← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

وكذا النَّائمُ؛ لِرَفْعِ القَلَمِ عنه. والسَّكرانُ سَبَقَ حُكْمُه. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: لا يَصِحُّ إقراره به (١)، لكِنْ عَلَيهِ حَدُّ الزِّنى والسَّرِقةِ والشُّرْب والقَذْفِ، إذا فَعَلَه حالَ سُكْرِه؛ لِفِعْلِ الصَّحابة (٢). فأمَّا الأَخْرَسُ إنْ لم تُفهم (٣) إشارتُه فلا يتصوَّرُ منه إقْرارٌ، وإنْ فُهِمَتْ إشارتُه؛ فإنَّه يُؤاخَذُ بها. فإنْ أقرَّ العاقِلُ أنَّه زنى بامرأةٍ، فكذَّبَتْه؛ فَعَلَيهِ الحَدُّ دُونَها؛ لحديثِ سَهْلِ ابنِ سَعْدٍ، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، ورجالُه ثِقاتٌ (٤).

стр. 5742

(وَيُصَرِّحَ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ)؛ لِتَزُولَ التُّهَمةُ، ولقوله ﵇ لِمَاعِزٍ: «لَعلَّكَ قَبَّلْتَ، أوْ غَمَزْتَ» قال: لا، قال: «أَفَنِكْتَها؟» لا يكني (١)، قال: نَعَمْ، فعِنْدَ ذلك أَمَرَ بِرَجْمِه، رواهُ البخاريُّ (٢). وعَنْهُ: وبِمَنْ زَنَى بها، وفي «الرِّعاية»: وهي أظْهَرُ. وأطْلَقَ في «التَّرغيبِ» وغَيرِه الخِلافَ. (وَلَا يَنْزِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ لأِنَّ مِنْ شرط (٣) إقامة الحَدِّ بالإقرار: البقاءَ عَلَيهِ إلى تمامِ الحَدِّ، فإنْ رَجَعَ عن إقراره، أوْ هرَبَ؛ كُفَّ عنه (٤) في قَولِ الجمهور؛ لقصة (٥) ماعِزٍ. فرعٌ: إذا شَهِدَ أرْبعةٌ على إقْرارِه به أرْبعًا، فأنْكَرَ، أوْ صدَّقَهم دُونَ أرْبعٍ؛ فلا حَدَّ عَلَيهِ في الأظْهَرِ، ولا على الشُّهود، وهما في «التَّرغيب»: إنْ أنْكَرَ، وأنَّه لو صدَّقَهم؛ لم يُقْبَلْ رُجوعُه. (الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على فِعْلِه، (أَرْبَعَةٌ)، إجْماعًا (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … (٤)﴾ [النُّور: ٤]، ولقوله ﵇ لِسَعْدِ بنِ عُبادةَ حِينَ قال له: أرأيتَ لو وَجَدْتُ مع امْرأتِي رجلاً، أُمْهِلُه حتَّى آتِيَ بأربعةِ شُهَداءَ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «نعم» (٧) رواه مالِكٌ (٨).

стр. 5743

(رِجَالٌ)، فلا يقبل (١) فيه شهادةُ النِّساء، إلاَّ ما رُوِيَ عن عَطاءٍ وحمَّاد: أنَّه يُقبَلُ فيه ثلاثةٌ وامْرأتانِ، وهو خِلافُ النَّصِّ؛ لأِنَّ في شهادةِ النِّساء شُبْهةً؛ لِمَا في قَبولِها من الاِخْتِلافِ، والحُدود تُدْرَأُ بالشبهات. (أَحْرَارٌ) في الأَشْهَرِ، وقاله (٢) الأكثرُ. وعَنْهُ: يُقبَلُ العَبْدُ؛ لِعُمومِ النَّصِّ، وهو عَدْلٌ مُسلِمٌ ذَكَرٌ، فقُبِل (٣) كالحرِّ. وجَوابُه: أنَّه مُختَلَفٌ في قَبولِ شهادَتِه، وذلك شُبهةٌ، فلا يُقبَل (٤) فيما يُدْرَأُ بالشُّبهة. (عُدُولٌ)، ولا خِلافَ في اشْتِراطِها (٥)؛ كسائرِ الشَّهادات، فلا تُقبَلُ فيه (٦) شهادةُ فاسِقٍ، ولا مَسْتُورِ الحال؛ لِجَوازِ أنْ يكونَ فاسِقًا. واكْتَفَى بذلك عن ذِكْرِ الإسلام؛ لأِنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ لا تَتَحَقَّقُ العَدالةُ فِيهِم، فلا تُقبَلُ رِوايَتُهم ولا خَبَرُهُم الدِّينيُّ؛ كعَبَدَةِ الأَوْثانِ، وسَواءٌ كانَت الشَّهادةُ على مُسلِمٍ أوْ ذَمِّيٍ. (يَصِفُونَ الزِّنَى)؛ أيْ: زِنًى واحِدٌ يَصِفُونَه، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٧)، فيَقولونَ: رَأَيْنَا ذَكَرَه في فَرجِها كالمِيلِ في المُكْحُلَة، ولأِنَّه إذا اعْتُبِرَ التَّصْريحُ في الإقرار؛ كان اعْتِبارُه في الشَّهادة أَوْلَى. وقال طائفةٌ: يَجُوزُ أنْ يَنظُرُوا إلى ذلك مِنْهُما؛ لِإقامَةِ الشَّهادةِ عَلَيهِما؛

стр. 5744

لِيَحصُلَ الرَّدع بالحدِّ، فإنْ شَهِدُوا أنَّهم رَأَوْا ذَكَرَه قد غَيَّبَه في فَرجِها؛ كفى (١). (وَيَجِيئُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ)، على الأصحِّ؛ لأِنَّ عمرَ شَهِدَ عِندَه أبو بكرة (٢)، ونافِعٌ، وشبلُ بنُ معبدٍ (٣)، على (٤) المغيرةِ بنِ شُعْبةَ، ولم يَشْهَدْ زِيادٌ، فحدَّ (٥) الثّلاثةَ (٦)، ولو كان المجْلِسُ غَيرَ مُشْتَرَطٍ؛ لم يجز (٧) أنْ يَحدَّهم؛ لِجَوازِ أنْ يَكمُلُوا بِرابِعٍ في مَجلِسٍ آخَرَ، ولأِنَّه لو شَهِدَ ثلاثةٌ فحدَّهم، ثُمَّ جاء رابعٌ (٨) فَشَهِدَ؛ لم تُقبَلْ شَهادَتُه، ولَولا اشْتِراطُ المجْلِس؛ لَكَمُلَتْ شَهادَتُهم، وبهذا يُفارِقُ سائرَ الشَّهادات. والثَّانِيَةُ: لَيسَ بشَرْطٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النُّور: ١٣]، ولم يَذكُر المجْلِسَ، ولأِنَّ كلَّ شهادةٍ مقبولةٌ إذا افْتَرَقَتْ؛ كغيرها (٩). وجَوابُه: أنَّ (١٠) الآيةَ لم تتعرَّض (١١) للشُّروط.

