← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.

стр. 5496

(فَصْلٌ) (وَمَنْ أَدَّبَ وَلَدَهُ، أَوِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ، أَوِ الْمُعَلِّمُ صَبِيَّهُ، أَوِ السُّلْطَانُ رَعِيَّتَهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ)؛ أي: فَوقَ الضَّرْب المُعْتادِ، (فَأَفْضَى إِلَى تَلَفِهِ (١)؛ لَمْ يَضْمَنْهُ)؛ لأِنَّه أَدَبٌ مأذون (٢) فيه شَرْعًا، فلم يَضمَنْ ما تَلِفَ به؛ كالحدِّ. فعلى هذا: إنْ أسْرَفَ، أوْ زاد على المقصود، أوْ ضَرَبَ مَنْ لا عَقْلَ له مِنْ صبِيٍّ وغَيرِه؛ ضَمِنَ. (وَيَتَخَرَّجُ (٣): وُجُوبُ الضَّمَانِ)، وهو قَولٌ في المذهب، قال ابنُ حَمْدانَ: ولا يَسقُطُ بإذِنْ أبيه، وهل يَسقُطُ بإذْنِ سيِّده؟ على وَجْهَينِ. وقِيلَ: إنْ أدَّبَ وَلَدَه فَقَلَعَ عَينَه؛ فَفِي ضَمانِها وَجْهانِ. (عَلَى مَا قَالَهُ)؛ أي: الإمامُ أحمدُ (٤) (فِيمَا إِذَا أَرْسَلَ السُّلْطَانُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيُحْضِرَهَا، فَأَجْهَضَتْ)، قال أهلُ اللُّغة (٥): أجْهَضَتِ النَّاقةُ: ألْقَتْ ولدَها قَبْلَ تمامِه، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الإجْهاضُ في غير (٦) النَّاقة، (جَنِينًا (٧)، أَوْ مَاتَتْ؛ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ). أمَّا ضمانُ الجَنِينِ: فلِمَا رُوِيَ: أنَّ (٨) عمرَ بَعَثَ إلى امرأةٍ مُغِيبَةٍ (٩) كان

стр. 5497

يُدخَلُ عليها، فقالت: يا وَيْلَها ما لَها ولِعُمَرَ؟! فبينا (١) هي في الطَّريق إذ فَزِعَتْ، فَضَرَبَها الطَّلْقُ، فألْقَت وَلَدًا، فصاح الصَّبِيُّ صَيحتَينِ، ثُمَّ مات، فاسْتَشارَ عمرُ الصَّحابةَ، فأشار بعضُهم أنْ لَيسَ عَلَيكَ شَيءٌ، إنَّما أنتَ والٍ ومُؤدِّبٌ، وصَمَتَ عليٌّ، فأقْبَلَ عليه عمرُ، فقال: ما تَقولُ يا أبا الحَسَن؟ فقال: «إنْ كانوا قالوا برأْيِهم، فقد أخطأ رأيُهم (٢)، وإن كانوا قالوا في هَواكَ، فلم يَنصَحُوا لك، إنَّ دِيَتَه عَلَيكَ؛ لأِنَّك أفْزَعْتَها فألْقَتْه»، فقال عمرُ: «أقْسَمْتُ عَلَيكَ ألاَّ تَبرَحَ حتَّى تَقسِمَها على قَومِكَ» (٣). وأمَّا المرأةُ: فلأِنَّها نفْسٌ هَلَكَتْ بإرسال السُّلطان إليها، فضَمِنَها كجنينها، أوْ نَفْسٌ هلَكَتْ بسببه، فَوَجَبَ أنْ تُضمَنَ (٤)؛ كما لو ضَرَبَها فماتَتْ. وقِيلَ: هَدرٌ؛ لأِنَّه لَيسَ بسببٍ عادةً (٥). وجوابُه: بأنَّه سببٌ عادي (٦)، بخِلافِ الضَّرْبة والضَّربتَينِ، فإنَّه لَيسَ سببًا (٧) للهلاك في العادة. تنبيهٌ: إذا أدَّب حامِلاً، فأسْقَطَتْ جنينًا (٨)؛ ضَمِنَ، وكذا إنْ شَرِبَت

стр. 5498

الحامِلُ دواءً لمرضٍ فأسْقَطَته. فأمَّا إنْ طَلَب السُّلْطانُ امرأةً لكَشْفِ حقِّ الله (١) مِنْ حَدٍّ أوْ تعزيرٍ، أوِ استعدى (٢) عليها رجل بالشُّرطة في دَعْوى له، فأسْقَطَتْ؛ ضَمِنَه السُّلْطانُ في الأُولَى، والمسْتَعْدِي في الثَّانية، نَصَّ عليهما (٣)؛ كقَطْعٍ لم يَأذَنْ سيِّدٌ فيها، وإنْ ماتَتْ فَزَعًا؛ فَوجْهانِ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: إنِ اسْتَعْدَى إنسانٌ على امرأةٍ، فألْقَتْ جنينَها، أوْ ماتَتْ فَزَعًا؛ فَعَلَى عاقِلةِ المسْتَعْدِي الضَّمان إن (٤) كان ظالِمًا لها، وإنْ كانَتْ هي الظَّالِمةَ، فأحْضَرَها عِنْدَ الحاكم؛ فيَنبَغِي ألاَّ يَضمَنَها. وإنْ زَنَى بامرأةٍ مُكرَهةٍ فأحْبَلَها، وماتَتْ مِنْ الولادة؛ ضَمِنَها؛ لأِنَّها تَلِفَتْ بسببِ تَعَدِّيهِ. فائدةٌ: قال في «الفنون»: إنْ شمَّتْ حامِلٌ رِيحَ طَبِيخٍ، فاضْطَرَبَ جنينُها فماتَتْ، أوْ مات (٥)، فقال حنبليٌّ وشافِعِيَّانِ: إنْ لم يَعلَمُوا بها؛ فلا إثْمَ ولا ضَمانَ، وإنْ عَلِمُوا، وكان عادةً مستمرَّةً الرَّائحةُ تَقتُلُ؛ احْتَمَلَ الضَّمانَ؛ للإضْرار، واحتمل: لا (٦)؛ لعدَمِ تضرُّرِ بعضِ النِّساء، وكَرِيحِ (٧) الدُّخان يتضرَّرُ (٨) بها صاحِبُ السُّعال وضِيقِ نَفَسٍ، قال في «الفروع»: والفَرْقُ واضِحٌ.

стр. 5499

(وَإِنْ سَلَّمَ وَلَدَهُ (١) إِلَى السَّابِحِ) الحاذِقِ (لِيُعَلِّمَهُ، فَغَرِقَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ) في الأصحِّ، قال القاضي: هو قياسُ المذهَبِ؛ لأنَّه (٢) فَعَل ما جرَت العادةُ به لمصلحته؛ كضَرْبِ المعلِّم الصَّبِيَّ الضَّرْبَ المعتادَ، وكذا لو سَلَّمَ بالِغٌ عاقلٌ (٣) نفسَه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَضْمَنَهُ الْعَاقِلَةُ)، قدَّمه في «الشَّرح» وغيرُه؛ لأِنَّه سلَّمَه (٤) إليه ليَحتاطَ في حِفْظه، فإذا (٥) غَرِقَ؛ فقد نُسِبَ إلى التَّفريط في حِفْظه. فرعٌ: إذا قال له: سَبِّحْ عَبْدِي هذا، فسبَّحَه، ثُمَّ رَقَّاهُ، ثُمَّ عاد وحدَه فسبَحَ (٦)، فغَرِقَ فهَدرٌ. وإنِ اسْتُؤجِرَ ليُسبِّحه (٧) ويعلِّمه، ومِثلُه لا يَغرَقُ غالِبًا، وإنِ اسْتُؤْجِرَ لحِفْظه (٨)؛ ضَمِنَه إن غفل (٩) عنه، أوْ لم يَشُدَّ ما يُسبِّحُه عليه شدًّا جيِّدًا، أوْ جَعَلَه في ماءٍ كثيرٍ جارٍّ، أوْ واقف (١٠) لا يَحمِلُه، أوْ عميقٍ معروفٍ بالغَرَق، قاله (١١) في «الرِّعاية». (وَإِنْ أَمَرَ عَاقِلاً يَنْزِلُ بِئْرًا، أَوْ يَصْعَدُ شَجَرَةً، فَهَلَكَ بِذَلِكَ؛ لَمْ يَضْمَنْهُ)؛

