← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

(وَعَنْهُ: فِي ذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالْعِنِّينِ: كَمَالُ دِيَتِهِ)، ذهب (١) الأكثرُ إلى وُجوبِ الدِّيَة في ذَكَرِ العِنِّينِ؛ لخبرِ عمرِو بن حَزْمٍ: «وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ» (٢)، ولأنَّه (٣) غَيرُ مَأْيُوسٍ من جِماعِه، وهو عُضْوٌ سليمٌ في نفسه، أشْبَهَ ذَكَرَ الشَّيخ. وعنه: لا تَكمُلُ دِيَتُه؛ لأِنَّ مَنفَعتَه الإنزالُ والإحْبالُ بالجماع، وقد عُدِمَ ذلك منه في حالِ الكمال، أشْبَهَ الأشلَّ، وبهذا فارق ذَكَر (٤) الشَّيخ. وأمَّا ذَكَرُ الخَصِيِّ؛ فعنه (٥): دِيَةٌ كامِلةٌ؛ لظاهِرِ الخبر (٦)، ولأِنَّ مَنفَعَتَه - وهي الجِماعُ - باقِيَةٌ فيه (٧). وعَنْهُ: لا؛ لأِنَّ المقصودَ منه تحصيلُ النَّسل، ولا يُوجَدُ ذلك منه، فلم تَكمُلْ دِيَتُه. وعنه: تَكميلُها (٨) كذَكَر (٩) العِنِّين دُونَ الخَصِيِّ، وخرَّج منه في «الانتصار» في لسانِ أخْرَسَ. وقدَّم في «الرَّوضة»: في ذَكَرِ الخَصِيِّ إنْ لم يُجامَعْ بمِثْلِه فثُلُثُ دِيَةٍ، وإلاَّ دِيَةٌ، قال: في عَينٍ قائمةٍ نصفُ (١٠) دِيَةٍ. فرعٌ: إذا نَبَتَتْ (١١) أسْنانُ صبيٍّ سَوداءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عادَتْ سَوداءَ؛ فِدِيَتُها

стр. 5567

تامَّةٌ؛ كمَنْ خُلِقَ أسْوَدَ الوجه والجِسْم جميعًا. وإنْ نَبَتَتْ أوَّلاً بَيضاءَ، ثُمَّ ثُغِرَ، ثُمَّ عادَتْ سَوداءَ؛ فإنْ قال أهلُ الخِبْرةِ: لَيسَ السَّوادُ لِمَرضٍ ولا عِلَّةٍ؛ ففيها كمالُ دِيَتِها، وإلاَّ فثُلُثُ دِيَةٍ أو حُكومةٌ. (فَلَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا)؛ أيْ: دَفْعةً واحِدةً، (أَوِ الذَّكَرَ ثُمَّ الْأُنْثَيَيْنِ؛ لَزِمَهُ دِيَتَانِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحد (١) منهما لو انفرد (٢) لَوَجَبَ في قَطْعِه الدِّيَةُ، فكذا إذا (٣) اجْتَمَعَ. (وَلَوْ قَطَعَ (٤) الْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ قَطَعَ الذَّكَرَ؛ وَجَبَتْ (٥) دِيَةُ الْأُنْثَيَيْنِ)؛ لأِنَّ قَطْعَهُمَا لم يُصادِفْ ما يُوجِبُ نَقْصَهما عن دِيَتِهما، (وَفِي الذَّكَرِ رِوَايَتَانِ)، كذا في «المحرَّر»: (إِحْدَاهُمَا: دِيَةٌ)؛ لقوله ﵇: «وفي الذَّكَر الدِّيَةُ» (٦). (وَالأُخْرَى (٧) وهي أشْهَرُ: (حُكُومَةٌ، أَوْ ثُلُثُ دِيَتِهِ)؛ لأِنَّه ذَكَرُ خَصِيٍّ. فرعٌ: إذا قُطِع نصفُ الذَّكَر طُولاً، فقال أصحابُنا: يَجبُ نصفُ الدِّيَة. ونَصَرَ في «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنْ تَجِبَ الدِّيَةُ كامِلةً؛ لأِنَّه ذَهَبَ مَنفعةُ الجِماع به، أشْبَهَ ما لو أشَلَّه. وإنْ قَطَعَ منه قِطْعةً فما دُونَ الحَشَفة، وخَرَجَ البَولُ على عادته؛ وَجَبَ بقَدْرِ القطعة من جميعِ الذَّكَرِ من الدِّيَةِ.

стр. 5568

وإنْ خَرَجَ مِنْ مَوضِعِ القَطْعِ؛ وَجَبَ الأكثرُ من الدِّيَة أوِ الحكومةُ. (وَإِنْ أَشَلَّ الْأَنْفَ، أَوِ الْأُذُنَ، أَوْ عَوَّجَهُمَا (١): فَفِيهِ حُكُومَةٌ)؛ لأِنَّ نَفْعَ الأنف والأُذن باقٍ مع الشَّلَل، بخِلافِ اليد والرجل (٢)، فإنَّ نَفْعَهما (٣) قد زال، وإنَّما قُلْنا بِبَقاءِ نَفْعِ الأُذن؛ كَونَها تَجمَعُ الصَّوتَ وتَمنَعُ دُخولَ الهواء في الصِّماخ، وهذا باقٍ مع الشَّلَل. وكذلك الأنفُ، فنَفْعُه جَمْعُ الرَّائحة ومَنْعُ وُصولِ شَيءٍ إلى دماغه. قال المؤلِّفُ: أوْ تَغيير (٤) لونِهما (٥). وقِيلَ: الدِّيَةُ؛ كشَلَلِ يَدٍ ومَثانَةٍ ونَحوِهما. (وَفِي قَطْعِ الْأَشَلِّ مِنْهُمَا: كَمَالُ دِيَتِهِ)؛ لأِنَّه قَطَعَ أُذنًا فيها جَمالُها ونَفْعُها كالصَّحيحة، وكما لو قَلَعَ عَينًا عمياء (٦) أوْ حَوْلاءَ. فرعٌ: إذا قَطَعَ الأنفَ إلاَّ جِلْدةً بَقِيَ مُعلَّقًا بها، فلم يَلتَحِمْ، واحْتِيجَ إلى قَطْعِ الجِلْدة؛ ففيه دِيته (٧)، وإنْ ردَّه فالْتَحَمَ؛ فحُكومةٌ، وإن (٨) أبانه، فردَّه فالْتَحَم؛ فقال أبو بكرٍ: فيه حُكومةٌ، وقال القاضي: فيه دِيته (٩)؛ كما لو لم يَلتَحِمْ. (وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي أَنْفِ الْأَخْشَمِ)؛ لأِنَّه لا عَيبَ فيه، وإنَّما العَيبُ في

стр. 5569

غَيرِه، (وَالْمَخْرُومِ)؛ لأِنَّ أنفه (١) كامِلٌ غَيرَ أنَّه مَعِيبٌ؛ كالعُضْو المريضِ، (وَأُذُنَيِ الْأَصَمِّ)؛ لأِنَّ الصَّمَمَ نَقْصٌ في غَيرِ الأذن. وفي «الرِّعاية» و «المحرَّر»: إذا قُلْنا: يُؤخَذُ به السَّالِمُ من ذلك في العَمْدِ، وإلاَّ ففيه حُكومةٌ. (وَإِنْ قَطَعَ أَنْفَهُ، فَذَهَبَ شَمُّهُ)؛ لَزِمَه دِيَتانِ؛ لأِنَّ الشَّمَّ مِنْ غَيرِ الأنف، فلا تدخل (٢) دِيَةُ أَحَدِهما في الآخَرِ. (أَوْ أُذُنَيْهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ؛ وَجَبَتْ دِيَتَانِ)؛ لأِنَّ السَّمْعَ من غَيرِ الأُذن، فهو كالبصر مع الأجْفان، والنُّطقِ مع الشَّفَتَينِ، فلو ذَهَبَ شمُّ أحدِهما (٣)؛ فنصفُ الدِّيَة، وفي بعضه (٤) حُكومةٌ. (وَسَائِرُ الْأَعْضَاءِ)؛ كالعَينَينِ، ونحوِهما، (إِذَا (٥) أَذْهَبَهَا (٦) بِمَنَافِعِهَا؛ لَمْ تَجِبْ (٧) إِلاَّ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لأِنَّ نَفْعَها فيها (٨)، وهو تابِعٌ لها يذهب (٩) بذَهابِه، فَوَجَبَتْ دِيَةُ العُضْو دُونَ المنفعةِ؛ كما لو قَتَلَهُ لم تجب (١٠) إلاَّ دِيَتُه.

