← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.

стр. 5601

(فَصْلٌ) (وَخَمْسٌ فِيهَا مُقَدَّرٌ) مِنْ الشَّرع، فَوَجَبَ المصيرُ إليه. (أَوَّلُهَا: الْمُوضِحَةُ) والجَمْعُ: المَواضِح، وهي (١): (التِي تُوضِحُ الْعَظْمَ؛ أَيْ: تُبْرِزُهُ)، ولو بِقَدْرِ إبْرةٍ، ذَكَرَه ابنُ القاسِمِ والقاضِي، والوَضَحُ: البَياضُ؛ يَعْنِي: أنَّها أبْدَتْ وضحَ (٢) العَظَم؛ أيْ: بَياضَه، (وَفِيهَا خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ)، أيْ: أجْمَعُوا على أنَّ (٣) أرْشَها مُقدَّرٌ، قالَهُ ابنُ المنذر (٤)، وفي كتاب النَّبيِّ ﷺ لعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفي المُوضِحةِ خَمْسٌ من الإبل» رواه الشَّافِعِيُّ والنسائي (٥)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، قال: «وفي المواضح (٦) خَمْسٌ خَمْسٌ (٧) مِنْ الإبلِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ وقال (٨): حديثٌ حَسَنٌ، والعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العلم، وقال غَيرُه: إسْنادُه ثِقاتٌ (٩). وقد تَقدَّمَ مُوضِحةُ المرأة والعبد.

стр. 5602

وظاهِرُه: أنَّ مُوضِحةَ الرَّأس والوَجْه سَواءٌ، وهو كذلك في ظاهر المذهب؛ للعموم، ويشملُ (١): الصَّغيرةَ والكبيرةَ (٢)؛ لأِنَّ اسْمَ المُوضِحةِ يشمل (٣) الجميع. (وَعَنْهُ: فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ عَشَرَةٌ) من الإبل، وهي قَولُ سعيدِ بنِ المسيِّب؛ لأِنَّ شَينَها أكثرُ، ومُوضِحةُ الرَّأس يَستُرُها الشَّعرُ والعِمامةُ. (وَالْأَوَّلُ المَذْهَبُ)؛ لأِنَّه قَولُ أبي بكرٍ وعمرَ (٤)، ولأِنَّ مُوضِحةَ الوَجْه مُوضِحةٌ، فكان أرْشُها خمسةَ أبعرةٍ (٥) كغَيرِها، وكثرة (٦) السِّتْر لا عِبْرةَ به، بدليلِ التَّسويةِ بَينَ الصَّغيرة والكبيرة (٧). وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه لا شَيءَ مُقدَّرٌ في مُوضِحةِ غَيرِ الوَجْه والرَّأس، وهو قَولُ الأكثرِ؛ لأِنَّ اسْمَ المُوضِحة إنَّما يُطلق (٨) على الجِراحة المخصوصة في الوَجْه والرَّأس، وقول (٩) الخَلِيفَتَينِ: «الموضحة (١٠) في الوَجْه والرَّأس سَواءٌ»؛ لأِنَّ الشَّيْنَ (١١) فيهما أكثرُ وأخْطَرُ، فلا يَلحَقُ بهما غَيرُهما.

стр. 5603

(فَإِنْ عَمَّتِ الرَّأْسَ، وَنَزَلَتْ إِلَى الْوَجْهِ؛ فَهَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا أطْلَقَهما في «المحرَّر»: أحدهما: واحدةٌ، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ الوَجْهَ والرَّأسَ سَواءٌ في المُوضِحة، فصارا (١) كالعُضْوِ الواحد. والثَّاني: مُوضِحَتانِ، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه أوْضَحَه في عُضْوَينِ، فكان لكلٍّ منهما حُكْمُ نفسه، كما لو أوْضَحَه في الرَّأس ونَزَلَ إلى القَفَا. وأطْلَقَ في «المغْنِي» و «الكافي»: إذا كان بعضُها في الرَّأس وبعضُها في الوَجْه، وإنْ لم تعمَّ (٢) الرَّأْسَ؛ فيها الوَجْهانِ، وهو الذي يَقتَضِيهِ الدَّليلُ. (وَإِنْ أَوْضَحَهُ مُوضِحَتَينِ بَيْنَهُمَا حَاجِزٌ؛ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ) من الإبل؛ لأِنَّهما مُوضِحَتانِ. (فَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَهُمَا)؛ صارا (٣) مُوضِحَةً واحِدةً؛ كما لو أوْضَحَ الكلَّ مِنْ غَيرِ حاجِزٍ يَبقَى بَينَهما. (أَوْ ذَهَبَ بِالسِّرَايَةِ) قَبْلَ الاِنْدِمالِ؛ (صَارَا مُوضِحَةً وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ سِرايَةَ الجِنايَة لها حُكْمُ أصْلِ الجِنايَةِ، بدليلِ ما لو أتْلَفَ مَا بَينَهُما بنفسه (٤). (وَإِنْ خَرَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ)؛ أي: المجروحُ، (أَوْ أَجْنَبِيٌّ؛ فَهِيَ (٥) ثَلَاثُ مَوَاضِحَ)؛ لأِنَّه استقرَّ (٦) عليه أرْش الأوليين (٧) بالاِنْدِمال، ثُمَّ لَزِمَتْه الثَّالِثةُ بالخَرْقِ.

стр. 5604

فإنِ انْدَمَلَتْ إحداهما، وزال الحاجِزُ بفعله، أوْ سِرايَةِ الأخرى؛ فعَلَيهِ أرْشُ مُوضِحَتَينِ؛ لأِنَّ سِرايَةَ فِعْلِه كالفعل. وأمَّا إذا خَرَقَه أجْنَبِيٌّ؛ فَعَلَى الأوَّلِ أرْشُ مُوضِحَتَينِ، وعلى الثَّاني أرْشُ مُوضِحةٍ؛ لأِنَّ فِعْلَ أحدِهما لا ينبني (١) على فِعْلِ الآخَرِ، فانْفَرَدَ كلٌّ واحِدٍ منهما بجِنايَتِه. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ خَرَقَهُ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ سببَ أرْشِ مُوضِحَتَينِ قد وُجِدَ، والجاني يَدَّعِي زَوالَه والمجْنِيُّ عَلَيهِ يُنكِرُه، والقَولُ قَولُ المنكِرِ. وفي «التَّرغيب»: يُصدَّقُ مَنْ يُصدِّقُه الظَّاهِرُ بقُرْبِ زَمَنٍ وبُعدِه، فإنْ تَساوَيَا؛ فالمجروحُ، قال: وله أرْشانِ، وفي ثالِثٍ وَجْهانِ. (وَمِثْلُهُ)؛ أي: مِثْلُ ما إذا أوْضَحَه مُوضِحَتَينِ بَينَهما حاجِزٌ، ثُمَّ خَرَقَ ما (٢) بَينَهما: (لَوْ (٣) قَطَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعِ امْرَأَةٍ؛ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ قَطَعَ الرَّابِعَةَ؛ عَادَ إِلَى عِشْرِينَ)؛ لأِنَّ جِراحَ المرأة يُساوِي جِراحَ الرَّجل إلى الثُّلث، فإذا (٤) زادت؛ صارَتْ على النِّصف. (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَاطِعِهَا (٥)؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ)؛ أيْ: في بَقاءِ الثُّلَثَينِ عليه. (وَإِنْ خَرَقَ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَتَيْنِ فِي البَاطِنِ؛ فَهَلْ (٦) هِيَ (٧) مُوضِحَةٌ أَوْ

стр. 5605

مُوضِحَتَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما (١): يَلزَمُه أرْشُ مُوضِحَتَينِ؛ لاِنْفِصالهما في الظَّاهِر. والثَّاني (٢): يَلزَمُه أرْشُ واحِدةٍ، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لاِتِّصالهما في الباطن. فإنْ أَوْضَحَه جماعةٌ مُوضِحةً؛ فهل يُوضَحُ مِنْ كلِّ واحِدٍ بِقَدْرِها أوْ يُوزَّع (٣)؟ فيه الخِلافُ. فرعٌ: لو أَوْضَحَ رَأْسَه، ومَدَّ السِّكِّينَ إلى قَفاهُ؛ فَدِيَةُ مُوضِحَةٍ وحُكومةٌ؛ كجرح (٤) القَفَا، ويُراعِي نسبة المُوضِحة في العبد والذِّمِّيِّ، ويتعدَّد الأرْشُ بتعدُّدِ المُوضِحَةِ. (وَإِنْ شَجَّ جَمِيعَ رَأْسِهِ سِمْحَاقًا إِلاَّ مَوْضِعًا مِنْهُ أَوْضَحَهُ؛ فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ)؛ لأنَّه لو (٥) أَوْضَحَ الجميعَ؛ لم يَلزَمْهُ أكثرُ مِنْ أرْشِ مُوضِحَةٍ، فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْإِيضَاحِ في البعض وشجِّ الباقِي أكثرُ مِنْ ذلك بطريقِ الأَوْلَى. وكذا لو شجَّه شجةً (٦) بعضُها هاشِمةً وباقِيهِ دُونَها؛ لم يَلزَمْهُ أكثرُ من (٧) ذلك. (ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهي (٨) الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ)، سُمِّيَتْ به لِهَشْمِها العَظْمَ، (فَفِيهَا عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ)، وهو قَولُ زَيدٍ (٩)، ومِثْلُ ذلك الظَّاهِرُ أنَّه

