وإرْثُه في الأصحِّ؛ لأِنَّ القَتْلَ بحقٍّ لا يَمنَعُ المِيراثَ. وإنْ كانَتْ بائنًا، أوْ قَتَلاهُما معًا مُطلَقًا؛ فلكلِّ واحِدٍ قَتْلُ أخيه. فإنْ تَنازَعَا في السَّبْقِ بالاِسْتِيفاءِ؛ قُدِّمُ مَنْ قَرَعَ، ويَحتَمِلُ: أنْ يُبدَأَ بقَتْلِ القاتِلِ الأوَّلِ، واخْتارَه ابنُ حمْدانَ. (وَإِنْ (٥) قَتَلَ مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَادَّعَى كُفْرَهُ أَوْ رِقَّهُ (٦)؛ لم يُقبَلْ؛ لأِنَّه محكومٌ بإسْلامِه بالدَّار، ولهذا يُحكَمُ بإسْلامِ اللَّقِيطِ، ولأِنَّ الأصلَ الحُرِّيَّةُ، والرِّقُّ طارِئٌ. (أَوْ ضَرَبَ (٧) مَلْفُوفًا فَقَدَّهُ؛ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ)؛ لم يُقبَلْ قَولُه؛ لأِنَّ الأصلَ الحياةُ؛ كما لو قَطَعَ طَرَفَه وادَّعَى أنَّه كان مِثْلَه؛ لأِنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ. وذَكَرَ في «الواضح» عن أبي بكرٍ: لا يَضمَنُه.

стр. 5381

وأطْلَقَ ابنُ عَقِيلٍ في مَوتِه وجْهَينِ. وسأل القاضِيَ: أفلا يُعتَبَرُ بالدَّم وعدِمه؟ قال: لا، لم يَعتَبِرْه الفُقَهاءُ، قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ: يُعتَبَرُ. (أَوْ قَتَلَ رَجُلاً فِي دَارِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ دَخَلَ يُكَابِرُهُ عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ، وَأَنْكَرَ وَلِيُّهُ)؛ وَجَبَ القِصاصُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ ما يَدَّعِيهِ، سَواءٌ وُجِدَ في دار القاتِلِ أوْ غيرها (٢)، معه سِلاحٌ أوْ لَا؛ لِمَا رُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه سُئِلَ عمَّنْ وَجَدَ مع امْرأتِه رجلاً آخَرَ فقتله (٣)، فقال: «إنْ لم يأْتِ بأربعةٍ؛ فلْيُعْطَ بِرُمَّتِه» رواه سعيدٌ ورجالُه ثِقاتٌ (٤). قال في «الفروع»: ويتوجَّه عَدَمُه في معروفٍ بالفساد. وظاهِرُه: أنَّ الوليَّ إذا اعْتَرَفَ بذلك؛ فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ؛ لقَولِ عمرَ، رواه سعيدٌ، وهو مُنقَطِعٌ (٥)،

стр. 5382

ورُوِيَ عن الزُّبَيرِ نحوُه (١)، ولأنَّ (٢) الخَصْمَ اعْتَرَفَ بما يُبِيحُ قَتْلَه، فسقط (٣) حقُّه؛ كما لو أقرَّ بقَتْلِه قِصاصًا. (أَوْ تَجَارَحَ اثْنَانِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ)، وأنْكَرَه الآخَرُ؛ (وَجَبَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّ سببَ القِصاص قد وُجِدَ، وهو الجَرْحُ، والأصْلُ عَدَمُ ما يَدَّعِيهِ الآخَرُ، (وَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ). وفي «المذهب» و «الكافي»: تَجِبُ الدِّيَةُ، ونقل (٤) أبو الصَّقْر وحنبلٌ (٥) في قَومٍ اجْتَمَعُوا في دارٍ (٦)، فجَرَحَ وقَتَلَ بعضُهم بعضًا، وجُهِلَ الحالُ: أنَّ على عاقِلةِ المجْروحِينَ دِيَةَ القتلى (٧) يُسقَطُ منها أرْشُ الجِراح، قَضَى به عليٌّ ﵁، رواه أحمدُ (٨). وهَلْ على مَنْ لَيسَ به جُرْحٌ مِنْ دِيَةِ القَتْلَى شيءٌ؟ فيه وَجْهانِ، قالَهُ ابنُ حامِدٍ.