стр. 5500

لأِنَّه لم يَجْنِ ولم يَتعَدَّ، أشْبَه ما لو أذِنَ له ولم يأمُرْه، وكاسْتِئْجاره، قَبَّضَه (١) الأجرةَ أو لا. (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الآْمِرُ السُّلْطَانَ، فَهَلْ يَضْمَنُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: لا ضَمانَ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ ما قدَّموه كغَيرِه. والثَّاني: يَضمَنُه، واختاره القاضي في «المجرد»، وهو من خطأِ الإمام، ولأِنَّه يَخافُ منه (٢) إذا خالَفَه، وهو مأمورٌ بطاعته. وظاهِرُه: أنَّه إذا كان المأمورُ صغيرًا لا يُميِّزُ، قاله في «المغني» و «الشَّرح»، وذَكَرَ الأكثرُ منهم صاحِبُ «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: غَيرَ مُكلَّفٍ؛ ضَمِنَه؛ لأِنَّه تسبَّبَ إلى إتْلافِه. قال في «الفروع»: ولعلَّ مرادَ الشَّيخ ما جَرَى به عُرْفٌ وعادَةٌ؛ كقَرابةٍ وصحبةٍ وتعليمٍ ونحوِه، فهذا متَّجِهٌ وإلاَّ ضَمِنَه. وقد «كان ابنُ عبَّاسٍ يَلعَبُ مع الصِّبيان، فبعَثَه النَّبيُّ ﷺ إلى مُعاوِيَةَ» رواهُ مسلِمٌ (٣). قال في «شرحه»: لا يُقالُ: هذا تصرُّفٌ في منفعةِ الصَّبيِّ؛ لأِنَّه قدرٌ يسيرٌ، وَرَدَ الشَّرعُ بالمسامَحة به للحاجة، واطَّرد (٤) به العُرْفُ وعمَلُ المسلمين (٥). (وَإِنْ وَضَعَ جَرَّةً عَلَى سَطْحِهِ)، أوْ حائطٍ، وعبارةُ «الفروع»: وإنْ وَضَعَ شيئًا على عُلْوٍ فهي (٦) أجْوَدُ. وفيه شَيءٌ، (فَرَمَتْهَا الرِّيحُ عَلَى إِنْسَانٍ، فَتَلِفَ؛

стр. 5501

لَمْ يَضْمَنْهُ) على المذهَبِ؛ لأِنَّ ذلك بغير (١) فِعْلِه، وَوَضْعُه لذلك كان في ملْكِه. وقيلَ: يَضمَنُ إذا وَضَعَها مُتطرِّفةً، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه تسبَّبَ إلى إلْقائها وتعدَّى بِوَضْعِها (٢)، أشْبَهَ ما لو بَنَى حائِطًا مائلاً، ولو تَدحْرَجَ فدَفعَه عن نفسه؛ لم يَضمَنْ، ذَكَرَه في «الانتصار». وفي «التَّرغيب» وجْهانِ، وأنَّهما في بهيمةٍ حالَتْ (٣) بَينَ مُضطَرٍّ وطَعامِه لا تَندفِع إلاَّ بِقَتْلِها، مع أنَّه يَجُوزُ. مسألةٌ: مَنْ نَزَلَ بئرًا في محلٍّ عُدْوانًا، أوْ سَقَطَ فيه فسَقَطَ فَوقَه آخَرُ، فماتا؛ ضَمِنَهما عاقِلَةُ الحافِرِ. وقِيلَ: بل هو. وقِيلَ: على عاقِلةِ الثَّاني نِصفُ دِيَةِ الأوَّل، ويَرجِعُ به على عاقِلَة الحافِرِ، والله أعلم.

стр. 5502

(بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ (١) المقادير: واحِدُها مِقدارٌ، وهو مَبلَغُ الشَّيء وقَدْرُه. (دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (٢) مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ مَائِتَا (٣) بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ، أَوْ أَلْفَ مِثْقَالٍ) ذَهَبًا، (أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ)، قال القاضي: لا يَختَلِفُ المذهَبُ أنَّ أُصولَ الدِّيَةِ: الإبلُ، والبقرُ، والغَنَمُ، والذَّهَبُ، والوَرِقُ، وهو قَولُ الفُقَهاء السَّبْعة وغيرِهم؛ لِمَا في كتابِ عمرو بنِ حَزْمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كتَبَ إلى أهلِ اليمن: «وإنَّ في النَّفس المؤمنةِ مائةً من الإبل، وعلى أهْلِ الوَرِقِ ألْفَ دِينارٍ» رواه النَّسائيُّ (٤)، وعن عكرمة، عن ابن (٥) عبَّاسٍ: «أنَّ رجلاً قُتِل، فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ دِيَتَه اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا» رواه أبو داودَ، والتِّرمذِيُّ، ورُوِيَ عن عِكْرَمَةَ مُرسَلاً، وهو أصحُّ وأشْهَرُ (٦)، وعن عَطاءٍ، عن جابِرٍ، قال: «فَرَضَ رسولُ الله ﷺ في الدِّيَة على أهلِ الإبل: مائةً من الإبل، وعلى أهل البقر: مِائَتَيْ بقرةٍ، وعلى أهل الشَّاء: ألْفَيْ شاةٍ» رواه أبو داودَ (٧)، وعن

стр. 5503

عمرو (١) بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: «قَضَى رسولُ الله ﷺ : أنَّ مَنْ كان عَقْلُه في البقر: مِائَتَيْ بقرةٍ، ومَنْ كان (٢) عَقْلُه في الشَّاء: ألْفَيْ شاةٍ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ (٣). (فَهَذِهِ الْخَمْسُ أُصُولٌ فِي الدِّيَةِ، إِذَا أَحْضَرَ (٤) مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ شَيْئًا (٥) مِنْهَا؛ لَزِمَ قَبُولُهُ)، بغَيرِ خِلافٍ (٦)، سَواءٌ كان من أهل ذلك النَّوع أوْ لم يكُنْ؛ لأِنَّها أصولٌ في قضاءِ الواجب، يُجزِئُ واحِدٌ منها، فكانَت الخِيَرةُ إلى مَنْ وَجَبَتْ عليه؛ كخصال (٧) الكفَّارة. (وَفِي الْحُلَلِ رِوَايَتَانِ):

стр. 5504

(إِحْدَاهُمَا: لَيْسَتْ أَصْلاً فِي الدِّيَةِ (١)، وهو ظاهِرُ كلامِ الأصحاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ للأخبار، ولأِنَّها تَختَلِفُ ولا تَنضَبِطُ. (وَفِي الْأُخْرَى: أَنَّهَا أَصْلٌ)، نَصَرَها القاضي وأصحابُه، وقدَّمها في «الرِّعاية»، وصحَّحها السَّامَرِّيُّ؛ لحديثِ عمرَ: «وعلى أهل الحُلَل مِائَتا حُلَّةٍ» رواه أبو داود (٢)، فَعَلَى هذا (٣): تكون الأصولُ ستَّةً. (وَقَدْرُهَا مِائَتَا حُلَّةٍ (٤) مِنْ حُلَلِ الْيَمَنِ)؛ لأِنَّها تُنسب (٥) إليه، (كُلُّ حُلَّةٍ بُرْدَانِ)؛ لأِنَّ ذلك هو المتعارَفُ؛ إزارٌ ورِداءٌ، وفي «المُذهب»: جديدان (٦) مِنْ جِنْسٍ. قال الخَطَّابيُّ: الحُلَّةُ: ثَوبانِ؛ إزارٌ ورِداءٌ، ولا تُسمَّى حُلَّةً حتَّى تكونَ

