← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ما بَينَ جِنايَتِه والمُوضِحَةِ كما سبق. فإن (١) كانَتْ بقَدْرِ ثُلُثِها؛ فله أرشُ (٢) ثُلثِ مُوضِحة (٣)، وإنْ زادت على هذا أوْ نَقَصَتْ؛ فَبِالحساب مَنْ أرْشِ المُوضِحة، ولا يَجِبُ له أرْشُ مُوضِحةٍ كامِلةٍ. تنبيهٌ: إذا أوْضَحَ كلَّ الرَّأس، ورأسُ الجاني أكبرُ؛ فللمَجْنِيِّ عليه قَدْرُ شَجَّتِه من أيِّ جانِبٍ شاءَ؛ لأِنَّ الجميعَ مَحَلُّ الجِنايَة، وله أنْ يَستَوْفِيَ بعضَ حقِّه مِنْ مُقدَّمِ الرَّأس وبعضَه مِنْ مُؤخَّره، إلاَّ أنْ يكونَ في ذلك زيادةُ ضَرَرٍ أوْ شَيْنٍ، فيُمنَع (٤) لذلك؛ لأِنَّه لم يُجاوِزْ مَوضِعَ الجناية، ولا قَدْرَها. وقِيلَ: بالمَنْع؛ لأِنَّه يَأخُذُ مُوضِحَتَينِ بِمُوضِحةٍ، قدَّمه في «الشَّرح». وإنْ أَوْضَحَه مُوضِحَتَينِ، قَدْرُهما جميعُ رأسِ الجاني؛ فللمَجْنِيِّ عليه الخِيارُ بَينَ أنْ يُوضِحَه في جميعِ رأسِه مُوضِحةً واحدةً، وبَينَ أنْ يُوضِحَه مُوضِحَتَينِ يَقتصر (٥) فيهما عن قَدْرِ الواجِبِ، ولا أَرْشَ له في الباقي وجْهًا واحدًا؛ لأِنَّه تَرَك الاِسْتِيفاءَ مع إمكانه. ويُقبَلُ قَولُ المقْتَصِّ مع يمينه في أنَّه أخْطَأَ في الزِّيادة، فإنْ قال: هذه الزِّيادةُ حَصَلَتْ باضْطِرابه، فأنْكَرَه الجاني؛ فوَجْهانِ.

стр. 5462

(فَصْلٌ) (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَطْعِ طَرَفٍ أَوْ جُرْحٍ) مُوجِبٍ للقِصاص، (وَتَسَاوَتْ أَفْعَالُهُمْ، مِثْلَ أَنْ يَضَعُوا الْحَدِيدَةَ عَلَى يَدِهِ (١) وَيَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا جَمِيعًا حَتَّى تَبِينَ (٢)، أوْ يَدْفَعُوا حائطًا ونَحوَه على شخصٍ، قالَهُ في «الوجيز»؛ (فَعَلَى جَمِيعِهِمُ الْقِصَاصُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ)، اخْتارَها الخرقي (٣)، وقدَّمها في «الكافي» و «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لقولِ عليٍّ للشَّاهِدَينِ: «لو علمتُ أنَّكما تعمَّدتُما؛ لَقَطَعْتُكُما» (٤)، فأخْبَرَ أنَّ القِصاصَ على كلٍّ منهما لو تَعمَّدَ، ولأِنَّه أحدُ نَوعَي القِصاصِ، فيؤخذ (٥) الجماعةُ بالواحد؛ كالنَّفْس. وفي «الانتصار»: لو حَلَفَ كلٌّ منهما لا يَقطَعُ يَدًا؛ حَنِثَ بذلك. والثَّانيةُ: لا قَوَدَ عليهم؛ لأِنَّ الأطرافَ يُعتَبَرُ التَّساوِي فيها، فإنَّه لا تُؤخَذُ صحيحةٌ بشَلاَّءَ، ولا كامِلةُ الأصابع بناقصتها (٦)، ولا تَساوِيَ بين الطَّرَف (٧)

стр. 5463

والأطْرافِ، ولا يُعتَبَرُ التَّساوِي في النَّفس، وكما لو تميَّزتْ أفْعالُهم. وفي «الرِّعاية» بعدَ ذِكْرِ الخِلاف: وعلى كلِّ واحِدٍ دِيَةُ الطَّرَف والجرح؛ كما لو قطع كلُّ إنسانٍ مِنْ جانِبٍ، أوْ في وَقْتٍ. قال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنْ يَشتَرِكوا في دِيَتِه. (فَإِنْ (١) تَفَرَّقَتْ أَفْعَالُهُمْ، أَوْ قَطَعَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ جَانِبٍ؛ فَلَا قِصَاصَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهم لم يَقطَعِ اليَدَ، ولم يُشارِكْ في قَطْعِ جَمِيعِها. (وَسِرَايَةُ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ)، بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لأِنَّها أَثَرُ الجِنايَة، والجِنايَةُ مَضمونةٌ، فكذا (٣) أَثَرُها، (بِالْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ)، وهو مَبْنِيٌّ على أنَّ مُوجَبَ العَمْدِ أحدُ أمْرَينِ. ثُمَّ إنْ سَرَتْ إلى النَّفْس وما (٤) لا تُمكِن (٥) مُباشَرَتُه بالإتْلافِ، مِثْلَ أنْ يَهشِمَه في رأسه فيَذهَبَ ضَوءُ عَينِه؛ وَجَبَ القَوَدُ فيه، ولا خِلافَ في ذلك في النَّفس، وفي ضَوءِ العَينِ خِلافٌ. وإنْ سَرَتْ إلى ما تُمكِن (٦) مُباشَرَتُه بالإتلاف (٧)، ونبَّه عليه بقوله: (فَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَآكَلَتْ إِلَى جَانِبِهَا أُخْرَى (٨)، وَسَقَطَتْ (٩) مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ تَآكَلَتِ

стр. 5464

الْيَدُ وَسَقَطَتْ مِنَ الْكُوعِ؛ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ (١) في قَولِ إمامنِا (٢)؛ لأِنَّ ما وَجَبَ فيه القَوَدُ بالجناية؛ وَجَبَ بالسِّرايَة كالنَّفس. وقال أكثرُ الفقهاء: لا قَوَدَ في الثَّانية، وتَجِبُ دِيَتُها؛ لأِنَّ ما أمْكَنَ مباشرته بالجِنايَة لا يَجِبُ القَوَدُ فيه بالسِّراية؛ كما لو رَمَى سهمًا (٣) إلى شَخْصٍ، فمرق (٤) منه إلى آخَرَ. وجَوابُه: ما سَبَقَ، وبأنَّه أحدُ نَوعَي القِصاص، وفارَقَ ما ذَكَرُوه؛ لأِنَّ ذلك فِعْلٌ، ولَيسَ بِسِرايَةٍ، ولو قَصَدَ قَطْعَ إبْهامِه فَقَطَعَ سبَّابَتَه وَجَبَ القِصاصُ. (وَإِنْ شَلَّ (٥) بفَتْحِ الشِّين، وقِيلَ: بضَمِّها؛ (فَفِيهِ دِيَتُهُ دُونَ القِصَاصِ)؛ أي (٦): إذا شلَّ (٧) وَجَبَ القَوَدُ في الأولى، والأَرْشُ في الثَّانية؛ لأِنَّ الشَّلَلَ حَصَلَ بالسِّرايَة، وحُكْمُها حُكْمُ المُباشَرَة، ولأِنَّها جِنايَةٌ مُوجِبَةٌ للقَوَد؛ كما لو لم (٨) تَسْرِ، وكما لو قَطَعَ يَدَ حُبْلَى فَسَرَى إلى جَنِينِها. وقال ابنُ أبي مُوسَى: لا قَوَدَ بنقصه بَعْدَ بُرئِه، ويَجِبُ الأَرْشُ في ماله، فلا تَحمِلُه (٩) العاقِلَةُ؛ لأِنَّه جِنايَةُ عَمْدٍ. وإذا قَطَعَ له إصْبَعًا فشلَّت (١٠) أصابِعُه الباقِيَةُ وكفُّه؛ وَجَبَ له نصفُ الدِّيَة،

стр. 5465

وإن اقْتَصَّ من الإصْبَع؛ فله في الباقية (١) أربعونَ من الإبل، ويَتبَعُها ما حاذَى الكَفَّ، وهو أربعةُ أخْماسٍ، فيَدخُلُ أرْشُه فيها، ويَبْقَى خُمُسٌ منها للكَفِّ، وفيه وَجْهانِ. (وَسِرَايَةُ الْقَوَدِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ) في قَولِ الجُمْهور؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ: أنَّ عمرَ وعليَّ بنَ أبي طالِبٍ، قالا: «مَنْ ماتَ مِنْ حَدٍّ أوْ قِصاصٍ؛ لا دِيَةَ له، الحقُّ قَتَلَه» (٢)، ولأِنَّه قَطْعٌ مُستَحَقٌّ مُقدَّرٌ، فلا تُضمن (٣) سِرايَتُه؛ كقَطْعِ السَّارِق. ولا فَرْقَ بَينَ سِرَايَتِه إلى النَّفس، أوْ إلى ما دُونَها. (فَلَوْ قَطَعَ الْيَدَ قِصَاصًا، فَسَرَى إِلَى النَّفْسِ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ)؛ لأِنَّه مُستَحِقٌّ له، بخِلافِ قسمِ الخطأ، واحتجَّ الأصحابُ بمسألة (٤): اقْتُلْنِي، أو اجْرَحْنِي، مع تحريمِ الإذْنِ والقَطْعِ، فهُنا أَوْلَى.

