← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

وظاهِرُه: أنَّ مَنْ جاوَزَ السَّبعَ أنَّه مَقْبولٌ، وهو كذلك، وقال ابنُ حمدانَ: الغُرَّة مَنْ له سَبْعُ سنينَ إلى عَشر، وظاهِرُ الخِرقيِّ: أنَّ سِنَّها غَيرُ مُقدَّر. وبالجملة: البالِغُ أكملُ من الصَّغير، وأقْدَرُ على التَّصرُّف، وأنْفَعُ في الخدمة. (وَإِنْ كَانَ الْجَنِينُ مَمْلُوكًا؛ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ)، هذا هو المذْهَبُ؛ لأِنَّه جنينُ آدَمِيَّةٍ، فَوجَبَ فيه عُشُرُ دِيَةِ أمِّه؛ كجنينِ الحرَّة، ولأِنَّه جزءٌ منها، فَقُدِّرَ بَدَلُه من قيمتها كسائر أعْضائها. ونَقَلَ حربٌ: الواجِبُ فيه نصفُ عُشْرِ قيمةِ أمِّه (١). ولا يُحمَلُ عليه الواجِبُ هنا؛ لأِنَّ الرَّقيقَ الواجِبَ قيمتُه، بخِلافِ الحرِّ. وتُعتَبَرُ القيمةُ نَقْدًا يَومَ الجِناية؛ كمُوضِحَتِها إذا ساوتها (٢) حريَّةً ورِقًّا، وإلاَّ فبالحساب، إلاَّ أنْ يكونَ دَيْنَ (٣) أبيه، أو هو أعْلَى منها دِيَةً؛ فيَجِبُ عُشْرُ دِيَتها لو كانت على ذلك الدَّين. (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى)؛ لأِنَّ حكمَه كذلك إذا كان حُرًّا، فكذا إذا كان رقيقًا. ونَصُّ المؤلِّفِ على ذلك؛ إشارةٌ منه إلى خلافِ أبي حنيفةَ (٤)، فإنَّه قال: يَجِبُ فيه نصفُ عُشْرِ قَيمته إنْ كان ذَكَرًا، أوْ عُشر قيمته إنْ كان أنثى؛ لأِنَّه مُتلَفٌ، فاعْتِبارُه بنفسه أَوْلى من اعتباره بأمِّه. وجَوابُه: أنَّه (٥) جنينٌ خالَفَ سائرَ المتلَفات في عَدَمِ اعتبارِ قيمةِ جميعه، فَوَجَبَ اعتباره بأمِّه، ولأِنَّه مات من الجناية في بطنِ أمِّه، فلم يَختَلِفْ ضَمانُه

стр. 5532

بهما؛ كجنينِ الحُرَّة. فرعٌ: جنينُ المعتَقِ بعضُها يجب (١) بالحساب، فإذا كان نصفُها حرًّا؛ فنصفه (٢) حرٌّ، فيه نصفُ غُرَّةٍ لوَرَثَتِه، وفي النِّصف الباقي نصفُ عُشْرِ قيمةِ أمِّه لسيِّده. (وَإِنْ ضَرَبَ بَطْنَ أَمَةٍ فَعَتَقَتْ)، أوْ أُعْتِقَ جنينَها قبلَ الجناية أوْ بعدَها، (ثُمَّ أَسْقَطَتِ الْجَنِينَ؛ فَفِيهِ غُرَّةٌ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجَزَم به في «الوجيز»؛ لأِنَّه سَقَطَ حرًّا، والعِبرةُ بحالِ السُّقوط؛ لأِنَّ قبلَ ذلك لا يُحكَم فيه بشيءٍ. وعنه: بضمانِ جنينٍ مملوكٍ، نَقَلَها حَرْبٌ، وابنُ منصورٍ (٣). وعَنه: إنْ سَبَقَ العِتْقُ الجنايةَ؛ ضَمِنَ بالغُرَّة، وإلاَّ فبِضمانِ الرَّقيق. ونَقَلَ حربٌ: التَّوقُّفَ (٤). وحَكَى في «الفروع» الخلافَ، ولم يُرجِّحْ شيئًا. فإنْ ألْقَتْه حيًّا؛ فالدِّيَةُ كامِلةٌ مع سَبْق العتق الجنايةَ، وإلاَّ ففيه الرِّوايَتانِ في الرَّقيق يُجرَحُ، ثُمَّ يُعتَقُ. (وَإِنْ كَانَ (٥) الْجَنِينُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ؛ فَفِيهِ) غُرَّةٌ، قِيمَتُها (عُشْرُ (٦) دِيَةِ أُمِّهِ)؛ لأِنَّ جنينَ الحرَّة المسلِمةِ مَضْمونٌ بعُشرِ ديةِ أمِّه، فكذا جنينُ الكافِرة. (وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا، وَالآْخَرُ مَجُوسِيًّا؛ اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا)؛ أيْ: أكثرُ الأمْرَينِ من عُشْرِ دِيَةِ أمِّه، أوْ نصفُ عُشْرِ دِيَةِ أبيهِ؛ لأِنَّ ذلك ضمانُ مُتلَف (٧)،

стр. 5533

فغُلِّب (١) فيه (٢) الأكثرُ؛ تغليظًا على الجاني، ولأِنَّه لو (٣) اجْتَمَعَ في المتلَفِ ما يَجِبُ ضمانُه وعَكْسُه؛ غُلِّبَ الوجوبُ؛ كالمُحْرِم إذا قَتَلَ مُتولِّدًا بَينَ وحشيٍّ وأهليٍّ. والحاصِلُ: أنَّها تؤخذ (٤) غُرَّةٌ قيمتُها عُشْرُ الدِّيَة، ولا (٥) فَرْقَ فيها (٦) بَينَ الذَّكر والأنثى؛ لأِنَّ السُّنَّةَ لم تُفرِّقْ بَينَهما. فلو كان بَينَ كتابِيَّينِ، فأسْلَمَ أحدُهما بعد الضَّرْب قَبْلَ الوضع؛ ففيه غُرَّة (٧) في ظاهر كلامه، وقاله ابنُ حامد (٨) والقاضي؛ اعتبارًا بحالِ اسْتِقْرارِ الجناية. وقال أبو بكرٍ، وأبو الخَطَّابِ: فيه (٩) عُشْرُ دِيَةِ كِتابِيَّةٍ؛ اعتبارًا بحالِ الجناية. (وَإِنْ سَقَطَ الْجَنِينُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ؛ فَفِيهِ (١٠) دِيَةُ حُرٍّ إِنْ كَانَ حُرًّا)؛ لأِنَّه حرٌّ مات بجنايةٍ، أشْبَهَ ما لو باشَرَه بالقتل، وقد حكاه ابنُ المنذر إجماعًا (١١). وعن أحمدَ: لا يَثبُتُ هذا الحكمُ إلاَّ إذا اسْتَهَلَّ، رُوِيَ عن عمرَ (١٢)،

стр. 5534

وابنِ عبَّاسٍ (١)، والحَسَنِ بنِ عليٍّ (٢). والأوَّلُ نَصَرَه في «المغْنِي»، و «الشَّرح»؛ لأِنَّ الاِرْتِضاعَ ونحوَه أدلُّ (٣) على الحياة من الاِسْتِهْلال، فأما بمجرَّد (٤) الحركة فلا. (أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ عَبْدًا)؛ لأِنَّ القيمةَ في العبد بمنزلة الدِّيَة في الحرِّ، (إِذَا (٥) كَانَ سُقُوطُهُ لِوَقْتٍ يَعِيشُ فِي مِثْلِهِ)؛ لأِنَّه إذا لم يكُنْ كذلك؛ لا يُعلم (٦)

стр. 5535

فيه حياةٌ يَجوزُ بقاؤها، فلم تجب (١) فيه دِيَةٌ ولا قيمةٌ؛ كما لو سَقَطَ ميتًا. (وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا)؛ لأِنَّ مَنْ وُلِدَ قبلَ ذلك؛ لم تَجْرِ العادةُ ببقائه، وفيه شيءٌ، فإنَّ من (٢) وُلِدَ لثمانيةِ أشْهُرٍ لم يَعِشْ، إلاَّ ما كان مِنْ مريمَ وابْنِها ﵉ (٣). (وَإِلاَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيِّتِ)، قال في «الرَّوضة» وغيرها: كحياةِ مذبوحٍ، فإنَّه لا حكمَ لها، وحِينَئِذٍ يجب (٤) فيه غُرَّةٌ؛ لأِنَّه لم (٥) تُعلَمْ حياتُه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ؛ فَفِي أَيِّهِمَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر»، و «الفروع»: أحدهما، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»: يُقدَّمُ قَولُ الجاني (٦)؛ لأِنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه. والثَّاني: يُقدَّمُ قَولُ الولي (٧)؛ لأِنَّ الأصلَ حياتُه؛ كحياته (٨) في بَطْنِ أُمِّه، والأصلُ بقاؤه. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كان ثَمَّ بينة (٩) عُمِلَ بها؛ لأِنَّها تُظهِر (١٠) الحقَّ وتُثبته (١١).