стр. 5606

توقيفٌ، ولا يُعرَفُ له مُخالِفٌ في عَصْرِه، ولأنَّه (١) شَجَّةٌ فَوقَ المُوضِحَةِ يختصُّ (٢) باسْمٍ، فكان فيها مُقدَّرٌ؛ كالمأْمومة. (فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثَقَّلٍ فَهَشَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوضِحَهُ؛ فَفِيهِ حُكُومَةٌ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه كَسْرُ عَظْمٍ لا جُرْحَ معه، أشْبَهَ قَصَبَةَ الأنف. (وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ)؛ لأِنَّه لو أَوْضَحَ وَهَشَمَ؛ لَوَجَبَ عَشْرٌ، فإذا وُجِدَ أحدهما؛ وجَبَ خَمْسٌ؛ كالإيضاح وحدَه، وكما لو هَشَمَه على مُوضِحَةٍ. وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه لا يَجِبُ أرْشُ الهاشِمَة بغَيرِ خِلافٍ (٣)؛ لأِنَّ الأَرْشَ المقدَّرَ وَجَبَ في هاشِمَةٍ معها مُوضِحةٌ. أصلٌ: إذا هَشَمَه هاشِمةً لها مَخرجانِ؛ فثنتان (٤)، فلو أوْضَح إنسانًا في رأسه، ثُمَّ أخرج رأسَ السِّكِّينِ من (٥) مَوضِعٍ آخَرَ؛ فمُوضِحتانِ. وكذا إذا أوْضَحَه مُوضِحَتَينِ، هَشَمَ العَظْمَ في كلٍّ منهما، واتَّصَلَ الهَشْمُ في الباطن؛ فهما هاشِمَتانِ؛ لأِنَّ الهَشْمَ يكونُ تَبَعًا للإيضاح، فإذا كانا مُوضِحَتَينِ؛

стр. 5607

كان الهَشْمُ هاشِمَتَينِ، بخلاف (١) المُوضِحة، فإنَّها لَيسَتْ تَبَعًا لغيرها. (ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ التِي تُوضِحُ، وَتَهْشِمُ، وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا)، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأِنَّها تَنقُلُ عِظامَهَا، وهي زائدةٌ على الهاشِمَة، وقِيلَ: تَنقُلُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ، (فَفِيهَا خَمْسَ عَشَرَةَ مِنَ الْإِبِلِ)، بالإجْماع، حكاهُ ابنُ المنذِرِ (٢)، وسَنَدُه: ما رواه سعيدٌ عن عليٍّ، بإسنادٍ حَسَنٍ (٣)، وحديثُ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، وحديثُ عمرو (٤) بن شُعَيبٍ عن أبيه (٥). (ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ التِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةِ الدِّمَاغِ، وَتُسَمَّى: أُمَّ الدِّمَاغِ (٦)؛ لأِنَّها تَحُوطُهُ وَتَجْمَعُه، (وَتُسَمَّى الْمَأْمُومَةُ: آمَّةً (٧)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (أهلُ العراق يَقُولونَ لها: الآمَّة، وأهلُ الحِجاز: المَأْمُومة) (٨)، وهِيَ: الجِراحةُ الواصِلةُ إلى أمِّ الدِّماغ، وهي جِلْدةٌ فيها الدِّماغُ، يُقالُ: أمَّ الرَّجُلَ آمَّةً ومَأْمُومةً، (وَفِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ) في قَولِ أكثرِهم؛ لِمَا في كتابِ رسول الله ﷺ إلى عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «في المأْمُومة ثُلُثُ الدِّيَة»، ورواه (٩) سعيدٌ عن عليٍّ بإسْنادٍ حسَنٍ. ووَافَقَ مَكحولٌ على ذلك إذا كانَتْ خَطَأً، فإنْ كانَتْ عَمْدًا؛ ففيها ثُلُثَاها.

стр. 5608

وجَوابُه: أنَّها شَجَّةٌ، فلا يَختَلِفُ أرشها (١) بالعَمْدِ والخَطَأ؛ كسائِرِ الشِّجَاجِ. (ثُمَّ الدَّامِغَةُ (٢)، وَهِيَ التِي تَخْرِقُ الْجِلْدَةَ)؛ أيْ: جِلْدَةَ الدِّماغ؛ (فَفِيهَا مَا فِي الْمَأْمُومَةِ)، قال القاضِي: لم يَذكُرْ أصْحابُنا الدامِغة (٣)؛ لِمُساوَاتِها المأْمُومةَ في أرْشِها، ويَحتَمِلُ أنَّهم تَرَكُوا ذِكْرَها؛ لكَونِها لا يَسلَمُ صاحِبُها في الغالِبِ، ولهذا قال ابنُ حَمْدانَ: بَلْ يَجِبُ فيها كلُّ الدِّيَة؛ لأِنَّه لا يَعِيشُ، وقِيلَ: فيها مع (٤) ما (٥) ذُكِرَ: حُكومةٌ؛ لِخَرْقِ جِلْدَة الدِّماغ. مسألةٌ: أوْضَحَه رجلٌ، ثُمَّ هَشَمَه آخر (٦)، ثُمَّ جعلها (٧) ثالِثٌ مُنَقِّلَةً، ثُمَّ جَعَلَها رابِعٌ مأمومة؛ فَعَلَى الأوَّل أرْشُ مُوضِحَةٍ، وعلى الثَّاني خَمْسٌ تمام (٨) أرْشِ الهاشِمَة، وعلى الثَّالث خَمْسٌ تَمامَ أرْشِ المنقِّلَة، وعلى الرَّابِع ثَمانِيَةَ عَشَرَ وثُلُثٌ تمامَ أرْشِ المأْمُومةِ، ذَكَرَه في الشَّرح وغَيرِه. وفي (٩) «الرِّعايَة الكُبْرى»: على كلِّ واحِدٍ خَمْسٌ من الإبل. وقِيلَ: على مَنْ هَشَمَ خَمْسٌ أخرى، وعلى مَنْ نَقَّلَه عَشْرٌ أخْرَى، وعلى مَنْ أمَّه ثمانيةَ عشر بعيرًا وثُلُثُ بَعِيرٍ، وكمَنْ أوْضَحَه إيضاحَةً فَقَطْ.

стр. 5609

(فَصْلٌ) (وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ) في قَولِ عامَّتِهم؛ لقوله ﷺ في كتابِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ: «وفي الجائفة ثُلُثُ الدِّيَةِ»، ولحديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه (١)، ولأِنَّها جِراحةٌ فيها (٢) مُقدَّرٌ، فلم يَختَلِفْ أرْشُها بالعَمْد والخَطَأ؛ كالمُوضِحَةِ، ولا نَعلَمُ في جِراحِ البَدَن الخالِيَةِ عن قَطْعِ الأعْضاءِ وكَسْرِ العِظام مُقدَّرًا غَيرَ الجائفة. (وَهِيَ التِي تَصِلُ إِلَى بَاطِنِ الْجَوْفِ)، ولو لم تخرق (٣) الأمْعاءَ، (مِنْ بَطْنٍ، أَوْ ظَهْرٍ، أَوْ صَدْرٍ، أَوْ نَحْرٍ)، قال في «الفروع»: وحَلْقٍ، ومَثانَةٍ، وبَينَ خُصْيَتَينِ، ودُبُرٍ، وفي «الرِّعاية»: وهِيَ ما وَصَلَ جَوفًا فيه قُوَّةٌ مُحيلة (٤) للغِذاء مِنْ ظَهْرٍ أوْ بَطْنٍ وإنْ لم تخرق (٥) الأمعاءَ، أوْ صَدْرٍ، أوْ نَحْرٍ، أوْ دِماغٍ وإنْ لم تخرق (٦) الخَرِيطةَ، أوْ مَثانَةٍ، أوْ ما بَينَ وِعاءِ الخُصْيَتَينِ والدُّبُر. فرعٌ: إذا أجافَه جائفَتَينِ بَينَهما حاجِزٌ؛ فثُلُثَا الدِّيَة، وإنْ خَرَقَ الجاني ما بَينَهما، أو ذَهَبَ بالسِّرايَة؛ فجائفةٌ، فيها ثُلُثُ الدِّية (٧) لا غَيرُ. فإنْ خرق (٨) ما بَينَهما أجْنَبِيٌّ، أو المجنيُّ عليه؛ فعلى الأوَّل ثُلُثَا الدِّيَة،