стр. 5466

ويُستَثْنَى مِنْ ذلك: ما إذا استوفاه (١) قَهْرًا مع الخَوف منها؛ كحَرٍّ (٢) أوْ بَرْدٍ، أوْ كُلُولِ آلةٍ، أوْ مَسمومةٍ، فإنَّه يَضمَنُ بقيَّةَ الدِّيَة. وقال القاضي: يَضمَنُ نِصفَها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: مَنْ له قَوَدٌ في نَفْسٍ أوْ طَرَفٍ، فَقَطَعَ طَرَفَه، فَسَرَى أوْ صالَ مَنْ عليه الدِّيَةُ فدفعه دَفْعًا جائزًا فقَتَلَه؛ هل يكُونُ مُستَوفِيًا لِحَقِّه، كما يُجزِئُ إطْعامُ مضطرٍّ (٣) مِنْ كفَّارةٍ قد وَجَبَ عليه بَذْلُه له (٤)، وكذا مَنْ دَخَلَ مسجدًا فصلَّى قَضاءً ونَوَى كفَّارةً عن تحيَّةِ المسجد؟ فيه احْتِمالانِ. (وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إِلاَّ بَعْدَ بُرْئِهِ) في قَولِ الأكثرِ، وهو الأصحُّ؛ لِمَا رَوَى عمرو (٥) بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً طَعَنَ رجلاً بِقَرْنٍ في رُكْبَتِهِ، فجاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: أَقِدْنِي، فقال: «حتَّى تَبْرَأَ»، ثُمَّ جاء إليه فقال: أَقِدْني، فأَقَادَه، ثُمَّ جاء إليه، فقال: يا رسولَ الله عَرِجْتُ، فقال: «قد نَهَيتُكَ فعَصَيتَنِي، فأبعدَكَ (٦) اللهُ وبَطَلَ عرجُكَ»، ثُمَّ نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُقتَصَّ (٧) مِنْ جُرْحٍ حتَّى يبرأ (٨)، رواه أحمدُ والدَّارَقُطْنِيُّ (٩)، ولأِنَّ الجُرْحَ لا

стр. 5467

يُدْرَى أيُؤدِّي إلى القَتْلِ أمْ لا؟ فيَجِبُ أنْ يُنتَظَرَ لِيُعلَمَ حُكْمُه. وفي ثانيةٍ، وحكاها في «الشَّرح» تخريجًا: يَجِبُ قبل (١) البُرْء؛ بناءً (٢) على قَولنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفس يُفعَلُ به كما فَعَلَ؛ لأِنَّ القِصاصَ في الطَّرَف لا يَسقُطُ بالسِّراية، فَوَجَبَ أنْ يَملِكَه في الحال؛ كما لو بَرِئَ، لكِنَّ الأَوْلى (٣) تَرْكُه، قاله في «المحرَّر». وفي «الرَّوضة»: لو قَطَعَ كلٌّ منهما يَدًا؛ فله أخْذُ دِيَةِ كلٍّ منهما في الحال قَبْلَ الاِنْدِمال وبَعدَه، لا القَوَد (٤) قَبْلَه. (فَإِنِ اقْتَصَّ قَبْلَ ذَلِكَ؛ بَطَلَ حَقُّهُ مِنْ سِرَايَةِ جُرْحِهِ)؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «لَيسَ لكَ (٥) شَيءٌ، إنَّكَ عَجِلْتَ» رواه سعيدٌ مُرسَلاً (٦)،

стр. 5468

ولأِنَّه اسْتَعْجَلَ حقَّه؛ فَبَطَلَ حقُّه (١)؛ كقَتْلِ مَورُوثِه. (وَإِنْ سَرَى إِلَى نَفْسِهِ كَانَ هَدَرًا)؛ أيْ: سِرايَةُ الجُرْح إلى نَفْسِ المجْنِيِّ عليه هَدرٌ، إذا اقْتَصَّ من الجاني قَبْلَ بُرْءِ جُرْحِه؛ لأِنَّ حقَّه بَطَلَ باسْتِعْجاله، ومع بُطْلانه يَتعيَّنُ كَونُ السِّرايَة إلى نَفْسِه هَدرًا. (وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِي؛ كَانَ هَدَرًا أَيْضًا)، قال أحمدُ: قد دَخَلَه العَفْوُ بالقصاص (٢)، واحتجَّ الأصحابُ بخَبَرٍ رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولأِنَّ سِرايَةَ القَوَدِ غَيرُ مَضْمونَةٍ. فرعٌ: إذا اقْتَصَّ بَعْدَ الاِنْدِمال، ثُمَّ انْتقَضَ جُرْحُ الْجِنايَة، فَسَرَى إلى النَّفس؛ وَجَبَ القَوَدُ به، ولأِنَّه (٤) اقْتَصَّ بَعْدَ جَوازِ الاقتصاص. فإن اخْتارَ الدِّيَةَ؛ فله ديةٌ، إلا ديةَ (٥) الطَّرَف المأْخُوذ في القصاص، فإنْ كان دِيَةُ الطَّرَف كدِيَةِ النَّفس؛ فَلَيسَ له (٦) العَفْوُ على مالٍ كذلك. وإن (٧) كان الجانِي ذِمِّيًّا قَطَعَ أَنْفَ (٨) مُسلِمٍ، فاقْتصَّ منه (٩) بَعْدَ البُرْءِ، ثُمَّ سَرَى إلى نَفْس المسلِمِ؛ فلوليِّه قَتْلُ الذِّمِّيِّ. وهل له أنْ يَعفُوَ على نصف (١٠) دِيَةِ المسلِمِ؟ فيه وَجْهان:

стр. 5469

أحدُهما: له ذلك؛ لأِنَّ دِيَةَ اليهوديِّ نِصفُ دِيَةِ المسلِمِ، فيبقى (١) له النِّصْفُ. والثَّاني: لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّه اسْتَوفَى بَدَلَ أنْفِه، أشْبَهَ ما لو كان الجانِي مسلمًا.

стр. 5470

(كِتَابُ الدِّيَاتِ) الدِّيَاتُ واحدَتُها دِيَةٌ، مُخفَّفةٌ، وأصْلُها: وَدِيَ (١)، والهاء (٢) بَدَلٌ من الواو؛ كالعدة (٣) من الوَعْد، والزِّنَةُ من الوزن، يقال (٤): وديتُ (٥) القتيلَ أَدِيهِ دِيَةً: إذا أعْطَيْتَ دِيَتَه، واتَّديت (٦): إذا أخَذْتَ الدِّيَةَ. وهي في الأصل: مَصدَرٌ سُمِّيَ به المالُ المؤدَّى إلى المجْنِيِّ عليه، أو أوليائه (٧)؛ كالخَلْق بمَعْنى المخْلوقِ. وهي ثابِتَةٌ بالإجماع (٨)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، وفي الخبر: «في النَّفس مِائَةٌ مِنْ الإبل» (٩). (كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَانًا، أوْ جُزْءًا مِنْهُ، بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ سَبَبٍ؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا … (٩٣)﴾ الآيةَ [النِّسَاء: ٩٣]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ لَمَّا كَتَبَ إلى أهلِ اليمن كتابًا في الفرائض والسُّنَن والدِّيات: «في النَّفس مِائَةٌ من الإبل» رواه مالِكٌ والنَّسائيُّ، مِنْ حديثِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، قال