стр. 5505

جديدةً تُحَلُّ عن طَيِّها (١)، ولم يَقُلْ من جِنْسٍ. (وَعَنْهُ: أَنَّ الْإِبِلَ هِيَ الأَصْلُ (٢) خَاصَّةً)؛ لقولِ رسولِ الله ﷺ : «في قتيلِ السَّوط والعصا: مائةٌ مِنْ الإبل» (٣)، ولأنه (٤) فَرَّق بين (٥) دِيَةِ العَمْد والخَطَأ؛ فغلَّظ بعضَها وخفَّف بعضَها، ولا (٦) يتحقَّق هذا في غير الإبل. (وَ) على (هَذِهِ): بقيَّةُ ما ذُكِرَ (أَبْدَالٌ عَنْهَا)، أشْبَهَ المتيمِّمَ إذا عَدِمَ الماءَ؛ لأِنَّ ذلك أقل (٧) ما تُحمَلُ الأحاديثُ عليه، فعلى مَنْ عليه الدِّيَةُ تسليمُها إلى مُستَحِقِّها سليمةً مِنْ العيوب، ومَن أراد العُدولَ عنها إلى غيرها؛ فللآخَرِ مَنْعُه؛ لأِنَّ الحقَّ مُتعيِّنٌ فيها فاسْتُحِقَّتْ؛ كالمِثْل في المِثْلِيَّات المتْلَفَة، فإنْ تعذَّرتْ، قال جماعةٌ: أوْ زاد (٨) ثَمَنُها؛ انْتَقَلَ إلى الباقي. (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْإِبِلِ)؛ لَزِمَه إخْراجُها؛ لأِنَّ الحقَّ مُتعيِّنٌ فيها (٩)، (وَإِلاَّ انْتَقَلَ إِلَيْهَا)، وهذه الرِّوايةُ اقْتَصَر عليها الخِرَقيُّ، وهي أصحُّ مِنْ حَيثُ الدَّليل. (فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، أَوْ شِبْهَ (١٠) عَمْدٍ؛ وَجَبَتْ (١١) أَرْبَاعًا: خَمْسٌ

стр. 5506

وَعِشْرُونَ بِنْتَ (١) مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروعِ»، وجَزَمَ به في «الوجيز» (٢)، وذَكَرَه الخِرَقِيُّ، وهو (٣) قَولُ أكثر (٤) العلماء، رواه سعيدٌ عن أبي عَوانةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ (٥)، ورواهُ الزُّهْريُّ عن السائب بنِ يزيدَ مرفوعًا (٦)، ولأِنَّه حقٌّ يتعلَّقُ بجنسِ الحَيَوان، فلا يُعتَبَرُ فيه (٧) الحَملُ؛ كالزَّكاة والأضْحِيَّة. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا ثَلاُثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ (٨) جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً)، نَصَرَه في «الانتصار»، (فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن

стр. 5507

جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ مُتعمِّدًا رُفِعَ إلى أوْلِياء المقْتول، فإنْ شاؤوا قَتَلُوا، وإنْ شاؤوا (١) أخَذُوا الدِّيةُ، وهِيَ ثلاثونَ حقَّةً، وثلاثون جذَعةً، وأرْبَعونَ خَلِفةً، وما صُولِحُوا عليه فهو لهم» رواه التِّرمذِيُّ، وقال: حسنٌ غريبٌ (٢)، ورواه سعيدٌ، عن هشيم، أنا إسماعيلُ بنُ أبي خالِدٍ، عن الشَّعبيِّ، عن زيدِ بن ثابِتٍ (٣)، ورواه أيضًا عن هُشَيمٍ، أنا المغيرةُ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي موسى الأشْعَرِيِّ والمغيرة بن شعبة (٤)

стр. 5508

أنَّها كذلك (١)، ورواه مالِكٌ عن عمرَ (٢)، وفي حديثِ عبد الله بن عمرَ مرفوعًا: «منها أربعون خَلِفةً في بطونها أولادُها» رواه أحمدُ، وأبو داود (٣). ويتوجَّه تخريجٌ مِنْ حَمْلِ العاقِلةِ كخطأٍ (٤). وفي «الروضة» روايةٌ: العمد أثلاثًا، وشِبْهه أرباعًا. (وَهَلْ يُعْتَبَرُ) في الخَلِفات (كَوْنُهَا ثَنَايَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أحدُهما: لا يُعتَبَرُ، ذَكَرَه القاضي، وهو الأشْهَرُ؛ لأِنَّه ﵇ أطْلَقَ الخَلِفات، ولم يُقيِّدْها، فاعْتبارُ السِّنِّ تقييدٌ، لا يصار (٥) إليه إلاَّ بدليلٍ. والثَّاني: يُعتَبَرُ؛ لقوله في الحديث: «مِنْ ثَنِيَّةٍ إلى بازِلِ عامِها» رواه أحمدُ، وأبو داودَ (٦)، ولأِنَّ سائرَ الأنواع مقدَّرةٌ بالسنِّ (٧)، فكذا الخَلِفات. وقِيلَ: إنَّما يُجزِئُ منها ما بَينَ ثَنِيَّةٍ - وهي ما لها خمسُ سنينَ - وبازِلِ

стр. 5509

عام، وهو (١) ما له سبعُ سِنِينَ، وقيل: ما تَحمِل إلا ثنية (٢). لاحقةٌ: لو أحْضَرها خَلِفةً، فأسْقَطَتْ قبلَ وَضْعِها (٣)؛ فعليه بدلها (٤)، فإن اختلفا في (٥) حَمْلِها؛ رُجِع إلى أهل الخبرة، فإنْ تسلَّمها الوليُّ بقولهم (٦)، ثُمَّ قال: لم تكن (٧) حامِلاً؛ قُبِلَ قَولُ الجاني. (وَإِنْ كَانَ (٨) خَطَأً؛ وَجَبَتْ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً)، لا يَختلِفُ المذهب في ذلك، وقاله جمهورُ العُلَماء؛ لِمَا رَوَى الحَجَّاجُ بنُ أرطاةَ، عن زَيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن خِشْف (٩) بنِ مالِكٍ الطَّائيِّ، عن ابن مسعودٍ مرفوعًا كذلك، رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجهْ، وقال (١٠) في إسناده: عن الحجَّاج، حدثنا زيدُ بنُ جُبَيرٍ، والتِّرْمذيُّ، وقال: لا نَعرِفُه مرفوعًا إلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ، ورواه الدَّارَقُطْنيُّ، وقال: هذا حديثٌ غَيرُ ثابِتٍ (١١).

стр. 5510

(وَيُؤْخَذُ مِنَ (١) الْبَقَرِ: النِّصْفُ مُسِنَّاتٍ (٢)، وَالنِّصْفُ أَتْبِعَةً)؛ لأِنَّ ذلك هو العَدْلُ؛ لأِنَّه لو أخذ الكلَّ مُسِنَّاتٍ لكان فيه إجْحافٌ على الجاني، وبالعكس فيه تحاملٌ (٣) على المجنيِّ عليه، وفي الخطأ يُؤخَذُ معهما (٤) سنٌّ ثالِثٌ من أسْنانِ الزكاة (٥) على وَجْهِ التَّخفيف، وسنٌّ (٦) خامِسٌ لا يُؤخَذُ في الزَّكاة، وهو ابنُ مخاضٍ، ويَجِبُ أنْ يكونَ ذكرًا من أسْنان الزَّكاة المذكورةِ، كما جُعِلَ ابنُ مخاضٍ عِوَضَ بنتِ مخاضٍ. (وَفِي الْغَنَمِ النِّصْفُ (٧) ثَنَايَا، وَالنِّصْفُ أَجْذِعَةً)؛ لِمَا ذَكَرْنا، ولأنَّ (٨) دِيَةَ الإبل من الأَسْنانِ المقدَّرة (٩) في الزَّكاة، فكذلك البقرُ والغنمُ. قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ ألاَّ يكونا (١٠) مُناصَفةً. (وَلَا تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ سَلِيمًا مِنَ الْعُيُوبِ)، المذهَبُ: أنَّه (١١) لا تُعتَبَرُ قيمةُ الإبل، بل متى وُجِدت (١٢) الصِّفةُ المشروطة