стр. 5536

أصلٌ: الغُرَّةُ والدِّيَةُ يَرِثُهما مَنْ يَرِثُه كأنَّه سَقَطَ حيًّا، ولا يَرِثُ قاتِلٌ ولا رقيقٌ، فترثُ عصبةُ سيدٍ (١) قاتِلٍ جنينَ أمَتِه، وفي «الرَّوضة» هنا: إنْ شَرَطَ زوجُ الأَمَة حُرِّيَّةَ الولد كان حُرًّا، وإلاَّ عبدًا. وعلى (٢) المذهب: لو (٣) شَرِبَت الحامِلُ دواءً، فألْقَتْ جنينًا ميتًا؛ فعليها غُرَّةٌ، هو (٤) لِوَرَثَتِها دُونَها؛ لأِنَّها قاتِلةٌ، وعَلَيها عِتْقُ رَقَبَةٍ. فرعٌ: يَجِبُ في جنينِ دابَّةٍ ما نَقَصَ، نَصَّ عليه (٥)، وهو قَولُ عامَّةِ العلماء. وقال أبو بكرٍ: كجنينِ أمَةٍ؛ أيْ: عُشْر قيمةِ أمِّه. وجوابُه: أنَّ البهيمةَ إنَّما تَجِبُ بالجناية عليها قَدْرُ نَقْصِها، فكذا في جَنِينِها.

стр. 5537

(فَصْلٌ) (ذَكَرَ أَصْحَابُنَا: أَنَّ الْقَتْلَ) إذا كان خطأً، وقال القاضي: قياسُ المذهب: أوْ عمدًا، جزم (١) به جماعةٌ، قال (٢) في «الانتصار»: كما يَجِبُ بوطءِ صائمةٍ مُحرِمَةٍ كفَّارَتانِ، ثُمَّ قال (٣): تُغلَّظُ إذا كان مُوجِبُه الدِّيَةَ، وفي «المفردات»: تُغلَّظُ عِندَنا في الجميع، ثُمَّ دِيَةُ الخطأ لا تَغْلِيظَ فيها، وفي «المغْنِي» و «التَّرغيب»: وطَرَف (٤). (تُغَلَّظُ دِيَتُهُ (٥) بِالْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ)، نَقَلَه فيها (٦) الجماعةُ (٧)، (وَرَحِمٍ مَحْرَمٍ (٨)، اختاره أبو بكرٍ، والقاضي وأصحابُه، ولم يُقيِّدْه في «التَّبصرة» و «الطَّريق الأقْرَب» وغيرُهما الرَّحِمَ بالمَحْرَمِ؛ كالعتق. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ: أنَّها لا تُغلَّظُ بالرَّحِم، وقدَّمه في «المحرَّر». (فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ امرأةً وُطِئَتْ في طَوافٍ، فَقَضَى عُثْمانُ فيها بستَّةِ آلافٍ وألْفَينِ» (٩)؛ تغليظًا للحَرَم، وعن ابن عمرَ أنَّه

стр. 5538

قال: «مَنْ قَتَلَ في الحَرَم، أو ذا (١) رَحِمٍ، أو في (٢) الشَّهر الحرام؛ فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ» (٣)، وعن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ رجلاً قَتَلَ رجلاً في الشَّهر الحرام، وفي البلد الحرام، فقال: «دِيَتُه اثْنا عَشَرَ ألْفًا، وللشَّهر الحرام أربعةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أربعةُ آلافٍ (٤)» (٥)، وهو قَولُ التَّابعين القائلين بالتَّغليظ، واحتجُّوا بقولِ ابنِ عمرَ. (فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْحُرُمَاتُ الْأَرْبَعُ؛ وَجَبَ (٦) دِيَتَانِ وَثُلُثٌ)؛ لأِنَّ القتلَ تَجِبَ به دِيَةٌ، وقد تكرَّرَ التَّغليظُ أربعَ مرَّاتٍ، فكان كذلك. فائدةٌ: قال بعضُ أصحابنا: حَرَمُ المدينة كمكَّةَ، وفي «التَّرغيب» يُخرَّجُ رِوايَتانِ، وقِيلَ: التَّغليظُ بِدِيَةِ عمدٍ، وقِيلَ: بِدِيَتَينِ، وفي «المبهج»: إنْ لم يُقتَلْ بأبَوَيهِ ففي (٧) لزومه دِيَتانِ أمْ دِيَةٌ وثلثٌ؛ رِوايَتانِ. (وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ)، واختاره المؤلِّفُ، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وذكره (٨) ابنُ رَزِينٍ الأظْهَرَ، وهو قَولُ الفُقَهَاء السَّبعةِ، وعمرَ بنِ عبد العزيز: (أَنَّهَا (٩) لَا

стр. 5539

تُغَلَّظُ بِذَلِكَ)؛ كجنينٍ (١) وعبدٍ (٢)، (وَهُوَ ظَاهِرُ الآْيَةِ)، وهو قَولُه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، وهذا يَقتَضِي أنْ تكونَ الدِّيَةُ واحِدةً في كلِّ مكانٍ، وعلى كلِّ حالٍ، (وَالأَخْبَارِ)، منها قَولُه ﵇: «في النَّفس المؤمنةِ مِائَةٌ من الإبل، وعلى أهل الذَّهَب ألْفُ مِثْقالٍ» (٣)، وروى الجُوزَجانيُّ عن أبي الزِّناد: أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز كان يَجمَعُ الفُقَهاء، فكان ممَّا أحْيا من تلك السُّننِ؛ أي (٤): أنَّه لا تغليظَ، قال ابن المنذر: (لَيسَ بثابِتٍ ما رُوِيَ عن الصَّحابة في هذا) (٥)، ولو صحَّ فَفِعْلُ (٦) عمرَ في حديثِ قتادةَ أَوْلَى، فيُقدَّم (٧) على مَنْ خالَفَه، وهو أصحُّ في الرِّواية مع مُوافَقَة الكتاب، والسُّنَّة، والقياسِ. (وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ)، وقدَّم في «الانتصار»: أو كافرٌ، وجَعَلَه ظاهِرَ كلامه، (كَافِرًا)، سواءٌ كان كتابيًّا أوْ غَيرَه حَيثُ حُقِنَ دَمُه، (عَمْدًا؛ أُضْعِفَتِ (٨) الدِّيَةُ)، نَصَّ عليه (٩)؛ (لِإِزَالَةِ الْقَوَدِ)؛ لأِنَّ المسلمَ لا يُقتَلُ بكافر (١٠)، ولأِنَّ القَوَدَ شُرِعَ زجرًا عن تَعاطِيهِ، (كَمَا حَكَمَ عُثْمَانُ ﵁، رواه أحمدُ، عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه: «أنَّ رجلاً قَتَلَ رجلاً من أهل الذِّمَّة، فرُفِعَ إلى عُثْمانَ، فلم يَقتُلْه، وغلَّظ الدِّيَةَ ألفَ

стр. 5540

دِينارٍ» (١)، فَذَهَبَ إليه أحمدُ، وله نظائر: مِنْها: الأعْوَرُ إذا قَلَعَ عَينَ صحيحٍ (٢)؛ تَجِبُ دِيَةٌ كامِلةٌ حَيثُ لا قِصاصَ. ومِنْها: أنَّ سارِقَ الثَّمَر يَلزَمُه مِثْلَا قيمتِه (٣) حَيثُ لا قَطْعَ. ومَذهَبُ الجماهير من العُلَماء: أنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ في العمد والخطأِ واحِدٌ؛ للعُموم، وكما لو قَتَلَ حرٌّ عبدًا عمدًا (٤)؛ لأِنَّه بَدَلُ متلفٍ (٥)، فلم تَتضاعَفْ (٦)؛ كسائرِ الأموال. وعلى الأوَّل: يُودَى المجوسيُّ بألْفٍ وستِّمِائَةٍ، والكتابيُّ بثُلُثَيْ دِيَةِ المسلم إنْ قُلْنا: ديته (٧) ثُلُثُها، نَصَّ عليه (٨). ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: أنَّها تُغلَّظُ بثُلُثٍ (٩).