стр. 5471

ابنُ عبدِ البَرِّ: (هو كِتابٌ مشهورٌ عندَ أهْلِ السِّيَر، ومعروفٌ عِنْدَ أهلِ العِلْم مَعرِفةً يُسْتَغْنَى بشُهرَتِها عن الإسناد، أشْبَهَ المتواتِرَ) (١). وسَواءٌ كان مُسْلِمًا أوْ ذِمِّيًّا، مُسْتَأْمِنًا أوْ مُهادِنًا. فقوله: (أوْ جُزْءًا منه) هذه (٢) الزِّيادةُ انْفَرَدَ بها المؤلِّف عن «المحرر»، و «الوجيز»، و «الفروع»؛ لأِنَّ ما ضُمِنَتْ جملتُه ضُمِنَتْ أجْزاؤه. وقَولُه: (بمُباشَرة (٣)؛ لأِنَّه أتْلَفَه بها، فوجَبَتْ دِيَتُه؛ كالنَّفس إذا أُتلِفتْ (٤) بها. وقَولُه: (أو سببٍ)؛ لأِنَّه مُؤَدٍّ إلى تَلَفِه، أشْبَهَ المُباشَرَةَ. (فَإِنْ كَانَ عَمْدًا مَحْضًا؛ فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي) بالإجماع (٥)؛ لأنَّ بَدَل المتلَف (٦) يَجِبُ على المتْلِفِ، وأرْشَ الجناية على الجاني، ولأِنَّ العامِدَ لا

стр. 5472

عُذْرَ له، فلا يَستَحِقُّ التّخفيفَ، ولا يوجد (١) فيه المعْنَى المقْتَضِي للمُواساة في الخَطَأ. (حَالَّةً)؛ لأنَّ (٢) ما وَجَبَ بالعمد (٣) المحْضِ كان حالًّا؛ كأرش (٤) أطرافِ العبد (٥)، ودِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ القاتِلُ فيها مَعذُورٌ؛ لكونه (٦) لم يَقصِد القَتْلَ. (وَإِنْ كَانَ شِبْهَ عَمْدٍ (٧)؛ فعلى عاقِلَته في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيرةَ قال: «اقْتَتَلَت امْرَأتانِ مِنْ هُذَيلٍ، فَرَمَتْ إحداهما الأخرى (٨) بحَجَرٍ، فقَتَلَتْها وما في بطنها، فَقَضَى رسولُ الله ﷺ بدِيَةِ المرأة على عاقِلَتِها» مُتَّفَقٌ عليه (٩)، ولأِنَّه نَوعُ قتل (١٠) لا يُوجِبُ قِصاصًا، فأوجب الدِّيَةَ على العاقِلة؛ كالخطأ. فعلى هذا: تَجِبُ مُؤجَّلةً، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١١)، وروي عن (١٢) عمرَ (١٣)

стр. 5473

وعليٍّ (١)، ولا مُخالفَ لهما في عَصْرِهما، ولأِنَّ الدِّيَةَ تُخالِفُ سائِرَ المتْلَفاتِ؛ لأِنَّها تَجِبُ على غَيرِ الجاني على سبيلِ المُواساة، فاقْتَضَت الحِكْمةُ تخفيفَها عنهم. وقال جماعةٌ: هي على القاتِلِ في ماله، اختاره (٢) أبو بكرٍ؛ لأِنَّ شِبْهَ العَمد كالعمد (٣). (أَوْ خَطَأً، أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا، حكاهُ ابنُ المنذِرِ (٤)، إذ الحكمة فيه: أنَّ جناياتِ الخطأ تَكثُرُ، ودِيَةَ الآدَمِيِّ كثيرةٌ، فإيجابُها على الجاني في ماله تُجْحِفُ به، فاقْتَضَت الحِكمةُ إيجابَها على العاقِلَة على سبيل المُواساةِ للقاتِل، والإعانةِ له تخفيفًا؛ لأِنَّه معذورٌ في فِعْلِه، فعلى هذا: لا يَلزَمُ القاتِلَ شَيءٌ مِنْ دِيَةِ الخطأ، لا أنَّه واحِدٌ من العاقلة (٥). وما أُجْرِيَ مُجْرَى الخطأ؛ يُعطَى حُكْمَه كالخطأ. (وَلَوْ أَلْقَى عَلَى إِنْسَانٍ أَفْعًى (٦)، وهو حيَّةٌ معروفةٌ، والأكثرُ على صَرْفها

стр. 5474

كعصًا، وقِيلَ: بالمنع؛ لوزن (١) الفعل وشِبْهها بالمشْتَقِّ، وهو تَصوُّرُ أذاها، (أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا فَقَتَلَتْهُ)؛ فعَلَيه ضَمانُه؛ لأِنَّه تَلِفَ بعُدوانه، أشْبَهَ ما لو جَنَى عليه، ولأِنَّه تَلِفَ بالسَّبب؛ فَوَجَبَ الضَّمانُ كالمباشَرَة. وفي «الرِّعاية» وغَيرِها: أنَّه شِبْهُ عَمْدٍ. (أَوْ طَلَبَ إِنْسَانًا بِسَيْفٍ مُجَرَّدٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ، فَوَقَعَ فِي شَيْءٍ تَلِفَ بِهِ، بَصِيرًا كَان أَوْ (٢) ضَرِيرًا)، عاقِلاً كان أوْ مجنونًا، سَواءٌ سَقَطَ مِنْ شاهِقٍ، أو انْخَرَقَ به سَقْفٌ، أوْ خَرَّ في بئرٍ؛ لأِنَّه هَلَكَ بسببِ عُدْوانه، فضمنه (٣) كما لو نَصَبَ له سِكِّينًا. قال (٤) في «التَّرغيب»: وعِنْدِي ما لم يَتعمَّدْ إلْقاءَ نفْسِه مع القَطْع بتَلَفِه؛ لأِنَّه كمُباشِرٍ. قال في «الفروع»: ويتوجَّه أنَّه مُرادُ غَيرِه. فلو طَلَبَه بشيءٍ يُخوِّفه؛ كاللُّتِّ، فهو كما لو طَلَبَه بسَيفٍ مشهورٍ. فلو شَهَرَ سيفًا (٥) في وجهه، أوْ دَلاَّهُ مِنْ شاهِقٍ فمات مِنْ رَوعتِه، أوْ ذَهَبَ عَقْلُه؛ فعليه دِيتُه. (أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي فِنَائِهِ) حَيثُ يَحرُمُ، فتَلِفَ به إنْسانٌ؛ فعَلَيهِ ديَتُه، رُوِيَ عن عليٍّ (٦)، وقَضَى به شُرَيحٌ؛ لأِنَّه تَلِفَ بعُدْوانِه، أشْبَهَ ما لو تَلِفَ بجنايته.

стр. 5475

وكذا لو حَفَرَها في مُشتَرَكٍ بَينَه وبَينَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، فإنَّه يَضمَنُ الجميعَ؛ لتَعدِّيهِ بالحَفْر. وظاهِرُه: أنَّه لا يَضمَنُ إذا حَفَرَها في ملْكِه؛ لأِنَّه لا يُعَدُّ متعدِّيًا. (أَوْ وَضَعَ حَجَرًا، أَوْ صَبَّ مَاءً فِي طَرِيقٍ)؛ ضَمِنَه؛ لأِنَّه هَلَكَ بسببه. (أَوْ بَالَتْ فِيهَا دَابَّتُهُ وَيَدُهُ عَلَيْهَا)، فزَلِقَ به حيوانٌ فماتَتْ به؛ فعلى صاحب الدَّابَّة الضَّمانُ إذا كان راكبًا، أوْ قائدًا، أوْ سائقًا؛ كما لو جَنَتْ بيدها أوْ فَمِها، قاله الأصحابُ. وفي «الشرح»: قياسُ المذهَبِ: أنَّه لا يَضمَنُ ما تَلِفَ بذلك، وكما لو سلَّم على غيرِه، أو أمْسَكَ يَدَه حتَّى مات؛ لِعدَمِ تأثيره، ولأِنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه؛ كما لو أتْلَفَتْ بِرِجْلِها، ويُفارِقُ ما إذا أتْلَفَتْ بيدها، أوْ فَمِها؛ لأِنَّه يُمكِنُه حِفْظُها. (أَوْ رَمَى قِشْرَ بِطِّيخٍ فِيهَا، فَتَلِفَ بِهِ إِنْسَانٌ؛ وَجَبَتِ الدِّيَةُ)؛ لأِنَّ التَّلَفَ منسوبٌ إلى فاعِلِه، فوجبت (١) عليه الدِّيَةُ؛ كالمتسبِّب إلى القَتْلِ بغَيرِ ذلك. وفي «المحرَّر»، و «الرِّعاية»، و «الوجيز»: إذا قَصَدَه فهو (٢) شِبْهُ عمْدٍ، وإلاَّ فهو خَطَأٌ. (وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا، وَوَضَعَ آخَرُ (٣) حَجَرًا، فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ، فَوَقَعَ فِي الْبِئْرِ؛

