← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

حَنْبَلٌ (١): أذْهَبُ إلى حديثِ عمرَ: «قِيسُوا ما بَينَ الحَيَّيْنِ فإلى (٢) أيهما (٣) كان أقربَ فَخُذْهُمْ به» (٤)، وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: «وُجِدَ قَتِيلٌ بَينَ قَريَتَينِ، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ فذُرِع (٥) ما بَينَهُما، فَوُجِدَ إلى أحدهما (٦) أقْرَبَ، فَكَأنِّي أَنْظُرُ إلى شِبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، فأَلْقاهُ على أقْرَبِهِما» - والله أعلم (٧) - رواه أحمدُ في «مُسْنَدِه» (٨).

стр. 5672

(كِتَابُ الْحُدُودِ) وَهِيَ جَمْعُ حَدٍّ، وهو المنْعُ، وحُدودُ الله تعالى: مَحارِمُه؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]، وهِي: ما حَدَّه وقدَّره، فلا يَجوزُ أنْ يُتعَدَّى (١)؛ كتَزْويجِ الأَرْبَعِ ونحوِه، وما حَدَّه الشَّرْعُ؛ فلا يَجُوزُ فيه الزِّيادةُ والنُّقْصانُ. والحُدودُ: العُقوباتُ (٢) المقدَّرةُ، يَجُوزُ أنْ تكُونَ سُمِّيَتْ بذلك من المنْعِ؛ لأِنَّها تَمنَعُ من الوُقوع في مِثْلِ ذلك (٣) الذَّنْب، وأنْ تكُونَ سُمِّيَت الحُدودُ التي هي (٤) المحارِمُ؛ لكَونها (٥) زَوَاجِرَ عنها، أوْ بالحُدود التي هي المقدَّراتُ. وشَرْعًا: عُقُوبَةٌ مُقدَّرةٌ؛ لِتَمْنَعَ من الوُقوع في مِثْلِه. (لَا يَجِبُ الحَدُّ إِلاَّ (٦) عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ)، ولا خِلافَ في اعْتِبارِهما (٧)؛ للنُّصوص، ولأِنَّه إذا سَقَطَ عنه التَّكليفُ في العبادات (٨)، والإثْمُ في المعاصي؛ فالحدُّ المَبْنِيُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أَوْلَى. فإنْ كان يُفِيقُ في وَقْتٍ، فأقرَّ فيه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ؛ فعَلَيهِ الحدُّ (٩) بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١٠).

стр. 5673

لكِنْ لو أقرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى، ولم يُضِفْه (١) إلى حالٍ، أوْ شَهِدَتْ عَلَيهِ بَيِّنَةٌ به، ولم تُضفه (٢) إلى حالِ إفاقَتِه؛ فلا حدَّ؛ لِلاِحْتِمالِ. ولا يَجِبُ على نائمٍ ولا نائمةٍ. (عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ)؛ لِعُمومِ النُّصوصِ، وقاله الأئمَّةُ، سَواءٌ جَهِلَ تحريم الزِّنى، أوْ تحريمَ عَينِ المرأة. زاد في «الوجيز»: مُلْتَزمٍ، وهو مُرادٌ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إِلاَّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ)؛ لأِنَّه حقٌّ لله (٣) تعالى، ويفتقر (٤) إلى اجْتِهادٍ، ولا يُؤمَنُ معه الحَيفُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُه إلى نائبِ الله في خَلْقِه، ولأِنَّه ﵇ كان يُقِيمُ الحُدودَ في حياته، وخلفاؤه مِنْ بَعدِه. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إلاَّ لِقَرينةٍ؛ كتَطلُّبِ الإمامِ لَه لِيَقْتُلَه (٥). وعلى الأوَّل: لو أقامَه غَيرُه؛ لم يَضمَنْه، نَصَّ عليه (٦)، لكنَّه تَعَدَّى على الإمام، وذلك لا يُوجِبُ ضَمانًا؛ كالمرتد. ولا يَلزَمُ الإمامَ حُضورُ إقامته (٧)؛ لقوله: «واغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرأةِ هذا فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» (٨)، وكغَيرِه.

стр. 5674

فرعٌ: مَنْ أقامَ على نَفْسِه ما (١) لَزِمَه مِنْ حدِّ زِنًى أوْ قَذْفٍ، بإِذْنِ إمامٍ أوْ نائبِه؛ لم يَسقُطْ عنه، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ. (إِلاَّ السَّيِّدَ) الحُرَّ المكلَّفَ العالِمَ، (فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدَّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ)؛ أي: الكامِلِ رِقُّه في قَولِ عامَّتِهم؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم؛ فلْيَجْلِدْها الحَدَّ، ولا يُثرِّبْ عَلَيها» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، وعن عليٍّ مرفوعًا: «أقِيمُوا الحُدودَ على ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولأِنَّ للسَّيِّدِ تأديبَ أَمَتِه بتَزويجِها، فملك (٤) إقامةَ الحدِّ (٥) عَلَيها كالسُّلْطان، وبهذا (٦) فارَقَ الصَّبِيَّ. وعنه: لَيسَ له ذلك؛ لأِنَّه يفتقر (٧) إلى اجْتِهادٍ، فلم يَملِكْه؛ كالقَطْعِ، وحَدِّ الحُرِّ.

стр. 5675

وعلى الأوَّل: له سَماعُ بَيِّنةٍ تَقتَضِي العُقوبةَ، والعَمَلُ بها إنْ عَرَفَ شروطها (١)، وإلاَّ سَمِعَها الحاكِمُ أوْ سَيِّدُه بإذْنِه، وقِيلَ: لا يَسمَعُها غَيرُ حاكِمٍ، قدَّمه في «الكافي» و «الشَّرح». (وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِي الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٢): لا يَملِكُه، قدَّمه في «الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وذكر (٣) أنَّه قَولُ أكثرِ أهلِ العِلْم؛ لأِنَّه ﵇ إنَّما أَمَرَ بالجَلْد، فلا (٤) يَثبُتُ في غَيرِه، ولأِنَّ في الجَلْد سَتْرًا على رقيقه؛ لِئَلاَّ يَفتَضِحَ بإقامَةِ الإمام له (٥)، فتنقص (٦) قِيمَتُه، وذلك مُنْتَفٍ فيهما. والثَّانيةُ: له ذلك؛ لأِنَّ «عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا له سَرَقَ» (٧)، و «حفصة (٨) قَتَلَتْ أَمَةً لها سحرتها» (٩).

стр. 5676

(وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ)، قَطَعَ به (١) في «المغْنِي»، و «الوجيز»، وابنُ رَزين (٢)، والأدَمِيُّ، وابنُ عَبْدُوسٍ، وغَيرُهم؛ لأِنَّه معه (٣) كالأجنبيِّ. وفيه وَجْهٌ، وذَكَره (٤) بعضُهم المذْهَبَ؛ لأِنَّه عَبْدٌ. (وَلَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ)؛ لأِنَّه لَيسَ له وِلايَةٌ على كُلِّه، والحَدُّ تصرفٌ (٥) في الكُلِّ. (وَلَا أَمَتِهِ الْمَزَوَّجَةِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٦)؛ لِقَولِ ابنِ عمرَ (٧)، ولا مُخالِفَ له في الصَّحابة؛ لأِنَّه لم يَكمُلْ، أشْبَهَ مَنْ بَعضُه حرٌّ. وفيها وَجْهٌ، صحَّحَه الحُلْوانِيُّ. ونَقَلَ مُهَنَّى: إنْ كانَتْ ثَيِّبًا (٨). ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ: إنْ كانَتْ مُحْصَنَةً؛ فالسُّلْطانُ (٩)، وأنَّه لا يَبِيعُها حتَّى تُحَدَّ.