стр. 5511

وَجَبَ أخْذُها، سواءٌ قلَّت قيمتُها أوْ كثُرَتْ، نَصَرَه في «المغني» و «الشَّرح»، وقدَّمه مُعظَمُ الأصحاب؛ لأِنَّه ﵇ أطْلَقَها، فتقييدُها بالقيمة يُخالِفُ ظاهِرَ الخبر، ولأِنَّه خالَفَ بَينَ أسْنانِ دية العمد والخطأ تخفيفًا كدية (١) الخطأ عن دية العمد (٢)، واعتبارها بقيمةٍ واحدةٍ تسويةٌ بينهما (٣)، وإزالة التَّخفيف المشروع. وفي «الرِّعاية»: لا يُجزِئُ مريضٌ، ولا عجيفٌ، ولا مَعِيبٌ، ولا دُونَ ديةِ الأثمان (٤) على الأصحِّ فيها من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ وحُلَلٍ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَبَرُ أَنْ تَكُونَ (٥) قِيمَةُ كُلِّ بَعِيرٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا)، ذَكَرَه بعضُ أصحابنا مذهبَ أحمدَ؛ لأِنَّ «عمرَ قوَّمَ الإبلَ على أهل الذَّهب بألْفِ مِثْقالٍ، وعلى أهل الوَرِق باثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ» رواه (٦) سعيدٌ، حدثنا هُشَيمٌ، أنا يُونُسُ، عن الحسن، عنه (٧)، ولأِنَّها أبدالُ محلٍّ واحدٍ، فَوَجَبَ أنْ تستويَ قيمتُها كالمثليِّ والقيمي (٨) في (٩) المُتْلَفات. (فَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا أَنْ تَبْلُغَ (١٠) دِيَةَ الْأَثْمَانِ)، واختاره القاضي وأصحابُه؛ لأِنَّه إذا اعتُبرت القيمةُ في الإبل، وهي أصلٌ روايةً واحدةً؛ فكذلك تُعتَبَر القيمةُ في غيرها.

стр. 5512

(وَالْأَوَّلُ أَوْلَى)؛ لأِنَّ تقويمَ عمرَ لأِجْلِ أخْذِ الدَّراهِم عِوضًا عن الإبل، وذلك لا نِزاعَ فيه؛ لأِنَّ الإبلَ كانَتْ تُؤخَذُ على عَهْده ﵇ وقِيمتُها ثمانيةُ آلاف (١)، ثُمَّ قوَّمها عمرُ لغَلائها باثْنَيْ عَشَرَ ألفًا، وهو (٢) يَدُلُّ على أنَّها في حال رُخْصها أقلُّ قيمةً مِنْ ذلك، فكانت (٣) تُؤخَذُ على عهده ﵇ وأبي بكرٍ وصَدْرًا مِنْ خِلافةِ عمرَ مع رُخْصها (٤)، وقِلَّةِ قيمتها ونَقْصِها عن مائةٍ وعشرينَ، وإذا لم تُعتبَر القيمةُ في الإبل؛ فلا تُعتبَرُ فيما سواها؛ قياسًا عليها. ولا يُعتَبَرُ فيها أنْ تكونَ مِنْ جِنْسِ إبِلِه. وقال القاضي: الواجِبُ عليه (٥) أنْ تكونَ من جِنسِ إبله، سواءٌ كان القاتِلَ أو العاقِلةَ، فإنْ لم تكن (٦) له إبلٌ؛ فمِن غالِبِ إبل بلده، فإنْ لم يكن فيها إبلٌ؛ وَجَبَ مِنْ غالِبِ إبِلِ أقربِ البلاد إليه، فإنْ كانَتْ إبلُه عِجافًا، أوْ مِراضًا؛ كُلِّف (٧) تحصيلَ صِحاحٍ من جِنْسِ ما عِندَه؛ لأِنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ، فلا يُؤخَذُ فيها مَعِيبٌ؛ كقِيمةِ المتْلَف، والبقرُ والغنمُ كذلك. (وَيُؤْخَذُ فِي (٨) الْحُلَلِ المُتَعَارَفُ (٩)؛ لأِنَّ ما لم يكُنْ له (١٠) حَدٌّ في الشَّرع؛ فيرجع فيه (١١) إلى العُرْف؛ كالقَبْض والحرز.

стр. 5513

(فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهَا؛ جُعِلَتْ قِيمَةُ كُلِّ حُلَّةٍ سِتِّينَ دِرْهَمًا)؛ لأِنَّ الأصلَ تسَاوِي الأبْدالِ، ولِتَبْلُغَ قِيمةُ الجميع: اثْنَيْ عَشرَ ألْفَ دِرهَمٍ. فرعٌ: تُغلَّظُ دِيَةُ طَرَفٍ كقَتْلٍ، ولا تُغلَّظُ في غَيرِ إبِلٍ.

стр. 5514

(فَصْلٌ) (وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ)، إجْماعًا حكاه ابنُ المنذر، وابنُ عبد البرِّ (١)؛ لِما رَوَى عمرو بنُ حَزْمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في كتابه: «دِيَةُ المرأة نصفُ دِيَةِ الرَّجُل» (٢). لكِنْ حُكِيَ عن ابن عُليَّةَ، والأصمِّ: أنَّ دِيَتَها كَدِيَةِ الرَّجُل؛ لقوله ﵇: «في النَّفس المؤمنةِ مِائَةٌ من الإبل» (٣)، وهو قَولٌ شاذٌّ يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابة، مع أنَّهما في كتابٍ واحدٍ، فيكونُ الأوَّلُ مفسِّرًا (٤) ومخصِّصًا له. (وَيُسَاوِي جِرَاحُهَا جِرَاحَهُ إِلَى ثُلُثِ (٥) الدِّيَةِ)؛ لِمَا رَوَى عمرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «عَقْلُ المرأة مِثْلُ عَقْلِ الرَّجل حتَّى تبلغ (٦) الثُّلثَ مِنْ دِيَتِها» رواه النَّسائيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ روايةِ إسْماعيلِ بنِ عيَّاشٍ، عن ابن جُرَيجٍ (٧).

стр. 5515

(فَإذَا زَادَتْ صَارَتْ عَلَى النِّصْفِ) وهو قَولُ عمرَ (١)، ورواه سعيدٌ، حدثنا هُشَيمٌ، أنا (٢) الشَّيبانيُّ وابن أبي (٣) لَيلَى وزكريَّا، عن الشَّعْبيِّ، عن زَيدٍ (٤)؛ لِمَا رَوَى ربيعةُ، قلت لسعيدِ بنِ المسيِّب: كم في إصبَعِ المرأة؟ قال: عشرٌ (٥) من الإبل، قلتُ: ففي إصبَعَينِ؟ قال: عِشرونَ، قلتُ: ففي (٦) ثلاثِ أصابِعَ؟ قال: ثلاثون، قلتُ: ففي أربعِ أصابِعَ؟ قال: عشرونَ، قلتُ: لمَّا عَظُمَتْ مُصيبتُها قلَّ (٧) عَقْلُها؟!، قال: هكذا السُّنَّةُ يا ابن أخي، رواه مالكٌ، عن ربيعةَ (٨).

стр. 5516

وعن أحمدَ: أنَّها على النِّصف فيما قلَّ أوْ كثُرَ، رواه سعيدٌ عن عليٍّ (١)؛ كالزَّائد. فلو بلغ جراحُها الثُّلثَ؛ ففيه رِوايَتانِ: إحداهما، وهي الأظْهَرُ، قاله ابنُ هُبَيرةَ، وقدَّمها السَّامَريُّ: أنَّهما يَستَوِيانِ فيه؛ لأِنَّه لم يَعبُرْ (٢) حدَّ القلة، ولهذا صحَّت الوصيَّةُ به (٣). والثَّانيةُ، وقدَّمها في «الرِّعاية» وصحَّحها في «المغني»، و «الشَّرح»: يَختَلِفانِ فيه؛ لقوله: «حتَّى تبلغ (٤) الثُّلثَ»، و «حتَّى» للغاية، فيَجِبُ أنْ يكون (٥) مُخالِفًا لِمَا قَبْلَها، والثُّلثُ في حدِّ الكثير؛ لقوله: «والثُّلثُ كثيرٌ» (٦)، ولأِنَّ العاقِلةَ تَحمِلُه، فدلَّ على أنَّه يُخالِفُ ما دُونَه. فأمَّا دية (٧) نِساءِ سائرِ الأديان؛ فتُساوِي دِياتُهنَّ دياتِ (٨) رجالِهم إلى الثُّلث.