стр. 5745

(سَوَاءٌ جَاؤُوا مُفْتَرِقِينَ (١)؛ أيْ: واحِدًا بَعْدَ آخَرَ؛ لِقِصَّةِ المُغِيرةِ، فإنَّهم جاؤوا مُفترِقين (٢)، وسُمِعَتْ شَهادَتُهم، وإنَّما حُدُّوا لِعَدَمِ كمالِها، وفي الحديثِ: أنَّ أبا بَكْرَةَ قال لعمر: «أرأيتَ (٣) لو جاءَ آخَرُ فَشَهِدَ؛ أكنتَ (٤) تَرجُمُه؟» فقال عمرُ: «إِي والذي نَفْسِي بِيَدِه» (٥)، ولأِنَّهم اجْتَمَعُوا في مَجْلِسٍ واحِدٍ، أشْبَهَ ما لو جاؤُوا (مُجْتَمِعِينَ (٦)، ولأِنَّ المجْلِسَ كلَّه بمَنزلةِ ابْتِدائه، ولهذا يُجزِئُ فيه القَبْضُ فِيما هو شَرْطٌ فيه. (فَإِنْ (٧) جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ) من (٨) مَجْلِسِه؛ فهم قَذَفَةٌ؛ لأِنَّ شهادته (٩) غيرُ مَقْبولَةٍ ولا صحيحةٍ، أشْبَهَ ما لو لم يَشْهَدْ أَصْلاً، وعَلَيهم الحَدُّ. (أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا؛ فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) في قَولِ أكثرِ العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، وهذا يُوجِبُ الحَدَّ على كلِّ رامٍ لم يَشهَدْ بما قاله أرْبَعَةٌ، ولأِنَّ عمرَ جَلَدَ أبا بَكْرَةَ وأصْحابَه، حَيثُ لم يُكمِل

стр. 5746

الرَّابِعُ شهادتَه، بمَحضَرٍ من الصَّحابة، ولم يُنكِرْهُ أحدٌ، فكان كالإجماع. وحَكَى أبو الخَطَّاب رِوايَةً: أنَّه (١) لا حَدَّ عَلَيهِم؛ لأِنَّهم شهودٌ، فلم يَجِبْ علَيهِم الحَدُّ؛ كما لو كانوا أربعةً، أحَدُهُم فاسِقٌ. فرعٌ: كلُّ زِنًى يُوجِبُ الحَدَّ؛ لا يُقبَلُ فيه إلاَّ أربعةُ شُهُودٍ بالاِتِّفاق (٢)، ويَدخُلُ فيه: اللِّواطُ، وَوَطْءُ المرأة في دُبُرِها، وَوَطْءُ البهيمة إنْ قُلْنا: يَجِبُ الحَدُّ به (٣)، وإنْ قُلْنا: يُعزَّرُ؛ فيُقبل (٤) بِشاهِدَينِ، وقِيلَ: بأربعةٍ، وعلى قِياسِ هذا: كلُّ وَطْءٍ يُوجِبُ التَّعزيرَ فقطْ. فإنْ لم يكُنْ وَطْئًا؛ كمُباشَرَةٍ دُونَ الفَرْج؛ ثبت (٥) بشاهِدَينِ وَجْهًا واحِدًا. (وَلَوْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ)، أوْ بانَ فِيهِمْ صبِيٌّ مُمَيِّزٌ، أو امرأةٌ، أوْ عَبْدٌ ولم يقبله (٦)؛ (فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) على المذْهَبِ، وصحّحه القاضي؛ كما لو لم يَكمُل العددُ، وكما لو كان المشهودُ عليه (٧) مَجْبوبًا أوْ رَتْقاءَ. (وَعَنْهُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ)، وهو قَولُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ، لأِنَّهم أربعةٌ، فَدَخَلُوا في عُمومِ الآية، وكما لو شَهِدَ أرْبَعةٌ مَسْتُورُونَ، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشّرح»، أو موت أحدِهم قَبْلَ وَصْفِه الزِّنى، وأنْ مشهودًا (٨) عَلَيها عَذْراءُ، نَصَّ

стр. 5747

عَلَيهِ (١)، وفي «الواضح»: تَزُولُ حضانتها (٢) بهذه الشّهادةِ. والثَّالِثةُ: يُحَدُّ الْعُمْيانُ خاصَّةً، وقاله (٣) الثوري (٤) وإسْحاقُ؛ لأِنَّه مَعْلُومٌ كَذِبُهم، والباقي يَجُوزُ صِدْقُهم، وقد كَمُلَ عَدَدُهم، أشْبَهَ مستوري (٥) الحال. (وَإِنْ (٦) كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا؛ حُدَّ الثَّلَاثَةُ (٧)؛ لأنَّهم (٨) قَذَفَةٌ، حَيثُ لم تَكمُل البيِّنةُ؛ لأِنَّ شهادةَ الزَّوج غَيرُ مَسْمُوعةٍ، (وَلَاعَنَ الزَّوْجُ إِنْ شَاءَ)؛ لأِنَّ الزَّوجَ إذا قَذَفَ زَوجَتَه له الخِيَرةُ بَينَ اللِّعان وتَرْكِه. وعلى الثَّانِيَةِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ بِحالٍ. (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ)، أو اخْتلَفا في اليوم؛ (فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لأِنَّه لم يَكمُل (٩) أربعةٌ على زِنًى واحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيهِم الحَدُّ؛ كما لو انْفَرَدَ بالشَّهادة اثْنانِ. (وَعَنْهُ: يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) فقطْ، اختاره أبو بكرٍ، وفي «التَّبصرة» و «المستوعب»: وظاهِرُها أنَّه لا تعتبر (١٠) شهادة الأَرْبَعِ على فِعْلٍ واحِدٍ،

стр. 5748

وإنَّما يُعتَبَرُ عددُ الشُّهود في كَونها زانيةً. (وَهُوَ بَعِيدٌ)؛ لأِنَّه لم يَثبُتْ زِنًى واحِدٌ بشهادةِ أربعةٍ، فلم يَجِب الحَدُّ، ولأنَّ (١) جميعَ ما يُعتَبَرُ له البيِّنةُ يُعتَبَرُ كمالُها في حقِّ واحِدٍ، فالواجب (٢) للحَدِّ أَوْلَى، ولأنَّه (٣) مِمَّا يُحتاطُ له ويندرئ (٤) بالشُّبُهات. قال أبو بكرٍ: لو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بامرأةٍ بَيضاءَ، وآخران بامرأة (٥) سَوداءَ؛ فهم قَذَفَةٌ، ذَكَرَه القاضي. وهذا يُناقِضُ قَولَه: (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ) صغيرٍ، (وَشَهِدَ الآْخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَتِهِ الْأُخْرَى)؛ كَمُلَتْ شَهادتُهم إنْ كانت الزاويتان (٦) مُتقارِبَتَينِ، وحُدَّ المشهودُ عَلَيهِ على المذهب؛ لأِنَّ التَّصديقَ مُمْكِنٌ، فلم يجز التَّكذِيبُ. لا يُقالُ: يُمكِنُ أنْ يكُونَ المشهودُ به فِعْلَينِ، فَلِمَ أوجبتم الحَدَّ مع الاِحْتِمال، وهو يُدْرَأُ بالشُّبهة؛ لأِنَّه لا (٧) شُبْهةَ فِيهِ، بدليلِ ما لو اتَّفَقا على مَوضِعٍ واحِدٍ، فإنَّه يُمكِنُ أنْ تكونَ الشَّهادةُ على فِعْلَينِ، بأنْ يكونَ قد فَعَلَ ذلك مرَّتَينِ. أمَّا لو كانت الزَّاوِيَتانِ متباعدتين (٨)؛ فالقَولُ فيهما كالقَولِ في البَيْتَيْن. وعلى قَولِ أبي بَكْرٍ: تَكمُلُ الشَّهادةُ، سواءٌ تَقارَبَتَا أوْ تَباعَدَتا.

