← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

لأِنَّه لم (١) يفوِّت على أخيه إلاَّ نصفَ ديةِ المرأة، ولا يُمكِنُ أنْ يَرجِعَ على ورثةِ المرأة بشيءٍ؛ لأِنَّ أخاه الذي قتلَها أتْلَفَ جميعَ الحقِّ. قال في «الشرح»: وهذا يدلُّ على ضعف هذا الوجْهِ. وفي «الواضح» احْتِمالٌ: يَسقُطُ حقُّهم على روايةِ وُجوبِ القَوَدِ عَينًا. وقال ابنُ حَمدانَ: إنْ قُلْنا: يَجِبُ القَودُ عينًا؛ غَرِمَ الدِّيةَ قاتِلُ الجاني، وإنْ قُلْنا: يَجِبُ أحدُ أمْرَينِ؛ أُخِذتْ من تَرِكةِ الجاني. (وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ؛ سَقَطَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّ القتلَ عبارةٌ عن زُهوق الرُّوح بآلةٍ صالحةٍ له (٢)، وذلك لا يتبعَّض (٣). (وَإِنْ كَانَ الْعَافِي زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً)، إشارةً منه (٤) إلى أنَّهما من مُستحِقِّي الدَّمِ؛ كبقيَّةِ ذَوِي الفروض، وهو قولُ أكثرهم. وقال الحسَنُ وقَتادَةُ: لَيس للنِّساء عَفْوٌ. وعن أحمدَ: هو مَورُوثٌ للعصبات (٥) خاصَّةً، ذَكَرَها ابنُ البَنَّاء، واختاره الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦)؛ لأِنَّه ثَبتَ لدَفْع العار، فاختصَّ به العصبةُ؛ كوِلاية النِّكاح. وفيه وجهٌ: أنَّه يَختَصُّ بذوي الأنساب فقط. وقال قومٌ: لا يسقط بعفو (٧) بعض الشُّركاء؛ لأِنَّ حقَّ غيرِ العافي لم يَرْضَ

стр. 5392

بإسْقاطه. والأوَّلُ هو المشهور (١)؛ لِمَا رَوَى أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى أنْ يَعقِلَ عن المرأة عَصَبتُها مَنْ كانوا، ولا يَرِثُوا منها إلاَّ ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها، وإنْ قُتِلت (٢) بَينَ وَرَثَتِها، وهم يَقتُلون قاتِلَها» (٣)، ولحديثِ عائشةَ (٤)، وقَولِ عمرَ، رواه سعيدٌ، وأبو داودَ (٥)، وعُمومِ قولِه ﵇: «فأهْلُه بَينَ خِيَرَتَينِ» (٦)، وهو عامٌّ في جميعِ

стр. 5393

أهله، والمرأة (١) منهم، وكسائر حقوقه، وإذا سَقَطَ بعضُه سَقَطَ كلُّه؛ لأِنَّه لا يتبعَّض؛ كالطَّلاق والعِتاق، والمرأةُ مُستَحِقَّةٌ، فسقط (٢) بإسقاطها كالرَّجل، وزوال الزوجية (٣) لا يَمنَعُ اسْتِحْقاقَ القَوَد؛ كما لم يَمنَع اسْتِحقاقَ الدِّية، وكذا لو شَهِدَ أحدُهم، ولو مع فِسْقه (٤) بعَفْوِ بعضهم. (وَلِلْبَاقِينَ (٥) حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَانِي)، سواءٌ عفا مُطلَقًا أوْ إلى الدِّية (٦)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٧)؛ لأِنَّ حقَّه من القصاص سَقَطَ بغَيرِ رضاه، فثبت (٨) له البَدَل، كما لو وَرِثَ القاتِلُ بعضَ دمه (٩) أوْ ماتَ. وفي «التَّبصرة»: إنْ عَفَا أحدُهم؛ فللبقيَّة الدِّيةُ. وهل يَلزمُهم حقُّهم من الدِّية؟ فيه رِوايَتانِ. (فَإِنْ قَتَلَهُ الْبَاقُونَ عَالِمِينَ بِالْعَفْوِ وَسُقُوطِ القِصَاصِ بِهِ (١٠)؛ فَعَلَيْهِمُ الْقَوَدُ)؛ لأِنَّه قَتْلُ عمدٍ (١١) عُدْوان، أشْبَهَ ما لو قَتَلوه ابْتِداءً، سواءٌ حَكَمَ به حاكِمٌ أو (١٢) لا.

стр. 5394

(وَإِلاَّ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِمْ)؛ أي (١): إذا قَتَلَه غَيرُ عالِمٍ بالعفو، أو غير (٢) عالِمٍ بأنَّ العَفْوَ مُسقِطٌ للقَوَد؛ لم يَجِبْ قَوَدٌ؛ لأِنَّ ذلك شبهةٌ قد درأت (٣) القَوَدَ؛ كالوكيل إذا قَتَلَه بعدَ العَفْو وقبلَ العلم. ولا فَرْقَ بَينَ أنْ يكونَ الحاكِمُ قد حكم بالعفو أوْ لا؛ لأِنَّ الشُّبهةَ موجودةٌ تمنع (٤) انتفاءِ العلم، معدومةٌ عندَ وجوده. (وَعَلَيْهِمْ دِيَتُهُ) في كلِّ مَوضِعٍ لا قَوَدَ فيه؛ لأِنَّ القتلَ قد تعذَّر (٥)، والدِّيةُ بَدَلُه، وهي مُتعيِّنةٌ عندَ تعذُّره، أمَّا العَفْوُ عن القِصاصِ فإنَّه يَسقُط عنه منها ما قابَلَ حقَّه على القاتل قصاصًا، ويَجِبُ عليه الباقي. فإنْ كان الوليُّ عفا إلى غير مالٍ؛ فالواجِبُ لورثة القاتل، ولا شيء (٦) عليهم. وإنْ كان عفا إلى الدِّية؛ فالواجبُ لورثة القاتل، وعليهم نصيبُ العافي من الدِّية. وقِيلَ: حقُّ العافي من الدِّية على القاتل (٧)، وفيه نظرٌ؛ لأِنَّ الحقَّ لم يَبقَ متعلِّقًا (٨) بعينه، وإنَّما الدِّيةُ واجبةٌ في ذمَّته؛ كما لو (٩) قَتَلَ غريمَه. (وَسَوَاءٌ كَانَ (١٠) الْجَمِيعُ حَاضِرِينَ، أَوْ بَعْضُهُمْ غَائِبًا)؛ لاِسْتِوائهما معنًى،

стр. 5395

فكذا يَجِبُ أنْ يكونَ حكمًا، فإنْ كان القاتِلُ هو العافي؛ فعَلَيهِ القَودُ في قَولِ الجمهور، ولو ادَّعى نسيانَه، أوْ جوازَه. (فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ صَغِيرًا، أَوْ مَجْنُونًا)، أوْ غائبًا؛ (فَلَيْسَ لِلْبَالِغِ الْعَاقِلِ الاِسْتِيفَاءُ حَتَّى يَصِيرَا مُكَلَّفَيْنِ)، ويَقدَمَ الغائبُ، (فِي الْمَشْهُورِ)، وهو الأصحُّ، نَصَرَه في (١) «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه حقٌّ مُشترَكٌ بَينَهما، أشْبَهَ ما لو كانا بالغَينِ عاقِلين (٢)؛ وكدِيَةٍ، وكعبدٍ مُشترَكٍ، بخلافِ محارَبَةٍ (٣)؛ لتحتُّمه، وحَدِّ قذفٍ؛ لوجوبه لكلِّ واحدٍ كامِلاً. (وَعَنْهُ: لَهُ ذَلِكَ)، وقاله الأوزاعيُّ واللَّيثُ؛ لأِنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ قَتَلَ ابنَ مُلجَمٍ قصاصًا، وفي الورثة صغارٌ، فلم يُنكِرْ ذلك أحدٌ (٤). فإنْ ماتا أو أحدُهما؛ فوارِثُهما كهما، وعند ابن أبي موسى: تتعيَّنُ (٥) الدِّيةُ. والأوَّلُ المذهبُ؛ لأِنَّه قصاصٌ غيرُ مُتحتِّمٍ، فلم يَجُزْ لأِحدهما استيفاؤه استقلالاً؛ كما لو كان لحاضرٍ وغائبٍ، قال الأصحابُ: وإنَّما قَتَلَ الحسنُ

