← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

صلى الحاضرة (١) في أوَّل وقتها) (٢)، وهي اختيار أبي حفص، وصحَّحه في «المغني»؛ لأنَّه إذا لم يكن بدٌّ من الإخلال بالتَّرتيب؛ ففعلها في أوَّل الوقت ليحصل (٣) فضيلة الوقت والجماعة أَوْلى، ولأنَّ فيه مشقَّةً، فإنَّه يتعذَّر معرفة آخِر الوقت في حقِّ أكثر النَّاس. فعلى الأوَّل: المراد بفوات الحاضرة: ضيق وقتها حتَّى لا يتَّسع لفعلهما جميعًا. وقيل: ما لا يتَّسع لفعل الفائتة وإدراك الحاضرة. وهل خروج وقت الاختيار كخروج الوقت؟ فيه وجهان. ولا يشتغل عن الحاضرة بالقضاء، فإن خالف وقضى؛ صحَّ، نَصَّ عليه (٤)، لا نافلة في الأصحِّ. وظاهره: لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها، فإنَّ خوف فوت الجمعة كضيق (٥) الوقت في سقوط التَّرتيب، نصَّ عليه (٦)، فيصلِّي الجمعة قبل القضاء. وعنه: لا يسقط، قال جماعة: لكنْ عليه فعل الجمعة في الأصح، ثمَّ يقضيها ظهرًا. فإن كان الذي عليه الفائتة الإمام في الجمعة، وصلاَّها مع ذكره، فإن سقط التَّرتيب لضيق الوقت؛ صحَّت الجمعة، وقضى ما عليه، وإن قلنا: لا

стр. 597

يسقط؛ أعاد الجمعة إن (١) كان الوقت باقيًا. فإن ذكر الفائتة قبل إحرامه بالجمعة؛ استناب فيها، وقضى الفائتة، فإن (٢) أدرك الجمعة مع نائبه (٣)، وإلاَّ صلَّى ظهرًا. وإن لم يفعل، وصلَّى بهم؛ فعلى الخلاف. وقيل: يلزمه أن يقضي، ثمَّ يأتي بما يدرك به الجمعة، وهو أشبه. (أَوْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ) بين فوائت حالَ قضائِها، أو بين حاضرةٍ وفائتةٍ حتَّى فرَغ منها؛ (سَقَطَ وُجُوبُهُ)، وليس عليه إعادةٌ، نصَّ عليه في رواية الجماعة (٤)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لأمَّتي عن الخطأ والنِّسيان» (٥)، ولأنَّ المنسيَّة ليس عليها أَمَارة، فجاز أن يؤثِّر فيها النِّسيان؛ كالصِّيام.

стр. 598

وعنه: لا يسقط مع النِّسيان؛ كالمجموعتَين. وجوابه: أنَّه لا يتحقَّق فيهما؛ إذ لا بدَّ من نيَّة الجمع، وهو متعذِّر (١) مع النِّسيان. وظاهره: لا فرق بين أن يكون ذكر الفائتة ثمَّ نسيها، أو لم يسبق لها ذكر. وأنَّه لا يسقط التَّرتيب بخشية فوات الجماعة في الحاضرة على الأصحِّ. ولا بالجهل بوجوبه (٢) في الأصحِّ؛ لأنَّه نادرٌ، ولأنَّه (٣) اعتقد بجهله خلاف الأصل، وهو التَّرتيب، فلم يعذر. فلو صلَّى الظُّهر، ثمَّ الفجر جاهلاً، ثمَّ صلَّى العصر في وقتها؛ صحَّت عصره (٤) لاعتقاده (٥) لا صلاة عليه، كمن صلاها ثمَّ تبيَّن (٦) أنَّه صلَّى الظُّهر بلا وضوء؛ أعاد الظُّهر.

стр. 599

وإن نسي ظهرًا وعصرًا من (١) يومين، وجهل السَّابقة؛ فعنه: يبدأ بالظُّهر، ثمَّ بالعصر؛ اعتبارًا بالتَّرتيب الشَّرعي. وعنه: يتحرَّى. فإن استويا؛ فعنه: بما شاء. وعنه: يصلِّي ظهرين بينهما عصرًا، وبالعكس؛ لأنَّه أمكنه أداء فرضه بيقين، قال في «المغني»: وهو القياس. فرع: إذا ذكر فائتةً في حاضرةٍ؛ أتمَّها غير الإمام. وعنه: وهو نفلاً. وقيل: فرضًا. وعنه: تبطل (٢). وإن نسي صلاةً من خمس يجهل عينَها؛ صلَّى خمسًا، نصَّ عليه (٣)، بنيَّة الفرض. وعنه: فجرًا، ثمَّ مغربًا، ثمَّ رُباعيةً. وإن ترك عشر سجدات من صلاة شهر (٤)؛ قضى صلاة عشرة أيَّام؛ لجواز تركه كلَّ يوم سجدة، ذكره أبو المعالي.

стр. 600

(بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) العورة في اللُّغة: النُّقصان، والشَّيء المستقبَح، ومنه كلمة عَوراء، أي: (١) قبيحة، فهي سوءة الإنسان، وكلُّ ما يُستحيا منه، وسمِّيت عورةً؛ لقبح ظهورها. ثمَّ إنَّها تطلق على ما يجب سترها في الصَّلاة، وهو المراد هنا، وعلى ما يحرم النَّظر إليه، وسيأتي في النِّكاح. (وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ) في قول أكثر العلماء، قال ابن عبد البَرِّ: (أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلَّى عريانًا) (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعرَاف: ٣١]، لأنَّها وإن كانت نزلت بسبب خاصٍّ؛ فالعبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، ولقوله ﵇: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلاَّ بخمارٍ» رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذي وحسَّنه من حديث عائشة، ورواه الحاكم، وقال: (على شرط مسلم) (٣)، والمراد بالحائض: البالِغ، ولأنَّه ﵇: «نهى عن الطَّوافِ بالبيتِ عُريانًا» (٤)، فالصَّلاة أَوْلى؛ لأنَّها أعلى وآكد منه.

стр. 601

والأحسن في الاستدلال أن يقال: انعقد الإجماع على الأمر به في الصَّلاة، والأمر بالشَّيء نهي عن ضدِّه، فيكون منهيًّا عن الصَّلاة مع كشف العورة، والنَّهي في العبادات يدلُّ على الفساد. وهذا محلُّه عند القدرة، فإن عجز عنه وجب أن يصلِّي عُريانًا. (وَسَتْرُهَا) لا من أسفل، والأظهر: بلى (١) إن تيسَّر النَّظَر، (عَنِ النَّظَرِ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ)؛ أي: السَّواد والبياض؛ (وَاجِبٌ)؛ لأنَّ السَّتر إنَّما يحصل بذلك، فدلَّ أنَّه إذا وصف بياض الجلد أو حمرته؛ فليس بساتر. وإذا ستر اللَّون ووصف الخِلْقة؛ أي: حجم العضو؛ صحَّت الصَّلاة فيه؛ لأنَّ البشَرة مستورة، وهذا لا يمكن التحرُّز منه، وإن كان السَّاتر خفيفًا (٢). ويكفي نباتٌ ونحوُه. وقيل: لا يكفي حشيش مع وجود ثوب. ويكفي متَّصل به؛ كيَدِه ولِحيتِه على الأصحِّ. وفي لزوم طين وماء كدِرٍ لعدَمٍ؛ وجهان (٣)، لا باريةٍ (٤) وحصيرٍ ونحوهِما ممَّا يضرُّ، ولا حفيرةٍ، واختار ابن عَقيل: يجب الطِّينُ لا الماء، ويكون من فوق. وظاهره: أنَّه يجب سترها في غير الصَّلاة بين النَّاس. وفي «الرِّعاية»: يجب سترها مطلقًا حتَّى خَلوةً عن نظر نفسه؛ لأنَّه يحرم كشفها خَلوةً بلا حاجة، فيحرم نظرها؛ لأنَّه استدامة لكشفها المحرَّم. قال في «الفروع»: (ولم أجد تصريحًا بخلاف هذا، لا أنَّه يحرم نظر عورته حيث جاز كشفها، فإنَّه لا يحرم هو، ولا لمسها اتِّفاقًا، وقد قال