стр. 5677

ويُخرَّجُ في (١) مَرْهُونةٍ ومُستَأْجَرةٍ؛ وَجْهانِ، وجَعَلَ في «الانتصار» وغَيرُه: مَرهُونَةً ومُكاتَبةً أَصْلاً؛ كمزوَّجة (٢). (وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا، أَوِ امْرَأَةً؛ فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ)؛ لأِنَّها وِلَايَةٌ ثبتت (٣) بالملْك أشْبَهَتْ وِلايَةَ التَّأْديبِ، والمرأةُ تامَّةُ الملْك من أهْلِ التَّصرُّفات أشْبَهَت الرَّجُلَ، ولأِنَّ «فاطِمَةَ جَلَدَتْ أَمَةً لها» (٤)، و «عائِشةُ قَطَعَتْ أَمَةً لها سَرَقَتْ» (٥). (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَمْلِكَهُ (٦)؛ لأِنَّها وِلايَةٌ، وليسا (٧) من أهلها. فعلى هذا: يَختَصُّ بالذَّكَر العَدْلِ. وقِيلَ: يُقيمُه وليُّ امرأةٍ. وهل للوصيِّ حدُّ رقيقِ مَوْليِّهِ؟ فيه وَجْهانِ. (وَلَا يَمْلِكُهُ المُكَاتَبُ)، صحَّحه في «المستوعب» وغَيرُه؛ لأنَّه (٨) لَيسَ مِنْ

стр. 5678

أهْلِ الوِلايَةِ، وملْكُه على عبده (١) ناقِصٌ، بدليلِ أنَّه لا تَجِبُ عَلَيهِ الزَّكاةُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَمْلِكَهُ)؛ لأِنَّه يُستَفادُ بالملْك، أشْبَهَ تَصرُّفاتِه. (وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ) إنْ كانَ يَعلَمُ شُروطَه؛ لأِنَّ كلَّ واحدٍ منهما حُجَّةٌ في ثُبوتِه، فَوَجَبَ ألاَّ يَختَلِفَ حالُ السَّيِّدِ فيه. فعلى هذا: للسَّيِّد أنْ يَسمَعَ إقْرارَه، ويُقِيمَ الحَدَّ عَلَيهِ، ويُقدِّم (٢) سَماعَ البيِّنة. (وَإِنْ ثَبَتَ (٣) بِعِلْمِهِ؛ فَلَهُ إِقَامَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ (٤)، لأِنَّه قد ثَبَتَ عِندَه، فَمَلَكَ إقامتَه؛ كما لو أقرَّ به، ولأِنَّه يَملِكُ تَأْدِيبَه بعِلْمِه (٥)، فكذا هُنا. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ يَمْلِكَهُ؛ كَالْإِمَامِ)، هذا (٦) رِوايَةٌ، واخْتارَها القاضِي؛ لأِنَّ وِلايَةَ الإمامِ للحَدِّ أقْوَى مِنْ وِلايَةِ السَّيِّد؛ لكونها (٧) مُتَّفَقًا عليها، فإذا لم يَثْبُت الحَدُّ بالعِلْم فهُنا أَوْلَى، ولأِنَّ الحاكِمَ متَّهم (٨). (وَلَا يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ١٥]، ثُمَّ قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ

стр. 5679

الْكَاذِبُونَ﴾ [النُّور: ١٣]، ولأِنَّه متهم (١) في حُكمِه بِعِلْمِه، وذلك شِبْهةٌ يُدْرَأُ بها (٢) الحَدُّ. مسألةٌ: نَقَلَ المَيمُونِيُّ: وُجوبَ بَيعَ رقيقٍ زَنَى في رابعة (٣). قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤): إنْ عَصَى الرَّقيقُ عَلانِيَةً أقام السَّيِّدُ عَلَيهِ الحَدَّ، وإنْ عَصَى سِرًّا فيَنبَغِي ألاَّ يَجِبَ عليه إقامتُه، بل يتخيَّر (٥) بَينَ سَتْرِه واستتابته بحَسَبِ المصلحة في ذلك، كما تُخيَّرُ الشُّهودُ على إقامةِ الحَدِّ بَينَ إقامَتِها عِنْدَ الإمامِ وبَينَ السَّتْر على المشْهودِ عَلَيهِ واسْتِتَابَتِه بحَسَبِ المصلحة (٦)، فإنْ تَرجَّحَ عِندَه أنَّه يَتُوبُ؛ ستروه (٧)، وإنْ كان في ترك (٨) إقامةِ الحَدِّ عَلَيهِ ضَرَرٌ للنَّاس؛ كان الرَّاجِحُ رَفْعَه إلى الإمام. (وَلَا تُقَامُ (٩) الْحُدُودُ فِي الْمسَاجِدِ)، جَلْدًا كان أوْ غَيرَه؛ لِمَا رَوَى حَكِيمُ ابنُ حِزامٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُقامَ الحُدودُ في المساجِدِ» (١٠)، رُوِيَ: أنَّ

стр. 5680

عمرَ أُتي برجل (١) زَنَى، فقال: «أخْرِجُوهُ من المسجِدِ، واضْرِبُوهُ» (٢)، وعن عليٍّ: «أنَّه أُتِيَ بِسارِقٍ، فأخْرَجَه من المسْجِدِ، وقَطَعَ يَدَه» (٣)، ولأِنَّه لا يُؤمَنُ أنْ يُحدِثَ فيه، فينجِّسه (٤) ويُؤْذِيَه. وفي «المذهب»: يَنبَغِي تَنزِيهُ المسْجِدِ عنه. ورُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ: أنَّه أقامَ الحدَّ على ذِمِّيٍّ في المسْجِدِ. (وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِمًا)، في الأَشْهَرِ، وقاله (٥) عليٌّ (٦)، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّ قيامَه وسيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ حَظَّه من الضَّرْب. ونَقَلَ حنبل (٧): قاعِدًا (٨)؛ لأِنَّه أسْتَرُ له.

стр. 5681

(بِسَوْطٍ)، قال في «شرح المهذَّب» (١) للحنفيَّة: السَّوط فَوقَ القَضِيبِ ودُونَ العَصَا، وفي (٢) «المختار» لهم (٣): بسَوطٍ لا ثمرةَ (٤) له، فتعيَّنَ أنْ يكونَ من غَيرِ الجِلْدِ. (لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، بفَتْحِ اللاَّم، وهو البالِي؛ لخبرٍ رواه مالِكٌ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ مُرسَلاً (٦)، ورُوِيَ عن أبي هُرَيرةَ مُسْنَدًا (٧)، ورُوِيَ عن عليٍّ (٨)، ولأِنَّ الغَرَضَ الإيلامُ دُونَ الجَرْح؛ إذ (٩) الجديدُ يَجرَحُ، والبالِي لا يُؤلِمُ. فلو كان السَّوطُ مَغْصوبًا؛ أَجْزَأَ، على خِلافِ مقتضى (١٠) النَّهْي؛

стр. 5682

للإجْماعِ، ذَكَرَه في «التَّمْهيدِ» (١). (وَلَا يُمَدُّ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ لأِنَّه محدَثٌ (٣)، (وَلَا يُرْبَطُ، وَلَا يُجَرَّدُ)؛ لأِنَّه لم يُنقل (٤)، قال ابنُ مَسْعودٍ: «لَيسَ في دِينِنا مَدٌّ، ولا قَيدٌ، ولا تَجْريدٌ» (٥). (بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ الْقَمِيصُ وَالْقَمِيصَانِ)؛ صِيانَةً له عن التَّجْريد، مع أنَّ ذلك لا يَرُدُّ أَلَمَ الضَّرْب، ولا يَضُرُّ بَقاؤهما عليه، نَقَلَ أبو الحارِثِ والفضل (٦): عَلَيهِ ثِيابُه (٧). وعنه: يَجُوزُ تَجرِيدُه؛ لأِنَّه أبْلَغُ. فلو كان عَلَيهِ فَرْوٌ، أو (٨) جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ؛ نُزِعَتْ؛ لأِنَّه لو تُرِكَ عَلَيهِ ذلك لم يبال (٩) بالضَّرْب. (وَلَا يُبَالَغُ فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ)؛ لأِنَّ الغَرَضَ تأْدِيبُه وزَجْرُه عن المعصية، لا قَتْلُه، والمبالَغَةُ تُؤدِّي إلى ذلك. (وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى أَعْضَائِهِ)؛ لأِنَّ تَوَالِيَ الضَّرْبِ على عُضْوٍ واحِدٍ يُؤَدِّي إلى القَتْلِ، وأَوْجَبَه القاضي.