стр. 5396

ابنَ مُلجَمٍ حَدًّا لكُفْره؛ لأِنَّ مَنْ اعتقد إباحةَ ما حرَّم الله؛ كافِرٌ، وقيل (١): لِسَعْيِهِ في الأرض بالفساد (٢)، ولذلك لم يَنتظِر الحسنُ غائبًا من الورثة، فيكون كقاطع الطَّريق، وقتْلُه مُتحتِّمٌ، وهو إلى الإمام، والحسنُ هو الإمامُ، ولأِنَّ استيفاءَ الإمام بحكم الولاية لا بحُكْمِ الأدب (٣). (وَكُلُّ مَنْ وَرِثَ الْمَالَ؛ وَرِثَ الْقِصَاصَ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ مِنَ الْمَالِ، حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ)؛ لأِنَّه حقٌّ (٤) يَستَحِقُّه الوارثُ (٥) من جهة مُورِّثه، أشْبَهَ المالَ. وعنه: يَختصُّ العصبةُ. وهل يَستحِقُّه الوارثُ (٦) ابتداء أم ينتقل عن مُورِّثه؟ فيه روايتانِ. فائدةٌ: الأحسنُ أنْ يكونَ «الزَّوجان» مرفوعًا بالألف عطفًا على «كلُّ مَنْ ورِث»، ووُجِدَ بخطِّ المؤلِّف مجرورًا، وتكون «حتَّى» حرفُ جرٍّ بمعنى انتهاء الغاية؛ أيْ: وكلُّ مَنْ وَرِث المالَ وَرِثَ القِصاصَ، ينتهي ذلك إلى الزَّوجَينِ وذَوِي الأرحام. (وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ؛ وَلِيُّهُ الْإِمَامُ)؛ لأِنَّه وليُّ مَنْ لا وليَّ له، (إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ)، وفي «الانتصار» و «عيون المسائل»: مَنْعٌ وتسليم (٧)؛ لأنَّ بِنا (٨) حاجةً

стр. 5397

إلى عِصْمة الدِّماء، فلو لم يُقتَلْ؛ لقُتِلَ كلُّ مَنْ لا وارِثَ له، قالا: ولا (١) روايةَ فيه، وفي «الواضح» وغيره: وجْهانِ؛ كوالد (٢). (وَإِنْ شَاءَ عَفَا)؛ لأِنَّه يَفعَلُ ما يرى (٣) فيه المصلحةَ للمسلمين، من القصاص أو العَفْوِ على مالٍ، وهو الدِّيةُ، لا أقلَّ، ولا مَجَّانًا، ذَكَرَه في «المحرَّر»، و «الوجيز». فلو عفا إلى غَيرِ مالٍ؛ لم يَملِكْه، وإنْ كان هو ظاهِرَ المتن؛ لأِنَّ ذلك للمسلمين، ولا حظ (٤) لهم فيه، ذَكَرَه في «المغني» و «الشَّرح». وقِيلَ: له أنْ يَعفُوَ مَجَّانًا؛ لِقِصَّةِ عُثْمانَ (٥)، وهو ظاهِرٌ هنا (٦)، لكنَّ الأوَّلَ أَوْلَى.

стр. 5398

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ (١): أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاِسْتِيفَاءِ التَّعَدِّي (٢) إِلَى غَيْرِ الْقَاتِلِ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، والقَتْلُ المفْضِي إلى التَّعدِّي، فيه إسْرافٌ، وفي «المحرَّر»، و «الوجيز»، و «الفروع»: الجانِي، وهو أحْسَنُ. (فَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى حَامِلٍ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ وُجُوبِهِ؛ لَمْ تُقْتَلْ (٣)، وحُبِستْ، فإذا وَلَدَتْ؛ جُلِدَتْ وأُقِيدَ منها في الطَّرَف، (حَتَّى تَضَعَ الْوَلَدَ، وَتَسْقِيَهُ اللِّبَأَ)، بغَيرِ خلاف نعلمه (٤)؛ لِمَا رَوَى ابنُ ماجَهْ بإسْنادِه، عن عبدِ الرَّحمن بنِ غَنْمٍ، قال: حدثنا معاذُ بن جبَلٍ، وأبو عُبَيدةَ بن الجراح (٥)، وعُبادةُ بن الصَّامِت، وشَدَّاد بن أوْسٍ، قالوا: إنَّ رسولَ الله ﷺ ، قال: «إذا قَتَلَت المرأةُ عَمْدًا؛ فلا تُقتَلُ حتَّى تَضَعَ ما في بطنها (٦) إنْ كانَتْ حامِلاً، وحتَّى تكفل (٧) ولدَها، وإنْ زَنَتْ لم تُرجَمْ حتَّى تَضَعَ ما في بطنها، وحتَّى تكفل (٨) ولدَها» (٩)، ولأِنَّه يُخافُ على ولدها، وقَتْلُه حرامٌ، والولدُ يتضرَّر

стр. 5399

بترك اللِّبَأ ضررًا كثيرًا، وقال في «الكافي»: لا يَعِيشُ إلاَّ به. (ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ (١)؛ قُتِلَتْ؛ لأِنَّ تأخيرَ قَتْلِها إنَّما كان للخوفِ على ولدها، وقد زال ذلك، وفي «الترغيب»: يلزم (٢) برضاعه بأُجْرةٍ. (وَإلاَّ)؛ أي (٣): إذا لم يُوجَدْ مَنْ يُرضِعُه؛ (تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ) لحَولَينِ؛ للخبر، والمعْنَى: إلاَّ أنْ يكونَ فيما دُونَ النَّفس، والغالِبُ عَدَمُ ضَرَرِ الاِسْتِيفاء منها، ولأِنَّ القتلَ إذا أُخِّر من أجْلِ سَقْط الحمل؛ فلأن يُؤخَّرَ من أجل حفظ الولد بطريقِ الأولى (٤). وظاهِرُه: أنَّه (٥) إذا أمْكَنَ سَقْيُه لَبَنَ شاةٍ؛ فإنَّها تُترَكُ، وصرَّح في «المغْنِي» و «الشَّرح»: بأنَّها تُقتَلُ؛ لأِنَّ (٦) له ما يَقومُ به. وظاهره (٧): أنَّها لا تؤخَّر (٨) لمرَضٍ وحرٍّ وبَرْدٍ، وقيل: بلى (٩)؛ كمَنْ خِيفَ تَلَفُها؛ لحديث عليٍّ (١٠)، رواهُ مُسْلِمٌ (١١).

стр. 5400

(وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَالَ حَمْلِهَا)؛ لأِنَّ القِصاصَ في الطَّرَف لا يُؤمَنُ معه التَّعدِّي إلى تَلَفِ الولد، أشْبَهَ الاِقْتِصاصَ في النَّفس، بل يُقادُ منها فيه بمُجرَّدِ الوضع، صرَّح به في «الفروع» وغيره (١)، وفي «المغني»: وسَقْيِ اللِّبأ (٢)، وهو ظاهِرٌ، وفي «المستوعب» وغيره: ويَفرُغُ نِفاسُها، وفي «البلغة»: هي فيه كمريضٍ. (وَحُكْمُ الْحَدِّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْقِصَاصِ)؛ لأِنَّه في معناه، وللخبر السَّابق. واسْتَحَبَّ القاضي تأخيرَ الرَّجم مع وجود مُرضِعةٍ؛ لتُرْضِعَه بنفسها، وقيل: يَجِبُ، نَقَلَ الجماعةُ: تُترَك (٣) حتَّى تَفطِمَه (٤). ولا تُحبَسُ لحدٍّ، قاله في «التَّرغيب» و «الرِّعاية»، بل لِقَوَدٍ (٥)، ولو مع غيبة (٦) وليِّ مقتولٍ، لا في مالٍ غائبٍ. (فَإِنِ ادَّعَتِ الْحَمْلَ؛ احْتَمَلَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهَا، فَتُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ للحمل أماراتٍ خفيَّةً تعلمها (٧) مِنْ نَفْسِها دُونَ غيرها، فوجَبَ أنْ يُحتاطَ له كالحيض. وعليه في «التَّرغيب»: لا قَوَدَ من منكوحةٍ مُخالِطةٍ لزوجها، وهو ممنوعٌ مِنْ وَطْئِها لأِجْلِ الظِّهار؛ ففيه احْتِمالانِ.

стр. 5401

(وَاحْتَمَلَ أَلاَّ يُقْبَلَ (١) إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)، ولو امرأةً، ذَكَر في «الفروع»، وفي «المحرَّر» و «الشَّرح»: أنَّها تُرَى أهلَ الخِبْرة، فإنْ شَهِدتْ بحَمْلها؛ أُخِّرَتْ، وإنْ شهدت (٢) ببراءتها لم تُؤخَّرْ؛ لأِنَّ الحقَّ حالٌّ عليها، فلا تؤخر (٣) بمجرَّد دَعْواها، فإنْ أشْكَلَ على القَوابِل، أوْ لم يُوجَدْ مَنْ يَعرِفُ ذلك؛ أُخِّرتْ حتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُها؛ لأِنَّه إذا أسْقَطْنا القِصاصَ مِنْ خَوفِ الزِّيادة؛ فتأخيرُه أَوْلَى. (وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ حَامِلٍ)؛ حَرُمَ، وأخْطَأَ السلطانُ (٤) الذي مكَّنه من الاستيفاء، وعليهما (٥) الإثمُ إنْ كانا عالِمَينِ، أوْ كان منهما تفريطٌ، وإلاَّ فالإثمُ على العالم والمفرِّط. و (وَجَبَ (٦) ضَمَانُ جَنِينِهَا عَلَى قَاتِلِهَا (٧)؛ لأِنَّه المباشِرُ، فلو انْفَصَلَ ميتًا، أوْ حيًّا لوقتٍ لا يَعِيشُ في مِثْلِه؛ ففيه غُرَّةٌ، وإنِ انفصَلَ حيًّا لوقتٍ يعِيشُ مِثْلُه فيه، ثمَّ مات من الجناية؛ ففيه الدِّيَةُ. ويُنظَرُ، فإنْ كان الإمامُ والوليُّ عالِمَينِ بالحَمْل وتحريمِ الاِسْتِيفاءِ، أوْ جاهِلَينِ بالأمْرَينِ، أوْ أحدِهما، أوْ كان الوليُّ عالِمًا بذلك دُونَ المُمَكِّنِ له من الاستيفاء (٨)؛ فالضَّمانُ عليه وحدَه؛ لأِنَّه مُباشِرٌ، والحاكِمُ الذي مكَّنَه (٩) صاحِبُ سببٍ.