стр. 602

أبو المعالي: إذا وجب سترها في الصَّلاة عن نفسه وعن الأجانب؛ فهل يجب عن (١) نفسه إذا خلا؟ فيه وجهان: أحدُهما: يجب السَّتر؛ عن الملائكة والجنِّ. والثَّاني: يجوز). وقوله: (واجب) مطلقًا إلاَّ لضرورة؛ كتداوٍ ونحوه، أو لأحد الزَّوجين، أو لأمَتِه (٢) المباحَةِ، أو هي لسيِّدها. (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ وَالْأَمَةِ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ)، نصَّ أحمد أنَّ عورة الرَّجل ما ذكره (٣)؛ لما روي عن علي (٤): قال لي رسول الله ﷺ : «لا تُبرِز فخِذَكَ، ولا تنظر إلى فخذِ حيٍّ أو ميتٍ» رواته (٥) ثقات، رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: (هذا الحديث فيه نَكارة) (٦)، وقال ابن المنجَّى: (رواه أحمد)، وفيه نظر (٧)، وعن جَرْهَدٍ الأسْلَمِيِّ قال: مرَّ رسول الله ﷺ وعليَّ

стр. 603

بُردةٌ، وقد انكشفت فخذي، فقال: «غَطِّ فخذكَ؛ فإنَّ الفخذَ عورةٌ» رواه مالكٌ وأحمد وغيرهما، وفي إسناده اضطرابٌ (١). ولا فرق بين الحرِّ والعبد، وكذا من بلغ عشرًا في الأصحِّ. وأمَّا الأمَة؛ فذكر معظم الأصحاب -وهو المذهب-: أنَّ عورتها كالرَّجل؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا قال: «إذا زوَّج أحدُكم عبدَه أو أمتَه أو أجيرَه؛ فلا ينظر إلى شيءٍ من عورتِه؛ فإنَّ ما تحت السُّرَّة إلى ركبتِه عورةٌ» رواه أحمد وأبو داود (٢)، يريد به الأمَة؛ فإن الأجير والعبد لا يختلف حاله بالتَّزويج وعدمِه، وكان عمر ينهى الإماء عن التَّقنُّع، وقال: «إنَّما القناع للحرائر» (٣)، واشتهر ذلك، ولم يُنكر، فكان كالإجماع.

стр. 604

وظاهره: أنَّ الرُّكبة والسُّرَّة ليسا من العورة، وهو الأصحُّ. وعنه: والرُّكبة؛ لخبر ضعيف (١). وعنه: وهما، ذكره ابن عقيل. (وَعَنْهُ: أَنَّهَا الْفَرْجَانِ (٢)، نقلها عنه مهَنَّى (٣)، واختاره المجْد وغيره في الرَّجل، قال في «الفروع»: (وهو أظهر)؛ لما روى أنس: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه، حتَّى إنِّي لأنظر إلى بياض فخذ نبيِّ الله ﷺ » متَّفَقٌ عليه (٤)، ولمسلمٍ: «فانحسر الإزار عن فخذ نبيِّ الله ﷺ ، ودخل أبو بكر وعمر على النَّبيِّ ﷺ وهو كاشِفٌ فخذَيه لم يغطِّهما» رواه أحمد من حديث عائشة (٥)، ولأنَّه ليس بمخرج، فلم يكن عورة؛ كالسَّاق، وسمَّى الشَّارع الفخذ عورة؛ لتأكُّد الاستحباب. قال البخاريُّ: ويُروى عن ابن عبَّاس وجَرْهَد ومحمَّد بن جحش: عن النَّبيِّ ﷺ : «الفخذُ عورةٌ»، وقال أنَسٌ: «حسَر النَّبيُّ ﷺ الإزارَ عن فخذه»، وحديث أنس أسْنَدُ، وحديث جَرهَدٍ أحْوطُ (٦).

стр. 605

وقال الطَّحاوي: (وقد (١) جاءت عن النَّبيِّ ﷺ آثارٌ (٢) متواتِرةٌ فيها: أنَّ الفخِذَ عورةٌ، ولم يُضادَّها (٣) أثر صحيح) (٤). وظاهر هذه الرِّواية: مشاركة الأمَة للرَّجل فيها، قال ابن المنجَّى: لم أجد في كتب الأصحاب تصريحًا بأنَّ عورة الأمة الفرجان في رواية. وفيه نظر، فإنَّ أئمَّة من الأثبات (٥) قد نقلوها، منهم أبو الخطَّاب والشِّيرازي.

стр. 606

وعنه: ما لا يظهر (١) غالبًا، اختارها أبو الحسين والمجْد، وقدَّمها في «الكافي»، وجزم بها في «الوجيز»؛ لأنَّه لا يظهر غالبًا أشبه ما تحت السُّرَّة. وقيل: البَرْزَةُ كالرَّجل دون الخَفِرَة. وقيل: ما عدا رأسِها عورة، وهو ظاهر الخِرَقي. وعلى الأول: يُسنُّ ستر رأسها في الصَّلاة. فرعٌ: إذا عَتَقت (٢) وهي في الصَّلاة مكشوفة الرَّأس، ووجدت سُترةً؛ كالعريان (٣) يجدها، فإن لم تعلم بالعتق، أو علِمت به ولم تعلم بوجوب السَّتر؛ فصلاتها باطلة؛ لأنَّ شرط الصَّلاة لا يعذر فيها بالجهل، وإن لم تجد سترة أتمَّت صلاتها، ولا إعادة. (وَالْحُرَّةُ) البالِغةُ (كُلُّهَا عَوْرَةٌ) حتَّى ظفرها، نَصَّ عليه (٤)، ذكر ابن هُبَيرة أنَّه المشهور، وقال القاضي: (هو (٥) ظاهر كلام أحمد)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «المرأةُ عورةٌ» رواه التِّرمذي، وقال: (حسنٌ صحيحٌ) (٦)، وعن أمِّ سلمة: أنَّها سألت النَّبيَّ ﷺ : أتصلِّي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدِّرع سابِغًا يغطِّي ظهور قدمَيها» رواه أبو داود، وصحَّح عبد الحق وغيره أنَّه موقوف على أمِّ سلمة (٧)،

