← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

(وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ (١) الْقِصَاصُ، أَوْ تَمَامُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ القَتْلَ إذا تعقَّبَ الجنايةَ قَبْلَ الاندِمَال (٢)؛ صار بمنزلةِ سرايَته، ولو سَرَى لم يَجِبْ إلاَّ تمامُ الدِّية (٣)، فكذا فيما هو بمنزلته، وهذا إن نقَصَ مالُ العفو عنها (٤)، وإلاَّ فلا شَيءَ له سِواهُ، ذَكَرَه في «المحرَّر». (وَإِذَا وَكَّلَ رَجُلاً فِي الْقِصَاصِ)؛ صحَّ، نَصَّ عليه (٥)، فلو وكَّله، ثمَّ غاب، وعَفَا الموكِّلُ عن القصاص، واسْتَوْفَى الوكيلُ؛ فإنْ كان عَفْوُه بَعْدَ القَتْل؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّ حقَّه قد اسْتُوفِيَ، وإنْ كان قَبْلَه، وقد عَلِمَ الوكيلُ به (٦)؛ فقد قَتَلَه ظلمًا، فعليه القَوَدُ؛ كما لو قَتَلَه ابْتِداءً. وإنْ كان قَبْلَ العلم بعَفْوِ الموكِّل، وهو المرادُ بقوله: (ثُمَّ عَفَا، وَلَمْ يَعْلَمِ الْوَكِيلُ حَتَّى اقْتَصَّ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، قاله أبو بكرٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا تفريطَ منه؛ كما لو عفا بَعْدَما رَماهُ. (وَهَلْ يَضْمَنُ (٧) الْعَافِي)، وهو الموكِّلُ؟ (يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا ضمانَ عليه، جَزَمَ به في «الوجيز» (٨)، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأِنَّ عَفْوَه لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه عفا في حالٍ لا يُمكِنُه تلافِي ما وكَّلَ فيه؛ كالعَفْوِ بَعْدَ رَمْيِ الحربةِ إلى الجاني، ولأِنَّ العَفْوَ إحْسانٌ، فلا يَقتَضِي وُجوبَ الضَّمان.

стр. 5427

والثَّاني: بلى؛ لأِنَّه حَصَلَ بأمره على وجهٍ لا ذَنْبَ للمُباشِر فيه؛ كما لو أمر عبدَه الأعْجَمِيَّ بقتل (١) معصومٍ. وقِيلَ: للمُستَحِقِّ تضمينُ مَنْ شاء منهما، والقَرارُ على العافي. وقال جماعةٌ: يُخرَّجُ في صحَّةِ العفو وجْهانِ، بِناءً على الرِّوَايتَينِ في الوكيل، هل يَنعزِلُ بعَزْلِ الموكِّل قبلَ علمه؟ فعلى الأوَّل: لا ضَمانَ على أحدٍ؛ لأِنَّه قَتَلَ مَنْ يَجِبُ قَتْلُه بأمْرٍ يَستَحِقُّه. وعلى الثَّاني، وهو صحَّةُ العَفْو: لا قِصاصَ فيه؛ لأِنَّ الوكيلَ قَتَلَ مَنْ يَعتَقِدُ إباحةَ قتله كالحربيِّ، ولكِنْ تَجِبُ الدِّيةُ عليه. وقد نبَّه على ذلك بقوله: (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ يَضْمَنَ الْوَكِيلُ)؛ لأِنَّه قَتَلَ معصومًا (٢)، (وَيَرْجِعُ بِهِ (٣) عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ)، أشْبَهَ المغرورَ بحرِّيَّةِ أمَةٍ وتزويجِ مَعيبة (٤). (وَالآْخَرُ: لَا يَرْجِعُ بِهِ)، اختاره القاضي؛ لأِنَّه مُحسِنٌ بالعفو، بخلاف الغارِّ بالحرِّيَّة، وذلك لا يَقتَضِي الرُّجوعَ عليه، (وَيَكُونُ الْوَاجِبُ حَالًّا فِي مَالِهِ)؛ أي: الوكيل؛ لأِنَّه مُتعمِّدٌ للقتل، وإنَّما سَقَطَ القَوَدُ عنه لمعنًى آخَرَ، فهو كقتل (٥) الأب. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عَلَى عَاقِلَتِهِ)، وهو ظاهر (٦) «الخِرَقيِّ»، واختْارَهُ

стр. 5428

المؤلِّفُ، قال (١) الحُلْوانيُّ: وهو الأظهر (٢)؛ لأِنَّه لَيسَ بعمدٍ محضٍ، ولهذا لم يَجِبْ به قَوَدٌ، فيكونُ عمدَ الخطأ، أشْبَهَ مَنْ رَمَى صَيدًا فبان آدَمِيًّا. فعلى قَولِ القاضي: إنْ كان الموكِّلُ عفا إلى الدِّية؛ فله الدِّية في تَرِكةِ الجاني، ولِوَرثةِ الجاني مُطالَبةُ الوكيل بدِيَتِه، ولَيسَ للمُوكِّل مُطالَبةُ الوكيل بشيءٍ، وإنْ كان عَفْوُه بعدَ القَتْلِ؛ لم يَصِحَّ، وإنْ عَلِمَ الوكيلُ بالعفو؛ فَعَلَيهِ القَوَد (٣). فائدةٌ: إذا استحقَّ قَتْلَه وقَطْعَه، فعفا عن أحدهما؛ بَقِيَ الآخَرُ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إن (٤) عَفَا عن القتل؛ لم يكن له القَطْعُ، وإنْ عَفَا عنه؛ فله القَتْلُ في الأصحِّ. ولو تصالَحَا عن القَوَدِ بمائتَيْ بعيرٍ، وقُلْنا: يَجِبُ القَوَدُ أوْ دِيَةٌ؛ بَطَلَ وإلاَّ فَلَا. (وَإَنْ عَفَا عَنْ قَاتِلِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ؛ صَحَّ)؛ لأِنَّه أسْقَطَ حقَّه بعدَ انْعِقادِ سببِه، فسَقَطَ؛ كما لو أسقط (٥) الشُّفعةَ بعدَ البيع، وكعفو (٦) وارِثِه بعْدَ موته (٧). وسَواءٌ كان عَمْدًا أوْ خطأً، أوْ كان العَفْوُ بلَفْظه أو الوصيَّةِ؛ لأِنَّ الحقَّ له، فَصَحَّ عَفْوُه عنه؛ كماله.

стр. 5429

وعَنْه: في القَوَد إنْ كان الجُرحُ لا قَوَدَ فيه لو بَرِئَ. وعَنْهُ: لا يَصِحُّ عن الدِّية (١). وفي «الترغيب»: وجهٌ يَصِحُّ بلَفْظِ الإبراء (٢) لا الوصيَّةِ. وفيه تخريجٌ في السِّراية في النَّفس روايات: الصِّحَّةُ وعَدَمُها، وثالِثُها: يَجِبُ النِّصفُ؛ بِناءً على أنَّ صحَّةَ العَفْو لَيسَ بوصيَّةٍ، ويَبقَى ما قابَلَ السِّراية لا يَصِحُّ الإبراءُ منه، واختار (٣) ابنُ أبي موسى: صحَّتَه في العمد، وفي الخطأ من ثُلُثه. فعلى الأوَّل: إنْ قال عَفَوْتُ عن الجناية وما (٤) يَحدُثُ منها؛ فلا قِصاصَ في سِرايَتِها، ولا دِيَةَ؛ لأِنَّه إسْقاطٌ للحقِّ بعدَ انْعِقادِ سببِه. وعنه: إنْ ماتَ مِنْ سِرايَتها؛ لم يَصِحَّ العَفْوُ؛ لأِنَّها وصيَّةٌ لقاتلٍ. ولا يُعتَبَر خروجُ ذلك (٥) من الثُّلث، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ الواجِبَ القَوَدُ عَينًا، أوْ أحدُ شيئَينِ، فما تعيَّن (٧) إسْقاط أحدهما. وعنه: يصحُّ ويُعتبَر من الثُّلث؛ كبقيَّةِ ماله. (وَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدِّيَةِ، أَوْ وَصَّى (٨) لَهُ بِهَا؛ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ؛ هَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن):

стр. 5430

(إِحْدَاهُمَا: تَصِحُّ)؛ لأِنَّها بَدَلٌ عنه، (وَتُعْتَبَرُ (١) مِنَ الثُّلُثِ)؛ كبقيَّة مالِه. (وَيَحْتَمِلُ) - هذا وجْهٌ -: (أَلاَّ يَصِحَّ عَفْوُه (٢) عَنِ الْمَالِ، وَلَا وَصِيَّتُهُ (٣) بِهِ لِقَاتِلٍ وَلَا غَيْرِهِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا (٤) تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِ (٥) الْوَرَثَةِ)؛ لأِنَّه يكون (٦) مالَ غَيرِه، فلم يَكُنْ له التَّصرُّفُ فيه؛ كسائرِ أمْوالِ الوَرَثةِ. وفي (٧) «الفروع» وغيرِه: مَنْ صحَّ عَفْوُه مَجَّانًا؛ فإنْ أوْجَبَ الجرح (٨) مالاً عَينًا؛ فكوصيَّةٍ، وإلاَّ فمِن رأسِ المال، لا مِنْ ثُلُثِه على الأصحِّ؛ لأِنَّ الدِّيةَ لم تتعيَّنْ. مسألةٌ: إذا صُولِحَ عن الجراحة بمالٍ، أوْ قالَ في العمد: عَفَوتُ عن قَوَدِها على دِيَتِها، أو لم يَقُلْ: على ديتها (٩)، وقُلْنا له دِيَتُها؛ ضُمِنَتْ سِرايَتُها بقِسطِها من الدِّية روايةً واحدةً. ولو (١٠) قال: عَفَوتُ عن قَوَدِ هذه الشَّجَّةِ، وهي ممَّا لا قَوَدَ فيه؛ ككَسْرِ العِظام؛ فعَفْوُه باطلٌ، ولِولِيِّه مع سِرايَتها القَوَدُ أو الدِّيةُ. (وَإِنْ أَبْرَأَ الْقَاتِلَ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أَوْ الْعَبْدَ مِنْ جِنَايَتِهِ التِي يَتَعَلَّقُ (١١) أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛

стр. 5431

لأنَّه (١) أبرأه مِنْ حقٍّ على غَيرِه؛ لأِنَّ الدِّيةَ الواجبةَ على العاقلةِ غيرُ واجبةٍ على القاتل، والجِنايَةَ المتعلق (٢) أرْشُها برقبة (٣) العبدِ غيرُ واجبةٍ عليه، بل مُتعلِّقةٌ بملكِ السَّيِّد. (وَإِنْ أَبْرَأَ الْعَاقِلَةَ وَالسَّيِّدَ؛ صَحَّ)؛ لأنَّه (٤) أبْرَأَهما من حقٍّ (٥) عليهما؛ كالدَّين الواجِبِ عَلَيهِما، وفي «الرِّعاية» وَجْهٌ، وفي «الفروع» وغيره (٦): يَصِحُّ إبْراءُ عاقِلةٍ إنْ وجَبَت الدِّيةُ للمَقتولِ؛ كإبراء سيدٍ (٧)؛ كعَفْوِه عنها، ولم يُسَمِّ المُبْرَأَ. تنبيهٌ: إذا قال المجْروحُ لِمَنْ عليه (٨) قَوَدٌ في نَفْسٍ، أوْ طَرَفٍ، أوْ جرحٍ (٩): أبْرَأْتُكَ وحلَّلْتُك (١٠) مِنْ دَمِي، أوْ قتلي (١١)، أوْ وَهَبْتُكَ ذلك، ونحوَه مُعلَّقًا بموته؛ صحَّ (١٢)، فلو بَرِئَ بَقِيَ حقُّه، بخِلافِ عَفَوْتُ عنك. ولو قال لِمَنْ عليه قَوَدٌ: عَفَوْتُ عن جِنايَتِكَ، أوْ عَنْكَ؛ بَرِئَ مِنْ قَوَدٍ ودِيةٍ، نَصَّ عليه (١٣).

стр. 5432

(وَإِنْ وَجَبَ لِعَبْدٍ قِصَاصٌ، أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ؛ فَلَهُ طَلَبُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ)؛ لأِنَّه مُختَصٌّ به، والقَصْدُ منه التَّشفِّي، (وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ)؛ لأِنَّه لَيسَ بحقٍّ له، (إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ)، فيَنتَقِلُ إليه، وحينئذ (١) فله طَلَبُه وإسْقاطُه؛ كالوارِث. فرعٌ: إذا عَفَا مَنْ حُجِرَ عليه لِسَفَهٍ، أوْ فَلَسٍ، أوْ مرضٍ عن قَوَدٍ مَجَّانًا، أوْ عفا الوارثُ لذلك مع دَينٍ مُستغْرِقٍ؛ ففي بَقاءِ دِيَته وجْهانِ، ولا يَصِحُّ عَفْوُهم عن الدِّية في الأصحِّ. ويَصِحُّ عَفْوُ المريض بعْدَ البُرْءِ في قَدْرِ ثُلُثِه، والوارِثِ في الزَّائد عن قَدْرِ الدَّين. وقِيلَ: للمُفلِسِ القَوَدُ والعفو (٢) مَجَّانًا، نَصَّ عليه (٣). وقِيلَ: المبذِّرُ كالصَّبِيِّ (٤).

стр. 5433

(بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ) (كُلُّ مَنْ أُقِيدَ بِغَيْرِهِ فِي النَّفْسِ؛ أُقِيدَ بِهِ فِيمَا دُونَهَا)؛ لأِنَّ مَنْ أُقِيدَ به في النَّفْسِ إنَّما أُقِيدَ به لحصولِ المساواةِ المعتبَرة للقَوَد، فَوَجَبَ أنْ يُقادَ به فيما دُونَها. فعلى هذا: لو قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ مُسلِمٍ؛ قُطِعَتْ يَدُه؛ لأنَّه (١) يُقادُ به في النَّفس. (وَمَنْ لَا فَلَا)؛ أيْ: مَنْ لا يُقادُ بغيره في النَّفس؛ فلا يُقادُ به فيما دُونَها، فلو قَطَعَ مسلِمٌ يَدَ كافِرٍ؛ لم تُقطَعْ يَدُه؛ لأِنَّه لا يُقادُ به في النَّفس. وعنه: لا قَوَدَ بَينَ العبيد في الأطراف؛ لأِنَّها أمْوالٌ. وعنه: دُونَ النَّفْس. وعنه: في النَّفس والطَّرَف حتَّى تَستَوِيَ القِيمةُ، ذَكَرَه في «الانتصار». والمذهَبُ ما ذَكَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ ما دُونَ النَّفسِ كالنفس (٢) في وُجوبِ القَوَد، فكان كالنَّفس فِيما نَذكُرُه، وهو قَولُ الأكثر. (وَلَا يَجِبُ إِلاَّ بِمِثْلِ الْمُوجِبِ فِي النَّفْسِ، وَهُوَ الْعَمْدُ الْمَحْضُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المَائدة: ٤٥]، وحديثِ أنسٍ في قضيَّة (٣) الرُّبَيِّعِ: فقال النَّبيُّ ﷺ : «كِتابُ الله القِصاصُ» متَّفقٌ عليه (٤)، وأجْمَعُوا على جَرَيانِ القِصاص فِيما دُونَ النَّفس إذا أمْكَنَ (٥)؛ لأِنَّ ما دُونَ النَّفس كالنَّفس في

стр. 5434

الحاجة إلى (١) حِفْظه بالقصاص، فكان (٢) كالنَّفس في وُجوبِه. وظاهره (٣): أنَّه لا يَجِبُ في الخطأ، وهو كذلك إجْماعًا (٤)، ولا في شِبْهِ العمد، وقاله السَّامَرِّيُّ، وصحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح». وعَنْهُ: يَجِبُ فيه، اختارها أبو بكرٍ وابن أبي موسى؛ لِعُمومِ الآية، ولأِنَّ العضوَ (٥) يَتلَفُ بأيْسَرِ ممَّا تتلفُ (٦) به النَّفسُ. وجَوابُه: بأنَّ الآيةَ مخصوصةٌ بالخطأ، فكذا هذا (٧). (وَهُوَ نَوْعَانِ): (أَحَدُهُمَا: فِي الْأَطْرَافِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنُ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنُّ بِالسِّنِّ)؛ للنَّصِّ والخَبَرِ، (وَالْجَفْنُ بِالْجَفْنِ)؛ لأِنَّه في مَعْنَى المنصوص عليه، فَوَجَبَ أنْ يَلْحَقَ به، ويُؤخَذُ جَفْنُ كلِّ واحِدٍ من البَصير والضَّرير بالآخَر. فائدةٌ: الجَفْنُ: بفَتْحِ الجيم، وحَكَى ابنُ سِيدَهْ كَسْرَها (٨). (وَالشَّفَةُ بِالشَّفَةِ)، وهو ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّينِ، عُلْوًا وسُفْلاً، (وَالْيَدُ بِالْيَدِ، وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، وظاهِرُه: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يَقْوَى بَطشُها (٩) أوْ يَضعُفَ.

стр. 5435

(وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ، وَالْمِرْفَقِ، وَالذَّكَرِ، وَالأُنْثَيَيْنِ (١) بِمِثْلِهِ)؛ لأِنَّ المماثَلة موجُودةٌ، والقِصاصَ مُمْكِنٌ، فَوَجَبَ؛ كالعين بمِثْلِها. (وَهَلْ يَجْرِي فِي الْأَلْيَةِ، وَالشُّفْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: يَجِبُ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لظاهِرِ الآية؛ لأِنَّ الألية (٢) متَّصلةُ باللَّحم، والشُّفرُ: لحمٌ لا مفصل (٣) له. والثَّاني: لا قَوَدَ فِيهِما، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ كلَحْمِ الفَخِذِ. فائدةٌ: الشُّفرُ، بضَمِّ الشِّينِ: أحدُ شُفْرَي المرأةِ، فأمَّا شُفْرُ العَينِ؛ فهو مَنبِتُ الهُدْب، وقد حُكِيَ فيه الفَتْحُ.