стр. 5683

ولا يُبْدِي إبْطَه في رَفْعِ يَدِه، نَصَّ عَلَيهِ (١). (إِلاَّ الرَّأْسَ وَالْوَجْهَ)؛ لِقَولِ عليٍّ للجَلاَّد: «اضْرِبْ، وأَوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ» (٢)، ولأِنَّهما أجْمَلُ ما في الإنسان، وفي إصابَةِ الضَّرْب لهما خَطَرٌ؛ لأِنَّه ربَّما عَمِيَ أوْ ذهب (٣) عَقْلُه، أوْ قَتَلَه. (وَالْفَرْجَ وَمَوْضِعَ (٤) المَقْتَلِ)؛ لأِنَّ ضَرْبَ ذلك يُؤَدِّي إلى القَتْل، وهو غَيرُ مَأْمورٍ به، بل مأمورٌ بِعَدَمِه. ويُكْثِر (٥) منه في مَواضِعِ اللَّحْم؛ كالْأَلْيَتَينِ والفَخِذَينِ. ولا تُعتَبَرُ الموالاة في الحدِّ (٦)، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه في مُوَالاةِ العُضْوِ (٧)؛ لزيادةِ العُقوبة، ولسُقوطِه بالشُّبهة، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: فيه نَظَرٌ (٨). ولم (٩) يَعتَبِرُوا نية (١٠) مَنْ يُقِيمُه أنَّه حَدٌّ، مع أنَّ ظاهِرَ كلامِهم يُقِيمُه الإمامُ أوْ نائِبُه، بدليلِ: أنَّ الإمامَ لو أَمَرَ عَبْدًا أعجميًّا (١١) يَضرِبُ، لا عِلْمَ له بالنِّيَّةِ؛ أجْزَأَتْ نِيَّتُه، والعَبْدُ كالآلة.

стр. 5684

ويَحتَمِلُ: أنْ تُعتَبَرَ نِيَّتُهما، كما نقول (١) في غَسْلِ الميت: تُعتبر (٢) نِيَّةُ غاسِلِه، واحتجَّ في «مُنتَهَى الغاية» في اعْتِبارِ نِيَّةِ الزَّكاة: بأنَّ الصَّرفَ إلى الفقير له جِهاتٌ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ التَّمييز؛ كالجَلْدِ في الحُدودِ. (وَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ)؛ أي: المرأة كالرَّجُل فِيما ذَكَرْنا؛ عَمَلاً بالأصل السَّالِمِ عنِ المُعارِض، (إِلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا)، نَصَّ عَلَيهِما (٣)، (وَتُمْسَكُ يَدَاهَا؛ لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ)؛ لقَولِ عليٍّ: «تُضرَبُ المرأةُ جالِسَةً، والرَّجُلُ قائمًا» (٤)، ولأِنَّ المرأةَ عَورةٌ، وهذا أسْتَرُ لها (٥)، وهو مَطْلوبٌ في نَظَرِ الشَّرْعِ، بدليلِ أنَّه يُشرَعُ لها في الصَّلاة أنْ تَجمَعَ نَفْسَها في الرُّكوع والسُّجود. (وَالْجَلْدُ فِي الزِّنَى أَشَدُّ الْجَلْدِ، ثُمَّ جَلْدُ الْقَذْفِ، ثُمَّ الشُّرْبِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، (ثُمَّ التَّعْزِيرِ). قال مالِكٌ: كلُّها واحِدٌ (٧)؛ لأِنَّ المقصودَ بها الزَّجْرُ، فيَجِبُ تَساوِيها في الصِّفَة. وقال أبو حَنِيفةَ (٨): أشَدُّها التَّعزيرُ، ثُمَّ الزِّنى، ثُمَّ شُرْبُ الخمر، ثُمَّ القَذْف، قال في «الكشاف»: لأِنَّ سَبَبَ عُقُوبَتِه مُحتَمِلٌ للصدق (٩) والكَذِب،

стр. 5685

إلاَّ أنَّه عُوقِبَ صِيانَةً لِلأْعْراضِ، ورَدْعًا بمن (١) هَتَكَها (٢). وجَوابُه: أنَّ اللهَ تعالى خَصَّ الزِّنى بمَزيِدِ التَّأْكيدِ، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النُّور: ٢]، ولأِنَّ ما دُونَه أخفُّ منه عَدَدًا، فلا يَجُوزُ أنْ يَزِيدَ في (٣) إيلامه (٤) وَوَجَعِه، ولأِنَّ ما خَفَّ في عَدَدِه كان أخفَّ في صِفَتِه، وحدُّ القَذْفِ حقُّ آدمي (٥)، وحَدُّ الشُّرْب مَحْضُ حقِّ الله تعالى، والتَّعْزيرُ لا يُبلَغُ به الحَدُّ. وقِيلَ: أخَفُّها حَدُّ الشُّرب إنْ قُلْنا: هو أرْبَعونَ جَلْدة، ثُمَّ حد (٦) القَذْفِ. (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ) أوْ نائبُه (الضَّرْبَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّه ﵇ أُتِيَ بِشارِبٍ، فقال: «اضْرِبُوهُ»، فضُرِبَ (٧) بالأَيْدِي والنِّعال وأطْرافِ الثِّيابِ وحَثوا عَلَيهِ التُّرابَ (٨).

стр. 5686

وفي «المُذهب» و «البلغة»: وأيْدٍ (١)؛ للخبر. وفي «الوسيلة»: يستوفى بالسَّوط في ظاهر (٢) كلامِ أحمدَ والخِرَقِيِّ. وفي «الموجز» (٣): لا يُجزِئُ بِيَدٍ وَطَرَفِ ثَوبٍ. وفي «التبصرة»: لا يُجزِئُ بطَرَفِ ثَوبٍ ونَعْلٍ. ويُؤخَّرُ سَكْرانُ حتَّى يَصْحُوَ، نَصَّ عليه، فلو خالَفَ وفَعَلَ؛ احْتَمَلَ السُّقوطَ، وهو أَوْلَى، واحْتَمَلَ عَدَمَه. فرعٌ: يحرم (٤) حبسه (٥) بَعْدَ حَدٍّ، نَصَّ عليه (٦)، وأذاه بكلامٍ؛ كالتَّعْيير على كلامِ القاضي وابنِ الجَوزِيِّ؛ لِنَسْخِه بِشَرْعِ (٧) الحدِّ (٨)؛ كنَسْخِ حَبْسِ المرأة. (قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُؤَخَّرُ الْحَدُّ لِلْمَرَضِ)، وقالَهُ في «الوجيز» وزاد: والضَّعف؛ لأِنَّه لا فائدةَ فيه إذا كان قَتْلُه مُتَحَتِّمًا، وكذا إنْ كان (٩) جَلْدًا عِنْدَ أكثر (١٠) الأصْحابِ، وقالَهُ إسْحاقُ وأبو ثَورٍ؛ لأِنَّ «عُمَرَ أقام الحَدَّ على قدامة (١١) بنِ مَظْعونٍ في مَرَضِه ولم يُؤخِّرْه» (١٢)، وانتشر ذلك في الصَّحابة ولم