стр. 607

وكرأسها وساقها؛ فإنَّهما بالإجماع (١). (إِلاَّ الْوَجْهَ)، لا خلاف في المذهب أنَّه يجوز للمرأة الحرَّة كشف وجهها في الصَّلاة، ذكره في «المغني» وغيره، وقد أطلق أحمد القول (٢) بأنَّ جميعها عورة (٣)، وهو محمول على ما عدا الوجه، أو على غير الصَّلاة. وذكر ابن تميم رواية: أنَّه عورة، وذكر القاضي عكسها (٤) إجماعًا. (وَفِي الْكَفَّيْنِ) ظَهرًا وبطنًا إلى الكُوعين (رِوَايَتَانِ): الأولى -وهي المذهب-: سبق حكمها. والثَّانية: أنَّهما ليسا من العورة كالوجه، واختاره المجْد، وجزم به في «العمدة» و «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زَينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]، قال ابن عباس وعائشة: «وجهها وكفَّيها» رواه البيهقي، وفيه ضعف (٥)، ولأنَّه يحرم سترهما في الإحرام كما يحرم ستر الوجه، ويظهران غالبًا، وتدعو الحاجة إلى كشفِهما للبيع وغيرِه كالوجه. وقال الشَّيخ تقِيُّ الدِّين: (والقدَمين أيضًا) (٦).

стр. 608

هذا كلُّه في الحرَّةِ البالِغةِ، أمَّا غير البالغة؛ كالمراهِقة والمميِّزة؛ فكالأمَة، وظاهر إطلاق المؤلف يخالفُه. (وَأُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا؛ كَالْأَمَةِ)، قدَّمه في «الكافي» و «الفروع»؛ لأنَّ الرِّقَّ باقٍ فيهما، والمقتَضِي للستر بالإجماع هو الحريَّة (١) الكاملةُ، ولم توجد، فتبقى (٢) على الأصل، وكونهما (٣) لا ينقل الملك فيهما؛ لا يخرجهما عن حكم الإماء كالموقوفة، وانعقاد سبب الحريَّة في أم الولد لا يؤثِّر (٤) كالمكاتبة، لكن يُستَحبُّ (٥) لهما ستر الرَّأس؛ لما فيهما من شبه الأحرار، وللخروج من الخلاف، والأخذ بالاحتياط. (وَعَنْهُ: كَالْحُرَّةِ)، قدَّمه ابن تميم؛ لأنَّ أمَّ الولد لا تُباع، ولا ينقل الملك فيها (٦)، والمعتَق بعضها فيها حرية تقتضي السَّتر، فوجب كالحرَّة. وقدَّم في «المحرَّر»: أنَّ أمَّ الولد كالأمَة، وصحَّح في المعتق بعضها أنَّها كالحرَّة، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّ فيها حرية يُغلَّب (٧) حكمُها احتياطًا للعبادة، كما (٨) وجب على الخُنثى المشكِل ستر فرجَيْه احتياطًا. وقدَّم في «التَّلخيص»: أنَّ أمَّ الولد كحرَّة، وفي المعتَق بعضُها (٩) روايتان. فرعٌ: المكاتَبة والمدبَّرة والمعلَّق عتقُها بصفة؛ كالقِنِّ؛ لأنَّه يجوز بيعُهن

стр. 609

وعتقُهن كالقن (١). وعنه: كحرَّة. وعنه: المدبَّرة كأمِّ ولدٍ (٢). تنبيهٌ: لم يتعرَّض المؤلِّف لعورة الخُنثى المشكِلِ، والمذهبُ: أنَّه كرجل؛ لأنَّ الأصل عدم وجوب السَّتر، فلا نُوجِبه (٣) بالشَّكِّ، ويجب سَتر فرجَيه وإن قلنا: العورةُ الفرجانِ فقط؛ لأنَّ أحدهما فرجٌ حقيقِيٌّ، ولا يتحقَّق ستره إلاَّ بسترهما. وعنه: كامرأة، ذكره القاضي، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ، قال ابن حمدان: وهو أَولى؛ لأنَّه يحتمل أن يكون امرأةً، فوجب ذلك احتياطًا. (وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ) حُرًّا كان أو عبدًا (أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ)، ذكره بعضُهم إجماعًا (٤)، قال ابن تميم وغيرُه: (مع ستر رأسه بعِمامة)؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ سائلاً (٥) سأل النَّبيَّ ﷺ عن الصَّلاة في ثوبٍ واحدٍ، فقال: «أَوَلِكُلِّكم (٦) ثَوبانِ؟» متَّفق عليه، زاد البخاريُّ: ثمَّ سأل رجلٌ عمرَ فقال: «إذا وسَّع الله عليكم فأوْسِعوا» (٧)، وقال إبراهيم: «كانوا يستحبُّون إذا وسَّع الله عليهم أن لا يصلِّي أحدُهم في أقلَّ من ثَوبَين» (٨). قال القاضي: وهو في الإمام آكَد، ونقله أبو طالب؛ لأنَّه بين يدَيِ المأمومين، وتتعلَّق صلاتهم بصلاته. وصرَّح ابن تميم: أنَّه لا يكره أن يصلِّي في ثوب واحد إذا ستر عورته وعاتِقَيه.

стр. 610

قال في «الشَّرح»: (فإن (١) لم يكن إلاَّ (٢) ثوب واحد؛ فالقميص أَولى؛ لأنَّه أبلغ، ثمَّ الرِّداء، ثمَّ المِئْزَر أو السَّراويل). (فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَتْرِ) هو بفتح السِّين: مصدر ستر، وبكسرها: ما يستتر (٣) به (الْعَوْرَةِ؛ أَجْزَأَهُ إِذَا كَانَ عَلَى عَاتِقِهِ)، هو موضع الرِّداء من المنكب (شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ) يجب سَتر عاتقه، نَصَّ عليه (٤) مع القدرة، ذكره الجماعة؛ لما روى أبو هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا يصلِّينَّ أحدُكم في الثَّوبِ الواحدِ لَيْس على عاتقِه منه شيءٌ» رواه البخاري ومسلم وقال: «عاتِقَيه»، ولأحمد: اللَّفظانِ (٥). وظاهره: لا فرق بين الفرض والنَّفل، وهو ظاهر الخِرَقي؛ لقول إبراهيم: «كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصَّلاة» رواه سعيد (٦)، ولأنَّ ما اشتُرط للفرض اشتُرط للنَّفل؛ كالطَّهارة. وعنه: سنَّة؛ لأنَّه ليس بعورة، أشبه بقيَّة البدن. وعلى الأول: يجزئه سَتر أحدِ عاتِقَيه، نَصَّ عليه (٧)، وهو قول الأكثر. وعنه: يجب سترهما، ذكره السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»، واقتصر (٨) ابن هُبَيرةَ في حكايته عن أحمد.