стр. 5749

(أَوْ شَهِدَا (١) أَنَّه زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيضَ، وَشَهِدَ الآْخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ؛ كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ) على المذْهَبِ؛ لأِنَّه لا تَنافِيَ بَينَهما، فإنَّه يُمكِنُ أنْ يكونَ عليها (٢) قَمِيصانِ، فَذَكَرَ كلُّ اثنَينِ واحِدًا منهما، كما لو شَهِدَ اثْنانِ أنَّه زَنَى بها (٣) في قميصِ كَتَّانٍ، وآخَرَانِ في قَمِيصِ خَزٍّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلاَّ تَكْمُلَ؛ كَالتِي قَبْلَهَا)، وقاله أبو الخَطَّابِ؛ لأِنَّ شهادتَهم مُختَلِفَةٌ، أشْبَهَ ما لو اخْتَلَفُوا في البَيتَينِ، فعلى هذا: هل (٤) يُحَدُّونَ للقذف؟ على وَجْهَينِ. (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً؛ لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ) على الأَشْهَرِ؛ لأِنَّ فِعْلَ المُطاوِعةِ غَيرُ المكرهة (٥)، فَعَلى هذا: لا يُحَدُّ الرَّجُلُ، اختاره أبو بكرٍ والقاضي، وأكثرُ الأصْحابِ، ولا المرأةُ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ لم تَكمُلْ على فِعْلٍ مُوجِبٍ للحَدِّ عَلَيهِما. (وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ)؛ أي: الأربعةُ؛ لقَذْفِهم الرَّجُلَ، (أَوْ شَاهِدَا (٧) الْمُطَاوَعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَجِبُ الْحَدُّ على شاهِدَي المُطاوَعَةِ، اختاره أبو بَكْرٍ؛ لأِنَّهما قَذَفَا المرأةَ بالزِّنى، ولم تَكمُلْ شهادتُهم عَلَيها، ولا يَجِبُ على شاهِدَي الإكْراهِ؛ لأِنَّهما لم يَقذِفا المرأةَ، وقد كمُلَتْ شهادتُهم على الرَّجُلِ، وإنَّما

стр. 5750

انْتَفَى الحدُّ للشُّبهة. والثَّاني: يُحَدُّ الجميعُ؛ لأِنَّهم شَهِدُوا بالزِّنى، فَلَزِمَهم الحَدُّ؛ كما لو لم يَكمُلْ عددُهم. (وَعِنْدَ أَبِي (١) الْخَطَّابِ: يُحَدُّ الزَّانِي الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ)، واخْتارَهُ في «التَّبصرة»؛ لأِنَّ الشَّهادةَ كَمُلَتْ على وُجودِ الزِّنى منه، واخْتِلافُها إنَّما هو في فِعْلِها، فلا يمنع (٢) كمال الشَّهادة عَلَيهَا، (دُونَ الْمَرْأَةِ)؛ لأِنَّه لم يَشهَدْ عَلَيها أربعةٌ بِزِنًى يوجب (٣) الحَدَّ؛ لأِنَّه لا حَدَّ مع الإكْراه، (وَالشُّهُودِ)؛ لأِنَّ المقْتَضِيَ له (٤) لم يُوجَدْ. وفي «الواضح»: لا حَدَّ على أحدٍ منهم. فرعٌ: إذا شَهِدَ اثْنانِ أنَّها بَيضاءُ، وآخَرانِ غَيرَه؛ لم يُقبل (٥)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ لم تَجتَمِعْ على عَينٍ واحِدةٍ، وكما (٦) لو اخْتَلَفُوا في تعدُّدِ المكان أو الزَّمان، بخِلافِ السَّرِقةِ، وحُدُّوا للقَذْفِ. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ (٧) قَبْلَ الحَدِّ (٨) فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ (٩) الثَّلَاثَةُ)، اختاره أبو بَكْرٍ وابنُ حامِدٍ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الرَّاجِعَ كالتائب (١٠) قَبْلَ تَنفيذِ الحُكْم بقَولِه، ولأِنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمَكُّنًا له

стр. 5751

من الرُّجوع الذي تَحصُل (١) به مَصلَحَةُ المشْهودِ عليه (٢)، وإنَّما حُدَّ الثَّلاثَةُ؛ لأِنَّ برجوع (٣) الرَّاجِعِ نَقَصَ عددُ الشُّهود، فَوَجَبَ أنْ يُحَدُّوا؛ كما لو كانُوا في الاِبْتِداء كذلك. والثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الجميعُ، قدَّمها في «المحرَّر»؛ لِنَقْصِ العدد؛ كما لو كانوا ثلاثةً. قال في «المحرَّر»: ويَتخرَّجُ ألاَّ يُحَدَّ سِوَى الرَّاجِع إذا رَجَعَ بَعْدَ الحُكْمِ وقَبْلَ الحَدِّ. ولو رَجَعَ الكلُّ؛ فهل يُحَدُّونَ؟ على الرِّوايَتَينِ في الواحد. (وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الحُكْمِ؛ فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ)؛ لأِنَّ الشَّهادةَ كَمُلَتْ، واتَّصَلَ بها الحُكْمُ، فلم يَجِبْ عَلَيْهِم شيء (٤)؛ لِعَدَمِ كونِهم (٥) قَذَفَةً، (وَيَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبُعَ مَا أَتْلَفُوهُ)؛ لأِنَّه أقرَّ على نفسه بِرُجوعِه أنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بفِعْلِه وفِعْلِ غَيرِه، فيُقبَلُ على نفسه فقطْ. وظاهِرُه: أنَّه لا حدَّ على الرَّاجِع أيْضًا، ونَقَلَه أبو النَّصْرِ (٦)؛ لأِنَّه تائب (٧). والمذْهَبُ: أنَّه يُحَدُّ وَحْدَه إنْ وَرِثَ حدَّ القَذْفِ، فإنْ كان رَجْمًا؛ ضَمِنَ رُبُعَ المتْلَفِ بديةٍ (٨) أوْ غَيرِها إن صرَّح بالخطأ، وإنْ قال: عَمَدْنا الكَذِبَ

стр. 5752

لِيُقْتَلَ؛ قُتل وَحْدَه، وإنْ قال: عَمَدْتُ ذلك وَحْدِي؛ فهل يَلزَمُه قَوَدٌ؟ على الروايتين (١) في مُشارَكةِ العامِدِ للمُخْطِئِ. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْها)؛ لأِنَّ البَكارةَ تَثْبُتُ بِشهادةِ النِّساء، وَوُجُودُها يَمنَعُ مِنْ الزِّنى ظاهِرًا، والشُّهودُ صِدْقُهم مُحتَمِلٌ، فإنَّه يَحتَمِلُ أنَّه وَطِئَها، ثُمَّ عادِتْ عُذْرَتُها. لكِنْ ذَكَرَ في «الشَّرح»: أنَّه يُكتَفَى بشهادةِ واحدةٍ؛ لأِنَّ شهادتَها مَقْبولةٌ فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيهِ الرِّجالُ. ونَقَلَ أبو النَّصْر في مسألةِ المَجْبوبِ: أنَّ الشُّهودَ قَذَفَةٌ، وقد أحْرَزُوا ظُهورَهم، فذُكِرَ له قَولُ الشَّعبِيِّ: الْعَذْراء، قال: عنه اختلاف (٢)، فإنْ رَجَمَه القاضِي؛ فالخَطَأُ منه، قلت: أفترى (٣) في (٤) هذا أوْ فيمَنْ شَهِدَ عَلَيهِ بالزِّنى، فلم يسأل (٥) القاضي عن إحْصانِه حتى (٦) رَجَمَه، أنَّ الدِّيَةَ في بَيتِ المالِ، لأِنَّ الحاكِمَ ليس (٧) عَلَيهِ غُرْمٌ؟ قال: نعم (٨). وأطْلَقَ ابنُ رَزِينٍ في مَجْبوبٍ ونحوِه قَولَينِ، بخِلافِ العَذْراء. وفي «الشَّرح»: إنْ شَهِدَ بأنَّها رَتْقاءُ، أوْ ثَبَتَ أنَّ الرَّجُلَ مجبوبٌ (٩)؛ فينبغي (١٠) أنْ يَجِبَ الحَدُّ على الشُّهود؛ لأِنَّه مُتيقَّنٌ كَذِبُهم.