стр. 5517

ويَحتَمِلُ: أنْ تُساوِيَ المرأةُ الرَّجُلَ إلى ثُلثِ دية الرَّجل المسلِمِ؛ لأِنَّه القدرُ الكثير (١) الَّذي ثبت له التَّنصيفُ في الأصل (٢)، وهو دية (٣) المسلمين. (وَدِيَةُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ نِصْفُ دِيَةِ ذَكَرٍ، وَنِصِفُ دِيَةِ أُنْثَى)؛ لأِنَّ مِيراثَه كذلك، فكذا دِيَتُه، لا يُقالُ: الواجِبُ دِيَةُ أنثى لتيقُّنِها (٤)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ الذُّكوريَّةَ والأنوثِيَّةَ احِتْمالاً وَاحِدًا، فيَجِبُ التَّوسُّطُ بَينَهما، والعَمَلُ بكلا (٥) الاِحْتِمالَينِ. (وَكَذَلِكَ فِي أَرْشِ جِرَاحِهِ)؛ لأِنَّ الجِراحَ كالتَّابِع للقتل (٦)، فإذا كان في القتل نصفُ دِيَةِ ذَكَرٍ ونصفُ دِيَةِ أُنْثى؛ فلأن (٧) يَجِبَ أرْشُ الجراح كذلك بطريق الأَوْلى. لكِنْ إن كان دُونَ الثُّلث؛ فيَسْتَوِي الذّكَر والخُنْثى؛ لأِنَّ أدْنَى حالاتِه أنْ يكونَ امرأةً، وهي تُساوِيهِ، وفيما (٨) زاد ثلاثةُ أرْباعِ جُرْحِ ذَكَرٍ.

стр. 5518

(فَصْلٌ) (وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ (١) نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) في ظاهِرِ المذهب، وقدَّمه ونَصَرَه الأكثرُ؛ لحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا، قال: «دِيَةُ الكتابيِّ نصفُ دِيَة المسْلِمِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ وحسَّنه (٢). (وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ)، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لِمَا رَوَى عبادةُ بنُ الصَّامِت مرفوعًا قال: «دِيَةُ اليهوديِّ والنَّصرانيِّ أربعةُ آلافٍ»، ورواه (٣) الشَّافِعِيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ عن عمرَ (٤). والأوَّلُ أصحُّ، وقد رَجَعَ أحمدُ عن الثَّانية، وحديثُ عُبادةَ لم يَذكُرْهُ أصحابُ الحديث، فالظَّاهِرُ أنَّه لَيسَ بصحيحٍ، وحديثُ عمرَ إنَّما كان ذلك

стр. 5519

حِينَ كانت الدِّيَةُ ثمانيةَ آلافِ درهم (١)، فأوجب (٢) فيها نصفَها. (وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُمْ (٣) من (٤) دياتِهم (٥) كجِراحِ المسلمين مِنْ دِياتهم، وهو الثُّلثُ، أو النصف (٦) على الخِلافِ. (وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَاتِهِمْ)، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه، قاله (٧) ابنُ المنذر (٨)؛ كنِساءِ المسلمين. (وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ، وَالْوَثَنِيِّ: ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ). أمَّا الأوَّلُ: فهو قَولُ عمرَ (٩)، وعُثْمانَ (١٠)، وابنِ مسعودٍ (١١)، والأكثرِ؛

стр. 5520

لِمَا رَوَى عُقْبةُ بنُ عامِرٍ مرفوعًا، قال: «دِيَةُ المجوسيِّ ثَمانُمائةِ درهَمٍ» رواه ابن عَدِيٍّ (١)، وطَعَنَ فيه بَعضُهم مع (٢) قوله ﵇: «سُنُّوا بهم (٣) سُنَّةَ أهلِ الكتاب» (٤)، فَوَجَبَ أنْ تكون (٥) دِيَتُه كدِيَةِ الكتابي، لكنَّه محمولٌ على أخْذِ الجِزية وحَقْنِ الدَّم، لا في كلِّ شَيءٍ، بدليلِ أنَّ ذبائحَهم ونِساءَهم لا تَحِلُّ لنا. وأمَّا (٦) الثَّاني: فَلأِنَّه كافِرٌ لا تَحِلُّ ذبيحتُه، أشْبَهَ المجوسيَّ. وكذا كلُّ مَنْ لا يجوزُ قتله؛ كالذِّمِّيِّ، والمسْتَأْمَنِ، والمعاهَدِ، ونساؤهم على النِّصف مِنْ دِياتهم، وجِراحُ كلِّ أحدٍ مُعتَبَرٌ من دِيَتِه؛ كالمسلم (٧). فرعٌ: عَبَدَةُ الأوثان وسائِرُ مَنْ لا كِتابَ له؛ لا ذِمَّةَ لهم، وإنَّما تُحقَنُ

стр. 5521

دماؤهم بالأمان، فإذا قُتِلَ مَنْ له أمانٌ منهم؛ فدِيَتُه دِيَةُ مجوسيٍّ؛ لأِنَّها أقلُّ الدِّيات، فلا تنقص (١) عنها. (وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ؛ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ)؛ لأِنَّه لا عَهْدَ له ولا أمانَ، أشْبَهَ الحربيَّ، لكِنْ لا يَجوزُ قَتْلُه حتَّى يُدْعَى. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَ ذَا دِينٍ؛ فَفِيهِ دِيَةُ أَهْلِ دِينِهِ)؛ لأِنَّه مَحْقونُ الدَّم، أشْبَهَ مَنْ له أمانٌ. وقال أبو الفَرَج: كَدِيَةِ مُسلِمٍ؛ لأِنَّه لَيسَ له من (٢) يَتبَعُه. والأول (٣) أَوْلَى، فإنَّ هذا يَنتَقِضُ بصِبْيانِ أهلِ الحَرْب ومَجانِينِهم؛ لأِنَّه كافِرٌ لا عَهْدَ له. فإنْ كان له عهد (٤)؛ ففيه دِيَةُ أهلِ دِينِه. فإنْ لم يُعرَفْ دِينُه؛ فدِيَةُ مُجوسِيٍّ؛ لأِنَّه اليَقِينُ، والزيادة (٥) مشكوكٌ فيها. مسألةٌ: نِساءُ أهلِ الحرب، وذرِّيَّتُهم، وراهِبٌ؛ يَتْبَعونَ أهلَ الدَّار أو الآباء (٦).

стр. 5522

(فَصْلٌ) (وَدِيَةُ (١) الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ قِيمَتُهُمَا، بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ)؛ أيْ: يُضمَنُ الرَّقيقُ في العمد والخَطَأ بقيمتِه مِنْ نَقْدِ البلد، وإنْ كَثُرتْ في المشهور عنه، وهو قَولُ سعيدٍ، والحَسَنِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز؛ لأِنَّه مالٌ (٢) متقوِّمٌ (٣)، فيُضمَنُ بكمال (٤) قِيمتِه بالِغةً ما بلغت (٥)؛ كالفَرَس. ويُخالِف (٦) الحرَّ، فإنَّه يُضمَنُ بما قدَّره الشَّارِعُ، فلم يَتجاوَزْه، ولأِنَّه لَيسَ بضمانِ مال (٧)، بدليلِ أنَّه لم يَختَلِفْ باخْتِلافِ صفاتِه، وهذا ضمانُ مالٍ يَزيدُ بزيادةِ الملكيَّة، ويَنقُص بنقصانها (٨)، فاخْتَلَفَا. وحُكْمُ المدبَّر، وأمِّ الوَلَد، والمكاتَبِ، والمعلَّقِ عِتْقُه بصفةٍ؛ كذلك، قال الخَطَّابِيُّ (٩): أجْمَعَ الفُقهاء على أنَّ المكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ إلاَّ النَّخَعيَّ، فإنَّه قال: يُودَى بِقَدْرِ ما أدَّى مِنْ كِتابَتِه دِيَةَ حُرٍّ، وما بَقِيَ دِيَةَ عَبْدٍ. (وَعَنْهُ: لَا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةُ الْحُرِّ)؛ لأِنَّ الحرَّ أشْرَفُ منه، ولأِنَّه يقال: لَمَّا أوْجَبَ في الحرِّ دِيَةً لا تَزِيدُ، وهو أشْرَفُ لِخُلُوِّه مِنْ نَقْصِ الرِّقِّ؛ كان تنبيهًا على أنَّ العبدَ المنقوصَ لا يُزاد (١٠) عليها.