стр. 611

وفي وجه: يجزئه ستر عاتِقَيه أو أحدهما، قدَّمه في «الرِّعاية». وفي آخر (١): يجزئه وضع خَيْط ونحوه؛ لأنَّ هذا شيء، فيتناوله الخبر. وفي آخر (٢): يجزئه ما يسمَّى لِباسًا وإن قلَّ، دون حبل ونحوه، وهذا ظاهر الخِرَقي، وقدَّمه في «الكافي». ومتى قلنا بوجوبه؛ فهو شرط لصحَّة الصَّلاة في ظاهر المذهب، قال القاضي: وعليه أصحابنا؛ لأنَّ النَّهي يقتضي فساد المنهيِّ عنه. وعنه: ليس بشرط، ذكره القاضي وابن عَقيل، وحملها المؤلِّف على أنَّه لا يجب ستر المنكبَين جميعًا، لا أنَّها تنفي الشَّرطية. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ)، يعني إذا اقتصر على سَتر العورة دون المنكبَين؛ أجزأه في صلاة النَّفل دون الفرض، نَصَّ عليه في رواية حنبل (٣)، ذكره السَّامَرِّيُّ وغيرُه، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأنَّ مَبناه على التَّخفيف، ولذلك يُسامح فيه بترك القيام والاستقبال في حال سَيره مع القدرة، فسُومِح فيه بهذا القدر. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ) الحرَّةِ (٤) (أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ)، قيل: هو اسمٌ لقميصها، وقال الإمام أحمد: (هو شبه القميص، لكنَّه سابغ يغطِّي قدمَها) (٥)، (وَخِمَارٍ)؛ هو ما تغطِّي (٦) به رأسَها، (وَمِلْحَفَةٍ)؛ هو شيء يُلتحف به من فوق الدِّرع، رُوي استحبابُ ذلك عن عمر، وابنه (٧)،

стр. 612

وعائشة (١)، روى محمَّد بن عبد الله الأنصاري، ثنا سليمان التَّيمي، عن محمَّد بن سِيرين، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب قال: «تصلِّي المرأة في درع وخمار وإزار» (٢)، وحِكمته: المبالغة في سترها، ولا تبين عَجيزتها (٣). (فَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهَا؛ أَجْزَأَهَا)؛ لما روي عن أم سلمة وميمونة: «أنَّهما كانا يصلِّيان في درع وخمار ليس عليهما إزار» رواه مالك (٤)، قال أحمد: (اتَّفق عامَّتُهم على الدِّرع والخمار، وما زاد فهو خير وأستر) (٥)، ولأنَّها سترت ما يجب عليها ستره، أشبهت الرَّجل (٦). ويكره أن تصلِّي في نقاب وبُرقع، نَصَّ على ذلك (٧)، ولا تضمُّ ثيابها،

стр. 613

زاد السَّامَرِّيُّ: في حال قيامها. (وَإِذَا انْكَشَفَ مِنَ الْعَوْرَةِ يَسِيرٌ لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ) عُرفًا؛ (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ)، نَصَّ عليه (١)، واختاره السَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «التَّلخيص»، وفي «المحرَّر» (٢)؛ لما روي: أنَّ عمرو بن سلمة كان يؤمُّ قومه، قال عمرو: «وكانت عليَّ بردة إذا سجدت تقَلَّصتْ (٣) عنِّي، فقالت امرأة من الحيِّ: ألا تغطُّوا عنا اسْتَ قارئكم!» رواه البخاري (٤)، ولأنَّ (٥) ثياب الفقراء لا تخلو من خَرق، وثياب الأغنياء لا تخلو من فَتق، والاحتراز من ذلك يشقُّ ويعسر (٦)، فعُفي عنه كيسير الدَّم. وعنه: تَبطل (٧) مطلقًا، اختاره الآجُرِّيُّ؛ لأنَّه حكم معلَّق بالعورة، فاستوى قليلُه وكثيرُه؛ كالنَّظر. ولو عبَّر بقوله: (يسير (٨) وهو ما لا يفحش) كأبي الخطَّاب والمجْد؛ لكان أولى. (وَإِنْ فَحُشَ بَطَلَتْ)؛ لأنَّ التَّحرُّز منه ممكِن من غير مشقَّة، أشبه سائر العورة، وحكى ابن المنذر الإجماع على أنَّ المرأة الحرَّة إذا صلَّت وجميع رأسها مكشوفٌ أنَّ عليها الإعادة (٩)، والأصل وجوب ستر جميعها، فعُفي عنه

стр. 614

في اليسير غير الفاحش؛ للنَّص وللمشقَّة، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل. وظاهره: لا فرق بين الرَّجل والمرأة، ولا بين الفرجَين وغيرهما، قال في «الشَّرح» وغيره: (إلاَّ أنَّ العورة المغلَّظة يفحُش منها ما لا يفحُش من غيرها)، فاعتبر الفُحْش من (١) كلِّ عضو بحسبه، وهو معنى ما ذكره ابن عقيل: أنَّه يعفى عن يسير المخفَّفة دون المغلَّظة. وظاهره: ولو قصر زمنه، وكشف كثير في زمن يسير؛ ككشف يسير سهوًا في زمن طويل، قال في «الرِّعاية»: إن فحُش أو طال زمنه، وإلاَّ فروايتان. تنبيه: إذا انكشفت عورته سهوًا، وقال ابن تميم: أو عمدًا، فسَتَرها في الحال؛ عُفي عنه ولم تبطل صلاته؛ لأنَّه يسيرٌ في زمن يسيرٍ. وعنه: لا، كما لو طال زمنُه. وقال التَّميمي: إن بدت عورته وقتًا، واستترت آخر؛ لم يُعِدْ؛ للخبر، فلم (٢) يشترط اليسير. قال في «المغني»: (ولا بد من اشتراطه؛ لأنَّه يفحُش). وإذا أطارت الرِّيح سترته، واحتاج عملاً كثيرًا في أخذها؛ فوجهان. (وَمَنْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ؛ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ)، هذا هو المشهور عن أحمد في الثَّوب المغصوب؛ لما روى أحمد: حدَّثنا أسود (٣) بن عامر، حدَّثنا بقيَّة، عن عثمان بن زُفَر، عن هاشم (٤) الأوقص، عن نافع، عن ابن عمر أنَّه قال: «من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم، وفيه درهم حرام؛ لم

стр. 615

يقبل الله له صلاةً ما دام عليه»، ثمَّ أدخل أصبعيه في أذنيه، وقال: «صُمَّتَا (١) إن لم يكن النَّبيُّ ﷺ سمعته يقوله (٢)» قال البخاري: (هاشِمٌ غيرُ ثِقةٍ، وبقيَّة مدلِّس) (٣)، ولأنَّ قيامه وقعوده ولُبثه فيه محرَّم منهيٌّ عنه، فلم يقع عبادةً؛ كالصَّلاة في زمن الحيض، وكالنَّجس، وحكم الجزء المشاع أو المُعيَّن كذلك، ذكره ابن عقيل، هذا إذا كان عالِمًا ذاكِرًا. وظاهره: يعمُّ الرَّجل والمرأة، وهو كذلك في المغصوب، وأمَّا الحرير فتصحُّ (٤) صلاة المرأة فيه؛ لإباحته لها، وكذا الرَّجل في حالة (٥) العذر، ولو عبَّر ب: (من صلَّى في ثوب محرَّم عليه) كما في «الوجيز»؛ لَاستقام. وظاهره: لا (٦) فرق بين الفرض والنَّفل؛ لأنَّ ما كان شرطًا في الفرض فهو شرط للنَّفل. وقيَّده في «الشَّرح»: بما إذا كان هو السَّاترَ (٧) لها، واختاره ابن الجوزي. وعنه: إن علِم النَّهي لم يصحَّ، وإلاَّ صحَّت. (وَعَنْهُ: تَصِحُّ (٨) مَعَ التَّحْرِيمِ)، اختاره (٩) الخلاَّل وصاحب «الفنون»؛ لأنَّ