стр. 5541

(فَصْلٌ) (وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ خَطَأً؛ فَسَيِّدُهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فِدَائِهِ (١) بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ تَسْلِيمِهِ لِيُبَاعَ (٢) فِي الْجِنَايَةِ)، إذا جَنَى رقيقٌ خطأً، أوْ عمدًا لا قَوَدَ فيه، أو فيه قَوَدٌ واخْتِيرَ فيه المالُ، أوْ أتْلَفَ مالاً؛ وَجَبَ اعْتِبارُ جنايتِه؛ لأِنَّ جِنايَةَ الصَّغيرِ والمجنونِ غَيرُ ملغاة (٣) مع عُذْره وعَدَم تكليفه، فالعبد (٤) أَوْلَى. ولا يُمكِنُ تعليقُها بذمَّته؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إلْغائها، أوْ تأخيرِ حقِّ المجنيِّ عليه إلى غَيرِ غايَةٍ، ولا بِذِمَّةِ السَّيِّد؛ لأِنَّه لم يَجْنِ، فتعَيَّنَ تعليقُها برقبة العبد؛ كالقِصاص. والمذْهَبُ: أنَّ سيِّدَه بالخيار بَينَ فِدائه؛ لأِنَّه إذا فَدَى عبدَه بقيمته فقد أدَّى عِوَضَ المحلِّ الذي تَعلَّقت (٥) به الجنايةُ، أوْ بَيعِه في الجناية؛ لأِنَّه دَفَعَ المحلَّ الذي تعلَّقتْ به الجناية (٦). والمذهب (٧): أنَّه يَلزَمُه في الفداء الأقلُّ مِنْ قيمته أوْ أرْشِ جنايته؛ لأِنَّه إذا فَدَاه بقيمته أدَّى قَدْرَ الواجب؛ لأِنَّ حقَّ المجنيِّ عليه لا يتعلَّق بغَيرِ رقبةِ الجاني، وإذا فَدَاهُ بأرش (٨) جنايته فهو الذي وجَبَ للمَجْنِيِّ عليه، فلم يَملِكْ

стр. 5542

مُطالَبَتَه بأكثرَ منها (١). وعَلَيهِ: لو أعْتَقَه بعدَ عِلْمِه بالجناية؛ لَزِمَه جميعُ أرْشِها، بخلافِ ما إذا لم يَعلَمْ، نَقَلَه ابنُ منصورٍ (٢). وعنه: يَفدِيهِ، أوْ يُسلِّمه (٣) فيها. وعنه: يُخيَّرُ بينهن (٤). وعنه: فيما فيه القَوَدُ خاصَّةً، يَلزَمُه فداؤه بجميعِ قيمته. (وَعَنْهُ: إِنْ أَبَى تَسْلِيمَهُ؛ فَعَلَيْهِ فِدَاؤُهُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ كُلِّهِ)؛ لأِنَّه إذا عُرِضَ للبيع ربَّما رَغِب فيه راغِبٌ بأكثرَ من قيمته، فإذا أمْسَكَه فوَّت على المجنيِّ عليه (٥) ذلك. (وَإِنْ سَلَّمَهُ فَأَبَى (٦) وَلِيُّ الْجِنَايَةِ قَبُولَهُ، وَقَالَ: بِعْهُ أَنْتَ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ (٧) ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: لا يلزمه (٨)، قاله ابنُ هُبَيرةَ، وقاله أكثرُ العُلَماء؛ لأِنَّ حقَّ المجنيِّ عليه لا يتعلَّقُ بأكثرَ من الرَّقبة، وقد سلَّمَها، ويَبِيعُه الحاكِمُ إذَنْ، وله التَّصرُّفُ فيه بعِتْقٍ وغيره (٩)، وقِيلَ: بإذْنٍ.

стр. 5543

والثَّانيةُ: يَلزَمُه، صححها (١) في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ الجنايةَ تقتضي (٢) وجوبَ أرْشِها، وأرْشُها هو قيمةُ العبد. فرعٌ: إذا مات العبدُ الجاني، أوْ هَرَبَ قبلَ مُطالَبةِ سيِّده بتسليمه، أوْ بعدَه، ولم يَمنَعْ منه؛ فلا شَيءَ عليه. فلو جَنَى فَفَداهُ، ثمَّ جَنَى؛ فحُكمُها كالأُولى، ولا يَرجِعُ الثَّاني على الأوَّل بشيءٍ. ومَحلُّه: ما لم يكُنْ بإذْنِ سيِّده أوْ أمْرِه، فإنْ كان؛ فضَمانُها عليه بالِغةً ما بَلَغَتْ روايةً واحدةً. (وَإِنْ جَنَى عَمْدًا، فَعَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى رَقَبَتِهِ؛ فَهَلْ يَمْلِكَهُ (٣) بِغَيْرِ رِضَا السَّيِّدِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما عنه: لا يملكه (٤)؛ لأِنَّه إذا لم يَملِكْه بالجناية فَلَأَنْ لا (٥) يَملِكُه بالعَفْو أَوْلى، ولأِنَّه إذا عفا عن القصاص انتقل حقُّه إلى المال، فصار كالجناية المُوجِبَة للمال. والثَّانيةُ: يَملِكُه، قدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّه مَمْلوكٌ اسْتَحَقَّ إتْلافَه، فاسْتَحَقَّ إبقاءَه على ملْكِه؛ كعَبْدِه الجاني عليه. فعلى هذه: إنْ عَفَا عنه على رَقَبَتِه، وقِيمَتُه فَوقَ الأرْشِ، وقُلنا: يَجِبُ أحد (٦) شَيئَينِ؛ تعيَّنَ الأرْشُ، ولو قال (٧): عَفَوتُ عنه، وهو حرٌّ؛ عَتَقَ، ولا

стр. 5544

دِيَةَ، وإنْ قُلْنا: لا يَملِكُ؛ فلا قَوَدَ ولا دِيَةَ، وهو ملكُ سيِّده. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ و «الوسيلة» روايةً: يَملكه (١) بجناية عمدٍ، وله قتلُه ورِقُّه وعِتقُه، وينبني (٢) عليه: لو وَطِئَ الأَمَةَ، ونَقَلَ مُهَنَّى: لا شَيءَ عليه، وهي له وولدُها (٣). (وَإِنْ جَنَى عَلى اثْنَيْنِ خَطَأً؛ اشْتَرَكَا (٤) فِيهِ بِالْحِصَصِ)، نَصَّ عليه (٥)، سواءٌ جَنَى عليهم في وقتٍ أوْ أوقات؛ لأِنَّهم تَساوَوْا في سببٍ تعلَّق به الحقُّ، فتَساوَوْا في الاِسْتِحْقاق؛ كما لو جَنَى عليهم دفعةً واحدةً، بل لو قدَّم بعضَهم كان الأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ حقَّه أسْبَقُ. وقال ابنُ حَمْدانَ: يُقادُ بالكلِّ اكْتِفاءً؛ كما لو جَنَى عليهم معًا. ويَحتَمِلُ: أنْ يُقادَ بالأوَّل، أوْ يُؤخَذَ (٦) بالقُرعة مُطلَقًا، ويَدخُلُ بالقتل حقُّ مَنْ بَقِيَ؛ لفوت (٧) مَحلِّه إنْ عُلِّق بالعين. (فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، أَوْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَعَفَا بَعْضُ وَرَثَتِهِ (٨)؛ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْبَاقِينَ بِجَمِيعِ الْعَبْدِ أَوْ بِحِصَّتِهِمْ (٩) فِيهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: يتعلق بجميع (١٠) العبد، قدَّمه في «المحرَّر»، و «الرِّعاية»،

стр. 5545

و «الفروع»؛ لأِنَّ سببَ اسْتِحقاقِه مَوجُودٌ، وإنَّما امْتَنَعَ ذلك لِمزاحَمَةِ الآخَرِ، وقد زال المزاحِمُ، أشْبَهَ ما لو جَنَى على إنسانٍ فَفَداهُ سيِّدُه، ثُمَّ جَنَى عَلى آخَرَ. والثَّاني: يتعلَّق بحصَّتِهم منه لا غَيرُ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ تعلَّقَ بقِسْطٍ مِنْ رَقَبَته، فلا يتعلَّقُ بزِيادةٍ عليه (١)؛ كما لو (٢) لم يُوجَدْ عَفْوٌ أصْلاً. فرعٌ: قَتَل عبدانِ عبدًا عمدًا (٣)، فقَتَلَ الولي (٤) أحدَهما وعفا عن الآخَر؛ تعلَّق برقبته (٥) نصفُ الدِّيَة، وبَناهُ السَّامَرِّيُّ على قَتْلِ الجماعة بالواحد. (فَإِنْ (٦) جَرَحَ حُرًّا (٧) فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنَ الْجِرَاحَةِ وَلَا مَالَ لَهُ، وَقِيمَةُ الْعَبْدِ عُشْرُ دِيَتِهِ، فَاخْتَارَ السَّيِّدُ فِدَاءَهُ، وَقُلْنَا: يَفْدِيهِ (٨) بِقِيمَتِهِ؛ صَحَّ الْعَفْوُ فِي ثُلُثِهِ)؛ لأِنَّه ثُلُثُ ما مات (٩) عنه، ويَبقَى الثُّلُثانِ للوَرَثة. (وَإِنْ قُلْنَا: يَفْدِيهِ بِالدِّيَةِ؛ صَحَّ العَفْوُ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ سُدُسُهُ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ صَحَّ فِي شَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ)، فسقَطَ، (وَلَهُ بِزِيَادَةِ (١٠) الْفِدَاءِ تِسْعَةُ (١١) أَشْيَاءَ، بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ أَلْفٌ إِلاَّ عَشَرَةَ أَشْيَاءَ (١٢) تَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ، وَقَابِلْ)،