стр. 5436

(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ): (أَحَدُهَا: الْأَمْنُ مِنَ الحَيْفِ)، إذْ هو جَورٌ وظُلْمٌ، وإذا لم يُمكِن (١) القِصاصُ إلاَّ به لم يَجِبْ فِعْلُه، (بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ)؛ لأِنَّ المُماثَلةَ في غَيرِ ذلك غيرُ مُمْكِنةٍ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَسْتَوْفِيَ أكثرَ من الحقِّ. (أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ؛ كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ)، دُونَ القَصَبةِ؛ لأِنَّ ذلك حَدٌّ يَنتَهِي إليه، فهو كاليد. ويُؤخَذُ البعضُ بالبعض، فيُقدَّرُ ما قَطَعَه بالأجزاء؛ كالنِّصف والثُّلث، ولا يُؤخَذُ بالمساحة؛ لأِنَّه يُفضِي إلى أخْذِ جميعِ أنفِ الجاني لصِغَرِه ببعضِ أنْفِ المجنيِّ عليه لكِبَرِه، وكذا في الأُذُن واللِّسان والشَّفة. وقِيلَ: لا يُؤخَذُ بعضُ اللِّسان بِبَعْضٍ. (فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ)؛ أيْ: قَصَبَةَ أنفه (٢)، (أَوْ قَطَعَ مِنْ (٣) نِصْفِ السَّاعِدِ أَوِ السَّاقِ؛ فَلَا قِصَاصَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو المنصوصُ عن أحمدَ (٤)، وفي الخبر: أنَّ رجلاً ضَرَبَ آخَرَ على ساعِدِه بالسَّيف، فقطعها (٥) من غَيرِ مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبيَّ ﷺ ، فأَمَرَ له بالدِّية، فقال: إنِّي أُريدُ القِصاصَ، قال (٦): «خُذِ الدِّيَةَ بَارَكَ الله (٧) لك فيها»

стр. 5437

رواه ابنُ ماجَهْ (١)، ولأِنَّ القَطْعَ لَيسَ مِنْ مَفْصِلٍ، فلا يُؤمَن فيه الحَيفُ. فلو قَطَعَ يَدَه من الكُوعِ، ثُمَّ تآكَلَتْ إلى نِصْفِ الذِّراع؛ فلا قَوَدَ؛ اعْتِبارًا بالاستقرار (٢)، قاله القاضي، قال في «المحرَّر»: وعندي (٣) يُقتَصُّ ههُنا من الكُوع. (وَفِي الآْخَرِ يُقْتَصُّ مِنْ حَدِّ الْمَارِنِ، وَمِنَ (٤) الْكُوعِ وَالْكَعْبِ)؛ لأِنَّه دُونَ حقِّه؛ لعَجْزِه عن اسْتِيفاءِ حقِّه، أشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمَةً واسْتَوْفَى مُوضِحةً. وكذا الخِلافُ ما لو قَطَعَ مِنْ عَضُدٍ أوْ وَرِكٍ. (وَهَلْ يَجِبُ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِي) عليهما (٥) ولو خَطَأً؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «الفروع»: أحدُهما: لَيسَ له ذلك، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه يَجمَعُ في عُضْوٍ واحِدٍ بَينَ قِصاصٍ ودِيَةٍ. والثَّاني: بَلَى؛ لأِنَّه حقٌّ له تعذَّرَ اسْتِيفاؤه، فَوَجَبَ أرْشُه كغَيرِه. (وَيُقْتَصُّ مِنَ الْمَنْكِبِ إِذَا لَمْ يَخَفْ جَائِفَةً)؛ لأِنَّه مَفصِلٌ يُؤمَنُ فيه الحيف، فَوَجَبَ؛ كالقَطْع من الكُوع، ويَرجِعُ في الخَوفِ في (٦) هذا إلى أهلِ الخِبْرة، فإنْ خِيفَ؛ فله أنْ يَقتَصَّ مِنْ مِرْفَقِه.

стр. 5438

ومتى خالَفَ واقْتَصَّ مع خَشْيةِ الحيف، أوْ مِنْ مأمومةٍ، أوْ جائفةٍ، أوْ نصفِ ذراعٍ، ونحوِه؛ أجْزَأَ، وإن اخْتارَ الدِّية؛ فله دِيَة اليد وحكومةٌ لِمَا زاد. فإنْ قَطَعَ مِنْ نصف (١) الذِّراع؛ ففي جواز قَطْع الأصابع وجْهانِ، فإنْ قَطَعَ منها (٢)؛ لم يكُنْ له حكومةٌ في الكفِّ؛ لأِنَّه أمكنه (٣) أخْذُه قِصاصًا؛ كما لو (٤) كانت الجنايةُ من الكوع. وإنْ قُطِعَتْ من العَضُد؛ لم يَملِكْ قَطْعَها من الكُوع؛ لأِنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ الذِّراع قِصاصًا؛ كما لو قُطِعَ من المِرفَق، وفي «الشَّرح» وَجْهانِ. مسألةٌ: إذا قَطَعَ بعضَ أُذُنِه، فالتصق (٥)؛ فله أرْشُ الجُرْح، ولا (٦) قَوَدَ فيه. وإنْ شقَّها فألْصَقَها صاحِبُها، فالْتَصَقَتْ؛ فكذلك. وإنْ قَطَعَها فأبانَها، فألْصَقَها صاحِبُها، فالْتَصَقَتْ؛ فله القَوَدُ في قَولِ القاضي؛ لأِنَّه وَجَبَ بالإبانة. وقال أبو بكرٍ: لا قَوَدَ فيها؛ لأِنَّها لم تبقَ (٧) على الدَّوام، أشبه الشَّقَّ، وعلى هذا: له أرْشُ الجُرح، فإنْ سَقَطَتْ بَعْدَ ذلك قريبًا أوْ بعيدًا؛ ردَّ الأَرْشَ ومَلَكَ القَوَدَ، أوِ الدِّيةَ إن (٨) اختارها على القَولَينِ. (وَإِذَا أَوْضَحَ إِنْسَانًا)، أوْ شجَّه دُونَ مُوضِحَةٍ، أوْ لَطَمَه، (فَذَهَبَ ضَوْءُ

стр. 5439

عَيْنِهِ، أَوْ سَمْعُهُ، أَوْ شَمُّهُ؛ فَإِنَّهُ يُوضِحُهُ)؛ أي (١): فُعِلَ به (٢) كما فَعَلَ؛ لأنَّه (٣) يُمكِنُ القَوَدُ منه من غير حيفٍ؛ لأنَّ له (٤) حَدًّا يَنتَهِي إليه. (فَإنْ ذَهَبَ ذَلِكَ وَإِلاَّ اسْتَعْمَلَ فِيهِ (٥) مَا يُذْهِبُهُ)؛ أيْ: ما (٦) يُذهِبُ ضَوءَ عَينِه، إلى آخِرِهِ، (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى حَدَقَتِهِ، أَوْ أُذُنِهِ، أَوْ أَنْفِهِ (٧)؛ لأِنَّه يَستَوفِي حقَّه مِنْ غَيرِ زيادةٍ، فيَطرَحُ في العَين كافورًا، أوْ يُقرِّبُ منه مرآة (٨)، أوْ يُحمِّي له حديدةً أوْ مرآة (٩)، ثُمَّ يُقطِّرُ عليها ماء (١٠)، ثُمَّ يُقطِّرُ منه في العين ليَذهَبَ بَصَرُها. ولا يَقتَصُّ منه مِثْلَ شجَّته، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (١١)، ولا يَقتَصُّ منه باللَّطْمة؛ لأِنَّ المماثَلةَ فيها غَيرُ مُمْكِنَةٍ، ويعالجه (١٢) بما (١٣) يُذهِبُ بَصَرَه مِنْ غَيرِ أنْ يقلع (١٤) عَينَه. وقال القاضي: له أنْ يَلطُمَه مِثْلَ لَطْمَته، فإنْ ذَهَبَ ضَوْءُ عَينِه؛ وإلاَّ أذْهَبَه بما ذُكِرَ.

стр. 5440

ولا يَصِحُّ؛ لأِنَّ اللَّطْمةَ لا يُقتَصُّ منها مُنفرِدةً، فكذا إذا سَرَتْ إلى العَينِ؛ كالشَّجَّة دُونَ المُوضِحة. ولا قَوَدَ إلاَّ أنْ تكونَ اللَّطْمةُ تَذهَبُ بالبصر غالِبًا، قاله القاضِي. وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القَوَدُ بكلِّ حالٍ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ (١) إِلاَّ بِالْجِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ؛ سَقَطَ) القَوَدُ؛ لِتعذُّرِ المُماثَلةِ، ولأِنَّ تَوهُّمَ الزِّيادة يُسقط (٢) القَوَدَ، فحَقيقَتُه أَوْلَى، وتَتَعَيَّنُ الدِّيةُ.