стр. 5570

(فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ) لَمَّا تمَّمَ الكلامَ على دِياتِ الأعضاء؛ كالعَينَينِ ونحوِهما، شَرَعَ يَتكلَّمُ في دِيَةِ المنافع، وهي السَّمْعُ والبَصَرُ ونحوُهما. (وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ: دِيَةٌ كَامِلَةٌ)، كذا عِبارَةُ الأصحاب، يقال: حسَّ وأحسَّ؛ أيْ: عَلِمَ وأيْقَنَ، وبألفٍ أفْصَحُ، وبها جاء القرآنُ، وإنَّما يَصِحُّ قَولُهم: الحاسَّةُ، والحَواسُّ الخَمْسُ على اللُّغةِ القليلة، والأشهر (١) في حسَّ بلا ألفٍ بمَعْنَى قتل (٢). وقال الجَوهَريُّ في الحواس (٣): المشاعِرُ الخَمْسُ: السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَّمُّ، والذَّوقُ، واللَّمْسُ (٤). (وَهِيَ (٥) السَّمْعُ)، بغَيرِ خِلافٍ (٦)، وسَنَدُه قَولُه ﷺ : «وفي السَّمْع الدِّيَةُ» (٧)، ورُوِيَ: «أنَّ عمرَ قَضَى في رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بحَجَرٍ في رأسه، فذَهَبَ سَمْعُه، وعَقْلُه، ولِسانُه، ونكاحُه، بأرْبَعِ دِياتٍ، والرَّجُلُ حَيٌّ» رواه أبو المهلب (٨)، ولأِنَّها حاسَّة تَختَصُّ بنَفْعٍ، فكان فيها الدِّيَةُ كالبصر.

стр. 5571

فإنْ ذَهَبَ من أحدهما فقط؛ وجَبَ نصفُها كالبصر. (وَالْبَصَرُ) من العَينَينِ المبصِرَتَينِ من المسلم؛ دِيَةٌ كامِلةٌ إجْماعًا (١). (وَالشَّمُّ)؛ لأِنَّ ذلك في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، قال القاضي: ولأِنَّه حاسَّةٌ تَختَصُّ بمنفعةٍ؛ كسائرِ الحَيوانِ. (وَالذَّوْقُ)، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب والمعْظَمُ؛ لأِنَّ الذَّوقَ حاسَّةٌ، أشْبَهَ الشَّمَّ. وقِياسُ المذهَب: أنَّه لا دِيَةَ فيه، وإنَّما تَجِبُ الحُكومةُ، صحَّحه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ لِسانَ الأَخْرَسِ لا دِيَةَ فيه إجْماعًا (٢)، على أنَّها لا تَكمُلُ في ذَهابِ الذَّوْق بمُفْرَدِه؛ لأِنَّ كلَّ عُضْوٍ لا تَكمُلُ الدِّيَةُ فيه بمفرده (٣)؛ لا تَكمُلُ في (٤) مَنفَعَتِه؛ كسائر الأعضاء، قال في «الشَّرح»: ولا تفريعَ على هذا القَولِ. (وَكَذَلِكَ تَجِبُ فِي الْكَلَامِ)؛ لأِنَّ كلَّ ما تعلَّقت الدِّيَةُ بإتْلافِه؛ تَعلَّقَتْ بإتْلافِ منفعته؛ كاليد (٥). (وَالْعَقْلِ)، بالإجماع (٦)، وسَنَدُه ما في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ؛ لأِنَّه أكثرُ المعاني قَدْرًا، وأعْظَمُ الحَواسِّ نَفْعًا، فإنَّه يتميَّز به عن (٧) البهيمة، ويُعرف (٨)

стр. 5572

به صحَّة (١) حقائقِ المعلومات، ويَهتَدي به إلى المصالِح، ويَدخُلُ به في التَّكليف، وهو شرطٌ في ثُبوتِ الوِلاياتِ، وصِحَّةِ التَّصرُّفات، وأداءِ العبادات، فكان أَوْلَى مِنْ بَقِيَّةِ الحَواسِّ. فرعٌ: إذا نَقَصَ نَقْصًا مَعلُومًا؛ وَجَبَ بقَدْره، وإن (٢) لم يُعرف (٣) قدره (٤)؛ فحكومةٌ، وإنْ كانت الجِنايَةُ المذْهِبةُ للعَقل أوْ لها (٥) أَرْشٌ كالمُوضِحةِ؛ وَجَبَت الدِّيَةُ وأرْشُ الجُرح، ولا يدخل (٦) أرش الجناية المذْهِبة له في دِيَته، نَصَّ عليه، كما لو أوْضَحَه فذَهَبَ بَصَرُه، وقِيلَ: بلى، ويَدخُلُ الأقلُّ في الأكثر. (وَالْمَشْيِ)؛ لأِنَّ مَنفَعَتَه مَقُصودةٌ، أشبه (٧) الكلامَ. (وَالْأَكْلِ)؛ لأِنَّه نَفْعُ مَقْصودٌ؛ كالشَّمِّ. (وَالنِّكَاحِ)؛ أي (٨): إذا كَسَرَ صُلْبَه فَذَهَبَ نكاحُه؛ ففيه الدِّيَةُ، رُوِيَ عن عليٍّ (٩)؛ لأِنَّه نَفْعٌ مَقْصودٌ، أشْبَهَ ذَهابَ المشْيِ. (وَيَجِبُ فِي الْحَدَبِ)، بفَتْحِ الحاء والدَّال، مَصدَرُ حَدِبَ، بكَسْرِ الدَّالِ، إذا صار أحْدَبَ؛ لأِنَّ بذلك تذهب المنفعةُ والجَمالُ؛ لأِنَّ انْتِصابَ القامة (١٠)

стр. 5573

من الكمال والجَمال، وبه يَشرُفُ الآدَمِيُّ على سائِرِ الحيوانات. وهذا الذي ذَكَرَه المؤلِّفُ في الكلام وما بعدَه هو روايةٌ عن أحمدَ، واختاره المجدُ، وجَزَمَ به (١) في «الوجيز»، وخالَفَ فيه القاضي وغيرُه، وهو ظاهِرُ المذهب، قاله ابن الجَوزيِّ. (وَالصَّعَرِ، وَهُوَ أَنْ يَضْرِبَهُ فَيَصِيرَ الوَجْهُ (٢) فِي جَانِبٍ)، نَصَّ عليه (٣)، وأصْلُ الصَّعَر: داءٌ يَأخُذُ البعيرَ في عُنُقِه، فيَلتَوِي منه عُنُقُه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمَان: ١٨]؛ أيْ: لا تُعرِضْ عنهم بوجهك تكبُّرًا، وهو قَولُ زَيدٍ، رواه مكحولٌ (٤)، ولم يُعرَفْ له مُخالَفٌ، فكان كالإجماع، ولأِنَّه أذْهَبَ الجَمالَ والمنفعةَ، فَوَجَبَ فيه دِيَتُه؛ كسائر المنافع. وقال في «المغْنِي» و «الشَّرح» و «التَّرغيب»: أو لا يَبلعُ رِيقَه؛ ففيه الدِّيَةُ؛ لأِنَّه تفويت (٥) منفعةٍ لَيسَ لها مِثْلٌ في البَدَنِ. (وَفِي تَسْوِيدِ الْوَجْهِ إِذَا لَمْ يَزُلْ)؛ لأِنَّه (٦) فَوَّتَ الجَمالَ على الكمال، فضَمِنَه بدِيَته؛ كما لو قَطَعَ أُذُنَي الأصم (٧). وظاهِرُه: أنَّه (٨) إذا صفَّر (٩) وجْهَه، أوْ حمَّرَه؛ تَجِبُ حكومة (١٠)؛ لأِنَّه لم

стр. 5574

يذهب الجمال على الكمال (١). وفي «المبهج»، و «التَّرغيب»: إذا أزال (٢) لَونَه إلى غَيرِه؛ ففيه الدِّيَةُ. (وَإِذَا لَمْ يَسْتَمْسِكِ الْغَائِطُ أَوِ البَوْلُ (٣)؛ بأنْ ضَرَبَ بَطْنَه، فلم يَستَمْسِك الغائِطُ، أو المثانة (٤) فلم يَستَمْسِكِ (٥) البَولُ؛ (فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ (٦) مِنْ ذَلِكَ دِيَةٌ كَامِلَةٌ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)، إلاَّ أنَّ (٨) أبا موسى ذَكَرَ في المثانة روايةً: ثُلُثُ الدِّيَة؛ كإفْضاءِ المرأة. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ هذَينِ المحلَّينِ عُضْوٌ فيه مَنفَعةٌ كثيرةٌ، ليس (٩) في البدن مثلها (١٠)، فإنَّ نَفْعَ المثانَة حَبْسُ البَول، وحَبْسُ البَطْن الغائط، والضَّرَرُ بفواتهما (١١) عظيمٌ، فكان في كلِّ واحدٍ منهما الدِّيَةُ؛ كالسَّمع والبَصَر، فإنْ فاتَت المنفعتان بجنايةٍ واحدةٍ؛ وجبت (١٢) دِيَتانِ. فرعٌ: إذا جُنِي عليه، فذَهَبَ عَقْلُه، وسَمْعُه، وبَصَرُه، ولِسانُه؛ وَجَبَ أرْبعُ دِياتٍ؛ لقضاءِ عمرَ (١٣)، ذَكَرَه أحمدُ في روايةِ ولده عبدِ الله (١٤)؛ كما لو جُنِي