стр. 5546

تصيرُ ألْفًا تعدل (١) اثْنَيْ عَشَرَ شَيْئًا، فالشَّيءُ إذًا يَعدِلُ نصفَ سُدُس (٢) الدِّيَة، (يَخْرُجُ (٣) الشَّيْءُ نِصْفَ سُدُسِ الدِّيَةِ، وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ، فَيَعْدِلُ (٤) السُّدُسَ)؛ لأِنَّ الشَّيءَ إذا عَدَل نصفَ سُدُسٍ كان الشيء (٥) يَعدِلُ السُّدسَ ضرورةً، فعلى هذا: لو كان قيمةُ العبد ثُلثَ الدِّيَة؛ صحَّ العَفْوُ على القول بأنَّ الفِداءَ يكون بالدِّيَة في ثلاثةِ أخماسِه، ولو كان قيمةُ العبد الرُّبُعَ؛ صحَّ في ثلثه (٦)، ولو كانت قيمتُه الخُمسَ؛ صحَّ في خمسةِ أسْباعِه. وطريقُ الباب في هذه المسائلِ: أنْ تزيدَ قيمةَ العبد على نصفِ دِيَة المجنيِّ عليه، وتَنسُبَ قيمةَ العبد ممَّا بَلَغَا (٧) فما كان؛ فهو الذي (٨) يَفدِيهِ به (٩) سيِّدُه. تنبيهٌ: إذا قَتَلَ عبدٌ عَبدَينِ لآِخَرَ؛ فله قَتْلُه والعَفْو عنه، فإنْ قَتَلَه؛ سَقَطَ حقُّه، وإنْ عَفَا على مالٍ؛ تعلَّقَتْ قيمةُ العَبدَينِ بِرَقَبَتِه. وإنْ كانا لاِثْنَينِ فكذلك، إلاَّ أنَّ القاتِلَ يُقتَلُ بالأوَّل منهما، فإنْ عَفَا؛ قُتِل (١٠) للثَّاني. وإنْ قَتَلَهما معًا أُقرِعَ بَينَ العبدَينِ، فمَنْ وَقَعَتْ له القُرْعة؛ اقْتَصَّ وسَقَطَ حقُّ الآخَر، فإنْ عَفَا عن القصاص، وعلى سيِّد الأوَّل مالٌ؛ تعلَّق برقبة العبد،

стр. 5547

وللثَّاني القِصاصُ، فإنْ قَتَلَه سَقَطَ حقُّ الأوَّل من القيمة. وإنْ عَفَا الثَّاني تعلَّقتْ قيمةُ القتيل الثَّاني برَقَبَته، ويُباع فيهما، ويُقسَم (١) ثَمنُه (٢) على قدر القِيمتَينِ. لا يُقالُ: حقُّ الأوَّل أسْبَقُ فيُقدَّمُ؛ لأِنَّه لا يُراعَى، بدليلِ ما لو أُتلِفت (٣) أموالٌ لجماعةِ على التَّرتيب. ولو قَتَلَ عبدٌ عبدًا (٤) لاِثنَينِ؛ كان لهما القِصاصُ والعَفْوُ، فإنْ عفا أحدُهما؛ سَقَطَ القِصاصُ (٥).

стр. 5548

(بَابُ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا) المنافِعُ: واحدُه مَنفَعةٌ، وهي اسمُ مَصدَرٍ مِنْ نفعني (١) كذا نفعًا. وهي نَوعانِ: أحدهما (٢): الشِّجَاجُ، وهي في الرَّأس والوجْهِ. والثَّاني: في سائر البَدَن. وهو قِسْمانِ: أحدُهما: قَطْعُ عُضْوٍ. والآخَرُ: قَطْعُ لَحْمٍ. وذلك كلُّه مَضْمونٌ من الآدَمِيِّ، ويُضافُ إليه تَفْويتُ المنفعة؛ كالسَّمْع، والبَصَر، ونحوِهما. (وَمَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ؛ فَفِيهِ الدِّيَةُ)؛ أيْ: دِيَةُ نَفْسِه، نَصَّ عليه (٣)، (وَهُوَ الذَّكَرُ)، إجْماعًا (٤)؛ لِمَا رَوَى عمرو (٥) بنُ حَزْمٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وفي الذَّكر الدِّيَةُ، وفي الأنف إذا أُوعبَ (٦) جَدْعًا الدِّيَةُ، وفي اللِّسان الدِّيَةُ» رواه أحمدُ، والنَّسائيُّ ولَفظُه له، وقال: رَوَى يُونُسُ هذا الحديثَ عن الزُّهْرِيِّ مُرسَلاً (٧).

стр. 5549

وظاهِرُه: ولو من صغيرٍ، نَصَّ عليه (١)، وشَيخٍ فانٍ، ذَكَرَه جماعةٌ، وقيَّد ابنُ حَزْمٍ الإجماعَ بأنْ يَنتَشِرَ (٢)، وهذا إذا أبقى (٣) الأنثَيَينِ سالِمَتَينِ. أصلٌ: وفي حَشَفة الذَّكَر الدِّيَةُ، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ لأِنَّ منفعتَه تَكمُلُ بالحَشَفَة، كما تَكمُل مَنافِعُ اليَدِ بالأصابع، فلو قَطَعَها وبعض القَصَبة؛ لم تجب (٥) أكثرُ مِنْ دِيَةٍ، كما لو قَطَعَ الأصابِعَ وبعضَ الكفِّ. (وَالْأَنْفُ)، وظاهِرُه: ولو مع عِوَجِه، وصرَّح به في «التَّرغيب»، ويَجِبُ إذا قُطِعَ مع مارِنِه، وهو ما لانَ منه. (وَاللِّسَانُ النَّاطِقُ) السَّليمُ إذا اسْتُوعِبَ كلُّه خطأً (٦) من المسلم الحرِّ، إجماعًا (٧)، ذَكَرَه ابنُ حَزْمٍ (٨)، وذَكَرَ المؤلِّفُ أنَّهم أجْمَعُوا على وُجوبِ الدِّيَة فيه؛ لأِنَّه أعْظَمُ الأعضاء نَفْعًا، وأتمُّها جمالاً. وإنْ قَطع (٩) لسانَ كبيرٍ، وادَّعى أنَّه كان أخرسَ؛ فكما إذا اختلفا (١٠) في شلل (١١) العُضْو.

стр. 5550

(وَلِسَانُ الصَّبِيِّ الذِي يُحَرِّكُهُ بِالْبُكَاءِ)؛ لأِنَّ في إتْلافِه إذهابَ (١) منفعة الجنس، وإتْلافُها كإذهاب (٢) النَّفس في الكلِّ. وظاهِرُه: ولو لم يَبلُغْ حدَّ النُّطْق، فلو بلغه (٣) ولم يَتكلَّمْ؛ لم تَجِبْ فيه الدِّيَةُ؛ كلِسانِ الأخرس. وإن كَبِرَ فنَطَقَ ببعض الحروف؛ وَجَبَ فيه بقدْرِ ما ذهب من الحروف؛ لأِنَّا تبيَّنَّا أنَّه كان ناطقًا (٤). (وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ؛ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا)، نَصَّ عَلَيه (٥)؛ (كَالعَيْنَيْنِ (٦) إذا (٧) أذهَبَهُما من المسلم خطأً؛ لحديث عمْرِو بنِ حَزْمٍ، ويَستَوِي فيه (٨) الصَّغِيرَتانِ، والصَّحيحتانِ، وضدُّهما، فإنْ كان فيها (٩) بَياضٌ يَنقُصُ البَصَرَ؛ نَقَصَ من الدِّيَةِ بقدْرِه، وإلاَّ فلا. وعنه: تَجِبُ دِيةٌ كامِلةٌ، جَزَمَ به في «التَّرغيب»؛ كحَوْلاءَ وعَمْشَاء (١٠) مع ردِّ المعيب بهما. (وَالأْذُنَيْنِ)، وِفاقًا (١١)، قَضَى به عمرُ (١٢)،

стр. 5551

وعليٌّ (١)، وما رُوِيَ: «أنَّ أبا بكرٍ قَضَى في الأُذُن (٢) بخمسةَ عَشَرَ بعيرًا» رواه سعيدٌ؛ فمنقطع (٣)، وذَكَرَ ابنُ المنذر: أنَّه لا يَثبُتُ (٤). وفي «الوسيلة»: وأشرافهما (٥)، وهو جِلْدٌ بَينَ العِذار (٦) والبياض الذي حولَهما، نَصَّ عليه (٧). وفي «الواضح»: وأصدافِ (٨) الأذنَينِ. (وَالشَّفَتَينِ)؛ أي: إذا استُوعِبتا (٩)

стр. 5552

من المسلِمِ خطأ (١) إجماعًا (٢)، وفي إحداهما (٣) نصفها. (وَاللَّحْيَيْنِ)، وهما العَظْمانِ اللَّذانِ فيهما الأسنانُ؛ لأِنَّ فيهما نَفْعًا وجمالاً، ولَيسَ في البَدَنِ مثلهما (٤). (وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ)؛ أيْ: فيهما الدِّيَةُ، وفي أحدهما (٥) نصفُها بالإجماع (٦)، وفي قَطْعِ حَلَمَتَي الثَّدْيَينِ دِيَتُهما، نَصَّ عليه (٧)؛ لأِنَّه ذَهَبَ منهما (٨) ما يُذهِبُ المنفعةَ بذَهابِه؛ كحشفة (٩) الذَّكَرِ، وإنْ حَصَلَ مع قَطْعِهما جائفةٌ؛ وجَبَ فيها ثُلُثُ الدِّيَة مع ديتهما (١٠)، وإنْ ضَربَهُما فأشَلَّهُما؛ فالدِّيَةُ. (وَثَنْدُوَتَيِ الرَّجُلِ)، نَصَّ عليه (١١)، وهي مَغرز (١٢) الثَّدْي، والواحدةُ: ثندوة، بفتح الثَّاء بلا همزةٍ، وبضمِّها مع الهمز، وقال الجَوهريُّ: الثَّدْيُ للمرأة والرَّجلِ (١٣)، وهو (١٤) أصحُّ في اللُّغة، ومِنهم مَنْ أنْكَرَه، ولأِنَّه يَحصُل بهما الجَمالُ، وليس في البدن غيرُهما من جنسهما (١٥).