стр. 5523

(وَفِي جِرَاحِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا مِنَ الْحُرِّ)؛ كالعُصْعُصِ، وخَرَزَة الصُّلْب؛ (مَا (١) نَقَصَهُ) بعدَ البُرْء، بغيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٢)؛ لأِنَّ حقَّ المجنيِّ عليه يَنجَبِرُ، فلا تَجِبُ الزِّيادةُ. (وَإِنْ كَانَ مُقَدَّرًا فِي الحُرِّ (٣)؛ كاليد، والرِّجْل، والموضِحة؛ (فَهُوَ مُقَدَّرٌ (٤) فِي (٥) الْعَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ)، قدَّمها (٦) في «المستوعب» و «الكافي»، ورُوِيَ عن عليٍّ (٧)،

стр. 5524

قال أحمدُ: هذا قَولُ سعيدِ بنِ المسيِّب (١)؛ لأِنَّ قِيمتَه كدِيَةِ الحرِّ. (فَفِي يَدِهِ: نِصْفُ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ من الحرِّ نصفُ الدِّيَة، (وَفِي مُوضِحَتِهِ: نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ فيها من الحرِّ: خَمسٌ من الإبل، (نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ)؛ لأِنَّه ساوَى الحرَّ في ضَمانِ الجناية بالقصاص والكفَّارة، فساواه في اعْتِبارِ ما دُونَ النَّفس ببدلِ النَّفس؛ كالرَّجل والمرأة. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ، اخْتَارَهُ الْخَلاَّلُ)، قدَّمها في «الرِّعاية»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، قال أحمدُ: إنَّما يَأخُذُ قيمةَ (٢) ما نَقَصَ منه على قَولِ ابنِ عبَّاسٍ (٣)؛ لأِنَّ ضمانَه ضمانُ الأموال فيَجِبُ فيه ما نَقَصَ كالبهائم، وذَكَرَ في «المغني» و «الشَّرح»: أنَّ هذه الرِّوايةَ أقْيَسُ وأَوْلَى؛ لأِنَّ القِياسَ على الحرِّ غيرُ صحيحٍ؛ لِعَدَمِ المُساواة بَينَهما. فعلى الأُولى: إنْ بَلَغَت الجنايةُ ثُلثَ قِيمتِها؛ احْتَمَل أنْ تُرَدَّ إلى النِّصف، فيكون في ثلاثةِ أصابِعَ؛ ثلاثةُ أعْشارِ قِيمتها، وفي أربعةِ أصابِعَ؛ خُمُسُها؛ كالحرَّة. واحْتَمَلَ ألاَّ تُرَدَّ (٤)؛ لأِنَّ ذلك في الحرَّة على خلاف الأصل؛ لكَونِ الأصل زيادةَ الأَرْش بزيادة الجناية، وأنَّ كلَّما زاد نَقْصُها وضَرَرُها زاد في

стр. 5525

ضَمانها، فإذا خُولِفَ في الحرَّة؛ بقينا (١) في الأَمَة على وَفْق الأصل. (وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ)؛ فَلا قَوَدَ عليه؛ لأِنَّه ناقِصٌ بالرِّقِّ، أشْبَهَ ما لو كان كلُّه رقيقًا، وإنْ كان قاتِلُه عبدًا أُقِيدَ به (٢)؛ لأِنَّه أكْمَلُ من الجاني، وإنْ كان القاتِلُ نصفُه حرٌّ؛ أوْجَبَ القَوَدَ لِتَساوِيهما، وإنْ كانت الحريةُ في (٣) القاتِلِ أكثرَ؛ لم يَجِب القَوَدِ؛ لِعَدَمِ التَّساوِي. (فَفِيهِ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ، وَنِصْفُ قيمَتِهِ)؛ أيْ: إذا قَتَلَه حرٌّ (٤) عَمْدًا؛ ضَمِنَ نصفَ دِيَةِ حرٍّ ونصفَ قِيمَتِه، وإنْ قَتَلَه خطأً؛ فعَلَيهِ نصفُ قِيمتِه، وعلى عاقِلَتِه نصفُ دِيَتِه؛ لأِنَّها دِيَةُ حرٍّ في الخطأ. (وَهَكَذَا فِي جِرَاحِهِ)؛ أيْ: إذا كان قَدْرُ الدِّيَة مِنْ أَرْشِها بَلَغَ ثُلثَ الدِّيَة، مِثْلَ أنْ يَقطَعَ أنْفَه أوْ يَدَيهِ، فإنْ قَطَعَ إحدى يَدَيهِ؛ فالجميعُ على الجاني؛ لأِنَّ نصفَ دِيَةِ اليَدِ ربعُ دِيَتِه، فلا تَحمِلُها العاقلة (٥) لِنَقْصِها عن الثُّلث، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَإِنْ قَطَعَ خُصْيَتَيْ عَبْدٍ، أَوْ أَنْفَهُ، أَوْ أُذُنَيْهِ؛ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ)؛ أيْ: قيمةُ العبد؛ لأِنَّ القيمةَ بَدَلٌ عن الدِّيَة، (لِلسَّيِّدِ)؛ لأِنَّها بَدَلٌ عن الأعْضاءِ المملوكةِ للسَّيِّدِ، (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ)؛ لأِنَّه لم يُوجَدْ سببٌ يَقتَضِي الزَّوالَ، فوَجَبَ بقاؤه على ملْكه؛ عملاً باسْتِصْحابِ الحال؛ لأِنَّ قَطْعَ يَدِ العبد مُنزَّلٌ مَنزِلةَ تَلَفِ بعضِ مالِه. (وَإِنْ قَطَعَ ذَكَرَهُ، ثُمَّ خَصَاهُ؛ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِقَطْعِ الذَّكَرِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في

стр. 5526

ذلك مِنْ الحرِّ دِيَةٌ كامِلةٌ، (وَقِيمَتُهُ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في قَطْعِ الخُصيتين (١) من الحرِّ بعدَ الذكر (٢) دِيَةٌ كاملة (٣). لا يُقالُ: القِيمةُ هنا نَقَصَتْ؛ لأِنَّ المؤلِّفَ قيَّدها بقَطْعِ الذَّكَر، بخِلافِ الحرِّ، فإنَّهما سَواءٌ. لأِنَّ القيمةَ في مُقابِله، لكنَّها (٤) تزيدُ وتَنقُصُ، بخِلافِ الدِّيَة. (وَمِلْكُ سَيِّدِهِ بَاقٍ عَلَيْهِ)؛ لِمَا مرَّ، وفي ذلك اخْتِلافٌ يَلزَمُه ما نَقَصَ مِنْ قِيمتِه. وفي سَمْعِه وبَصَرِه، أوْ أنْفِه، أوْ أذْنَيهِ قِيمَتاهُ مع بَقاءِ ملْكِ السَّيِّد. قال ابنُ حمْدانَ: فإنْ أذْهَبَ إحْداهما أوَّلاً؛ غَرِمَ قيمتَه كامِلاً، ثمَّ قِيمَتَه ناقِصًا. فرعٌ: إذا جَرَحَ اثْنانِ في وقتَينِ عبدًا، أوْ حَيَوانًا، ولم يُوحياهُ (٥)، ثُمَّ سَرَى الجُرْحانِ، فقال القاضِي: يَلزَمُ كلَّ واحِدٍ منهما ما نَقَصَه بجُرْحه مِنْ قِيمته، ويَتَساوَيانِ في بقيَّتها. قال المجْدُ: وعِنْدِي يَلزَمُ الثَّانيَ نصفُ قِيمتِه مَجروحًا بالجُرْح الأوَّلِ، ويَلزَمُ الأوَّلَ تَتِمَّةُ قيمتِه سليمًا.