стр. 5575

عليه جِناياتٌ فأذهبها (١)، ويَجِبُ مع ذلك أرْشُ الجِراح، فإنْ ماتَ من الجِنايَة؛ لم تجب (٢) إلاَّ دِيَةٌ واحدةٌ؛ لأِنَّ دِياتِ المنافِع تَدخُلُ في دِيَةِ النَّفْس؛ كدِياتِ الأعضاء. (وَفِي نَقْصِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِنْ عُلِمَ بِقَدْرِهِ)؛ لأنَّ (٣) ما وَجَبَ في جميع الشَّيء؛ وَجَبَ في بعضه بقدره (٤)؛ كإتْلافِ المال، (مِثْلَ: نَقْصِ الْعَقْلِ، بِأَنْ يُجَنَّ يَوْمًا وَيُفِيقَ يَوْمًا، أَوْ ذَهَابِ بَصَرِ إِحْدَى (٥) الْعَيْنَيْنِ، أَوْ سَمْعِ إِحْدَى (٦) الْأُذُنَيْنِ)؛ لِمَا ذَكَرْناه، وهو أنَّ ما وجبت (٧) فيه الدِّيَةُ؛ وَجَبَ بَعضُها في بَعضِه؛ كالأصابع والقدمين (٨). مسألةٌ: قال في «التَّرغيب» وغيرُه: ومَنفَعةُ الصَّوت، ومَنفَعةُ البَطْش؛ فلكلِّ واحد (٩) الدِّيَةُ. وفي «الفنون»: لو (١٠) سَقَاهُ ذَرَقَ حَمَامٍ، فَذَهَبَ صَوتُه؛ لَزِمَه حُكومةٌ. (وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ بِالحِسَابِ (١١)، يُقْسَمُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ (١٢) وَعِشْرِينَ حَرْفًا)، سِوَى «لا»، فإنَّ مَخْرَجَها مَخرَجُ اللاَّم والألف، فمَهْما نَقَصَ من الحروف

стр. 5576

نَقَصَ من الدِّيَة بقَدْره؛ لأنَّ (١) الكلامَ يَتِمُّ بجميعِها، فالذَّاهِبُ يَجِبُ أنْ يكونَ عِوَضُه من الدِّيَة كقدرِه من الكلام، ففي الحرف الواحِدِ: رُبُعُ سُبُعِ الدِّيَة، وفي الحَرفَينِ: نصفُ سُبُعِها (٢). ولا فرق بَينَ ما خفَّ على اللِّسان أوْ ثَقُلَ؛ لأِنَّ كلَّ ما وَجَبَ فيه المقدَّر؛ لم (٣) يَختَلِفْ لاِخْتِلافِ قَدْرِه؛ كالأصابع. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُقْسَمَ (٤) عَلَى الْحُرُوفِ التِي لِلِّسَانِ فِيهَا عَمَلٌ، دُونَ الشَّفَوِيَّةِ؛ كَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، والمِيمِ)، والواوُ، دُونَ (٥) حروف الحلق (٦) السِّتَّة، وهي: الهمزةُ، والهاء، والحاء، والخاء، والعَين، والغَين، فهذه عشرةٌ، بَقِيَ ثمانيةَ عَشَرَ. فاللِّسانُ تُقسَمُ دِيَتُه عَلَيها؛ لأِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ بقَطْعِ اللِّسان وذَهابِ هذه الحروفِ وحْدَها مع بقائه (٧)، فإذا وَجَبَت الدِّيَةُ فيها بمُفْرَدِها؛ وجب (٨) في بعضها بقِسْطه منها. وفي «الكافي»: أنَّ اللِّسانَ لا عَمَلَ له فيها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ هذه الحروفَ يَنْطِقُ بها اللِّسانُ أيضًا، بدليلِ أنَّ الأخْرَسَ لا يَنْطِقُ بشَيءٍ منها.

стр. 5577

(وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ قَدْرُهُ، مِثْلَ أَنْ صَارَ مَدْهُوشًا)، يَفزَعُ ممَّا لا يُفزَعُ منه، ويَستَوْحِشُ إذا خَلَا، (أَوْ نَقَصَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ)، وذَكَر جماعةٌ في نَقْصِ بصر (١): نَزِنُه بالمسافة، فلو نظر (٢) الشَّخْصَ على مِائَتَيْ ذِراعٍ، فنَظَرهُ على مِائَةٍ؛ فنِصْفُ الدِّيَة. وفي «الوسيلة»: لو لَطَمَه فَذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِه؛ فالدِّيَةُ في ظاهِرِ كلامه. (أَوْ شَمُّهُ، أَوْ حَصَلَ فِي كَلَامِهِ تَمْتَمَةٌ، أَوْ عَجَلَةٌ)، أوْ صار ألْثَغَ، (أَوْ نَقَصَ مَشْيُهُ، أَوِ انْحَنَى قَلِيلاً، أَوْ تَقَلَّصَتْ (٣) شَفَتُهُ بَعْضَ التَّقَلُّصِ (٤)، أَوْ تَحَرَّكَتْ سِنُّهُ، أَوْ ذَهَبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ: فَفِيهِ حُكُومَةٌ)؛ لِمَا حَصَلَ من النَّقْص والشَّينِ، ولم تَجِب الدِّيَةُ؛ لأِنَّ المنفَعةَ باقِيَةٌ. وقِيلَ: إنْ ذَهَبَ اللَّبَنُ فالدِّيَةُ. وإنْ جَنَى عليه جانٍ آخَرُ، فأذْهَبَ كلامَه؛ فالدِّيَةُ كامِلةٌ؛ كما لو جَنَى على عَينه جانٍ فَعَمِشَتْ، ثُمَّ جَنَى عليه آخِرُ فأذْهَبَ بَصرَها. فرعٌ: إذا أذْهَبَ كلامَ الألثغ (٥)، فإنْ كان مَأْيُوسًا مِنْ ذَهابِ لُثْغَتِه؛ ففيه بقسط (٦) ما ذَهَبَ من الحروف، وغيرُ المأْيُوس؛ كصغيرٍ (٧) فيه الدِّيَةُ، وكذا كبيرٌ إذا أمْكَنَ إزالةُ لُثْغَتِه بالتعليم (٨).

стр. 5578

أصلٌ: إذا نَقَصَ ذَوقُه نَقْصًا غَيرَ مُقدَّرٍ؛ بأنْ يُحسِنَ المَذاقَ الخَمْسَ، وهي الحَلاوةُ، والحُموضة، والمَرَارة، والمُلُوحةُ، والعُذوبةُ، إلاَّ أنَّه لا يُدرِكُه على الكمال؛ ففيه حكومةٌ؛ كنَقْصِ بَصَرِه نَقْصًا لا يتقدَّر (١). وإنْ لم يُدرِكْ أحدَها، وأدرك (٢) الباقيَ؛ ففيه: خُمُسُ الدِّيَة، وفي اثْنَينِ: خُمُساها، وفي ثلاثةٍ: ثلاثةُ أخماسها (٣)، وإنْ لم يُدرِكْ واحدةً؛ فعليه الدِّيَةُ إنْ (٤) قُلْنا بوجوبها فيه (٥)، وإلاَّ فحُكومةٌ. (وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ اللِّسَانِ، فَذَهَبَ بَعْضُ الْكَلَامِ؛ اعْتُبِرَ أَكْثَرُهُمَا)؛ أيْ: تجب (٦) دِيَةُ الأكْثَرِ، فإن اسْتَوَيا؛ مِثْلَ أنْ يَقطَعَ رُبُعَ لِسانِه، فيَذهَبَ رُبُعُ كلامِه؛ وَجَبَ رُبُعُ الدِّيَة بقَدْرِ الذَّاهِبِ منهما (٧)؛ كما لو قلع (٨) إحْدَى عَينَيهِ، فذَهَبَ بَصرُها. (فَلَوْ ذَهَبَ رُبُعُ اللِّسَانِ وَنِصْفُ الْكَلَامِ، أَوْ رُبُعُ الْكَلَامِ وَنِصْفُ اللِّسَانِ؛ وَجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مَضمُونٌ بالدِّيَة مُنفَرِدًا، فإذا انْفَرَدَ نصفُه بالذَّهاب؛ وَجَبَ النِّصْفُ؛ لأِنَّه لو ذَهَبَ نِصفُ اللِّسان فَقَطْ؛ وَجَبَ نصفُ الدِّيَةِ، وكذا عَكْسُه. (فَإِنْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ، فَذَهَبَ نِصْفُ الْكَلَامِ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقِيَّتَهُ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّه أذْهَبَ بجِنايَته نصفَ الكلام، (وَعَلَى الثَّانِي