стр. 616

النَّهي لا يعود إلى الصَّلاة، وكعِمامة مغصوبة، وخاتم ذهب، وخُفٍّ وتِكَّة (١) في الأصحِّ. وقيل: بل مع الكراهة، وهو ظاهر «المستوعب». وعنه: الوقف في التِّكَّة. وعنه: يقف على إجازة المالك. وعنه: إن كان شعارًا لم يصحَّ، جزم به في «الوجيز». وقال أبو بكر: إن صلَّى في خاتم حديد أو صُفْر؛ أعاد. وعلى الأول: لو جهل أو نسي كونه غصبًا (٢) أو حريرًا، أو حبس بغصب حتَّى صلَّى فيه؛ صحَّت على الأصحِّ. تنبيه: إذا لم يجد غير سترة حرير؛ صلَّى فيها ولا إعادة، وقيل: روايتان. ويصلِّي (٣) عريانًا مع مغصوب، فلو صلَّى فيه، أو غصب ستارة الكعبة وصلَّى؛ لم تصحَّ على الأشهر. والحرير أولى من النَّجس، قاله ابن حمدان. ولا يصحُّ نفل آبِق، ذكره ابن عقيل. فرع: لم يتعرَّض المؤلِّف للخنثى المشكل في الحرير، والأشهر: أنَّه في الصَّلاة -وعنه: وغيرها- كرجل، قاله القاضي. (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ ثَوْبًا نَجِسًا؛ صَلَّى فِيهِ)؛ لأنَّ ستر العورة آكد من إزالة النَّجاسة؛ لتعلُّق حقِّ الآدمِي به في ستر عورته، ووجوبه في الصَّلاة وغيرها، فكان تقديمه أولى؛ لكونه متَّفقًا على اشتراطه، فلو صلَّى عُريانًا مع وجوده؛

стр. 617

أعاد قولاً واحدًا. وعنه: لا يصلِّي فيه حتَّى يضيق الوقت. وعلى الأوَّل: لو كان نجِس العَين؛ كجلد ميتة؛ صلَّى عُريانًا من غير إعادة، ذكره بعضهم، فلو كان معه ثوبانِ نجِسانِ؛ صلَّى في أقلِّهما وأخفِّهما نجاسةً. (وَأَعَاَد) ما صلَّى فيه (عَلَى الْمَنْصُوصِ) (١) وهو المذهب؛ لأنَّه أخلَّ بشرط الصَّلاة مع القدرة عليه، أشبه ما لو صلَّى محدِثًا. ويُستثنى منه: ما إذا عجز عن إزالتها، فإنَّه يصلِّي ولا يُعِيد؛ لأنَّه شرط عجز عنه، فسقط كالسُّترة، ذكره في «الكافي». (وَيَتَخَرَّجُ: أَنْ لَا يُعِيدَ)، هذا رواية عن أحمد، واختاره المؤلِّف، وجزم به في «التَّبصرة»؛ لأنَّ الشَّرع منعه نزعه، أشبه إذا لم يمكنه، وكالعجز عن السُّترة، (بِنَاءً عَلَى (٢) مَنْ صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ (٣)؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الشَّرط، فلم يلزمه؛ كمن عدِم الماءَ. فخرَّج جماعةٌ فيه روايةً من الإعادة في الثَّوب، وخرَّجوا في الثَّوب من المكان. ولم يخرِّج آخرون، وهو أظهر؛ لظهور الفرق؛ لأنَّ من لم يجد إلاَّ ثوبًا نجِسًا له حالتان يمكنه الصَّلاة معها مع الخلل؛ لأنَّه إذا صلَّى عُريانًا لم يحمل النَّجاسة؛ فقد فاته السترة وحدها، وإذا صلَّى في الثَّوب النجِس؛ فقد فاته طهارة الثَّوب وحده، فاختيار إحدى الحالتين على الأخرى يوجب الإعادة؛ استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط الذي كان مقدورًا عليه من وجه، بخلاف المحبوس في المكان النجس، فإنه ليس له إلا حالة واحدة، وهي

стр. 618

الصَّلاة، فالشرط ليس بمقدور عليه من كل وجه. وخرَّج في «التعليق» رواية عدم الإعادة (١) في الثَّوب من (٢) عدَم الطَّهورين. تنبيه: لم يتعرَّض المؤلِّف لكيفيَّة الصَّلاة في الموضع النَّجِس، والمنصوص: أنَّه يجلس على قدمَيه، ويُومِئ بالرُّكوع والسُّجود، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وغيرُه. وعنه: يُومِئ غاية ما يمكنه. وعنه: يسجد بالأرض. ومحلُّه: ما إذا كانت النَّجاسة يابسة، أمَّا إذا كانت رَطْبة؛ فإنَّه يُومِئ وجهًا واحدًا، قاله ابن تميم. (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؛ سَتَرَهَا) وترك سَتر منكبَيه، وصلَّى قائمًا، اختاره المؤلِّف، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا كان الثَّوبُ واسِعًا فخالِفْ بين طرفَيه، وإن كان ضيِّقًا فاشدُدْه على حِقْوكَ» رواه أبو داود (٣)، ولأنَّ القيام متَّفَق على وجوبه، فلا يترك لأمر مختلَف فيه، وكما لو لم يكْفِ. وقال القاضي: يستر منكبيه ويصلِّي جالسًا؛ لأنَّ الجلوس بدل عن (٤) سَتر العورة؛ لكونه يستر معظمها والمغلَّظ منها، وستر المنكب لا بدل (٥) له،

стр. 619

فكان (١) مراعاته أَولى. وبعَّد ابن تميم ذلك، وحمله ابن عَقيل على سُترةٍ تتَّسع (٢) إن تركها (٣) على كتفَيه، وسدلها (٤) من ورائه تستر دبره. وقدَّم في «الفروع»: أنَّه (٥) إذا وجد ما يستُر منكبيه وعَجُزَه فقط؛ ستر ذلك، وصلَّى جالسًا، نَصَّ عليه (٦)، وهو المذهب؛ لأنَّ ستر المنكبَين الحديث فيه أصحُّ. (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعُهَا: سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ)؛ لأنَّهما أفْحَش، وهما عورةٌ بلا خلاف (٧)؛ لأنَّ غيرهما كالحريم والتَّابع لهما، وعبَّر بعضهم عنهما بالسَّوأتين؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سُوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١]، سمِّيا بذلك؛ لأنَّ كشفهما يسوء صاحبَه. (فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمَا جَمِيعًا؛ سَتَرَ أَيَّهُمَا شَاءَ)؛ لاستوائهما، (وَالْأَوْلَى سَتْرُ الدُّبُرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ)، قدَّمه في «المحرَّر»، وجزم به في «الوجيز»؛ لأنَّه أفحش، وينفرج في الرُّكوع والسُّجود. (وَقِيلَ: الْقُبُلُ أَوْلَى)؛ لأنَّ به يستقبل القِبلة، والدُّبر يَستَتِر بالأَلْيتَينِ. وقال ابن حمدان: يعتبر أكثرهما سَترًا. وفي المذهب: هل القبل أولى من (٨) الدبر؟ فيه روايتان.

