← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

(وَتَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)، قال في «الشَّرح»: ولا نَعلَمُ خِلافًا في أنَّها تَجِبُ مُؤجَّلةً، رُوِيَ عن عمرَ (١)، وعليٍّ (٢)، وابنِ عبَّاسٍ (٣). وقال أبو بكرٍ مَرَّةً: هو في مالِ الجاني حالًّا، وحَكاهُ في «الشَّرح» عَنْ قَومٍ؛ لأِنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ. وجَوابُه: بأنَّها تُخالِفُ سائرَ المُتْلَفاتِ، واقْتَضَى تَغليظَها مِنْ وَجْهٍ، وهو الأسنان، وتخفيفَها من وَجْهٍ، وهو حَمْلُ العاقِلةِ لها وتأجِيلُها. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ (٤)، هذا ظاهِرُ المذْهَبِ، في ثَلاثِ سِنِينَ، نَصَّ عليه (٥)، قدَّمه في «الكافي»؛ لحديثِ أبي هُرَيرةَ: «اقْتَتَلَت امْرأتانِ مِنْ هُذَيلٍ … » الحديثَ (٦)؛ لأِنَّه لا يُوجِبُ قِصاصًا؛ كالخطأ.

стр. 5637

وعَنْهُ: يَجِبُ مُؤجَّلاً كذلك في مالِ الجاني. وقِيلَ: حالًّا، قدَّمه في «التَّبصرة» و «الرِّعاية»؛ كغَيرِه. وذَكَرَ أبو الفَرَج: تَحمِلُه العاقِلةُ حالًّا. وفي «التَّبصرة»: لا تَحمِلُ عَمْدًا، ولا صُلْحًا، ولا اعْتِرافًا، ولا ما دُونَ الثُّلث، وجميعُ ذلك في مالِ جانٍ في ثلاثِ سِنِينَ. وفي «الرَّوضة»: دِيَةُ الخَطَأ في خَمْسِ سِنِينَ، في كلِّ سنةٍ خُمُسُها. (وَمَا يَحْمِلُهُ (١) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ)؛ لأِنَّ التَّقْديرَ مِنْ الشَّرْع، ولم يَرِدْ به، (وَلَكِنْ (٢) يُرْجَعُ فِيهِ (٣) إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ)؛ لأِنَّه لا نَصَّ فيه، فَوَجَبَ الرُّجوعُ في تَقديرِه إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ؛ كتَقْدِيرِ النفقات (٤). (فَيُحَمِّلُ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَشُقُّ)، نَصَّ عليه (٥)؛ لأِنَّ التَّحمُّلَ على سبيل (٦) المُواساة للقاتِلِ والتَّخفيفِ عنه، ولا يُخفَّفُ عن (٧) الجاني ما يثقل (٨) على (٩) غَيرِه ويُجحِف (١٠) به؛ كالزَّكاة، ولأِنَّ الإجْحافَ لو كان مَشْروعًا كان الجانِي أحقَّ به، فإذا لم يُشرَعْ في حقِّه؛ فغَيرُه أَوْلَى. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ (١١) عَلَى الْمُوسِرِ)، وهو مالِكُ نِصابٍ عِنْدَ حُلولِ

стр. 5638

الحَولِ فاضِلاً؛ عنه، كحجٍّ وكفَّارةِ ظهارٍ (١)، (نِصْفَ دِينَارٍ)؛ لأِنَّه أقلُّ مالٍ (٢) يَتقدَّرُ في الزَّكاة، (وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبُعًا)، قَولُه روايةٌ عن أحمدَ؛ لأِنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ لا تُقطَعُ اليَدُ فيه. (وَهَلْ يَتَكَرَّرُ (٣) ذَلِكَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدهما: يتكرَّر؛ لأنَّه (٤) حقٌّ يتعلَّق بالحَول على سبيل المواساة، فيتكرَّر بتكرُّر الحَول كالزكاة (٥). والثَّاني: لَا؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إِيجابِ أكثرَ من أقلِّ الزَّكاة، فيَكُونُ مُضِرًّا. فعلى الأوَّل: يَجِبُ على المُوسِر: دِينارٌ ونصفٌ، وعلى المتوسِّط: ثلاثةُ أرْباعٍ لِتكرُّرِه، وعلى الثَّاني: نصفٌ على (٦) المُوسِرِ، ورُبُعٌ على المتوسِّط؛ لأِنَّه لا يتكرَّرُ. (وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ)؛ كالمِيراث سَواءً، (فَمَتَى (٧) اتَّسَعَتْ أَمْوَالُ الْأَقْرَبِينَ لَهَا (٨)، لَمْ يَتَجَاوَزْهُمْ (٩)؛ لأِنَّه حقٌّ يُستَحَقُّ بالتَّعصيب، فقُدِّمَ الأقْرَبُ فالأقربُ (١٠).

стр. 5639

ويُقدَّمُ مَنْ يُدْلِي بأَبَوَينِ على مَنْ يُدْلِي بأبٍ في الأشْهَرِ؛ كالميراث. وفي الآخَرِ: سَواءٌ؛ لأِنَّه يُستَفادُ بالتَّعصيب. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ في مُساواةِ أخٍ لأبٍ (١) لأبوين (٢) رِوَايَتَينِ، وخُرِّجَ منها: مُساواةُ بعيدٍ لقريب (٣). ويُؤخَذُ مِنْ بعيدٍ لِغَيبةِ قريبٍ، وقِيلَ: يَكتُبُ الإمامُ إلى قاضِي بَلَدِ الأقْرَبِ الغائبِ ليُطالِبه (٤) بها. (وَإِلاَّ)؛ أيْ: وإنْ لم تتسع (٥) أمْوالُ الأقْرَبِينَ لها؛ (انْتَقَلَ إِلىَ مَنْ يَلِيهِمْ)؛ لأِنَّ الأقربين (٦) لم يكونوا مَوجُودِينَ، فعُلِّقت (٧) الدِّيَةُ بمَنْ يَلِيهِم، وكذا إذا تحمَّلَ الأقْرَبونَ ما وَجَبَ عَلَيهِم وبَقِيَتْ بقيةٌ (٨). (وَإِنْ تَسَاوَى (٩) جَمَاعَةٌ فِي الْقُرْبِ؛ وُزِّعَ الْقَدْرُ الذِي يَلْزَمُهُمْ بَيْنَهُمْ)، نَصَّ عليه (١٠)؛ لأِنَّهم اسْتَوَوْا في القَرابة، فكانوا سواءً كما لو قَتَلُوا، وكالميراث. وقال ابنُ حَمْدانَ: ويَحتَمِلُ أنْ يَأخُذَ الإمامُ مِمَّنْ شاء.

стр. 5640

(فَصْلٌ) (وَمَا تَحْمِلُهُ (١) الْعَاقِلَةُ يَجِبُ (٢) مُؤَجَّلاً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)، لَا خِلافَ في وُجوبِ دِيَةِ الخَطَأ على العاقِلة في ثلاثِ سِنِينَ (٣)؛ لقَولِ عمرَ، وعليٍّ (٤)، ولم يُعرَفْ لهما (٥) في الصحابة (٦) مُخالِفٌ، (إِنْ كَانَ (٧) دِيَةً كَامِلَةً)؛ لأِنَّه لا (٨) مُرجِّحَ لبعض السِّنينَ على بعضٍ، ولأِنَّه مال (٩) يَجِبُ على سبيلِ المواساة، فلم يَجِبْ حالًّا؛ كالزكاة. وحِينَئِذٍ يجب (١٠) في آخِرِ كلِّ حَولٍ ثُلُثُها، ويُعتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةِ مِنْ حِينِ وُجوبِ الدِّيَة. (وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ كَأَرْشِ الْجَائِفَةِ؛ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ)؛ أيْ: في آخِرِ السَّنَة الأُولَى، ولم يَجِبْ منه شَيءٌ حالًّا؛ لأِنَّ العاقِلةَ لا تَحمِلُ حالًّا. (وَإِنْ كَانَ نِصْفَهَا؛ كَدِيَةِ الْيَدِ؛ وَجَبَ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ الثُّلُثُ)؛ لأِنَّه قَدْرُ ما يُؤدَّى من الدِّيَة الكامِلةِ، فَوَجَبَ؛ لِتَساوِيهِما في وَقْتِ الوُجوبِ،