стр. 5476

فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الْحَجَرِ) في روايةٍ، وهي الأشْهَرُ؛ لأِنَّه كالدافِع (١)؛ لأِنَّه لم يقصد (٢) القَتْلَ عادةً لمُعيَّنٍ (٣)، بخلافِ مُكرَهٍ، واقتضى (٤) ذلك: أنَّه لا ضَمانَ على الحافِرِ؛ لأِنَّ المباشِرَ قُطِعَ بسبَبِه. وعنه: عَلَيهما الضَّمانُ؛ لأِنَّه اجْتَمَعَ سببانِ مختلِفانِ، فيُخرَّجُ منه: ضَمانُ المتسبِّب، اختاره ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه، وجَعَلَه أبو بكرٍ كقاتِلٍ ومُمْسِكٍ، وإنْ تعدّى (٥) أحدُهما؛ اختصَّ به الضَّمانُ. وإنْ وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ حَفَر آخَرُ عندَه بئرًا، أوْ نَصَبَ سِكِّينًا، فعَثَرَ بالحجر (٦)، فسقَطَ عليهما (٧) فهَلَكَ؛ احْتَمَلَ: أنْ يَضمَنَ الحافِرُ وناصِبُ السِّكِّين؛ لأِنَّ فِعْلَهما مُتأخِّرٌ عن فِعْلِه، واحْتَمَلَ: أنْ يكونَ الضَّمانُ على واضِعِ الحَجَرِ. تنبيهٌ: إذا أعْمَقَ بئرًا قصيرًا؛ ضَمِنَ هو وحافِرٌ ما تَلِفَ بها، نَصَّ عليه. وإنْ دعا (٨) مَنْ يَحفِرُ له بداره بئرًا أوْ مَعدِنًا، فمات بِهَدْمٍ لم يُلْقِه أحدٌ؛ فهَدَرٌ، نَقَلَه حَرْبٌ (٩). وإنْ حَفَرَ ببَيتِه بئرًا (١٠)، وسَتَرَه لِيَقَعَ فيها أحدٌ، فمَنْ دَخَلَ بإذنه؛ فالقَوَد (١١)

стр. 5477

في الأصحِّ، وإلاَّ فلا؛ كمَكشوفةٍ بحَيثُ يراها، ويُقبَلُ قَولُه في عَدَمِ إذْنِه في الأشْهَر. ولو وَضَعَ فيها آخَرُ سِكِّينًا، فَوَقَعَ في البئر عليها (١) فمات؛ فقال ابنُ حامِدٍ، وجَزَمَ به السَّامَريُّ: الضَّمانُ على الحافِر، ونَصَّ أحمدُ: أنَّ الضَّمانَ عَلَيهِما (٢)، فيُخرَّجُ مِنْ هذا: أن (٣) يجب الضَّمانُ على جميع (٤) المتسبِّبينَ. (وَإِنْ غَصَبَ صَغِيرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ (٥)، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ)، قال الجَوهَريُّ: هي نارٌ تَنزِلُ من السَّماء في رعدٍ شديدٍ (٦)، (فَفِيهِ الدِّيَةُ)؛ لأِنَّه تَلِفَ في يَدِه العادِيَة (٧). وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَضمَنُ إذا لم تُعرف (٨) الأرضُ بذلك (٩). (وَإِنْ مَاتَ بِمَرَضٍ)، أوْ فُجاءةٍ؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، وفي «الفروع» رِوايَتانِ: أحدهما: يَضمَنُ، نَصَرَه أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ونَقَلَه ابنُ منصورٍ (١٠)؛ كالعبد الصَّغير. والثَّاني: لا، ونقَلَه أبو الصَّقْر (١١)؛ لأِنَّه حرٌّ لا تثبت اليدُ عليه في

стр. 5478

الغَصب، أشْبَهَ الكبيرَ. وإنْ قَرَّبه مِنْ هدفٍ (١) فأصابه سهمٌ؛ ضمنه (٢) المقرِّبُ، وإنْ أرْسَلَه في حاجةٍ فأتْلَفَ مالاً أوْ نَفْسًا؛ فهو كجنايةِ الخطأ من مُرسِلِه. ومُقتَضاه: أنَّه إذا قيَّد حرًّا مُكلَّفًا وغلَّه (٣)، فتَلِفَ بصاعِقةٍ أوْ حيَّةٍ؛ وَجَبَت الدِّيةُ في الأشْهَرِ، وإنْ جَنَى عليه أحدٌ ضَمِنَه مُرسِلُه، قال ابنْ حَمْدانَ: إنْ تعذَّر تضمينُ الجاني. (وَإِنِ اصْطَدَمَ نَفْسَانِ)، راجِلانِ أوْ راكِبانِ، أوْ ماشٍ وراكبٌ، قال في «الرَّوضة»: بصيرانِ، أوْ ضَرِيرانِ، أوْ أحدُهما، (فَمَاتَا؛ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الآْخَرِ)، رُوِيَ عن عليٍّ (٤)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مات مِنْ صَدْمةِ صاحبه، وذلك قَتْلُ خطأٍ، فكانَتْ دِيَةُ كلِّ واحدٍ منهما على عاقِلةِ الآخَرِ. وقِيلَ: بل نِصفُها. وجَزَمَ في «التَّرغيب»، وقدَّمه في «الرِّعاية»: إن (٥) غلَبَت الدَّابَّةُ راكِبَها (٦)

стр. 5479

بلا تفريطٍ؛ فلا ضَمانَ. وعلى كلٍّ منهما كفارةٌ في تَرِكَتِه. وقِيلَ: بل كفَّارَتانِ في الخطأ، وشَبَّهَهُ بشِبْه (١) العمد. وخُرِّج: أنَّ (٢) على عاقلة كلِّ قتيلٍ نصفَ الدِّيَة لِوَرَثَتِه، وعلى عاقِلَةِ الآخَر النِّصف لهم (٣). وفي «الكافي»، و «الفروع»: إن تصادما (٤) عَمْدًا، وذلك ممَّا (٥) يَقتُلُ غالِبًا؛ فَهَدرٌ، وإلاَّ شِبْهُ عمدٍ. (وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ، فَمَاتَتِ الدَّابَّتَانِ؛ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةُ دَابَّةِ الآخَرِ) في تَرِكتِه، نَصَّ عليه (٦)؛ لأِنَّ كلًّا منهما تَلِفَ بصدْمةِ الآخَرِ. وقِيلَ: بل نصفُها. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسِيرُ، وَالآْخَرُ وَاقِفًا؛ فَعَلَى السَّائِرِ ضَمَانُ الْوَاقِفِ) والقاعدِ، (وَدَابَّتِهِ)؛ لأِنَّهما تَلِفَا بصدمةِ السَّائر مِنْ غيرِ تعدٍّ (٧) في الوقوف، وضَمانُ النَّفس على العاقِلة؛ لأِنَّه قَتْلُ خطأٍ، وضمانُ المال على المتلِفِ؛ لأِنَّ العاقلة (٨) لا تَحمِلُه، صرَّح به في «النهاية»، وعلى هذا يُحمَلُ كلامُ المؤلِّف.

стр. 5480

هذا إذا وَقَفَ أوْ قَعَدَ في طريقٍ واسِعٍ، وما تَلِفَ للسائر فهَدرٌ، نَصَّ عليه (١). (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ (٢) فِي طَرِيقٍ ضَيِّقٍ قَاعِدًا أَوْ وَاقِفًا؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ)؛ لأِنَّ السَّائرَ لم يتعدَّ عليه، بل الواقِفُ والقاعِدُ هو المتعدِّي. ومحلُّه: ما لم يكن الطَّريقُ مملوكًا له (٣)، فإن كان مملوكًا له؛ لم يكن متعدِّيًا بوقوفه، بل السَّائرُ هو المتعدِّي بسُلوكِه مِلْكَ غَيرِه بغيرِ إذْنِه. (وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهِ) من السَّائر، وماله (٤)؛ لأِنَّه تعدَّى بالوقوف فيه، أشْبَهَ واضِعَ الحَجَرِ، وفيه وَجْهٌ: لا ضَمانَ. فرعٌ: إذا اصْطدَمَ عَبْدانِ ماشِيانِ فماتا؛ فهَدرٌ. وإنْ مات أحدُهما؛ فقيمتُه في رقبة الآخَر؛ كسائر جِنايَته. وإنْ كانا حرًّا وعبدًا وماتا، ضُمِنَتْ قِيمةُ العبد في تَرِكَةِ الحرِّ، ووجَبَتْ دِيَةُ الحرِّ كامِلةً في تلك القيمة. ولو تَجاذَبَ حرَّانِ حبْلاً ونحوَه، فانقطع (٥) وسَقَطَا وماتا؛ فكمُتصادِمَينِ مُطلَقًا، لكِنَّ نصفَ دِيَة المنكَبِّ مُغلَّظةٌ، والمسْتَلْقِي مُخفَّفةٌ. (وَإِنْ أَرْكَبَ صَبِيَّيْنِ)، وعبارةُ غَيرِه: صغيرَينِ، (لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا)؛ أي (٦): لَيسَ وليَّهما، (فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُمَا)؛ لأِنَّه تعدَّى بركوبهما، وتصادُمهما أثَرُ ركوبهما، وفِعْلُهما غَيرُ معتبَرٍ، فوَجَبَ إضافةُ القَتْل