стр. 5402

وإنْ عَلِمَ الحاكِمُ دُونَ الوليِّ؛ فالضَّمانُ على الحاكِم وحْدَه؛ كالسَّيِّد إذا أمَرَ عبدَه الأعْجَمِيَّ الذي لا يَعرِفُ تحريمَ القَتْل به. وإنْ كانا عالِمَينِ؛ ضَمِنَ الحاكِمُ فقطْ. وإنْ كانا جاهِلَينِ؛ فقِيلَ: الضَّمانُ على الحاكم، وقِيلَ: على الوليِّ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وقِيلَ: يَضْمَنُه السلطان (١)، إلاَّ أنْ يَعلَمَ المقتَصُّ وحدَه بالحمل (٢) فيَضمَنُ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الذِي مَكَّنَهُ (٣) مِنْ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه مكَّنَه من الإتْلاف، فاختَصَّ الضَّمانُ به؛ كما لو أمر (٤) عبدَه الجاهِلَ بتحريمِ القَتْل (٥)، فعلى هذا: هل الغُرَّةُ في بَيتِ المال، أوْ ماله (٦)؟ فيه رِوايَتانِ. فرعٌ: قال في (٧) «الرِّعاية»: فإنْ قَتَلَها، فتلف (٨) جنينُها؛ ضَمِنَه السُّلطانُ الممَكِّنُ منها بغُرَّة (٩)، وعنه: في بَيتِ المال. فإنْ رَمَتْه حيًّا، فمات بذلك؛ وَجَبَتْ دِيَتُه، أوْ قِيمتُه إنْ كان قِيمِيًّا من بَيتِ المال، وعنه: من عاقِلَتِه، وقِيلَ: يَضمَنُه قاتِلُها، وقِيلَ: إنْ عَلِمَ وحدَه بالحمل.

стр. 5403

(فَصْلٌ) (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ إِلاَّ بِحَضْرَةِ السُّلْطَانِ) أوْ نائبِه؛ لأِنَّه يَفتَقِرُ إلى اجْتِهاده، ولا (١) يُؤمَنُ فيه الحَيفُ مع قَصْدِ التَّشفِّي، فلو خَالَفَ؛ وَقَعَ المُوقَعُ؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى حقَّه، وفي «المغني» و «الشَّرح»: يُعزِّرُه؛ لاِفْتِياته على السُّلطان، وفي «عيون المسائل»: لا يُعزِّره؛ لأِنَّه حقٌّ له كالمال. ويَحتَمِلُ: جَوازه بغَيرِ حضرته إذا كان القِصاصُ في النَّفس؛ لأِنَّه ﵇ أتاه رجلٌ يَقُودُ آخَرَ، فقال: إنَّ هذا قَتَلَ أخِي، فاعْتَرَفَ بقتله (٢)، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اذْهَبْ فَاقْتُلْه» رواه مُسلِمٌ (٣)، ولأِنَّ اشتراط (٤) حُضورِه لا يَثبُتُ إلاَّ بدليلٍ، ولم يُوجَدْ. ويُستَحَبُّ حضورُ شاهِدَينِ؛ لِئلاَّ يُنكِرَ المقْتَصُّ الاِسْتِيفاءَ. (وَعَلَيْهِ تَفَقُّدُ (٥) الآْلَةِ التِي يَسْتَوْفِي بِهَا الْقِصَاصَ)؛ لأِنَّ منها ما لا يَجُوزُ الاِسْتِيفاءُ به، (فَإِنْ كَانَتْ كَالَّةً)، أوْ مَسمومةً؛ (مَنَعَهُ الاِسْتِيفَاءُ بِهَا)؛ لقوله ﷺ : «إذا قَتَلْتُم فأحْسِنُوا القِتْلةَ» رواه مُسلِمٌ مِنْ حديثِ شدَّادٍ (٦)، ولِئَلاَّ يُعذَّبَ المقتولُ، ولأِنَّ المسمومةَ تُفسِدُ البَدَنَ، وربما مَنَعَتْ غَسْلَه، وإنْ عجَّلَ فاسْتَوْفَى بذلك؛ عُزِّرَ؛ لِفِعْلِه ما لا يَجُوزُ. (وَيَنْظُرُ فِي الْوَلِيِّ؛ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ الاِسْتِيفَاءَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ) بالقوة (٧)

стр. 5404

والمعرفة؛ (أَمْكَنَهُ مِنْهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾ [الإسرَاء: ٣٣]، وللخبر، وكسائرِ حقوقه، ولأِنَّ المقصودَ التَّشفِّي، وتمكينُه منه (١) أبلغ من (٢) ذلك. فإن ادَّعى المعرفةَ بالاستيفاء، فأمْكَنَه السُّلطانُ منه بضرب (٣) عنقه، فأبانه؛ فقد اسْتَوْفَى حقَّه، وإنْ أصاب غَيرَه، وأقرَّ بتعمُّدِ ذلك؛ عُزِّرَ، فإنْ قال: أخْطَأْتُ، وكانت الضَّربةُ في مَوضِعٍ قريبٍ من العنق؛ قُبِلَ قَولُه مع يَمِينِه. ثُمَّ إنْ أرادَ العود (٤)؛ فقيلَ: لا يُمكَّنُ؛ لأِنَّه ظَهَرَ منه أنَّه (٥) لا يُحسِنُ. وقِيلَ: بلى، واختاره (٦) القاضِي؛ لأِنَّ الظاهِرَ أنَّه يَحتَرِزُ عن مثل ذلك ثانيًا. (وَإِلاَّ أَمَرَهُ بِالتَّوْكِيلِ)؛ لأِنَّه عاجِزٌ عن استيفائه، فيُوكِّلُ فيه مَنْ يُحْسِنُه؛ لأِنَّه قائمٌ مَقامَه. (فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أُجْرَةٍ؛ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي)؛ كالحدِّ، ولأنَّها (٧) أُجْرةٌ لإيفاء (٨) ما عليه من الحقِّ، فكانَتْ لازِمةً له؛ كأُجْرةِ الكَيَّال. وقال أبو بكرٍ: يكون (٩) من الفَيء، فإنْ لم يكُن فمِن الجاني.

стр. 5405

وذَكَرَ المؤلف (١) في «الكافي»: أنَّ بَذْلَ العِوَض مِنْ بَيتِ المال، فإنْ لم يكُنْ فمِن الجاني. والذي ذَكَرَه أبو بكرٍ، والقاضي في «خِلافَيهِما»: أنَّ الأُجْرةَ على الجاني. قال في «الشَّرح»: وذَهَبَ بعضُ أصْحابِنا: أنَّه يُرزَقُ مِنْ بَيتِ المال رَجُلٌ يَستوفي (٢) الحدود والقِصاصَ؛ لأِنَّ هذا من المصالح العامَّة، فإنْ لم يَحصُلْ فَعَلَى الجاني؛ لأِنَّ الحقَّ عَلَيهِ فيَلزَمُه أُجرةُ الاِسْتِيفاءِ؛ كأجْرةِ الوَزَّان. ويَتَوجَّهُ لو قال: أنا أقْتَصُّ مِنْ نَفْسِي، ولا أؤدِّي أُجْرةً، هل يُقبَلُ منه أمْ لا؟ وقِيلَ: على المقتَصِّ؛ لأِنَّه وكيلُه، فكانتِ الأُجْرةُ على مُوكِّله كسائر المواضع، والذي على الجاني التَّمكينُ دُونَ الفعل، ولو كانَتْ عليه أُجرةُ الوكيل؛ لَلَزِمَه أُجْرةُ الوليِّ إذا اسْتَوْفَى بنفسه. (وَالْوَلَيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الاِسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ، وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ)، هذا المذهَبُ؛ لأِنَّ التَّوكيلَ حقٌّ له، فكان له الخِيَرةُ فيه؛ كسائر حقوقه (٣). (وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الطَّرَفَ بِنَفْسِهِ بِحَالٍ)، قدَّمه في «الكافي»؛ لأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يَجْنِي عليه بما لا يُمكِنُ تلافيه (٤). وقيل: يُمنَعُ منها فيهما؛ كجَهْله، واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ. والأوَّلُ أَوْلَى، قال القاضي: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه يُمكَّنُ منه؛ لأِنَّه أحدُ نَوعَيِ القِصاصِ، فيُمكَّنُ منه؛ كالقصاص في النَّفس.