стр. 5641

(وَبَاقِيهِ فِي رَأْسِ الْحَوْلِ الثَّانِي)؛ لأِنَّ ذلك محلُّ القِسْطِ الثَّاني مِنْ الكامِلةِ. (وَإِنْ كَانَ دِيَةَ امْرَأَةٍ أَوْ كِتَابِيٍّ)؛ لم يُقْتَلْ (١) عَمْدًا، قاله في «الوجيز»، وفيه شَيءٌ، (فَكَذَلِكَ)؛ لأِنَّ هذا يَنقُصُ عن دِيَةٍ كامِلةٍ، أشبهت أرْشَ الطَّرَف. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُقَسَّمَ (٢) فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)؛ لأِنَّ ذلك دِيَةُ نَفْسٍ كامِلةٍ، أشْبَهَ دِيَةَ المسْلِمِ. (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ؛ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَأَذْهَبَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ؛ لَمْ يَزِدْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عَلَى الثُّلُثِ)؛ لأِنَّ الواجِبَ لو كان دُونَ الدِّيَة؛ لم ينقص (٣) في السَّنَة عن الثُّلُث، فكذا لا يَزِيدُ عليه إذا زاد على الثُّلُث. وكذا (٤) إذا قُتِلت المرأةُ وجنينُها بضربةٍ بعْدَ ما اسْتَهَلَّ، لم يزد (٥) في كلِّ حَولٍ على قَدْرِ الثُّلث. وقال القاضي وأصحابُه: دِيَةُ نَفْسٍ في ثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: الكلُّ. فلو قَتَلَ اثْنَيْن؛ فدِيَتُهما في ثلاثٍ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ له دِيَةٌ، فيَستَحِقُّ ثُلُثَها؛ كما لو انْفَرَدَ حقُّه، وقِيلَ: في ستِّ سِنِينَ. فأمَّا إذا كان الواجِبُ دُونَ الثُّلث؛ كدِيَةِ الأصْبُع؛ لم تَحمِلْها العاقِلةُ، وتَجِبُ حالًّا؛ لأِنَّها بَدَلُ مُتلَفٍ. (وَابْتِدَاءُ الحَوْلِ فِي الْجُرْحِ مِنَ الاِنْدِمَالِ)؛ لأِنَّ الأرْشَ لا يستقر (٦) إلاَّ بالبُرْء، (وَفِي القَتْلِ (٧) مِنَ حِينِ الْمَوْتِ)؛ لأِنَّه حالَةُ الوُجوب، سواءٌ كان قَتْلاً

стр. 5642

مُوحيًا (١)، أوْ عن سِرايَةِ جُرْحٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ لَمْ يَسْرِ (٢) الْجُرْحُ إِلَى شَيْءٍ؛ فَحَوْلُهُ (٣) مِنْ حِينِ الْقَطْعِ)؛ لأِنَّ تلك حالةُ الوُجوب، ولهذا لو قَطَعَ يَدَهُ وهو ذِمِّيٌّ، فأسْلَمَ، ثُمَّ انْدَمَلَتْ؛ وَجَبَ نصفُ دِيَةِ ذِمِّيٍّ. وحاصِلُه: أنَّ عندَه أنَّ ابتداءَه في القتل المُوحِي والجُرح الذي لم يَسْر عن مَحلِّه من حِينِ الجِنايَةِ. وقِيلَ: في (٤) الكلِّ عِنْدَ الترافع (٥) إلى الحاكم. (وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ، أَوِ افْتَقَرَ) قَبْلَ تمامِ الحَول؛ (سَقَطَ مَا عَلَيْهِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ لأِنَّه مالٌ يَجِبُ في آخِرِ الحَول على سبيلِ المُواساةِ، أشْبَهَ الزَّكاة. (وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ؛ لَمْ يَسْقُطْ مَا عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه حقٌّ تَدخُلُه النِّيابَةُ، لا يَملِكُ إسْقاطَه في حياته (٧)، أشْبَه الدَّينَ، ولأِنَّه وَجَبَ عَلَيهِ لِحَوَلانِ الحَوْلِ، فلم يَسقُطْ؛ كالزَّكاةِ. (وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ؛ خَطَأٌ)، نَصَّ عليه في روايةِ ابنِ منصورٍ (٨)؛ لأِنَّه لا يُتحقَّقُ منهما كمالُ القَصْد، فَوَجَبَ أنْ يكونَ كخَطَأِ البالغ، (تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ)؛ لأِنَّه لا يُوجِبُ القَوَدَ، فحملته (٩) كغَيرِه.

стр. 5643

(وَعَنْهُ فِي الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ: أَنَّ عَمْدَهُ فِي مَالِهِ)؛ لأِنَّه عَمْدٌ يَجُوزُ تأديبه (١) عليه، أشْبَهَ البالِغَ العاقِلَ، والمرادُ به المميِّزُ، لكِنْ قال ابنُ عَقِيلٍ والحُلْوانِيُّ: تَجِبُ مُغلَّظَةً. وفي «الواضح» رِوايَةٌ: في ماله بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ. ونَقَلَ أبو طالِبٍ (٢): ما أصاب الصَّبِيُّ من شَيءٍ؛ فَعَلَى الأب إلى قَدْرِ ثُلُثِ الدِّيَة، فإذا جاوَزَ ثُلُثَ الدِّيَة؛ فعلى العاقلة، فهذا رِوايَةُ لا تحمِلُ الثُّلُثَ. والأوَّلُ أَوْلَى، وما ذَكَروهُ يَنتَقِضُ بشِبْهِ العَمْدِ.

стр. 5644

(بَابُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ) الكفَّارةُ مَأخُوذةٌ من الكَفْرِ، وهو: السَّتْرُ؛ لأِنَّها تُغَطِّي الذَّنْبَ وتَسْتُره. والأصْلُ فيها الإجْماعُ (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، فذَكَرَ في الآية ثلاثَ كفَّاراتٍ: إحْداهُنَّ: يَقتُلُ المسلِمَ في دارِ الإسْلامِ خَطَأً. الثَّاني: يَقتُلُه في دارِ الحرب وهو لا يَعرِفُ إيمانَه، بقوله (٢): ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. الثَّالِثُ: يَقتُلُ المعاهَدَ، وهو: الذِّمِّيُّ في دارِ الإسلام؛ لقوله : ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاء: ٩٢]. فأوْجَبَ الكفَّارةَ بالقَتْلِ في الجملة، وسَواءٌ كان المقتولُ ذكرًا أوْ أنْثَى، صغيرًا كان أوْ كبيرًا. (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً خَطَأً)؛ للآية الكريمةِ، سواءٌ قَتَلَها بمُباشَرَةٍ أوْ سببٍ (٣) بعدَ مَوتِه، نَصَّ عليه (٤)، بغَيرِ حقٍّ، ولو مُسْتَأْمِنًا. وظاهِرُه: ولو قَتَلَ نَفْسَه. (أَوْ مَا أُجْرِيَ مُجْرَاهُ)؛ لأِنَّه أُجْرِيَ مُجْراهُ في عَدَمِ القِصاصِ، فكذا يجِبُ أنْ يُجْرَى مُجْراهُ في الكفَّارة.

стр. 5645

(أَوْ شَارَكَ فِيهَا)؛ أي (١): على كلِّ واحِدٍ من المشتركين (٢) كفَّارةٌ، في قَولِ الأكثرِ؛ لأِنَّ الكفَّارةَ مُوجَبُ (٣) قَتْلِ الآدَمِيِّ، فَوَجَبَ تَكْميلُها على كلِّ واحِدٍ من الشُّرَكاء؛ كالقِصاصِ. (أَوْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينًا (٤) مَيْتًا، أَوْ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ؛ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)؛ لأِنَّه قَتَلَ نَفْسًا مُحرَّمةً، أشْبَهَ قَتْلَ الآدَمِيِّ بالمباشَرة. وفي «الإرشاد»: إنْ جَنَى عليها، فألْقَتْ جَنِينَينِ فأكثرَ؛ فقِيلَ: كفَّارةٌ، وقِيلَ: تَتعَدَّدُ، قال في «الفروع»: فيُخرَّجُ مِثْلُه في جَنِينٍ وأُمِّه. والمذْهَبُ: أنَّه لا بُدَّ مِنْ إلقاءِ جنينٍ (٥) كامِلٍ؛ لأِنَّه قَتَلَ نَفْسًا بغَيرِ حقٍّ، فكان فيه الكفَّارةُ كالمولود. وقِيلَ: تَجِبُ ولو بإلْقاءِ مُضغَةٍ لم تتصوَّر (٦). (مُسْلِمًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ كَافِرًا)؛ لأِنَّ الكافِرَ آدَمِيٌّ مَقْتولٌ ظُلْمًا، فَوَجَبَت الكفَّارةُ بقَتْلِه؛ كالمسْلِمِ. (حُرًّا أَوْ عَبْدًا)، في قَولِ أكْثرِهم؛ لِعُمومِ قَولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، ولأِنَّه يَجِبُ بِقَتْلِه القِصاصُ في الجملة، فَوَجَبَ بقَتْلِه الكَفَّارةُ كالحرِّ، ولأِنَّه مُؤمِنٌ أشْبَهَ الحرَّ. (وَسَوَاءٌ (٧) كَانَ الْقَاتِلُ كَبِيرًا عَاقِلاً، أَوْ صَبِيًّا (٨)، أَوْ مَجْنُونًا، حُرًّا أَوْ