стр. 5553

(وَالْيَدَيْنِ)؛ أيْ: فِيهِما الدِّيَةُ، وفي أحدهما نصفُها؛ للأخبار، حتَّى يدِ مُرتَعِشٍ، ويَدِ أعْسمَ (١)، وهو عوج (٢) في الرُّصغ (٣). (وَالرِّجْلَيْنِ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، حتَّى قَدَمِ أعْرَجَ، وقال أبو بكرٍ: حكومة. مسألة: إذا كان له كفان على ذراع، أو يدان أو ذراعان على عضد، وتساويا في غير البطش؛ فحكومة، وفي البطش أيضًا؛ دية، وللزيادة حكومة، وفي أحدهما؛ نصف دية وحكومة، وفي إصبع إحداهما؛ خمسة أبعرة (٤). (وَالْأَلْيَتَيْنِ)، وهما ما علا وأشْرَفَ على الظَّهر وعن اسْتِواء الفَخِذَينِ، وإنْ لم يَصِلْ إلى العَظْم؛ الدِّيَةُ، ذَكرَه جماعةٌ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: فيهما الدِّيَةُ إذا قُطِعَتا حتَّى تصل (٥) إلى العَظْمِ (٦). (وَالْأُنْثَيَيْنِ)، ففيهما الدِّيَةُ؛ لخبرِ عمرو (٧) بنِ حَزْمٍ (٨)، وفي أحدهما نصفُها في قَولِ أكثرِهم. فرعٌ: إذا رَضَّ أُنثَيَيْهِ، أوْ أشَلَّهما؛ كَمُلَتْ دِيَتُهما؛ كما لو أَشَلَّ يَدَيهِ، أوْ ذَكَرَه.

стр. 5554

وإنْ قَطَعَ إحداهما، فذَهَبَ النَّسْلُ؛ لم يَجِبْ أكثرُ من نصفِ الدِّيَة. (وَإسْكَتَيِ الْمَرْأَةِ)، بكسر الهمزة وفتحها، وهما شُفْراها، وقال أهلُ اللُّغة: الشُّفْرانِ حاشيتا (١) الإسْكَتَينِ، وفيهما الدِّيَةُ؛ لأِنَّ فيهما منفعةً وجمالاً، وليس في البدن غيرهما من جنسهما (٢). وإنْ أشَلَّهما؛ ففيهما الدِّيَةُ؛ كما لو جَنَى على شَفَته فأشلَّها (٣). ولا فَرْقَ بَينَ الرَّتْقاء وغَيرِها. وفي عانة (٤) الرَّجُل والمرأةِ حكومةٌ. (وَعَنْهُ: فِي الشَّفَةِ السُّفْلَى ثُلُثَا (٥) الدِّيَةِ، وَفِي الْعُلْيَا ثُلُثُهَا)، رُوِيَ عن زَيدٍ (٦)؛ لأِنَّ نَفْعَ السُّفْلَى أعظمُ؛ لأِنَّها هي التي تدورُ وتتحرَّك وتَحفَظُ الرِّيقَ والطَّعامَ. والأول (٧) أصحُّ، وقَولُ زَيدٍ مُعارَضٌ بقَولِ أبي بكرٍ (٨) وعليٍّ (٩). (وَفِي الْمَنْخِرَيْنِ: ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الحَاجِزِ (١٠) ثُلُثُهَا) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ

стр. 5555

المارِنَ يَشمَلُ ثلاثةَ أشْياءَ: مَنخرانِ وحاجِزٌ، فَوَجَبَ تَوزيعُ الدِّيَة على عددها؛ كسائر ما فيه عددٌ من الأصابع. (وَعَنْهُ: فِي الْمَنْخِرَينِ الدِّيَةُ، وَفِي الحَاجِزِ (١) حُكُومَةٌ)، حكاها أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ المنخرَينِ لَيسَ في البدن لهما ثالِثٌ، ولأِنَّه بقَطْعِهما يَذهَبُ الجَمالُ كلُّه والمنفعةُ، أشْبَهَ قطع (٢) اليدَينِ. والأوَّلُ أظْهَرُ، وقدَّمه (٣) الأكثرُ، فلو (٤) قُطِعَ أحدُ المَنخرَينِ ونصفُ الحاجز (٥)؛ وَجَبَ نصفُ الدِّيَة، وإنْ شقَّ الحاجِزَ بَينَهما؛ ففيه حُكومةٌ، وإنْ بَقِيَ مُنفَرِجًا؛ فالحكومةُ فيه أكثرُ. (وَفِي الْأَجْفَانِ الْأَرْبَعَةِ: الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ (٦) رُبُعُهَا)، وعليه الأئمَّةُ؛ لأِنَّها أعضاء (٧) فيها جمالٌ ظاهِرٌ ونَفْعٌ كامِلٌ، فإنَّها تُكِنُّ العَينَ، وتَحفَظُها من الحرِّ والبَرْد، ولولاها لَقَبُح مَنظَرُها. ويَجِبُ (٨) في أشْفارِ عين (٩) الأعمى وهي الأَجْفانُ؛ لأِنَّ ذَهابَ البَصَرِ عَيبٌ في غَيرِ الأجْفانِ. (وَفِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ: الدِّيَةُ)، إذا كانَتْ سليمةً، (وَفِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ: الدِّيَةُ)؛ لِمَا رَوَى التِّرْمذِيُّ، وصحَّحه عن ابن عبَّاسٍ مَرفوعًا: «دِيَةُ أَصَابِعِ

стр. 5556

اليَدَينِ والرِّجْلَينِ عَشْرٌ من الإبل لكلِّ إصبعٍ»، وفي البخاريِّ عنه مرفوعًا، قال: «هذه وهذه سواءٌ»؛ يَعْنِي: الخِنْصرَ والإبهامَ (١). (وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ: عُشْرُهَا)، وفيه خلافٌ شاذٌّ. (وَفِي كُلِّ (٢) أَنْمَلَةٍ: ثُلُثُ عَقْلِهَا)؛ لأِنَّ دِيَةَ الأصبع تُقسَمُ عليها؛ كما قُسمت (٣) دِيَةُ اليَدِ على الأصابع بالسَّوِيَّة، (إِلاَّ الْإِبْهَامَ، فَإِنَّهَا مَفْصِلَانِ، فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ عَقْلِهَا)؛ أيْ: نصفُ عُشر (٤) الدِّيَةِ. (وَفِي الظُّفْرِ: خُمُسُ دِيَةِ الْإِصْبَعِ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لقول زَيدٍ (٦)، ورواه (٧) ابنُ عبَّاسٍ (٨)، ومَعْناهُ: إذا قَلَعَه ولم يَعُدْ، وفي (٩) «الرِّعاية»: وكذا إنِ اسْوَدَّ ودامَ. والتقديرات يُرجَعُ فيها إلى التَّوقِيفِ، فإنْ لم يكُنْ فيها تَوقِيفٌ؛ فالقِياسُ أنَّ فيه حكومةً؛ كسائرِ الجِراح التي لَيس فيها مُقدَّرٌ.