стр. 620

وهذا تفريعٌ (١) على (٢) ما ذكره: أنَّه يستر عورته ويصلِّي قائمًا. وعلى الثَّاني: فلا. وظاهره: لا فرق بين أن يكون رجلاً أو امرأةً أو خنثى، ويتوجَّه: أنَّه يستر آلة الرَّجل إن كان هناك امرأةٌ، وآلتَها إن كان هناك رجل. (وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ؛ لَزِمَهُ قَبُولُهَا إِذَا (٣) كَانَتْ عَارِيَّةً)، هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ المِنَّةَ لا تكثر (٤) فيها، فأشبه بذل الحبل والدَّلو لاستقاء الماء. وقيل: لا يلزمه؛ كالهبة في الأصحِّ. والثَّاني: يلزمه قبولها هبةً، وذكره المؤلِّف احتِمالاً؛ لأنَّ العار (٥) في كشف عورته أكثر من الضَّرر (٦) فيما يلحَقه من المِنَّة. وفُهم منه: أنَّه لا يلزمه طلبها عاريّة، ويلزمه تحصيلها بقيمة المثل والزِّيادة؛ كماء الوضوء. (فَإِنْ عَدِمَ بِكُلِّ حَالٍ؛ صَلَّى)، ولا تسقط (٧) عنه بغير خلاف نعلمه (٨)، كما لو عجز عن استقبال القِبلة، (جَالِسًا) ندبًا، ولا يتربَّع بل ينضامُّ، نقله الأثرم والميموني (٩). وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّه يتربَّع، نَصَّ عليه في رواية محمَّد بن حبيب (١٠)،

стр. 621

وقيل: وجوبًا. (يُومِئُ إِيمَاءً)؛ أي: بالرُّكوع والسُّجود، قدَّمه في «المحرَّر» وغيرِه، وجزم به أبو الحسين وأبو الخَطَّاب وصاحب «الوجيز»؛ لما رُوي عن ابن عمر: أنَّ قومًا انكسرت بهم مركبُهم فخرجوا عُراةً، قال: «يصلُّون جلوسًا، يُومِئون إيماءً برؤوسهم» (١)، ولم ينقل خلافه، ويُومِئ بالسُّجود أكثر من الرُّكوع. (وَإِنْ (٢) صَلَّى قَائِمًا) وسجد بالأرض؛ (جَازَ)؛ لقوله ﵇: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعِدًا» (٣). وظاهره: أنَّ صلاة الجالِس بالإيماء أولى من صلاته قائمًا؛ لأنَّ الجلوس فيه ستر العورة، وهو قائم مقام القيام، ولو صلَّى قائمًا لسقط السَّتر إلى غير بدل؛ لأنَّ السَّتر آكد من القيام؛ لأنَّه يجب في الصَّلاة وغيرها، ولا (٤) يسقط مع القدرة بحال، والقيام يسقط في النَّافلة، ولأنَّ القيام سقط (٥) عنهم لحفظ العورة، وهي في حال السُّجود أفحش، فكان سقوطه أولى. لا يقال: السَّتر كلُّه لا يحصل وإنَّما يحصل بعضه، فلا يفي ذلك بترك ثلاثة أركان: القيام والرُّكوع والسُّجود؛ لأنَّ العورة إن كانت الفرجين فقد حصل سترهما، وإلاَّ حصل ستر أغلظها وأفحشها.

стр. 622

وعنه: يصلِّي جالسًا، ويسجد بالأرض؛ لأنَّ السُّجود آكد من القيام؛ لكونه مقصودًا في نفسه، ولا يسقط فيما يسقط فيه القيام (١)، وهو النَّفل. (وَعَنْهُ): يلزمه (أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا، وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ)، اختاره الآجُرِّي وغيرُه، وقدَّمه ابن الجوزي؛ لأنَّ المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على بعض شرط. وعنه: إن قام وأَوْمَأَ بالسُّجود؛ صحَّ. وقيل: يقعد (٢) الجماعة ولا يقومون، ويسجدون بالأرض. وظاهره: أنَّه لا إعادة عليه، وصرَّح به جماعة، وألحقه الدِّينَوَرِي في وجوب الإعادة بفاقد الطَّهورين. وفي «الرِّعاية»: أنَّه يعيد على الأقْيَس. فرع: إذا نسي السُّترة وصلَّى عُريانًا؛ أعاد لتفريطه؛ كالماء. (وَإِنْ وَجَدَ) العُريان (السُّتْرَةَ قَرِيبَةً مِنْهُ) عُرفًا؛ لأنَّه لا تقدير فيه، (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ)، وأمكنه من غير زمن طويل ولا عمل كثير؛ (سَتَرَ، وَبَنَى) على ما مضى من صلاته؛ كأهل قباء لمَّا علموا بتحويل القبلة استداروا إليها (٣) وأتمُّوا صلاتهم (٤). (وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً؛ سَتَرَ وَابْتَدَأَ)؛ لأنَّه لا يمكن فعلها إلاَّ بما ينافيها من العمل الكثير، أو بدون شرطها، بخلاف التي قبلها. وقيل: يبني مطلقًا. وقيل: يبتدئ مطلقًا. وقيل: إن انتظر من يناوله لها؛ لم تبطل؛ لأنَّه انتظار واحد كانتظار المسبوق. (وَيُصَلِّي (٥) الْعُرَاةُ جَمَاعَةً) وجوبًا، لا فُرادَى؛ لقول ابن عمر السَّابق،

стр. 623

ولأنَّهم قدروا على الجماعة من غير عذر، أشبه المسبوقين، ولا تسقط (١) الجماعة لفوات السُّنَّة في الموقف، كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقديم أحدهم، وإذا شرعت الجماعة حال الخوف مع تعذُّر الاقتداء بالإمام في بعض الصَّلاة والحاجة إلى مفارقة وفعل ما يبطل الصَّلاة في غير تلك الحال؛ فأولى أن يشرع هنا. وقال ابن عَقيل: جلوسًا وجوبًا، وأنَّ في منفرد روايتين، قال: والصَّحيح أنَّه كالجماعة، ويقومون صفًّا واحدًا. (وَإِمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ)؛ لأنَّه أستر لهم، فإن تقدَّمهم لم يصحَّ في الأصحِّ. وإن كانوا في ظُلمة؛ صلَّوا جماعةً وتقدَّمهم إمامهم. وإن لم يسَعهم صف واحد؛ وقفوا صفوفًا، وغضُّوا أبصارهم. قال في «الشَّرح»: (وإن صلَّى كلُّ صفٍّ جماعة فهو أحسن). وقال ابن تميم وغيره: فإن كانوا نوعًا واحدًا والموضع ضيِّق؛ صلَّوا جماعةً كالنَّوعين. وفيه وجه: يصلِّي الكلُّ جماعةً واحدةً وإن كثرت الصُّفوف. (وَإِنْ كَانُوا رِجَالاً وَنِسَاءً؛ صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ)؛ لأنَّها إن وقفت خلفه شاهدت العورة، ومعه خلاف سنَّة الموقف، وربَّما أفضى إلى الفتنة. (وَإِنْ كَانُوا فِي ضَيْقٍ) بفتح الضاد مخفَّفًا، من ضَيِّق، ويجوز فيه الكسر على المصدر على حذف مضاف تقديره: ذي ضِيق؛ (صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمُ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ (٢) وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ)؛ لما في ذلك من تحصيل الجماعة مع عدم رؤية الرِّجالِ النِّساءَ، وبالعكس.