стр. 5610

وعلى الأجنبيِّ الثَّاني ثُلُثُها، ويَسقُطُ ما قابَلَ فعل (١) المجنيِّ عليه. وإن احْتاجَ إلى خَرْقِ ما بَينَهما للمُداواةِ، فخَرَقَها المجْنِيُّ عليه، أوْ غَيرُه بأمْرِه، أوْ خَرَقَها وليُّ المجْنِيِّ عليه، أو الطَّبِيبُ بأمْرِه؛ فلا شَيءَ في خَرْقِ الحاجِز، وعلى الأوَّلِ ثُلُثُ الدِّيَة. (فَإِنْ (٢) خَرَقَ مِنْ جَانِبِ، فَخَرَجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ؛ فَهِيَ جَائِفَتَانِ) في قَولِ الأكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، حدثنا هُشَيمٌ، أنا حَجَّاجٌ، قال: أخبرني عَمْرُو بنِ شُعَيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: «أنَّ أبا بكرٍ قَضَى في جائِفةٍ نَفَذَت: بثُلُثَيِ الدِّيَة» (٣)، وعن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: «أنَّ عمرَ قَضَى في الجائفةِ إذا نَفَذَت: بأرْشِ جائِفَتَينِ» (٤)، وكما لو طَعَنَه من جانِبَينِ فالْتَقَيَا، ولأِنَّه أنْفَذَه مِنْ مَوضِعَينِ، كما لو أنْفَذَه بضَرْبَتَينِ. وقِيلَ: واحدةٌ؛ لأِنَّ الجائفة هي الَّتي (٥) تَنفُذُ مِنْ ظاهِرِ البَدَن إلى الجَوفِ،

стр. 5611

وهذه - أي (١): الثَّانيةُ - إنَّما نَفَذَتْ من الباطِنِ إلى الظَّاهر. وجَوابُه: أنَّ الاِعْتِبارَ بوصولِ الجُرْح إلى الجَوف، لا بكَيفِيَّةِ إيصاله (٢)؛ إذْ لا أثَرَ لصورةِ الفِعل مع التَّساوِي في المعْنَى. (وَإِنْ طَعَنَهُ فِي خَدِّهِ، فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى فَمِهِ)، أوْ نَفَذَ أنْفًا، أوْ ذَكَرًا، أوْ جَفْنًا إلى بَيضَةِ العَينِ؛ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ) في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّ باطِنَ الفَمِ حُكْمُه حُكْمُ الظَّاهِرِ لا الباطِنِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَكُونَ (٣) جَائِفَةً)؛ لأِنَّه وَصَلَ إلى جَوفٍ مجوَّف (٤)، أشْبَهَ ما لو وصلت (٥) إلى الباطن. فرعٌ: إذا وَطِئَ زَوجةً صغيرةً أوْ نَحِيفةً لا يُوطَأُ مِثْلُها، فخَرَقَ ما بَينَ مخرجِ (٦) بَولٍ ومَنِيٍّ، أوْ ما بَينَ السَّبِيلَينِ؛ فالدِّيَةُ إنْ لم يَستَمْسِكْ بَولٌ، وإلاَّ فجائفةٌ. وإنْ كانَتْ يُوطَأُ مِثْلُها لِمِثْلِه، أوْ أجْنَبِيَّةً كبيرةً مُطاوِعةً، ولا شُبْهةَ، فَفَعَلَ ذلك؛ فهَدرٌ؛ لِعَدَمِ تصوُّر (٧) الزِّيادة، وهو حقٌّ له؛ أيْ: له طَلَبُه عِنْدَ الحاكم، بخلافِ أجيرٍ مُشتَرَكٍ، ولها مع الشُّبهة والإكراهِ؛ الدِّيَةُ إنْ لم يَستَمْسِكْ بَولٌ، وإلاَّ ثُلُثُها، ويجب (٨) أرْشُ بَكارَةٍ مع الفَتْقِ، ولا يَندَرِجُ في ديةِ (٩) إفْضاءٍ على الأصحِّ.

стр. 5612

(فَإِنْ (١) جَرَحَهُ فِي وَرِكِهِ، فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى جَوْفِهِ، أَوْ (٢) أَوْضَحَهُ، فَوَصَلَ الْجُرْحُ إِلَى قَفَاهُ؛ فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ وَمُوضِحَةٍ، وَحُكُومَةٌ لِجُرْحِ الْقَفَا وَالْوَرِكِ)؛ لأِنَّ الجراح (٣) في غَيرِ مَوضِعِ الجائفة، فانْفَرَدَ فِيهِ بالضمان (٤)؛ كما لو لم يكُنْ معها جائفةٌ، وأمَّا الحُكومةُ؛ فَلأِنَّه لا تَوقِيتَ فيه، وقد جُرِحَ قَفاهُ، وكما لو انفَرَدَ. (وَإِنْ أَجَافَهُ، وَوَسَّعَ آخَرُ الْجُرْحَ؛ فَهِيَ جَائِفَتَانِ)؛ لأِنَّ فِعْلَ كلٍّ (٥) منهما لو انْفَرَدَ كان جائفةً، فلا يَسقُطُ حُكمُه بانْضِمامه إلى فِعْلِ غَيرِه. (وَإِنْ وَسَّعَ ظَاهِرَهُ دُونَ بَاطِنِهِ، أَوْ بَاطِنَهُ دُونَ ظَاهِرِهِ؛ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ)؛ لِتَوسِيعِه، لأِنَّ جِنايَتَه لم تَبلُغ الجائفةَ. وفي «التَّرغيب» وجهٌ: عَلَيه حقُّ (٦) جائفةٍ. (وَإِنِ الْتَحَمَتِ (٧) الْجَائِفَةُ، فَفَتَحَهَا آخَرُ؛ فَهِيَ جَائِفَةٌ أُخْرَى)، عَلَيهِ أرْشُها؛ لأِنَّه عاد إلى الصِّحَّة، فصار كالذي لم يجرح (٨)، وحاصِلُه: إنْ فَتَقَ مُوضِحَةً نَبَتَ شَعْرُها؛ فجائفةٌ، وإلاَّ حُكومةٌ.

стр. 5613

وفي «التَّرغيب»: إن انْدَمَلَتْ فأوْضَحَها آخَرُ؛ فَقِيلَ: مُوضِحَةٌ، وقِيلَ: حُكومةٌ. وذَكَرَ الخَلاَّلُ وغَيرُه روايةَ ابنِ منصورٍ: إن (١) أوْضَحَه، فبَرِئَ ولم (٢) يَنبُت الشَّعرُ، ثُمَّ أوْضَحَه آخَرُ؛ فَحُكومةٌ (٣). وإنِ الْتَحَم ما أرْشُه مُقدَّرٌ؛ لم يَسقُطْ. مسألةٌ: إذا أدْخَلَ خَشَبَةً في دُبُرِه، وفَتَحَ جِلْدَه في الباطن؛ فوجْهانِ.

стр. 5614

(فَصْلٌ) (وَفِي الضِّلَعِ)، قال في «المحرَّر»، و «الوجيز»، و «النَّظْم»، و «الحاوي»، و «الفروع»، وغيرهم (١): إنْ جُبِرَ مُستَقِيمًا؛ (بَعِيرٌ (٢)، وإلاَّ فحكومةٌ. (وَفِي التَّرْقُوَتَيْنِ)، واحِدُهما تَرقُوَةٌ، وهو العَظْمُ المسْتَديرُ حَولَ العُنُق من النَّحْر إلى الكَتِفِ؛ (بَعِيرَانِ) وفي كلِّ واحدةٍ منهما بعيرٌ، نَصَّ عليه في روايةِ أبي طالِبٍ (٣)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن زَيدِ بنِ أسْلَمَ، عن سالم (٤) ابنِ جُندَبٍ، عن أسْلَمَ بنِ أبي عمرَ، قال عمرُ: «في الضِّلَع: جَمَلٌ، والترقوة (٥) جَمَلٌ» (٦). وظاهِرُ الخِرَقيِّ، وجَزَمَ به في «الإرشاد»: أنَّ في الواحدة بَعِيرَينِ، فيكون فيهما أربعةُ أبْعِرَةٍ، ورُوِيَ عن زَيدٍ (٧)، لكِنْ قال القاضي: المرادُ بقَولِ

стр. 5615

الخرقي (١) التَّرْقُوَتَانِ معًا، وإنَّما اكتفى (٢) بلَفْظِ الواحد؛ لِإدْخالِ الألف واللاَّم المقْتَضِيَةِ للاسْتِغْراق، فيكونُ في كلِّ تَرقُوَةٍ بعيرٌ. (وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الذِّرَاعِ، وَالزَّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ، وَالسَّاقِ: بَعِيرَانِ)، في رِوايةٍ نَقَلَها أبو طالِبٍ (٣)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، حدثنا هاشِمٌ، أنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ: أنَّ عَمْرَو بنَ العاص كَتَبَ إلى عمر في (٤) أحَدِ الزَّنْدَينِ إذا كُسِرَ، فكَتَبَ إليه (٥) عمرُ: «أنَّ فيه بَعِيرَينِ، وإذا كَسَر (٦) الزَّندَينِ ففيهما أربعةُ أبْعِرَةٍ» (٧)، ولم يَظهَرْ له مُخالِفٌ في (٨) الصَّحابة، فكان كالإجماع.