стр. 5481

إلى مَنْ أرْكَبَهما، وهو خطأٌ تَحمِلُه عاقِلتُه، وكذا قاله (١) في «التَّرغيب». والأَشْهرُ: أنَّه يَضمَن ذلك في ماله. وفي «الوجيز»: عليه ما تَلِفَ بصَدْمَتهما إنْ كان مالاً، وإلاَّ فعلى عاقِلَتِه. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان له وِلايةٌ عَلَيهما؛ أنَّه لا ضَمانَ عليه ولا على عاقِلَتِه؛ لأِنَّه إركابٌ مأذونٌ فيه، فلم يَترتَّبْ عليه ما يَترتَّبُ على المتَعَدِّي. وقيَّده (٢) في «الفروع»: بما (٣) إذا كان فيه مصلحةٌ، وهو ظاهِرٌ. قال ابن عقيل: ويَثبُتانِ بأنْفُسِهما. وفي «التَّرغيب»: إنْ صَلَحا للرُّكوب وأرْكَبَهما ما يَصلُحُ لركوبِ مِثْلِهما، وإلاَّ ضَمِنَ. وإنْ رَكِباهُ بأنفسهما (٤) فكبالِغينِ مُخطِئَينِ، قال في «الرِّعاية»: وكذا المجنونُ، وإنْ كانا عَبْدَينِ؛ ضَمِنَهما مَنْ أرْكَبَهما. فرعٌ: يَضمَنُ كبيرٌ صَدَمَ صَغِيرًا، وإنْ مات الكبيرُ ضَمِنَه الذي أركب (٥) الصَّغيرَ، نَقَلَ حَرْبٌ: إنْ حَمَلَ رجلٌ صبِيًّا على دابَّةٍ فَسَقَطَ؛ ضَمِنَ، إلاَّ أنْ يأمُرَه أهلُه بحمله (٦). (وَإِنْ رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ، فَقَتَلَ الْحَجَرُ إِنْسَانًا) رابِعًا؛ (فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ دِيَتِهِ) إنْ لم يَقصِدوه، كذا ذَكَرَه معظمُ الأصْحابِ؛ لأِنَّ العاقِلةَ تَحمِلُ الثُّلُثَ فما زاد، ولا قَوَدَ؛ لعدم (٧) إمكانِ القَصْد غالِبًا.

стр. 5482

وفي «الفصول» احْتِمالٌ: كرَمْيَةٍ عن قَوسٍ ومِقْلاعٍ وحَجَرٍ عن يدٍ. ونَقَلَ المرُّوذِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ في بَيتِ المال، فإنْ تعذَّرَ؛ فعلى عَواقِلِهم (١)، وهو قَتْلُ خَطَأٍ. (وَإِنْ قُتِلَ أَحَدُهُمْ)؛ فعلى كلِّ واحدٍ كفَّارةٌ؛ كما لو شارك في قَتْلِ غَيرِه، (فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ): (أَحَدُهَا (٢): يُلْغَى فِعْلُ نَفْسِه)؛ قياسًا على المتصادِمَينِ، (وَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ (٣) ثُلُثَا الدِّيَةِ)؛ كما لو مات مِنْ جراحتهم وجراحة نفسه، وكما لو شارَك في قَتْلِ بهيمةٍ، ولأِنَّه شارَك في القَتْل، فلم تَكمُل الدِّيَةُ على شَرِكَتِه؛ كما لو قَتَلُوا واحدًا مِنْ غَيرِهم، اقْتَصَر عليه في «المجرَّد»، وهو أحسنُ وأصحُّ (٤) في النَّظر، قاله المؤلِّفُ. ورُوِيَ عن عليٍّ في مسألة القارِصة، والقامِصة (٥)، والواقِصة، قال الشَّعْبيُّ: «وذلك أنَّ ثلاثَ جَوارٍ اجتمعْنَ (٦)، فرَكبَتْ إحداهنَّ على عُنُقِ الأخرى، وقَرَصَت الثَّالِثةُ المركوبةَ، فقَمصَت، فَسَقَطَت الرَّاكِبةُ، فَوُقِصَتْ عُنُقُها فماتَتْ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، فَقَضَى بالدِّية أثلاثًا على عَواقِلِهِنَّ، وألْغَى الثُّلثَ الذي قابَلَ فِعْلَ الواقِصةِ؛ لأِنَّها أعانَتْ على قَتْلِ نَفْسِها» (٧)، وهذه شبيهة بمسألَتِنا.

стр. 5483

(وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا كَمَالُ الدِّيَةِ)، قال أبو الخَطَّاب: هذا قِياسُ المذهَبِ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ كالمتصادِمَينِ. (وَالثَّالِثُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِوَرَثَتِهِ، وَثُلُثَاهَا عَلَى عَاقِلَةِ الآْخَرَيْنِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهم (١) شارَكَ في قتل (٢) نفسٍ معصومةٍ مُؤْمِنةٍ خطأً، فلَزِمَه دِيَتُها كالأجانب، وهذا يَنبَنِي على أنَّ (٣) جنايةَ المرء على نفسه أو أهله (٤) خطأٌ يتحمَّل عَقْلَها العاقلة (٥). (وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ فَالدِّيَةُ (٦) حَالَّةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: إذا كانوا أربعةً فقَتَلُوا أحدَهم، أوْ غيرَهم؛ فالدية (٧) عليهم؛ كالخمسة في الأصحِّ؛ لأِنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ ما دُونَ الثُّلث؛ لأِنَّ المقتولَ يُلغي فِعْلُ نفسه، ويكونُ هَدَرًا؛ لأِنَّه لا يجب عليه لنفسه شيءٌ، ويكونُ باقي الدِّيَة في أمْوالهم حالَّةً؛ لأِنَّ التَّأجيلَ في الدِّيات إنَّما يكونُ فيما تَحمِلُه العاقلةُ، وهذا دُونَ الثُّلث، ولكن

стр. 5484

هذا على الثَّاني والثَّالِثِ ظاهِرٌ، وعلى الأوَّل فلا؛ لأِنَّ الرَّمْيَ لو كان من أربعةٍ وجُعِلَ فِعْلُ المقتول هَدَرًا؛ بَقِيَتْ الدِّيَةُ على الثَّلاثة الباقية أثلاثًا. وعنه: على عَواقِلهم؛ لاتحاد (١) فِعْلِهم. والأصحُّ الأوَّلُ؛ لأِنَّ حَمْلَ العاقلة إنَّما شُرِعَ للتَّخفيف عن الجاني فيما (٢) يَشُقُّ ويَكثُرُ، وما دُونَ الثُّلث يسيرٌ، وفِعْلُ كلِّ واحِدٍ غَيرُ فِعْلِ الآخَر، وإنَّما مُوجَبُ الجميع واحدٌ، أشْبَهَ ما لو جَرَحَه كلُّ واحدٍ جُرْحًا فاتَت النَّفس بجميعها. وإذا ثبت هذا؛ فالضَّمانُ يتعلَّقُ بمَن مَدَّ الحبلَ ورَمَى الحَجَرَ، دُونَ مَنْ وَضَعَه في الكفَّة؛ اعتبارًا بالمباشِر؛ كَمَنْ وَضَعَ سَهْمًا في قَوسٍ أوْ قَرَّبه ورَمَى به صاحِبُه. وقال القاضِي وابنُ عَقِيلٍ: يَتوجَّهُ روايَتا مُمْسِكٍ. (وَإِنْ (٣) جَنَى إِنْسَانٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ خَطَأً؛ فَلَا دِيَةَ لَهُ)، بل هو هَدرٌ؛ كالعمد (٤)، وهذا هو الأصحُّ، قال السَّامَرِيُّ: وهو الأَقْيَسُ؛ لِحديثِ عامِرِ بنِ الأكْوَع حين رَجَعَ سَيفُه عليه يومَ خَيبرَ، فماتَ، ولو وَجَبَت عليه؛ لَبيَّنها رسولُ الله ﷺ (٥)؛ ولنقل (٦) ظاهِرًا. (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ، وَدِيَةُ طَرَفِهِ لِنَفْسِهِ)، اختارَها الخِرَقيُّ، وأبو بكرٍ، والقاضي، وذَكَرَ أنَّها أظْهَرُ عنه (٧)؛

стр. 5485

لقول عمرَ (١)، ولم يعرف (٢) له مُخالِفٌ في عصره، ولأنَّه (٣) قتلُ خطأٍ، فكانَتْ دِيَتُه على عاقِلَته؛ كما لو قَتَلَ غَيرَه. فعليها (٤): إنْ كانت الجنايةُ قَتْلاً نَظرْتَ (٥)، فإنْ كانت العاقِلةُ غَيرَ الورثة؛ وجبت دِيَةُ النَّفس عليهم لورثة الجاني، وإنْ كانوا هم الورثةَ؛ فلا شَيءَ عليهم؛ لأنَّه (٦) لا يجب على الإنسان شَيءٌ لنفسه، وإنْ كانت الجنايةُ على غير النَّفس؛ وجبت دِيَةُ ذلك على العاقلة للجاني، وإنْ كان بعضُهم وارِثًا؛ سقط عن الورثة ما يُقابِلُ مِيراثَه، ولا يَحمله دُونَ الثُّلث في الأصحِّ، قاله في «التَّرغيب». ونقل حَرْبٌ: مَنْ قَتَلَ نفسَه لا يُودَى من بيت المال (٧).