стр. 624

تنبيه: إذا صلَّى عُريانًا، وأعار سُترته؛ لم يصحَّ، ويُستحبُّ أن يعير إذا صلَّى، ويصلِّي بها واحدٌ بعد آخَرَ. وهل يلزمهم انتظارها ولو خرج الوقت، أم لا كالقدرة على القيام بعده؟ فيه وجهان. فإن استوَوْا، ولم يكن الثَّوب لواحد؛ أُقرِع، والأصحُّ: يقدَّم إمام مع ضيق الوقت، وتقدَّم المرأة عليه؛ لأنَّ عورتها أفحش. ولا يَأتَمُّ مستَتِرٌ بعارٍ، ويصلِّي بها عارٍ، ثمَّ يكفَّن ميت. وقيل: يقدَّم هو. وقيل: الحيُّ، قاله ابن حمدان، وهو بعيد. (وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ)، كذا ذكره جمع؛ لما روى أبو هريرة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن السَّدل في الصَّلاة» رواه أبو داود بإسناد حسن (١)، وروى سعيد عن إبراهيم قال: «كانوا يكرهون السَّدل في الصَّلاة» (٢). وعنه: إن لم يكن تحته ثوب. وعنه: أو إزار. فعلى هذا؛ لا إعادة، قاله أبو بكر، اتِّفاقًا إن لم تَبْدُ عورتُه، وعنه: بلى.

стр. 625

وحكى التِّرمذي عن أحمد: (لا يُكرَه) (١)، قال ابن المنذر: (لا أعلم فيه حديثًا يثبت) (٢). وهو (٣): إرخاءُ الثَّوب لغةً، قاله الجوهري (٤). واصطلاحًا: (أَنْ يَطْرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ ثَوْبًا، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص» و «الفروع»، وجزم به في «الشَّرح»، زاد: (ولا يضمَّ طرَفيه (٥) بيديْه)، وهو رواية. وظاهره: أنَّه إذا ردَّ أحد طرفيه على الكتف الأخرى؛ لا يكره؛ لزوال معنى السدل، ونقل صالح: (طرحه (٦) على أحدهما، ولم يردَّ أحد طرفيه على الآخر) (٧). وقال ابن عقيل: هو إسبال الثَّوب على الأرض. وقيل: وضع وسط الرِّداء على رأسه، وإرساله من ورائه (٨) على ظهره، وهي لِبْسة (٩) اليهود. وقال القاضي: هو وضع الرِّداء (١٠) على عنقه، ولم يردَّه على كتفيه (١١).

стр. 626

(وَيُكْرَهُ اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ)، قدَّمه جماعةٌ، وجزم به في «الوجيز»؛ لما روى أبو هريرة وأبو (١) سعيد: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن اشتمال الصَّمَّاء» رواه البخاري (٢). (وَهُوَ أَنْ يَضْطَبِعَ بِثَوْبٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ)، ومعنى الاضطباع: أن يجعل وسط الرِّداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، وجاء ذلك مفسَّرًا في حديث أبي سعيد من رواية إسحاق، عن عبد الرَّزاق، عن مَعمَر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عنه مرفوعًا: «نهى عن لبستين، وهما (٣) اشتمال الصَّمَّاء، وهو أن يضَع ثوبَه على أحد عاتقَيه (٤) فيبدو أحد شقِّيه ليس عليه ثوب، والاحتِباء، وهو أن يحتَبِيَ به ليس على فرجه منه شيْء» (٥). وقال السَّامَرِّيُّ: هو أن يلتَحِف بثوب يردُّ طرفيه إلى أحد جانبيه، ولا يبقى ليديه موضع تخرج (٦) منه، وهو المعروف عند العرب. والأول: قول الفقهاء، وهم أعلم بالتَّأويل. وظاهره: أنَّه إذا كان عليه ثوب؛ لم يكره؛ لأنَّها لبسة المحرِم، وفعلها النَّبيُّ ﷺ (٧).

стр. 627

وأنَّ صلاته صحيحة إلاَّ أن تبدو عورته، صرَّح به في «المحرر» وغيرُه. وعنه: يعيد. وفيه وجه: يكرَه فوق الإزار لا القميص. وعلى الأوَّل: الكراهة؛ قيل: لكشف (١) كتفه الأيمن. وقيل: لظهور عورته، فعلى هذا: ينبغي أن يكون محرَّمًا؛ لإفضائه إليه، ذكره في «الشَّرح». (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) مطلقًا (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ)؛ لعموم النَّهي. فرع: إذا احتبى، وعليه ثوب يستر عورته؛ جاز، وإلاَّ حرُم. وعنه: يكره مطلقًا. وعنه: المنع، قاله ابن تميم. (وَيُكْرَهُ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ)؛ لما روى أبو هريرة: «أن النبي ﷺ نهى أن يغطي الرجل فاه» رواه أبو داود بإسناد حسن (٢)، ففيه تنبيه على كراهة تغطية الوجه (٣)؛ لاشتماله على تغطية الفم، ولأنَّ الصَّلاة لها تحليل وتحريم، فشرع لها كشف الوجه كالإحرام. (وَالتَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ)؛ روي ذلك عن ابن عمر (٤)، ولقوله ﵇: «أُمِرتُ أن أسجدَ على سبعةِ أَعْظُمٍ» متَّفقٌ عليه (٥). وعنه: لا يكره.

стр. 628

وفي التَّلثُّم على الأنف روايتان، وسهَّل أحمد في تغطية اللِّحية، وقال: (لا بأس بتغطية الوجه لحرٍّ أو برد) (١). (وَلَفُّ الْكُمِّ)؛ لقوله ﵇: «ولا أكفَّ شعرًا، ولا ثوبًا» متَّفقٌ عليه (٢)، زاد في «الرِّعاية»: وتشميره، وفي «الوجيز»: وإرساله، ويُستثنى على كلامه بلا سبب. (وَ) يُكره (شَدُّ الْوَسَطِ) بفتح السِّين (بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ)؛ «لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن التَّشبُّه بأهل الكتاب» رواه أبو داود (٣). وعنه: يكرَه لبس المنطقة، ونقل حرب: يكره شدُّ وسَطِه على القميص؛ لأنَّه من زِيِّ اليهود (٤)، ولا بأس به على القباء، قال القاضي: لأنَّه من عادة المسلمين. وعنه: لا (٥) يكره، قال أحمد: أليس قد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يصلِّينَّ أحدكم إلاَّ وهو محتزم» (٦)، زاد ابن تميم: إلاَّ أن يشدَّه لعمل الدُّنيا؛ فيُكرَه.

стр. 629

وظاهره: أنَّه إذا شدَّه بمئزر أو حبل؛ أنَّه لا بأس به، وقاله أحمد، وذكره في «الكافي»، وقدَّم ابن تميم أنَّه يستحبُّ، نَصَّ عليه (١)، وقد فعله ابن عمر (٢). ويُستثنى منه المرأة، فإنَّه يكره لها شدُّ وسطها مطلقًا. (وَ) يُكره (إِسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ)؛ كالقميص والإزار والسَّراويل (خُيَلَاءَ)، ذكره في «الكافي»، وجزم به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» في (٣) غير حرب؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «من أسبلَ إزارَه في صلاتِه خيلاءَ؛ فليس من اللهِ في حلٍّ ولا حرام» رواه أبو داود من حديث ابن مسعود (٤). والمذهب كما ذكره في «المستوعب» و «الشَّرح»، وصحَّحه في «الفروع»: أنَّه حرام، وهو ظاهر كلام أحمد (٥)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «من جرَّ ثوبَه خيلاءَ لم ينظرِ اللهُ إليه» متَّفَقٌ عليه (٦).