стр. 5406

(وَإِنْ تَشَاحَّ أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ (١) فِي الاسْتِيفَاءِ؛ قُدِّمَ أَحَدُهُمْ)؛ لأِنَّه لا يَجوزُ اجْتِماعُهم على القَتْلِ؛ لِمَا فيه من تعذيبِ الجاني وتعدُّدِ أفْعالهم، ولا مَزِيَّةَ لأِحدِهم؛ فَوَجَبَ التَّقديمُ (بِالْقُرْعَةِ)؛ كما لو تَشاحُّوا في تزويجِ مَولِيَّتِهم، فمَنْ خَرَجَتْ له القُرْعةُ اسْتَأْذَنَ شركاءَه في الاِسْتِيفاء، ولا يَجُوزُ بغَيرِ إذْنِهم؛ لأِنَّ الحقَّ لهم. فإنْ لم يَتَّفِقُوا على تَوكِيلِ أحدٍ؛ لم يُسْتَوْفَ حتَّى يُوَكِّلُوا. وقال ابنُ أبي موسى: إذا تَشاحُّوا؛ أَمَرَ الإمامُ مَنْ شاء باسْتِيفائه. تنبيهٌ: إذا اقْتَصَّ جانٍ من نَفْسه بِرِضَا وليٍّ؛ جاز، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «المغني» (٢) و «الشَّرح» خِلافُه، وأطْلَقَهما في «الفروع». وصحَّح في «التَّرغيب»: لا يَقَعُ قَوَدًا، وفي «البُلْغة»: يَقَعُ. قال في «الرِّعاية»: ولو أقامَ حدَّ زِنًى أوْ قَذْفٍ على نفسه بإذْنٍ؛ لم يَسقُطْ، بخِلافِ قَطْعِ سَرِقةٍ. وله أنْ يَختِنَ نفسَه إنْ قَوِيَ عليه وأحْسَنَه، نَصَّ عليه (٣)؛ لأِنَّه يسيرٌ، لا قَطْعٌ في سَرِقةٍ؛ لِفَواتِ الرَّدْع. وقال القاضي: على أنَّه لا يَمتَنِعُ القَطْعُ بنفسه، وإنْ مَنَعْناهُ؛ فلأِنَّه ربَّما اضْطَرَبَتْ يدُه فجَنَى على نفسه، ولم يَعتَبِرْ على جَوازه إذْنًا، قال في «الفروع»: ويَتوجَّهُ اعْتِبارُه. وهل يَقَعُ المُوقَعُ؟ يتوجَّه على الوجْهَينِ في القَوَد (٤)، ويَتوجَّهُ احْتِمالٌ في

стр. 5407

حدِّ زِنًى، وقَذْفٍ، وشُرْبٍ؛ كحدِّ سَرِقةٍ، وبَينَهما فرقٌ؛ لِحُصولِ المقصود في القَطْعِ في السَّرِقة، وهو قَطْعُ العُضْوِ الواجِبِ قَطْعُه، وعَدَمِ حُصولِ الرَّدْع والزَّجْر بجَلْدِه نَفْسَه.

стр. 5408

(فَصْلٌ) (وَلَا يُسْتَوْفَى الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِالسَّيْفِ) في العُنُق، وإنْ كان القَتْلُ بغَيرِه، (فِي إِحْدَى (١) الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، واخْتارَه الأصْحابُ؛ لِمَا رَوَى النُّعمانُ بنُ بَشِيرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا قَوَدَ إلاَّ بالسَّيف» رواهُ ابنُ ماجَهْ، والدَّارَقُطْنِيُّ، والبيهقي (٢) مِنْ غَيرِ طريقٍ، وقال أحمدُ: لَيسَ إسْنادُه بجيد (٣)، ولأِنَّ القِصاصَ أحدُ بَدَلِ النَّفس، فَدَخَلَ الطَّرَفُ في حُكْم الجملة؛ كالدِّية، ونَهَى عن المُثْلَة، ولأِنَّ فيه زيادةَ تعذيبٍ، وكما لو قَتَلَه بالسَّيف. قال في «الاِنْتِصار» وغَيره في قَوَدٍ: وحقُّ الله لا يَجُوزُ في النَّفس إلاَّ بسَيفٍ؛ لأِنَّه أوْحَى (٤)، لا بِسِكِّينٍ، ولا في طَرَفٍ إلاَّ بها؛ لِئَلاَّ يَحِيفَ،

стр. 5409

وأنَّ (١) الرَّجمَ بحجرٍ (٢)، لا يَجُوزُ بسَيفٍ. (وَالْأُخْرَى: يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ (٣)، وقَتْلُه بسيف (٤)، وقاله الأكثرُ، واخْتارَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النّحل: ١٢٦]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٩٤]، ولأِنَّه «﵇ رضَّ رأسَ يهوديٍّ … » الخبرَ (٦)، ولقوله ﷺ : «مَنْ حرَّقَ حرَّقْناهُ، ومَن غرَّق غرَّقناه» رواه البَيهَقيُّ مِنْ حديثِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ، وفي إسْنادِه مَقالٌ (٧)، ولأِنَّ القِصاصَ موضُوعٌ على المُماثَلَةِ، ولَفْظَه مُشْعِرٌ به (٨)، فيجب (٩) أنْ يَسْتَوْفِيَ منه ما فَعَلَ؛ كما لو ضَرَبَ العُنُقَ آخَرُ غَيرُه. وعَلَيها: إنْ ماتَ وإلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُه، وفي «الاِنْتِصار» احْتِمالٌ، أو الدِّيَةُ بغَيرِ رِضاهُ. (فَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ؛ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ) لِمَا عَرَفْتَ. (وَإِنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ غَرَّقَهُ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ) مِنْ أنواع القتل غَيرَ ما اسْتُثْنِيَ؛ (فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ (١٠)؛ لِمَا ذَكَرْنا، واختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ.

стр. 5410

وعَنْهُ: يُفعَلُ به كفِعْلِه إنْ كان فِعْلُه مُوحِيًا (١). وعَنْهُ: أوْ مُوجِبًا لِقَوَدِ طَرَفِه لو انْفَرَدَ. فعلى (٢) المذهب: لو فَعَلَ لم يَضمَنْ، وأنَّه لو قَطَعَ طَرَفَه، ثُمَّ قَتَلَه قبلَ البُرْء (٣)؛ ففي دخولِ قَوَدِ طَرَفِه في قَوَدِ نفسه لدخوله في الدِّيَة؛ رِوايَتانِ، قال في «التَّرغيب»: فائدتُه: لو عَفَا عن النَّفس؛ سَقَطَ القَوَدُ في الطَّرَف؛ لأِنَّ قَطْعَ السِّراية كانْدِمالِه، ومتى (٤) فَعَلَ به الولي (٥) كما فَعَلَ؛ لم يَضمَنْه بشَيءٍ وإنْ حرَّمْناهُ، وإنْ زاد أوْ تَعدَّى بقَطْعِ طَرَفِه؛ فلا قَوَدَ، ويَضْمَنُه بِدِيَتِه، عَفَا عنه أوْ لا، وقِيلَ: إنْ لم يَسْرِ القَطْعُ. (وَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ مَفْصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْضَحَهُ فَمَاتَ؛ فُعِلَ بِهِ كَفِعْلِهِ)؛ للكتاب والسُّنَّةِ، واعْتِبارِ المماثَلة، (فَإِنْ مَاتَ وَإِلاَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ)؛ لأِنَّ ذلك مُستَحَقٌّ لكَونه تَرتَّبَ على فعله (٦) القَتْلُ، فإذا لم يَحصُلْ بمِثْلِ ما فَعَلَ؛ تعيَّن ضَرْبُ العُنُق؛ لكَونه وسيلةً إلى اسْتِيفاء القَتْل المسْتَحَقِّ عليه. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْتَلُ)؛ لأِنَّ القِصاصَ أحدُ بَدَلَي (٧) النَّفس، فدَخَلَ القَطْعُ وغَيرُه في القتل؛ كالدِّية. (وَلَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ أيْ: لا يُقتَصُّ منه في الطَّرَف روايةً واحدةً؛ لِإفْضائه إلى الزِّيادة، قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ تخريجُه على الرِّوايتَينِ، ولَيسَ هذا بزيادةٍ؛ لأِنَّ فَواتَ النَّفس بسِرايةِ فِعْله، وهو كفعله،

стр. 5411

أشْبَهَ ما لو قَطَعه (١)، ثمَّ قَتَلَه. (وَإِنْ قَتَلَهُ بِمُحَرَّمٍ فِي نَفْسِهِ؛ كَتَجْرِيعِ (٢) الْخَمْرِ، وَاللِّوَاطِ، وَنَحْوِهِ)؛ كالسِّحر؛ لم يَقتُله بمثله، وِفاقًا (٣)؛ (قُتِلَ بِالسَّيْفِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ هذا مُحرَّمٌ لِعَينه، فوجَبَ العُدولُ عنه إلى القتل بالسَّيف؛ لأِنَّ قَتْلَه بمثلِ فِعْله غَيرُ مُمْكِنٍ. وإن (٤) حرَّقَه؛ فقال بعضُ أصحابنا: لا يُحرَّقُ؛ للنَّهيِ عنه (٥)، وقال القاضي: الصَّحيحُ أنَّ فيه روايتَينِ؛ كالتغريق (٦). والثَّانية: يُحرَّقُ، وقاله مسروق وقتادةُ، وحَمَلوا النَّهْيَ على غَيرِ القِصاص. (وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ الزِّيادةَ على فِعْله تَعَدٍّ عليه، فلم يَجُزْ؛ كما لو لم يكن قاتِلاً، (وَلَا قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِهِ)؛ لأِنَّ ذلك زيادةٌ على ما أتى به، (فَإِنْ فَعَلَ؛ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ لأِنَّ القِصاصَ عقوبةٌ تُدْرَأُ بالشُّبهة، وهي هنا مُتحَقِّقةٌ؛ لأِنَّه مُستَحِقٌّ لإتلافِ الطَّرَف ضِمْنًا لاِسْتِحْقاقه إتلافَ الجملة.