стр. 5646

عَبْدًا)، مُسْلِمًا أوْ كافِرًا؛ لأِنَّه حقٌّ ماليٌّ (١) يَتعلَّقُ بالقَتْلِ، فتعلَّقت (٢) بهم كالدِّيَة، والصَّلاةُ والصَّومُ عِبادَتانِ بَدَنِيَّتانِ، وهذه مالِيَّةٌ أشْبَهَتْ نَفَقَةَ الأقارِبِ، وكفَّارةُ اليمين تتعلَّق بالقَول، ولا قَولَ لهما، وهذه تتعلَّق بالفعل، وفِعْلُهما مُتحَقِّقٌ، ويتعلَّق بالفِعْل ما لا يَتعلَّقُ بالقول، بدليلِ إحْبالِهما، وأمَّا الكافِرُ فتكون (٣) عقوبةً له؛ كالحُدود. وعَنْهُ: لا تَجِبُ عليه، نَقَلَها بكرُ بنُ مُحمَّدٍ، وزاد أبو حَنِيفةَ عليه: الصَّبِيَّ والمجنون (٤)؛ لأِنَّها عبادةٌ مَحضَةٌ تَجِبُ بالشَّرع، فلم تَجِبْ عليهم؛ كالصَّوم وكفَّارةِ اليمين. وجَوابُه ما سَبَقَ. (وَيُكَفِّرُ الْعَبْدُ بِالصِّيَامِ)؛ لأِنَّه لا مالَ له. (وَعَنْهُ: عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارِةٌ وَاحِدَةٌ)؛ لِعُمومِ قَولِه تعالى: الآيةَ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً … ﴾ الآية [النِّسَاء: ٩٢]، و «مَنْ» تتناول (٥) الواحِدَ والجَماعةَ، ولأِنَّ الدِّيَةَ لا تَتعدَّدُ، فكذا الكَفَّارةُ، ولأِنَّها كَفَّارةُ قَتْلٍ، فلم تَتعدَّدْ بتعدد (٦) القاتِلينَ مع اتحاد المقتول؛ ككفارة الصَّيد الحَرَمِيِّ. (فَأَمَّا (٧) الْقَتْلُ الْمُبَاحُ؛ كَالْقِصَاصِ، وَالْحَدِّ، وَقَتْلِ (٨) الْبَاغِي وَالصَّائِلِ؛

стр. 5647

فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ)؛ لأِنَّه قَتْلٌ مَأْمُورٌ به، والكفَّارةُ لا تَجِبُ لِمَحْوِ المأمور به، والخَطَأُ لا يُوصَفُ بتحريمٍ ولا إباحةٍ؛ لأِنَّه كقَتْلِ المجنون، لكِنَّ النَّفْسَ الذَّاهِبةَ به مَعصُومةٌ مُحرَّمةٌ، فلذلك (١) وَجَبَت الكفَّارةُ فيها. وقال قَومٌ: الخَطَأُ مُحرَّمٌ ولا إثمَ (٢) فيه. وقِيلَ: لَيسَ بمُحرَّمٍ؛ لأِنَّ المحرَّمَ ما أثِمَ فاعِلُه، والاِسْتِثْناءُ في الآية مُنقَطِعٌ، و «إلاَّ» في مَوضِع «لكِنْ». وقِيلَ: في مَوضِع «لا» (٣)؛ أيْ: ولا خَطَأً، وهو بعيدٌ؛ لأِنَّ الخَطَأَ لا يَتَوَجَّهُ إليه النَّهْيُ؛ لِعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه.

стр. 5648

فَصْلٌ لا يَلزَمُ قاتِلاً حَربِيًّا، قاله في «التَّرغيب» وغَيره، ولا قاتِلاً نِساءَ حَرْبٍ وذُرِّيَّتَهم، ومَن لم تَبلُغْه الدَّعْوةُ. قال الخَطَّابيُّ: مَنْ لم تَبلُغْه الدَّعْوةُ تَجِبُ فيه الكفَّارةُ والدِّيَةُ، وفي وُجوبِ الدِّيَة خِلافٌ بَينَ العلماء (١). وجَوابُه: بأنَّه لا أيْمانَ لهم ولا أمانَ، وإنَّما مُنِعَ مِنْ قَتْلِهم؛ لاِنْتِفاعِ المسلمين بهم بصيرورتهم (٢) أرِقَّاءَ. (وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ؛ رِوَايَتَانِ): (إِحْدَاهُمَا: لَا كَفَّارَةَ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ وَالْقَاضِي). (وَالأُخْرَى: فِيهِ الْكَفَّارَةُ). أَمَّا العَمْدُ؛ فالمشْهورُ في المذْهَبِ: أنَّه لا كَفَّارَةَ فيه، قدَّمه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِمُفهومِ قَولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً﴾ [النِّسَاء: ٩٢]، واحْتَجَّ جماعةٌ بقَولِه تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النِّسَاء: ٩٣]، فَمَنْ زَعَمَ أنَّ ذلك يَسقُطُ بالتَّكفير؛ احْتاجَ دَليلاً يَثْبُتُ بمِثْلِه نَسْخُ القرآن، زاد في «عيون المسائل»: وأين (٣) الدَّليلُ القاطِعُ على أنَّه إذا تاب (٤) أو كَفَّرَ قد شاء الله أنْ يَغفِرَ له، ولا فَرْقَ في العَمْد المُوجِبِ للقِصاص وغَيرِه. والثَّانيةُ: تجب (٥)، اخْتارَهُ الخِرَقِيُّ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ لِمَا رَوَى واثلة

стр. 5649

ابنُ الأسْقَعِ، قال: أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ بصاحِبٍ لنا قد أوْجَبَ القَتْلَ، فقال: «أعْتِقُوا عنه رَقبةً، يُعتِقِ اللهُ بكلِّ عُضْوٍ منه عُضْوًا منه مِنْ النَّارِ» رواه أبو داودَ بإسْنادٍ ضعيفٍ (١)، ولأِنَّها إذا وَجَبَتْ في قَتْلِ الخطأ؛ فلأن تَجِبَ في العَمْد بطَرِيقِ الأَوْلَى. والأُولى (٢) أصحُّ؛ لأِنَّه تعالى (٣) ذَكَرَ قَتْلَ الخطأ وأَوْجَبَ فيه الكفَّارةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَتْلَ العَمْد مِنْ غَيرِ ذِكْرِ كفَّارةٍ فيه، مع أنَّ سُوَيدَ بنَ الصَّامِتِ قَتَلَ رجلاً، فأوْجَبَ النَّبيُّ ﷺ القَوَدَ، ولم يُوجِبْ كفَّارةً. وحديثُ واثلة يَحتَمِلُ أنَّه كان خَطَأً، وسَمَّاه مُوجِبًا؛ لأِنَّه فوت (٤) النَّفسَ بالقَتْل، ويَحتَمِلُ أنَّه كان شِبْهَ عَمْدٍ، ويَحتَمِلُ أنَّه أمَرَهم به تَبرُّعًا. وأمَّا شبه (٥) العَمْد: فالأصحُّ أنَّها تَجِبُ فيه، جَزَمَ به في «الكافي» و «المستوعب» وغيرُهما، وفي «المغْنِي»: تَجِبُ فيه الكفَّارةُ، ولا أعْلَم لأِصْحابِنا فيه قَولاً؛ لأِنَّه أُجرِيَ مُجْرَى الخطأ في نَفْسِ القصاص، وحَمْلِ العاقِلةِ دِيَتَه، وتأجيلِها في ثلاثِ سِنِينَ، فَجَرَى مَجراهُ في وُجوبِ الكفَّارة.

стр. 5650

والثَّانيةُ: لا تَجِبُ، وبعَّدها ابنُ المنجى (١)، واختارها أبو بكرٍ؛ لأِنَّ دِيَتَه مُغَلَّظَةٌ. تذنيبٌ: مَنْ لَزِمَتْه؛ ففي ماله، وقِيلَ: ما حَمَلَه بَيتُ المال مِنْ خَطَأِ إمامٍ وحاكِمٍ؛ ففيه (٢). ويُكفِّرُ عن (٣) غَيرِ مكلفٍ (٤) وَلِيُّه، نَقَلَ مُهَنَّى: القَتْلُ له كفَّارةٌ، وكذا الزِّنى، ونَقَلَ الميمونيُّ: لَيسَ بَعْدَ القَتْل شَيءٌ أشدَّ من الزِّنى (٥).