стр. 630

والمراد في غير حرب بلا حاجة، نحو كونه حمش السَّاقين، ولم يرد التَّدليس على النِّساء. ويكره فوق نصف ساقيه، نَصَّ عليه (١). وعلى الأصحِّ: تحت كعبه بلا حاجة. وعنه: ما تحتهما فهو في النَّار. ويجوز للمرأة (٢) زيادة إلى ذراع. وقال جماعةٌ: ذيل نساء المدن في البيت كرجل. ويسنُّ تطويل كمِّ الرَّجل إلى رؤوس أصابعه أو أكثر يسيرًا، وتوسيعها قصدًا، وقصر كمِّها، واختلف في سَعته.

стр. 631

(فَصْلٌ) (وَلَا يَجُوزُ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، اختاره أبو الخطَّاب، وجزم به السَّامَرِّيُّ وصاحب «التَّلخيص»؛ لما رَوى أبو طلحة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تَدخُل الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ» متَّفَق عليه (١)، والمراد به: كلب منهيٌّ عن اقتنائه، وقال أحمد في رواية صالح: (الصُّورة لا ينبغي لُبسها) (٢)، وكتعليقه، وستر الجُدُر به وفاقًا (٣)، وظاهره عامٌّ في الكُلِّ. والثَّاني: يكره، ولا يحرم، قاله ابن عقيل، وقدَّمه ابن تميم؛ لقوله ﵇ في آخر الخبر: «إلاَّ رقمًا في ثوب» (٤)، وكافتراشه وجعله مخدًّا؛ «لأنَّه ﵇ اتَّكأ على مخدَّةٍ فيها صورةٌ» رواه أحمد (٥). وعُلم ممَّا سبق: أنَّه يحرم تصوير صورة الحيوان، وحكاه بعضهم وفاقًا؛ لما روت عائشة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ أصحابَ هذه الصُّوَرِ يعذَّبونَ يومَ القيامة، ويقال لهم: أحْيُوا ما خلقتم» رواه البخاري (٦).

стр. 632

فلو أزيل منها ما لا تبقى الحياة معه؛ لم يكره في المنصوص (١)، ومثله شجر ونحوه. وكره الآجُرِّي (٢) الصَّلاة على ما فيه صورة، وكذا في «الفصول»، ولو على ما يداس؛ لقوله ﵇: «لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه صورةٌ ولا كلْبٌ ولا جنبٌ» إسناده حسن (٣). (وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ) ولا الخُنثى ولو كافرًا (٤) (لُبْسُ ثِيَابِ الْحَرِيرِ) في الصَّلاة وغيرها في غير حال العذر، حكاه ابن المنذِر إجماعًا (٥)؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : «لا تلبسوا الحريرَ؛ فإنَّه من لَبِسه في الدُّنيا لم يلبَسْه في الآخرة» متَّفق عليه من (٦) حديث عمر ﵁ (٧)، حتَّى تِكَّة وشَرَّابة، نَصَّ عليه (٨)، والمراد: شرابة مفردة؛ كشرابة البريد لا تبعًا (٩) فإنَّها كزِرٍّ.

стр. 633

وعلَّل القاضي والآمِدِي إباحة كيس المصحف؛ لأنَّه يسير، فعلى هذا يُستثنى. (وَلَا مَا غَالِبُهُ الْحَرِيرُ)؛ لأنَّ الغالِب له حكم الكلِّ، فحرم لعموم الخبر، والقليل (١) مستهلَك فيه، أشبه الضَّبَّة من الفضَّة. وقال ابن عبد البرِّ: (مذهب ابن عباس (٢) وجمع أنَّ المحرَّم الحرير الصَّافي الذي لا يخالطه غيره) (٣)، وسيأتي. وظاهر كلام أحمد: أنَّ الاعتبار بالظُّهور، وجزم به في «الوجيز»، وقيل: بالوزن، قدَّمه في «الرِّعاية». (وَلَا افْتِرَاشُهُ)؛ لما روى حذيفة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يُلبسَ الحريرُ والدِّيباجُ، وأن يُجلَسَ عليه» رواه البخاري (٤)، قال أحمد في رواية صالح وجعفر: (افتراش الحرير كلُبسه) (٥)، وكذا الاستِناد إليه. ثمَّ استثنى من ذلك بقوله: (إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ)؛ لأنَّها تبيح المحرَّم بدليل أكل الميتة. وظاهره: إباحته للنِّساء مطلقًا؛ لما روى أبو موسى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ للإناثِ من أمَّتي، وحُرِّمَ على ذكورها» رواه جماعة منهم التِّرمذي، وصحَّحه (٦).

стр. 634

وأغرب ابن عقيل في «فُنونه» فجوَّز لهنَّ لُبسَه دون الاستِناد والافتراش. فرع: يحرم تعليقه وستر الجدر به، غير الكعبة المشرَّفة وِفاقًا (١)، وحرَّم الأكثرُ استعمالَه مطلقًا، فدلَّ أنَّ في بشخانة (٢)، وخيمة، وبقجة (٣)، وكمران (٤)، ونحوِه الخلاف. (فَإِنِ اسْتَوَى هُوَ وَمَا نُسِجَ مَعَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «الفروع» وغيره: أحدهما: يباح، جزم به في «الوجيز»؛ لقول ابن عباس: «إنَّما نهى النَّبيُّ ﷺ عن الثَّوب المُصمَت من قَزٍّ، أمَّا السَّدَى والعلَم فلا يرى (٥) به بأسًا» رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن (٦)، ولأنَّ الحرير ليس أغلب، أشبه الأقلَّ. والثَّاني: يحرم، قال ابن عقيل: (هو الأشبه)؛ لعموم الخبر، ولأنَّ النِّصف كثير؛ لأنَّه لا يطلق على ما نسج (٧) معه من الكتان (٨) والقطن؛

стр. 635

كتان (١) ولا قطن. وقيل: يكره ولا يحرم، كما لو شكَّ في كثرة الحرير أو مساواته غيره مع إباحة النِّصف. تنبيه: أباح أحمد لبس الخزِّ (٢)، وهو ما سُدِّي بإبريسم، وأُلْحِم بوَبَر أو صُوف؛ للخبر، ولفعل الصَّحابة (٣)، وجعله ابن عقيل كغيره من الثِّياب المنسوجة من الحرير وغيره، وفرَّق بينهما أحمد: بأنَّ هذا لبسه الصَّحابة، وبأنَّه لا سرف (٤) ولا خيلاء. وعُلم منه: إباحة الصُّوف، وكذا الكتَّان إجماعًا (٥)، والنَّهي عنه في (٦) حديث جابر لا أصل له (٧)، ونقل عبد الله عن أبيه: (يكره للرِّجال) (٨)، ولعلَّه
следующие страницы →