стр. 5412

(وَتَجِبُ (١) فِيهِ)؛ أيْ: في الزائد (٢) (دِيَتُهُ)؛ لأِنَّ ذلك حصل (٣) بالتَّعَدِّي، أشْبَهَ ما لو لم يكن المقطوعُ مُكافِئًا، (سَوَاءٌ عَفَا عَنْهُ أَوْ قَتَلَهُ (٤)؛ لأِنَّ اسْتِحْقاقَ إتْلافِ الطَّرَف مَوجودٌ في حالتي العَفْو والقتل. لَواحِقُ: إذا كان الجاني قطَع يدَه، فقطع المستوفي رجلَه؛ فقيل: كقطعِ يده؛ لاستوائهما، وقيل: دِيَة رِجْله؛ لأِنَّ الجانيَ لم يَقْطَعْها. وإن استحقَّ قَطْعَ إصبعٍ، فقَطَعَ ثنتين؛ فحكمُه حكمُ القطع ابتداءً. وإنْ ظنَّ وليُّ دمٍ (٥) أنَّه اقتصَّ في النَّفس، فلم يكن، وداوَاه أهله حتَّى بَرِئَ؛ فإنْ شاء الوليُّ دَفَعَ إليه ديةَ فِعْله وقَتَلَه، وإلاَّ تَرَكَه، هذا رأيُ عمرَ، وعلي (٦)، ويَعْلَى بن أميَّةَ، ذَكَرَه أحمدُ (٧).

стр. 5413

وإذا اقتصَّ بآلةٍ كالَّةٍ أو (١) مسمومةٍ، فسَرَى، فقال القاضي: عليه نصفُ الدِّية؛ لأِنَّه تَلِفَ بفعلٍ (٢) جائزٍ ومُحرَّمٍ؛ كما لو جَرَحَه في ردَّته وإسلامه فمات منهما. ويَحتَمِلُ: يَلزَمه ضمانُ السِّرايَة كلِّها؛ لأِنَّ هذا الفِعْلَ كلَّه مُحرَّمٌ.

стр. 5414

(فَصْلٌ) (وَإِنْ قَتَلَ) أوْ قَطَعَ (وَاحِدٌ جَمَاعَةً)، في وَقْتٍ أوْ أكثرَ؛ لم تتداخل (١) حقوقُهم؛ لأِنَّها حقوقٌ مقصودةٌ لآِدَمِيِّينَ، فلم تتداخل (٢)؛ كالدُّيون، لكِنْ إنْ رَضِيَ الكلُّ بقَتْله؛ جاز، وقد أشار إليه بقوله: (فَرَضُوا بِقَتْلِهِ؛ قُتِلَ لَهُمْ)؛ لأِنَّ الحقَّ لهم؛ كما لو قَتَلَ عبدٌ عبيدًا خطأً فرَضُوا بأخْذِه؛ لأِنَّهم رَضُوا ببعض حقِّهم؛ كما لو رَضِيَ صاحِبُ اليد الصَّحيحة بالشَّلاَّء، (وَلَا شَيْءَ لَهُمْ سِوَاهُ)؛ أيْ: سِوَى القتل؛ لأِنَّهم رَضُوا بقَتْلِه (٣)، فلم يكُنْ لهم (٤) سِواهُ، وإنْ طَلَبَ أحدُهم القصاص والباقون الدِّيةَ؛ فلهم ذلك. (وَإِنْ تَشَاحُّوا فِيمَنْ يَقْتُلُهُ مِنْهُمْ عَلَى الْكَمَالِ؛ أُقِيدَ لِلْأَوَّلِ)، وذَكَرَه في «الفروع» قولاً؛ لأِنَّ حقَّه أسبقُ، ولأِنَّ المحلَّ صار مستحَقًّا له بالقتل، فعلى هذا: إذا كان الوليُّ غائبًا أوْ صَغِيرًا انتُظِرَ؛ لأِنَّ الحقَّ له. وقِيلَ: يُقادُ لِمَنْ بعدَه. وقال ابنُ حَمْدانَ: مع السَّبق يُقادُ بالسَّابق، ومع (٥) المعيَّة؛ هل يُقادُ بواحدٍ بقُرعةٍ، أوْ بالكلِّ، أوْ يَرجِعُ كلُّ واحِدٍ ببقيَّة حقِّه؟ فيه أوْجُهٌ. وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّه (٦) يُقدَّمُ أحدُهم بالقرعة، وحكاهما (٧) في «الفروع» مِنْ غَيرِ ترجيحٍ.

стр. 5415

(وَلِلْبَاقِينَ دِيَةُ قَتِيلِهِمْ (١)؛ لأِنَّ القَتْلَ إذا فات تعيَّنت الدِّيةُ؛ كما لو بادر بعضُهم فاقْتَصَّ بجِنايَته. وفي «الانتصار»: إذا طَلَبوا القَوَدَ؛ فقد رَضِيَ كلُّ واحدٍ بجُزءٍ منه (٢)، وأنَّه قَولُ أحمدَ، قال (٣): ويتوجَّه أن (٤) يُجبَرَ له باقي حقِّه بالدِّية، ويتخرَّج (٥): يُقتَلُ بهم فقط على روايةِ يَجِبُ بقَتْلِ العَمْد القَوَدُ. فرعٌ: إذا بادَرَ أحدُهم فاقْتَصَّ بجنايته؛ فلِمَنْ بَقِيَ الدِّيةُ على جانٍ، وفي «كتاب الأَدَمي»: ويَرْجِعُ وَرَثَتُه على المقتصِّ، وقدَّم في «التَّبصرة»، وابنُ رَزِينٍ: على قاتِلِه، وكما لو قَتَلَ مُرتَدًّا كان مُستَوْفِيًا لِقَتْلِ الرِّدَّة، وإنْ أساء في الاِفْتِيات على الإمام. (فَإِنْ رَضِيَ الْأَوَّلُ بِالدِّيَةِ؛ أُعْطِيَهَا)؛ لأِنَّه رَضِيَ بدُونِ حقِّه، (وَقُتِلَ (٦) لِلثَّانِي (٧)؛ لأِنَّ الأوَّلَ إنَّما قُدِّمَ عليه لِسَبْقه، وقد سقط (٨) حقُّه لِرضاهُ بالدِّية. (وَإِنْ قَتَلَ وَقَطَعَ طَرَفًا؛ قُطِعَ طَرَفُهُ) أوَّلاً؛ لأِنَّه لو بَدَأَ بالقَتْل لَفَاتَ القَطْعُ، وفيه تفويتٌ لحقِّ المقطوع، فَوَجَبَ تقديمُ القَطْع؛ لِمَا فيه من الجمع بَينَ حقَّي القَطْع والقَتْلِ، (ثُمَّ قُتِلَ لِوَلِيِّ (٩) المَقْتُولِ)؛ لأِنَّه لا (١٠) مُعارِضَ له، تَقدَّمَ القَتْلُ

стр. 5416

أوْ تأخر (١)؛ لأِنَّهما جِنايَتانِ على رَجُلَينِ، فلم يَتداخَلا؛ كقَطْعِ يدِ رَجُلَينِ، ولأِنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بَينَ الحَقَّينِ، فلم يَجُزْ إسْقاطُ أحدِهما. (وَإِنْ قَطَعَ أَيْدِيَ جَمَاعَةٍ؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَتْلِ)؛ لأِنَّ القَطْعَ كالقتل، فَعَلَى هذا: إنْ رَضِيَ الجماعةُ بقَطْعِ يَدِه؛ قُطِعت (٢) لهم، ولا (٣) شَيْءَ لهم سِواهُ، وإنْ تَشَاحُّوا؛ فعلى الخلاف، وإنْ رَضِيَ الأوَّلُ بالدِّية؛ أُعْطِيَها، وقُطِعَ للباقين (٤). مسألة: إذا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ، ثُمَّ قَتَلَ آخَرَ، ثُمَّ سَرَى القَطْعُ إلى النَّفس وماتَ، وتشاحَّا؛ قُتِل بالذي قتَلَه؛ لِسَبْقِه وتأخُّر السِّرايَة، وأمَّا الْقَطْع؛ فإنْ قُلْنا: إنَّه يَسْتَوْفِي منه مِثْلَ ما فعل (٥)؛ قُطِعَ له أوَّلاً، ثُمَّ قُتِلَ للَّذي (٦) قَتَلَه، ويَجِبُ للأوَّل نصفُ الدِّية. وإنْ قُلْنا: لا يَستَوْفِي القَطعَ؛ وجَبَتْ له الدِّيةُ كامِلةً، ولم يُقطَعْ طَرَفُه. وقِيلَ: يجب (٧) القَطع بكلِّ حالٍ. وإنْ قَطَعَ يدَ واحِدٍ وإصبعَ آخَرَ؛ قُدِّمَ ربُّ اليد إنْ كان أوَّلاً (٨) وللآخَرِ ديةُ إصْبعه، ومع أوَّلِيَّته؛ تُقطَعُ إصبعُه، ثُمَّ يَقْتَصُّ ربُّ اليد بلا أرْشٍ، وفيه وَجْهٌ. وهذا بخِلافِ النَّفس، فإنَّها لا تَنْقُصُ بقَطْع الطَّرَف، بدليلِ أخْذِ صحيحِ الأطراف بمَقطوعِها.