стр. 5383

فرعٌ: ادَّعى زِنَى مُحصَنٍ بشاهدَينِ، نَقَلَه ابنُ منصور (١)، ونقل أبو (٢) طالِبٍ بأربعةٍ؛ قُبِلَ (٣)، وإلاَّ ففيه باطِنًا وجْهَانِ، وقِيلَ: وظاهرًا (٤). لكِنَّ كلامَ أحمدَ وغَيرِه لا فَرْقَ بَينَ كَونِه مُحصَنًا أوْ لَا، رُوِيَ عن عمرَ وعليٍّ (٥)، وصرَّح به الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ (٦)؛ لأِنَّه لَيسَ بِحَدٍّ، وإنَّما هو عُقوبةٌ على فِعْلِه، وإلاَّ لاعتبرت (٧) شروطُ الحَدِّ. وقال الشَّافعيُّ: له قَتْلُه فِيمَا بَينَه وبَينَ الله تعالى إذا كان مُحصَنًا (٨). وللمالِكِيَّة قَولانِ في اعْتِبارِ إحْصانِه (٩).

стр. 5384

(بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ) وهو فِعْلُ مَجْنِيٍّ عليه (١) أوْ وَلِيِّه بِجانٍ مِثْلَ ما فَعَلَ، أوْ شِبْهَه. (وَيُشْتَرَطُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مُكَلَّفًا)؛ لأِنَّ غيرَ المكلَّف لَيسَ أهْلاً لِلاِسْتِيفاء؛ لِعَدَمِ تكليفِه، بدليلِ أنَّه لا يَصِحُّ إقْرارُه ولا تصرُّفه (٢)؛ لأِنَّ غَيرَ المكلَّف إمَّا صَبِيٌّ أوْ مجنونٌ، وكِلاهُما لا يُؤمَنُ منه الحَيفُ على الجاني، ولا يَقومُ وَلِيُّه مَقامَه؛ لأِنَّ القِصاصَ شُرِعَ للتَّشَفِّي، فلم يَقُمْ غَيرُه مَقامَه. (فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا؛ لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ)؛ لِمَا ذكرنا (٣)، والقَوَدُ لَيسَ لأِبيهِ ولا لغَيرِه اسْتِيفاؤه. وعَنْهُ: بَلَى، حكاها أبو الخَطَّاب، وقالَها الأكثرُ؛ لأِنَّ القصاصَ أحدُ بَدَلَي النَّفس، فكان للأب استيفاؤه (٤)؛ كالدية، وكذلك الحكمُ في الوصيِّ والحاكِمِ في الطَّرَفِ دُونَ النَّفْس. والأوَّلُ هو (٥) ظاهِرُ المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا يَملِكُ إيقاعَ الطَّلاقِ بزَوجَتِه، فلم يَملِك اسْتِيفاءَ القصاص؛ كالوصيِّ، ولأِنَّ القَصْدَ التَّشفِّي وتَرْكُ الغَيظ، ولا يَحصُلُ ذلك باسْتِيفاءِ الأبِ، بخِلافِ الدِّيَة، فإنَّ الغَرَضَ يحصل (٦) باسْتِيفائه، ولأِنَّ الدِّيَة إنَّما يُملك (٧) استيفاؤها إذا تعيَّنَتْ، والقِصاصُ لا يتعيَّنُ.