стр. 5579

نِصْفُهَا)، وهو قَولُ القاضي، وقدَّمه (١) في «الفروع»؛ لأِنَّ السَّالِمَ نصفُ اللِّسان، وباقِيهِ أشلُّ، بدليلِ ذهابِ نصفِ الكلام. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على الثَّاني: (نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكُومَةٌ لِرُبُعِ اللِّسَانِ)، هذا وَجْهٌ، جَزَمَ به في «الكافي» و «المستوعب»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، قال في «الفروع»: وهو الأَشْهَرُ؛ لأِنَّه لو كان جميعُه أشلَّ؛ كان فيه حكومةٌ، فكذا في بعضه. وقِيلَ: عليه ثلاثةُ أرباعِ الدِّيَة؛ كما لو قطعه (٢) أوَّلاً، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ولا يَصِحُّ القَولُ بأنَّ بعضَه أشلُّ؛ لأِنَّ العُضْوَ شَيءٌ كان فيه منفعةٌ، فلم يكُنْ بعضُه أشلَّ؛ كضَعْفِ بصرِ العَينِ وبَطْشِ اليَدِ. فلو (٣) قَطَعَ نصفَ لسانه، فذَهَبَ رُبُعُ كلامه؛ فعليه نصفُ الدِّيَة، فإنْ قَطَعَ آخَرُ بقيَّتَه؛ فعليه ثلاثةُ أرباعِ الدِّيَة، اقْتَصَرَ عليه في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه ذَهَبَ بثلاثةِ أرْباعِ الكلام، فلو ذَهَبَ ثلاثةُ أرْباعِ كلامِه مِنْ غَيرِ قَطْعٍ؛ وَجَبَ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَة، فَمَعَ قَطْعِ نصفِه أَوْلَى، وقِيلَ: النِّصْفُ فَقَطْ. فرعٌ: إذا جَنَى على لسانِه (٤) فاقْتُصَّ منه مِثْلُ جِنايَتِه، فَذَهَبَ مِنْ كلامِ الجاني مِثْلُ جِنايَته، وذَهَبَ مِنْ كلامِ الجاني كذلك، أوْ أكثرُ (٥)؛ لم يَجِبْ شَيءٌ؛ لأِنَّه اسْتَوْفَى حقَّه، وسِرايَةُ القَوَدِ غَيرُ مَضمُونَةٍ، وإنْ ذَهَبَ أقلُّ؛ فلِلمُقْتَصِّ دية (٦) ما بَقِيَ؛ لأِنَّه لم يَستَوفِ بَدَلَه.

стр. 5580

وَلَوْ كان اللِّسانُ ذا طَرَفَينِ، فَقَطَع أحدَهما، ولم يَذهَبْ من الكلام شَيءٌ، وكانا مُتَساوِيَينِ في الخِلْقة؛ فهما كلِسانٍ مَشْقُوقٍ، فيهما الدِّيَةُ، وفي أحدهما نصفُها. وإنْ كان أحدُهما تامَّ الخِلْقة، والآخَرُ ناقِصٌ؛ فالتَّام فيه الدِّيَةُ، والنَّاقِصُ زائدٌ فيه حُكومةٌ. (وَإِنْ قَطَعَ لِسَانَهُ، فَذَهَبَ نُطْقُهُ وَذَوْقُهُ)، أوْ كان أخرسَ، قاله في «الوجيز» و «الفروع»؛ (لَمْ تَجِبْ (١) إِلاَّ دِيَةٌ) واحِدةٌ؛ لأِنَّهما ذَهَبَا تَبَعًا، فَوَجَبَ دِيَتُه دُونَ دِيَتِهِما؛ كما لو قَتَلَ إنسانًا. فلو عاد، أو أحدُهما؛ لم تجب؛ لأنَّه لم يَذهَبْ، ولو (٢) ذَهَبَ لم يَعُدْ، وإنْ كان (٣) قَبَضَها رَدَّها (٤). وإنْ قَطَعَ لِسَانَه، ثُمَّ عاد؛ فلا شَيءَ عليه، قاله أبو بكرٍ، وقِيلَ: حكومةٌ، وفي «المستوعب»: يَجِبُ أرْشُ القَطْع. فإنْ قَطَعَه قاطِعٌ؛ فالقِصاصُ أو الدِّيَةُ، بخِلافِ ما لو أوْضَحَه فانْدَمَلَتْ، ثُمَّ أوْضَحَه آخِرُ؛ فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ، بل تَجِبُ حُكومةٌ؛ لأِنَّ الجِلْدَ لا يَعودُ، بخِلافِ اللِّسان، فإنْ نَقَصَ صُورةً أوْ مَعْنًى؛ وَجَبَ أرْشُه. (وَإِنْ ذَهَبَا (٥) مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ؛ فَفِيهِ دِيَتَانِ) على الأصحِّ؛ كما لو ذَهَبَتْ مَنافِعُ الإنسان مع بقائه.

стр. 5581

فعلى هذا: في (١) كلِّ منفعةٍ دِيَةٌ. وعَنْهُ: تَجِبُ دِيَةٌ واحِدةٌ. فرعٌ: إذا قَطَعَ نصفَ لسانِه، فَذَهَبَ كلامُه، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ بَقيَّتَه، فعاد كلامُه؛ لم يَجِبْ ردُّ الدِّيَة؛ لأِنَّ الكلامَ الذي كان باللِّسان قد ذهب (٢)، ولم يَعُدْ إلى اللِّسان، وإنَّما عاد إلى مَحَلٍّ آخَرَ. (وَإِنْ كَسَرَ صُلْبَهُ، فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَنِكَاحُهُ؛ فَفِيهِ دِيَتَانِ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ في كلِّ منهما دِيَةً مُنفَرِدًا، فكذا إذا اجْتَمَعا، وكذَهابِ شَمٍّ أوْ سمعٍ (٣) بقطعِ (٤) أَنْفِه أوْ أُذُنِه. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَجِبَ (٥) دِيَةٌ وَاحِدَةٌ)، هذا روايةٌ؛ لأنَّهما (٦) مَنفَعةُ عُضْوٍ؛ كبقيَّةِ الأعْضاءِ الذَّاهِبةِ بِنَفْعِها. فلو ضَعُفَ المشْيُ والجِماعُ، أوْ نَقَصَ؛ فحُكومةٌ. فرعٌ: إذا كَسَرَ صُلْبه، فجُبِرَ (٧) وعاد إلى حاله؛ فحكومةٌ للكَسْر، وإنِ احْدَوْدَبَ؛ فحُكومةٌ لهما، وإنْ ذَهَبَ ماؤه، أوْ إحْبالُه؛ فالدِّيَةُ، ذَكَرَه في «الرِّعاية»، وكذا في «الرَّوضة»: إن (٨) ذَهَبَ نَسْلُه فالدِّيَةُ، وفي «المغني»: في ذَهابِ مائه احْتِمالانِ. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي نَقْصِ بَصَرِهِ أَوْ سَمْعِهِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ) مَعَ يَمينه؛ لأِنَّه لا يُعرَفُ إلاَّ مِنْ جِهَتِهِ، ولا سَبِيلَ إلى إقامةِ البيِّنة عليه؛ كقَبولِ

стр. 5582

قَولِ المرأة في الحَيض. وتَجِبُ بقَدْرِ نَقْصِه، وقِيلَ: حُكومةٌ؛ كما لو جَهِلَ قَدْرَ نَقْصِه. فإنْ قال أهلُ الخِبْرة: إنَّه يُرجَى عَودُه إلى مُدَّةٍ؛ انتُظِرَ إليها (١). (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ بَصَرِهِ؛ أُرِيَ أَهْلَ الْخِبْرَةِ بِهِ (٢)؛ بأنْ يُمتَحَنَ في ذلك، (وَقُرِّبَ إِلَى عَيْنِهِ (٣) فِي وَقْتِ غَفْلَتِهِ)؛ لأِنَّ ذلك يُمكِنُ مَعرِفَتُه منهم فيما يُخبِرُونَ به؛ كالبيِّنة. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَهَابِ (٤) سَمْعِهِ، أَوْ شَمِّهِ، أَوْ ذَوْقِهِ؛ صِيحَ (٥) بِهِ فِي أَوْقَاتِ غَفْلَتِهِ، وَيُتْبَعُ بِالرَّائِحَةِ (٦) المُنْتِنَةِ، وَأُطْعِمَ الْأَشْيَاءَ المُرَّةَ، فَإِنْ فَزِعَ مِمَّا يَدْنُو مِنْ بَصَرِهِ، أَوْ انْزَعَجَ لِلصَّوْتِ، أَوْ عَبَسَ لِلرَّائِحَةِ أَوِ الطَّعْمِ (٧) المُرِّ؛ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ)؛ لأِنَّ ذلك دليلٌ على كذبه (٨). وقِيلَ: يُقبَلُ قَولُ الجاني؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ معه، ويَحلِفُ؛ لِئَلاَّ يكونَ ما ظَهَرَ مِنْ أمَاراتِ (٩) ذلك اتِّفاقًا. (وَإِلاَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أيْ: قَولُ المجْنِيِّ عليه؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ معه، (مَعَ يَمِينِهِ)؛ لِئَلاَّ يكونَ ذلك بجَودةِ تَحفُّظه. ومتى حُكِمَ له بالدِّيَة، ثُمَّ انزعج عِنْدَ صوتٍ، أو غطَّى (١٠) أنْفَه عِنْدَ رائحةٍ

стр. 5583

مُنتَنَةٍ، فطُولِبَ بالدِّيَة، فادَّعى أنَّه فَعَلَ ذلك اتِّفاقًا؛ قُبِلَ قَولُه؛ لأِنَّه مُحتَمَلٌ، فلا يُنقَضُ الحُكْمُ بالاِحْتِمال. وإنْ تكرَّر ذلك مِنْ حَيثُ يُعلم (١) صحَّةُ سَمْعِه وشَمِّه؛ ردَّ ما أخَذَ؛ لأِنَّا تَبَيَّنَّا كَذِبَه. فإن ادَّعى الجاني أنَّه وُلِدَ أبْكَمَ، ولا بَيِّنَةَ تُكذِّبُه؛ قُبِلَ قَولُه مع يَمِينِه. وقِيلَ: تُرَدُّ؛ كما لو وُلِدَ ناطِقًا ثُمَّ خَرِسَ.