стр. 5486

والأوَّلُ أصحُّ في القياس، ويُفارِقُ ما (١) إذا كانت الجناية (٢) على غيره، فإنَّه لو لم تَحمِلْه العاقلةُ لَأجْحَفَ به وجوبُ الدِّيَة؛ لكثرتها. فرعٌ: إذا كانت الجنايةُ على نفسه شِبْهَ عَمْدٍ؛ فوَجْهانِ. (وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ، فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِه؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ)؛ أي: لأِنَّ الأوَّلَ مات من سَقْطَتِه، فيكُونُ هو قاتِلَه، فَوَجَبَت الدِّيَةُ على عاقِلَتِه؛ كما لو باشره بالقَتْل خطأً. وإنْ كان رَمَى بنفسه عليه عمْدًا، وهو ممَّا يَقتُلُ غالِبًا؛ فعليه القِصاصُ، وإلاَّ فهو شِبْهُ عمد. (وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ، فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ)؛ لأِنَّه تَلِفَ مِنْ سَقْطَته. فإنْ مات الثَّاني بوقوعه على الأوَّل؛ فدَمُه هَدرٌ؛ لأِنَّه مات بفِعْلِه، وقد رَوَى عليُّ بن رباحٍ اللَّخمي: أنَّ رجلاً كان يَقُودُ أعمى، فَوَقَعا في بئرٍ، وقع الأعمى فوقَ البصير فقَتَلَه، فقضى عمرُ بعَقْل البصير على الأعمى، فكان الأعمى يُنشِدُ في الموسم (٣) في خلافةِ عمرَ: يا (٤) أيها النَّاسُ رأيتُ (٥) مُنكَرَا … هل يَعقِلُ الأعمى الصَّحيحَ المبصِرا خَرَّا معًا كلاهما (٦) تكسَّرَا (٧)

стр. 5487

رواه الدَّارَقُطْنيُّ (١)، وقاله الزبير (٢)، وشُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ. قال (٣) في «المغني»: لو قال قائلٌ: لَيسَ على الأعمى ضَمانُ البصير؛ لأِنَّه الذي قاده إلى المكان الذي (٤) وقعا فيه (٥)، وكان سببَ وقوعه عليه، ولذلك (٦) لو فعله قصدًا؛ لم يَضمَنْه بغير خلافٍ (٧)، وكان عليه ضمانُ الأعمى، إلاَّ أنْ يكونَ مُجمَعًا عليه (٨). (وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِيَ، وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ)؛ لأِنَّه لا فِعْلَ له، (وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ)، وهو المذهب (٩)، قدَّمه في «المحرَّر»، و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه هو جَذَبهُ وباشَرَه بذلك، والمباشَرةُ تَقطَعُ حكمَ المتسبِّب؛ كالحافر مع الدَّافع. (وَفِي) الوجه (الثَّانِي: عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّ الأوَّل جَذَبَ الثَّانيَ الجالِب (١٠) للثَّالث، فصار مُشارِكًا للثَّاني في إتْلافِه. وقِيلَ: بل عَلَيهِما ثُلُثاها، وبقيَّتُها تُقاِبل (١١) جَذْبَتَه؛ فتَسقُطُ، أو

стр. 5488

تجب (١) على عاقِلَتِه. وقِيلَ: دَمُه كلُّه هَدرٌ، اختاره في «المحرَّر». (وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ)؛ لأِنَّه هَلَكَ بجَذْبَتِه. وقدَّم في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: أنَّها على الأوَّل والثَّالث لمشارَكته إيَّاه. وقيل: بل عَلَيهما ثُلثاها، والباقي يُقابِل نفسه، وفيه الوجْهانِ. قال المجْدُ: وعِنْدي لا شَيءَ منها على الأوَّل (٢)، بل على الثَّالث كلُّها، أوْ نِصفُها، والباقي يُقابِلُ فِعْلَ نفسه. وقال بعضُ أصحابنا: يَجِبُ على الأوَّل نصفُ دِيَتِه، ويُهدَرُ نِصفُها في مُقابَلةِ فِعْلِ نفسه. ويتخرَّج وجهٌ، وهو: وُجوب نصفِ دِيَته على عاقِلَتِه لِوَرثَته، كما إذا رمى ثلاثةٌ بمنجنيقٍ فقَتَلَ الحَجَرُ أحدَهم. وإنْ كان الثَّالِثُ جذَبَ رابِعًا؛ فدِيَتُه على الثَّالث فقطْ، وقِيلَ: على الثَّلاثة. فرعٌ: إذا (٣) لم يَسقُطْ بعضُهم على بعضٍ، بل ماتوا بسقوطهم، وفي «المغني»: أو وَقَعَ وشكَّ (٤) في تأثيره، أو قَتَلهم (٥) في الحفرة (٦) أسدٌ (٧)، ولم يَتجاذَبُوا؛ فدِماؤهم مُهدَرَةٌ.

стр. 5489

(وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ (١) الثَّالِثِ؛ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي)؛ لأِنَّ هلاكَه حَصَلَ بجَذْبه وجَذْب الثَّاني، وفِعْلُه مُلْغًى؛ كالمتصادِمَينِ، وهو المذهب (٢)، فتعيَّنَ إضافةُ التَّلَف إلى الثَّاني. (وَاحْتَمَلَ: أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي)؛ لأِنَّ الهلاكَ حصَلَ بفِعْلِه وفِعْلِ غَيرِه، (وَفِي نِصْفِهَا الآْخَرِ وَجْهَانِ)؛ لأِنَّه مُتسبِّبٌ على جِنايَتِه على نفسه، وفي جناية الإنسان على نفسه الرِّوايَتانِ. (وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ (٣) أَسَدٍ، فَجَذَبَ آخَرَ، وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا، وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ؛ فَالقِيَاسُ) وهو المذهب (٤): (أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ)، ذَكَرَه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز» و «الفروع»؛ لأِنَّه لا صُنْعَ لأِحَدٍ في إلْقائه، (وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي)؛ لأِنَّه تسبَّب في قَتْلِه، (وَعَلَى (٥) عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ)؛ لِمَا ذَكرْنا، (وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ) كذلك، ولا شَيءَ على الرَّابع؛ لأِنَّه لم يَفعَل شَيئًا. (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ)؛ لأِنَّ جَذْبَ الأوَّل للثاني (٦) سببٌ في جَذْبِ الثَّالث؛ كما لو قتلاه (٧) خطأً، (وَدِيَةَ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا)؛ لأِنَّ جَذْبَ الثَّلاثة سببُ إتْلافه.

стр. 5490

وكذا لو تدافع (١) وتزاحَمَ عِنْدَ الحُفْرة (٢) جماعةٌ، فَسَقَطَ منهم أربعةُ مُتجاذِبِينَ، وتُسمَّى هذه المسألةُ: مسألة (٣) الزُّبْيَةِ (٤). (وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ، وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا، وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا، وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ)، رَوَى حَنَش (٥) الصَّنْعانيُّ: أنَّ قَومًا من أهل اليمن حفروا زُبْيةً للأسد، فاجْتَمَعَ النَّاسُ على رأسها، فَهَوَى فيها واحدٌ، فَجَذَبَ ثانيًا، وجَذَبَ الثَّاني ثالِثًا، وجَذَبَ الثَّالِثُ رابعًا، فَقَتَلَهم الأسدُ، فرُفِع (٦) ذلك إلى عليٍّ ﵁، فَقَضَى فيها بما ذُكِر (٧)، وقال: «فإنِّي أجعل (٨) الدِّيَةَ على مَنْ حَضَرَ رأسَ البئر»، (ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ (٩) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَجَازَ قَضَاءَهُ)، رواه (١٠) سعيدُ بنُ منصورٍ، حدثنا أبو عَوانَةَ وأبو الأحْوَص، عن سماك بن حربٍ، عن حنش (١١) نحوِ هذا المعنى، ورواه (١٢) أحمدُ أيضًا (١٣)، (فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا)، وفي روايةٍ لأِحمدَ: «وجَعَلَ الدِّيَة على