стр. 5417

(بَابُ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ) أجْمَعوا على جوازِ العَفْو عن القصاص (١)، وهو أفْضَلُ، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، والعَفْوُ: المحْوُ والتَّجاوُزُ، والهاءُ في ﴿لَهُ﴾ ول ﴿مِنْ﴾، وهو القاتِلُ، ويكون (٢) القتيلُ أو الوليُّ على هذا أخًا للقاتِلِ مِنْ حَيثُ الدِّين والصحبة (٣)، وإنْ لم يكُنْ بَينَهما نَسَبٌ. ونكَّر «شَيئًا» للإيذان بأنَّه إذا عُفِيَ له عن بعضِ الدَّم، أوْ عَفا بعضُ الوَرَثة؛ سَقَطَ القِصاصُ، ووجبت (٤) الدِّيةُ، فيكونُ العَفْوُ على هذا بمعنى الإسْقاطِ. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من العَفْو وأخْذِ الدِّيةِ، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لأِنَّ القِصاصَ كان حَتْمًا على اليهود، وحُرِّمَ عليهم العفوُ والدِّيةُ، وكانت الدِّيةُ حَتْمًا على النَّصارى، وحُرِّمَ عليهم القِصاصُ، فخُيِّرتْ هذه الأمَّةُ بَينَ القِصاص وأخْذِ الدِّية والعَفْوِ؛ تخفيفًا ورحمةً، و «كان النَّبيُّ ﷺ لا يُرفَعُ إليه أمْرٌ فيه القِصاصُ إلاَّ أَمَرَ فيه بالعَفْوِ» رواه الخمسةُ، إلاَّ التِّرمذيُّ، من حديثِ أنَسٍ (٥)، والقِياسُ يَقتَضيهِ؛ لأِنَّ القِصاصَ حقٌّ له، فجاز تَرْكُه؛

стр. 5418

كسائرِ الحُقوق. (وَالوَاجِبُ (١) بِقَتْلِ الْعَمْدِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، هذا قَولُ الجماعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، أَوْجَبَ الاِتِّباعَ بمجرَّدِ العَفْوِ، ولو وَجَبَ بالعمد القصاصُ عَينًا؛ لم تَجِب الدِّيةُ عِنْدَ العَفْوِ المطلَقِ. (وَالْخِيَرَةُ فِيهِ إِلَى الْوَلِيِّ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا إِلَى غَيْرِ شَيْءٍ)، وإنْ شاء قَتَلَ البعضَ إذا كان القاتِلونَ جماعةً، ولا يَسقُطُ القِصاصُ عن البعض بالعفو عن البعض. فمَتَى اخْتار الأولياءُ الدِّيةَ من القاتل، أوْ مِنْ بعضِ القَتَلة؛ كان لهم ذلك مِنْ غَيرِ رِضَا الجاني؛ لقول ابنِ عبَّاسٍ: «كان في بني إسْرائيلَ القِصاصُ، ولم يكُنْ فيهم الدِّيةُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى … ﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]» رواه البخاريُّ (٢)، وعن أبي هُرَيرةَ مرفوعًا: «مَنْ قُتِلَ له قتيلٌ؛ فهو بخَيرِ النَّظَرَينِ، إمَّا أنْ يُفْدَى وإمَّا أنْ يُقتَلَ» متَّفَقٌ عليه (٣)، وعن أبي شُرَيحٍ الخُزاعيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ أصيبَ بدَمٍ أوْ خَبْلٍ - والخَبْلُ: الجِراحُ (٤) -؛ فهُو بالخِيارِ بَينَ إحْدَى ثلاثٍ: إمَّا أنْ يَقتَصَّ، أوْ يَأخُذَ العقل (٥)، أَوْ يعفو (٦)، فإنْ أراد رابعةً؛ فخُذُوا على يَدَيهِ»

стр. 5419

رواه أحمد، وأبو داودَ، وابنُ ماجَهْ، من روايةِ سُفيانَ بنِ أبي العوجاء (١)، وفيه ضعفٌ (٢)، ولأِنَّ له أنْ يَختارَ أيَّهما شاء، فكان الواجِبُ أحدَهما؛ كالهَدْيِ والطعام (٣) في (٤) جزاءِ الصَّيد. (وَالْعَفْوُ) مَجَّانًا (أَفْضَلُ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المَائدة: ٤٥]، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشّورى: ٤٠]، وكان النَّبيُّ ﷺ يأمُرُ به (٥)، ثُمَّ لا عُقوبةَ على جانٍ؛ لأِنَّه إنَّما عليه حقٌّ واحِدٌ، وقد سَقَطَ؛ كعفوٍ (٦) عن ديةِ قاتلِ خطأ (٧)، ذَكَرَه المؤلِّفُ وغيرُه. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (العَدْلُ نَوعانِ: أحدُهما: هو الغايةُ، وهو العدلُ بَينَ النَّاس. والثَّاني: ما (٨) يكونُ الإحسانُ أفضلَ منه، وهو عدلُ الإنسان بَينَه وبَينَ خَصمه؛ من الدَّم والمال والعِرْضِ، فإنَّ اسْتِيفاءَ حقِّه عَدْلٌ، والعفو إحسانٌ، والإحسانُ هنا (٩) أفضلُ، لكِنَّ هذا الإحسانَ لا يكونُ إحسانًا إلاَّ بعدَ العَدْل،

стр. 5420

وهو ألاَّ يَحصُلَ بالعفو ضررٌ، فإذا حصل منه ضررٌ؛ كان ظُلْمًا من العافي؛ إمَّا لنفسه وإمَّا لغَيرِه، فلا يُشرع (١) (٢). ومحلُّه: ما لم يكُنْ لمجنون (٣)، أو صغير، فإنَّه لا يَصِحُّ العَفْوُ إلى غيرِ مالٍ؛ لأِنَّه لا يَملِكُ إسقاطَ حقِّه. فرعٌ: يصحُّ (٤) بلَفظِ الصَّدقة، والإسقاطِ؛ كالعفو؛ لأِنَّه إسقاطٌ للحقِّ بكلِّ لفظٍ يؤدِّي معناه. (فَإِنِ اخْتَارَ الْقِصَاصَ؛ فَلَهُ الْعَفْوُ عَلَى (٥) الدِّيَةِ)؛ لِمَا فيه من المصلحة له وللجاني، أمَّا أوَّلاً؛ فلما (٦) في العفو عن القصاص من الفضيلة، وأمَّا ثانيًا؛ فلِمَا فيه من سقوط القصاص عنه. وله الصُّلح (٧) على أكثرَ من الدِّية في الأصحِّ، وخرَّج (٨) ابنُ عَقِيلٍ في غَيرِ الصُّلح: لا يَجِبُ شيءٌ؛ كطَلاقِ مَنْ أسْلَمَ وتحتَه فَوقَ أربعٍ. قيل (٩) له في «الانتصار»: لو كان المالُ بدَلَ النَّفس في العمد؛ لم يَجُز الصُّلحُ على أكثرَ من الدَّية، فقال: كذا نقول (١٠) على روايةٍ؛ يَجِبُ أحد (١١)

стр. 5421

شَيئَينِ، اختاره بعضُ المتأخِّرينَ. (وَإِنِ اخْتَارَ الدِّيَةَ)؛ تعيَّنَتْ، و (سَقَطَ الْقِصَاصُ)؛ لأِنَّ مَنْ وجب (١) له أحدُ شيئَينِ؛ يتعيَّنُ حقُّه باخْتِيارِ أحدهما، قال أحمدُ: إذا أَخَذَ الدِّيةَ فقد عفا عن الدَّم (٢)، (وَلَمْ (٣) يَمْلِكْ طَلَبَهُ)؛ لأِنَّ القِصاصَ إذا سَقَطَ لا يَعُودُ، فلو قتَلَه بعدَ أخْذِ الدِّية؛ قُتِلَ به. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْوَاجِبَ الْقِصَاصُ عَيْنًا)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البَقَرَة: ١٧٨]، والمكتوبُ لا يَتخيَّرُ فيه، ولقوله ﵇: «مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فهو قَوَدٌ» (٤)، ولأِنَّه بَدَلُ مُتلَفٍ، فكان مُعَيَّنًا؛ كسائرِ المتلَفات. وجَوابُه: بأنَّ قولَه: «فهو قَوَدٌ» المرادُ به: وجوب (٥) القَوَد، وهو محلُّ وفاقٍ، والفَرْقُ بَينَه وبَينَ المتْلَفاتِ مُتحقِّقٌ؛ لأِنَّ بَدَلَها لا يَختلِفُ بالقصد وعدمه (٦)، بخلاف القتل. (وَلَهُ الْعَفْوُ إِلَى الدِّيَةِ وَإِنْ سَخَطَ الْجَانِي)؛ لأِنَّ الدِّيةَ أقلُّ منه، فكان له أنْ