стр. 5385

فَعَلَى هذا: (يُحْبَسُ (١) الْقَاتِلُ (٢) حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ، وَيَعْقِلَ الْمَجْنُونُ)، ويَقدَمَ الغائبُ؛ لأِنَّ فيه حَظًّا للقاتِلِ بتأْخِيرِ قَتْلِه، وحَظًّا للمُستَحِقِّ بإيصاله (٣) إلى حقِّه، ولأنَّه (٤) يَستَحِقُّ إتْلافَ نَفْسِه ومَنفَعَتِه، فإذا تعذَّر اسْتِيفاءُ النَّفْس لِعارِضٍ؛ بَقِيَ إتْلافُ المَنفَعَةِ سالِمًا عن المعارض (٥)، وقد حَبَسَ مُعاوِيَةُ هُدبة (٦) بن خشرم في قَوَدٍ حتَّى يَبلُغَ ابنُ القَتِيلِ، فلم يُنكَرْ ذلك، وبَذَلَ الحَسَنُ، والحُسَينُ، وسعيدُ بنُ العاص (٧) لاِبْنِ القَتِيلِ سَبْعَ دِياتٍ، فلم يَقْبَلْها (٨). لا يُقالُ: يَجِبُ أنْ يُخَلَّى سبيلُه كالمُعْسِر؛ لِمَا في تَخْلِيَتِه مِنْ تضييعِ الحقِّ؛ لأنَّه (٩) لا يُؤمَنُ هَرَبُه، والفرق (١٠) بَينَهما مِنْ وُجوهٍ: أحدُها: أنَّ قضاءَ الدَّين لا يَجِبُ مع الإعْسار، فلا يُحبَسُ بما لا يَجِبُ، والقِصاصُ واجِبٌ، وإنَّما تعذَّر (١١) لِمَانِعٍ. الثَّاني: أنَّ المُعْسِرَ لو حُبِسَ تعذَّر عليه الكَسْبُ لِقَضاءِ الدَّين.

стр. 5386

الثَّالِثُ: أنَّه قد اسْتَحَقَّ قَتْلَه، وفيه تَفْويتُ نفسِه ونَفْعِه، فإذا تعذَّر تَفويتُ النَّفس لِمَانِعٍ؛ جاز تَفْويتُ نَفْعِه لِإمْكانِه. ولو كان القوَدُ لحي (١) في طَرَفِه؛ لم يتعرَّضْ لِمَنْ هي عليه. فإنْ أقام كفيلاً بنفسه لِيُخَلَّى سبيلُه؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّ الكفالةَ لا تَصِحُّ في القِصاص؛ كالحَدِّ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا أَبٌ؛ فَهَلْ لَهُ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُمَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢): الأصحُّ: أنَّه لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّ مقصودَ شرعيَّةِ القِصاص مَفْقودٌ في الأب، وكوصيٍّ وحاكِمٍ. والثَّانيةُ: بَلَى؛ لأِنَّ له (٣) وِلايَةً كامِلةً، بدليلِ أنَّه يَملِكُ أنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِه لنفسه، بخِلافِ غَيرِه. (فَإِنْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إِلَى النَّفَقَةِ؛ فَهَلْ لِوَلِيِّهِمَا العَفْوُ (٤) عَلَى الدِّيَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ)، وحَكاهُما في «الفروع» رِوايَتينِ: أحدهما (٥): يَجُوزُ، صحَّحه القاضي والمؤلِّفُ، وقدَّمه في «الرِّعاية». والثَّاني: المَنْعُ؛ لأِنَّه لا (٦) يَمْلِكُ إسْقَاطَ قِصاصِه، ونَفَقَتُه في بيتِ المال، وكما لو كانَا مُوسِرَينِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ وُجوبَ نَفَقَتِه في بيتِ المال (٧) لا يغنيه (٨) إذا لم