стр. 5491

قبائلِ (١) الذين (٢) ازْدَحَموا»؛ أي: على عَواقِلِهم، وهو ظاهِرٌ في الثُّلث والنِّصف، وأمَّا الرُّبع فلا يتوجَّه حمْلُ العاقِلَة لها. لكِنْ ذَكَرَ بعضُ أهلِ العلم: أنَّ هذا الحديثَ لا يُثبِتُه أهلُ النَّقل، وأنَّه ضعيفٌ، والقِياسُ ما قُلْناهُ، فلا يُنقَلُ عنه إلى ما لا يُدْرَى ثبوتُه ولا معناه، قاله في «المغني» و «الشَّرح». تنبيهٌ: نقل (٣) جماعةٌ: أنَّ ستَّةً تغاطوا (٤) في الفرات (٥)، فمات واحِدٌ، فرُفِعَ إلى عليٍّ، فشَهِدَ رجُلانِ على ثلاثةٍ، وثلاثةٌ على اثْنَينِ؛ فَقَضَى بخُمُسَيْ الدِّيَة على الثَّلاثة، وثَلاثةُ أخْماسِ الدِّيَة على الاِثْنَينِ، ذَكَرَه الخَلاَّلُ وصاحِبُه (٦). وذَكرَ ابنُ عَقِيلٍ: إنْ نامَ على سطحه، فهَوَى سَقْفُه مِنْ تحتِه على قومٍ؛ لَزِمَه المُكْثُ، كما قاله المحقِّقونَ فِيمَن أُلْقِيَ في مَركَبِه نارٌ، ولا يَضمَنُ ما

стр. 5492

تَلِفَ بسُقوطه؛ لأِنَّه مُلجَأٌ لم يَتَسبَّبْ، وإنْ تَلِفَ شَيءٌ بدوامِ مُكْثِه، أوْ بانتقاله (١)؛ ضَمِنَه. واختار في التَّائب العاجز عن مُفارَقةِ المعصية في الحال، أو العاجِزِ عن إزالةِ أَثَرِها؛ كمُتوسِّطِ المكان المغصوب، ومتوسِّط (٢) الجرحى (٣): تصحُّ تَوبَتُه مع العزم والنَّدم (٤)، وأنَّه ليس عاصِيًا بخروجه من الغَصْب. (وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ إِنْسَانٍ، أَوْ شَرَابِهِ، وَلَيْسَ بِهِ مِثْلُ ضَرُورَتِهِ، فَمَنَعَهُ حَتَّى مَاتَ؛ ضَمِنَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ)؛ لِمَا رُوِي: أنَّ رجلاً أتى أهلَ أبْياتٍ فاسْتَسْقاهم، فلم يَسْقُوه حتَّى مات، فأغْرَمَهم عمرُ ﵁ الدِّيَةَ (٥)، حكاه أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ، وقال: (أَقُولُ به) (٦)، قال القاضي وأبو الخَطَّاب في «رؤوس مسائله»: ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ، ولأِنَّه تسبَّبَ إلى هلاكه بمَنْعِه ما يَسْتَحِقُّه، فضَمِنَه، كما لو مَنَعَه طعامَه حتَّى هلك (٧)، وكأخْذِه ذلك لغيره وهو عاجِزٌ، فيَتلَفُ، أوْ دابَّتُه. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ على مانِعِ الطَّعامِ؛ لأِنَّه تعمَّدَ الفِعْل الذي يَقتُلُ مِثْلُه غالِبًا.

стр. 5493

وقال القاضي: هو على عاقِلَته؛ لأِنَّه قَتْلٌ لا يُوجِبُ القِصاصَ، فيكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ. وشَرْطُه: الطَّلب (١) مِنْ مالِكه، صرَّح به في «الفروع» وغيرُه، فعلى (٢) هذا: إنْ لم (٣) يَطلُبْه فلا ضَمانَ عليه؛ لأِنَّه لم يَتَسَبَّبْ إلى هَلاكِه. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان به مِثْلُ ضَرورَتِه، فطَلَبَ منه، فمَنَعَه فمات؛ لم يَضمَنْه؛ لأِنَّه لا يَجِبُ عليه بَذْلُ طعامه (٤) في هذا الحالِ. ومِثْلُ الأول (٥): لو أخَذَ منه تُرْسًا يَدفَعُ به عن نفسه ضَرْبًا، ذَكَرَه في «الاِنْتِصار». (وَخَرَّجَ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ)، وحكاه في (٦) «المستوعب» عن الأصْحاب: (كُلَّ مَنْ أَمْكَنَهُ إِنْجَاءُ إِنْسَانٍ مِنْ مَهْلَكَةٍ، فَلَمْ يَفْعَلْ) حتَّى هَلَكَ؛ أنَّه يَلزَمُه دِيَتُه؛ لاِشْتِراكهما في القُدْرة على سَلامَتِه، وخَلاصِه من الموت، قال في «الفروع»: وخرَّج (٧) الأصْحابُ ضَمانَه على المسألة الأُولى، فدلَّ أنَّه مع الطَّلَب. وفرَّقَ المؤلِّفُ فقال: (وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَهُ)؛ لأِنَّه هنا لم يَتَسَبَّبْ إلى هلاكه، فلم يَضمَنْه (٨)، بخِلافِ التي قَبْلَها، فلا يَصِحُّ القِياسُ، فَدَلَّ أنَّ كلامهم (٩) عِنْدَه: ولو لم يَطْلُبْه، فإنْ كان مُرادَهم؛ فالفَرْقُ ظاهِرٌ.

стр. 5494

نَقَلَ محمَّدُ بنُ يحيى فِيمَنْ مات (١) فَرَسُه في غَزاةٍ: لم يَلزَمْ مَنْ معه فَضْلُ حَمْله، نَقَلَ أبو طالِبٍ: يُذكِّرُ النَّاسَ، فإنْ حَمَلوه وإلاَّ مَضَى معهم (٢). (وَمَنْ أَفْزَعَ إِنْسَانًا)، أوْ ضَرَبَه، (فَأَحْدَثَ بِغَائِطٍ؛ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَتِهِ)، قَضَى بذلك عثمانُ (٣)، قال أحمدُ: لا أعْلَمُ شَيئًا يَدفَعُه (٤)، وهو قَولُ إسْحاقَ؛ لأِنَّه فِعْلٌ تعدَّى فيه، اقْتَضَى خُروجَ الحَدَثِ، فتعلَّق به (٥) الضَّمانُ؛ كما لو اسْتَكْرَه امرأةً فأفْضاها، فاسْتَطْلَقَ الحَدَثُ، قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما ذهب (٦) إلى قَضِيَّةِ عُثْمانَ بذلك، ولم يُخالِفْه أحدٌ، فدلَّ على (٧) التَّوقِيف؛ لأِنَّه لا يَقتَضِيهِ القِياسُ. وظاهِرُه: أنَّه إذا أحْدَثَ بغَيرِ الغائط لا شَيءَ فيه، والمذهَبُ أنَّ البول (٨) كذلك، وصرَّح بهما، وزاد القاضي: والرِّيح، وفرَّق في «الشَّرح» بَينَ الرِّيح

стр. 5495

وغيره (١)، فإنَّهما أفْحَشُ منه. (وَعَنْهُ (٢): لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز» وغيرِه، وهو قَولُ أكثرِ العلماء؛ لأنَّ (٣) الدِّيَةَ تَجِبُ لِإزالةِ منفعةٍ أوْ عُضْوٍ أوْ آلةِ جَمَالٍ، ولَيسَ هنا شَيءٌ مِنْ ذلك، قال في «الشرح»: وهذا هو القِياسُ. والمرادُ ما لم يَدُمْ، قال ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه: إنْ دامَ فثُلُثُ دِيَةٍ. فرعٌ: إذا وَطِئَ أجْنَبيَّةً كبيرةً مُطاوِعةً ولا شُبْهةَ، أو امْرأتَه ومِثْلُها توطأ (٤) لِمِثْلِه، فأفضاها (٥) بَينَ مَخرَجِ البَول والمنيِّ، أوْ بَينَ السَّبيلَينِ؛ فهَدرٌ؛ لِعَدَمِ تصوُّرِ الزِّيادة، وهو حقٌّ له؛ أي: له (٦) طَلَبُهُ عِنْدَ الحاكِمِ، بخِلافِ أجِيرٍ مُشتَرَكٍ.