стр. 5651

(بَابُ الْقَسَامَةِ) بَابُ الْقَسَامَةِ الْقَسامَةُ: اسْمٌ للقَسَمِ، أُقِيمَ مُقامَ المصدَر، مِنْ أقْسَمَ إقْسامًا وقَسَامَةً. وهي: الحَلِفُ، قال الأزْهَرِيُّ (١): هم القَومُ الذين يُقْسِمُونَ في دَعْواهم على رَجُلٍ أنَّه قَتَلَ صاحِبَهم، سُمُّوا قَسامَةً باسْمِ المصْدَر؛ كعَدْلٍ ورِضًا، وإنَّما هي الأَيْمانُ إذا كَثُرَتْ على وَجْهِ المُبالَغَةِ. (وَهِيَ الْأَيْمَانُ الْمُكَرَّرَةُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ)؛ أيْ: في دَعْوَى قَتْلِ مَعْصومٍ، وكلامُ الخِرَقِيِّ مُوجِبٌ للقود (٢). والأصْلُ فيها: ما رُوِيَ عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمَةَ ورافِعِ بنِ خَدِيجٍ: أنَّ (٣) مُحَيِّصةَ بنَ مسعودٍ وعبدَ الله بنَ سَهْلٍ انْطَلَقا إلى خيبر (٤)، فتفرَّقا في النَّخل، فَقُتِلَ عَبدُ الله بنُ سهل، فاتَّهَمُوا اليهودَ به، فجاءه أخوهُ عبدُ الرَّحمنِ وابْنَا عمِّه حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَةُ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فتكلَّم عبدُ الرَّحمن في أمر أخيه، وهو أصْغَرُهم، فقال: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، فتكلَّما في أمْرِ صاحِبِهما، فقال: «أتحلفون (٥) وتَستَحِقُّونَ دمَ (٦) قاتلِكم»، قالوا: كيف نَحلِفُ ولم نَشْهَدْ ولم نَرَ؟ قال: «فتُبْرِئُكُم يهودُ بخَمْسينَ يمينًا»، قالوا: كَيفَ نأخُذُ أيْمانَ قَومٍ كُفَّارٍ، قال: فَعَقَلَه النَّبيُّ ﷺ من عِندِه، رواه الجماعةُ (٧).

стр. 5652

وعن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحْمن وسليمان (١) بنِ يَسَارٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ من الأنصار: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقرَّ القَسامةَ على ما كانَتْ عليه في الجاهِلِيَّة» رواه أحمدُ ومسلمٌ (٢). قال ابنُ قُتَيبةَ في «المعارف»: أوَّل مَنْ قَضَى بالقَسامة في الجاهِليَّة الوليدُ ابنُ المغِيرةِ، فأقرَّها النَّبيُّ ﷺ في الإسلام (٣). (وَلَا تَثْبُتُ إِلاَّ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ): (أَحَدُهَا: دَعْوَى الْقَتْلِ)، عَمْدًا كان أوْ خَطَأً، نَصَّ عليه في رِوايَةِ حَنبَلٍ (٤)؛ لأِنَّ كلَّ حقٍّ لآِدَمِيٍّ لا يَثبُتُ لِشَخْصٍ إلاَّ بَعْدَ دَعْواهُ أنَّه له، والقَتْلُ من الحقوق، فيَندَرِجُ تَحتَ ذلك. وقِيلَ: لا قَسامَةَ في خَطَأٍ. (ذَكَرًا كَانَ الْمَقْتُولُ أَوْ أُنْثَى)؛ للخبر السَّابق، ولأِنَّ القِصاصَ يَجْرِي فيها (٥)، فشُرعت (٦) القَسامَةُ فيها (٧) كذلك. (حُرًّا أَوْ عَبْدًا، مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا)؛ لأنَّ (٨) العبدَ والذِّمِّيَّ يُوجِبُ القِصاصَ في المُماثِلِ له، فأوْجَبَ القَسامةَ في ذلك؛ كالحرِّ والمسْلِم. أمَّا المقتولُ إذا كان حُرًّا مُسلِمًا؛ فلا خِلافَ فيه (٩)، سَواءٌ كان المدَّعَى

стр. 5653

عليه مُسلِمًا أوْ كافِرًا؛ لِقِصَّةِ عبدِ الله بنِ سَهْلٍ (١)، والمدبَّرُ، والمُكاتَبُ، وأمُّ الوَلَد، والمعلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ كالْقِنِّ. وإنْ قَتَلَ مُسلِمٌ كافِرًا، أوْ حُرٌّ عبدًا؛ فظاهِرُ الخِرَقِيِّ: لا تَجِبُ القَسامَة، وحكاه في «الفروع» قَولاً؛ لأِنَّ القَسامَةَ إنَّما تكون فيما (٢) يُوجِبُ القَوَدَ، وكقَتْلِ البهيمة. وقال القاضِي، وهو ظاهِرُ المتْنِ، وكلامُ الأكْثَرِ: تُشرع (٣)؛ لأِنَّه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب (٤) الكفَّارةَ؛ فشُرِعَت القَسامةُ فيه كالحرِّ المسْلِمِ، ولأنَّ (٥) ما كان حُجَّةً في قَتْلِ المسْلِمِ الحرِّ (٦) كان حُجَّةً في قَتْلِ العَبْدِ والذمي (٧). (وَأَمَّا الْجِرَاحُ؛ فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٨)؛ لأِنَّ القَسامَةَ ثبتت (٩) في النَّفس لحُرْمَتها، فاخْتَصَّتْ بها كالكفارة (١٠)، وكالأطْراف، نَصَّ عليه (١١)، والدَّعْوَى فيه كالدَّعْوَى في سائِرِ الحُقوقِ: البيِّنةُ على المدَّعِي، واليمينُ على مَنْ أنْكَرَ يمينًا واحِدةً؛ لأِنَّها دَعْوَى لا قَسامَةَ فيها، فلا تُغلَّظُ بالعدد؛ كالدعوى (١٢) في المال.

стр. 5654

(الثَّانِي: اللَّوْثُ، وَهُوَ الْعَدَاوَةُ الظَّاهِرَةُ)، ولو مع سيِّدِ عَبْدٍ، قال في «الرِّعاية»: وعَصَبَةِ مَقتُولٍ، (كَنَحْوِ (١) مَا كَانَ بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَأَهْلِ خَيْبَرَ، وَكَمَا بَيْنَ الْقَبَائِلِ التِي يَطْلُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا بِثَأْرٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ)، وكما بَينَ البُغاة وأهْلِ العَدْلِ، وما (٢) بَينَ الشُّرْطةِ واللُّصوص على الأشْهَر؛ لأِنَّ مُقتَضَى الدَّليل أنْ لا تُشرَعَ القَسامَةُ، تُرِك (٣) العَمَلُ به في العداوةِ الظَّاهِرةِ، ونَقَلَ عليُّ بنُ سعيدٍ: أوْ عصبية (٤)؛ للخبر (٥). وظاهِرُه: أنَّه (٦) لا يُشتَرَطُ مع العداوة ألا (٧) يكون (٨) في الموضع الذي به القَتْلُ غَيرُ العَدَوِّ، نصَّ (٩) عليه (١٠)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه ﵇ لم يَسأل الأنصارَ: هل كان بخَيبرَ غيرُ اليهود أم لا (١١)؟ مع أنَّ الظَّاهِرَ وُجُودُ غَيرِهم فيها؛ لأِنَّها كانَتْ أمْلاكًا للمسلمين يَقصِدونَها لأخذ (١٢) غِلالِ أمْلاكِهم. وشَرَطه (١٣) القاضي؛ لأِنَّ الأنصاريَّ قُتِلَ في خَيبَرَ، ولم يكُنْ بها إلاَّ

стр. 5655

اليهودُ، وهم أعْداءٌ، ثُمَّ ناقَضَ قَولَه بأنْ قال: في قَومٍ ازْدَحَمُوا في مَضِيقٍ وتَفرَّقُوا عن قتيل (١)، فقال: إنْ كان في القوم مَنْ بَينَه وبَينَه عَداوَةٌ، وأمْكَنَ أنْ يكونَ هو قَتَلَه؛ فهو لَوثٌ، فجَعَلَ العَداوةَ لَوثًا مع وُجودِ غَيرِ العدو (٢). (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّةُ الدَّعْوَى، كَتَفَرُّقِ جَمَاعَةٍ عَنْ قَتِيلٍ، وَوُجُودِ قَتِيلٍ عِنْدَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ مُلَطَّخٌ بِدَمٍ، وَشَهَادَةِ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَثْبُتُ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمْ؛ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ)، ويُعتَبَرُ مَجيئُهم مُتفَرِّقِينَ؛ لِئَلاَّ يَتطرَّقَ إلَيهم التواطؤ (٣) على الكَذِبِ، (وَنَحْوِ ذَلِكَ)؛ كشَهادَةِ عَدْلٍ واحد، اختاره أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ، وابنُ رَزِينٍ، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)؛ لأِنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ صِدْقُ المدَّعِي، أشْبَهَت العَداوةَ. وَرُدَّ: بأنَّ هذا لَيسَ بِلَوثٍ؛ لِقَولِه في الذي قُتِلَ في الزِّحام يَومَ الجُمعة: دِيَتُه في بَيتِ المالِ (٥)، وقال فِيمَنْ وُجِدَ مَقْتولاً في المسجدِ الحرامِ: يُنظَرُ مَنْ كان بَينَه وبَينَه في حياته عَداوةٌ (٦)؛ لأنَّ (٧) اللَّوثَ إنَّما يَثبُتُ بالعداوة؛ لقصة (٨) الأنصاريِّ، ولا يَجُوزُ القِياسُ عليها؛ لأِنَّ الحُكْمَ يَثبُتُ بالمَظِنَّة، ولا يُقاسُ في المظانِّ (٩)؛ لأِنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتعَدَّى بتَعَدِّي سببِه، والقِياسُ في المظان (١٠)