стр. 5387

يَحصُلْ، ولا يَجُوزُ عَفْوُه مَجَّانًا. ولِوَلِيِّ الفقيرِ المجنونِ العَفْوُ على مالٍ؛ لأِنَّه ليست (١) له حالةٌ مُعْتادَةٌ يُنتَظَرُ فيها إفاقَتُه ورُجوعُ عَقْلِه، بخِلافِ الصَّبيِّ، وهذا هو المنصوصُ (٢)، وجَزَمَ به في «الوجيز». وعَنهُ: لأِبٍ. وعَنْهُ: ووصيٍّ وحاكمٍ اسْتِيفاؤه لهما في نَفْسٍ ودونها (٣) فيَعْفُو إلى الدِّيَة، نَصَّ عليه (٤). (وَإِنْ قَتَلَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا، أَوْ قَطَعَا قَاطِعَهُمَا قَهْرًا؛ احْتَمَلَ أَنْ يَسْقُطَ حَقُّهُمَا (٥)، هذا وجْهٌ قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه أتْلَفَ عَينَ حقِّه، فسَقَطَ الحقُّ، أشْبَهَ ما لو كانَتْ لهما وديعةٌ عِنْدَ شَخْصٍ فأخذاها (٦) منه قَهْرًا، وكما لو اقتصَّا (٧) ممَّن لا تَحمِلُ العاقِلةُ دِيَتَه. (وَاحْتَمَلَ: أَنْ تَجِبَ لَهُمَا دِيَةُ أَبِيهِمَا فِي مَالِ الْجَانِي، وَتَجِبُ دِيَةُ الْجَانِي عَلَى عَاقِلَتِهِمَا)، جَزَمَ به في «التَّرغيب» و «عيون المسائل»؛ لأِنَّه لَيسَ من أهْلِ الاِسْتِيفاء، فلا يَكُونُ مُستَوْفِيًا لِحَقِّه، فيَجِبُ لهما دِيَةُ أبِيهِما في مالِ الجانِي؛ لأِنَّ عَمْدَ الصَّبيِّ والمجنونِ خطأٌ، وعلى عاقِلَتِهما ديةُ القاتِلِ؛ كما لو أتْلَفَ أجنبيًّا، بخلافِ الوديعة، فإنَّها (٨) لو تَلِفَتْ بغيرِ تَعَدٍّ؛ بَرِئَ منها المُودَعُ.

стр. 5388

ولو هَلَكَ الجاني مِنْ غَيرِ فِعْلٍ؛ لم يَبرَأْ مِنْ الجناية، فلو مات قَبْلَ تكليفه؛ فحقُّه من القَوَدِ إرْثٌ. وقيل (١): يَسقُطُ إلى الدِّيَة؛ كما لو مات المسْتَحِقُّ الغائبُ وجُهِلَ عَفْوُه، قاله (٢) في «الرِّعاية». (وَإِنِ اقْتَصَّا مِمَّنْ لَا تَحْمِلُ دِيَتَهُ (٣) الْعَاقِلَةُ) كالعبد؛ (سَقَطَ حَقُّهُمَا (٤) وَجْهًا وَاحِدًا)؛ لأِنَّه لا (٥) يُمكِنُ إِيجابُ دِيَته على العاقلة، فلم يكُنْ إلاَّ سقوطه (٦).