стр. 5687

يُنكَرْ، فكان كالإجماع، ولأِنَّ الحَدَّ واجِبٌ على الفَور، ولا يُؤخَّرُ ما أوْجَبَه اللهُ تعالى بغَيرِ حُجَّةٍ. وقال القاضي: ظاهِرُ قَولِ الخِرَقِيِّ له تأخيرُه، وهو قَولُ الأَكْثَرِ؛ لحديثِ عليٍّ في التي هي حديثةُ عَهْدٍ بنِفاسٍ (١)، ولأِنَّ في تأخيره (٢) إقامة الحَدِّ على الكمال مِنْ غَيرِ إتْلافٍ، فكان أَوْلَى، ومَرَضُ قُدامَةَ؛ يَحتَمِلُ أنَّه كان خفيفًا لا يَمنَعُ مِنْ إقامةِ الحَدِّ على الكمال، ثُمَّ إنَّ فِعْلَ النَّبيِّ ﷺ يُقدَّم على فِعْلِ عمرَ، مع أنَّه اخْتِيارُ عليٍّ وفِعْلُهُ. وكذا الحكم في تأخيره لِحَرٍّ أوْ بَرْدٍ مُفرِطٍ. (فَإِنْ (٣) كَانَ جَلْدًا، وَخُشِيَ (٤) عَلَيْهِ مِنَ السَّوْطِ)؛ لم يتعيَّنْ على الأصحِّ؛ (أُقِيمَ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ وَالْعُثْكُولِ (٥)؛ لِمَا رَوَى أبو أمامةَ بنُ سَهْلٍ، عن سعد (٦) ابنِ عُبادةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَهُم أنْ يَأخُذُوا شِمْراخًا (٧)، فيضربوه (٨) بها

стр. 5688

ضَرْبَةً» رواه أحمدُ وابنُ ماجَهْ، ورواه أبو داودَ والنَّسائيُّ بإسْنادٍ حَسَنٍ عن أبي (١) أمامةَ، عن بعضِ الصَّحابة من الأنصار، ورواه سعيدٌ، عن سُفيانَ، عن أبي الزِّناد ويحيى بن سعيدٍ سَمِعَا أبا أُمامَةَ مُرسَلاً، قال (٢) ابنُ المنذِر: في إسْنادِهِ مَقالٌ (٣)، ولأِنَّه لا يَجُوزُ تَرْكُه بالكُلِّيَّة؛ لأِنَّه يُخالِفُ الكتابَ والسُّنَّةَ، ولا جَلْدُه تامًّا؛ لأِنَّه يُفْضِي إلى إتْلافِه، فتعيَّن ما ذَكَرْنا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُؤَخَّرَ فِي الْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ زَوَالُهُ)؛ لأِنَّ في تأخيرِه اسْتِيفاءَ الحدِّ على وجْهِ الكمال مِنْ غَيرِ خوف (٤) فَواتِه، وبه فارَقَ المريضَ الذي لا يُرجَى زوالُه؛ لأِنَّه يُخافُ فَواتُ الحَدِّ. فرعٌ: ذَكَرَ الخرَقِيُّ أنَّ العبد (٥) يُضرَبُ بدونِ سَوطِ الحُرِّ؛ لأِنَّ حَدَّه أقلُّ عددًا، فيكونُ أخفَّ سَوطًا. والظَّاهِرُ التَّسْوِيَةُ بَينَهما فيه؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النِّسَاء: ٢٥]، ولا يُتحقَّقُ التَّنصيف (٦) إذا نَصَّفْنا العددَ إلاَّ مع

стр. 5689

تَساوِي السَّوطين (١). (وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي الْجَلْدِ)، ولو حدَّ خمرٍ، نَصَّ عليه (٢)، أوْ تأديبٍ أوْ تعزيرٍ، ولم يَلزَمْ تأخيرُه؛ (فَالْحَقُّ قَتَلَهُ)، ولا ضَمانَ على أحدٍ، جَلْدًا كان أوْ غيره (٣)؛ لأِنَّه حدٌّ وجب (٤) لله تعالى، فلم يَجِبْ فيه شَيءٌ؛ كالقَطْع في السَّرِقة. وهذا إذا أَتَى به (٥) على الوَجْه المَشْروعِ مِنْ غَيرِ زيادةٍ؛ لأِنَّه نائِبٌ عن الله تعالى، فكان التَّلَفُ مَنسوبًا إليه. وقِيلَ: يَضمَنُ المؤدِّبُ. (وَإِنْ زَادَ سَوْطًا)، أَوْ في السَّوط، (أَوْ أَكْثَرَ، فَتَلِفَ؛ ضَمِنَهُ (٦)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)؛ لأِنَّه تَلِفَ بِعُدْوانِه، أشْبَهَ ما لو ضربه (٨) في غَيرِ الحَدِّ. (وَهَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ، أَوْ نِصْفَ الدِّيَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما، وهُو رِوايَةٌ: أنَّه تجب الدِّيَةُ كلُّها، ذَكَرَ القاضِي في الخِلاف: أنَّه أشْبَهُ بالمذْهَبِ، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه قَتْلٌ حَصَلَ من جِهَةِ الله تعالى وعُدْوانِ الضَّارِب، فكان الضَّمان على القادر (٩)؛ كما لو ضَرَبَ مريضًا سَوطًا فَقَتَلَه، وكما لو ضَرَبَه بسَوطٍ لا يَحتَمِلُه.

стр. 5690

والثَّاني: نصفُ الدِّيَة، وقاله الأكْثَرُ؛ لأِنَّه تَلِفَ بفِعْلٍ مَضْمونٍ وغَيرِه، فَوَجَبَ نصفُها، كما لو جَرَحَ نفسه (١)، أوْ جَرَحَه غَيرُه فمات، وسَواءٌ زاد خَطَأً أوْ عَمْدًا؛ لأِنَّه يَضمَنُ كالعمد. وكذا إنْ قال له الإمامُ: اضْرِبْ ما شِئْتَ. وقِيلَ: دِيَتُه على الأَسْواطِ إنْ زاد على الأربعين. وفي «واضِحِ ابنِ عَقِيلٍ»: إنْ وَضَعَ في سفينةٍ كذا (٢)، فلم تغرق (٣)، ثُمَّ وَضَعَ قَفِيزًا فغَرِقَتْ؛ فغَرَقُها بهما (٤) في أقْوَى الوَجْهَينِ. والثَّاني: بالقَفِيز. وكذا الشِّبَعُ والرِّيُّ، والسَّيرُ (٥) بالدَّابَّة فَراسِخَ، والسُّكر (٦) بالقَدَح أو الأَقْداح، كما يَنْشَأُ (٧) الغَضَبُ بكَلِمةٍ بَعْدَ أخرى، ويمتلئ (٨) الإناءُ بقطْرةٍ بعْدَ قطْرةٍ، ويَحصُلُ العلمُ (٩) بواحدٍ بَعْدَ واحِدٍ. فرعٌ: إذا أُمِرَ بزيادةٍ، فزاد جَهْلاً؛ ضَمِنَه الآمِرُ، وإلاَّ فَوجْهانِ، وإنْ تعمَّده العادُّ فقط أوْ أخْطَأَ، وادَّعى الضَّارِبُ الجَهْلَ؛ ضَمِنَه العادُّ. وتَعمُّدُ الإمامِ الزِّيادة؛ شِبْهُ عمدٍ تَحمِلُه العاقِلة، وقِيلَ: كخطأ (١٠)، فيه الرِّوايَتانِ.