стр. 5557

وفي «الكافي»: أن ما (١) لا تَوقِيفَ فيه (٢) من سائرِ الجراح؛ تَجِبُ فيه الحُكومةُ. (وَفِي كُلِّ سِنٍّ (٣) قُلِعَ بِسِنْخِها (٤)، أو الظَّاهِرُ فقطْ: (خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ)، رُوِيَ عن عمرَ (٥)، وابنِ عبَّاسٍ (٦)، ولخبرِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، وعَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، وهي (٧) اثْنا عَشَرَ سنًّا: أرْبَعٌ ثَنَايَا، وأربعٌ (٨) رَبَاعِيَّاتٌ، وأربعةٌ أنْيابٌ، قالَهُ ابنُ حَزْمٍ (٩) وغَيرُه، وفَوق: ضاحِكانِ، وناجِذانِ، وسِتُّ طَواحِينَ، وأسْفَلُ مثلُها (١٠)، فعلى هذا: يَجِبُ في جميعها مائةٌ وسِتُّونَ بعيرًا؛ لأِنَّها اثْنانِ وثلاثُونَ، فإنْ كانَتْ إحْدَى ثنيَّتِه (١١) قصيرةً؛ نُقِصَ مِنْ دِيَتها بقَدْرِ نَقْصِها، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغَيرِه. وشَرْطُه: (إِذَا قُلِعَتْ مِمَّنْ قَدْ (١٢) ثُغِرَ)، بضمِّ الثَّاء؛ أي: إذا سَقَطَتْ رواضِعُه، يُقالُ: ثُغِرَ وأثْغَرَ، يُحتَرزُ بذلك من الصَّغير الذي لم يُثغِرْ، فإنَّه لا

стр. 5558

يَجِبُ بقَلْعِها شَيءٌ في الحال، بغَيرِ خلافٍ نَعلَمُه (١)؛ لأِنَّ العادةَ عَودُ سنِّه، فيُنتَظَرُ، فإنْ مَضَتْ مدَّةٌ يُيأَسُ مِنْ عَودِها؛ وَجَبَتْ دِيَتُها، قال أحمدُ: يُتوقَّفُ سَنَةً (٢)؛ لأِنَّه غالِبٌ في نَباتِها. (وَالْأَضْرَاسُ، وَالْأَنْيَابُ؛ كَالْأَسْنَانِ)، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (٣)، ومُعاوِيَةَ (٤)، والأكثرِ؛ لِمَا رَوَى أبو داودَ عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا قال: «الأسنانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ والضرس (٥) سواءٌ» (٦)، وهذا نَصٌّ، ولأِنَّ كلَّ دِيَةٍ وجَبَتْ في جملةٍ كانَتْ مَقْسومةً على العدد دُونَ المنافِعِ؛ كالأصابع والأجْفان. وعَنْهُ: إنْ لم يكُنْ ثُغِرَ فحُكومةٌ، اختارَه القاضي، وقال: إذا سَقَطَتْ أخَواتُها ولم تَعُدْ؛ أُخِذَتْ دِيَتُها؛ لأِنَّ الغالِبَ أنَّها لا تَعُودُ بَعْدَ ذلك. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَجِبَ فِي جَمِيعِهَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)، هذا روايةٌ، حكاهُ في «المغْنِي» و «الفُروعِ»؛ لأِنَّ في كلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَينِ؛ لقَولِ سعيدِ بنِ المسيِّبِ، رواه مالِكٌ (٧)،

стр. 5559

وعن (١) عَطاءٍ نَحوُه، وللإجماع (٢) أنَّ في كلِّ سنٍّ خمسًا (٣)؛ لأِنَّها مَنفَعةُ جِنْسٍ، فلم تَزِدْ دِيتها على الدِّيَة؛ كسائرِ منفعةِ الجنس. وفي «المحرَّر»: وقِيلَ: إنْ قُلِعَ الكلُّ، أوْ فَوق العشرين دَفْعةً؛ لم يَجِبْ سِوَى الدِّيَة. وقال أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: إنْ قَلَعَ أسنانَه دَفْعةً واحدةً؛ فالدِّيَةُ. فرعٌ: إذا قَلَعَ سِنًّا مُضطَرِبَةً؛ لِكِبَرٍ أوْ مَرَضٍ، وكانَتْ مَنافِعُها أوْ بَعضُها باقيةً؛ وَجَبَتْ دِيَتُها، وإنْ ذَهَبَتْ مَنافِعُها؛ فهي كيَدٍ شَلاَّءَ. وإنْ قَلَعَ سِنًّا فيها داء (٤)، أوْ آكِلَةٌ، فإن (٥) لم يَذهَبْ شَيءٌ مِنْ أجزائها؛ ففيها دِيَةُ سِنٍّ صحيحٍ، وإنْ ذَهَبَ سَقَطَ مِنْ دِيَتِها بقدر (٦) الذَّاهِب، وَوَجَبَ للباقي (٧). (وَتَجِبُ دِيَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فِي قَطْعِهِمَا (٨) مِنَ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ)؛ لأِنَّ اليَدَ في الشَّرع محمولةٌ على ذلك، بدليلِ قَطْعِ السَّارِق، والمسح (٩) في التَّيمُّم، والكعب بمنزلةِ الكُوعِ؛ بدليلِ ما لو سَرَقَ ثانيًا؛ قُطِعَتْ رِجْلُه مِنْ كَعْبِها. (وَإِنْ (١٠) قَطَعَهُمَا مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ؛ لَمْ يَزِدْ عَلَى الدِّيَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)،

стр. 5560

ونَصَّ عليه في روايةِ أبي طالِبٍ (١)، وقالَه قَتادةُ، وعَطاءٌ، وهو المنصورُ عِنْدَ معظم (٢) أصْحابِنا؛ لأِنَّ اليَدَ اسْمٌ للجميع (٣)، للمَنكِب (٤)؛ لأنَّه (٥) لِمَّا نَزَلَتْ آيةُ التَّيمُّم؛ مَسَحَ الصَّحابةُ إلى المناكِب. لا يُقالُ: يَجِبُ أنْ لا يَجِبَ بقَطْعهما مِنْ فَوقِ الكُوع والكعب الدِّيَةُ؛ لأِنَّه لا يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ الدِّيَة في شَيءٍ عدمُ وجوبها فيما دُونَه، بدليلِ: أنَّ الدِّيَة تَجِبُ في اليدَينِ من الكُوع، ويجب في (٦) قَطْعِ الأصابع دُونَ الكفِّ. (وَقَالَ الْقَاضِي: فِي الزَّائِدِ حُكُومَةٌ)؛ لأِنَّ المنفعةَ المقصودةَ في اليد من البطش والأخْذ والدفع (٧) بالكفِّ، وما زاد تابِعٌ له، والدِّيَةُ تجب (٨) في قَطْعِها من الكُوعِ والكَعْب، فيَجِبُ في الزَّائد حكومة (٩)، ولأِنَّ اسمَ اليَدِ والرِّجْل إلى الكُوعِ والكَعْب. وعلى الأوَّل: لو قَطَعَ من الكُوع، ثُمَّ قَطَعَها مِنْ فَوقِ ذلك؛ ففيه (١٠) حكومةٌ؛ لأِنَّها وجَبَتْ عليه الدِّيَةُ بالقَطع الأوَّل؛ كما لو قَطَعَ الأصابعَ، ثُمَّ قَطَعَ الكفَّ.

стр. 5561

فرعٌ: إذا كان له كَفَّانِ على ذِراعٍ، أوْ يَدَانِ وذِراعانِ على عَضُدٍ، وإحداهما (١) باطِشَةٌ أوْ أكثرَ بَطْشًا، أوْ في سَمْتِ الذِّراع والأخرى مُنحرِفةٌ أوْ تامة (٢)، والأخرى ناقِصةٌ؛ فالأُولَى هي الأصليَّةُ، ففيها دِيَتُها، والقصاصُ بقَطْعها عَمْدًا، وفي الأخرى حكومةٌ؛ لأِنَّها زائدةٌ، سواءٌ قطَعَها مُنفرِدةً أوْ مع الأصليَّة. وقال ابنُ حامِدٍ: لا شيءَ فيها؛ لأِنَّها عَيبٌ. فلو اسْتَوَيَا، وكانا غَيرَ باطِشَينِ؛ ففيهما ثُلُثُ دِيَةِ اليد، أو حكومةٌ. وإنْ كانا باطِشَينِ (٣)؛ ففيهما دِيَةُ اليد، وهل تَجِبُ الحُكومةُ؟ فيه وجْهانِ. (وَفِي مَارِنِ الْأَنْفِ)، وهو ما لَانَ منه (٤)، (وَحَشَفَةِ الذَّكَرِ، وَحَلَمَتَيِ الثَّدْيَيْنِ، وَكَسْرِ ظَاهِرِ السِّنِّ (٥): دِيَةُ الْعُضْوِ كَامِلَةً)؛ لأِنَّ قَطْعَ المارِن يُذهِبُ الجَمالَ، أشْبَهَ الأنفَ كلَّه، وحَشَفَةِ الذَّكَر؛ لأِنَّ مَنفَعَتَه كمنفعةِ اليَدِ بالأصابع، وحلمتي (٦) الثَّدْيَينِ؛ لأِنَّه ذَهَبَ من الثَّدْيَينِ ما تذهب (٧) المنفعةُ بذَهابه، فَوَجَبَ دِيَةٌ كامِلةٌ، وفي كَسْرِ ظاهِر السِّنِّ دِيَتُه، وهو ما ظَهَرَ من اللِّثَةِ؛ لأِنَّ ذلك هو المسمَّى سِنًّا، فيَدخُلُ في عُمومِ النَّصِّ، وما في اللِّثَةِ يُسَمَّى سِنْخًا (٨)، فإذا كَسَرَ السِّنَّ، ثُمَّ قَلَعَ هو أو غيره (٩) السِّنْخَ؛ ففي السِّنِّ دِيَتُها، وفي السِّنْخ