стр. 5441

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْضِعِ وَالاِسْمِ)؛ قِياسًا على النَّفس، (فَتُؤْخَذُ (١) كُلُّ وَاحِدَةٍ (٢) مِنَ الْيُمْنَى، وَالْيُسْرَى، وَالْعُلْيَا، وَالسُّفْلَى مِنَ الشَّفَتَيْنِ، وَالْأَجْفَانِ بِمِثْلِهَا)، في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ لأِنَّ القِصاصَ يَعتَمِدُ المُماثَلَةَ، ولأِنَّها جَوارِحُ مُختلِفةُ المنافِعِ والأَماكِنِ، فلَم يُؤخَذْ بعضُها ببعضٍ؛ كالعَينِ بالأنف، وكذا كلُّ ما انْقَسَمَ إلى يمينٍ ويَسارٍ، وأعْلَى وأسفل (٣). (وَالْإِصْبَعُ، وَالسِّنُّ، وَالْأَنْمَلَةُ بِمِثْلِهَا فِي الْمَوْضِعِ وَالاِسْمِ)؛ لأِنَّ الشَّرطَ المُماثَلةُ، فيُؤخذ (٤) الإبهامُ، والسَّبَّابةُ، والوُسْطَى بمِثْلِها، وكذا البِنصرُ، والخنصرُ (٥)، والثَّنيةُ (٦)، والضَّاحِكُ، والنَّابُ، والأنْمَلةُ العُلْيا مِنْ الإصبع بمِثْلِه؛ لأِنَّ المُماثَلةَ مَوجُودةٌ في ذلك كلِّه. (وَلَوَ قَطَعَ أَنْمَلَةَ رَجُلٍ الْعُلْيَا، وَقَطَعَ الْوُسْطَى مِنْ تِلْكَ (٧) الْأُصْبُعِ مِنْ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُلْيَا؛ فَصَاحِبُ الْوُسْطَى مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَخْذِ عَقْلِ أَنْمَلَتِهِ (٨) وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَقْطَعَ الْعُلْيَا، ثُمَّ يَقْتَصَّ مِنَ الْوُسْطَى)؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ القِصاصُ في الحال؛ لِمَا فيه (٩) من الحَيفِ وأخْذِ الزِّيادة على الواجِبِ، ولا سبيلَ إلى

стр. 5442

تأخيرِ حقِّه حتَّى يُمَكَّنَ (١) من القِصاص؛ لِمَا فيه من الضَّرَرِ، فَوَجَبَت الخِيَرةُ بَيْنَ الأَمْرَينِ. فإنْ قَطَعَ من ثالِثٍ السُّفْلَى؛ فلِلأوَّل أنْ يَقتَصَّ من العليا، ثُمَّ الثَّاني أنْ يَقتَصَّ من الوُسْطَى، ثُمَّ الثَّالثِ أنْ يَقتَصَّ من السُّفْلى، سَواءٌ جاؤوا جميعًا أوْ واحِدًا بعد (٢) واحِدٍ. (وَلَا يُؤْخَذُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا يُخَالِفُهُ (٣)؛ لأِنَّ المُماثَلةَ شَرْطٌ، ولم (٤) تُوجَدْ، فلا تُؤخَذُ يمينٌ بِيَسَارٍ، ولا عَكْسُه، ولا العُلْيا مِنْ الشَّفَتَينِ والأجْفانِ بالأسْفَلِ، ولا عَكْسُه، ولا الإبهامُ بالسَّبَّابة، ولا الوُسْطَى والخِنْصرُ والبِنْصرُ بغَيرِها، وعلى هذا فَقِسْ. (وَلَا تُؤْخَذُ أَصْلِيَّةٌ بِزَائِدَةٍ)؛ لأِنَّ الزَّائدةَ دُونَها، (وَلَا زَائِدَةٌ بِأَصْلِيَّةٍ (٥)؛ لأِنَّها لا تُماثِلُها، ويُؤخَذُ زائدٌ بمِثْلِه مَوضِعًا وخِلْقةً، ولو تفاوتا قَدْرًا. (وَإِنْ (٦) تَرَاضَيَا عَلَيْهِ؛ لَمْ يَجُزْ)؛ لأِنَّ ما لا يَجُوزُ أخْذُه قِصاصًا؛ لا يَجُوزُ بتَراضِيهما؛ لأِنَّ الدِّماءَ لا تستباحُ (٧) بالإباحة. (فَإِنْ فَعَلَا) ذلك بلا تَعَدٍّ، مِثْلَ أنْ يأخُذَ باخْتِيارِ الجاني؛ فيُجزِئُ ويَسقُطُ القود (٨)؛ لأِنَّ القَوَدَ سَقَطَ في الأولى بإسْقاطِ صاحِبِها، وفي الثَّانية بإذن (٩)

стр. 5443

صاحِبِها في قَطْعِها، ودِيَتُهما مُتَساوِيةٌ، قاله أبو بكرٍ. (أَوْ قَطَعَهَا (١) تَعَدِّيًا)؛ لأِنَّهما مُتَساوِيانِ في الدِّية، والأَلَم (٢)، والاِسْم، فتساقطا (٣)، ولأِنَّ إيجابَ القَوَدِ يُفضِي إلى قَطْعِ يد (٤) كلٍّ منهما، وإذْهابِ مَنفَعةِ الجنس، وكلٌّ مِنْ القَطْعَينِ مضمونةٌ سِرَايَتُه؛ لأِنَّه عُدوانٌ. وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ كان أخذها (٥) عُدْوانًا؛ فلكلٍّ منهما القَوَدُ على صاحبه، وإنْ كان (٦) بِتَراضِيهِما؛ فلا قَوَدَ في الثَّانية؛ لِرِضَا صاحبها ببَدَلِها (٧)، وفي وُجوبِه في الأُولى وَجْهَانِ: أحدُهما: لا يَسقُطُ (٨)؛ لأِنَّه رَضِيَ بتَرْكِه بِعِوَضٍ لم يَثبُتْ له؛ كما لو باعه سِلْعةً بخَمْرٍ وقبَّضَه (٩) إيَّاه، فعلى هذا: له القَوَدُ بَعْدَ انْدِمالِ الأخرى وللجاني دِيَةُ يَدِه. (أَوْ قَالَ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ، فَأَخْرَجَ يَسَارَهُ، فَقَطَعَهَا؛ أَجْزَأَتْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَقَطَ الْقِصَاصُ)، سَواءٌ قَطَعَها عالِمًا بها أوْ جاهِلاً، وكما لو قَطَعَ يَسارَ السَّارِقِ بَدَلَ يمينه. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَخْرَجَهَا عَمْدًا؛ لَمْ يَجْزِ (١٠)؛ لأِنَّه تَعمَّدَ تَرْكَ

стр. 5444

الواجِبِ عليه من القَطْعِ، فلم يُعذَرْ في اسْتِيفاءِ الواجِبِ عليه، ولا يَصِحُّ القِياسُ على السَّارِقِ لوجوه (١)؛ لأِنَّ الحدَّ مَبنِيٌّ على الإسْقاط، ويَسارُه تُقطع (٢) إذا عُدِمَتْ يمينُه، ولو سَقَطَتْ يَدُه بآكِلةٍ، أوْ قصاص (٣)؛ سَقَطَ القَطْعُ، بخِلافِ القِصاص فإنَّه لا يَسقُطُ، (وَيُسْتَوْفَى مِنْ يَمِينِهِ (٤)؛ لأِنَّ قَطْعَ اليَسَار كَلَا قَطْعٍ، فيُوجِبُ ذلك قَطْعَ اليمين ضرورةَ استيفاء (٥) الواجِبِ عليه. وذلك مشروطٌ: (بَعْدَ انْدِمَالِ الْيَسَارِ)؛ لأِنَّه لو قطعها (٦) قَبْلَ ذلك؛ أدَّى إلى هَلاكه، وهو منفيٌّ شرعًا، بخِلافِ ما إذا قَطَعَ يمينَ رجلٍ ويسارَ آخَرَ، فإنَّه لا يُؤخَّرُ أحدُهما إلى انِدِمالِ الآخَرِ؛ لأِنَّ القَطْعَينِ مُستحَقان (٧) قصاصًا، فلهذا جُمِعَ بَينَهما، وفي هذه أحدُهما غَيرُ مُستَحَقٍّ. تَتِمَّةٌ: فإنْ أخْرَجَها عمدًا عالِمًا أنَّها يَسَارُه، وأنَّها لا تُجزِئُ؛ فَهَدرٌ، ويُفارِقُ هذا: ما إذا قَطَعَ يَدَ إنْسانٍ وهو ساكِتٌ؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ منه البَدَلُ، فإنْ سَرَى قَطْعُ يَسارِه إلى نَفْسِه؛ فَهَدرٌ، ويَجِبُ في تَرِكته دِيَةُ اليُمْنَى؛ لِتعذُّرِ الاِسْتِيفاء. (وَإِنْ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً، أَوْ ظَنًّا أَنَّهَا تُجْزِئُ؛ فَعَلَى الْقَاطِعِ دِيَتُهَا) إنْ عَلِمَ أنَّها يسارٌ، وأنَّها لا تُجزِئُ، ويُعزَّرُ، وعليه الضَّمانُ بالدِّية؛ لأِنَّه لو كان عالِمًا بها كانت مضمونةً عليه، وما وَجَبَ ضَمانُه في العمد وَجَبَ في الخطأ؛ كإتْلافِ المال، والقِصاصُ باقٍ في اليَمِين، ولا يَقتَصُّ حتَّى تَندَمِلَ اليَسارُ، فإنْ عَفَا؛

стр. 5445

وَجَبَ بَدَلُها، ويَتقاصَّانِ. وإنْ سَرَت اليَسارُ إلى نفسه؛ فلِوَرَثَةِ الجاني نصفُ الدِّية؛ لأِنَّ اليسارَ مَضْمونةٌ، وتَسَاقَطَا به، ويُقبَلُ قَولُ الجاني في العِلْم وعَدَمِ إباحَتِها؛ لأِنَّه أعْلَمُ بنيته (١). (وَإِنْ (٢) كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَجْنُونًا)، مِثْلَ أنْ يُجَنَّ (٣) بَعْدَ وُجوبِ القِصاصِ عليه؛ (فَعَلَى الْقَاطِعِ الْقِصَاصُ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ)؛ لأنَّه (٤) قَطَعَها تَعدِّيًا، (وَإِنْ جَهِلَ أَحَدُهُمَا؛ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ)؛ لأنَّ (٥) بَذْلَ المجنون (٦) لَيسَ بشُبْهةٍ. (وَإِنْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَجْنُونًا، وَالآْخَرُ عَاقِلاً؛ ذَهَبَتْ هَدَرًا)؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ منه الاِسْتِيفاءُ، ولا يَجُوزُ البَذْلُ (٧) له، ولا ضَمانَ عليه؛ لأِنَّه أتلفها (٨) ببذلِ صاحِبِها، لكِنْ إنْ كان المقطوعُ اليمنى (٩)؛ فقد تعذَّرَ اسْتِيفاءُ القَوَدِ فيها (١٠) لِتَلَفِها، فيكونُ للمجنون دِيَتُها. وإن (١١) وثب المجنونُ فقطع (١٢) يمينَه قَهْرًا؛ سَقَطَ حقُّه؛ كما لو اقْتَصَّ

стр. 5446

ممَّن (١) لا (٢) تَحمِلُه العاقِلةُ. وقِيلَ: لا تسقط (٣)، قال في «الرِّعاية»: وهو أظْهَرُ، ودِيَةُ يَدِه على الجاني، وعلى عاقِلَتِه ديةُ (٤) الجانِي.