стр. 5691

(وَإِنْ (١) كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا؛ لَمْ يُحْفَرْ لَهُ، رَجُلاً كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، نَصَّ عليه (٢)؛ لأِنَّه ﵇ لم يَحفِرْ لِمَاعِزٍ، قال أبو سعيدٍ: «لمَّا أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بِرَجْمِ ماعِزٍ خرجْنا به إلى البقيع، فواللهِ ما حفرنا له، ولا أَوْثَقْناهُ، ولكِنْ قامَ لنا» رواه أحمدُ ومُسلِمٌ (٣). والمرأةُ كذلك، نَصَرَه في «المغْنِي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ أكثرَ الأحاديثِ على تَرْكِ الحَفْرِ. (وَفِي الآْخَرِ: إِنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَرْأَةِ بِإِقْرَارِهَا؛ لَمْ يُحْفَرْ لَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ؛ حُفِرَ لَهَا إِلَى الصَّدْرِ (٤)، اختاره في «الهداية» (٥) و «الفصول» و «التَّبصرة»، وصحَّحه أبو الخَطَّاب؛ لِمَا رَوَى أبو بكرٍ (٦): «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَجَمَ امرأةً، فَحَفَرَ لها إلى الصَّدر» رواهُ أبو داودَ (٧)، ولأِنَّ الحَفْرَ أسْتَرُ لها، ولا حاجةَ إلى تَمْكينِها من الهَرَب، بخِلافِ مَنْ أقرَّتْ؛ لأِنَّ رُجوعَها عن الإقرار مَقْبولٌ، والحفرُ يَمنَعُها من الهَرَبِ الذي هو (٨) في مَعْنَى الرُّجوعِ قَولاً.

стр. 5692

وأطْلَقَ في «عُيونِ المسائل» وابنُ رَزينٍ: يُحفَرُ لها، فهو سِتْرٌ، بخِلافِ الرَّجُل. وإذا ثَبَتَ ذلك؛ شُدَّ عَلَيها ثِيابُها؛ لِئَلاَّ تنكشف (١)؛ لأِمْرِه ﷺ بذلك، رواهُ أبو داودَ مِنْ حديثِ عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ (٢). (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ (٣) الشُّهُودُ بِالرَّجْمِ)؛ أيْ: إذا ثَبَتَ بها. ويَجِبُ حضورُ الإمام أوْ نائبِه. وقال أبو بكرٍ عن قَولِ ماعِزٍ: «رُدُّونِي إلى النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّ قَومِي غَرُّونِي (٤)» (٥): يَدُلُّ على أنَّه ﵇ لم يَحضُرْ رجمَه (٦)، فبهذا أَقُولُ. وحُضورُ طائِفةٍ، ولو واحِدًا، ذَكَرَه أصْحابُنا، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، رواهُ ابنُ أبي طَلْحةَ، وهو مُنقَطِعٌ (٧).

стр. 5693

واختار في «البلغة»: اثْنانِ؛ لأِنَّ الطَّائفةَ الجَماعةُ، وأقَلُّها اثنانِ، نَقَلَ أبو داودَ: تجيء (١) النَّاسُ صُفوفًا لا يَختَلِطونَ، ثُمَّ يَمْضُونَ صفًّا صفًّا (٢). وذكَرَ أبو المعالي: أنَّ الطَّائفةَ تُطلَقُ على الأربعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النُّور: ٢] لأنَّه أوَّلُ شهود الزِّنى. وإنْ ثَبَتَ بإقْرارٍ؛ سُنَّ بَدْأَةُ إمامٍ (٣) به، أوْ مَنْ يُقِيمُه. (وَمَتَى رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالْحَدِّ)؛ أيْ: بحَدِّ زِنًى أوْ سَرِقَةٍ أوْ شُرْبٍ، (عَنْ إِقْرَارِهِ؛ قُبِلَ مِنْهُ)؛ أيْ: يُشتَرَطُ لإقامةِ الحَدِّ بالإقرار: البقاءُ عليه إلى تمامِ الحَدِّ، فإنْ رَجَعَ قَبْلَه؛ كُفَّ عنه، وهو قَولُ أكثرِ العلماء، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (ثَبَتَ مِنْ حديثِ أبي هُرَيرةَ، وجابِرٍ، ونُعَيمٍ، ونَصْرِ بنِ دارهم (٤)، وغيرِهم: أنَّ ماعِزًا لَمَّا هَرَبَ وقال لهم: رُدُّونِي إلى رسولِ الله ﷺ ، قال: «فهلاَّ تَرَكْتُموهُ يَتُوبُ فيَتُوبَ اللهُ عَلَيهِ» (٥) (٦)؛ ولأِنَّ رُجوعَه شبهة (٧)، وكالبينة (٨) إذا

стр. 5694

رَجَعَتْ قَبْلَ إقامةِ الحَدِّ عليه (١). وقِيلَ: يُقبَلُ رُجوعُه في الزِّنى فَقْطَ، وقِيلَ: يُقبَلُ رُجوعُ مُقِرٍّ بمالٍ. وعلى الأوَّل: إذا تمَّم (٢)؛ ضَمِنَ الرَّاجِعَ بالمال لا الهارِبَ، ولا قَوَدَ؛ للاخْتِلاف في صحَّةِ الرُّجوع، فكان شُبهةً. (وَإِنْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِّ؛ لَمْ يُتَمَّمْ)؛ لأِنَّ جميعَه يَسقُطُ بالرُّجوع، فلأن (٣) يسقُط تمامُه بطَريقِ الأولى (٤). (وَإِنْ رُجِمَ بِبَيِّنَةٍ، فَهَرَبَ؛ لَمْ يُتْرَكْ)؛ لأِنَّه ثَبَتَ على وَجْهٍ لا يَبطُلُ برُجوعه، أشْبَهَ سائرَ الأحكام. (وَإِنْ كَانَ بِإِقْرَارٍ؛ تُرِكَ (٥)؛ لقوله ﵇: «هلاَّ (٦) تَرَكْتُمُوهُ»، فإنْ لَمْ يُترَكْ، وقُتِل (٧)؛ فلا ضَمانَ؛ لِقِصَّةِ ماعِزٍ، ولأِنَّ ذلك لَيسَ بصريحٍ في رُجوعِه. فإنْ قال: ردُّوني إلى (٨) الحاكِمِ؛ وَجَبَ ردُّه، ولم يَجُزْ إتمامُ الحدِّ، فإنْ أُتِمَّ؛ فلا ضَمانَ؛ لِمَا ذُكِر (٩) في هَرَبِه. مسائلُ: إذا أَتَى حَدًّا؛ سَتَرَ نَفْسَه، نَقَلَ مُهَنَّى: رجلٌ زَنَى يَذهَبُ يُقِرُّ؟ قال: بل (١٠)

стр. 5695

يَستُرُ نَفْسَه (١)، واسْتَحَبَّ القاضي - إن شاع (٢) -؛ رَفْعَه إلى حاكمٍ (٣) لِيُقِيمَه عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: إن تعلَّقت التَّوبةُ بظاهرٍ (٤)؛ كصلاةٍ وزكاةٍ، أظْهَرَها، وإلاَّ أسرَّ (٥). وإنْ قال لإمامٍ (٦): أصبتُ حَدًّا؛ لم يَلزَمْه شَيءٌ ما لم يبيِّنه (٧)، نَقَلَه الأثْرَمُ (٨). ويُحَدُّ مَنْ زَنَى هَزِيلاً، ولو بعد (٩) سِمَنِه، كذا عقوبةُ الآخِرة؛ كَمَنْ قُطعت (١٠) يَدُهُ ثُمَّ زَنَى، أُعِيدَتْ بَعْدَ بَعْثه وعُوقِبَ، ذَكَرَه في «الفنون»، فالحدُّ (١١) كفَّارةٌ لذلك الذَّنْب؛ للخبر (١٢)، نَصَّ عليه (١٣).