стр. 5562

حكومةٌ، والدِّيَةُ في قَدْرِ الظَّاهِرِ عادةً. وإن اخْتَلَفا في قَدْرِ الظَّاهِر؛ اعتُبِر بأخواتها، فإنْ لم يكُن، ولم يُمكِنْ أنْ يَعرِفَ ذلك أهلُ الخِبْرةِ؛ قُبِلَ قَولُ الجاني. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَلْزَمَ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْأَنْفَ جَدْعًا: دِيَةٌ، وَحُكُومَةٌ فِي القَصَبَةِ (١)؛ لِمَا رَوَى طاوُسٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «في الأَنْف إذا أُوعِبَ جَدْعًا: الدِّيَةُ» رواه الشَّافِعيُّ (٢)، والحُكومةُ في القَصَبَة؛ لما (٣) مرَّ في قطع اليد (٤) مِنْ فَوقِ الكُوعِ. فإنْ قَطَعَ الأنْفَ وما تَحتَه من اللَّحم؛ ففي اللَّحم حُكومةٌ؛ لأِنَّه لَيسَ من الأنف، أشْبَهَ ما لو قَطَعَ الذَّكَرَ واللَّحم الذي تَحتَه. (وَفِي قَطْعِ بَعْضِ الْمَارِنِ، وَالْأُذُنِ، وَالْحَلَمَةِ، وَاللِّسَانِ (٥)، وَالشَّفَةِ، وَالْحَشَفَةِ، وَالأُنْمَلَةِ، وَالسِّنِّ، وَشَقِّ الْحَشَفَةِ طُولاً: بِالحِسَابِ (٦) مِنْ دِيَتِهِ يُقَدَّرُ (٧) بِالْأَجْزَاءِ)؛ كالثُّلث والرُّبع، ثُمَّ يُؤخَذُ مِثْلُه من الدِّيَة؛ لأِنَّ ما وَجَبَتِ الدِّيَةُ في جميعه وجَبَتْ في بعضه، وكما تُقسَّط (٨) دِيَةُ اليد على الأصابِع.

стр. 5563

وفي «التَّرغيب» روايةٌ: تجب (١) ثلثُ دِيَةٍ؛ كشحمة (٢) أُذُنٍ. وفي «الواضح»: فيما بَقِيَ مِنْ أُذنٍ بلا نفعٍ (٣) الدِّيَةُ، وإلاَّ حُكومةٌ. (وَفِي شَلَلِ الْعُضْوِ، أَوْ إِذْهَابِ (٤) نَفْعِهِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى الشَّفَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَنْطَبِقَانِ (٥) عَلَى الأَسْنَانِ (٦): الدِّيَةُ)؛ لأِنَّه عَطَّلَ نَفعَهما، أشْبَهَ ما لو أشلَّ (٧) يَدَهُ، أوْ لسانَه، أوْ شَفَتَه وسائرَ الأعضاء، إلاَّ الأذُنَ والأنفَ، قال في «المغْنِي»، و «الشَّرح»: وكذا إذا اسْتَرْخَيَا فصارا لا يَنفَصِلانِ عن الأسنان؛ لأِنَّه عَطَّلَ جمالَها. وفي «التَّبصرة»، و «التَّرغيب»: في التَّقلُّص حُكومةٌ. (وَتَسْوِيدُ السِّنِّ وَالظُّفْرِ بِحَيْثُ لَا يَزُولُ) عنه: (دِيَتُهُ)، روي عن (٨) زَيدِ بنِ ثابِتٍ (٩)، وقالَهُ ابنُ سِيرِينَ، وابنُ المسيِّب، والحَسَن، وهو ظاهِرُ الخِرَقيِّ. (وَعَنْهُ: فِي تَسْوِيدِ السِّنِّ ثُلُثُ دِيَتِهَا (١٠)، وهو قَولُ بعض الصَّحابة (١١)؛

стр. 5564

لأِنَّ التَّقديرَ لا يَثبُتُ إلاَّ بالتَّوقيف، وكتسويد (١) أنْفِه مع بقاء نَفْعِه، قاله في «الواضح». (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِيهَا (٢) حُكُومَةٌ (٣)، وهو روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّه لم يُذْهِبْها بمَنفَعَتِها، فلم تَكمُلْ دِيَتُها؛ كما لو احمرَّت، أو اصفرَّت، أوْ كلَّت. وعَنْهُ: إنْ ذَهَبَتْ مَنفَعَتُها من المضْغِ عليها؛ ففيها دِيَتُها، وإلاَّ فحكومةٌ، قاله القاضي. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّه قَولُ زَيدٍ، ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ من الصَّحابة، فكان كالإجماع، ولأِنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمال، فكمُلَتْ دِيَتُها، كما لو قَطَعَ أُذنَ الأصمِّ. فرعٌ: إذا جَنَى على سِنِّهِ فاخْضَرَّتْ؛ فعنه: كتسويدِها، جَزَمَ به في «المنتخب»، وعَنْهُ: حُكومةٌ، قال في «الفروع»: وهي أشهر (٤)، وذكرهما (٥) في «الشَّرح» احْتِمالَينِ. (وَفِي الْعُضْوِ الْأَشَلِّ مِنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالثَّدْيِ، وَلِسَانِ الْأَخْرَسِ، وَالْعَيْنِ الْقَائِمَةِ) في (٦) مَوضِعِها صحيحةً غَيرَ أنَّه ذهب (٧) نَظَرُها، (وَشَحْمَةِ الْأُذُنِ، وَذَكَرِ الخَصِيِّ (٨)، وَالْعِنِّينِ، وَالسِّنِّ السَّوْدَاءِ، وَالثَّدْيِ دُونَ

стр. 5565

حَلَمَتِهِ، وَالذَّكَرِ دُونَ حَشَفَتِهِ، وَقَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَالْيَدِ وَالْأَصْبُعِ الزَّائِدَتَيْنِ: حُكُومَةٌ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه لا يُمكِنُ إيجابُ دِيَةٍ كامِلةٍ؛ لكَونها قد ذَهَبَتْ مَنفَعَتُها، ولا مُقدَّرَ فيها، فتَجِبُ الحُكومةُ. (وَعَنْهُ: ثُلُثُ دِيَتِهِ)؛ لِمَا رَوَى النسائي ورجالُه ثِقاتٌ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: «قَضَى رسولُ الله ﷺ في العَينِ العَوراء السَّادَّةِ لمكانها بثُلُثِ الدِّيَةِ، وفي اليد الشَّلاَّء إذا قُطِعَتْ بثُلثِ دِيَتِها، وفي السِّنِّ السَّوداء إذا قُلِعَتْ بثُلُثِ دِيَتِها»، وعن عمرَ مَعْنَى ذلك، رواه سعيدٌ (١). وحُكمُ الرِّجْل الشَّلاَّءِ كاليَدِ الشَّلاَّء، رجَّحه المؤلِّفُ، وقال: قَولُهم لا يُمكِنُ إيجابُ مُقدَّرٍ؛ مَمْنوعٌ، فإنَّا قد ذَكَرْنا التقدير (٢) وبينَّاه (٣). فأمَّا اليَدُ، والرِّجْلُ، والإصْبَعُ، والسِّنُّ الزَّوائدُ؛ فَفِيها حكومةٌ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على العُضْوِ الذي ذَهَبَتْ مَنفَعتُه وبَقِيَ جمالُه؛ لأِنَّ هذه الزَّوائدَ لا جَمالَ فيها، إنَّما هي شَينٌ في الخِلْقة، وعَيبٌ يُرَدُّ به المبيعُ، وتَنقُصُ به القِيمةُ. وقِيلَ: لا يَجِبُ فيها شَيءٌ، قال (٤) القاضي: هو في مَعْنَى اليَدِ الشَّلاَّءِ، فيُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ. وكذا كلُّ عُضْوٍ ذَهَبَتْ مَنفَعَتُه وبَقِيَتْ صُورَتُهُ، والكفُّ الذي لا أصابِعَ عليه، وساقٌ لا قَدَمَ فيه، وذِراعٌ لا كفَّ عليه، وذَكَرٌ لا حَشَفَةَ له (٥).