стр. 5753

(وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، نَصَّ عَلَيْهِ (١)؛ لأِنَّ صِدْقَهم مُحتَملٌ، وفي «الرِّعاية»: ولا على الرَّجُل. (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ (٢) أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا؛ لَمْ يُحَدَّ المَشْهُودُ (٣) عَلَيْهِ)؛ لأِنَّ شهادةَ الآخَرِينَ تَضَمَّنتْ جَرْحَ الأوَّلِينَ، وشَهادةَ الآخَرِينَ تتطرَّقُ إليها (٤) التُّهمةُ. (وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَى؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفُروع»: إحْداهما: لا يَجِبُ الحَدُّ عَلَيهم؛ لأِنَّ الأوَّلِينَ قد جَرَحَهم الآخَرونَ بشهادتهم عَلَيهِم، والآخَرُونَ تتطرق (٥) إليهم التُّهمة. والثَّانِيَةُ: يُحَدُّونَ له، اخْتارَها أبو الخَطَّاب؛ لأِنَّ شهادةَ الآخرين صحيحةٌ، فيَجِبُ الحُكْمُ بها. وعلى كلتيهما: في حدِّهم للقَذْفِ رِوايَتانِ: أشْهَرُهما: بأنَّهم يُحَدُّونَ. (وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ؛ لَمْ تُحَدَّ (٦) بِذَلِكَ (٧) بِمُجَرَّدِهِ)، نَقَلَه الجماعةُ (٨)، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها الأَظْهَرُ، لكنَّها تُسْأَلُ، فإنِ ادَّعَتْ أنَّها أُكْرِهَتْ، أوْ وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، أوْ لم تعترف (٩) بالزِّنى؛ لم تُحَدَّ، وهو قَولُ الأكثرِ

стр. 5754

من العلماء. وعن أحمدَ: بلى إنْ لم تَدَّعِ شبهة (١). وفي «الوسيلة» و «المجموع» روايةٌ: ولو ادَّعَتْ شبهة (٢). وأقْوالُ الصَّحابة مُختَلِفَةٌ في ذلك (٣)، حتَّى بالَغَ بَعْضُ العلماء، وقال: إنَّ المرأةَ تَحمِلُ مِنْ غَيرِ وَطْءٍ، بأنْ تُدخِلَ ماءَ الرُّجُل في فَرْجِها، ولهذا تُصُوِّرَ

стр. 5755

حَمْلُ البِكْر ووُجِدَ (١). مسألةٌ: إذا شُهِدَ عَلَيهِ بِزِنًى قَديمٍ، أوْ أقرَّ به؛ وَجَبَ عَلَيهِ الحَدُّ؛ لِعُمومِ الآية، وكسائر الحُقوق. وقال ابنُ حامِدٍ: لا أقْبَلُ بيِّنةً على زِنًى قَديمٍ، وأحُدُّه بالإقْرار به، وذَكَرَه ابنُ أبي موسى مَذْهَبًا لأِحمدَ، وهو مَرْوِيّ عن عمر (٢)؛ لأِنَّ تأخيرَ الشَّهادة إلى هذا الوَقْتِ يَدُلُّ على التُّهمة. وتُقْبَلُ الشَّهادةُ به (٣) مِنْ غَيرِ مدعٍ (٤)، نَصَّ عليه (٥)؛ لِقَضِيَّةِ أبي بكرة (٦).

стр. 5756

(بَابُ الْقَذْفِ) وهو مُحرَّمٌ بالإجماع (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ [النُّور: ٢٣]، وقَولُه ﵇: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، قالوا: وما هي يا رسولَ الله؟ قال: «الشِّرْكُ بالله (٢)، والسِّحرُ، وقَتْلُ النَّفس التي حرَّم الله، وأكْلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّولِّي يَومَ الزَّحْف، وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المؤمِناتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). (وَهُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَى (٤)، فبَيانٌ لِمَعْنى القَذْف، وكذا: رَمْيُه بلواطٍ، أوْ شهادةٌ عَلَيهِ به ولم تَكمُل (٥) البيِّنةُ، وأصْلُه: الرَّمْيُ بالحَجَرِ، بخِلافِ الخَذْف - بالخاء المعجمةِ - فإنَّه الرَّمْيُ بالحَصَى، وهو في (٦) الأصْلِ: رَمْيُ الشَّيء بقُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الرَّمْيِ بالزِّنى ونحوِه من المكروهات، يُقالُ: قَذَفَ يَقذِفُ قَذْفًا، فهو قاذِفٌ، وجَمْعُه: قُذَّافٌ، وقَذَفَةٌ؛ كفاسِقٍ وفَسَقَةٍ، وكافِرٍ وكَفَرةٍ. (وَمَنْ قَذَفَ)، وهو مُكلَّفٌ مختارٌ (٧)، (مُحْصَنًا؛ فَعَلَيْهِ جَلْدُ (٨) ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، وَأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ عَبْدًا)، أجْمَعُوا على وُجُوبِ الحَدِّ على

стр. 5757

مَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا (١)، حُرًّا كان القاذِفُ أوْ عَبْدًا، وأنَّ حَدَّه ثَمانُونَ إنْ كانَ حُرًّا؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النُّور: ٤]، والرَّقيقُ على النِّصف مِنْ ذلك في قَولِ أكثرِ العلماء. ويرْوَى: أنَّ أبا بكرِ بنَ محمَّدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ جَلَدَ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثمانِينَ (٢)، وبه قال قَبِيصةُ وعمرُ (٣) بنُ عبد العزيز؛ لِعُمومِ الآية. والصَّحيحُ الأوَّلُ؛ لإجْماعِ الصَّحابة، قال عبدُ الله بنُ عامِرِ بنِ رَبِيعةَ: «أدْرَكْتُ أبا بكرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، والخلفاءَ، وهلمَّ (٤) جَرًّا، ما رَأيتُ أحَدًا جَلَدَ عبدًا في فرية أكثرَ مِنْ أربعينَ» رواهُ مالِكٍ (٥)، وكحدِّ (٦) الزِّنى، والآيةُ وإنْ كانَتْ عامَّةً؛ فَدَلِيلُنا خاصٌّ، والخَاصُّ مُقدَّمٌ، وتَقَدَّمَ قَولُ الخِرَقِيِّ: يكونُ بِدُونِ سَوطِ الحُرِّ. وظاهِرُه (٧): ولو ذاتَ مَحرَمٍ، أوْ مجبوبًا (٨)، سِوَى وَلَدِه وإنْ نَزَلَ، نَصَّ على الثَّلاثة (٩)، ولو عَتَقَ قَبْل حَدٍّ. ومُعتَقٌ بعضُه بالحساب، وقِيلَ: كعبدٍ (١٠).

стр. 5758

(وَهَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقُّ للهِ تَعَالَى، أَوْ لِلآْدَمِيِّ (١)؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهُما، وهي الأظْهَرُ والأشهر (٢)، وقالَهُ الجُمْهورُ: هو حَقٌّ لآدمي (٣)، فَعَلَيهِ: يَسقُطُ بِعَفْوِه عنه، قال القاضي وأصحابُه: لا عَفْوِه عن بَعْضِه. والثَّانِيَةُ: هو حقٌّ لله تعالى، قدَّمها في «الرِّعاية»، وعَلَيهَا: لا يَسقُطُ بالعَفْوِ أو الإبراء (٤)، ولا يَستَوفِيهِ إلا (٥) الإمامُ أوْ نائبُه. وعليهما (٦): لا يُحَدُّ ولا يَجُوزُ أنْ يُعرَضَ له إلاَّ بطلَبٍ، وذَكرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين إجْماعًا (٧)، ويَتَوَجَّهُ على الثَّانية: وبِدُونِه. ولا يَسْتَوفِيهِ بنفسه (٨)، خِلافًا لأِبِي الخَطَّاب، وأنَّه لو فَعَلَ لم يُعْتَدَّ به، وعلَّله القاضي: بأنَّه تُعتبر (٩) نيةُ (١٠) الإمامِ أنَّه حَدٌّ. وفي «البُلْغة»: لا يَستَوفِيهِ بِدُونِه، فإنْ فَعَلَ؛ فَوَجْهانِ، وأنَّ هذا في القَذْف الصَّرِيح، وأنَّ (١١) غيره يَبرَأُ به (١٢) سواءٌ (١٣)، على خِلافٍ في المذْهَبِ؛ كاعْتِبارِ المُوالاةِ أو النية (١٤).