стр. 5527

(فَصْلٌ) (وَدِيَةُ الْجَنِينِ)، وهو اسمٌ للولد في البطن، مأخوذٌ من الإجْنان، وهو السَّتْرُ؛ لأِنَّه أجنَّهُ بطنُ أمِّه، أيْ: سَتَرَه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النّجْم: ٣٢]، (الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا سَقَطَ)، فلو ظَهَرَ بعضُه، ولم يَخرُجْ باقِيه؛ ففيه الغُرَّةُ؛ كما لو سَقَطَ جميعُه، (مَيِّتًا؛ غُرَّةٌ) في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ عمرَ اسْتَشارَ النَّاسَ في إمْلاصِ المرأة، فقال المُغيرةُ بنُ شُعْبةَ: شَهِدتُ النَّبيَّ ﷺ قَضَى فيه بغُرَّةٍ عبدٍ (١) أوْ أَمَةٍ، قال: لَتَأْتِيَنِّي بِمَنْ يَشهَدُ مَعَك، فشَهِدَ له محمَّدُ بنُ مَسلَمةَ» متَّفَقٌ عليه (٢)، ولِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ قال: «اقْتَتَلت امرأتانِ مِنْ هُذَيلٍ، فرَمَتْ إحداهما بحَجَرٍ، فَقَتَلتْها وما في بَطْنها، فاخْتَصما إلى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَضَى أنَّ دِيَةَ جنينها غُرَّةٌ عبدٌ أوْ أَمَةٌ، وقَضَى أنَّ دِيَةَ المرأة على عاقِلَتِها» رواه البخاريُّ، ومسلمٌ وزاد: وَوَرَّثَها ولدَها ومَن مَعَه، فقامَ حَمَلُ بنُ النَّابِغةِ الهُذَليِّ، فقال: يا رسولَ الله كيفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ ولا أَكَلَ، ولا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ قَبْلَ (٣) ذلك يُطَلُّ؟! فقال النبيُّ ﷺ : «إنَّما هو من إخوانِ الكُهَّانِ»، مِنْ أجْلِ سَجْعِه الذي سَجَعَ (٤). فإذا ألْقَتْهُ ميتًا؛ فقد تحقَّق أنَّه من الضَّرْبة، فَوَجَبَ ضَمانُه، سَواءٌ ألْقَتْه في حياتها أو بعدَ موتها؛ لأِنَّه تَلِفَ بالجناية عليه، أشْبَهَ ما لو سَقَطَ في حياتها، وظاهِرُه: بجنايةٍ عمدًا أوْ خطأً.

стр. 5528

(غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ)، الْأَحْسَنُ تَنوينُ غُرَّةٍ، وعبدٌ بَدَلٌ منه، وتَجُوزُ الإضافةُ على تأويلِ إضافةِ الجنس إلى النَّوع، وسُمِّيَا بذلك؛ لأِنَّهما من أنْفَسِ الأموال، والأصلُ في الغُرَّة: الخِيارُ، وأصْلُها: البياضُ في وَجْه الفَرَس. وقال أبو عمرو (١) بن العَلَاء: الغُرَّةُ: عبدٌ أبْيَضُ، أوْ أَمَةٌ بَيضاءُ (٢)، قُلْتُ: ولَيسَ البياضُ شرطًا عِنْدَ الفُقهاء. وإنَّما تَجِبُ إذا سَقَطَ من الضَّربة، ويُعلَمُ ذلك: بأنْ يَسقُطَ عُقَيبَ الضَّربة، أو تبقَى متألِّمةً منها إلى أنْ يَسقُطَ، أوْ يكونَ منها كشُرْبِ دواءٍ، ونحوه، فلو قَتَلَ حامِلاً، ولم يَسقُطْ جنينُها؛ فلا؛ لأِنَّه لا يَثبُتُ حكمُ الولد إلاَّ بخروجه، فلا يَجِبُ الضَّمانُ بالشَّكِّ. والغُرَّةُ هي: عبدٌ أوْ أَمَةٌ، في قَولِ الأكثرِ، وما رُوِيَ عن عروةَ، ومُجاهِدٍ، وطاوُسٍ: أوْ فَرَسٌ، فجوابُه: أنَّه وَهَمٌ، انفرَد به عيسى بن يونس (٣) عن الرُّواة، وهو متروكٌ في النَّقل (٤). وجعل ابنُ سِيرِينَ مكانَ الفَرَس: مائةَ شاةٍ؛ لِمَا رَوَى أبو داودَ: «أنَّه ﵇

стр. 5529

جَعَلَ في ولدها مائةَ شاةٍ» (١). وظاهِرُه: أنَّه لا تَجِبُ في مُضْغَةٍ، ولا عَلَقَةٍ. وقال قَتادةُ: إذا كان عَلَقةً: فثُلُثُ عُشْرِه، وإنْ كان مُضغةً: فثُلُثَا عُشُرِه. فإنْ ألْقَتْ مُضغةً، فشَهِدَ ثِقاتٌ من النِّساء القَوابِل: أنَّ فيه صورةً خفيَّةً؛ ففيه غُرَّةٌ، وإنْ شَهِدْنَ أنَّه مُبتَدَأُ خلقِ آدَمِيٍّ، ولو بَقِيَ تَصَوَّرَ؛ فوَجْهانِ: أصحُّهما: لا شَيءَ فيه؛ كالعَلَقَة. والثَّاني، وقدَّمه في «الرِّعاية»: فيه غُرَّةٌ، أشْبَهَ ما لو تصوَّرَ. فلو ألْقَتْ رَأسينِ؛ فغُرَّةٌ؛ لأِنَّه يَجوزُ أنْ يكونَ مِنْ جنينٍ وأكثرَ، فلم تَجِبْ بالشَّكِّ. (قِيمَتُهَا: خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ)، وذلك نصفُ عُشْرِ الدِّيَةِ، رُوِيَ عن عمرَ وزَيدٍ (٢)، وهو قَولُ الجماعة؛ لأِنَّ ذلك أقلُّ ما قدَّره الشَّرعُ في الجناية، وهو أرْشُ المُوضِحة، فردَدْناه إليه. لا يُقالُ: قد وَجَبَ في الأَنْمَلة ثلاثةُ أبْعِرةٍ وثُلُثٌ، وهو دُونَ ذلك؛ لأِنَّ الشَّارِعَ أوْجَبَها في أرْشِ المُوضِحة والسِّنِّ، وأمَّا الأَنْمَلةُ فيَجِبُ فيها ما ذُكِرَ بالحساب من دِيَةِ الأصبع. فرعٌ: إذا اخْتلَفَ قيمةُ الإبل ونصفُ عُشر الدِّية مِنْ غيرها؛ فظاهِرُ

стр. 5530

الخِرَقِيِّ: أنَّها تُقوَّمُ بالإبل؛ لأِنَّها الأصلُ. وقال غَيرُه: تُقوَّمُ بالذَّهَب أو الوَرِق، فيُجعَلُ قِيمتُها خمسين دينارًا، أوْ ستَّمائةِ درهمٍ. ويتفرَّع عليهما: إذا لم يَجِدْ غَيرَه. وذَكَرَ في «الكافي»: وإنْ أُعْوِزَتْ؛ وَجَبَتْ قِيمتُها من أحدِ الأصول في الدِّيَة. (مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَأنَّهُ سَقَطَ حَيًّا)؛ لأِنَّها دِيَةٌ له وبَدَلٌ عنه فَوَرِثَها وَرَثَتُه، كما لو قُتِلَ بعدَ الوِلادة. وقال اللَّيثُ: هي لأِمِّه. وجَوابُه: أنَّها دِيَةُ آدَمِيٍّ حرٍّ، فَوَجَبَ أنْ تكونَ مَوروثةً عنه كما لو وَلَدَتْه حيًّا، ثُمَّ مات (١). (ذَكَرًا كَانَ) الولدُ (أَوْ أُنْثَى)؛ لأِنَّه ﵇ قَضَى في الجنين بغُرَّةٍ (٢)، وهو يُطلَقُ على الذَّكَر والأنثى، ولأِنَّ المرأةَ تُساوِي الذَّكَرَ فيما دُونَ الثُّلث. (وَلَا يُقْبَلُ فِي الْغُرَّةِ خُنْثَى، وَلَا مَعِيبٌ) يُرَدُّ به في البَيعِ، ولا خَصِيٌّ، ولا هَرِمَةٌ، وإنْ كثُرتْ قِيمتُه؛ لأِنَّه حَيَوانٌ يجب (٣) بالشَّرع، فلم يُقبَلْ فيه ذلك، بخلاف الكفَّارة، فإنَّ الغُرَّة بَدَلٌ فاعْتُبِرتْ فيها السَّلامةُ كإبِلِ الصَّدقة، وهي خِيارٌ. (وَلَا مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) في الأشْهَر، فإنَّه (٤) مُحتاجٌ إلى مَنْ يَكفُلُه، ولَيسَ من الخِيار، وقِيلَ: أوْ أقلَّ لإطلاقِ الخَبَرِ.