стр. 5616

والثَّانيةُ: وقدَّمها في «المحرَّر»، وجَزَمَ بها في «الوجيز»: أنَّ الواجِبَ بعيرٌ، نَصَّ عليها في رواية صالِحٍ (١)، ورواه عن عمر (٢). وعن أحمدَ: في الزَّنْد الواحد (٣) أربعةُ أبْعِرَةٍ؛ لأنَّهما (٤) عَظْمانِ، وفيما سِواهُ بَعِيرانِ، وزاد أبو الخَطَّاب: فجَعَلَ في عَظْمِ القَدَمِ بَعِيرَينِ. قال في «المستوعب»: والزَّنْدُ هو (٥) الذِّراعُ، ويُسمَّى السَّاعِدَ أيضًا. قال في «الرِّعاية»: وهو بعيدٌ. قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ: أنَّه لا تقديرَ في غَيرِ الضِّلَع والتَّرْقُوَتَينِ والزَّندَينِ، ومُقتَضَى الدَّليلِ وُجوبُ الحُكومة في هذه الأعضاءِ الباطِنَةِ كلِّها، وإنَّما خالَفْناهُ في هذه العِظامِ لِقَضاءِ عمرَ، ففيما عداها (٦) يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّليلِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ: فيها وفي ضِلَعٍ حُكومَةٌ. ونَقَلَ حنبل فِيمَنْ كُسِرَتْ يَدُه أوْ رِجْلُه: فيها حُكومةٌ وإنِ انْجَبَرَتْ (٧). (وَمَا عَدَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجُرُوحِ، وَكَسْرِ الْعِظَامِ؛ مِثْلَ خَرَزَةِ (٨) الصُّلْبِ،

стр. 5617

وَالعُصْعُصِ)، والعانَةِ؛ (فَفِيهِ حُكُومَةٌ)؛ لأِنَّ الجِنايَةَ على ذلك لا تَوقِيتَ فيها، أشْبَهَ الجِراحَ التي لا توقيت فيها، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١)، وإنْ خالَفَ فيه أحدٌ فهو قَولٌ شاذٌّ لا (٢) يُصارُ إلَيهِ. فائدةٌ: خَرزةُ الصُّلْبِ: فَقارُه، إنْ أُرِيدُ بها كَسْرُ الصُّلْب؛ ففيه الدِّيَةُ، وقال القاضي: فيه حُكومةٌ. والعُصْعُص، بضَمِّ العَينِ: عُجْبُ الذَّنَبِ، وهو العَظْمُ الذي في أسْفَلِ الصُّلْبِ. (وَالْحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لَا جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ (٣) مِنْ الْقِيمَةِ فَلَهُ مِثْلُهُ مِنَ الدِّيَةِ)، هذا هو قولُ الجُمْهور؛ لأِنَّ جملته (٤) مضمونةٌ بالدِّيَة، فأجزاؤه (٥) مضمونةٌ منها، كما أنَّ المَبِيعَ لِمَّا كان مضمونًا على البائع بالثَّمَن؛ كان أرْشُ عيبه (٦) مُقدَّرًا من الثَّمن. ولا تُقبل (٧) الحكومة إلاَّ مِنْ عَدْلَينِ، خَبِيرَينِ بالقيمة، ولا تقويمَ إلاَّ بَعْدَ البُرْءِ؛ لأِنَّ أرْشَ الجُرْح المقدَّرِ لا يَستَقِرُّ إلاَّ بَعْدَ بُرْئِه. (كَأنْ قِيمَتُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ وَبِهِ الْجِنَايَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ؛ فَفِيهِ نِصْفُ عُشُرِ دِيَتِهِ)؛ لأِنَّ النَّاقِصَ بالتَّقْويمِ دِرْهَمٌ مِنْ عِشْرِينَ، وهو نصفُ عُشْرِها، فيكونُ فيه هنا نصفُ عُشْر الدِّيَة؛ ضَرورةَ أنَّ الواجِبَ مِثْلُ ذلك من الدِّيَةِ.

стр. 5618

(إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي شَيْءٍ فِيهِ مُقَدَّرٌ، فَلَا (١) يُبْلَغُ بِهَا (٢) أَرْشُ الْمُقَدَّرِ)، هذا اسْتِثْناءٌ ممَّا تقدَّم، وحاصِلُه: أنَّ الحكومةَ إنَّما تَجِبُ فيه على نَوعَينِ: أحدهما: أنْ يكون (٣) في شَيءٍ مُقدَّرٍ، وحُكْمُه سَبَقَ. الثَّاني: أنْ يكونَ في شَيءٍ هو بعضُ المقَدَّر، فهذا لا بُدَّ أنْ يُلحَظ فيه عَدَمُ مُجاوَزَةِ أرْشِ المؤقَّتِ، مِثْلَ أنْ يَشُجَّه سِمْحاقًا، وهو دُونَ المُوضِحَةِ، فإنْ بَلَغَ بالتَّقويم أرْشُها أكْثَر مِنْ مُوضِحَةٍ، مِثْلَ أنْ تَنقُص الجناية (٤) أكثرَ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ قِيمَتِه، لم يجب (٥) الزَّائد؛ لأِنَّه لو وَجَبَ ذلك لكان قد وَجَبَ في شَيءٍ لا يَبلُغُ مُوضِحةً أكثرَ مِنْ أرْشِ المُوضِحَةِ، وهو غَيرُ جائز (٦)؛ لأِنَّ المُوضِحَةَ أكثرُ مِنْ ذلك، والشَّينَ بها أعْظَمُ، والمحلُّ واحِدٌ. (وَإِذَا كَانَتْ فِي الشِّجَاجِ التِي دُونَ الْمُوضِحَةِ؛ لَمْ يُبْلَغْ بِهَا أَرْشُ الْمُوضِحَةِ)، وهل يُبلَغُ بها أرْشُ المؤقت (٧)؟ على رِوايَتَينِ: ظاهِرُ المذْهَب: أنَّه لا يُبلَغُ به أرْشُ المؤقَّت (٨)، قالَهُ ابنُ هُبَيرةَ، والنقص (٩) على حَسَبِ اجْتِهادِ الحاكم، ولا تزاد (١٠) بحُكومةٍ في مقدَّر (١١) على دِيَتِه، وفي جَوازِ

стр. 5619

مُساواته وَجْهانِ، وعلى المنْعِ؛ يَنقُصُ الحاكِمُ ما شاء. لا يُقالُ: قد وَجَبَ في بعض البَدَن أكثرُ مِمَّا وَجَبَ في جميعِه، ووجب (١) في مَنافِعِ الإنسان أكثرُ من الواجب فيه؛ لأِنَّه إنَّما وَجَبَ دِيَةُ النَّفْس دِيَةً عن الرُّوح (٢)، ولَيسَت الأطْرافُ بعضَها، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا، ذَكَرَه القاضي. (وَإِنْ كَانَتْ فِي أُصْبُعٍ (٣)؛ لَمْ يُبْلَغْ بِهَا دِيَةُ الْأُصْبُعِ)؛ لأِنه إذا جَرَحَ أصْبُعًا، فبَلَغَ أرْشُه أكثرَ من عُشْرِ الدِّيَة؛ لا (٤) يَجِبُ أكثرُ من (٥) عُشْرِها. (وَإِنْ كَانَتْ فِي أَنْمَلَةٍ؛ لَمْ يُبْلَغْ بِهَا دِيَتُهَا)؛ أي: إذا كانت الجراح (٦) في أنْمَلَةٍ، فبلغ (٧) أرْشُه أكثرَ مِنْ ثلاثةٍ وثُلُثٍ من الأوَّل؛ لا يجب (٨) أكثرُ مِنْ ثلاثةٍ وثُلُثٍ؛ لأِنَّه دِيَةُ الأَنْمُلةِ. (وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا (٩) يَنْقُصُ شَيْئًا بَعْدَ الاِنْدِمَالِ؛ قُوِّمَتْ حَالَ جَرَيَانِ الدَّمِ)؛ لأِنَّه لا بُدَّ من نَقْصٍ لأِجَلِ الجِنايَةِ، فإذا كان التَّقْويمُ بَعْدَ الاِنْدِمال ينفي (١٠) ذلك؛ وَجَبَ أنْ يُقوَّمَ في حالِ انْدِمالِ جَرَيَانِ (١١) الدَّمِ؛ لِيَحْصُل النقص (١٢).