стр. 5584

(فَصْلٌ (١) (وَلَا تَجِبُ دِيَةُ الْجُرْحِ حَتَّى يَنْدَمِلَ)؛ لأِنَّه لا يُدْرَى أَقَتْلٌ (٢) هو أمْ لَيسَ بقَتْلٍ، فينتظر (٣) لِيُعْلَمَ حُكمُه، وما الواجِبُ فيه، ولهذا لا يَجوزُ الاِسْتِيفاءُ في العمد قَبْلَ الاِنْدِمالِ، فكذا في الخطأ. (وَلَا) تَجِبُ (دِيَةُ سِنٍّ، وَلَا ظُفُرٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ حَتَّى يُيْأَسَ مِنْ (٤) عَوْدِهَا)؛ لأِنَّه مِمَّا يَحتَمِلُ العَودَ، فلا يَجِبُ شَيءٌ مع الاِحْتِمالِ؛ كالشَّعر، وإنَّما يُعرَفُ ذلك بقَولِ عَدْلَينِ مِنْ أهْلِ الخِبْرة: إنَّها لا تَعُودُ أبَدًا، لكِنْ إنْ ماتَ قَبلَه؛ وجبت (٥). (وَلَوَ قَلَعَ سِنَّ كَبِيرٍ، أَوْ ظُفُرَهُ، ثُمَّ نَبَتَتْ، أَوْ رَدَّهُ (٦) فَالْتَحَمَ)؛ لم تَجِبْ دِيَةٌ، نَصَّ عليه في السِّنِّ في رِوايةِ جعفرِ بنِ محمَّدٍ (٧)، وهو قَولُ أبي بكرٍ، والظُّفُرُ في مَعْناهُ. وقال القاضي (٨): تَجِبُ دِيَتُها. وعلى الأوَّل: فيها حُكومةٌ إنْ نقصت (٩) أوْ ضَعُفَتْ، وإنْ قَلَعَها بَعْدَ ذلك (١٠)؛ وَجَبَتْ ديتها.

стр. 5585

وعلى الثَّاني: يَنْبَنِي حُكمُها على وُجوبِ قَلْعِها، فإذا قيل (١) به؛ فلا شَيءَ على قالِعها، وإنْ قُلْنا بِعدَمِه؛ فاحْتِمالانِ. فإنْ جَعَلَ مَكانَها سِنًّا أخرى، أوْ عَظْمًا فَنَبَتَ؛ وَجَبَتْ دِيَتُها وَجْهًا واحدًا؛ كما لو لم يَجعَلْ مَكانَها سنًّا (٢)، وإنْ قُلِعَت الثَّانيةُ؛ فحُكومةٌ في الأَشْهَرِ. (أَوْ ذَهَبَ سَمْعُهُ، أَوْ بَصَرُهُ، أَوْ شَمُّهُ، أَوْ ذَوْقُهُ، أَوْ عَقْلُهُ، ثُمَّ عَادَ؛ سَقَطَتْ دِيَتُهُ)؛ لِزَوالِ سَبَبِها، (وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا رَدَّهَا)؛ لأِنَّه تبينَّا (٣) أنَّه أَخَذَها بغَيرِ حقٍّ، (وَإِنْ عَادَ نَاقِصًا، أَوْ عَادَتِ السِّنُّ، أَوِ الظُّفُرُ قَصِيرًا، أَوْ مُتَغَيِّرًا؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِهِ) خاصَّةً، نَصَّ عليه؛ لأِنَّه نَقْصٌ حَصَلَ بجِنايَتِه؛ كما لو نَقَصَه مع بقائه. (وَإِنْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ وَيُئِسَ مِنْ عَوْدِهَا)، وَحدُّ الإيَاسِ: سَنَةٌ، نَصَّ عليه (٤)؛ لأِنَّه هو الغالِبُ في نَباتِها (٥)، وقال القاضي: إذا سَقَطَتْ أخَواتُها، ولم تَنبُتْ؛ (وَجَبَتْ دِيَتُهَا)؛ لأِنَّه أذْهَبَها بجِنايَتِه إذْهابًا مُستَمِرًّا؛ كَسِنِّ الكبير. (وَقَالَ الْقَاضِي: فِيهَا حُكُومَةٌ)؛ لأِنَّ العادةَ عَوْدُها، فلم (٦) تَكمُلْ دِيَتُها كالشَّعْر. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لأِنَّ الشَّعْرَ لو لم يَعُدْ؛ وَجَبَ دِيَتُه، مع أنَّ العادةَ عَودُه. (وَعَنْهُ فِي قَلْعِ الظُّفُرِ: إِذَا نَبَتَ عَلَى صِفَتِهِ، فَفِيهِ (٧) خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، وَإِنْ

стр. 5586

نَبَتَ (١) أَسْوَدَ؛ فَفِيهِ عَشَرَةٌ)، إذ التَّقْدِيراتُ بابها (٢) التَّوقِيفُ، ولا نَعلَمُ فيه تَوقِيفًا. والقِياسُ: أنَّه لا شَيءَ فيه إذا عاد على صِفَته، وإن نبت (٣) مُتغَيِّرًا ففيه حكومةٌ؛ لأنَّ (٤) القِياسَ يَقتَضِيها في كلِّ الجُروحِ، خُولِفَ ذلك فيما وَرَدَ الشَّرْعُ بتقديره، فيَبقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى القياس (٥). (وَإِنْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَادَّعَى الْجَانِي عَوْدَ مَا أَذْهَبَهُ) في نَقْصِ بَصَرِه وسَمْعِه، (فَأَنْكَرَهُ (٦) الْوَلِيُّ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ)؛ لأِنَّ الأصلَ عَدَمُ العَودِ. (وَإِنْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ اثْنَانِ، وَاخْتَلَفَا (٧)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي قَدْرِ مَا أَتْلَفَ (٨) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)؛ لأِنَّ ذلك لا يُعرَفُ إلاَّ مِنْ جِهَتِه، أشْبَهَ ما لو ادَّعَى نَقْصَ سَمْعِه.

стр. 5587

(فَصْلٌ) (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الْأَرْبَعَةِ: الدِّيَةُ، وَهِيَ: شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ)، نَصَّ عليه (١)، رُوِيَ عن عليٍّ وزَيدٍ أنَّهما قالا: «في الشَّعْر الدِّيَةُ» رواهُ سعيدٌ بإسْنادَينِ ضَعِيفَينِ (٢). وعَنْهُ: فيه حُكُومةٌ؛ كالشَّارِب، وقاله أكثرُهم؛ لأِنَّه إتْلافُ جَمالٍ مِنْ غَيرِ مَنفَعةٍ؛ كاليَدِ الشَّلاَّء والعَينِ القائمةِ. وجَوابُه: أنَّه أذْهَبَ الجَمالَ على الكمال، فَوَجَبَ فيه (٣) دِيَةٌ؛ كأُذُنِ الأصمِّ وأنف (٤) الأَخْشَمِ، والحاجِبُ يَرُدُّ العَرَقَ عن العَينِ ويُفرِّقه (٥)، وهُدْبُ العَيْنِ يَرُدُّ عنها ويَصُونُها فجَرَتْ مَجْرَى أجْفانِها، واليَدُ الشَّلاَّءُ لَيسَ جَمالُها كامِلاً. وظاهِرُه: لا فَرْقَ فيها بَينَ كَونها كثيفةً أو (٦) خفيفةً، جميلةً أوْ قبيحةً، مِنْ

стр. 5588

صَغِيرٍ أو كبيرٍ؛ لأِنَّ سائِرَ ما فيه (١) الدِّيَةُ مِنْ الأعضاء لا يفرقُ الحالُ فيه بذلك، ذَكَرَه في «الشَّرح». (وَفِي كُلِّ حَاجِبٍ نِصْفُهَا)؛ كاليَدَينِ. (وَفِي كُلِّ هُدْبٍ رُبُعُهَا)؛ كالأجْفان، ونَقَلَ حنبلٌ: كلُّ شَيءٍ من الإنسان (٢) فيه (٣) أربعةٌ؛ ففي كلِّ واحِدٍ رُبُعُ الدِّيَة، وطَرَدَه القاضي في جِلْدَةِ وَجْهٍ. (وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ بِقِسْطِهِ (٤) مِنَ الدِّيَةِ)، يُقدَّرُ بالمساحة (٥)؛ كالأذُنَينِ، ومارِنِ الأَنْفِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب احْتِمالاً: تَجِبُ حُكُومَةٌ. (وَإِنَّمَا تَجِبُ (٦) دِيَتُهُ إِذَا أَزَالَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعُودُ)؛ لأِنَّ احْتِمالَ العَودَ يَمنَعُ من الوُجوبِ؛ كالسِّنِّ الصَّغِيرِ، (فَإِنْ عَادَ) بِصِفَتِه؛ (سَقَطَتِ الدِّيَةُ)، نَصَّ عليه (٧)؛ كالسِّنِّ. (وَإِذَا أَبْقَى (٨) مِنْ لِحْيَتِهِ) أَوْ مِنْ غَيرِها من الشُّعور (٩) (مَا لَا جَمَالَ فِيهِ؛ احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ بِقِسْطِهِ)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ كما لو أبقى (١٠) مِنْ أُذنِه يَسِيرًا.