стр. 5389

(فَصْلٌ) (الثَّانِي (١): اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ)؛ لأِنَّ الاِسْتِيفاءَ حقٌّ مُشتَرَكٌ لا يُمكِنُ تَشْقيصُه (٢)، فلم يَجُزْ لأِحَدٍ التَّصرُّفُ فيه (٣) بغيرِ إذْنِ شريكه؛ لأِنَّه لا وِلايَةَ له عليه، أشْبَهَ الدَّينَ. (وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمُ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ بَعْضٍ)؛ لأِنَّ اتِّفاقَ الكلِّ شَرْطٌ، ولم يوجد (٤)، (فَإِنْ فَعَلَ) مَنْ مَنَعْناهُ مِنْهُ غير زَوجٍ؛ (فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه قَتَلَ نفسًا يَستَحِقُّ بعضَها، فلم يَجِبْ قَتْلُه بها؛ لأِنَّ النَّفسَ لا تُؤخَذُ ببعضِ نَفْسٍ، ولأِنَّه مُشارِكٌ في اسْتِحْقاقِ القَتْل، فلم يَجِبْ عليه قَوَدٌ؛ كما لو كان مُشارِكًا في ملْكِ الجارية وَوَطِئَها. ويُفارِقُ إذا قَتَلَ الجماعةُ واحدًا؛ فإنَّا لم نُوجِب (٥) القِصاصَ بقَتْلِ بعضِ النَّفس (٦)، وإنَّما يُجعل (٧) كلُّ واحِدٍ منهم قاتِلاً لجميعها، ولو سُلِّم فَمِنْ شَرْطِه المشارَكةُ. (وَعَلَيْهِ لِشُرَكَائِهِ حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ)؛ أيْ: للذي لم يَقتل (٨) قِسْطه من الدِّية؛ لأنَّ (٩) حقَّه من القَوَد سَقَطَ بغَيرِ اخْتِيارِه، أشْبَهَ ما لو مات القاتِلُ، أوْ عَفَا

стр. 5390

بعضُ الأولياء. وهل يَجِبُ ذلك على قاتِلِ الجاني، أوْ في تَرِكةِ الجاني؟ فيه وَجْهانِ. وأشار إلَيهما بقوله: (وَيَسْقُطُ عَنِ الْجَانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)؛ لأِنَّ المقْتَصَّ قد وجَبَ عليه، فيَجِبُ على قاتِلِ الجاني؛ لأِنَّه أتْلَفَ محلَّ حقِّه، فكان له الرُّجوعُ عليه بِعِوَضِ نصيبه؛ كما لو كانَتْ له وديعةٌ فأتْلَفَها. (وَفِي الآْخَرِ: لَهُمْ ذَلِكَ)؛ أيْ: حقُّهم من الدِّيَة، (فِي تَرِكَةِ الْجَانِي، وَيَرْجِعُ (١) وَرَثَةُ الْجَانِي عَلَى قَاتِلِهِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزم به في «الوجيز»؛ أيْ: يجب (٢) في تَرِكةِ الجاني كما لو أتْلَفَه أجنبيٌّ، أوْ عَفا شريكُه عن القصاص؛ أي: ويأخُذ وارثُه من المقتصِّ (٣) الزَّائدَ عن حقِّه؛ لأِنَّه أتْلَفَ ذلك بغير حقٍّ. وقَولُنا: أتْلَفَ محلَّ حقِّه؛ يَبطُل بما إذا أتْلَفَ مستأجِرُه أو غريمُه، ويُفارِقُ الوديعةَ، فإنَّها مملوكةٌ لهما، فَوَجَبَ عِوَضُ ملْكه، والجاني ليس بمملوكِ المجنيِّ عليه، إنَّما عليه (٤) حقٌّ، وهذا أقْيَسُ. وقال الحُلْوانيُّ: والأوَّلُ أَوْلَى. فلو (٥) قَتلَت امرأةٌ رجلاً له ابنانِ، فَقَتَلَها أحدُهما؛ فللآخَر نصفُ ديةِ أبيه في تَرِكةِ المرأة التي قَتَلَتْه، ويرجعُ (٦) وَرَثَتُها على قاتلها بنصفِ ديتها. وعلى الأوَّل: يَرجِعُ الاِبنُ الذي لم يَقتُلْ على أخيه بنصفِ ديةِ المرأة؛