стр. 5496

(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ)؛ أي: فَوقَ الضَّرْب المُعْتادِ، (فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ (١)؛ لَمْ يَضْمَنْهُ)؛ لأِنَّه أَدَبٌ مأذون (٢) فيه شَرْعًا، فلم يَضمَنْ ما تَلِفَ به؛ كالحدِّ. فعلى هذا: إنْ أسْرَفَ، أوْ زاد على المقصود، أوْ ضَرَبَ مَنْ لا عَقْلَ له مِنْ صبِيٍّ وغَيرِه؛ ضَمِنَ. (وَيَتَخَرَّجُ (٣): وُجُوبُ الضَّمَانِ)، وهو قَولٌ في المذهب، قال ابنُ حَمْدانَ: ولا يَسقُطُ بإذِنْ أبيه، وهل يَسقُطُ بإذْنِ سيِّده؟ على وَجْهَينِ. وقِيلَ: إنْ أدَّبَ وَلَدَه فَقَلَعَ عَينَه؛ فَفِي ضَمانِها وَجْهانِ. (عَلَى مَا قَالَهُ)؛ أي: الإمامُ أحمدُ (٤) (فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا، فَأَجْهَضَتْ)، قال أهلُ اللُّغة (٥): أجْهَضَتِ النَّاقةُ: ألْقَتْ ولدَها قَبْلَ تمامِه، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الإجْهاضُ في غير (٦) النَّاقة، (جَنِينًا (٧)، أَوْ مَاتَتْ؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ). أمَّا ضمانُ الجَنِينِ: فلِمَا رُوِيَ: أنَّ (٨) عمرَ بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ (٩) كان

стр. 5497

يُدخَلُ عليها، فقالت: يا وَيْلَها ما لَها ولِعُمَرَ؟! فبينا (١) هي في الطَّريق إذ فَزِعَتْ، فَضَرَبَها الطَّلْقُ، فألْقَت وَلَدًا، فصاح الصَّبِيُّ صَيحتَينِ، ثُمَّ مات، فاسْتَشارَ عمرُ الصَّحابةَ، فأشار بعضُهم أنْ لَيسَ عَلَيكَ شَيءٌ، إنَّما أنتَ والٍ ومُؤدِّبٌ، وصَمَتَ عليٌّ، فأقْبَلَ عليه عمرُ، فقال: ما تَقولُ يا أبا الحَسَن؟ فقال: «إنْ كانوا قالوا برأْيِهم، فقد أخطأ رأيُهم (٢)، وإن كانوا قالوا في هَواكَ، فلم يَنصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عَلَيكَ؛ لأِنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه»، فقال عمرُ: «أقْسَمْتُ عَلَيكَ ألاَّ تَبرَحَ حتَّى تَقسِمَها على قَومِكَ» (٣). وأمَّا المرأةُ: فلأِنَّها نفْسٌ هَلَكَتْ بإرسال السُّلطان إليها، فضَمِنَها كجنينها، أوْ نَفْسٌ هلَكَتْ بسببه، فَوَجَبَ أنْ تُضمَنَ (٤)؛ كما لو ضَرَبَها فماتَتْ. وقِيلَ: هَدرٌ؛ لأِنَّه لَيسَ بسببٍ عادةً (٥). وجوابُه: بأنَّه سببٌ عادي (٦)، بخِلافِ الضَّرْبة والضَّربتَينِ، فإنَّه لَيسَ سببًا (٧) للهلاك في العادة. تنبيهٌ: إذا أدَّب حامِلاً، فأسْقَطَتْ جنينًا (٨)؛ ضَمِنَ، وكذا إنْ شَرِبَت

стр. 5498

الحامِلُ دواءً لمرضٍ فأسْقَطَته. فأمَّا إنْ طَلَب السُّلْطانُ امرأةً لكَشْفِ حقِّ الله (١) مِنْ حَدٍّ أوْ تعزيرٍ، أوِ استعدى (٢) عليها رجل بالشُّرطة في دَعْوى له، فأسْقَطَتْ؛ ضَمِنَه السُّلْطانُ في الأُولَى، والمسْتَعْدِي في الثَّانية، نَصَّ عليهما (٣)؛ كقَطْعٍ لم يَأذَنْ سيِّدٌ فيها، وإنْ ماتَتْ فَزَعًا؛ فَوجْهانِ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: إنِ اسْتَعْدَى إنسانٌ على امرأةٍ، فألْقَتْ جنينَها، أوْ ماتَتْ فَزَعًا؛ فَعَلَى عاقِلةِ المسْتَعْدِي الضَّمان إن (٤) كان ظالِمًا لها، وإنْ كانَتْ هي الظَّالِمةَ، فأحْضَرَها عِنْدَ الحاكم؛ فيَنبَغِي ألاَّ يَضمَنَها. وإنْ زَنَى بامرأةٍ مُكرَهةٍ فأحْبَلَها، وماتَتْ مِنْ الولادة؛ ضَمِنَها؛ لأِنَّها تَلِفَتْ بسببِ تَعَدِّيهِ. فائدةٌ: قال في «الفنون»: إنْ شمَّتْ حامِلٌ رِيحَ طَبِيخٍ، فاضْطَرَبَ جنينُها فماتَتْ، أوْ مات (٥)، فقال حنبليٌّ وشافِعِيَّانِ: إنْ لم يَعلَمُوا بها؛ فلا إثْمَ ولا ضَمانَ، وإنْ عَلِمُوا، وكان عادةً مستمرَّةً الرَّائحةُ تَقتُلُ؛ احْتَمَلَ الضَّمانَ؛ للإضْرار، واحتمل: لا (٦)؛ لعدَمِ تضرُّرِ بعضِ النِّساء، وكَرِيحِ (٧) الدُّخان يتضرَّرُ (٨) بها صاحِبُ السُّعال وضِيقِ نَفَسٍ، قال في «الفروع»: والفَرْقُ واضِحٌ.

стр. 5499

(وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ (١) إِلَى السَّابِحِ) الحاذِقِ (لِيُعَلِّمَهُ، فَغَرِقَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ) في الأصحِّ، قال القاضي: هو قياسُ المذهَبِ؛ لأنَّه (٢) فَعَل ما جرَت العادةُ به لمصلحته؛ كضَرْبِ المعلِّم الصَّبِيَّ الضَّرْبَ المعتادَ، وكذا لو سَلَّمَ بالِغٌ عاقلٌ (٣) نفسَه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ)، قدَّمه في «الشَّرح» وغيرُه؛ لأِنَّه سلَّمَه (٤) إليه ليَحتاطَ في حِفْظه، فإذا (٥) غَرِقَ؛ فقد نُسِبَ إلى التَّفريط في حِفْظه. فرعٌ: إذا قال له: سَبِّحْ عَبْدِي هذا، فسبَّحَه، ثُمَّ رَقَّاهُ، ثُمَّ عاد وحدَه فسبَحَ (٦)، فغَرِقَ فهَدرٌ. وإنِ اسْتُؤجِرَ ليُسبِّحه (٧) ويعلِّمه، ومِثلُه لا يَغرَقُ غالِبًا، وإنِ اسْتُؤْجِرَ لحِفْظه (٨)؛ ضَمِنَه إن غفل (٩) عنه، أوْ لم يَشُدَّ ما يُسبِّحُه عليه شدًّا جيِّدًا، أوْ جَعَلَه في ماءٍ كثيرٍ جارٍّ، أوْ واقف (١٠) لا يَحمِلُه، أوْ عميقٍ معروفٍ بالغَرَق، قاله (١١) في «الرِّعاية». (وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلاً يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً، فَهَلَكَ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ)؛

стр. 5500

لأِنَّه لم يَجْنِ ولم يَتعَدَّ، أشْبَه ما لو أذِنَ له ولم يأمُرْه، وكاسْتِئْجاره، قَبَّضَه (١) الأجرةَ أو لا. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الآْمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا ضَمانَ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ ما قدَّموه كغَيرِه. والثَّاني: يَضمَنُه، واختاره القاضي في «المجرد»، وهو من خطأِ الإمام، ولأِنَّه يَخافُ منه (٢) إذا خالَفَه، وهو مأمورٌ بطاعته. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان المأمورُ صغيرًا لا يُميِّزُ، قاله في «المغني» و «الشَّرح»، وذَكَرَ الأكثرُ منهم صاحِبُ «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: غَيرَ مُكلَّفٍ؛ ضَمِنَه؛ لأِنَّه تسبَّبَ إلى إتْلافِه. قال في «الفروع»: ولعلَّ مرادَ الشَّيخ ما جَرَى به عُرْفٌ وعادَةٌ؛ كقَرابةٍ وصحبةٍ وتعليمٍ ونحوِه، فهذا متَّجِهٌ وإلاَّ ضَمِنَه. وقد «كان ابنُ عبَّاسٍ يَلعَبُ مع الصِّبيان، فبعَثَه النَّبيُّ ﷺ إلى مُعاوِيَةَ» رواهُ مسلِمٌ (٣). قال في «شرحه»: لا يُقالُ: هذا تصرُّفٌ في منفعةِ الصَّبيِّ؛ لأِنَّه قدرٌ يسيرٌ، وَرَدَ الشَّرعُ بالمسامَحة به للحاجة، واطَّرد (٤) به العُرْفُ وعمَلُ المسلمين (٥). (وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ)، أوْ حائطٍ، وعبارةُ «الفروع»: وإنْ وَضَعَ شيئًا على عُلْوٍ فهي (٦) أجْوَدُ. وفيه شَيءٌ، (فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ، فَتَلِفَ؛
следующие страницы →