стр. 5566

(وَعَنْهُ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ: كَمَالُ دِيَتِهِ)، ذهب (١) الأكثرُ إلى وُجوبِ الدِّيَة في ذَكَرِ العِنِّينِ؛ لخبرِ عمرِو بن حَزْمٍ: «وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» (٢)، ولأنَّه (٣) غَيرُ مَأْيُوسٍ من جِماعِه، وهو عُضْوٌ سليمٌ في نفسه، أشْبَهَ ذَكَرَ الشَّيخ. وعنه: لا تَكمُلُ دِيَتُه؛ لأِنَّ مَنفَعتَه الإنزالُ والإحْبالُ بالجماع، وقد عُدِمَ ذلك منه في حالِ الكمال، أشْبَهَ الأشلَّ، وبهذا فارق ذَكَر (٤) الشَّيخ. وأمَّا ذَكَرُ الخَصِيِّ؛ فعنه (٥): دِيَةٌ كامِلةٌ؛ لظاهِرِ الخبر (٦)، ولأِنَّ مَنفَعَتَه - وهي الجِماعُ - باقِيَةٌ فيه (٧). وعَنْهُ: لا؛ لأِنَّ المقصودَ منه تحصيلُ النَّسل، ولا يُوجَدُ ذلك منه، فلم تَكمُلْ دِيَتُه. وعنه: تَكميلُها (٨) كذَكَر (٩) العِنِّين دُونَ الخَصِيِّ، وخرَّج منه في «الانتصار» في لسانِ أخْرَسَ. وقدَّم في «الرَّوضة»: في ذَكَرِ الخَصِيِّ إنْ لم يُجامَعْ بمِثْلِه فثُلُثُ دِيَةٍ، وإلاَّ دِيَةٌ، قال: في عَينٍ قائمةٍ نصفُ (١٠) دِيَةٍ. فرعٌ: إذا نَبَتَتْ (١١) أسْنانُ صبيٍّ سَوداءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عادَتْ سَوداءَ؛ فِدِيَتُها

стр. 5567

تامَّةٌ؛ كمَنْ خُلِقَ أسْوَدَ الوجه والجِسْم جميعًا. وإنْ نَبَتَتْ أوَّلاً بَيضاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عادَتْ سَوداءَ؛ فإنْ قال أهلُ الخِبْرةِ: لَيسَ السَّوادُ لِمَرضٍ ولا عِلَّةٍ؛ ففيها كمالُ دِيَتِها، وإلاَّ فثُلُثُ دِيَةٍ أو حُكومةٌ. (فَلَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا)؛ أيْ: دَفْعةً واحِدةً، (أَوِ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لَزِمَهُ دِيَتَانِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحد (١) منهما لو انفرد (٢) لَوَجَبَ في قَطْعِه الدِّيَةُ، فكذا إذا (٣) اجْتَمَعَ. (وَلَوْ قَطَعَ (٤) الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ؛ وَجَبَتْ (٥) دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ)؛ لأِنَّ قَطْعَهُمَا لم يُصادِفْ ما يُوجِبُ نَقْصَهما عن دِيَتِهما، (وَفِي الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر»: (إِحْدَاهُمَا: دِيَةٌ)؛ لقوله ﵇: «وفي الذَّكَر الدِّيَةُ» (٦). (وَالأُخْرَى (٧) وهي أشْهَرُ: (حُكُومَةٌ، أَوْ ثُلُثُ دِيَتِهِ)؛ لأِنَّه ذَكَرُ خَصِيٍّ. فرعٌ: إذا قُطِع نصفُ الذَّكَر طُولاً، فقال أصحابُنا: يَجبُ نصفُ الدِّيَة. ونَصَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنْ تَجِبَ الدِّيَةُ كامِلةً؛ لأِنَّه ذَهَبَ مَنفعةُ الجِماع به، أشْبَهَ ما لو أشَلَّه. وإنْ قَطَعَ منه قِطْعةً فما دُونَ الحَشَفة، وخَرَجَ البَولُ على عادته؛ وَجَبَ بقَدْرِ القطعة من جميعِ الذَّكَرِ من الدِّيَةِ.

стр. 5568

وإنْ خَرَجَ مِنْ مَوضِعِ القَطْعِ؛ وَجَبَ الأكثرُ من الدِّيَة أوِ الحكومةُ. (وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا (١): فَفِيهِ حُكُومَةٌ)؛ لأِنَّ نَفْعَ الأنف والأُذن باقٍ مع الشَّلَل، بخِلافِ اليد والرجل (٢)، فإنَّ نَفْعَهما (٣) قد زال، وإنَّما قُلْنا بِبَقاءِ نَفْعِ الأُذن؛ كَونَها تَجمَعُ الصَّوتَ وتَمنَعُ دُخولَ الهواء في الصِّماخ، وهذا باقٍ مع الشَّلَل. وكذلك الأنفُ، فنَفْعُه جَمْعُ الرَّائحة ومَنْعُ وُصولِ شَيءٍ إلى دماغه. قال المؤلِّفُ: أوْ تَغيير (٤) لونِهما (٥). وقِيلَ: الدِّيَةُ؛ كشَلَلِ يَدٍ ومَثانَةٍ ونَحوِهما. (وَفِي قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا: كَمَالُ دِيَتِهِ)؛ لأِنَّه قَطَعَ أُذنًا فيها جَمالُها ونَفْعُها كالصَّحيحة، وكما لو قَلَعَ عَينًا عمياء (٦) أوْ حَوْلاءَ. فرعٌ: إذا قَطَعَ الأنفَ إلاَّ جِلْدةً بَقِيَ مُعلَّقًا بها، فلم يَلتَحِمْ، واحْتِيجَ إلى قَطْعِ الجِلْدة؛ ففيه دِيته (٧)، وإنْ ردَّه فالْتَحَمَ؛ فحُكومةٌ، وإن (٨) أبانه، فردَّه فالْتَحَم؛ فقال أبو بكرٍ: فيه حُكومةٌ، وقال القاضي: فيه دِيته (٩)؛ كما لو لم يَلتَحِمْ. (وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَنْفِ الْأَخْشَمِ)؛ لأِنَّه لا عَيبَ فيه، وإنَّما العَيبُ في

стр. 5569

غَيرِه، (وَالْمَخْرُومِ)؛ لأِنَّ أنفه (١) كامِلٌ غَيرَ أنَّه مَعِيبٌ؛ كالعُضْو المريضِ، (وَأُذُنَيِ الْأَصَمِّ)؛ لأِنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ في غَيرِ الأذن. وفي «الرِّعاية» و «المحرَّر»: إذا قُلْنا: يُؤخَذُ به السَّالِمُ من ذلك في العَمْدِ، وإلاَّ ففيه حُكومةٌ. (وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ، فَذَهَبَ شَمُّهُ)؛ لَزِمَه دِيَتانِ؛ لأِنَّ الشَّمَّ مِنْ غَيرِ الأنف، فلا تدخل (٢) دِيَةُ أَحَدِهما في الآخَرِ. (أَوْ أُذُنَيْهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ؛ وَجَبَتْ دِيَتَانِ)؛ لأِنَّ السَّمْعَ من غَيرِ الأُذن، فهو كالبصر مع الأجْفان، والنُّطقِ مع الشَّفَتَينِ، فلو ذَهَبَ شمُّ أحدِهما (٣)؛ فنصفُ الدِّيَة، وفي بعضه (٤) حُكومةٌ. (وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ)؛ كالعَينَينِ، ونحوِهما، (إِذَا (٥) أَذْهَبَهَا (٦) بِمَنَافِعِهَا؛ لَمْ تَجِبْ (٧) إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لأِنَّ نَفْعَها فيها (٨)، وهو تابِعٌ لها يذهب (٩) بذَهابِه، فَوَجَبَتْ دِيَةُ العُضْو دُونَ المنفعةِ؛ كما لو قَتَلَهُ لم تجب (١٠) إلاَّ دِيَتُه.

стр. 5570

(فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ) لَمَّا تمَّمَ الكلامَ على دِياتِ الأعضاء؛ كالعَينَينِ ونحوِهما، شَرَعَ يَتكلَّمُ في دِيَةِ المنافع، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ ونحوُهما. (وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ: دِيَةٌ كَامِلَةٌ)، كذا عِبارَةُ الأصحاب، يقال: حسَّ وأحسَّ؛ أيْ: عَلِمَ وأيْقَنَ، وبألفٍ أفْصَحُ، وبها جاء القرآنُ، وإنَّما يَصِحُّ قَولُهم: الحاسَّةُ، والحَواسُّ الخَمْسُ على اللُّغةِ القليلة، والأشهر (١) في حسَّ بلا ألفٍ بمَعْنَى قتل (٢). وقال الجَوهَريُّ في الحواس (٣): المشاعِرُ الخَمْسُ: السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، واللَّمْسُ (٤). (وَهِيَ (٥) السَّمْعُ)، بغَيرِ خِلافٍ (٦)، وسَنَدُه قَولُه ﷺ : «وفي السَّمْع الدِّيَةُ» (٧)، ورُوِيَ: «أنَّ عمرَ قَضَى في رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بحَجَرٍ في رأسه، فذَهَبَ سَمْعُه، وعَقْلُه، ولِسانُه، ونكاحُه، بأرْبَعِ دِياتٍ، والرَّجُلُ حَيٌّ» رواه أبو المهلب (٨)، ولأِنَّها حاسَّة تَختَصُّ بنَفْعٍ، فكان فيها الدِّيَةُ كالبصر.
следующие страницы →