стр. 5759

(وَقَذْفُ غَيْرِ المُحْصَنِ)؛ كمن (١) قَذَفَ مُشرِكًا، أوْ عَبْدًا، أوْ مُسلِمًا له (٢) دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أوْ مُسْلِمَةً لها دُونَ تِسْعِ سِنِينَ، أوْ مَنْ لَيسَ بعَفِيفٍ؛ (يُوجِبُ (٣) التَّعْزِيرَ)؛ رَدْعًا له عن أعْراضِ المَعْصُومِينَ، وكَفًّا لَه عن أَذاهم. وقِيلَ: سِوَى سيدٍ (٤) لعبده. فرعٌ: لا (٥) يُحَدُّ أَبَواهُ - وإنْ عَلَوْا - بقَذْفِه وإنْ نَزَلَ؛ كقَوَدٍ، فلا يَرِثُه عَلَيهِما، وإنْ وَرِثَه أخوهُ لأُمِّه، وحُدَّ له؛ لتَبْعيضِه (٦). وفي «التّرغيب»: لا يُحَدُّ أبٌ، وفي أمٍّ (٧) وَجْهانِ. (وَالمُحْصَنُ) هنا: (هُوَ (٨) الْحُرُّ، الْمُسْلِمُ، الْعَاقِلُ، الْعَفِيفُ، الذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ)، هذه صِفَةُ المحْصَن الذي يُحَدُّ بقَذْفِه.

стр. 5760

أمَّا الحُرِّيَّةُ والإسلامُ؛ فَلِأَنَّ العبدَ والكافِرَ حُرْمَتُهما ناقِصةٌ، فلم تنتهض (١) لِإيجابِ الحَدِّ، والآيَةُ الكريمةُ وَرَدَتْ في الحُرَّة المسْلِمَة، وغَيرُهما لَيسَ في مَعْناهُما. وأمَّا العَقْلُ؛ فَلِأَنَّ المجْنونَ لا يُعَيَّرُ بالزِّنى؛ لِعَدَمِ تَكْليفِه، وغَيرُ العاقِلِ لا يَلحَقُه شينٌ بإضافةِ الزِّنى إليه؛ لكَونِه غَيرَ مكلَّفٍ (٢). وأمَّا العِفَّةُ عن الزِّنى؛ فَلِأَنَّ غير (٣) العَفِيفِ لا (٤) يَشِينُه القَذْفُ، والحَدُّ إنَّما وَجَبَ مِنْ أجل (٥) ذلك، وقد أسْقَطَ اللهُ الحَدَّ عن القاذِف إذا كان له بيِّنةٌ بما قال. وأمَّا كَونُه يُجامِعُ مِثْلُه؛ فَلِأَنَّ غَيرَ ذلك لا يُعَيَّرُ بالقَذْف؛ لِتَحَقُّقِ كَذِبِ القاذِفِ، وأقلُّه: أنْ يكُونَ له عَشْرُ سِنِينَ إنْ كان ذَكَرًا، أوْ تِسْعُ سِنِينَ إنْ كانَتْ أُنْثى. وظاهِرُه: أنَّه لا تشترط (٦) فيه العدالةُ، بل لو كان المقذوفُ فاسِقًا؛ كشربه (٧) الخمرَ أو لبدعةٍ، ولم يُعرَفْ بالزِّنى؛ أنَّه يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه. وقال الشِّيرازِيُّ: لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِ مُبتَدِعٍ ولا مُبتَدِعةٍ. وقال ابنُ أبي موسى: إذا قَذَفَ أمَّ وَلَدِ رَجُلٍ، وله منها ولدٌ؛ حُدَّ. وإذا قَذَفَ مُسلِمٌ ذِمِّيَّةً تَحْتَ مُسلِمٍ، أوْ لها منه ولدٌ؛ حُدَّ في روايةٍ.

стр. 5761

وإن (١) قَذَفَ عبدٌ عبدًا؛ جُلِدَ أرْبَعِينَ، قاله في «الرِّعاية». (وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: يُشتَرَطُ، قِيلَ: إنَّها مُخرَّجَةٌ، ولَيستْ بمنصوصةٍ؛ لأِنَّ غَيرَ البالِغِ غَيرُ مُكلَّفٍ، أشْبَهَ المجنونَ. والثَّانِيَةُ: لَيسَ بشَرْطٍ (٢)، وهو مُقتَضَى كلامِ الخِرَقِيِّ، وقَطَعَ بها القاضي، والشَّريفُ، وأبو الخَطَّاب، وصاحِبُ «الوجيز»؛ لأِنَّ ابنَ عَشْرِ سِنينَ ونحوِه يَلحَقُه الشَّينُ بإضافةِ الزنى (٣) إليه، ويُعيَّرُ بذلك، ولهذا جُعِلَ عَيبًا في الرقيق (٤)، أشْبَهَ البالِغَ. وفي اشْتِراطِ سلامته من وَطْءِ الشُّبهة؛ وَجْهانِ، ولعلَّه مَبنِيٌّ على أنَّ وَطْءَ الشبهة (٥) هل يُوصَفُ بالتَّحريم أمْ لَا؟ فذُكر عن (٦) القاضي: أنَّه وَصَفَه به، وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: عَدَمُ وَصْفِه بذلك، وظاهِرُ كلام (٧) آخَرِينَ: أنَّه لا يُشتَرَطُ السَّلامةُ من ذلك. فرعٌ: إذا وَجَبَ الحَدُّ بقَذْفِ من لم يَبلُغْ؛ لم يُقَمْ (٨) حتَّى يَبلُغَ ويُطالِبَ؛ لِعَدَمِ اعتبارِ كلامه قَبْلَ البلوغ، ولَيسَ لوليِّه المطالَبةُ؛ حِذارًا مِنْ فَواتِ التَّشَفِّي. ولو قَذَفَ غائبًا؛ اعْتُبِرَ قُدومُه وطَلَبُه، إلاَّ أنْ يَثبُتَ أنَّه طالَبَ في غَيبتِه،

стр. 5762

فيُقامُ على المذهب. وقِيلَ: لَا؛ لاِحْتِمالِ عَفْوِه. ولو قَذَفَ عاقلاً فجُنَّ أوْ أُغْمِيَ عَلَيهِ قَبْلَ الطَّلَب؛ لم يُقَم حتَّى يُفِيقَ ويُطالِبَ، وإنْ كان بَعْدَ الطَّلَب؛ جازَتْ إقامَتُه. مسألةٌ: يُشترَطُ لِإقامةِ الحَدِّ على القاذِفِ أمْرانِ: أحدهما: مُطالَبةُ المقْذوف؛ لأِنَّه حقٌّ له كسائر حُقوقِه. الثَّاني: ألاَّ يأتيَ ببيِّنةٍ. فإنْ كان القاذِفُ زَوجًا اعْتُبِرَ آخَرُ، وهو: امْتِناعُه من اللِّعان. ويُعتَبَرُ: اسْتِدامَةُ الطَّلَب إلى إقامته، فلو طَلَب ثُمَّ عَفَا؛ سَقَطَ. ويُحَدُّ بقَذْفٍ على جِهَةِ الغَيرَةِ - بفَتْحِ الغَينِ -، ويَتوجَّه احْتِمالٌ وأنَّها عُذْرٌ في غِيبةٍ ونحوِها. (وَإِنْ قَالَ) لِمُحْصَنَةٍ: (زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ؛ لَمْ يُحَدَّ)؛ لأِنَّ حدَّ القَذْفِ إنَّما وَجَبَ لِمَا يَلحَقُ بالمقْذوفِ من العار، وهو مُنتَفٍ للصِّغَر، بل (١) يُعزَّرُ، زاد في «المغْنِي»: إنْ رآه الإمامُ، وأنَّه لا يَحتاجُ إلى طَلَبٍ؛ لأِنَّه لِتَأْدِيبِه. (وَإِلاَّ خُرِّجَ (٢) عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ)، وكذا في «الفروع» في اشْتِراطِ البُلُوغ، جَزَمَ في «الوجيز» بالحَدِّ. (وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ، أَوْ أَمَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ (٣) كَذَلِكَ؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ لأِنَّه يُعلَمُ كَذِبُه، وإنْ لم يثبت (٤) ذلك على الأصحِّ، فإنْ