стр. 5447

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ)؛ لأِنَّ القِصاصَ يَعتَمِدُ المُماثَلَةَ، (فَلَا تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلاَّءَ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه إلاَّ ما حُكِيَ عن داودَ (١)؛ لاِشْتِراكهما في الاِسْم كالآدَمِيَّينِ (٢). وجوابُه: أنَّ الشَّلاَّءَ لا نفع (٣) فيها سِوَى الجَمال، فلا تؤخذ (٤) بما فيه نفع، وإذا لم يُؤخذ (٥) القَوَدُ في العَينَينِ لأِجْلِ تَفاوُتِهما في الصِّحَّة والعَمَى؛ فَلَأَنْ لا يُوجَبَ ذلك فيما لا نَصَّ فيه أَوْلَى. (وَلَا كَامِلَةُ الْأَصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ)؛ لأِنَّها جنايةٌ زائدةٌ على ما جُنِيَ عليه، فلو قَطَعَ مَنْ له خمسُ أصابِعَ يَدَ مَنْ له أقلُّ مِنْ ذلك؛ لم يَجُز القِصاصُ؛ لأِنَّها فَوقَ حقِّه، وهل له أنْ يَقطَعَ مِنْ أصابِعِ الجاني بعَدَدِ أصابعِه (٦)؟ فيه وَجْهانِ. وإنْ قَطَعَ ذو اليَدِ الكامِلةِ يدًا فيها إصْبَعٌ شَلاَّءُ وباقِيها صِحاحٌ؛ لم يَجُزْ أخْذُ الصَّحيحة بها، وفي القَوَد مِنْ الأصابِعِ الصِّحاحِ وَجْهانِ. فإن (٧) قُلْنا: له القَوَدُ؛ فله الحكومةُ في الشَّلاَّء، وأرْشُ ما تَحتَها من الكفِّ، وهل يَدخُلُ ما (٨) تحت الأصابع الصَّحيحة في قِصاصها، أوْ تجب (٩)

стр. 5448

فيه حُكومةٌ؟ على وَجْهَينِ. فإنْ كانت الزَّائدةُ مِنْ أصابع الجاني زائدةً في الخِلْقة؛ لم يَمنَع القَوَدَ عِنْدَ ابنِ حامِدٍ؛ لأِنَّها عَيبٌ ونَقْصٌ في المعْنَى؛ كالسِّلعة. واخْتارَ القاضي: أنَّها تَمنَعُ؛ كالأصليَّة. ولا تُؤخَذُ ذاتُ أظْفارٍ بما لا أظْفارَ لها. (وَلَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ)، وهي صحيحةٌ في مَوضِعها، وإنَّما ذَهَبَ نُورُها وإبصارها (١)؛ لاِنْتِفاءِ اسْتِوائهما في الصِّحَّة. وتُؤخَذُ القائمةُ بالصَّحيحة؛ لأِنَّها دُونَ حقِّه، ولا أرْشَ له معها؛ لأِنَّ التَّفاوُتَ في الصِّفة. (وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ)؛ لأِنَّه لَيسَ بمُماثِلٍ لها، ولأِنَّه يَأخُذُ أكثرَ مِنْ حقِّه، أشبهت اليدَ الصَّحيحة بالشَّلاَّءِ. (وَلَا ذَكَرُ فَحْلٍ بِذَكَرِ خَصِيٍّ، وَلَا عِنِّينٍ) على المذهَبِ؛ لأِنَّه لا منفعةَ فيهما؛ لأِنَّ الخَصِيَّ لا يُولَدُ له (٢)، ولا يُنزِلُ، ولا يكادُ العِنِّينُ أنْ يَقدِرَ على الوطء؛ فهما (٣) كالأشلِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُؤْخَذَ بِهِمَا)، هذا روايةٌ عن أحمدَ، واختارَها أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّاب؛ لأِنَّهما عُضْوانِ يَنْقبِضان ويتسلطان (٤) فيُؤخَذُ بهما؛ كذَكَرِ الفَحْلِ.

стр. 5449

وعنه: يؤخذ (١) بذَكَرِ العِنِّينِ، لا الخَصِيِّ (٢)، اخْتارَه ابنُ حامِدٍ؛ لتحقُّقِ نَقْصِه، والإياس (٣) من برئه (٤)، بخِلافِ العِنِّينِ، فإنَّ العُنَّةَ عِلَّةٌ في الظَّهْر، فلم تمنع (٥) القصاصَ (٦)؛ كأُذُنِ الأصمِّ، ومارِنِ الأَخْشَمِ. وقال القاضِي: لا يُؤخَذُ بخَصِيٍّ، وفي أخذه (٧) بعِنِّينٍ وَجْهانِ: أحدُهما: يُؤخَذُ به الصَّحيحُ؛ لأِنَّه غَيرُ مَأْيُوسٍ مِنْ زَوالِ عُنَّتِه (٨)، ولذلك يؤجَّل (٩) سنةً. وصحَّحَ في «المغْنِي» و «الشَّرح» الأوَّلَ؛ لأِنَّه إذا تردَّد (١٠) الحالُ بَينَ كَونِه مُساوِيًا لِلآخَرِ وعَدَمِه؛ لم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُه. (إِلاَّ مَارِنَ الْأَشَمِّ الصَّحِيحِ يُؤْخَذُ بِمَارِنِ الْأَخْشَمِ)، وهو الذي لا يَجِدُ رائحةَ شيءٍ، وهذا اسْتِثْناءٌ من اسْتِوائهما في الصحة (١١) والكَمالِ، ولَيسَ هو عائدًا إلى الاِحْتِمال، وإنْ قَرُبَ منه؛ إذ الاِسْتِثْناءُ من (١٢) الإثبات نَفْيٌ، فقوله (١٣): (يُؤخَذُ بهما (١٤) إثباتٌ، والمسْتَثْنَى نَفْيٌ، فيكونُ المعْنَى:

стр. 5450

اسْتِواؤهما شَرطٌ إلاَّ في أشْياءَ؛ لأِنَّ عَدَمَ الشَّمِّ عِلَّةٌ في الدِّماغ، ونَفْسُ الأنف صحيحٌ، فوجب (١) أخْذُ الأخْشَمِ به؛ لأِنَّه مِثْلُه، وإذا كان كذلك؛ فلا يَحتاجُ إلى الاِسْتِثْناء، قِيلَ: هو بالنَّظَر إلى فَواتِ الشَّمِّ غَيرُه. والثَّاني: لا يُؤخَذُ به؛ لأِنَّ منفعةَ الشَّمِّ قد زالت، فهو بالنِّسبة إلى الاسم؛ كاليد الصَّحيحة مع الشَّلاَّء. (وَ) يُؤخَذُ الصَّحيح (بِالْمَخْرُومِ)، وهو المقطوعُ وتَرُ أنفِه، (وَالْمُسْتَحْشِفِ)، وهو الرَّديءُ؛ لأِنَّ ذلك مرضٌ (٢)، ولأِنَّه يَقُومُ مَقامَ الصَّحيح. والثَّاني: لا يُؤخَذُ بذلك؛ لأِنَّه مَعِيبٌ، ذَكَرَه في «الكافي»، واقْتَصَرَ عليه في «الشَّرح». (وَأُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ الشَّلاَّءِ فِي أَحَدِ (٣) الْوَجْهَيْنِ)، وكذا أطْلَقَهما في «المحرَّر»، و «الفروع»: أحدُهما، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ نقل (٤) المؤلِّفِ: يُؤخَذُ به؛ لأِنَّ العُضْوَ صحيحٌ، ومقصوده (٥) الجَمالُ لا (٦) السَّمْعُ، وذَهابُ السَّمْع لِنَقْصٍ في الرَّأس؛ لأِنَّه محلُّه، ولَيسَ بِنَقْصٍ في الأُذن. والثَّاني: لا يُؤخَذُ به؛ لأِنَّه عُضْوٌ ذَهَبَ نَفْعُه، فهو كاليد الشَّلاَّء. وتُؤخَذُ الأذُنُ الصَّحيحةُ بالمثْقوبَة. (وَيُؤْخَذُ الْمَعِيبُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالصَّحِيحِ)؛ لأِنَّه رَضِيَ بِدُونِ حقِّه؛ كما لو