стр. 5589

(وَاحْتَمَلَ: أَنْ (١) يَلْزَمَهُ كَمَالُ الدِّيَةِ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛ لأِنَّه أذْهَبَ المقصودَ، أشْبَهَ ما لو أذْهَبَ ضَوْءَ العَينِ، ولأِنَّ جِنايَتَه ربَّما أحوجت (٢) إلى ذَهابِ الباقي؛ كزِيادَتِه في القُبْحِ على ذَهابِ الكُلِّ، فتَكونُ جِنايَتُه سَبَبًا لِذَهابِ الكلِّ. وقِيلَ: تَجِبُ حُكومةٌ؛ لأِنَّه لا مقدَّر (٣) فيها. وعُلِمَ منه: أنَّه لا قِصاصَ في شَيءٍ من الشُّعور؛ لأِنَّ إتْلافَها إنَّما يكون (٤) بالجناية على مَحلِّها، وهو غَيرُ مَعْلومِ المقْدارِ، ولا يُمكِنُ المساواةُ فيها، فلا تَجِبُ. (وَإِنْ قَلَعَ (٥) الْجَفْنَ بِهُدْبِهِ؛ لَمْ تَجِبْ (٦) إِلاَّ دِيَةُ الْجَفْنِ)؛ لأِنَّ الشُّعورَ تَزُولُ تَبَعًا؛ كالأصابِع إذا قُطِعَ الكَفُّ وهي عَلَيهِ. (وَإِنْ قَلَعَ اللَّحْيَيْنِ بِمَا عَلَيْهِمَا مِنَ الْأَسْنَانِ؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُمَا وَدِيَةُ الْأَسْنَانِ)؛ أيْ: عليه دِيَةُ الكلِّ، ولم تَدخُلْ دِيَةُ الأسْنانِ في اللَّحْيَيْنِ، كما تَدخُلُ دِيَةُ الأصابِعِ في اليد لِوُجُوهٍ: أوَّلُها: أنَّ الأَسْنانَ لَيسَتْ مُتَّصِلةً باللَّحْيَينِ، وإنَّما هي مُفردةٌ (٧) فيها، بخِلافِ الأصابِعِ.

стр. 5590

ثانِيهَا: أنَّ أحدَهما يَنفَرِدُ باسْمِه عن الآخَرِ، بخِلافِ الأصابِعِ. ثالِثُها: أنَّ اللَّحْيَينِ يُوجَدانِ مُنفردَينِ (١) عن الأسْنانِ؛ لِوُجُودِهِما قَبْلَ وُجودِ الأَسْنانِ، ويَبْقَيان (٢) بَعْدَ قلعها (٣)، بخِلافِ الكَفِّ مَع الأصابع. (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا بِأَصَابِعِهِ؛ لَمْ تَجِبْ (٤) إِلاَّ دِيَةُ الْأَصَابِعِ)؛ لِدُخولِ الجميع في مُسمَّى اليَدِ، وكما لو (٥) قَطَعَ ذَكَرًا بحَشَفَتِه لم تَجِبْ دِيَةُ الحَشَفَةِ؛ لِدُخولها في (٦) مُسَمَّى الذَّكَرِ. وظاهِرُه يَقتَضِي سُقُوطَ ما يَجِبُ في مُقابَلةِ الكفِّ، وهو غَيرُ مُرَادٍ، والْأَوْلَى أنْ نَقُولَ: لم تجب (٧) إِلاَّ دِيَةُ اليَدِ. (وَإِنْ قَطَعَ كَفًّا عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَصَابِعِ؛ دَخَلَ مَا حَاذَى الْأَصَابِعَ فَي دِيَتِهَا)؛ لأِنَّ حُصولَ الكلِّ في الكلِّ يَقتَضِي دُخولَ البعض في البعض (٨). (وَعَلَيْهِ أَرْشُ بَاقِي (٩) الْكَفِّ)؛ لأِنَّ الأصابِعَ لو كانت سالِمةً كلُّها؛ لدخل (١٠) أرْشُ الكَفِّ كلِّه في دِيَةِ الأصابع، وكذا ما حَاذَى الأصابِعَ السَّالِمةَ يدخل (١١) في دِيَتِها، وما حَاذَى المقْطوعاتِ لَيسَ بِداخِلٍ في دِيَتِه، فَوَجَبَ أرْشُه؛ كما لو كانَت الأصابِعُ كلُّها مَقطُوعةً.

стр. 5591

وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى: يَلزَمُه دِيَةُ اليَدِ كامِلةً، ينقص (١) مِنها ديةُ الأصابِعِ المعْدومةِ. (وَإِنْ قَطَعَ أَنْمَلَةً بِظُفُرِهَا؛ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلاَّ (٢) دِيَتُهَا)؛ كما لو قَطَعَ كفًّا بأصابِعِه. فرعٌ: إذا قَطَعَ كَفًّا بلا أصابِعَ، وذِراعًا بلا كَفٍّ؛ فثُلُثُ دِيَتِه، قال أحمدُ: كَعَينٍ قائمةٍ (٣). وعَنْهُ: حُكومةٌ، ذَكَرَهُما في «المنتخب» وغَيره. وكذا العَضُد وتفصيل (٤) الرِّجل.

стр. 5592

(فَصْلٌ) (وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ (١)، وهو قَولُ الزُّهْرِيِّ واللَّيث وجماعةٍ. وقِيلَ: فيها نصفُ الدِّيَةِ، وقاله الأكثرُ؛ لقوله ﵇: «وفي العَينِ: خَمْسونَ من الإبل، وفي العَينَينِ: الدِّيَةُ» (٢)، يَقتَضِي أنَّه لا يَجِبُ فيها أكثرُ مِنْ ذلك؛ لأِنَّ ما ضُمِنَ بنِصْفِ الدِّيَةِ مَعَ نَظِيرِه؛ ضُمِنَ مع ذهابه؛ كالأُذنِ. وجَوابُه: أنَّ عمرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيًّا، وابنَ عُمَرَ نصُّوا (٣) في عَينِ الأعْوَرِ بالدِّيَةِ (٤)،

стр. 5593

ولم يُعلَمْ لهم مخالف (١) في (٢) الصَّحابة، رَوَى ذلك أحمدُ، وأخَذَ به (٣)، ذَكَرَه ابنُ الزَّاغُونيِّ، ولأِنَّه يَحصُلُ بها ما (٤) يَحصُلُ بالعَينَينِ مِنْ رُؤيةِ الأشياءِ البعيدةِ، وإدْراكِ الأشْياءِ اللَّطيفةِ، ويَجُوزُ أنْ يكونَ قاضِيًا، وتُجزئ في الكَفَّارة، وككمال قيمةِ صَيدِ الحرَمِ الأعورِ. لا يُقالُ: يَنبَغِي أنْ لا يَجِبَ في ذَهابِ أحد (٥) العَينَينِ نصفُ الدِّيَة؛ لِعَدَمِ نُقْصانِه؛ لأِنَّه لا (٦) يَلزَمُ مِنْ وُجوبِ شَيءٍ في (٧) دِيَة العَينَينِ نَقْصُ دِيَةِ الباقي، بدليلِ ما لو جَنَى عَلَيهِما فَعَمِشَا، فإنَّه يَجِبُ أرْشُ النَّقْص، ولا تَنقصُ (٨) دِيَتُها بذلك. فإنْ قَلَعَها صحيحٌ عَمْدًا؛ فله قَلْعُ نَظِيرَتِها منه، وأخْذُ نصفِ الدِّيَة في المنصوص (٩). وقِيلَ: لا شَيءَ له مع القَلْع. وفي «الرَّوضة»: إنْ قَلَعَها خطَأً؛ فنِصفُ الدِّيَة. (وَإِنْ قَلَعَ الْأَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ مُمَاثِلَةً لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْدًا؛ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ

стр. 5594

كَامِلَةٌ، وَلَا قِصَاصَ (١)، قاله ابنُ المسيِّبِ، وعَطاءٌ، نَقَلَ مُهَنَّى: (عمرُ، وعُثْمانُ، وعليٌّ قالوا: الأعْوَرُ إذا فُقئت (٢) عَينُه له دِيَةٌ كامِلةٌ، ولا يُقتَصُّ منه إذا فقأ عَينَ صحيحٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قال بخِلافِه إلاَّ إبْراهِيمَ) (٣)، ولأِنَّه منعناه (٤) مِنْ إتْلافِ ضَوءٍ يُضمَنُ بديةٍ (٥) كامِلةٍ، وكما لو قَلع (٦) عَينَيْ سَلِيمٍ، ثُمَّ عَمِيَ، ولأِنَّه مُنِعَ القِصاصُ مَعَ وُجودِ سَبَبِه، فأُضْعِفَتِ الدِّيَةُ؛ كقاتِلِ الذِّمِّيِّ عَمْدًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ)؛ لأِثَرٍ رُوي (٧) في ذلك (٨)، وكقَتْلِ الرَّجُل