стр. 5620

(فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ شَيْئًا بِحَالٍ، أَوْ زَادَتْهُ حُسْنًا؛ فَلَا شَيْءَ فِيهَا)، إذا لم يحصل (١) بالجناية نقصٌ في جَمالٍ، ولا نفعٌ؛ كقَطْعِ أصْبُعٍ زائدةٍ، أوْ قَلْعِ سنٍّ (٢) زائدة (٣)، أوْ لِحْيَةِ امرأةٍ، فانْدَمَلَ المَوضِعُ مِنْ غَيرِ نَقْصٍ، أوْ زاد جمالاً أوْ قيمة (٤)؛ فوَجْهانِ: أصحُّهما: لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأِنَّه لم (٥) يَحصُلْ بفعله (٦) نَقْصٌ، فلم يَجِبْ شَيءٌ؛ كما لو لَكَمَه فلم يُؤثِّرْ. والثَّاني: يَجِبُ ضَمانُه؛ لأِنَّه جُزْءٌ من مضمونٍ، فَوَجَبَ ضَمانُه كغَيرِه. وقال أبو الخَطَّاب: إذا قَطَعَ لِحْيَةَ امْرأةٍ، فإنَّها تُقَوَّمُ كأنَّها رَجُلٌ له لِحْيَةٌ، ثُمَّ يُقوَّم (٧) رجلٌ قد ذَهَبَتْ، فما نَقَصَ وَجَبَ بِقِسْطِه، وفيه نَظَرٌ؛ لأِنَّ لِحْيَةَ الرَّجُلِ زَينٌ له وعَيبٌ في المرأةِ، وتقديرُ العَيبِ بالزَّينِ لا يَصِحُّ. فرعٌ: إذا جَنَى عليه جِنايَةً لها أرْشٌ، ثُمَّ قَتَلَه قَبْلَ انْدِمالِ الجُرْحِ؛ دَخَل أرْشُه في دِيَةِ النَّفس؛ كما لو مات مِنْ سِرايَةِ الجُرْحِ. وإنْ قَتَلَه غَيرُه؛ وَجَبَ أرْشُ الجُرْحِ؛ كما لو انْدَمَلَ. وإنْ لَطَمَه على وَجْهِه، فلم يُؤثِّرْ فيه؛ فلا ضَمانَ؛ كما لو شَتَمَه.

стр. 5621

(بَابُ الْعَاقِلَةِ (١)) العاقِلَةُ: جَمْعُ عاقِلٍ، وهو المؤدِّي للدِّيَة، يُقالُ: عَقَلْتُ فُلانًا، إذا أعطيتَه (٢) دِيَتَه، وعَقَلَتُ عن (٣) فُلانٍ إذا غَرِمْتَ عنه دِيَتَه. وأصْلُه مِنْ عَقْلِ الإبل بالعَقْلِ، وهي الحِبالُ التي تُثْنَى بها أيْدِيها إلى ركبها. وقِيلَ: اشْتِقاقُه مِنْ العَقْلِ، وهو المنْعُ؛ لأِنَّهم يمنَعُونَ عن القاتِل، والعَقْلُ المنْعُ، ويُسَمَّى بعضُ العُلُوم عَقْلاً؛ لأِنَّه يَمنَعُ من الإقدام على (٤) المضارِّ. وقِيلَ: لأِنَّهم يَتحمَّلونَ العَقْلَ، وهو الدِّيَةُ، سُمِّيَتْ بذلك؛ لأِنَّها تَعقِلُ لِسانَ وَلِيِّ المقْتولِ. وهي: مَنْ غَرِمَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثرَ، بسببِ جِنايَةِ غَيرِه. (وَمَا تَحْمِلُهُ)؛ أي (٥): ما تَحمِلُه العاقِلةُ، هل يَجِبُ عَلَيها ابْتِداءً، أوْ على القاتِلِ ثُمَّ تَحمله عنه؟ فيه قَولانِ؛ كما قِيلَ في فِطْرةِ الزَّوجة والوَلَد ونحوِهما ممن (٦) يُخرِجُ عنه غيره (٧)، هل تَجِبُ عليه ابْتِداءً، أوْ على المخرِجِ؟ ومَن لا عاقِلَةَ له هل تَجِبُ في ذِمَّتِه الدِّية (٨) أوْ لا (٩)؟ عَلَى قَولَينِ.

стр. 5622

(عَاقِلَةُ الْإِنْسَانِ: عَصَبَاتُهُ كُلُّهُمْ، قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ، مِنَ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ)، وهم: الأحرارُ، العاقِلُونَ، البُلَّغُ، الأغْنِياءُ على المشهور؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه، قال: «قَضَى النَّبيُّ ﷺ أنَّ عَقْلَ المرأة على عَصَبَتِها مَنْ كانوا، لا يَرِثُونَ منها شَيئًا إلاَّ ما فَضَلَ عن وَرَثَتِها، وإنْ قتلت (١) فَعَقْلُها بين (٢) وَرَثَتِها» رواه أبو داودَ (٣)، ولأِنَّهم عَصَبَةٌ أشْبَهُوا سائرَ العَصَباتِ. يُحقِّقُه (٤): أنَّ العَقْلَ مَوضُوعٌ على التَّناصُرِ، وهم مِنْ أهْلِه، ولأِنَّ العَصَبةَ في تَحمُّلِ العَقْلِ في (٥) الميراث في تقديمِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، وكَونُ البعيدِ عَصَبةً لأِنَّه يَرِثُ المالَ إذا لم يكُنْ وَارِثٌ أقربَ منه، فهو كالقَرِيب، وكَونُ عَصَباتِ الإنسان في (٦) الوَلاء مِنْ العاقِلةِ؛ لِعُمومِ قَولِه ﵇: «الوَلاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمَةِ النَّسَبِ». (٧) (إِلاَّ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، آبَاءَهُ وَأَبْنَاءَهُ)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز» (٨)، قال ابنُ المنَجَّى: وهو المذْهَبُ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ امْرأتَينِ مِنْ هُذَيلٍ قَتَلَتْ إحداهما الأخرى، ولكلِّ واحدة منهما زَوجٌ وَوَلَدٌ، فَجَعَلَ رسولُ الله ﷺ دِيَةَ المقتولة (٩) على عاقِلَةِ القاتِلَة (١٠)، وبرَّأَ زَوجَها وَوَلَدَها،

стр. 5623

فقال عاقِلَةُ المقتولة (١): ميراثها لنا، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لَا، مِيراثُها لِزَوجِها وَوَلَدِها» رواه أبو داودَ (٢)، وهذا يَقتَضِي أنَّ الأوْلادَ لَيسُوا من العاقِلَةِ، وكذا الآباءُ؛ قِياسًا لِإحْدَى العَمُودَينِ على الآخَرِ، ولأِنَّ مالَ وَلَدِه وولده (٣) كَمالِه، وخرج منه (٤) الإخْوةُ بدليلٍ؛ لأنَّ (٥) الخِرَقِيَّ خَصَّ العاقِلَةَ بالعمومة (٦) وأوْلادِهم. (وَعَنْهُ: أَنَّهُمْ مِنَ الْعَاقِلَةِ أَيْضًا)، قدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»، واخْتارَه أبو بكرٍ والشَّريفُ، بَلْ والأكثرُ؛ لأِنَّهم أحقُّ من العَصَباتِ بمِيراثِه، فكانوا أَوْلَى بتَحَمُّلِ عَقْلِه. وعنه: هم عَصَبَتُه إلاَّ أبْناءَه إذا كان امرأةً، قال في «المحرَّر»: وهو الأصح (٧)، نَقَلَ حَرْبٌ: الابن لا يَعقِلُ عن (٨) أمِّه (٩)؛ لأِنَّه مِنْ قَومٍ آخَرِينَ. وفي «المستوعب»: إلاَّ أنْ يكونَ الاِبنُ من عَصَبَةِ أُمِّه، فيكونُ مِنْ

стр. 5624

عاقِلَتِها، وكذا في «البُلْغَةِ». وعُلِمَ منه (١): أنَّ العَصَباتِ مِنْ الإخْوَةِ مِنْ الأمِّ وذَوِي الأرْحامِ والنِّساء لَيسُوا مِنْ العاقِلةِ بغَيرِ خِلافٍ (٢)؛ لأِنَّهم لَيسُوا من أهْلِ النُّصرة، وعُمْدَةُ العَقْلِ النُّصْرة، ولَيسُوا منها؛ كأهل (٣) المحَلَّةِ وَالدِّيوَانِ. (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّ حَمْلَ العاقِلة مُوَاسَاةٌ، فلا يَلزَمُ الفقيرَ كالزَّكاة، ولأِنَّه وَجَبَ على العاقِلة تخفيفًا عن القاتِلِ، فلا يَجوزُ التَّثْقِيلُ عليه؛ لأِنَّه كُلْفَةٌ ومَشقَّةٌ. (وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ) حَمْلُ شَيْءٍ منها؛ لأِنَّ الحَمْلَ للتَّناصُر، وهما (٤) لَيسَا مِنْ أهلها. وقِيلَ: يَحمِلُ الممَيِّزُ؛ لأِنَّه قارَبَ البُلوغَ. (وَلَا امْرَأَةٍ)؛ لِمَا ذَكَرْنا، (وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٍ)؛ لاِحْتِمالِ كَونِه امرأةً، فيَحمل (٥) جِنايَةَ عَتِيقِهما مَنْ يَحمل (٦) جنايتهما (٧). وعَنْهُ: تَعقِلُ امْرأةٌ وخنثى بولاءٍ. (وَلَا رَقِيقٍ)؛ لأِنَّه أسْوأُ حالاً من الفقير. (وَلَا مُخَالِفٍ لِدِينِ الْجَانِي حَمْلُ (٨) شَيْءٍ)؛ لأِنَّ حَمْلَها للنُّصْرة، ولا نُصْرَةَ لِمُخالِفٍ له في دِينِه.