стр. 5696

(فَصْلٌ) (وَإِذَا اجْتَمَعَتْ حُدُودٌ لله تَعَالَى فِيهَا قَتْلٌ؛ اسْتُوفِيَ الْقَتْلُ، وَسَقَطَ سَائِرُهَا)، قال في «المغْنِي»: لا يُشرَعُ غَيرُه؛ لقَولِ ابنِ مَسْعُودٍ، رواهُ سعيدٌ مِنْ رِوايَةِ مُجالِدٍ، وقد ضعَّفَه الأكثرُ (١)، ولم يُعْرَفْ له في الصَّحابة مُخالِفٌ، وكالمُحارِبِ إذا قَتَلَ وأَخَذَ المالَ، فإنَّه يُكتَفَى بقَتْلِه، ولأنَّ (٢) هذه الحدودَ لمجرَّد (٣) الزَّجْر، وقَتْلُه كافٍ، بخِلافِ القِصاص، فإنَّ فيه غَرَضَ التَّشَفِّي والاِنْتِقامِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَتْلٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ؛ مِثْلَ إِنْ زَنَى، أَوْ سَرَقَ (٤)، أَوْ شَرِبَ مِرارًا؛ أَجْزَأَ حَدٌّ وَاحِدٌ)، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ، قال ابنُ المنْذِر: أجْمَعَ عَلَيهِ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه (٥)، قال أحمدُ: يُقام (٦) عليه الحدُّ مرَّةً (٧)؛ لأِنَّ الغَرَضَ الزَّجْرُ عن إتْيانِ مثل (٨) ذلك في المسْتَقْبَلِ، وهو حَاصِلٌ بالحَدِّ الواحدِ (٩)؛ لأِنَّ الواجِبَ هنا مِنْ جِنْسٍ واحدٍ، فَوَجَبَ التداخُلُ (١٠)؛ كالكفَّارات.

стр. 5697

وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ روايةً: لا تَداخُلَ في السَّرِقة. وفي «البلغة»: فَقَطْعٌ واحِدٌ على الأصحِّ. وفي «المستوعب» روايةٌ: إنْ طالبوا (١) مُتفَرِّقِينَ؛ قطع (٢) لكلِّ واحدٍ، قال أبو بكرِ: العَمَلُ على خِلافِها. ثُمَّ قال شَيخُنا (٣): قَولُ الفقهاء: تتداخل (٤) دليلٌ على أنَّ الثابت (٥) أحكامٌ، وإلاَّ فالشَّيءُ الواحِدُ لا يُعقَلُ فيه تَداخُلٌ، فالصَّوابُ: أنَّها أحكامٌ، وعلى ذلك نصَّ (٦) الأئمَّةُ، قال أحمدُ في لحمِ خِنزِيرٍ ميِّت (٧): فأثْبَتَ فيه تَحرِيمَينِ (٨). (وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَجْنَاسٍ؛ اسْتُوفِيَتْ كُلُّهَا)، بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٩)؛ لأنَّ التَّداخُلَ إنَّما هو في الجنسِ الواحِدِ، فلو سَرَقَ وأخَذَ المالَ في المحارَبَة؛ قُطِعَ لذلك، ويَدخُلُ فيه القَطْعُ في السَّرِقة؛ لأِنَّ محلَّ القَطْعَينِ واحِدٌ. (وَيُبْدَأُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ)، وُجوبًا، قاله في «الفروع»، فعلى هذا: يُبدَأ بالحدِّ للشُّرب، ثُمَّ للسَّرِقة، ثُمَّ للزِّنى؛ لأِنَّ الأوَّلَ أخَفُّ، ولا يُوَالَى بَينَ هذه

стр. 5698

الحدودِ؛ لأنَّه ربَّما يُفْضِي إلى التَّلَف. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: أنَّه على سبيلِ الاسْتِحباب، فلو بَدَأَ بغَيرِ الأَخَفِّ؛ جاز. (أَمَّا حُقُوقُ الآْدَمِيِّينَ؛ فَتُسْتَوْفَى (١) كُلُّهَا، سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا قَتْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ)؛ لأِنَّها حُقوقُ آدَمِيِّينَ، أمْكنَ اسْتِيفاؤها، فَوَجَبَ؛ كسائِرِ حُقوقِهم، لا يُقالُ: يُكتَفَى بالقتل؛ كما (٢) في حقوقِ الله تعالى؛ لأِنَّها مَبْنِيَّةٌ على السُّهولة، بخِلافِ حقِّ (٣) الآدَمِيِّ، فإنَّه مَبنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيقِ. (وَيُبْدَأُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ)؛ لأِنَّ البَداءةَ به (٤) يُفوِّتُ (٥) اسْتِيفاءَ باقِي الحُقوقِ. (وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَعَ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى؛ بُدِئَ بِهَا)؛ أيْ: إذا اجْتَمَعَتْ حُقوقُ الله وحُقوقُ الآدَمِيِّينَ فهي أنْواعٌ: أحدُها: ألاَّ يكونَ فيها قَتْلٌ؛ فهَذهِ تُستَوفَى كلُّها في قَولِ الأكْثَرِ، فيُبدَأُ بحَدِّ القَذْفِ، إلاَّ إذا قُلْنا: حَدُّ الشُّرْب أرْبَعُونَ، فإنَّه يبدأ به (٦) لِخِفَّتِه ثُمَّ حدُّ القَذْف، وأيُّهما قُدِّمَ فالآخَرُ يَلِيهِ، ثُمَّ الزنى (٧)، ثُمَّ القَطْعِ. وقال أبو الخَطَّاب: يُبدَأُ بالقَطْعِ قِصاصًا، ثُمَّ بالقذف، ثُمَّ للشُّرْب، ثُمَّ للزنى (٨). الثَّاني: إذا كان فيها قَتْلٌ؛ فإنَّها تدخل (٩) حُقوق الله تعالى في القَتل،

стр. 5699

سواءٌ كان من حُدودِ الله؛ كالرَّجْم في الزِّنى، أوْ لِحَقِّ الآدَمِيِّ كالقِصاص، وأمَّا حُقوقُ الآدَمِيِّينَ؛ فتُستَوفَى كلُّها. وإنْ كان القَتْلُ حَقًّا لله تعالى؛ اسْتُوفِيَت الحُقوقُ كلُّها مُتوالِيَةً؛ لأِنَّه لا بُدَّ من فَواتِ نَفْسِه، فلا فائدةَ في التَّأخير. وإنْ كان القَتْلُ حقًّا لآِدَمِيٍّ؛ انتظرنا (١) باسْتِيفاءِ الثَّاني بُرْأَهُ من الأوَّل؛ لأِنَّ المُوالاةَ بَينَهما يَحتَمِلُ أنْ تُفَوِّتَ نَفْسَه قَبْلَ القِصاص، فيَفُوتُ حقُّ الآدَمِيِّ، ولأِنَّ العَفْوَ جائِزٌ، فيَحتَمِلُ بتأخِيرِه أنْ يَعْفُوَ الوليُّ فيَحْيَا. الثالث: أنْ يَتَّفِقَ الحَقَّانِ في مَحَلٍّ واحِدٍ؛ كالقتل والقطع (٢) قصاصًا؛ قُدِّمَ القِصاصُ على الرَّجْم في الزِّنى، ويُبدَأُ بالأَسْبَقِ من القتل في المحارَبة والقِصاص؛ لأِنَّ كلًّا مِنهُما حقُّ آدَمِيٍّ، وإنْ سَبَقَ القِصاصُ؛ قُتِلَ قِصاصًا ولم يُصْلَبْ، كما لَوْ ماتَ، ويَجِبُ لوليِّ المقْتولِ في المحارَبة دِيَتُه. وإنْ مات القاتِلُ في المحارَبة (٣)؛ وَجَبَت الدِّيَةُ في تَرِكَتِه، وقُدِّمَ القِصاصُ على الحدِّ المتمَحِّضِ في القَطْع، ولو تأخَّرَ سبَبُه، فإنْ عَفَا وليُّ الجِنايَة؛ اسْتُوفِيَ الحَدّ. والقَطْعُ في المحارَبَة حَدٌّ مَحْضٌ، ولَيس بقِصاصٍ، والقَتْلُ يَتضمَّنُ القِصاصَ، ولهذا لو فاتَ القَتْلُ في المحارَبَة؛ وَجَبَت الدية (٤)، ولو فات القَطْعُ؛ لم يَجِبْ له بدل (٥). (فَإِذَا (٦) زَنَى، وَشَرِبَ، وَقَذَفَ، وَقَطَعَ يَدًا؛ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوَّلاً)؛ لأِنَّه