стр. 5531

وظاهِرُه: أنَّ مَنْ جاوَزَ السَّبعَ أنَّه مَقْبولٌ، وهو كذلك، وقال ابنُ حمدانَ: الغُرَّة مَنْ له سَبْعُ سنينَ إلى عَشر، وظاهِرُ الخِرقيِّ: أنَّ سِنَّها غَيرُ مُقدَّر. وبالجملة: البالِغُ أكملُ من الصَّغير، وأقْدَرُ على التَّصرُّف، وأنْفَعُ في الخدمة. (وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا؛ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه جنينُ آدَمِيَّةٍ، فَوجَبَ فيه عُشُرُ دِيَةِ أمِّه؛ كجنينِ الحرَّة، ولأِنَّه جزءٌ منها، فَقُدِّرَ بَدَلُه من قيمتها كسائر أعْضائها. ونَقَلَ حربٌ: الواجِبُ فيه نصفُ عُشْرِ قيمةِ أمِّه (١). ولا يُحمَلُ عليه الواجِبُ هنا؛ لأِنَّ الرَّقيقَ الواجِبَ قيمتُه، بخِلافِ الحرِّ. وتُعتَبَرُ القيمةُ نَقْدًا يَومَ الجِناية؛ كمُوضِحَتِها إذا ساوتها (٢) حريَّةً ورِقًّا، وإلاَّ فبالحساب، إلاَّ أنْ يكونَ دَيْنَ (٣) أبيه، أو هو أعْلَى منها دِيَةً؛ فيَجِبُ عُشْرُ دِيَتها لو كانت على ذلك الدَّين. (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى)؛ لأِنَّ حكمَه كذلك إذا كان حُرًّا، فكذا إذا كان رقيقًا. ونَصُّ المؤلِّفِ على ذلك؛ إشارةٌ منه إلى خلافِ أبي حنيفةَ (٤)، فإنَّه قال: يَجِبُ فيه نصفُ عُشْرِ قَيمته إنْ كان ذَكَرًا، أوْ عُشر قيمته إنْ كان أنثى؛ لأِنَّه مُتلَفٌ، فاعْتِبارُه بنفسه أَوْلى من اعتباره بأمِّه. وجَوابُه: أنَّه (٥) جنينٌ خالَفَ سائرَ المتلَفات في عَدَمِ اعتبارِ قيمةِ جميعه، فَوَجَبَ اعتباره بأمِّه، ولأِنَّه مات من الجناية في بطنِ أمِّه، فلم يَختَلِفْ ضَمانُه

стр. 5532

بهما؛ كجنينِ الحُرَّة. فرعٌ: جنينُ المعتَقِ بعضُها يجب (١) بالحساب، فإذا كان نصفُها حرًّا؛ فنصفه (٢) حرٌّ، فيه نصفُ غُرَّةٍ لوَرَثَتِه، وفي النِّصف الباقي نصفُ عُشْرِ قيمةِ أمِّه لسيِّده. (وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَعَتَقَتْ)، أوْ أُعْتِقَ جنينَها قبلَ الجناية أوْ بعدَها، (ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ؛ فَفِيهِ غُرَّةٌ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه سَقَطَ حرًّا، والعِبرةُ بحالِ السُّقوط؛ لأِنَّ قبلَ ذلك لا يُحكَم فيه بشيءٍ. وعنه: بضمانِ جنينٍ مملوكٍ، نَقَلَها حَرْبٌ، وابنُ منصورٍ (٣). وعَنه: إنْ سَبَقَ العِتْقُ الجنايةَ؛ ضَمِنَ بالغُرَّة، وإلاَّ فبِضمانِ الرَّقيق. ونَقَلَ حربٌ: التَّوقُّفَ (٤). وحَكَى في «الفروع» الخلافَ، ولم يُرجِّحْ شيئًا. فإنْ ألْقَتْه حيًّا؛ فالدِّيَةُ كامِلةٌ مع سَبْق العتق الجنايةَ، وإلاَّ ففيه الرِّوايَتانِ في الرَّقيق يُجرَحُ، ثُمَّ يُعتَقُ. (وَإِنْ كَانَ (٥) الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ؛ فَفِيهِ) غُرَّةٌ، قِيمَتُها (عُشْرُ (٦) دِيَةِ أُمِّهِ)؛ لأِنَّ جنينَ الحرَّة المسلِمةِ مَضْمونٌ بعُشرِ ديةِ أمِّه، فكذا جنينُ الكافِرة. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا؛ اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا)؛ أيْ: أكثرُ الأمْرَينِ من عُشْرِ دِيَةِ أمِّه، أوْ نصفُ عُشْرِ دِيَةِ أبيهِ؛ لأِنَّ ذلك ضمانُ مُتلَف (٧)،

стр. 5533

فغُلِّب (١) فيه (٢) الأكثرُ؛ تغليظًا على الجاني، ولأِنَّه لو (٣) اجْتَمَعَ في المتلَفِ ما يَجِبُ ضمانُه وعَكْسُه؛ غُلِّبَ الوجوبُ؛ كالمُحْرِم إذا قَتَلَ مُتولِّدًا بَينَ وحشيٍّ وأهليٍّ. والحاصِلُ: أنَّها تؤخذ (٤) غُرَّةٌ قيمتُها عُشْرُ الدِّيَة، ولا (٥) فَرْقَ فيها (٦) بَينَ الذَّكر والأنثى؛ لأِنَّ السُّنَّةَ لم تُفرِّقْ بَينَهما. فلو كان بَينَ كتابِيَّينِ، فأسْلَمَ أحدُهما بعد الضَّرْب قَبْلَ الوضع؛ ففيه غُرَّة (٧) في ظاهر كلامه، وقاله ابنُ حامد (٨) والقاضي؛ اعتبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية. وقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: فيه (٩) عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ اعتبارًا بحالِ الجناية. (وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ؛ فَفِيهِ (١٠) دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا)؛ لأِنَّه حرٌّ مات بجنايةٍ، أشْبَهَ ما لو باشَرَه بالقتل، وقد حكاه ابنُ المنذر إجماعًا (١١). وعن أحمدَ: لا يَثبُتُ هذا الحكمُ إلاَّ إذا اسْتَهَلَّ، رُوِيَ عن عمرَ (١٢)،

стр. 5534

وابنِ عبَّاسٍ (١)، والحَسَنِ بنِ عليٍّ (٢). والأوَّلُ نَصَرَه في «المغْنِي»، و «الشَّرح»؛ لأِنَّ الاِرْتِضاعَ ونحوَه أدلُّ (٣) على الحياة من الاِسْتِهْلال، فأما بمجرَّد (٤) الحركة فلا. (أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا)؛ لأِنَّ القيمةَ في العبد بمنزلة الدِّيَة في الحرِّ، (إِذَا (٥) كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ)؛ لأِنَّه إذا لم يكُنْ كذلك؛ لا يُعلم (٦)

стр. 5535

فيه حياةٌ يَجوزُ بقاؤها، فلم تجب (١) فيه دِيَةٌ ولا قيمةٌ؛ كما لو سَقَطَ ميتًا. (وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا)؛ لأِنَّ مَنْ وُلِدَ قبلَ ذلك؛ لم تَجْرِ العادةُ ببقائه، وفيه شيءٌ، فإنَّ من (٢) وُلِدَ لثمانيةِ أشْهُرٍ لم يَعِشْ، إلاَّ ما كان مِنْ مريمَ وابْنِها ﵉ (٣). (وَإِلاَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ)، قال في «الرَّوضة» وغيرها: كحياةِ مذبوحٍ، فإنَّه لا حكمَ لها، وحِينَئِذٍ يجب (٤) فيه غُرَّةٌ؛ لأِنَّه لم (٥) تُعلَمْ حياتُه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ؛ فَفِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر»، و «الفروع»: أحدهما، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يُقدَّمُ قَولُ الجاني (٦)؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه. والثَّاني: يُقدَّمُ قَولُ الولي (٧)؛ لأِنَّ الأصلَ حياتُه؛ كحياته (٨) في بَطْنِ أُمِّه، والأصلُ بقاؤه. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كان ثَمَّ بينة (٩) عُمِلَ بها؛ لأِنَّها تُظهِر (١٠) الحقَّ وتُثبته (١١).
следующие страницы →