стр. 5625

(وَعَنْهُ: أَنَّ الْفَقِيرَ) المُعتَمِل؛ أي: المحْتَرِفَ، (يَحْمِلُ مِنَ الْعَقْلِ)، حكاها أبو الخَطَّاب، وهي (١) قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لأنَّه من أهلِ النُّصْرة، فكان من العاقِلةِ كالغَنِيِّ. وظاهِرُه: أنَّ المريضَ والشَّيخَ يَحمِلُونَ، وصرَّح به في «الرِّعاية». وفي هَرِمٍ، وزَمِنٍ، وأعْمَى؛ وَجْهانِ. فلو عُرفَ نَسَبُ قاتِلٍ مِنْ قَبيلةٍ (٢)، ولم يُعلَمْ مِنْ أيِّ بُطونِها؛ لم يَعقِلُوا عنه، ذَكَرَه في «المُذهب». (وَيَحْمِلُ الْغَائِبُ كَمَا يَحْمِلُ الْحَاضِرُ)؛ للخبر، ولأِنَّهم اسْتَوَوْا في التَّعصيب والإرْثِ، فاسْتَوَوْا في تَحمُّلِ العَقْلِ؛ كالحاضِرينَ. (وَخَطَأُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ فِي أَحْكَامِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لأنَّ (٣) خَطَأَه يَكثُرُ، فيُجْحِفُ بهم، ولأِنَّه نائبٌ عن الله، فكان أرْشُ جِنايَتِه في مالِ الله، وكخطأ (٤) وكيلٍ. وعليها (٥): للإمام عَزْلُ نَفْسِه، ذَكَرَه القاضِي وغَيرُه. (وَعَنْهُ: عَلَى عَاقِلَتِهِ)؛ أيْ: على (٦) عاقِلَتِهما، قدَّمه السامَرِّي؛ لِقَولِ عليٍّ لِعُمَرَ: «دِيَتُه عليكَ؛ لأِنَّك أفْزَعْتَها» (٧)، ولأِنَّه جانٍ، فكان خَطَؤُه على

стр. 5626

العاقِلة؛ كغيره، وكخَطَئِهما في غَيرِ حُكْمٍ. وكذا الخِلافُ: إنْ زاد سَوطًا؛ كخَطَأٍ في حدٍّ أوْ تعزيرٍ، أوْ جَهِلا حملاً (١)، أوْ بانَ مَنْ حُكِمَ بشَهادَتِه غَيرَ أهْلٍ. (وَهَلْ يَتَعَاقَلُ أَهْلُ الذِّمَّةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): الأصحُّ: أنَّهم يَتعاقَلُونَ؛ لأِنَّ قَرابَتَهم تقتضي (٢) التَّوريثَ، فاقْتَضَت التَّعاقُلَ، ولأِنَّهم مِنْ أهْلِ النُّصرة؛ كالمسلمين. والثَّانيةُ: لَا؛ لأِنَّ حَمْلَ العاقِلَةِ يَثْبُتُ على خِلافِ الأصل؛ لِحُرْمَةِ قَرابَةِ المسلمين، فلا يُقاسُ عليهم غَيرُهم؛ لِعَدَمِ المساواة في الحُرْمَة. فإنِ اخْتَلَفَت الملَّةُ؛ كاليهود والنَّصارى؛ فَوَجْهانِ، وفي «التَّرغِيبِ» رِوايَتانِ، بِناءً على تَورِيثِهم وعَدَمِه. (وَلَا يَعْقِلُ ذِمِّيٌّ عَنْ حَرْبِيٍّ، وَلَا حَرْبِيٌّ عَنْ ذِمِّيٍّ)؛ لِعَدَمِ التَّوارُث، وكمُسْلِمٍ وكافِرٍ. وقِيلَ: بلى إنْ تَوَارَثا. وقال ابنُ حَمْدانَ: يَعقِلُ المعاهَدُ إنْ بَقِيَ عَهْدُه إلى أصْلِ الواجِبِ، وإلاَّ فلا. تذنيبٌ: المرتَدُّ لا يُعقَلُ عنه (٣)؛ لأِنَّه لَيسَ بمُسلِمٍ فيَعقِلَ عنه المسلمونَ، ولا ذِمِّيٍّ فيَعقِلَ عنه (٤) أهلُ الذِّمَّة، فتكون جنايَتُه في ماله، وفيه وَجْهٌ.

стр. 5627

(وَمَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ (١) لَهُ عَاقِلَةٌ تَحْمِلُ (٢) الْجَمِيعَ؛ فَالدِّيَةُ أَوْ بَاقِيهَا عَلَيْهِ إِنْ كَانَ ذِمِّيًّا)، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأنَّ (٣) بَيتَ المال لا يَعقِلُ عنه، وكمن (٤) رَمَى سَهْمًا ثُمَّ أسْلَمَ أوْ كَفَرَ قَبْلَ إصابتِه في الأصحِّ. وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّه (٥) يكونُ في بَيتِ المال؛ كمسلمٍ (٦). ولم يُرجِّحْ في «الفروع» شَيئًا. (وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا؛ أُخِذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) على الأصحِّ؛ لأِنَّ المسلمينَ يَرثون مَنْ لا وارِثَ له، فيَعقِلُونَ عنه (٧) عند (٨) عَدَمِ عاقِلَتِه؛ كعَصَباتِه. والثَّانيةُ: لا تَحمل العَقْلَ بحالٍ (٩)، رجَّحها في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ بَيتَ المال فيه (١٠) حقٌّ للصِّبْيان والنِّساء والمجانِينِ ومَن لا عقل (١١) عليه، فلا يَجوزُ صَرْفُه فيما لا يَجِبُ عليهم. فعلى الأوَّل: تكون (١٢) حالَّةً (١٣)، تُؤخذ (١٤) دَفْعةً واحدةً؛ لأِنَّه ﵇ أدَّى

стр. 5628

دِيَةَ الأنصاريِّ دَفْعةً واحِدةً (١)، وكذا عمرُ (٢)، ولأِنَّ الدِّيَةَ بَدَلُ مُتلَفٍ، وإنَّما أُجِّلَ على العاقِلة تَخفِيفًا، ولا حاجةَ إلى ذلك في بَيتِ المَالِ. وقيل (٣): تؤخذ (٤) في ثَلاثِ سِنِينَ؛ كالعاقِلةِ. (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ (٥)؛ أيْ: فإذا تعذَّرَ؛ سَقَطَتْ، نَقَلَه الجَماعةُ (٦)، وهو المرادُ بقوله: (فَلَا شَيْءَ عَلَى القَاتِلِ (٧)؛ لأِنَّ الدِّيَةَ لَزِمَت العاقِلةَ ابْتِداءً، بدليلِ أنَّها لا يُطالَب (٨) بها غَيرُهم، ولا يُعتَبَرُ تَحمُّلُهم ولا رِضاهُم بها، فلا تَجِبُ على غَيرِ مَنْ وَجَبَتْ عليه؛ كما لو عُدِمَ القاتِلُ، فإنَّ الدِّيَةَ لا تَجِبُ على أحدٍ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تَجِبَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ)؛ لِعُمومِ قَولِه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، ولأِنَّ مُقتَضَى الدليل وُجوبُها على الجاني جَبْرًا للمَحَلِّ الذي (٩) فَوَّتَه، وإنَّما سَقَطَ عنه؛ لِقِيامِ العاقِلةِ مَقامَه في جَبْرِ المحَلِّ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك؛ بَقِيَ واجِبًا عليه بمقتضى (١٠) الدَّليل، ولأِنَّ الأمْرَ تَرَدَّدَ بَينَ

стр. 5629

إبْطالِ دَمِ المقْتُولِ وبَينَ إيجابِ دِيَتِه على المتْلِفِ، ولا يجوز الأوَّلُ؛ لِمُخالَفَة الكتاب والسُّنَّة وأُصُولِ الشَّرِيعةِ، فيتعيَّن (١) الثَّاني، ولأِنَّ إهْدارَ الدَّمِ المضْمُونِ لا نَظِيرَ له، وإِيجابَ الدِّيَة على قاتل (٢) الخَطَأِ له نَظائِرُ، (وَهُوَ أَوْلَى) مِنْ إهْدارِ دَمِ الأحرار في أغْلَبِ الأحوال، فإنَّه لا يَكادُ توجد (٣) عاقِلةٌ تَحمِلُ الدِّيَة كلَّها، ولا سَبِيلَ إلى الأخْذِ مِنْ بَيتِ المال، فتَضِيعَ الدِّماءُ، والدِّيَةُ تَجِبُ على القاتِلِ، ثُمَّ تَتَحمَّلُها العاقِلَةُ، وإنْ سَلَّمْنا وُجُوبها عَلَيهِم ابْتِداءً، لكِنْ مع وُجودهم، (كَمَا قَالُوا فِي الْمُرْتَدِّ يَجِبُ أَرْشُ خَطَئِهِ فِي مَالِهِ)؛ لأِنَّه لا عاقِلَةَ له تَحمِلُها (٤). (وَلَوْ رَمَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَلَمْ يُصِبِ السَّهْمُ حَتَّى ارْتَدَّ؛ كَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وَلَوْ رَمَى الْكَافِرُ سَهْمًا ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ قَتَلَ (٥) السَّهْمُ إِنْسَانًا؛ فَدِيَتُهُ (٦) فِي مَالِهِ)؛ أيْ: إذا تَغَيَّرَ دِينُ جارِحٍ حالَتَيْ جَرْحِ وزُهُوقٍ، فالمذْهَبُ: تَحمِلُه العاقِلَةُ حالَ الجَرْحِ. وقِيلَ: أرْش الجُرْحِ والزِّيادةِ بالسِّرايَة في مالِه. وقِيلَ: الكلُّ في ماله، وهو المرجَّحُ هُنا؛ لأنَّه (٧) قتيلٌ (٨) قُتِلَ في دارِ الإسلام، مَعْصومٌ، تَعذَّر (٩) حَمْلُ عاقِلَتِه عَقْلَه، فَوَجَبَ على قاتله (١٠).