стр. 5422

يَنتَقِلَ إلَيها؛ لأِنَّها أقلُّ من حقِّه. وعنه: مُوجَبُه القَوَدُ عَينًا، مع التَّخيير بَينَه وبَينَ الدِّيَة. وعَنْهُ: مُوجَبُه القَوَدُ عَينًا، ولَيسَ له العَفْوُ على الدِّية بدونِ رضا الجاني، فيكونُ قَوَدُه بحاله، وله الصُّلحُ بأكثرَ. (فَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: الْوَاجِبُ أَحَدُ شَيْئَينِ؛ فَلَهُ الدِّيَةُ) على الأُولى خاصَّةً؛ لأِنَّ الواجِبَ أحدُهما، فإذا تَرَكَ أحدَهما تعيَّنَ الآخَرُ. وإنْ هَلَكَ الجاني؛ تعيَّنتْ في ماله؛ كتعذُّره في طَرَفِه، وقِيلَ: تسقط (١) بمَوتِه. وعنه: يَنتَقِلُ الحقُّ إذا قَتَلَ إلى (٢) القاتل الثاني (٣)، فيخيَّر (٤) أولياء القتيلِ الأوَّل بين (٥) قَتْلِه والعَفْوِ. واختار (٦) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه لا يَصِحُّ العَفْوُ في قَتْلِ الغِيلة (٧)؛ لتعذر (٨) الاحْتِراز؛ كالقتل مُكابَرةً. وذَكَرَ القاضي وجهًا في قاتل الأئمة (٩): يُقتَلُ حَدًّا؛ لأِنَّ فسادَه عامٌّ أعظمُ مِنْ مُحارِبٍ. (وَإِنْ قُلْنَا: الْوَاجِبُ القِصَاصُ عَيْنًا؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ)؛ لأِنَّ الدِّيةَ غَيرُ واجبةٍ،

стр. 5423

فإذا سَقَطَ الدَّمُ؛ لم يَبقَ له شيءٌ. وإنِ اختارَ القَوَدَ تعيَّنَ، قال القاضي: وله الرُّجوعُ إلى المال؛ لأِنَّ الدِّيةَ أدْنَى، ولهذا قُلنا: له المطالَبةُ بها وإنْ كان القَوَدُ واجبًا عَينًا. وقيل (١): ليس له ذلك؛ لأِنَّه ترَكَها؛ كما لو عَفَا عنها. (وَإِنْ مَاتَ الْقَاتِلُ)، أَوْ قُتِلَ؛ (وَجَبَتِ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ)؛ لأِنَّه تعذَّر اسْتِيفاءُ القَوَد من غيرِ إسْقاطٍ، فوَجَبَت الدِّيةُ في تَرِكَته؛ كقَتْلِ غَيرِ المكافِئِ. وقِيلَ: إنْ قُلْنا: الواجبُ (٢) أحدُ شَيئَينِ؛ فكذلك، وإنْ قُلْنا: الواجِبُ القَوَدُ؛ فوجْهانِ. فرعٌ: إذا جَنَى عبدٌ على حرٍّ بما يُوجِبُ قَوَدًا، فاشتراه بأرْشها المقدَّر بذهبٍ أو فِضَّةٍ؛ صحَّ، وسَقَطَ القَوَدُ؛ لأِنَّ شِراءَه بالأرْش اختيارٌ للمال، وإنْ قُدِّر بإبلٍ فلا؛ لأِنَّ صفتها (٣) مجهولةٌ. أصلٌ: يَصِحُّ عفوُ السَّفيه والمفْلِس عن القَوَد؛ لأِنَّه لَيسَ بمالٍ، فإنْ عَفَا إلى مالٍ؛ ثَبَتَ، وإنْ كان إلى غيرِ مالٍ، وقُلْنا: الواجبُ أحدُ شيئَينِ؛ ثَبَتَ المالُ؛ لأِنَّه واجِبٌ، ولَيسَ لهما إسْقاطُه، وإنْ قُلْنا: الواجبُ القَوَدُ عَينًا؛ صحَّ عَفْوُهما؛ لأِنَّه لم يَجِبْ إلاَّ القَوَدُ، وقد أسْقَطاه، ذكَرَه في «الكافي». ولو رَمَى مَنْ له قَتْلُه قَوَدًا، ثمَّ عَفَا عنه، فأصابه السَّهمُ؛ فهَدرٌ، قاله في «الرعاية». (وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعًا عَمْدًا، فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ إِلَى الْكَفِّ، أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ (٤) الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ؛ فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ)؛ أيْ: ديةُ ما سَرَتْ إليه،

стр. 5424

(وَإِنْ (١) عَفَا عَلَى غَيْرِ مَالٍ؛ فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ). نقولُ: إذا جَنَى جِنايَةً تُوجِب (٢) قَوَدًا فيما دُونَ النَّفس؛ كالإصبع، فعُفِيَ عنها، ثُمَّ سَرَتِ إلى النَّفس؛ فلا قَوَدَ فيها، وقاله الأكثرُ؛ لأِنَّ القَوَدَ لا يَتبعَّضُ، وقد سَقَطَ في البعض، فسَقَطَ في الكلِّ. وإنْ كانَتْ لا تُوجِبُ قَوَدًا؛ كالجائفة؛ وجَبَ القَوَدُ في النَّفس؛ لأِنَّه عَفَا عن القَوَد فيما لا قَودَ فيه، فلم يُؤثِّر عَفْوُه. فإنْ كان عَفْوُه على مالٍ؛ فله الدِّيةُ كاملةً في المَوضِعَينِ؛ لأِنَّ كلَّ مَوضِعٍ تعذَّر فيه القِصاصُ؛ تعيَّنت الدِّيةُ. وإن (٣) عَفَا على غَيرِ مالٍ؛ فلا شَيءَ له؛ لأِنَّ العَفْوَ حَصَلَ عن الإصبع، فَوَجَبَ أنْ يَحصُلَ عن الذي سَرَى إليه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنَّ لَهُ تَمَامَ الدِّيَةِ)، وصحَّحه بعضُهم؛ لأِنَّ المجْنِيَّ عليه إنَّما عفا عن دية (٤) الإصبع، فَوَجَبَ أنْ يَثبُتَ له تمامُ الدِّية؛ ضرورةَ كَونِه غَيرَ مَعْفُوٍّ عنه. فرعٌ: إذا عفا عن دِيَة الجُرْح؛ صحَّ عفوُه (٥)؛ لأِنَّ دِيَتَه تَجِبُ بالجناية، فعلى هذا: تَجِبُ ديةُ النَّفس، لا دِيَةُ الجرح (٦). وقال القاضِي: ظاهِرُ كلامه (٧) أنَّه لا يَجِبُ شيءٌ؛ لأِنَّ القَطْعَ غَيرُ مَضمونٍ، فكذا سِرايَتُه.

стр. 5425

والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ القَطْعَ مُوجِبٌ، وإنَّما سَقَطَ الوُجوبُ بالعفو (١)، فيَختَصُّ السُّقوطُ بمحلِّ العَفْو. (وَإِنْ عَفَا مُطْلَقًا؛ انْبَنَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مُوجِبِ الْعَمْدِ)، فإنْ قُلْنا: الواجِبُ أحدُ شيئَينِ؛ فهو كما لو عَفَا على مالٍ، وإنْ قُلْنا: الواجِبُ القِصاصُ عَمْدًا؛ فهو كما لو عفا على غيرِ مالٍ. (وَإِنْ قَالَ الْجَانِي: عَفَوْتَ مُطْلَقًا، أَوْ عَفَوْتَ عَنْهَا وَعَنْ سِرَايَتِهَا، قَالَ: بَلْ عَفَوْتُ عَلَى مَالٍ، أَوْ (٢) عَفَوْتُ عَنْهَا دُونَ سِرَايَتِهَا؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ)؛ لأِنَّ الأصلَ معه. وفي «الرِّعاية»: إذا قال: لم أعْفُ عن السِّراية ولا الدِّية، بل عليها؛ قُبِلَ قَولُه مع يمينه، ولو دِيَةَ كفِّه. وقِيلَ: دُونَ إصبعٍ. وقِيلَ: تُهدَرُ (٣) كفُّه بعفوه (٤) وإنْ سَرَتْ إلى نفسه. (وَإِنْ قَتَلَ الْجَانِي الْعَافِيَ) قَبْلَ البُرْءِ؛ (فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ) في النَّفس؛ لأنَّ (٥) قَتْلَه انفردَ عن قطعه، أشْبَهَ ما لو كان القاطِعُ غَيرَه، (أَوِ الدِّيَةُ كَامِلَةً)، قاله أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»؛ لأِنَّ القَتْلَ مُنفَرِدٌ عن القطع، فلم يَدخُلْ حكمُ أحدهما في الآخَر، ولأنَّ (٦) القَتْلَ مُوجِبٌ له، فأوْجَبَ الدِّيةَ كامِلةً، كما لو لم يَتقدَّمْه عَفْوٌ.