стр. 5451

رَضِيَ المسلِمُ بالقَوَد مِنْ الذِّمِّيِّ، والحرُّ من العبد. (وَبِمِثْلِهِ)؛ لأِنَّ المانِعَ من القِصاص عَدَمُ الاِسْتِواء، وهو مُنْتَفٍ هنا بشرطٍ (١)، وهو: (إِذَا أُمِنَ مِنْ قَطْعِ الشَّلاَّءِ التَّلَفُ). وحاصله: أنَّ القاطِعَ (٢) إذا كان أشلَّ، والمقطوعةُ سالِمةً؛ فإنْ شاء المجْنِيُّ عليه أخَذَ الدِّيةَ؛ فله ذلك بغير خِلافٍ نَعلَمُه (٣)؛ لِعجْزِه عن اسْتِيفاءِ حقِّه على الكمال. وإنِ اخْتارَ القِصاصَ؛ سُئِلَ أهلُ الخِبرة، فإنْ قالوا: إنَّه (٤) إذا قُطِعَ لم تفسد (٥) العُروقُ، ولم يَدخُلِ الهواءُ؛ أُجِيبَ إلى ذلك، وإنْ قالوا: يَدخُلُ الهواء (٦) في البدن فيُفسِدُه؛ سَقَطَ القِصاصُ. (وَلَا يَجِبُ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ أَرْشٌ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الشَّلاَّءَ كالصَّحيحة في الخِلْقة، وإنَّما نَقَصَتْ في الصِّفة، ولأِنَّ الفِعْلَ الواحِدَ لا يُوجِبُ مالاً وقَوَدًا. (وَفِي الآْخَرِ: لَهُ دِيَةُ الْأَصَابِعِ النَّاقِصَةِ)، قاله القاضي وشَيخُه، (وَلَا أَرْشَ لَهُ (٧) مِنْ أَجْلِ (٨) الشَّلَلِ)؛ لأِنَّ الجَمالَ يَنقُصُ بِنُقصانِ الأصابع، بخِلافِ الشَّلاَّءِ، فإنَّها كامِلةٌ صُورةً، وعليه مَبْنَى القِصاصِ؛ لأِنَّ المُماثَلةَ في المعاني لا تُعتَبَرُ؛ لأِنَّه كان يُفْضِي إلى سُقوطِ القِصاص.

стр. 5452

(وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: أنَّ (١) لَهُ أَرْشَهُ)؛ أي (٢): له دِيَةَ الأصابع وأرْشَ الشَّلَل، على قِياسِ قَولِه في عَينِ الأعور إذا قُلِعَتْ، وإنَّما كان كذلك تكميلاً لحقِّه؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى بالقصاص بعضَ حقِّه، فيَأخُذُ دِيَةَ باقِيهِ؛ كما لو قَطَعُ الأقْطَعُ يَدَ الصَّحيح، فإنَّه يَأخُذُ دِيَةَ اليد؛ لِفَواتِ حقِّه منها، وهذا أشْبَهُ بكلامِ أحمدَ. وقِيلَ: الشَّلَلُ موت (٣)، وذَكَرَ في «الفنون»: أنَّه (٤) سَمِعَه مِنْ جماعةٍ من البُلْهِ المدَّعِينَ (٥) للفقه، قال: وهو بعيدٌ، وإلاَّ لَأَنْتَنَ واسْتَحالَ؛ كالحَيَوان. وفي «الواضح»: إنْ ثبت (٦) فلا قَوَدَ في مَيِّتٍ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَلَل العُضْوِ وَصِحَّتِهِ؛ فَأَيُّهُمَا (٧) يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ)؛ أي (٨): إذا ادَّعى الجاني نَقْصَ العُضْو بشَلَلٍ أوْ غَيرِه، فأنْكَرَه وليُّ الجناية؛ قُبِلَ قَولُه، نَصَّ عليه (٩)، واخْتارَه الخَلاَّلُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ السَّلامةُ. والثَّاني، واخْتارَه ابنُ حامِدٍ: يُقبَلُ قَولُ الجاني؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّته مِنْ دِيَةِ عُضْوٍ سالِمٍ، ولأِنَّه لو كان سَالِمًا لم يَخْفَ؛ لأِنَّه يَظهَرُ فيراه (١٠) النَّاسُ.

стр. 5453

واخْتارَ في «الترغيب» عَكْسَه في أعْضاءٍ باطِنةٍ؛ لِتَعَذُّرِ البيِّنة. وقِيلَ: قَولُ الوليِّ إنِ اتَّفَقا على سابِقَةِ السلامة (١)، وإلاَّ فَقَولُ الجاني. مسألةٌ: إذا قَطَع (٢) ذَكَرَ خُنْثَى مُشكِلٍ وأُنْثَيَيْهِ وشُفْرِه؛ فلا قَوَدَ له حتَّى يتبيَّنَ؛ لأِنَّا لا نَعلَمُ أنَّ المقطوعَ فرجٌ أصلي (٣). وإنْ طَلَبَ الدِّيةَ، وكان يُرجَى انْكِشافُ حاله؛ أُعْطِيَ اليقينَ، وهو دِيَةُ شُفْرَي امرأةٍ، وحُكومةٌ في الذَّكَر والأُنثَيَينِ. وإنْ كان مَأْيُوسًا من انْكِشافِ حالِه؛ أُعْطِيَ نصفَ ديةِ ذلك كلِّه، وحُكومةً في نصفه الباقي. وعلى قَولِ ابنِ حامِدٍ: لا حُكومةَ فيه؛ لأِنَّه نَقْصٌ.

стр. 5454

(فَصْلٌ) (١) (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ، أَوْ مَارِنِهِ، أَوْ شَفَتِهِ، أَوْ حَشَفَتِهِ (٢)، أَوْ أُذُنِهِ؛ أُخِذَ مِثْلُهُ، يُقَدَّرُ بِالأَجْزَاءِ؛ كَالنِّصْفِ، وَالثُّلُثِ، وَالرُّبُعِ)؛ للنَّصِّ. وقال أبو الخَطَّاب، وصحَّحه في «المحرَّر»: لا يُؤخَذُ بعضُ اللِّسان ببعضٍ. والمذهَبُ عِنْدَ المؤلِّف، وصاحِبِ «الوجيز»: بلى؛ كالأُذن، ولأنَّه (٣) يُؤخَذُ جميعُه بجميعه، فأُخِذَ (٤) بعضه ببعضٍ؛ كالأنف، ويُقدَّر بالأجزاء؛ كالنِّصْف، ولا يُؤخَذُ بالمساحة؛ لِئَلاَّ يُفْضِيَ إلى أخْذِ جميعِ عضوِ الجاني ببعضِ عُضْوِ المَجْنِيِّ عليه. (وَإِنْ كُسِرَ بَعْضُ سِنِّهِ؛ بُرِدَ مِنْ سِنِّ الْجَانِي مِثْلُهَا)؛ لِحديثِ الرُّبَيِّع (٥)، ويُقدَّرُ بما ذكرنا (٦)، ويتعيَّنُ القَوَدُ بالمِبْرَد؛ لِتُؤمَنَ الزِّيادةُ؛ لأِنَّه لو أُخِذَ بالكَسْر؛ لَأدَّى إلى الصُّداع أو القَلْع أو الكسر (٧) مِنْ غَيرِ مَوضِعِ القِصاص. وشَرْطُه: (إِذَا أُمِنَ مِنْ (٨) قَلْعِهَا)؛ أيْ: لا يُقتَصُّ حتَّى يقول (٩) أهلُ الخِبرة: إنَّه يُؤمَنُ انقِلاعُها؛ لأنَّ (١٠) تَوهُّمَ الزِّيادة يَمنَعُ القَوَدَ؛ كما لو قُطِعَتْ

стр. 5455

يَدُه من غَيرِ مَفْصِلٍ. لا يُقالُ: قد أجَزْتُم (١) القِصاصَ في الأطراف مع تَوَهُّمِ سِرايَتها إلى النَّفس، فَلِمَ مَنَعْتُمْ منه لِتَوهُّمِ السِّرايَة إلى بعضِ العُضْو؟ لأِنَّ تَوَهُّمَ السِّراية إلى النَّفْس لا سبيلَ إلى التَّحرُّز منه، فلو اعْتُبِر سَقَطَ القِصاصُ في الطَّرَف، فَسَقَطَ اعْتِبارُه، وأمَّا (٢) السِّرايَةُ إلى بعضِ العُضْوِ؛ فتارةً نَقولُ بمَنْعِ القِصاص إذا احْتَمَلَ الزِّيادةَ في الفِعْلِ، لا في السِّراية؛ كما إذا اسْتَوْفَى مِنْ بعض (٣) الذِّراع، فإنَّه يَحتَمِلُ أنْ يَفعَلَ أكثرَ مِمَّا فُعِل به (٤). فلو قَلَعَ سِنًّا زائدةً، وكان للجاني مِثلُها في موضعها (٥)؛ فللمَجْنِيِّ عليه القَوَدُ، أوْ حُكومةٌ في سِنِّه، وإنْ لم يَكُنْ له مِثْلُها في مَحلِّها؛ فلَيسَ له إلاَّ الحكومة (٦). وإنْ كانَتْ إحداهما أكبرَ من الأخرى؛ فالأشْهَرُ أنَّه يُؤخَذُ به؛ لأِنَّهما سِنَّانِ مُتَساوِيَتانِ في الموضِع؛ كالأصْليَّتَينِ، ولِعُمومِ النَّصِّ. (وَلَا يُقْتَصُّ مِنَ السِّنِّ حَتَّى يَيْأَسَ (٧) مِنْ عَوْدِهَا)، وهي سِنُّ مَنْ قد ثُغِرَ؛ أيْ: سَقَطَتْ رَواضِعُه، ثُمَّ نبتت (٨)؛ لأِنَّ سِنَّ مَنْ لم يُثْغِرْ تعود (٩) عادةً، فلم يُضمَنْ كالشَّعْر.