стр. 5630

(وَلَوْ جَنَى ابْنُ الْمُعْتَقَةِ، ثُمَّ انْجَرَّ وَلَاؤُهُ، ثُمَّ سَرَتْ جِنَايَتُهُ؛ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مَالِهِ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ الْعَاقِلَةِ، فَكَذَا هَذَا (١)، وصُورَتُها: إذا رَمَى مَنْ عَلَيْهِ ولَاءٌ لموالي (٢) أمِّه، فانْجَرَّ وَلاؤه إلى مَوالِي أبيه، ثُمَّ وَقَعَ سَهْمُه في شَخْصٍ؛ فالدِّيَة في ماله، ولهذا قال في «المحرَّر» و «الفروع»: فهو كمُتغيِّرِ (٣) دِينٍ.

стр. 5631

(فَصْلٌ) (وَلَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا)، سَواءٌ كان مِمَّا يَجِبُ فيه القِصاصُ أوْ لَا؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ مرفوعًا قال: «لا تَحمِلُ العاقِلةُ عَمْدًا، ولا عَبْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا»، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ موقوفًا (١)، ولم يُعرَفْ له في الصَّحابة مُخالِفٌ، فيكونُ كالإجْماع، وعن عمرَ، قال: «العَمْدُ، والعَبْدُ، والصُّلْحُ، والاِعْتِرافُ: لا تَعقِلُه العاقلة (٢)» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، وحَكَى أحمدُ عن ابنِ عبَّاسٍ نَحوَه (٤) قال الزُّهْرِيُّ: (مَضَتِ السُّنَّةُ أنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ شَيئًا مِنْ دِيَةِ العَمْدِ إلاَّ أنْ يَشاؤُوا) رواهُ مالِكٌ (٥)، ولأِنَّ حَمْلَ العاقِلةِ إنما ثبت (٦)

стр. 5632

في الخطأ؛ لكَونِ الجاني معذورًا، تخفيفًا عنه (١) ومُواساةً له، والعامِدُ غَيرُ مَعذُورٍ، ثُمَّ يَبطُلُ بقَتْلِ الأبِ ابْنَه، فإنَّه لا قِصاصَ فيه، ولا تَحمِلُه العاقِلةُ. فلو قَتَلَه بحديدةٍ (٢) مسمومةٍ، فسَرَى إلى النَّفْس، فَوَجْهانِ: أحدهما: تَحمِلُه العاقِلةُ؛ لأِنَّه لَيسَ بعَمْدٍ. والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه قَتْلٌ بما لم يَقتُلْ مِثْلُها غالِبًا، أشْبَهَ مَنْ له القِصاصُ. (وَلَا عَبْدًا)، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ (٣)، وجَماعةٍ مِنْ التَّابِعينَ، ومَعْناهُ: إذا قَتَلَ العبدَ (٤) قاتِلٌ وَجَبَتْ قِيمَتُه في مالِ القاتِلِ، ولا شَيءَ على عاقلتِه (٥)، خطأً كان أو عَمْدًا. (وَلَا صُلْحًا)؛ لأِنَّه لو حَمَلَتْه العاقِلةُ أدَّى إلى أنْ يُصالِحَ بمالِ غَيرِه، ويوجب (٦) عليه حقًّا بقَولِه، ومَعْناهُ: أنْ يَدَّعِيَ عليه القَتْلَ، فيُنكِرَه، ويُصالِحَ المدَّعِيَ (٧) على مالٍ؛ فلا تَحمِلُه العاقِلةُ؛ لأِنَّه مالٌ ثَبَتَ بمصالحته (٨) واخْتِيارِه؛ كالذي (٩) ثَبَتَ باعْتِرافِه. وفسَّره القاضي وغَيرُه: بأنْ يُصالِحَ الأوْلِياء عن دَمِ العَمْدِ إلى الدِّيَةِ. والأوَّلُ أَوْلَى، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّ هذا (١٠) يُسْتَغْنَى عنه

стр. 5633

بذِكْرِ العَمْد، بل (١) مَعْناهُ صَالَحَ عنه صُلْحَ إنْكارٍ، وجَزَمَ به في «الرَّوضة». (وَلَا اعْتِرَافًا)؛ أيْ: لم يُصدِّقْه به، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢)؛ لأِنَّه مُتَّهَمٌ في أنْ يُواطِئَ من يقرُّ له (٣) بذلك؛ لِيَأخُذَ الدِّيَة مِنْ عاقِلَتِه فيُقاسِمَه إيَّاها، ولأِنَّه لا يُقبَلُ إقْرارُ شَخْصٍ على غَيرِه، وحِينَئِذٍ يَلزَمُه ما اعترف به (٤). ومَعْناهُ: بأنْ يُقِرَّ على نفسه بجنايةِ خَطأٍ أوْ شِبْهِ عَمْدٍ توجب (٥) ثُلُثَ الدِّيَةِ فأكثرَ إنْ لم تُصدِّقه (٦) العاقِلةُ. (وَلَا مَا دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ)؛ كأرْشِ المُوضِحَةِ، نَصَّ على ذلك (٧)؛ لِقَضاءِ عُمَرَ: «أنَّها لا تَحمِلُ شَيئًا حتَّى يَبلُغَ عَقْلَ المأْمُومة» (٨)، ولأِنَّ الأصْلَ وُجوبُ الضَّمان على الجاني؛ لأِنَّه هو المتْلِفُ، فكان عليه؛ كسائر المتْلَفات، لكِنْ

стр. 5634

خولف في (١) الثُّلث؛ لِإجْحافِه بالجاني لكَثْرَتِه، فَمَا عَدَاه يبقى (٢) على الأصْلِ، والثُّلُثُ حدُّ الكثيرِ؛ للخَبَرِ (٣). (وَيَكُونُ ذَلِكَ)؛ أيْ: دِيَةُ العَمْد وما بَعدَه، (فِي مَالِ الْجَانِي)؛ لِمَا ذَكَرْنا أنَّ مُقْتَضَى الأصْلِ وُجوبُ الجِنايَةِ على الجاني، (حَالًّا)؛ لأِنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ، فكان حالًّا؛ كقِيمَةِ المتْلَفِ مِنْ المتاعِ. (إِلاَّ غُرَّةَ الْجَنِينِ إِذَا مَاتَ مَعَ أُمِّهِ، فَإِنَّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُهَا مَعَ دِيَةِ أُمِّهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ لأِنَّ ديتهما (٥) وَجَبَتْ في حالٍ واحدةٍ بجِنايَةٍ واحدةٍ، مع زيادتها على الثُّلُث. وظاهِرُه: سَواءٌ سَبَقَتْه بالزُّهوقِ أوْ سَبَقَها به (٦)؛ لأِنَّ الجِنايَةَ واحدةٌ، وإنَّما تأخَّر بعض (٧) أثَرِها عن بعضِ، وذلك لا يَضُرُّ. وقال أحمدُ: هذا مِنْ قِبَلِ أنَّها نَفْسٌ واحِدةٌ، وقال: الجِنايَةُ عَلَيهما واحدةٌ، فَقِيلَ له: النَّبيُّ ﷺ قد جَعَلَ في كلٍّ منهما دِيَةٌ، فَقَدْ فصل (٨) بَينَهما، فلم يُجِبْ بشيء (٩). وفي «عُيونِ المسائل»: خَبَرُ المرأة التي قَتَلَت المرأةَ وجَنِينَها (١٠)، قال:

стр. 5635

فَوَجْهُ الدَّليل: أنَّه قَضَى بدِيَةِ الجَنِينِ على الجانِيَةِ حَيثُ لم تبلغ (١) الثُّلُثَ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: إذا شَرِبَتْ دَواءً عَمْدًا، فأسْقَطَتْ جنينها (٢)؛ فالدِّيَةُ على العاقِلة (٣)، قال في «الفروع»: فيتوجَّه منه احْتِمالٌ: تَحمِلُ القليل. وقد يُقالُ: هذا مُختَصٌّ بالجَنِينِ؛ لكَونِ دِيَته دِيَةَ نَفْسٍ، فيَكونُ مُنزَّلاً مَنزِلَةَ الدِّيَة الكامِلَةِ وإنْ كان دُونَ الثُّلُث؛ لكَونِه دِيَةَ نفسٍ (٤). (وَإِنْ مَاتَا مُنْفَرِدَيْنِ) بِجِنايَتَينِ، صرَّح به في «الوجيز»؛ (لَمْ تَحْمِلْهَا الْعَاقِلَةُ)؛ نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ (لِنَقْصِهَا عَنِ الثُّلُثِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ في ذلك غُرَّةٌ قِيمَتُها خَمْسٌ من الإبل، وهي دُونَ ثُلُثِ الدِّيَة. (وَتَحْمِلُ جِنَايَةَ الْخَطَأِ عَلَى الحُرِّ إِذَا بَلَغَتِ الثُّلُثَ)؛ لحديثِ أبي هُرَيرةَ (٦)، وفي تَقْيِيدِه بالخَطَأ والحرِّ وبلوغ (٧) الثُّلث؛ احْتِرازٌ عن العمد، والعبد، وما دُونَ الثُّلث. (وَقَالَ (٨) أَبُو بَكْرٍ: وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ)، هذا روايةٌ، وصحَّحه ابنُ حَمْدانَ، وقاله ابنُ شُبْرُمةَ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ؛ لأِنَّها مُوجَبُ فِعْلٍ قَصَدَه، فلم تَحمِلْه العاقِلةُ؛ كالعَمْد المَحْضِ، وهي دِيَةٌ مُغلَّظَةٌ، أشْبَهَتْ دِيَةَ العَمْدِ.

стр. 5636

(وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)، قال في «الشَّرح»: ولا نَعلَمُ خِلافًا في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلةً، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ عبَّاسٍ (٣). وقال أبو بكرٍ مَرَّةً: هو في مالِ الجاني حالًّا، وحَكاهُ في «الشَّرح» عَنْ قَومٍ؛ لأِنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. وجَوابُه: بأنَّها تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، واقْتَضَى تَغليظَها مِنْ وَجْهٍ، وهو الأسنان، وتخفيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقِلةِ لها وتأجِيلُها. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ (٤)، هذا ظاهِرُ المذْهَبِ، في ثَلاثِ سِنِينَ، نَصَّ عليه (٥)، قدَّمه في «الكافي»؛ لحديثِ أبي هُرَيرةَ: «اقْتَتَلَت امْرأتانِ مِنْ هُذَيلٍ … » الحديثَ (٦)؛ لأِنَّه لا يُوجِبُ قِصاصًا؛ كالخطأ.

стр. 5637

وعَنْهُ: يَجِبُ مُؤجَّلاً كذلك في مالِ الجاني. وقِيلَ: حالًّا، قدَّمه في «التَّبصرة» و «الرِّعاية»؛ كغَيرِه. وذَكَرَ أبو الفَرَج: تَحمِلُه العاقِلةُ حالًّا. وفي «التَّبصرة»: لا تَحمِلُ عَمْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولا ما دُونَ الثُّلث، وجميعُ ذلك في مالِ جانٍ في ثلاثِ سِنِينَ. وفي «الرَّوضة»: دِيَةُ الخَطَأ في خَمْسِ سِنِينَ، في كلِّ سنةٍ خُمُسُها. (وَمَا يَحْمِلُهُ (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ)؛ لأِنَّ التَّقْديرَ مِنْ الشَّرْع، ولم يَرِدْ به، (وَلَكِنْ (٢) يُرْجَعُ فِيهِ (٣) إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ)؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيه، فَوَجَبَ الرُّجوعُ في تَقديرِه إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ؛ كتَقْدِيرِ النفقات (٤). (فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّ التَّحمُّلَ على سبيل (٦) المُواساة للقاتِلِ والتَّخفيفِ عنه، ولا يُخفَّفُ عن (٧) الجاني ما يثقل (٨) على (٩) غَيرِه ويُجحِف (١٠) به؛ كالزَّكاة، ولأِنَّ الإجْحافَ لو كان مَشْروعًا كان الجانِي أحقَّ به، فإذا لم يُشرَعْ في حقِّه؛ فغَيرُه أَوْلَى. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ (١١) عَلَى الْمُوسِرِ)، وهو مالِكُ نِصابٍ عِنْدَ حُلولِ

стр. 5638

الحَولِ فاضِلاً؛ عنه، كحجٍّ وكفَّارةِ ظهارٍ (١)، (نِصْفَ دِينَارٍ)؛ لأِنَّه أقلُّ مالٍ (٢) يَتقدَّرُ في الزَّكاة، (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعًا)، قَولُه روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ لا تُقطَعُ اليَدُ فيه. (وَهَلْ يَتَكَرَّرُ (٣) ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: يتكرَّر؛ لأنَّه (٤) حقٌّ يتعلَّق بالحَول على سبيل المواساة، فيتكرَّر بتكرُّر الحَول كالزكاة (٥). والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إِيجابِ أكثرَ من أقلِّ الزَّكاة، فيَكُونُ مُضِرًّا. فعلى الأوَّل: يَجِبُ على المُوسِر: دِينارٌ ونصفٌ، وعلى المتوسِّط: ثلاثةُ أرْباعٍ لِتكرُّرِه، وعلى الثَّاني: نصفٌ على (٦) المُوسِرِ، ورُبُعٌ على المتوسِّط؛ لأِنَّه لا يتكرَّرُ. (وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ)؛ كالمِيراث سَواءً، (فَمَتَى (٧) اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (٨)، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ (٩)؛ لأِنَّه حقٌّ يُستَحَقُّ بالتَّعصيب، فقُدِّمَ الأقْرَبُ فالأقربُ (١٠).

стр. 5639

ويُقدَّمُ مَنْ يُدْلِي بأَبَوَينِ على مَنْ يُدْلِي بأبٍ في الأشْهَرِ؛ كالميراث. وفي الآخَرِ: سَواءٌ؛ لأِنَّه يُستَفادُ بالتَّعصيب. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في مُساواةِ أخٍ لأبٍ (١) لأبوين (٢) رِوَايَتَينِ، وخُرِّجَ منها: مُساواةُ بعيدٍ لقريب (٣). ويُؤخَذُ مِنْ بعيدٍ لِغَيبةِ قريبٍ، وقِيلَ: يَكتُبُ الإمامُ إلى قاضِي بَلَدِ الأقْرَبِ الغائبِ ليُطالِبه (٤) بها. (وَإِلاَّ)؛ أيْ: وإنْ لم تتسع (٥) أمْوالُ الأقْرَبِينَ لها؛ (انْتَقَلَ إِلىَ مَنْ يَلِيهِمْ)؛ لأِنَّ الأقربين (٦) لم يكونوا مَوجُودِينَ، فعُلِّقت (٧) الدِّيَةُ بمَنْ يَلِيهِم، وكذا إذا تحمَّلَ الأقْرَبونَ ما وَجَبَ عَلَيهِم وبَقِيَتْ بقيةٌ (٨). (وَإِنْ تَسَاوَى (٩) جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ؛ وُزِّعَ الْقَدْرُ الذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ)، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأِنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابة، فكانوا سواءً كما لو قَتَلُوا، وكالميراث. وقال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنْ يَأخُذَ الإمامُ مِمَّنْ شاء.

стр. 5640

(فَصْلٌ) (وَمَا تَحْمِلُهُ (١) الْعَاقِلَةُ يَجِبُ (٢) مُؤَجَّلاً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)، لَا خِلافَ في وُجوبِ دِيَةِ الخَطَأ على العاقِلة في ثلاثِ سِنِينَ (٣)؛ لقَولِ عمرَ، وعليٍّ (٤)، ولم يُعرَفْ لهما (٥) في الصحابة (٦) مُخالِفٌ، (إِنْ كَانَ (٧) دِيَةً كَامِلَةً)؛ لأِنَّه لا (٨) مُرجِّحَ لبعض السِّنينَ على بعضٍ، ولأِنَّه مال (٩) يَجِبُ على سبيلِ المواساة، فلم يَجِبْ حالًّا؛ كالزكاة. وحِينَئِذٍ يجب (١٠) في آخِرِ كلِّ حَولٍ ثُلُثُها، ويُعتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجوبِ الدِّيَة. (وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ؛ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ)؛ أيْ: في آخِرِ السَّنَة الأُولَى، ولم يَجِبْ منه شَيءٌ حالًّا؛ لأِنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ حالًّا. (وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا؛ كَدِيَةِ الْيَدِ؛ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه قَدْرُ ما يُؤدَّى من الدِّيَة الكامِلةِ، فَوَجَبَ؛ لِتَساوِيهِما في وَقْتِ الوُجوبِ،
следующие страницы →