стр. 5700

محض (١) حقِّ آدَمِيٍّ، بدليلِ سُقوطِه بإسْقاطِه، (ثُمَّ حُدَّ لِلْقَذْفِ)؛ لأِنَّه مُختَلَفٌ في كَونِه لآِدَمِيٍّ، (ثُمَّ لِلشُّرْبِ)؛ لأِنَّه أَخَفُّ، (ثُمَّ لِلزِّنَى)؛ لأِنَّه أشدُّ الحُدودِ. وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: إذا اجْتَمَعَ عليه قَتْلانِ بِرِدَّةٍ وقَوَدٍ، وقَطْعانِ بسرقة (٢) وقَوَدٍ؛ قُطِعَ وقتل (٣) لهما، وقِيلَ: للقود (٤) خاصَّةً. وفي «الشَّرح»: إذا سَرَقَ وقَتَلَ في المحارَبة، ولم يَأخُذِ المالَ؛ قُتِلَ حَتْمًا، ولم يُصلب (٥) ولم تُقْطَعْ يَدُه. (وَلَا يُسْتَوْفَى حَدٌّ (٦) حَتَّى يَبْرَأَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ)؛ لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إلى تَلَفِه بتَوالِي الحُدودِ عليه (٧).

стр. 5701

(فَصْلٌ) (وَمَنْ قَتَلَ)، أوْ جَرَحَ، (أَوْ أَتَى حَدًّا خَارِجَ (١) الْحَرَمِ)؛ أيْ: حَرَمِ مكَّةَ المشرَّفةِ؛ للنَّصِّ، وفي «التَّعليق» وَجْهٌ: أنَّ حَرَمَ المدينةِ كمَكَّةَ؛ لِمَا رَوَى مسلم (٢) عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، قال: «إنِّي حَرَّمْتُ المدينةَ ما بَينَ مَأْزِمَيها، ألاَّ يُهراق (٣) فيها دَمٌ، ولا يُحمَلَ فيها سِلاحٌ لقتال» (٤)، (ثُمَّ لَجَأَ إِلَيْهِ (٥)؛ أي: إلى (٦) الحَرَمِ؛ (لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِيهِ) في ظاهِرِ المذْهَبِ، قال أبو بكرٍ: والعَمَلُ عليه. وعَنْهُ: يُسْتَوفَى فيه (٧) كلُّ شَيءٍ إلاَّ القَتْلَ؛ لقوله ﵇: «لا يُسفَكُ فيها دَمٌ» (٨)، ولا شَكَّ أنَّ حُرمَةَ النَّفس أعْظَمُ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها. وقال بعضُ الأئمَّة: يُستَوفَى منه (٩) الكلُّ؛ للعُمُومات، ولأِنَّه ﷺ قَتَلَ ابنَ خَطَلٍ وهو مُتعلِّقٌ بأسْتارِ الكعبة (١٠)، ولأنَّه (١١) حَيَوانٌ أُبِيحَ قَتْلُه لِعِصْيانه، أشْبَهَ الكَلْبَ العَقورَ.

стр. 5702

وجَوابُه: قَولُه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]؛ أيْ: فأمِّنوه (١)؛ لأِنَّه خبرٌ أريد (٢) به الأمْرُ، ولأِنَّه ﷺ حَرَّمَ سَفْكَ الدَّمِ بها، وقَولُه ﷺ : «فإنْ (٣) أحدٌ (٤) تَرخَّص (٥) بقتالِ رسولِ الله ﷺ » (٦)، يَدفَعُ ما احْتَجُّوا به مِنْ قَتْلِ ابنِ خَطَلٍ، وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ أعْدَى النَّاسِ على الله؛ مَنْ قَتَلَ في الحَرَمِ» رواه أحمدُ مِنْ حديثِ عبدِ الله بن عمروٍ (٧) وأبي شُرَيحٍ (٨)، وقال ابنُ عمرَ: «لو وَجَدتُ قاتِلَ عمرَ في الحَرَم ما هِجْتُه (٩)» رواه أحمدُ (١٠). وكذا إذا لجأ (١١) إليه حربيٌّ أوْ مُرتَدٌّ؛ لم يَجُزْ أخْذُه به فيه؛ كحيوان (١٢)

стр. 5703

صائلٍ، ذَكَرَه المؤلِّفُ. (وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ، وَلَا (١) يُشَارَى)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وفي «المستوعب» و «الرِّعاية»: ولا يُكلَّمُ، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٣)، زاد في «الرّوضة»: ولا يُؤاكل (٤) ولا يُشارَبُ؛ لأِنَّه لو أُطْعِمَ أوْ أُووِيَ (٥)؛ لَتَمَكَّنَ من الإقامة دائمًا، فيضيع (٦) الحقُّ. (حَتَّى يَخْرُجَ، فَيُقَامَ (٧) عَلَيْهِ)؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ في الذي يُصِيبُ حَدًّا ثُمَّ يَلجَأُ إلى الحَرَمِ: «يُقام (٨) عليه الحدُّ (٩) إذا خَرَجَ من الحَرَم»، حكاهُ أحمدُ، نقله (١٠) الأثْرَمُ (١١)، ورُوِيَ عن عمرَ (١٢)

стр. 5704

وابنِ الزُّبَيرِ (١)، قال الزهري (٢): (مَنْ قَتَلَ في الحِلِّ ثُمَّ دخل (٣) الحرَمَ؛ أُخْرِجَ إلى الحِلِّ فيُقتَلُ فيه، ومَنْ قَتَلَ في الحَرَم قُتِلَ فيه، وهذا هو السُّنَّةُ) (٤)، والآدَمِيُّ حُرْمَتُه عظيمةٌ، وإنَّما أُبِيحَ قَتْلُه لِعارِضٍ، أشْبَهَ الصَّائلَ من الحيوانات المباحةِ، فإنَّ الحَرَمَ لا يَعصِمُها. فلو اسْتَوْفَى مَنْ له الحقُّ فيه؛ أساء ولا شَيءَ عليه. فرعٌ: ذَكَرَ جماعةٌ أنَّ مَنْ أتى حَدًّا، ثُمَّ لَجَأَ إلى داره؛ فهو كالحَرَم، وحِينَئِذٍ لا يُخرَجُ منها (٥)، بل يُضَيَّقُ عليه حتَّى يَخرُجَ، فيُقامُ عليه. (وَإِنْ (٦) فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ؛ اسْتُوفِيَ مِنْهُ فِيهِ)، بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٧)، رَوَى الأَثْرَمُ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه (٨) قال: «مَنْ أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَم؛ أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه» (٩)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … ﴾ الآية