стр. 5763

ثَبَتَ؛ فلا حَدَّ على الأصحِّ. (وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ)؛ لم يُحَدَّ على الأَشْهَرِ، (وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ، فَأَنْكَرَهَا)؛ فهل يُحَدُّ أوْ يُعزَّرُ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): الأصحُّ: أنَّه لا حدَّ (١) عَلَيهِ؛ لأِنَّ ظاهِرَ لَفْظِه يَقتَضِي تعليقَ (وأنتِ نَصْرانِيَّةٌ أوْ أَمَةٌ) بقَولِه: (زَنَيتِ)، فيَصِيرُ كأنَّه قال لها: زَنَيتِ حالَ النَّصْرانيَّة أو الرِّق (٢)، ولا حَدَّ مع ذلك؛ لأِنَّ ارْتِباطَ الكلام بعضِه ببعضٍ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ ارتباطه (٣). قال في «الفروع»: ويتوجَّه مثله إن (٤) أضافه إلى جنون. وفي «التَّرغيب»: إنْ كان ممَّن يُجَنُّ؛ لم يَقذِفْه. وفي «المغْنِي»: إن ادَّعَى أنَّه كان مجنونًا حِينَ قَذْفِه، فأنْكَرَتْ، وعُرِفَتْ له حالة (٥) جُنونٍ وإفاقةٍ؛ فوَجْهانِ. وإن ادَّعَى رِقَّ مَجْهولةٍ؛ فرِوايَتانِ. وإن ادَّعَى أنَّ قَذْفًا مُتقدِّمًا كان في صغَرٍ (٦)، أو قال: زَنَيتِ مُكرَهةً، أوْ قال: يا زانيةُ، ثُمَّ ثبت (٧) زناها في كُفْرٍ؛ لم يُحدَّ (٨)؛ كثُبوتِه في إسلامٍ. وفي «المبهج»: إن (٩) قَذَفَه بما أتى في الكفرِ؛ حُدَّ؛ لحُرْمةِ الإسلام.

стр. 5764

وسَأَلَه ابنُ منصورٍ: رجلٌ رَمَى امرأةً بما فَعَلَتْ في الجاهِلِيَّةِ؟ قال: يحدُّ (١). وذَكَرَ القاضي: لو قال ابنُ عِشْرينَ لابن (٢) خَمْسِينَ: زَنَيتَ مِنْ ثلاثِينَ سنةً؛ لم يُحَدَّ، وهو سَهْوٌ. (وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ؛ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، حَكَمَ حاكمٌ (٤) بوُجوبه أمْ لَا؛ لأِنَّ الحَدَّ يُعتَبَرُ بوَقْتِ وُجوبه، وكما لا يَسقُطُ بِرِدَّتِه وجُنُونِه، وبخلاف (٥) فِسْقِ الشُّهود قَبْلَ الحُكْم؛ لضِيقِ الشَّهادة، وعلَّله المؤلِّفُ: بأنَّه حقُّ آدَمِيٍّ، وبأنَّ الزِّنى نوع (٦) فِسْقٍ، واحْتِمالُ وُجودِ الجنس أكثرُ من النَّوع، إلاَّ أنْ يَتقدَّمَ مُزيلُه على القَذْفِ بإقْرارٍ أوْ بيِّنةٍ.

стр. 5765

(فَصْلٌ) (وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ إِلاَّ فِي مَوْضِعَيْنِ): (أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي (١) فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ)، زاد في «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: ولو دُونَ الفَرْج، وفي «المُغْنِي»: أوْ تُقرُّ به (٢) فيُصدِّقُها، (فَيَعْتَزِلَهَا، وَتَأْتِيَ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ (٣) مِنْهُ)؛ أيْ: من الزَّاني، زاد في «المحرَّر» و «الرِّعاية»: وكذا لو وَطِئَها في طُهْرٍ زَنَتْ فيه، وظنَّ الولدَ مِنْ الزَّانِي، (فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا)؛ لأِنَّ نَفْيَ الولدِ واجِبٌ، ولا يُمكِنُ إلاَّ بالقذف؛ لأِنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا (٤) به واجِبٌ، (وَنَفْيُ وَلَدِهَا)؛ لأِنَّ ذلك يَجْرِي مَجْرَى اليقينِ في أنَّ الولدَ من الزَّانِي؛ لكَونِها أتَتْ به (٥) لِستَّةِ أشْهُرٍ مِنْ حِينِ الوَطْء، وفي «سنن أبي داودَ»: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيُّما امْرأةٍ أدْخَلَتْ عَلَى قَومٍ مَنْ لَيسَ منهم؛ فلَيسَتْ مِنْ الله في شَيءٍ، ولَنْ يُدْخِلَها اللهُ جنَّتَه» (٦)،

стр. 5766

ولا شكَّ أنَّ الرَّجُلَ مثلُها (١). وكذا لَوْ أقرَّتْ بالزِّنى، وَوَقَعَ في نَفْسِه صِدْقُها. (الثَّانِي: أَلاَّ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ يَجِبُ نَفْيُهُ)؛ لأِنَّ بالزَّوج حاجةً إلى فَسْخِ النِّكاح لِيتخلَّصَ مِنْ زَوجةٍ شَأْنُها كذلك؛ لحديثِ عُويمِرٍ العَجْلانِيِّ (٢) وهِلالِ بنِ أُمَيَّةَ (٣). (أَوِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ زِنَاهَا)، وقدَّم في «المُغْنِي» و «الشَّرح»: لا تكفي (٤) اسْتِفاضَةٌ بلا قرينةٍ. (أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ)، فلو كان بِخَبَرِ مَنْ لا يُوثَقُ به؛ لم يَجُزْ؛ لأِنَّه غَيرُ مَأْمُونٍ على الكَذِب عَلَيها. (أَوْ رَأَى رَجُلاً يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا)، زاد في «التَّرغيب»: خَلْوةً؛ (فَيُبَاحُ قَذْفُهَا)؛ لأِنَّه يَغلِبُ على ظنِّه فُجورُها، (وَلَا يَجِبُ)؛ لأِنَّه يُمكِنُه فِراقُها، والسُّكوتُ هُنا أَوْلَى؛ لأِنَّه أسْتَرُ، ولأِنَّ قَذْفَها يَلزَمُ منه أنْ يَحلِفَ أحدُهما كاذِبًا، أوْ يُقِرَّ فيَفتَضِحَ. فرعٌ: قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: إذا قال: أخْبَرَتْنِي أنَّها زَنَتْ، فكَذَّبَتْه؛ ففي كَونِه قاذِفًا نِزاعٌ في مذهب (٥) أحمدَ وغَيرِه، فإنْ جُعِلَ قَذْفًا، أوْ قَذَفَها صريحًا؛ فله اللِّعانُ، ولو حَلَفَ بالطَّلاق أنَّها قالَتْ له، فأنْكَرَتْهُ؛ لم تَطلُقْ باتفاق الأئمَّةِ (٦).