стр. 5391

لأِنَّه لم (١) يفوِّت على أخيه إلاَّ نصفَ ديةِ المرأة، ولا يُمكِنُ أنْ يَرجِعَ على ورثةِ المرأة بشيءٍ؛ لأِنَّ أخاه الذي قتلَها أتْلَفَ جميعَ الحقِّ. قال في «الشرح»: وهذا يدلُّ على ضعف هذا الوجْهِ. وفي «الواضح» احْتِمالٌ: يَسقُطُ حقُّهم على روايةِ وُجوبِ القَوَدِ عَينًا. وقال ابنُ حَمدانَ: إنْ قُلْنا: يَجِبُ القَودُ عينًا؛ غَرِمَ الدِّيةَ قاتِلُ الجاني، وإنْ قُلْنا: يَجِبُ أحدُ أمْرَينِ؛ أُخِذتْ من تَرِكةِ الجاني. (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّ القتلَ عبارةٌ عن زُهوق الرُّوح بآلةٍ صالحةٍ له (٢)، وذلك لا يتبعَّض (٣). (وَإِنْ كَانَ الْعَافِي زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً)، إشارةً منه (٤) إلى أنَّهما من مُستحِقِّي الدَّمِ؛ كبقيَّةِ ذَوِي الفروض، وهو قولُ أكثرهم. وقال الحسَنُ وقَتادَةُ: لَيس للنِّساء عَفْوٌ. وعن أحمدَ: هو مَورُوثٌ للعصبات (٥) خاصَّةً، ذَكَرَها ابنُ البَنَّاء، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لأِنَّه ثَبتَ لدَفْع العار، فاختصَّ به العصبةُ؛ كوِلاية النِّكاح. وفيه وجهٌ: أنَّه يَختَصُّ بذوي الأنساب فقط. وقال قومٌ: لا يسقط بعفو (٧) بعض الشُّركاء؛ لأِنَّ حقَّ غيرِ العافي لم يَرْضَ

стр. 5392

بإسْقاطه. والأوَّلُ هو المشهور (١)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى أنْ يَعقِلَ عن المرأة عَصَبتُها مَنْ كانوا، ولا يَرِثُوا منها إلاَّ ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها، وإنْ قُتِلت (٢) بَينَ وَرَثَتِها، وهم يَقتُلون قاتِلَها» (٣)، ولحديثِ عائشةَ (٤)، وقَولِ عمرَ، رواه سعيدٌ، وأبو داودَ (٥)، وعُمومِ قولِه ﵇: «فأهْلُه بَينَ خِيَرَتَينِ» (٦)، وهو عامٌّ في جميعِ

стр. 5393

أهله، والمرأة (١) منهم، وكسائر حقوقه، وإذا سَقَطَ بعضُه سَقَطَ كلُّه؛ لأِنَّه لا يتبعَّض؛ كالطَّلاق والعِتاق، والمرأةُ مُستَحِقَّةٌ، فسقط (٢) بإسقاطها كالرَّجل، وزوال الزوجية (٣) لا يَمنَعُ اسْتِحْقاقَ القَوَد؛ كما لم يَمنَع اسْتِحقاقَ الدِّية، وكذا لو شَهِدَ أحدُهم، ولو مع فِسْقه (٤) بعَفْوِ بعضهم. (وَلِلْبَاقِينَ (٥) حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي)، سواءٌ عفا مُطلَقًا أوْ إلى الدِّية (٦)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٧)؛ لأِنَّ حقَّه من القصاص سَقَطَ بغَيرِ رضاه، فثبت (٨) له البَدَل، كما لو وَرِثَ القاتِلُ بعضَ دمه (٩) أوْ ماتَ. وفي «التَّبصرة»: إنْ عَفَا أحدُهم؛ فللبقيَّة الدِّيةُ. وهل يَلزمُهم حقُّهم من الدِّية؟ فيه رِوايَتانِ. (فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاقُونَ عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ وَسُقُوطِ القِصَاصِ بِهِ (١٠)؛ فَعَلَيْهِمُ الْقَوَدُ)؛ لأِنَّه قَتْلُ عمدٍ (١١) عُدْوان، أشْبَهَ ما لو قَتَلوه ابْتِداءً، سواءٌ حَكَمَ به حاكِمٌ أو (١٢) لا.