стр. 5456

فإنْ عادَ بَدَلُ السِّنِّ على صِفَتِها في مَوضِعِها؛ فلا شَيءَ على الجاني. (وَإِنِ (١) اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ؛ رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ)؛ أي (٢): إذا مَضَى زمانُ عَودِها، ولم تَعُدْ؛ سُئلَ أهلُ الخِبْرة، فإنْ قالوا: قد يئس (٣) مِنْ عَودِها؛ خُيِّرَ المجْنِيُّ عليه (٤) بَينَ القِصاصِ وبَينَ دِيَةِ السِّنِّ. (فَإِنْ مَاتَ) المجْنِيُّ عليه (قَبْلَ الْإِيَاسِ مِنْ عَوْدِهَا (٥)؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا)؛ لأِنَّ القَلْعَ مَوجُودٌ، والعَودُ مَشْكوكٌ فيه. وقِيلَ: لا يَجِبُ شَيءٌ؛ كحَلْقِ شَعْرِه ومَوتِه قَبْلَ نَباتِه. (وَلَا قِصَاصَ فِيهَا)؛ لأِنَّ الاِسْتِحْقاقَ غَيرُ مُتحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبهةً في دَرْءِ القَوَد. (وَإِنِ اقْتَصَّ مِنْ سِنٍّ، فَعَادَتْ؛ غَرِمَ سِنَّ الْجَانِي)؛ لأِنَّه لم يَجِب القِصاصُ، ويَضمَنُها بالدِّية فَقَطْ؛ لأِنَّه لم يَقصِد التَّعَدِّيَ. (ثُمَّ إِنْ عَادَتْ سِنُّ الْجَانِي؛ رَدَّ مَا أَخَذَ)، ولم تُقلَع (٦) في (٧) وَجْهٍ؛ لِئَلاَّ يَأخُذَ سِنَّينِ بِسنٍّ. وقِيلَ: تُقلَع (٨) وإنْ بَرِئَتْ؛ لأِنَّه أعْدَمَ سِنَّه بالقَلْع؛ فكان له إعدامُ سِنِّه به. وفي «المُذهَبِ» فِيمَنْ قَلَعَ سِنَّ كبيرٍ، ثُمَّ نَبَتَتْ؛ لم يردَّ (٩) ما أخَذَ، ذَكَرَه

стр. 5457

أبو بكرٍ. (وَإِنْ عَادَتْ سِنُّ (١) الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَصِيرَةً، أَوْ مَعِيبَةً؛ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ نَقْصِهَا) بالحساب، ففي نصفِها نصفُ دِيَتها، وإنْ عادَتْ والدَّمُ يَسِيلُ منها، أوْ مائلةً عن مَحلِّها؛ ففيها حُكومةٌ. وإنْ قَلَعَ سنَّ كبيرٍ؛ فله القَوَدُ في الحال؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ عَودِها. وإنْ قَلَعَ سِنًّا فاقْتُصَّ منه، ثُمَّ عادَتْ سِنُّ (٢) المجْنِيِّ عليه، فَقَلَعَها الجاني ثانيةً؛ فلا شَيءَ عليه؛ لأِنَّ سِنَّ المجْنيِّ عليه لَمَّا عادَتْ وَجَبَ للجاني عليه دِيةُ سنِّه، فلمَّا قَلَعَها وَجَبَ على الجاني دِيَتُها للمَجْنِيِّ عليه، فقد وَجَبَ لكلٍّ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيَتقاصَّانِ. مسألةٌ: تُؤخذ (٣) المكسورةُ بالصَّحيحة، وهل له أرْشُ الباقي؟ فيه وَجْهانِ.

стр. 5458

(فَصْلٌ) (النَّوْعُ الثَّانِي: الْجُرُوحُ)؛ للآية والخبرِ، (فَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ كَالْمُوضِحَةِ)؛ لأِنَّه يُمكِنُ اسْتِيفاؤه مِنْ غَيرِ حَيفٍ ولا زِيادةٍ؛ لاِنْتِهائه إلى عَظْمٍ، أشْبَهَ قَطْعَ الكفِّ مِنْ الكُوع، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١)، ولأِنَّ اللهَ نَصَّ على القِصاص، فلو لم يَجِبْ في كلِّ جُرْحٍ يَنتَهِي إلى عَظْمٍ؛ لَسقَطَ حُكْمُ الآية. (وَجُرْحِ الْعَضُدِ، وَالسَّاعِدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ (٢)، وَالْقَدَمِ)، في قَولِ أكثرِ العلماء، كالمُوضِحة (٣). ولا يَستَوْفِي ذلك إلاَّ مَنْ له عِلْمٌ وخِبرةٌ؛ كالجرائحيِّ، ونحوِه، فإنْ لم يكُنْ للولِيِّ عِلْمٌ بذلك؛ أمَرَه بالاِسْتِنابَة، وإنْ كان له عِلْمٌ به؛ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّه يُمكَّنُ منه (٤)؛ لأِنَّه أحدُ نَوعَي القِصاص؛ كالنَّفس. (وَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالْجُرُوحِ، كَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، أَوْ أَعْظَمَ (٥) مِنْهَا)؛ لأِنَّها جِراحةٌ لا (٦) تَنتَهِي إلى عَظْمٍ، ولا يُؤمَنُ فيها الزِّيادةُ، أشْبَهَ الجائفةَ وكَسْرَ العِظامِ. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْمُوضِحَةِ؛ كَالْهَاشِمَةِ، وَالمُنَقِّلَةِ (٧)، وَالْمَأْمُومَةِ)؛ لأِنَّه لَيسَ له حدٌّ يَنتَهِي إليه، ولا يُمكِنُ الاِسْتِيفاءُ مِنْ غَيرِ حَيفٍ، وذلك شَرْطٌ

стр. 5459

في وُجوبِ القِصاصِ، (فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مُوضِحَةً)، بغَيرِ خِلافٍ بَينَ أصحابنا؛ لأِنَّه يَقتَصِرُ على بعضِ حقِّه ويَقتَصُّ مِنْ مَحَلِّ جِنايَته، فإنَّه إنَّما وَضَعَ السِّكِّينَ في مَوضِعٍ وَضَعها (١) الجاني؛ لأِنَّ سِكِّينَ الجاني وَصَلَتِ العَظْمَ ثُمَّ تَجاوَزَتْه، بخِلافِ قاطع (٢) السَّاعِدِ، فإنَّه لم يَضَعْ سِكِّينَه في الكُوعِ. (وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ)؛ لأِنَّه جُرْحٌ واحِدٌ فلم يُجمَعُ فيه بَينَ قِصاصٍ وأرْشٍ؛ كالشَّلاَّء بالصَّحيحة. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ)، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: (لَهُ مَا بَيْنَ (٣) دِيَةِ مُوضِحَةٍ وَدِيَةِ تِلْكَ الشَّجَّةِ)؛ لأِنَّه تعذَّر فيه القِصاصُ، فَوَجَبَ الأرْشُ؛ كما لو تعذَّرَ في جميعها، وفارَقَ الشَّلاَّء بالصَّحيحة، فإنَّ الزِّيادةَ ثَمَّ مِنْ حَيثُ المعنى، ولَيسَتْ مُتمَيِّزةً، بخِلافِ مسألَتِنا. (فَيَأْخُذُ فِي الْهَاشِمَةِ: خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ: عَشْرًا)؛ لأِنَّ التَّفاوُتَ في الأُولَى خمسٌ، وفي الثَّانية عشرٌ، وفي المأمومة ثمانيةٌ وعِشْرونَ بعيرًا وثُلُثُ بعيرٍ؛ لأِنَّ الواجِبَ فيها ثُلُثُ الدِّية، فإذا ذَهَبَ منها دِيَةُ مُوضِحةٍ؛ بقي (٤) ذلك. (وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ الْجُرْحِ بِالْمِسَاحَةِ)، دُونَ كَثَافَةِ اللَّحْم؛ ليُعَلَّمَ (٥) حتَّى يُقتص (٦) من الجاني مِثْلُه، (فَلَوْ أَوْضَحَ إِنْسَانًا فِي بَعْضِ رَأْسِهِ، مِقْدَارُ ذَلِكَ الْبَعْضِ جَمِيعُ رَأْسِ (٧) الشَّاجِّ وَزِيَادَةٌ؛ كَانَ لَهُ أَنْ يُوضِحَهُ فِي جَمِيعِ رَأْسِهِ).