стр. 5656

جَمْعٌ بمجرَّد (١) الحِكْمَة وغلبة (٢) الظُّنون. فرعٌ: إذا شهد (٣) أنَّه قَتَلَ أحدَ هذَينِ القتيلين (٤)؛ لم تَثبُت الشَّهادةُ، ولم يكُنْ لَوثًا بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناه (٥). وإنْ شهدا (٦) أنَّ هذا القتيلَ قَتَلَه أحدُ هذَينِ، أوْ شَهِدَ أحدُهما أنَّ هذا قَتَلَه وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقرَّ بقَتْلِه، أوْ شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتله (٧) بِسَيفٍ وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه بسِكِّينٍ؛ لم تَكمُل الشَّهادةُ ولم يكُنْ لَوثًا، اختاره القاضي. لكِنَّ المنصوصَ: أنَّه إذا شَهِدَ أحدُهما بقَتْلِه والآخر (٨) بالإقرار بقتله (٩)؛ أنَّه يَثبُتُ القَتْلُ (١٠)، واختاره أبو بكرٍ هنا، وفيما إذا شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيفٍ والآخَرُ بسِكِّينٍ؛ لأِنَّهما اتَّفَقا على القتل، واخْتَلَفَا في صيغته (١١). (فَأَمَّا قَوْلُ الْقَتِيلِ: فُلَانٌ قَتَلَنِي؛ فَلَيْسَ بِلَوْثٍ)، في قَولِ أكْثَرِهم؛ لِقَولِه ﵇: «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْواهم … » الخبرَ (١٢)، وكالوَلِيِّ.

стр. 5657

وقال م (١): هو لَوثٌ؛ لأِنَّ قتيل (٢) بَنِي إسْرائيلَ قال: فُلانٌ قَتَلَنِي؛ فكان حُجَّةً. وجَوابُه: أنَّه لا قَسامَةَ فيه، فإنَّ ذلك كان من آياتِ الله تعالى، ومُعْجِزاتِ نَبِيِّه موسى ﵇، ثمَّ ذاك (٣) في تبرئة (٤) المتَّهَمِينَ، فلا يَجُوزُ تَعْدِيَتُه إلى تُهمةِ البَرِيئِينَ، لكِنْ نَقَلَ الميمونيُّ: أذْهَبُ إلى القَسامَة إذا كان ثَمَّ لَطْخٌ، إذا كان سببٌ بَيِّنٌ، إذا كان ثَمَّ عَداوةٌ، إذا كان مِثْلُ المدَّعَى عليه يَفعَلُ ذلك (٥). تنبيهٌ: إذا وُجِدَ قتيلٌ في مَوضِعٍ، فادَّعى أوْلِياؤه على رجلٍ أوْ جماعةٍ، ولَيسَ بَينَهم عَداوَةٌ ولا لَوثٌ؛ فهي كسائرِ الدَّعاوَى، وإن (٦) كان لهم بَيِّنةٌ؛ حُكِمَ بها، وإلاَّ قُبِلَ قَولُ المنكِرِ. وقال الحَنَفِيَّةُ (٧): إذا ادَّعى أوْلِياؤه قَتْلَه على أهْلِ المَحَلَّة، أوْ على مُعَيَّنٍ؛ فللوليِّ أنْ يَختارَ مِنْ الموضِعِ خَمْسينَ رجُلاً يَحلِفونَ خمسينَ يمينًا: واللهِ ما قتلناه (٨)، ولا عَلِمْنا قاتله (٩)، فإنْ نَقَصُوا عن الخَمْسينَ؛ كُرِّرت (١٠) الأَيْمانُ عَلَيهِم حتَّى تَتِمَّ، فإنْ حلفوا (١١)؛ وَجَبَتِ الدِّيَةُ على باني (١٢) الخطة، فإنْ لم

стр. 5658

يكُنْ؛ وجَبَتْ على سُكَّانِ المَوضِعِ، فإنْ لم يَحلِفُوا؛ حُبِسُوا حتَّى يُقِرُّوا أوْ يَحلِفُوا؛ لأِثَرٍ عن عمر (١) على أنَّه مُحتَمِلٌ. قال ابنُ المنْذِرِ: سَنَّ النَّبيُّ ﷺ البَيِّنةَ على المدَّعِي، واليمينَ على المدَّعَى عَلَيهِ (٢)، وسَنَّ القَسامَةَ في القَتِيلِ الذي وُجِدَ بخيبر (٣). وعُلِمَ ممَّا سَبَقَ: أنَّه لا تُسمع (٤) الدَّعْوَى على غَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كسائِرِ الدَّعاوَى، وأنَّه لا يُشتَرَطُ أنْ يكونَ بالقتيل (٥) أَثَرٌ في قَولِ الجماعة؛ لأِنَّه ﵇ لم يَسأَلِ الأنصار هل بقَتِيلِهم أثَرٌ أمْ لا؟ مع أنَّ القَتْلَ يَحصُلُ بما لا أَثَرَ له؛ كغَمِّ الوَجْهِ. وعنه: يُشْتَرَطُ ذلك، اختاره أبو بكرٍ؛ لأِنَّه إذا لم يكُنْ به (٦) أَثَرٌ؛ احْتَمَلَ أنَّه (٧) مات حَتْفَ أنْفِه. فعلى هذه: إنْ خَرَجَ دَمٌ من أُذنِه فهو لَوثٌ، وكذا إنْ خَرَجَ مِنْ أنْفِه في وَجْهٍ، وقِيلَ: أوْ شَفَتِه، وجَوابُه ما تَقَدَّمَ.

стр. 5659

(وَمَتَى ادَّعَى الْقَتْلَ مَعَ عَدَمِ اللَّوْثِ عَمْدًا (١)، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يُحْكَمُ (٢) لَهُ بِيَمِينٍ وَلَا غَيْرِهَا)، هذا روايةٌ، قال في «الفروع»: وهي أشْهَرُ، سَواءٌ كانَت الدَّعْوَى خَطَأً أوْ عَمْدًا؛ لأنَّها (٣) دَعْوى فِيما لا يَجوزُ بَذْلُه، أشْبَهَ الحُدودَ، ولا يُحكَمُ له بالقَسامَةِ؛ لأِنَّ مِنْ شَرْطِها المرتَّب عَلَيها القتل (٤) أو الدِّيَة؛ وُجودَ اللَّوْثِ، وهو مُنْتَفٍ هُنا. (وَعَنْ أَحْمَدَ: يَحْلِفُ يَمِينًا وَاحِدَةً)، قدَّمه في «المحرَّر»، (٥) وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقَولِه ﵇: «ولكِنَّ اليمينَ على المدَّعَى عَلَيهِ» رواه مُسلِمٌ (٦)، وكَدَعْوَى المالِ، (وَهِيَ الْأَوْلَى)، والأصحُّ، فَعَلَى هذه: إنْ حَلَفَ المدَّعَى عليه؛ فظاهِرٌ، وإن امْتَنَعَ لم يُقْضَ عليه بِقَوَدٍ، بَلْ بِدِيَة (٧). وقِيلَ: لا تَجِبُ ويُخَلَّى سَبيلُه. وعنه: يَحلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لأِنَّه دَعْوى في (٨) قَتْلٍ، أشْبَهَ ما لو كان بَينَهم لَوثٌ. (وَإِنْ كَانَ خَطَأً؛ حَلَفَ يَمِينًا وَاحِدَةً)؛ لأِنَّ النُّكولَ هنا يُقضى به؛ لأِنَّ مُوجِبَه مالٌ، بخِلافِ القِصاصِ. (الثَّالِثُ (٩): اتِّفَاقُ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الدَّعْوَى)؛ لأِنَّها دَعْوَى قَتْلٍ، فاشْتُرِط