стр. 5394

(وَإِلاَّ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمْ)؛ أي (١): إذا قَتَلَه غَيرُ عالِمٍ بالعفو، أو غير (٢) عالِمٍ بأنَّ العَفْوَ مُسقِطٌ للقَوَد؛ لم يَجِبْ قَوَدٌ؛ لأِنَّ ذلك شبهةٌ قد درأت (٣) القَوَدَ؛ كالوكيل إذا قَتَلَه بعدَ العَفْو وقبلَ العلم. ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ الحاكِمُ قد حكم بالعفو أوْ لا؛ لأِنَّ الشُّبهةَ موجودةٌ تمنع (٤) انتفاءِ العلم، معدومةٌ عندَ وجوده. (وَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ) في كلِّ مَوضِعٍ لا قَوَدَ فيه؛ لأِنَّ القتلَ قد تعذَّر (٥)، والدِّيةُ بَدَلُه، وهي مُتعيِّنةٌ عندَ تعذُّره، أمَّا العَفْوُ عن القِصاصِ فإنَّه يَسقُط عنه منها ما قابَلَ حقَّه على القاتل قصاصًا، ويَجِبُ عليه الباقي. فإنْ كان الوليُّ عفا إلى غير مالٍ؛ فالواجِبُ لورثة القاتل، ولا شيء (٦) عليهم. وإنْ كان عفا إلى الدِّية؛ فالواجبُ لورثة القاتل، وعليهم نصيبُ العافي من الدِّية. وقِيلَ: حقُّ العافي من الدِّية على القاتل (٧)، وفيه نظرٌ؛ لأِنَّ الحقَّ لم يَبقَ متعلِّقًا (٨) بعينه، وإنَّما الدِّيةُ واجبةٌ في ذمَّته؛ كما لو (٩) قَتَلَ غريمَه. (وَسَوَاءٌ كَانَ (١٠) الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ، أَوْ بَعْضُهُمْ غَائِبًا)؛ لاِسْتِوائهما معنًى،

стр. 5395

فكذا يَجِبُ أنْ يكونَ حكمًا، فإنْ كان القاتِلُ هو العافي؛ فعَلَيهِ القَودُ في قَولِ الجمهور، ولو ادَّعى نسيانَه، أوْ جوازَه. (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا)، أوْ غائبًا؛ (فَلَيْسَ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ الاِسْتِيفَاءُ حَتَّى يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ)، ويَقدَمَ الغائبُ، (فِي الْمَشْهُورِ)، وهو الأصحُّ، نَصَرَه في (١) «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه حقٌّ مُشترَكٌ بَينَهما، أشْبَهَ ما لو كانا بالغَينِ عاقِلين (٢)؛ وكدِيَةٍ، وكعبدٍ مُشترَكٍ، بخلافِ محارَبَةٍ (٣)؛ لتحتُّمه، وحَدِّ قذفٍ؛ لوجوبه لكلِّ واحدٍ كامِلاً. (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ)، وقاله الأوزاعيُّ واللَّيثُ؛ لأِنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ قَتَلَ ابنَ مُلجَمٍ قصاصًا، وفي الورثة صغارٌ، فلم يُنكِرْ ذلك أحدٌ (٤). فإنْ ماتا أو أحدُهما؛ فوارِثُهما كهما، وعند ابن أبي موسى: تتعيَّنُ (٥) الدِّيةُ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأِنَّه قصاصٌ غيرُ مُتحتِّمٍ، فلم يَجُزْ لأِحدهما استيفاؤه استقلالاً؛ كما لو كان لحاضرٍ وغائبٍ، قال الأصحابُ: وإنَّما قَتَلَ الحسنُ
следующие страницы →