стр. 5705

[البَقَرَة: ١٩١]، فأباح (١) قَتْلَهم عِنْدَ قتالهم في الحرم، ولأِنَّ أهلَ الحَرَم يَحتاجُونَ إلى الزَّجْر عن ارتكابِ المعاصي؛ حِفْظًا لأِنفسهم وأموالِهم وأعْراضِهم، ولو لم يُشرَع الحَدُّ فيه؛ لَتَعَطَّلَت الحدودُ في حقِّهم، وفاتت المصالِحُ التي لا بُدَّ منها. تذنيبٌ: إذا قُوتِلُوا في الحَرَم؛ دَفَعُوا عن أنفسهم فقطْ؛ لقوله تعالى: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام)، قُرِئَ بهما (٢)، واسْتِدْلالُهم بالخبرِ المشْهُورِ، صحَّحه ابن الجَوزِيِّ في «تفسيره» (٣)، وقالَهُ الماوَرْدِيُّ (٤)، وذكر (٥) ابن الجَوزِيِّ أنَّ مُجاهِدًا وغَيرَه قالوا: الآيةُ مُحْكَمَةٌ. وفي «التَّمهيد» (٦): أنَّها نُسِخَتْ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التّوبَة: ٥]، وفي «الأحْكام السُّلْطانيَّة» (٧): تُقاتَلُ البُغاة (٨) إذا لم

стр. 5706

يَنْدَفِعْ بَغْيُهم إلاَّ به؛ لأِنَّه مِنْ حقوقِ الله، وحِفْظُها في حَرَمِه أَوْلى مِنْ إِضاعَتِها، وذَكَرَ الماوردي عن جمهور الفقهاء (١)، ونَصَّ عليه الشَّافِعِيِّ (٢)، وحَمَلَ الخَبَرَ على ما يعمُّ (٣) إتْلافُه كالمنجنيق (٤) إذا أمْكَنَ إصْلاحٌ بِدُونِ ذلك. وذَكَرَ أبو بكرِ ابنُ العربي (٥): لو تَغلَّب (٦) فيها كفَّارٌ أوْ بُغاةٌ؛ وجب (٧) قِتالُهم بالإجْماع (٨). وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ تَعَدَّى أهلُ مكَّةَ على الرَّكْب؛ دَفَعَ الرَّكْبُ؛ كما يُدفَعُ الصَّائلُ، وللإنسان أنْ يَدفَعَ مع الرَّكْب، بل يَجِبُ إنِ احْتِيجَ إلَيهِ (٩). (وَمَنْ أَتَى حَدًّا فِي الغَزْوِ (١٠)، وفي «المُغْنِي» و «الشَّرح»: أوْ ما يُوجِبُ قِصاصًا؛ (لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ)؛ لأِنَّه ربَّما يحمِلُه (١١) الغَضَبُ على أنْ يَدخُلَ - والعِياذُ بالله تَعَالَى - في الكُفْر، (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ)، وقاله (١٢) الأَوْزاعِيُّ وإسْحاقُ، قال أحمدُ: لا تُقامُ الحُدودُ

стр. 5707

بأرْضِ العَدُوِّ (١)، ونقل (٢) صالِحٌ وابنُ مَنصورٍ: إن (٣) زَنَى الأسيرُ، أوْ قَتَلَ مُسلِمًا؛ ما أعْلَمُه إلاَّ أنْ يُقامَ عَلَيهِ الحَدُّ إذا رَجَعَ (٤)؛ لِمَا رَوَى بُسْرُ (٥) بنُ أرْطَاة: أنَّه أُتِيَ برجلٍ في (٦) الغَزاةِ قد سَرَقَ، فقال: لولا أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول (٧): «لا تُقْطَعُ الأَيْدِي في الغَزاةِ»؛ لَقَطَعْتُكَ، رواه أبو داودَ وغَيرُه (٨)، وهو (٩) إجماعُ الصَّحابة، وأنَّه (١٠) إذا رَجَعَ أُقِيمَ عليه الحَدُّ في دارنا؛ لِعُمومِ الآيات والأخبار، فإنَّ (١١) تأخيرَه لِعارِضٍ من (١٢) مَرَضٍ أوْ شُغْلٍ جائزٌ، فإذا زال؛ أُقِيمَ عليه لوُجودِ المُقْتَضِي السَّالِمِ عن المُعارِضِ.

стр. 5708

مسألةٌ: تُقامُ الحُدودُ في الثُّغور بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (١)؛ لأِنَّها مِنْ بلادِ الإسلام، والحاجةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهلها كالحاجة إلى زَجْرِ غَيرِهم، وقد كَتَبَ عمرُ ﵁ إلى أبي عُبَيدةَ: أنْ يَجْلِدَ مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ ثَمانِينَ، وهو بالشَّام بالثُّغور (٢). واللهُ أعلم (٣).

стр. 5709

(بَابُ حَدِّ الزِّنَى) وهو: فِعْلُ الفاحشة في (١) قُبُلٍ أوْ دُبُرٍ، وهو من أكبرِ الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وسَاءَ سَبِيلاً (٣٢)﴾ [الإسرَاء: ٣٢] (٢)، ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ … (٦٨)﴾ الآيةَ [الفُرقان: ٦٨]، ولِمَا رَوَى ابنُ مسعود (٣) قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ : أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ؟ قال: «أنْ تَجعَلَ لله نِدًّا وهو خَلَقَكَ»، قال (٤): ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «أنْ تَقتُلَ وَلَدَكَ مَخافَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قال (٥): ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «أنْ تُزانِيَ حليلةَ جارِكَ» مُتَّفِقٌ عَلَيهِ (٦). وكان حَدُّه في ابتداء (٧) الإسلام: الحَبْس في البيت، والأَذَى بالكلام؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ … (١٥)﴾ الآية [النِّسَاء: ١٥]، والمراد به (٨): الثيب (٩)؛ لأِنَّ قَولَه تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إضافةُ زَوجِيَّةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا فائدةَ في الإضافة هنا إلا اعتبار الثُّيُوبَة، وقد ذَكَرَ عُقُوبَتَينِ، إحْداهُما أغْلَظُ من الأخرى، فأثْبَتَ الأغْلَظَ للثَّيِّب والأخرى للبِكْر، ثُمَّ نُسِخَ بما رواهُ مُسلِمٌ مِنْ حديثِ عُبادَةَ مَرفوعًا: «خُذُوا عنِّي، خُذُوا عني (١٠):

стр. 5710

البِكْرُ بالبكر (١) جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثِّيِّبُ بالثيب (٢) جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجم» (٣). ونَسْخُ القُرآنِ بالسُّنَّة جائزٌ، ومَنَ مَنَعَ قال: لَيسَ هذا نَسْخًا، إنَّما هو تفسيرٌ وتَبْيِينٌ له. ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: نَسْخُه حَصَلَ بالقرآن، فإنَّ الجَلْدَ في كِتابِ الله، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه وبَقِيَ حُكمُه، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح». (إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمَحْصَنُ)، فإنَّه (٤) لا يَجِبُ الرَّجْمُ إلا (٥) عَلَيهِ باتفاق (٦)؛ (فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ)، وهو قَولُ عامَّتِهم، وحَكاهُ ابنُ حَزْمٍ إجْماعًا، وقد ثَبَتَ أنَّه ﷺ رَجَمَ بقَولِه وفعله (٧) في أخبار تُشبه (٨) التَّواتُرَ (٩). وقد أنزله (١٠) الله تعالى في كتابه، ثُمَّ نُسِخَ رَسْمُه وبَقِيَ حُكْمُه؛ لقَولِ عمرَ: «كان فيما أنْزَلَ اللهُ: آيةُ الرَّجم … » الخبر، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١١). فإنْ قِيلَ: لو كانَتْ في المُصْحَف لَاجْتَمَعَ العَمَلُ بحُكْمِها وثَوابِ تِلاوَتِها. قال ابنُ الجَوزِيِّ: أجابَ ابنُ عَقِيلٍ، فقال: إنَّما كان ذلك ليظهر (١٢) به
следующие страницы →