стр. 5426

(وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ (١) الْقِصَاصُ، أَوْ تَمَامُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ القَتْلَ إذا تعقَّبَ الجنايةَ قَبْلَ الاندِمَال (٢)؛ صار بمنزلةِ سرايَته، ولو سَرَى لم يَجِبْ إلاَّ تمامُ الدِّية (٣)، فكذا فيما هو بمنزلته، وهذا إن نقَصَ مالُ العفو عنها (٤)، وإلاَّ فلا شَيءَ له سِواهُ، ذَكَرَه في «المحرَّر». (وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلاً فِي الْقِصَاصِ)؛ صحَّ، نَصَّ عليه (٥)، فلو وكَّله، ثمَّ غاب، وعَفَا الموكِّلُ عن القصاص، واسْتَوْفَى الوكيلُ؛ فإنْ كان عَفْوُه بَعْدَ القَتْل؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ حقَّه قد اسْتُوفِيَ، وإنْ كان قَبْلَه، وقد عَلِمَ الوكيلُ به (٦)؛ فقد قَتَلَه ظلمًا، فعليه القَوَدُ؛ كما لو قَتَلَه ابْتِداءً. وإنْ كان قَبْلَ العلم بعَفْوِ الموكِّل، وهو المرادُ بقوله: (ثُمَّ عَفَا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، قاله أبو بكرٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا تفريطَ منه؛ كما لو عفا بَعْدَما رَماهُ. (وَهَلْ يَضْمَنُ (٧) الْعَافِي)، وهو الموكِّلُ؟ (يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا ضمانَ عليه، جَزَمَ به في «الوجيز» (٨)، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأِنَّ عَفْوَه لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه عفا في حالٍ لا يُمكِنُه تلافِي ما وكَّلَ فيه؛ كالعَفْوِ بَعْدَ رَمْيِ الحربةِ إلى الجاني، ولأِنَّ العَفْوَ إحْسانٌ، فلا يَقتَضِي وُجوبَ الضَّمان.

стр. 5427

والثَّاني: بلى؛ لأِنَّه حَصَلَ بأمره على وجهٍ لا ذَنْبَ للمُباشِر فيه؛ كما لو أمر عبدَه الأعْجَمِيَّ بقتل (١) معصومٍ. وقِيلَ: للمُستَحِقِّ تضمينُ مَنْ شاء منهما، والقَرارُ على العافي. وقال جماعةٌ: يُخرَّجُ في صحَّةِ العفو وجْهانِ، بِناءً على الرِّوَايتَينِ في الوكيل، هل يَنعزِلُ بعَزْلِ الموكِّل قبلَ علمه؟ فعلى الأوَّل: لا ضَمانَ على أحدٍ؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ يَجِبُ قَتْلُه بأمْرٍ يَستَحِقُّه. وعلى الثَّاني، وهو صحَّةُ العَفْو: لا قِصاصَ فيه؛ لأِنَّ الوكيلَ قَتَلَ مَنْ يَعتَقِدُ إباحةَ قتله كالحربيِّ، ولكِنْ تَجِبُ الدِّيةُ عليه. وقد نبَّه على ذلك بقوله: (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ)؛ لأِنَّه قَتَلَ معصومًا (٢)، (وَيَرْجِعُ بِهِ (٣) عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ)، أشْبَهَ المغرورَ بحرِّيَّةِ أمَةٍ وتزويجِ مَعيبة (٤). (وَالآْخَرُ: لَا يَرْجِعُ بِهِ)، اختاره القاضي؛ لأِنَّه مُحسِنٌ بالعفو، بخلاف الغارِّ بالحرِّيَّة، وذلك لا يَقتَضِي الرُّجوعَ عليه، (وَيَكُونُ الْوَاجِبُ حَالًّا فِي مَالِهِ)؛ أي: الوكيل؛ لأِنَّه مُتعمِّدٌ للقتل، وإنَّما سَقَطَ القَوَدُ عنه لمعنًى آخَرَ، فهو كقتل (٥) الأب. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَى عَاقِلَتِهِ)، وهو ظاهر (٦) «الخِرَقيِّ»، واختْارَهُ

стр. 5428

المؤلِّفُ، قال (١) الحُلْوانيُّ: وهو الأظهر (٢)؛ لأِنَّه لَيسَ بعمدٍ محضٍ، ولهذا لم يَجِبْ به قَوَدٌ، فيكونُ عمدَ الخطأ، أشْبَهَ مَنْ رَمَى صَيدًا فبان آدَمِيًّا. فعلى قَولِ القاضي: إنْ كان الموكِّلُ عفا إلى الدِّية؛ فله الدِّية في تَرِكةِ الجاني، ولِوَرثةِ الجاني مُطالَبةُ الوكيل بدِيَتِه، ولَيسَ للمُوكِّل مُطالَبةُ الوكيل بشيءٍ، وإنْ كان عَفْوُه بعدَ القَتْلِ؛ لم يَصِحَّ، وإنْ عَلِمَ الوكيلُ بالعفو؛ فَعَلَيهِ القَوَد (٣). فائدةٌ: إذا استحقَّ قَتْلَه وقَطْعَه، فعفا عن أحدهما؛ بَقِيَ الآخَرُ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إن (٤) عَفَا عن القتل؛ لم يكن له القَطْعُ، وإنْ عَفَا عنه؛ فله القَتْلُ في الأصحِّ. ولو تصالَحَا عن القَوَدِ بمائتَيْ بعيرٍ، وقُلْنا: يَجِبُ القَوَدُ أوْ دِيَةٌ؛ بَطَلَ وإلاَّ فَلَا. (وَإَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه أسْقَطَ حقَّه بعدَ انْعِقادِ سببِه، فسَقَطَ؛ كما لو أسقط (٥) الشُّفعةَ بعدَ البيع، وكعفو (٦) وارِثِه بعْدَ موته (٧). وسَواءٌ كان عَمْدًا أوْ خطأً، أوْ كان العَفْوُ بلَفْظه أو الوصيَّةِ؛ لأِنَّ الحقَّ له، فَصَحَّ عَفْوُه عنه؛ كماله.

стр. 5429

وعَنْه: في القَوَد إنْ كان الجُرحُ لا قَوَدَ فيه لو بَرِئَ. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ عن الدِّية (١). وفي «الترغيب»: وجهٌ يَصِحُّ بلَفْظِ الإبراء (٢) لا الوصيَّةِ. وفيه تخريجٌ في السِّراية في النَّفس روايات: الصِّحَّةُ وعَدَمُها، وثالِثُها: يَجِبُ النِّصفُ؛ بِناءً على أنَّ صحَّةَ العَفْو لَيسَ بوصيَّةٍ، ويَبقَى ما قابَلَ السِّراية لا يَصِحُّ الإبراءُ منه، واختار (٣) ابنُ أبي موسى: صحَّتَه في العمد، وفي الخطأ من ثُلُثه. فعلى الأوَّل: إنْ قال عَفَوْتُ عن الجناية وما (٤) يَحدُثُ منها؛ فلا قِصاصَ في سِرايَتِها، ولا دِيَةَ؛ لأِنَّه إسْقاطٌ للحقِّ بعدَ انْعِقادِ سببِه. وعنه: إنْ ماتَ مِنْ سِرايَتها؛ لم يَصِحَّ العَفْوُ؛ لأِنَّها وصيَّةٌ لقاتلٍ. ولا يُعتَبَر خروجُ ذلك (٥) من الثُّلث، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ الواجِبَ القَوَدُ عَينًا، أوْ أحدُ شيئَينِ، فما تعيَّن (٧) إسْقاط أحدهما. وعنه: يصحُّ ويُعتبَر من الثُّلث؛ كبقيَّةِ ماله. (وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدِّيَةِ، أَوْ وَصَّى (٨) لَهُ بِهَا؛ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ؛ هَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن):

стр. 5430

(إِحْدَاهُمَا: تَصِحُّ)؛ لأِنَّها بَدَلٌ عنه، (وَتُعْتَبَرُ (١) مِنَ الثُّلُثِ)؛ كبقيَّة مالِه. (وَيَحْتَمِلُ) - هذا وجْهٌ -: (أَلاَّ يَصِحَّ عَفْوُه (٢) عَنِ الْمَالِ، وَلَا وَصِيَّتُهُ (٣) بِهِ لِقَاتِلٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا (٤) تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ (٥) الْوَرَثَةِ)؛ لأِنَّه يكون (٦) مالَ غَيرِه، فلم يَكُنْ له التَّصرُّفُ فيه؛ كسائرِ أمْوالِ الوَرَثةِ. وفي (٧) «الفروع» وغيرِه: مَنْ صحَّ عَفْوُه مَجَّانًا؛ فإنْ أوْجَبَ الجرح (٨) مالاً عَينًا؛ فكوصيَّةٍ، وإلاَّ فمِن رأسِ المال، لا مِنْ ثُلُثِه على الأصحِّ؛ لأِنَّ الدِّيةَ لم تتعيَّنْ. مسألةٌ: إذا صُولِحَ عن الجراحة بمالٍ، أوْ قالَ في العمد: عَفَوتُ عن قَوَدِها على دِيَتِها، أو لم يَقُلْ: على ديتها (٩)، وقُلْنا له دِيَتُها؛ ضُمِنَتْ سِرايَتُها بقِسطِها من الدِّية روايةً واحدةً. ولو (١٠) قال: عَفَوتُ عن قَوَدِ هذه الشَّجَّةِ، وهي ممَّا لا قَوَدَ فيه؛ ككَسْرِ العِظام؛ فعَفْوُه باطلٌ، ولِولِيِّه مع سِرايَتها القَوَدُ أو الدِّيةُ. (وَإِنْ أَبْرَأَ الْقَاتِلَ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوْ الْعَبْدَ مِنْ جِنَايَتِهِ التِي يَتَعَلَّقُ (١١) أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛
следующие страницы →