стр. 5660

اتِّفاقُ جميعِهم فيها؛ كالقِصاص. (فَإِنِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَ بَعْضٌ)؛ بأنْ قال: قَتَلَه هذا، وقال الآخَرُ: لم يَقتُلْه هذا، أوْ قال (١): بَلْ قَتَلَه هذا الآخَرُ؛ (لَمْ تَثْبُتِ الْقَسَامَةُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، سواءٌ كان المكذِّبُ عَدْلاً أوْ فاسِقًا؛ لأِنَّه مُقِرٌّ على نَفْسِه بتبرئة مَنْ ادَّعى عَلَيه بقَتْلٍ، كما لو ادَّعَيَا دَينًا (٣) لهما. (الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْمُدَّعِينَ (٤) رِجَالٌ عُقَلَاءُ)؛ لقَولِه ﵇: «يُقسِمُ خَمْسونَ رَجُلاً منكم» (٥)، ولأِنَّ القَسامَةَ حُجَّةٌ يَثبُتُ بها قَتْلُ العَمْد، فاعْتُبِرَ كَونُها مِنْ رجالٍ عُقَلاءَ؛ كالشَّهادة. ويُستَثْنَى منه: المرتَدُّ وَقْتَ مَوتِ مورِّثه (٦) الحرِّ؛ لِعَدَمِ إرْثِه، ولو أَسْلَمَ، بل (٧) بَعْدَ مَوتِه. (وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ) في القَسامَةِ؛ أي: لم (٨) يُستحلفْنَ (٩)؛ لِمَا ذَكَرْناهُ، ولأِنَّ الجِنايَةَ المدَّعاةَ التي تَجِبُ القَسامةُ عليها (١٠) هي القَتْلُ، ولا مَدخَلَ لَهُنَّ في إثْباتِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُقسم (١١) في الخطأ.

стр. 5661

فلو كان جميعُ الورثة (١) نِساءً؛ فاحْتِمالانِ. وفي الخُنْثَى وَجْهانِ: أحدهما: يُقسِمُ؛ لأِنَّ سببَ (٢) الاِسْتِحْقاق وُجِدَ في حَقِّه، وهو الاِسْتِحْقاقُ من الدِّيَة، ولم يُتحقَّق المانِعُ مِنْ يَمِينِه. والثَّاني: لا يُقسِمُ؛ كالمرأة. (وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فِي الْقَسَامَةِ)؛ لأِنَّ قَولَهما لَيسَ بحُجَّةٍ، بدليلِ أنَّهما لو أقرَّا على أنْفُسِهما لم يُقبَلْ، فكذا لا يُقبَلُ قَولُهما في حقِّ غَيرِهما بطَرِيقِ الأَوْلَى. (عَمْدًا كَانَ القَتْلُ (٣) أَوْ خَطَأً)؛ لأِنَّ الخَطَأَ أحَدُ القَتْلَينِ، أشْبَهَ الآخر (٤)، لا يُقالُ: الخَطَأُ يُثبِتُ المالَ وللنِّساء مَدْخلٌ (٥) فيه؛ لأِنَّ المالَ يَثبُتُ ضِمْنًا لِثُبوتِ القَتْلِ، ومِثْلُه لا يَثبُتُ بالنِّساء، بدليلِ ما لو ادَّعَى زَوجِيَّةَ امرأةٍ بَعْدَ مَوتِها لِيَرِثَها، وأقام رَجُلاً وامْرَأتَينِ؛ أنَّه لا يُقبَلُ. (فَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ) أوْ أكثرَ، (أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ)، أوْ ناكِلٌ عن اليمين، قالَه في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ (فَلِلْحَاضِرِ المُكَلَّفِ (٦) أَنْ يَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقَّ) نصيبَه من الدِّيَة؛ لأِنَّ القَسامَةَ حقٌّ له ولغَيرِه، فقيام (٧) المانِعِ بصاحِبِه لا يَمنَعُ مِنْ حَلِفِه واسْتحقاقِه نصيبَه؛ كالمال المشْتَرَكِ بَينَهما. (وَهَلْ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في

стр. 5662

«المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: يَحلِفُ خَمْسِينَ؛ لأِنَّ الحُكْمَ لا يَثبُتُ إلاَّ بالبينة (١) الكاملة، والبيِّنةُ هُنا هي الأَيْمانُ، بدليلِ ما لو ادَّعى أحدُهما دَينًا لأبيهما (٢). الثَّاني: يَحلِفُ بقِسْطِه، جَزَمَ به في «الوجيز»، وهو أشْهَرُ؛ لأِنَّه لو كان الجميعُ حاضِرِينَ؛ لم يَلزَمْه أكثرُ مِنْ قِسْطِه مِنْ الأَيْمانِ، فكذا مع المانِعِ. لكِنْ لا قَسامَةَ حتى (٣) يَحضُرَ الغائبُ ويَبلُغَ الصَّبِيُّ؛ لأِنَّ الحقَّ لا يَثبُتُ إلاَّ بالبَيِّنةِ، وهي الأَيْمانُ هُنا، ولأِنَّ الحقَّ إنْ كان قِصاصًا فلا يُمكِنُ تبعيضه (٤)، وغَيرُه لا يَثبُتُ إلاَّ بواسِطَةِ ثُبوتِ القَتْلِ. وقال القاضِي: إنْ كان القَتْلُ عَمْدًا فكذلك، وإنْ كان مُوجِبًا للمال؛ فللحاضِرِ المكلَّفِ أنْ يَحلِفَ ويَستَحِقَّ نصيبه (٥) من الدِّيَةِ، وهذا قَولُ أبي بكرٍ وابنِ حامدٍ، ونَصَرَه المؤلِّفُ وغَيرُه. وقال ابْنُ حامدٍ: يُقسِمُ بقِسْطِه من الأَيْمان؛ لأِنَّه لا يَستَحِقُّ أكثرَ مِنْ قِسْطِه مِنْ الدِّيَةِ، كما لو كان الجميعُ حاضِرِينَ. (وَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ؛ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ)، وَجْهًا واحِدًا، (وَلَهُ بَقِيَّتُهَا)؛ لأنَّه (٦) يَبْني على أيْمانِ صاحِبِهِ المتقدِّمةِ. وقال أبو بكرٍ والقاضِي: يَحلِفُ خَمْسِينَ؛ كصاحبه، فكذا هو. فلو قَدِمَ ثالِثٌ أوْ بَلَغَ؛ فعلى قَولِهما: يَحلِفُ سَبْعَةَ عَشَرَ يمينًا، وعَلَى

стр. 5663

الآخَرِ خَمْسِينَ (١). وإذا (٢) قَدِمَ رابِعٌ؛ فهَلْ يَحْلِفُ ثَلاثَةَ عشر (٣) يمينًا، أوْ خَمْسِينَ؟ فيه الخِلافُ. (وَالْأَوْلَى عِنْدِي: أَلاَّ (٤) يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَتَّى يَحْلِفَ الآْخَرُ)؛ لأِنَّ ذلك مُوجَب (٥) أيْمانه. (وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مِنْ شُرُوطِ الْقَسَامَةِ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَمْدًا (٦)؛ لأِنَّ اللَّوثَ من شُروطِها وِفاقًا (٧)، ولا يَتحقَّقُ إلاَّ في العمد؛ لأِنَّ الخَطَأَ يَصدُرُ عن غَيرِ قَصْدٍ، فيَسْتَوِي فيه العَدُوُّ وغَيرُه، وإذا كان كذلك صار الخَطَأُ في المعنى كالعمد الذي لا لَوثَ فيه ولا قَسامَةَ، (تُوجِبُ (٨) الْقِصَاصَ إِذَا ثَبَتَ (٩) الْقَتْلُ)؛ لأِنَّ الغَرَضَ من القَسامة في العَمْد القِصاصُ، فإذا لم تكن (١٠) مُوجِبَةً له؛ كدَعْوَى قَتْلِ المسْلِم بالكافِرِ؛ لم يُوجَد الغَرَضُ. (وَأَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى عَلَى وَاحِدٍ)، لا يَختلِفُ المذهب فيه؛ لقوله ﵇:

стр. 5664

«فيحلف (١) خَمْسُونَ منكم على رجلٍ منهم، فيُدفَعُ بِرُمَّتِه» (٢)، ولأِنَّها بيِّنةٌ (٣) ضعيفةٌ، خُولِفَ بها الأصلُ مِنْ قتل (٤) الواحِدِ، فيقتصر (٥) عليه ويَبْقَى على الأصل ما عَداهُ. ويُشتَرَطُ في القاتل أنْ يكونَ مُكلَّفًا؛ لِتَصِحَّ الدَّعْوَى، وإمْكانُ القَتْل، وصِفَةُ القَتْل، فلو اسْتَحْلَفَه الحاكِمُ قَبْلَ تفصيله؛ لم يُعتَدَّ به؛ لِعَدَمِ تحريرِ الدَّعوى وطَلَبِ الوَرَثةِ. (وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ)؛ لأِنَّ القَسامَةَ حجَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَثبُتَ بها الخَطَأُ؛ كالعَمْدِ، (لَكِنْ إِنْ كَانَتِ (٦) الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا؛ لَمْ يُقْسِمُوا إِلاَّ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ (٧)؛ لخَبَرِ سَهْلٍ (٨). (وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ؛ فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ)؛ لأِنَّها حُجَّةٌ يَثبُتُ بها العَمْدُ المُوجِبُ للقِصاص، فيَثْبُتُ بها غَيرُه، وهو المالُ؛ كالبيِّنة.