стр. 5595

بامْرأةٍ، (وَ) الأَشْهَرُ: (يُعْطَى نِصْفَ الدِّيَةِ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ عليًّا قَضَى في رجلٍ قَتَلَ امرأته (١): يُقتَلُ بها، ويُعطَى نِصفَ الدَّية (٢)» (٣)، وخرَّجه (٤) في «التَّعليق» و «الاِنْتِصار»: مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ بامْرأةٍ. (وَإِنْ قَلَعَهَا خَطَأً؛ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ)؛ لأِنَّ الأصلَ يَجِبُ في إحْداهُما نصفُ الدِّيَة، تُرِكَ العَمَلُ به فيما تقدَّم؛ لِقَضاءِ الصَّحابة، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى الدَّليل؛ كما (٥) لو قَلَعَ الأعورُ عَينًا لا تُماثِلُ عَينَه الصَّحيحةَ. (وَإِنْ قَلَعَ عَيْنَيْ صَحِيحٍ عَمْدًا؛ خُيِّرَ بَيْنَ قَلْعِ (٦) عَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا، وَبَيْنَ الدِّيَةِ)، هذا هو المجْزُومُ به؛ لأِنَّ هذا مَبنِيٌّ على قَضاءِ الصَّحابة (٧)؛ لأِنَّه أذْهَبَ بصرَه كلَّه، فلم يَكُنْ له أكثرُ من إذْهابِ بَصَرِه، وأنَّ عَينَ الأعورِ تَقوم (٨) مَقامَ العَينَينِ. وذَهَبَ جماعةٌ من العلماء: على أنَّ له القِصاصَ ونِصفَ الدية (٩). وذَكَرَ القاضي: قِياسُ المذهَبِ وُجوبُ دِيَتَينِ: إحداهما: في العَينِ التي اسْتَحَقَّ بها قَلْعَ عَينِ الأعْوَرِ، والأخرى في الأُخْرَى؛ عَينُ أعور (١٠).

стр. 5596

وجَوابُه: قَولُه ﵇: «وفي العَينَينِ الدِّيَة» (١)، وكما (٢) لو كان القالِعُ صحيحًا. وظاهِرُه: أنَّه إذا فَعَلَ ذلك خطأً؛ فَلَيسَ عَلَيهِ إلاَّ الدِّيَةُ؛ كما لو قلعهما (٣) صحيحُ العَينَينِ. (وَفِي يَدِ الْأَقْطَعِ: نِصْفُ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ فِي رِجْلِهِ) إذا أُزِيلَتْ عَمْدًا؛ لأِنَّ فيهما دِيَةً واحِدةً، ففي كلِّ واحدٍ منهما نصفُها، وكما (٤) لو قَلَعَ أُذنَ مَنْ له أُذنٌ واحِدةٌ؛ لأِنَّ هذا أحدُ العُضوَينِ (٥) الذي يَحصُلُ بهما مَنفَعةُ الجِنْس، لا يَقومُ مَقامَ العُضوَينِ (٦)، وكسائرِ الأعضاء. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا اخْتارَ القَوَدَ؛ فله ذلك؛ لأِنَّه عُضْوٌ أمْكَنَ القود (٧) في مِثْلِه، فكان الواجِبُ فيه القِصاصَ. (وَعَنْهُ: فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ)؛ قِياسًا على عَينِ الأعور. وعَنْهُ: إن (٨) ذَهَبَت الأُولى هَدرًا؛ ففي الثَّانية دِيَةٌ كامِلةٌ، وإلاَّ فنِصْفُها؛ لأِنَّه عَطَّلَ مَنافِعَه مِنْ العُضْوَينِ جملةً، أشْبَهَ ما لو قَلَعَ عَينَ أعْوَرَ. وفي «الرَّوضة»: إنْ ذَهَبَتْ بحَدٍّ؛ فنصفُ الدِّيَة، وإنْ كانَتْ ذهبت (٩) بجِهادٍ؛ فرِوايَتانِ.

стр. 5597

والأُولى (١) أصحُّ؛ لأِنَّه لا يَصِحُّ القِياسُ على عَينِ الأعورِ؛ لأِنَّه يَحصُلُ بها ما يَحصُلُ بالعَينَينِ، ولم يَختَلِفا في الحقيقة والأحكامِ إلاَّ اخْتِلافًا يسيرًا، بخِلافِ أقطع (٢) اليد والرِّجْل، ولأِنَّ التَّقديرَ لا يُصارُ إليه إلاَّ بتَوقِيفٍ، ولم يُوجَدْ هنا، فلو قَطَعَ يَدَ صحيحٍ؛ قُطِعَتْ يَدُه.

стр. 5598

(بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ) (الشَّجَّةُ) واحِدَةُ الشِّجَاجِ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ (١)، وهي: (اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً)، وقد يُستَعْمَلُ في غَيرِ ذلك من الأعضاء، قاله ابنُ أبي الفَتْحِ (٢). (وَهِيَ عَشْرٌ، خَمْسٌ لَا مُقَدَّرَ فِيهَا)؛ لأِنَّ التَّقْديرَ مِنْ الشَّرْع، ولم يَرِدْ فيها. (أَوَّلُهَا: الْحَارِصَةُ)، بالحاء والصَّاد المهمَلَتَينِ، (التِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ؛ أَيْ: تَشُقُّهُ (٣) قَلِيلاً وَلَا تُدْمِيهِ (٤)، ومنه (٥): حَرَصَ القصَّار (٦) الثَّوبَ، إذا شَقَّه قليلاً، وهي القاشِرَةُ والقِشرَة (٧)، قال ابنُ هُبَيرةَ تَبَعًا للقاضي: وتُسَمَّى المِلْطَاء (٨). (ثُمَّ الْبَازِلَةُ، وَهِيَ التِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ)، وتُسَمَّى الدَّامِيةَ والدامِعَة (٩)؛ لِقِلَّةِ سَيَلانِ دَمِها، تَشْبِيهًا لها (١٠) بخُروجِ الدَّمْع من العَينِ. وقدَّم في «الرعاية»: أنَّ البازِلةَ: ما سال دَمُها؛ لأِنَّها تَنضَحُ (١١) اللَّحم

стр. 5599

وتَقطَعُ فيه عُروقًا. وقِيلَ: هي التي تدْمِي ولا تشقُّ (١) اللَّحم. (ثُمَّ الْبَاضِعَةُ)، وقدَّمها السَّامَرِّيُّ وابنُ هُبَيرةَ على البازِلةِ، (وَهِيَ التِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ (٢)؛ أي: تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ الجِلْد، وقِيلَ: ولم يَسُلْ (٣) دَمُها. (ثُمَّ الْمَتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ (٤)؛ أيْ: دَخَلَتْ فيه دُخولاً كثيرًا، تَزِيدُ على الباضِعة. (ثُمَّ السِّمْحَاقُ، التِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ) فَوقَ العَظْم، تُسَمَّى تلك القِشْرةُ: سِمْحاقًا، فسمِّيت (٥) الجِراحُ الواصِلةُ إلَيها بها، وتُسمِّيها أهلُ المدينة: المِلْطاء والمَلْطاةَ. (فَهَذِهِ الْخَمْسُ فِيهَا حُكُومَةٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، في (٦) قَولِ أكثرِ الفقهاء، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها المنصورةُ عِنْدَ الأصحاب؛ لأِنَّها جِراحاتٌ لم يَرِد فيها توقيتٌ (٧) من الشَّرع، أشْبَهَ جِراحاتِ البَدَن، وكالحارِصة. وذَكَرَ القاضي: أنَّه متى أمْكَنَ اعْتِبارُ هذه الجِراحاتِ من المُوضِحةِ، مِثْلَ أنْ تكون (٨) في رأسِ المجنيِّ عليه مُوضِحةٌ إلى جانِبِها؛ قُدِّرَتْ هذه الجِراحاتُ منها، فإنْ كانَتْ بقدر (٩) النِّصْف؛ وَجَبَ نصفُ أرْشِ المُوضِحةِ، إلاَّ أنْ تَزِيدَ

стр. 5600

الحُكومةُ على قَدْرِ ذلك؛ لأِنَّ هذا اللَّحْمَ فيه مُقدَّرٌ، فكان في بعضه بقَدْرِه مِنْ دِيَتِه؛ كالمارِنِ والحَشَفَة. وردَّه المؤلِّفُ، وقال: لا نَعلَمُه مَذْهَبًا لأِحْمَدَ، ولا يَقتَضِيهِ مَذهَبُه، ولا يَصِحُّ؛ لأِنَّ هذه جِراحةٌ تجب (١) فيها الحُكومةُ؛ كجِراحَةِ البَدَنِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على ما ذَكَرُوهُ، فإنَّه لا تَجِبُ فيه الحُكومةُ، ولا نَعلَمُ لِمَا ذكروه (٢) نَظِيرًا. (وَعَنْهُ: فِي البَازِلَةِ (٣): بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ: بَعِيرَانِ، وَفِي المُتَلَاحِمَةِ: ثَلَاثَةٌ، وَفِي السِّمْحَاقِ: أَرْبَعَةٌ)، رواه سعيدٌ عن زَيدٍ (٤)، وهذه نَقَلَها أبو طالِبٍ عنه، وقال: أنا أذْهَبُ إلى قَولِ زَيدٍ (٥)، واخْتارَهُ أبو بكرٍ في «التَّنبيه» (٦)، وقد اعْتَمَدَ أصحابُنا على قَولِ زَيدٍ في تَقْديرِ أرْشِ الهاشِمة بعَشْرٍ من الإبل، ولم يَعتَمِدُوا عليه هُنا.