стр. 5767

ولو أسْقَطَتْ جنينًا بسببِ القَذْفِ؛ لم يَضمَنْه. واخْتارَ أبو محمَّدٍ الجَوزيُّ: المباحُ (١): أن (٢) يَراها تَزْنِي، أوْ يَظُنُّه ولا وَلدَ. (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا)؛ كأبْيَضَ بَينَ أسْوَدَينِ، أوْ بالعكس؛ (لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ (٣)، اختاره ابنُ حامِدٍ؛ لخَبَرِ أبي هُرَيرَةَ، وهو مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، وقال: «لَعلَّه نَزَعَه عِرْقٌ» (٤)، ولأِنَّ دلالة (٥) الشَّبه (٦) ضعيفةٌ، ودَلالَةُ الفِراش قَوِيَّةٌ، بدليلِ قضية (٧) سَعْدٍ وعَبْدِ بنِ زَمْعَةَ (٨). (وَقَالَ) القاضي، و (أَبُو الخَطَّابِ (٩): ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ)؛ لقَولِه ﵇: «إنْ جاءَتْ به جَعْدًا … » الخبرَ (١٠)، فَجَعَلَ الشَّبَهَ دليلاً على نَفْيِه عنه (١١). والأوَّلُ أصح (١٢)، وهذا (١٣) الحديثُ إنَّما يَدُلُّ على نَفْيِه عنه مع ما تقدَّم من لِعانه ونفيِه إيَّاه عن نفسه، فجَعَلَ الشَّبَهَ مرجِّحًا (١٤).

стр. 5768

والمذْهَبُ: أنَّ له نَفْيَه بقرينةٍ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». وإنِ اسْتَبْرَأَها بحَيضةٍ؛ جاز النَّفْيُ في الأَشْهَرِ، وإنْ كان يَعزِلُ عنها فلا؛ لخبرِ أبي سعيدٍ (١).

стр. 5769

(فَصْلٌ) (وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقسِمُ إِلَى: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ)؛ لأِنَّها ألْفاظٌ تَرتَّبَ عَلَيها حُكْمٌ شَرعِيٌّ، فانْقَسَمَتْ إلى ذلك؛ كالطَّلاق. (فَالصَّرِيحُ (١): قَوْلُهُ: يَا زَاني، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ، وَنَحْوُهُ)؛ كزَنَيتَ، ويا مَنْيُوكُ، (مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا (٢) يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ)؛ لأِنَّه صريحٌ فيه، أشْبَهَ صريحَ الطَّلاقِ. (وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ)، هو مَفْعولٌ مِنْ: عَفَجَ؛ بمعنى (٣): نَكَحَ، فكأنَّه بمَعْنَى مَنكُوحٍ؛ أيْ: موطوء (٤)؛ (فَهُوَ صَرِيحٌ) في المنصوص (٥). وعليه الحَدُّ فيهما إذا قَذَفَه بعَمَلِ قَومِ لُوطٍ، فاعِلاً أوْ مَفْعولاً، اخْتارَهُ الأَكْثَرُ؛ لأِنَّ اللُّوطِيَّ: الزَّانِي بالذُّكور، أشْبَهَ ما لو قال: يا زَانِي، وحِينَئِذٍ لا يُسمَعُ تَفْسيرُه بما يحيل (٦) القَذْفَ. وعَنْهُ: مع غَضَبٍ؛ لأِنَّ قرينةَ الغَضَب تَدُلُّ على إرادةِ القَذْفِ، بخِلافِ حالةِ الرضا. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ؛ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ)، وهذا روايةٌ نَقَلَها المَرُّوذِيُّ (٧)؛ لأِنَّه فَسَّرَ كلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ؛

стр. 5770

كما لو (١) فسَّرَه به مُتَّصِلاً بكلامِه. (وَهُوَ بَعِيدٌ)؛ لأِنَّ إطْلاقَ لَفْظِه وإرادةَ مِثْلِ ذلك فيه بُعْدٌ، مع أنَّ قَومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحدٌ. ولو قَذَفَ امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أوْ قَذَفَ رجُلاً بِوطْءِ امرأةٍ في دبرها (٢)؛ فعَلَيهِ الحَدُّ. وقِيلَ: لا. ومَبْنَى الخِلافِ هُنا على الخلاف (٣) في وُجوبِ حدِّ الزِّنى على مَنْ فَعَلَ ذلك. (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، غَيْرَ إِتْيَانِ الرِّجَالِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ): أشْهَرُهُما: أنَّه لا يُقبَلُ (٤)؛ لأِنَّه فسَّر اللَّفْظَ بما لا يَحتَمِلُه غالِبًا، أشْبَهَ ما لو قال: يا زَانِي. والثَّاني: أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأِنَّ ما فسَّرَ به كلامَه مُحتَمِلٌ الإرادة، والحَدُّ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. فرعٌ: إذا فسَّرَ (يا مَنْيُوكَةُ) بِفِعْلِ زَوجٍ؛ فلَيسَ قَذْفًا، ذَكَرَه في «الرِّعاية» و «التَّبصرة»، وزَادَ: إنْ أرادَ بزَانِي العَين، أوْ يا عاهِرَ اليَد؛ لم يُقْبَلْ مع سبقه (٥) ما يَدُلُّ على قَذْفٍ صَريحٍ. (وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ؛ فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ) في المنصوص (٦)، إلا (٧)

стр. 5771

مَنفِيًّا بِلِعانٍ لم يَستلحِقْه أبوهُ، ولم يُفَسِّرْه بِزِنَى أمِّه؛ لأِنَّ ذلك يَقتَضِي أنَّ أمَّه أتَتْ به مِنْ غَيرِ أبِيهِ، وذلك قَذْفٌ لها. وكذا إنْ نفاه عن قبيلتِه (١)، وقال المؤلِّفُ: القِياسُ يَقتَضِي أنَّه لا يَجِبُ الحدُّ لنفي (٢) الرَّجُل عن قَبِيلتِه؛ لأِنَّ ذلك لا يتعيَّن فيه الرمي (٣) بالزِّنى، أشْبَهَ ما لو قال لأعجمي (٤): إنَّك عربيٌّ. (وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِي؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أظهرهما (٥): أنَّه كِنايَةٌ في قَذْفِها (٦)، نَصَّ عليه (٧)؛ لأِنَّ للرجل (٨) أن يُغلِظَ في القول والفِعْلِ لِوَلَدِه. والثَّاني: هو صريحٌ؛ لأِنَّه نَفاهُ عن نَفْسِه، أشْبَهَ نَفْيَ وَلَدِ غَيرِه عن أبِيهِ. فرعٌ: إذا قال: إنْ لم تفعل (٩) كذا فَلَسْتَ ابنَ فُلانٍ؛ فلا حَدَّ؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يتعلَّقُ بالشَّرط، وإنْ قال: لَسْتَ ابنَ فلانة (١٠)؛ عُزِّرَ، نَصَّ عليه (١١)؛ لأِنَّه لم يَقذِفْ أحَدًا بالزِّنى. (وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ)؛ فهو قاذِفٌ في قَولِ أبي بَكْرٍ، وقدَّمه في

стр. 5772

«الرِّعاية»؛ لأِنَّه أضافَ إلَيهِ الزِّنى بصِيغةِ المُبالَغةِ. (أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ)؛ فكذلك في قَولِ القاضي؛ لأِنَّ أزْنَى مَعْناهُ المبالَغة، ففِيهِ الزِّنى وزِيادةٌ. وقَدَّم في «الكافي»: لَا؛ لأِنَّ لَفْظةَ (أفْعَل) تُستَعْمَلُ للمُنفَرِد بالفعل. وقال ابنُ حامِدٍ: لَيسَ بقَذْفٍ إلاَّ أنْ يُريدَه؛ لأِنَّ مَوضُوعَ اللَّفْظِ يَقتَضِي ذلك. مسألةٌ: إذا قال: أنت أزْنَى مِنْ زَيدٍ؛ فقد قَذَفَهما صريحًا، وقِيلَ: كناية (١)، وقِيلَ: لَيسَ بقَذْفٍ لِزَيدٍ، وهو أقْيَسُ. (وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لاِمْرَأَةٍ: يَا زَانِي)؛ فصريحٌ، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِنَّ اللَّفظَ صريحٌ في الزِّنى، وزِيادةُ الهاء وحَذْفُها خَطَأٌ لا يغيِّر (٢) المعْنَى كاللَّحْن، وكفَتْحِ التّاء وكَسْرِها لهما؛ خِلافًا ل «الرِّعاية» في عالِمٍ بعَرَبِيَّةٍ. واخْتارَ ابنُ حامِدٍ - كما (٣) يأتي -: أنَّه لَيسَ بصريحٍ إلاَّ أنْ يُفَسِّرَه به؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ بذلك أنَّه عَلاَّمةٌ في الزِّنى، كما يُقالُ للعالِمِ: عَلاَّمَةٌ. (أَوْ (٤) قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ (٥)؛ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ)؛ لأِنَّ ذلك يُطلَقُ ويُرادُ به زِنَى الفَرْجِ. (وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ (٦)، في ظاهِرِ المذهب في الأخِيرة، لأنَّ (٧)