стр. 5665

(فَصْلٌ) (وَيُبْدَأُ فِي الْقَسَامَةِ بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ)؛ أيْ: ذُكور العَصَبة العُدول أوَّلاً، نَصَّ عليه (١)؛ لقوله ﵇: «فيَحلِفُ خَمْسونَ منكم» (٢). (فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا)، أيْمانُ القَسامَةِ خَمْسونَ بالإجماع (٣)، على المدَّعَى عليه أنَّه قتله، فإذا حَلَفَ ثَبَتَ الحقُّ في قِبَلِه (٤)؛ لحديثِ سَهْلٍ، ولِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفوعًا، قال: «البيِّنةُ على المدَّعِي، واليَمينُ على مَنْ أنْكَرَ، إلاَّ في القَسامَةِ» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، مِنْ رِوايِةِ مُسلِمِ بنِ خالِدٍ الزِّنْجِيِّ، وذَكَرَ أنَّه مرسلٌ (٥)، ورُوِي أيضًا بإسْنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي هُرَيرَةَ مرفوعًا كذلك (٦)، وهذه الزِّيادةُ يتعيَّنُ العَمَلُ بها؛ لأِنَّ الزِّيادةَ

стр. 5666

من الثِّقة مقبولة (١)، ولأِنَّها أيْمانٌ مُكرَّرةٌ، فيُبْدَأُ فيها بأيْمانِ المدَّعِينَ (٢)؛ كاللِّعان. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَطُ اتِّفاقُ المجلس من (٣) جميعِهم، وفيه قَولٌ حكاهُ في «الرِّعاية». (وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ) في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لأِنَّها أيْمانٌ في دعوى (٤)، فلم تُشرع (٥) في حقِّ غَيرِ الوارث؛ كسائر الأَيْمان. (فَتُقْسَمُ (٦) الْأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ)؛ أيْ: يُقسَمُ بَينَ الرِّجال من ذَوِي الفُروضِ والعَصَباتِ على قَدْرِ إرْثِهم إنْ كانوا جماعةً. (فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا؛ حَلَفَهَا)؛ لأِنَّه قائمٌ مَقامَ الجَماعةِ في اسْتِحْقاقِ الدِّيَة، فكذا في الأَيْمان. ونَقَلَ الميموني (٧): لا أجترئ (٨) عليه، النَّبيُّ ﷺ يقول (٩): «يَحلِفُ منكم خَمْسونَ»، فمَن احْتَجَّ للأوَّل (١٠)؟ قال: يَحتَجُّ بحديثِ مُعاوِيَةَ (١١)،

стр. 5667

فردَّها (١) على الثَّلاثة الذي ادُّعِيَ عليهم، فحَلَفُوا خَمْسينَ يمينًا (٢). وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يَحلِفُ وليٌّ يمينًا. (وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً؛ قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ)؛ لأِنَّ مُوجَبَها الدِّيَةُ، وهي تُقسَمُ كذلك، فكذا يَجِبُ أنْ تُقسَمَ هي، فإنْ كانوا أكثرَ من خمسينَ حَلَفَ خَمْسونَ، كلُّ واحِدٍ يمينًا. (وَإِنْ كَانَ فِيهَا كَسْرٌ؛ جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلَ زَوْجٍ وَابْنٍ (٣)، يَحْلِفُ الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالاِبْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ)؛ لأِنَّ تكميلَ الخَمْسينَ واجِبٌ، ولا يُمكِنُ تبعيضُها، والجبر (٤) في كلِّ واحِدٍ لِعَدَمِ المَزِيَّةِ، فالزَّوجُ له الرُّبُعُ؛ اثْنا عَشَرَ ونِصفٌ، فيُكمَّلُ، والاِبْنُ له الباقي، وهو سَبْعٌ وثَلاثُونَ ونِصْفٌ، فيُكمَّلُ، فيَصيرُ كما ذَكَرَه فيهما، فإنْ كان معهما (٥) بنتٌ؛ حَلَفَ الزَّوجُ سبعةَ عَشَرَ يمينًا، والاِبْنُ أرْبَعةً وثَلَاثِينَ.

стр. 5668

(وَلَوْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ؛ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا)؛ لأِنَّ لِكلِّ ابنٍ ثُلُثَ الأَيْمان: سِتَّةَ عَشَرَ يَمِينًا وثُلُثَينِ، ثُمَّ تُكمَّلُ. (وَعَنْهُ: يَحْلِفُ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلاً، كُلُّ (١) وَاحِدٍ يَمِينًا)؛ لقولِه ﵇: «يَحلِفُ خَمْسونَ منكُمْ»، مع عِلْمِه أنَّه لم يكُنْ لعبدِ الله بنِ سَهْل خَمْسونَ رجلاً وارِثًا؛ لأِنَّه لا يَرِثُه إلاَّ أخوهُ، أوْ مَنْ هو في درجته، أو أقْرَبُ منه نسَبًا، ولأِنَّه خاطَبَ ابني (٢) عمِّه، وهما غَيرُ وارِثَينِ، لكن (٣) يَحلِفُ الوارِثُ منهم الذين يَستحِقُّونَ دَمَه، فإنْ لم يَبلُغُوا؛ يُؤخَذُ الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِنْ قبيلته التي يُنسَبُ إلَيها، ويَعرِفُ لنفسه (٤) نَسَبَه من المقْتولِ، فأمَّا مَنْ عُرِفَ أنَّه من القبيلة، ولم يُعرفْ وَجْهُ النَّسَبِ؛ لم يُقْسِمْ، ذَكَرَه جماعةٌ، وسَأَلَه الميمونيُّ: إنْ لم يَكُنْ له (٥) أوْلِياءُ؟ قال: فقبيلته (٦) التي هو فيها وأقْرَبُهم منه (٧). فرعٌ: إذا مات المسْتَحِقُّ؛ فَوارِثُه كَهُوَ، ويَستَأْنِفُ وارِثُه الأَيْمانَ، سَواءٌ حَلَفَ قَبْلَ مَوتِه شَيئًا أوْ لا؛ لأِنَّه لا يَجوزُ أنْ يَأخُذَ شَيئًا بيَمِينِ غَيرِه. ولو حَلَفَ المسْتَحِقُّ بعضَ الأَيْمانِ، ثُمَّ جُنَّ، ثُمَّ أفَاقَ، أوْ عُزِلَ الحاكِمُ، فإنَّه يَبْنِي. (فَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا (٨)؛ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ (٩) في ظاهِرِ

стр. 5669

المذْهَبِ، وهو قَولُ الأكثرِ؛ لقوله ﵇: «فتبرئكم يهودُ بأيْمانِ خَمْسينَ مِنهُم»؛ أيْ: يبرؤون منكم، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبيَّ ﵇ لم يُغرِّم اليهودَ، وأنَّه أدَّاها (١) مِنْ عِنْدِه، ولأِنَّها أيْمانٌ مَشروعةٌ في حقِّ المدَّعَى عَلَيهِ، فتبرأ بها (٢)؛ كسائر الأَيمانِ. وعنه: أنَّهم يَحلِفُونَ ويَغرَمُون الدِّيَةَ؛ لِقَضاءِ عمرَ بالدِّيَةِ مع اليَمِينِ (٣). والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ عمرَ إنَّما قَضَى بها على أهلِ المحلَّة، ولَيسَ ذلك مَذْهَبًا لأِحْمَدَ. ويُعْتَبَرُ حُضورُ المدَّعَى عليه وَقْتَ يَمِينِه؛ كالبيِّنة وحُضُور المدَّعِي، ذَكَرَه المؤلِّفُ. (وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ (٤) الْمُدَّعُونَ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ فَدَاهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)؛ أيْ: أدَّى ديته (٥) مِنْ بَيتِ المال؛ لقضية (٦) عبدِ الله بنِ سَهْلٍ، ولم يَجِبْ على المدَّعَى عَلَيهم شَيءٌ. (وَإِنْ طَلَبُوا أَيْمَانَهُمْ)؛ أيْ: أيْمانَ المدَّعَى عليهم، (فَنَكَلُوا؛ لَمْ يُحْبَسُوا) في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّها يمين (٧) مشروعةٌ في حقِّ المدَّعَى عليه، فلم يُحبَسْ عليه؛ كسائر الأَيْمانِ. وعَنْهُ: يُحْبَسُ حتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحلِفَ؛ لأِنَّها دَعْوى، فيُحبَس (٨) فيها بالنُّكول؛ كالمال.