стр. 5601

(فَصْلٌ) (وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ) مِنْ الشَّرع، فَوَجَبَ المصيرُ إليه. (أَوَّلُهَا: الْمُوضِحَةُ) والجَمْعُ: المَواضِح، وهي (١): (التِي تُوضِحُ الْعَظْمَ؛ أَيْ: تُبْرِزُهُ)، ولو بِقَدْرِ إبْرةٍ، ذَكَرَه ابنُ القاسِمِ والقاضِي، والوَضَحُ: البَياضُ؛ يَعْنِي: أنَّها أبْدَتْ وضحَ (٢) العَظَم؛ أيْ: بَياضَه، (وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)، أيْ: أجْمَعُوا على أنَّ (٣) أرْشَها مُقدَّرٌ، قالَهُ ابنُ المنذر (٤)، وفي كتاب النَّبيِّ ﷺ لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمْسٌ من الإبل» رواه الشَّافِعِيُّ والنسائي (٥)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، قال: «وفي المواضح (٦) خَمْسٌ خَمْسٌ (٧) مِنْ الإبلِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وقال (٨): حديثٌ حَسَنٌ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العلم، وقال غَيرُه: إسْنادُه ثِقاتٌ (٩). وقد تَقدَّمَ مُوضِحةُ المرأة والعبد.

стр. 5602

وظاهِرُه: أنَّ مُوضِحةَ الرَّأس والوَجْه سَواءٌ، وهو كذلك في ظاهر المذهب؛ للعموم، ويشملُ (١): الصَّغيرةَ والكبيرةَ (٢)؛ لأِنَّ اسْمَ المُوضِحةِ يشمل (٣) الجميع. (وَعَنْهُ: فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ) من الإبل، وهي قَولُ سعيدِ بنِ المسيِّب؛ لأِنَّ شَينَها أكثرُ، ومُوضِحةُ الرَّأس يَستُرُها الشَّعرُ والعِمامةُ. (وَالْأَوَّلُ المَذْهَبُ)؛ لأِنَّه قَولُ أبي بكرٍ وعمرَ (٤)، ولأِنَّ مُوضِحةَ الوَجْه مُوضِحةٌ، فكان أرْشُها خمسةَ أبعرةٍ (٥) كغَيرِها، وكثرة (٦) السِّتْر لا عِبْرةَ به، بدليلِ التَّسويةِ بَينَ الصَّغيرة والكبيرة (٧). وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه لا شَيءَ مُقدَّرٌ في مُوضِحةِ غَيرِ الوَجْه والرَّأس، وهو قَولُ الأكثرِ؛ لأِنَّ اسْمَ المُوضِحة إنَّما يُطلق (٨) على الجِراحة المخصوصة في الوَجْه والرَّأس، وقول (٩) الخَلِيفَتَينِ: «الموضحة (١٠) في الوَجْه والرَّأس سَواءٌ»؛ لأِنَّ الشَّيْنَ (١١) فيهما أكثرُ وأخْطَرُ، فلا يَلحَقُ بهما غَيرُهما.

стр. 5603

(فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ، وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ؛ فَهَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر»: أحدهما: واحدةٌ، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ الوَجْهَ والرَّأسَ سَواءٌ في المُوضِحة، فصارا (١) كالعُضْوِ الواحد. والثَّاني: مُوضِحَتانِ، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه أوْضَحَه في عُضْوَينِ، فكان لكلٍّ منهما حُكْمُ نفسه، كما لو أوْضَحَه في الرَّأس ونَزَلَ إلى القَفَا. وأطْلَقَ في «المغْنِي» و «الكافي»: إذا كان بعضُها في الرَّأس وبعضُها في الوَجْه، وإنْ لم تعمَّ (٢) الرَّأْسَ؛ فيها الوَجْهانِ، وهو الذي يَقتَضِيهِ الدَّليلُ. (وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَينِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ) من الإبل؛ لأِنَّهما مُوضِحَتانِ. (فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا)؛ صارا (٣) مُوضِحَةً واحِدةً؛ كما لو أوْضَحَ الكلَّ مِنْ غَيرِ حاجِزٍ يَبقَى بَينَهما. (أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ) قَبْلَ الاِنْدِمالِ؛ (صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ سِرايَةَ الجِنايَة لها حُكْمُ أصْلِ الجِنايَةِ، بدليلِ ما لو أتْلَفَ مَا بَينَهُما بنفسه (٤). (وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ)؛ أي: المجروحُ، (أَوْ أَجْنَبِيٌّ؛ فَهِيَ (٥) ثَلَاثُ مَوَاضِحَ)؛ لأِنَّه استقرَّ (٦) عليه أرْش الأوليين (٧) بالاِنْدِمال، ثُمَّ لَزِمَتْه الثَّالِثةُ بالخَرْقِ.

стр. 5604

فإنِ انْدَمَلَتْ إحداهما، وزال الحاجِزُ بفعله، أوْ سِرايَةِ الأخرى؛ فعَلَيهِ أرْشُ مُوضِحَتَينِ؛ لأِنَّ سِرايَةَ فِعْلِه كالفعل. وأمَّا إذا خَرَقَه أجْنَبِيٌّ؛ فَعَلَى الأوَّلِ أرْشُ مُوضِحَتَينِ، وعلى الثَّاني أرْشُ مُوضِحةٍ؛ لأِنَّ فِعْلَ أحدِهما لا ينبني (١) على فِعْلِ الآخَرِ، فانْفَرَدَ كلٌّ واحِدٍ منهما بجِنايَتِه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ سببَ أرْشِ مُوضِحَتَينِ قد وُجِدَ، والجاني يَدَّعِي زَوالَه والمجْنِيُّ عَلَيهِ يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المنكِرِ. وفي «التَّرغيب»: يُصدَّقُ مَنْ يُصدِّقُه الظَّاهِرُ بقُرْبِ زَمَنٍ وبُعدِه، فإنْ تَساوَيَا؛ فالمجروحُ، قال: وله أرْشانِ، وفي ثالِثٍ وَجْهانِ. (وَمِثْلُهُ)؛ أي: مِثْلُ ما إذا أوْضَحَه مُوضِحَتَينِ بَينَهما حاجِزٌ، ثُمَّ خَرَقَ ما (٢) بَينَهما: (لَوْ (٣) قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ؛ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ؛ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ)؛ لأِنَّ جِراحَ المرأة يُساوِي جِراحَ الرَّجل إلى الثُّلث، فإذا (٤) زادت؛ صارَتْ على النِّصف. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا (٥)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ أيْ: في بَقاءِ الثُّلَثَينِ عليه. (وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَتَيْنِ فِي البَاطِنِ؛ فَهَلْ (٦) هِيَ (٧) مُوضِحَةٌ أَوْ

стр. 5605

مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (١): يَلزَمُه أرْشُ مُوضِحَتَينِ؛ لاِنْفِصالهما في الظَّاهِر. والثَّاني (٢): يَلزَمُه أرْشُ واحِدةٍ، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لاِتِّصالهما في الباطن. فإنْ أَوْضَحَه جماعةٌ مُوضِحةً؛ فهل يُوضَحُ مِنْ كلِّ واحِدٍ بِقَدْرِها أوْ يُوزَّع (٣)؟ فيه الخِلافُ. فرعٌ: لو أَوْضَحَ رَأْسَه، ومَدَّ السِّكِّينَ إلى قَفاهُ؛ فَدِيَةُ مُوضِحَةٍ وحُكومةٌ؛ كجرح (٤) القَفَا، ويُراعِي نسبة المُوضِحة في العبد والذِّمِّيِّ، ويتعدَّد الأرْشُ بتعدُّدِ المُوضِحَةِ. (وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلاَّ مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ)؛ لأنَّه لو (٥) أَوْضَحَ الجميعَ؛ لم يَلزَمْهُ أكثرُ مِنْ أرْشِ مُوضِحَةٍ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِيضَاحِ في البعض وشجِّ الباقِي أكثرُ مِنْ ذلك بطريقِ الأَوْلَى. وكذا لو شجَّه شجةً (٦) بعضُها هاشِمةً وباقِيهِ دُونَها؛ لم يَلزَمْهُ أكثرُ من (٧) ذلك. (ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهي (٨) الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ)، سُمِّيَتْ به لِهَشْمِها العَظْمَ، (فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ)، وهو قَولُ زَيدٍ (٩)، ومِثْلُ ذلك الظَّاهِرُ أنَّه
следующие страницы →