стр. 5460

وحاصله (١): أنَّه يَجِبُ في المُوضِحَة قَدْرُها طُولاً وعَرْضًا؛ لأِنَّ القِصاصَ المُماثَلَةُ، ولا يُراعَى (٢) العُمْقُ؛ لأِنَّ حدَّه العَظْمُ، ولو رُوعِيَ لَتَعَذَّرَ الاِسْتِيفاءُ؛ لأِنَّ النَّاسَ يَختَلِفونَ في قلَّة اللَّحْم وكَثْرَته. فإذا كانَتْ في الرَّأس؛ حُلِقَ مَوضِعُها مِنْ رأس الجاني، وعُلِّمَ القَدْرُ المسْتَحَقُّ بسَوادٍ أو غَيرِه، ثُمَّ اقْتُصَّ، فإنْ كانَتْ في مُقدَّمِ الرَّأس، أوْ مُؤخَّرِه، أوْ وَسَطِه، فأمْكَنَ أنْ يَسْتَوْفِيَ قَدْرَها مِنْ مَوضِعِها؛ لم يَجُزْ مِنْ غَيرِه. وإنْ زاد قَدْرُها على مَوضِعِها مِنْ رأسِ الجاني؛ اسْتَوْفَى بقَدْرِها وإنْ جاوَزَ المَوضِعَ الذي شجَّه (٣) في مِثْلِه؛ لأِنَّ الجميعَ رأسٌ. وإنْ زاد قَدْرُها على رأس الجاني كلِّه؛ لم يَجُزْ أنْ يُنزِله (٤) إلى الوَجْه والقَفَا؛ لأِنَّه قِصاصٌ في (٥) غَيرِ العُضْو المجروحِ، فيُقْتَصُّ مِنْ رأسِ الجاني كلِّه. (وَفِي الأَرْشِ (٦) لِلزَّائِدِ وَجْهَانِ): أحدُهما: لا أرش (٧) له فيما بَقِيَ (٨)، وقاله أبو بكرٍ، وهو الأَشْهَرُ؛ لِئَلاَّ يجمَعَ في (٩) عُضْوٍ واحِدٍ: قِصاصٌ ودِيَةٌ. والثَّاني، وهو قَولُ ابنِ حامِدٍ: له أرْشُ مُوضِحةِ (١٠) ما بَقِيَ، وهو تفاوُتُ

стр. 5461

ما بَينَ جِنايَتِه والمُوضِحَةِ كما سبق. فإن (١) كانَتْ بقَدْرِ ثُلُثِها؛ فله أرشُ (٢) ثُلثِ مُوضِحة (٣)، وإنْ زادت على هذا أوْ نَقَصَتْ؛ فَبِالحساب مَنْ أرْشِ المُوضِحة، ولا يَجِبُ له أرْشُ مُوضِحةٍ كامِلةٍ. تنبيهٌ: إذا أوْضَحَ كلَّ الرَّأس، ورأسُ الجاني أكبرُ؛ فللمَجْنِيِّ عليه قَدْرُ شَجَّتِه من أيِّ جانِبٍ شاءَ؛ لأِنَّ الجميعَ مَحَلُّ الجِنايَة، وله أنْ يَستَوْفِيَ بعضَ حقِّه مِنْ مُقدَّمِ الرَّأس وبعضَه مِنْ مُؤخَّره، إلاَّ أنْ يكونَ في ذلك زيادةُ ضَرَرٍ أوْ شَيْنٍ، فيُمنَع (٤) لذلك؛ لأِنَّه لم يُجاوِزْ مَوضِعَ الجناية، ولا قَدْرَها. وقِيلَ: بالمَنْع؛ لأِنَّه يَأخُذُ مُوضِحَتَينِ بِمُوضِحةٍ، قدَّمه في «الشَّرح». وإنْ أَوْضَحَه مُوضِحَتَينِ، قَدْرُهما جميعُ رأسِ الجاني؛ فللمَجْنِيِّ عليه الخِيارُ بَينَ أنْ يُوضِحَه في جميعِ رأسِه مُوضِحةً واحدةً، وبَينَ أنْ يُوضِحَه مُوضِحَتَينِ يَقتصر (٥) فيهما عن قَدْرِ الواجِبِ، ولا أَرْشَ له في الباقي وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّه تَرَك الاِسْتِيفاءَ مع إمكانه. ويُقبَلُ قَولُ المقْتَصِّ مع يمينه في أنَّه أخْطَأَ في الزِّيادة، فإنْ قال: هذه الزِّيادةُ حَصَلَتْ باضْطِرابه، فأنْكَرَه الجاني؛ فوَجْهانِ.

стр. 5462

(فَصْلٌ) (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ) مُوجِبٍ للقِصاص، (وَتَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ (١) وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ (٢)، أوْ يَدْفَعُوا حائطًا ونَحوَه على شخصٍ، قالَهُ في «الوجيز»؛ (فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اخْتارَها الخرقي (٣)، وقدَّمها في «الكافي» و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لقولِ عليٍّ للشَّاهِدَينِ: «لو علمتُ أنَّكما تعمَّدتُما؛ لَقَطَعْتُكُما» (٤)، فأخْبَرَ أنَّ القِصاصَ على كلٍّ منهما لو تَعمَّدَ، ولأِنَّه أحدُ نَوعَي القِصاصِ، فيؤخذ (٥) الجماعةُ بالواحد؛ كالنَّفْس. وفي «الانتصار»: لو حَلَفَ كلٌّ منهما لا يَقطَعُ يَدًا؛ حَنِثَ بذلك. والثَّانيةُ: لا قَوَدَ عليهم؛ لأِنَّ الأطرافَ يُعتَبَرُ التَّساوِي فيها، فإنَّه لا تُؤخَذُ صحيحةٌ بشَلاَّءَ، ولا كامِلةُ الأصابع بناقصتها (٦)، ولا تَساوِيَ بين الطَّرَف (٧)

стр. 5463

والأطْرافِ، ولا يُعتَبَرُ التَّساوِي في النَّفس، وكما لو تميَّزتْ أفْعالُهم. وفي «الرِّعاية» بعدَ ذِكْرِ الخِلاف: وعلى كلِّ واحِدٍ دِيَةُ الطَّرَف والجرح؛ كما لو قطع كلُّ إنسانٍ مِنْ جانِبٍ، أوْ في وَقْتٍ. قال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنْ يَشتَرِكوا في دِيَتِه. (فَإِنْ (١) تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ؛ فَلَا قِصَاصَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهم لم يَقطَعِ اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها. (وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ)، بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لأِنَّها أَثَرُ الجِنايَة، والجِنايَةُ مَضمونةٌ، فكذا (٣) أَثَرُها، (بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ)، وهو مَبْنِيٌّ على أنَّ مُوجَبَ العَمْدِ أحدُ أمْرَينِ. ثُمَّ إنْ سَرَتْ إلى النَّفْس وما (٤) لا تُمكِن (٥) مُباشَرَتُه بالإتْلافِ، مِثْلَ أنْ يَهشِمَه في رأسه فيَذهَبَ ضَوءُ عَينِه؛ وَجَبَ القَوَدُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفس، وفي ضَوءِ العَينِ خِلافٌ. وإنْ سَرَتْ إلى ما تُمكِن (٦) مُباشَرَتُه بالإتلاف (٧)، ونبَّه عليه بقوله: (فَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَآكَلَتْ إِلَى جَانِبِهَا أُخْرَى (٨)، وَسَقَطَتْ (٩) مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ تَآكَلَتِ

стр. 5464

الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ؛ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ (١) في قَولِ إمامنِا (٢)؛ لأِنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجناية؛ وَجَبَ بالسِّرايَة كالنَّفس. وقال أكثرُ الفقهاء: لا قَوَدَ في الثَّانية، وتَجِبُ دِيَتُها؛ لأِنَّ ما أمْكَنَ مباشرته بالجِنايَة لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّراية؛ كما لو رَمَى سهمًا (٣) إلى شَخْصٍ، فمرق (٤) منه إلى آخَرَ. وجَوابُه: ما سَبَقَ، وبأنَّه أحدُ نَوعَي القِصاص، وفارَقَ ما ذَكَرُوه؛ لأِنَّ ذلك فِعْلٌ، ولَيسَ بِسِرايَةٍ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فَقَطَعَ سبَّابَتَه وَجَبَ القِصاصُ. (وَإِنْ شَلَّ (٥) بفَتْحِ الشِّين، وقِيلَ: بضَمِّها؛ (فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ القِصَاصِ)؛ أي (٦): إذا شلَّ (٧) وَجَبَ القَوَدُ في الأولى، والأَرْشُ في الثَّانية؛ لأِنَّ الشَّلَلَ حَصَلَ بالسِّرايَة، وحُكْمُها حُكْمُ المُباشَرَة، ولأِنَّها جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَد؛ كما لو لم (٨) تَسْرِ، وكما لو قَطَعَ يَدَ حُبْلَى فَسَرَى إلى جَنِينِها. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا قَوَدَ بنقصه بَعْدَ بُرئِه، ويَجِبُ الأَرْشُ في ماله، فلا تَحمِلُه (٩) العاقِلَةُ؛ لأِنَّه جِنايَةُ عَمْدٍ. وإذا قَطَعَ له إصْبَعًا فشلَّت (١٠) أصابِعُه الباقِيَةُ وكفُّه؛ وَجَبَ له نصفُ الدِّيَة،

стр. 5465

وإن اقْتَصَّ من الإصْبَع؛ فله في الباقية (١) أربعونَ من الإبل، ويَتبَعُها ما حاذَى الكَفَّ، وهو أربعةُ أخْماسٍ، فيَدخُلُ أرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمُسٌ منها للكَفِّ، وفيه وَجْهانِ. (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ) في قَولِ الجُمْهور؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ: أنَّ عمرَ وعليَّ بنَ أبي طالِبٍ، قالا: «مَنْ ماتَ مِنْ حَدٍّ أوْ قِصاصٍ؛ لا دِيَةَ له، الحقُّ قَتَلَه» (٢)، ولأِنَّه قَطْعٌ مُستَحَقٌّ مُقدَّرٌ، فلا تُضمن (٣) سِرايَتُه؛ كقَطْعِ السَّارِق. ولا فَرْقَ بَينَ سِرَايَتِه إلى النَّفس، أوْ إلى ما دُونَها. (فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ)؛ لأِنَّه مُستَحِقٌّ له، بخِلافِ قسمِ الخطأ، واحتجَّ الأصحابُ بمسألة (٤): اقْتُلْنِي، أو اجْرَحْنِي، مع تحريمِ الإذْنِ والقَطْعِ، فهُنا أَوْلَى.
следующие страницы →