стр. 5670

وعلى الأُولَى: لا يَجِبُ قَوَدٌ بِنُكُولٍ؛ لأِنَّه حُجَّةٌ ضعيفةٌ؛ كشاهِدٍ ويمينٍ، ذَكَرَه في «المُغْنِي». (وَهَلْ تَلْزَمُهُمُ (١) الدِّيَةُ، أَوْ تَكُونُ (٢) فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: تَلزَمُه الدِّيَةُ، اختارها أبو بكرٍ، وقدَّمها في «الرِّعاية»، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّه حُكْمٌ ثَبَتَ بالنُّكول، فيثبت في حقِّهم كسائِرِ الدَّعاوَى، ولو لم يَجِبْ على المدَّعَى عليه مالٌ بِنُكولِه، ولم يُجبَرْ على اليمين؛ لخلا (٣) مِنْ وُجوبِ شَيءٍ عليه بالكُلِّيَّةِ. والثَّانيةُ: في بَيتِ المال؛ لأِنَّهم امْتَنَعوا عن اليمين، أشْبَهَ امْتِناعَ المُدَّعِينَ (٤) إذا لم يَرْضَوْا بِيَمِينِ المدَّعَى عليه. فائدةٌ: يَقُولُ: تاللهِ، وبالله (٥)، وَوَاللهِ، بالجرِّ (٦)، فإنْ قالَه مَضْمُومًا أوْ مَنصُوبًا؛ فقد لَحَنَ، قال القاضي (٧): ويُجزِئُه إنْ تَعمَّدَ أوْ لم يَتعَمَّدْ؛ لأِنَّه لَحْنٌ لا يُحِيلُ المعْنَى، ويُستَحَبُّ أنْ يَستَظْهِرَ في ألْفاظِ اليَمِينِ في القَسامَة تأْكِيدًا. فرعٌ: سَأَلَه ابنُ مَنصُورٍ عن قَتِيلٍ بَينَ قَرْيَتَينِ، قال: هذا قَسامَةٌ (٨)، قال المَرُّوذِيُّ: احتجَّ أحمدُ بأنَّ عمرَ جعل (٩) الدِّيَةَ على أهْلِ القَرْيةِ (١٠)، ونَقَلَ

стр. 5671

حَنْبَلٌ (١): أذْهَبُ إلى حديثِ عمرَ: «قِيسُوا ما بَينَ الحَيَّيْنِ فإلى (٢) أيهما (٣) كان أقربَ فَخُذْهُمْ به» (٤)، وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: «وُجِدَ قَتِيلٌ بَينَ قَريَتَينِ، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ فذُرِع (٥) ما بَينَهُما، فَوُجِدَ إلى أحدهما (٦) أقْرَبَ، فَكَأنِّي أَنْظُرُ إلى شِبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، فأَلْقاهُ على أقْرَبِهِما» - والله أعلم (٧) - رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» (٨).

стр. 5672

(كِتَابُ الْحُدُودِ) وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ، وهو المنْعُ، وحُدودُ الله تعالى: مَحارِمُه؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وهِي: ما حَدَّه وقدَّره، فلا يَجوزُ أنْ يُتعَدَّى (١)؛ كتَزْويجِ الأَرْبَعِ ونحوِه، وما حَدَّه الشَّرْعُ؛ فلا يَجُوزُ فيه الزِّيادةُ والنُّقْصانُ. والحُدودُ: العُقوباتُ (٢) المقدَّرةُ، يَجُوزُ أنْ تكُونَ سُمِّيَتْ بذلك من المنْعِ؛ لأِنَّها تَمنَعُ من الوُقوع في مِثْلِ ذلك (٣) الذَّنْب، وأنْ تكُونَ سُمِّيَت الحُدودُ التي هي (٤) المحارِمُ؛ لكَونها (٥) زَوَاجِرَ عنها، أوْ بالحُدود التي هي المقدَّراتُ. وشَرْعًا: عُقُوبَةٌ مُقدَّرةٌ؛ لِتَمْنَعَ من الوُقوع في مِثْلِه. (لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلاَّ (٦) عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ)، ولا خِلافَ في اعْتِبارِهما (٧)؛ للنُّصوص، ولأِنَّه إذا سَقَطَ عنه التَّكليفُ في العبادات (٨)، والإثْمُ في المعاصي؛ فالحدُّ المَبْنِيُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أَوْلَى. فإنْ كان يُفِيقُ في وَقْتٍ، فأقرَّ فيه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ؛ فعَلَيهِ الحدُّ (٩) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١٠).

стр. 5673

لكِنْ لو أقرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى، ولم يُضِفْه (١) إلى حالٍ، أوْ شَهِدَتْ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ به، ولم تُضفه (٢) إلى حالِ إفاقَتِه؛ فلا حدَّ؛ لِلاِحْتِمالِ. ولا يَجِبُ على نائمٍ ولا نائمةٍ. (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ)؛ لِعُمومِ النُّصوصِ، وقاله الأئمَّةُ، سَواءٌ جَهِلَ تحريم الزِّنى، أوْ تحريمَ عَينِ المرأة. زاد في «الوجيز»: مُلْتَزمٍ، وهو مُرادٌ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إِلاَّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ)؛ لأِنَّه حقٌّ لله (٣) تعالى، ويفتقر (٤) إلى اجْتِهادٍ، ولا يُؤمَنُ معه الحَيفُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُه إلى نائبِ الله في خَلْقِه، ولأِنَّه ﵇ كان يُقِيمُ الحُدودَ في حياته، وخلفاؤه مِنْ بَعدِه. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إلاَّ لِقَرينةٍ؛ كتَطلُّبِ الإمامِ لَه لِيَقْتُلَه (٥). وعلى الأوَّل: لو أقامَه غَيرُه؛ لم يَضمَنْه، نَصَّ عليه (٦)، لكنَّه تَعَدَّى على الإمام، وذلك لا يُوجِبُ ضَمانًا؛ كالمرتد. ولا يَلزَمُ الإمامَ حُضورُ إقامته (٧)؛ لقوله: «واغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرأةِ هذا فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» (٨)، وكغَيرِه.

стр. 5674

فرعٌ: مَنْ أقامَ على نَفْسِه ما (١) لَزِمَه مِنْ حدِّ زِنًى أوْ قَذْفٍ، بإِذْنِ إمامٍ أوْ نائبِه؛ لم يَسقُطْ عنه، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ. (إِلاَّ السَّيِّدَ) الحُرَّ المكلَّفَ العالِمَ، (فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدَّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ)؛ أي: الكامِلِ رِقُّه في قَولِ عامَّتِهم؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم؛ فلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثرِّبْ عَلَيها» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، وعن عليٍّ مرفوعًا: «أقِيمُوا الحُدودَ على ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولأِنَّ للسَّيِّدِ تأديبَ أَمَتِه بتَزويجِها، فملك (٤) إقامةَ الحدِّ (٥) عَلَيها كالسُّلْطان، وبهذا (٦) فارَقَ الصَّبِيَّ. وعنه: لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّه يفتقر (٧) إلى اجْتِهادٍ، فلم يَملِكْه؛ كالقَطْعِ، وحَدِّ الحُرِّ.

стр. 5675

وعلى الأوَّل: له سَماعُ بَيِّنةٍ تَقتَضِي العُقوبةَ، والعَمَلُ بها إنْ عَرَفَ شروطها (١)، وإلاَّ سَمِعَها الحاكِمُ أوْ سَيِّدُه بإذْنِه، وقِيلَ: لا يَسمَعُها غَيرُ حاكِمٍ، قدَّمه في «الكافي» و «الشَّرح». (وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٢): لا يَملِكُه، قدَّمه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وذكر (٣) أنَّه قَولُ أكثرِ أهلِ العِلْم؛ لأِنَّه ﵇ إنَّما أَمَرَ بالجَلْد، فلا (٤) يَثبُتُ في غَيرِه، ولأِنَّ في الجَلْد سَتْرًا على رقيقه؛ لِئَلاَّ يَفتَضِحَ بإقامَةِ الإمام له (٥)، فتنقص (٦) قِيمَتُه، وذلك مُنْتَفٍ فيهما. والثَّانيةُ: له ذلك؛ لأِنَّ «عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا له سَرَقَ» (٧)، و «حفصة (٨) قَتَلَتْ أَمَةً لها سحرتها» (٩).
следующие страницы →