стр. 5773

زِنَى هذه الأعْضاءِ لا يوجب (١) الحَدَّ؛ لقوله ﵇: «العَينانِ تَزنِيان (٢) وزِناهما النَّظَرُ» (٣). قال في «الشَّرح»: والأَوْلَى أنْ يُرجَعَ إلى تَفْسيرِه، انتهى. وكذا الخِلافُ لو أفْرَدَ، فلو قال: زَنَتْ يدُكَ (٤) فَقَذْفٌ، قاله في «الرِّعاية»، وكذا العَينُ في «التَّرغيب»، وفي «المغْنِي» وغَيرِه: لا. مسألةٌ: إذا قال: يا زانِي ابنَ الزَّانِيَةِ؛ لَزِمَه حدَّان (٥)، فإنْ تَشاحَّا؛ قُدِّمَ حَدُّ الاِبنِ. وعَنْهُ: حَدٌّ واحِدٌ. وقِيلَ: إنْ كانَتْ أُمُّه حَيَّةً؛ فقد قَذَفَها معه، وإنْ كانتْ ميتةً (٦)؛ فقد قَذَفَه وحْدَه. (وَإِنْ قَالَ: زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ - مَهْمُوزًا -؛ فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ (٧)، وأبي (٨) الخَطَّاب، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ عامَّة النَّاس لا يَفْهَمونَ مِنْ ذلك إلاَّ القَذْفَ. (وَقَالَ ابْنُ (٩) حَامِدٍ: إِنْ كَانَ (١٠) يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا)؛ لأِنَّ

стр. 5774

مَعْناهُ في العربيَّة: طَلَعْتَ، وعليهما (١) إنْ قال: أردتُ الصُّعودَ في الجَبَل؛ قُبِلَ. (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ)؛ أيْ: زَنَأْتَ؛ (فَهَلْ هُوَ (٢) صَرِيحٌ، أَوْ كَالتِي قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما: أنَّه صريحٌ (٣)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ مع عَدَمِ القَولِ في الجَبَلِ يَتمَحَّضُ القَذْفُ. وقيل: هو (٤) كالتي (٥) قبلها. أحدُهما: يكُونُ صريحًا في حقِّ (٦) العامِّيِّ والعالِمِ بالعربيَّة. والثَّانِي: الفرقُ بَينَهما. وقِيلَ: لا قَذْفَ. قال في «الفروع»: (ويَتَوَجَّهُ مثلُها لفظةُ: عِلْقٌ، وذَكَرَها شَيخُنا صريحةً (٧)، ومَعْناهُ قَولُ ابنِ رَزِينٍ: كلُّ ما يَدُلُّ عليه عُرْفًا). (وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ لاِمْرَأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِيهِ)؛ أيْ: بشَكْواكِ، (وَغَطَّيْتِ

стр. 5775

وَنَكَّسْتِ (١) رَأْسَهُ)؛ أيْ: حَياءً من النَّاس من ذلك، (وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا)؛ أيْ: أنَّه مُسخَّرٌ لك مُطِيعٌ مُنقادٌ كالثَّور، (وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ)؛ أيْ: مِنْ زَوجٍ آخَرَ، أوْ وطء (٢) شُبهةٍ، (وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ)؛ أيْ: بالنُّشوز؛ أيْ: بالشِّقاق وبمنع (٣) الوَطْء. (أَوْ يَقُولَ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ (٤): يَا حَلَالُ يَا ابْنَ الْحَلَالِ)؛ أنَّه كذلك حقيقةً، (مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَى)، حقيقةُ النَّفْي؛ أيْ: ما أنْتَ بِزانٍ ولا أُمُّكَ زانية (٥). (يَا عَفِيفُ)، كَونُه كذلك حقيقةً، وكذا: يا نظيفُ، يا خَنِيثُ - بالنُّون -، وذَكَرَه بعضُهم بالباء، (أَوْ يَا فَاجِرَةُ)، أيْ: كَونُها مُخالِفةً لزَوجِها فِيما تَجِبُ طاعَتُها فيه، (يَا قَحْبَةُ)، قال السَّعْدِيُّ (٦): قَحَبَ البعيرُ والكَلْبُ: سَعَلَ، وهي في زماننا: المُعدَّةُ للزِّنى، (يَا خَبِيثَةُ (٧)، وهي صِفَةٌ مُشَبَّهةٌ مِنْ خَبُثَ الشَّيءُ، فهو خَبِيثٌ. (أَوْ يَقُولَ لِعَرَبِيٍّ: يَا نَبَطِيُّ)، مَنسوبٌ إلى النَّبَطِ، وهم: قَومٌ يَنزِلُونَ بالبطائح بَينَ العِراقَينِ، (يَا فَارِسِيُّ)، مَنسوبٌ إلى فارِسَ، وهي بِلادٌ معروفةٌ، وأهْلُها الفُرْسُ، وفارِسُ أبوهم (٨)، (يَا رُومِيُّ)، نسبة (٩) إلى الرُّوم، وهو في

стр. 5776

الأصل الرُّومُ بنُ عيصو بنِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ. (أَوْ يَسْمَعَ رَجُلاً يَقْذِفُ رَجُلاً، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ)؛ أيْ: في (١) غَيرِ الإخْبارِ المذكور (٢). (أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ الآْخَرُ)؛ أيْ: مُوافِقٌ للكذب (٣)، أوْ ما أنا بِزَانٍ، أوْ ما أُمِّي بِزانِيَةٍ. (فَهَذَا كِنَايَةٌ إِنْ (٤) فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ)، وعنه: بِقَرِينةٍ ظاهِرَةٍ؛ (قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ غَيرَ الزِّنى كما ذكرناه (٥)، فهو إِذَنْ فسَّرَ الكلامَ بما يَحتَمِلُه، وعَلَيهِ يُعزَّرُ. (وَفِي الآْخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ)، فيُحَدُّ به، اختاره القاضي وجماعةٌ، وذَكَره في «التَّبصرة» عن الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ من حاله أنَّه لم يُرِدْ شَيئًا، فَوَجَبَ حَمْلُها عليه بظاهِرِ الحال وللاستعمال (٦). فعلى هذا: إذا قال: أردتُ هذه الاِحْتِمالاتِ؛ لم يُقبَلْ كالزَّاني. وعَنْهُ: لا يحدُّ (٧) إلاَّ بنيَّةٍ، اختارها أبو بكرٍ وغيرُه. والقَرِينةُ ككِنايَةِ طلاقٍ. وفي «التَّرغيب»: هو قَذْفٌ بنيَّة (٨)، ولا يَحلِفُ مُنكِرُها، ويَلزَمُه الحَدُّ

стр. 5777

باطِنًا، وفي لُزُومِ إظْهارِها وَجْهانِ (١). تنبيهٌ: لا حدَّ بالتَّعريض، كقَولِه: يا حَلالُ ابنَ الحَلالِ، نَصَّ عَلَيهِ في رِوايَةِ حَنبَلٍ (٢)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، واختاره أبو بكرٍ، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ امْرأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، يُعرِّضُ بنفيه، فلم يَلزَمْه بذلك حَدٌّ (٣)، ولأِنَّ اللهَ تعالى أباحَ التَّعريضَ بالخطبة (٤) دُونَ التَّصريح بها. ونَقَلَ الأَثْرَمُ: عَلَيهِ الحَدُّ (٥)، رُوِيَ عن عمرَ (٦) وعُثْمانَ (٧)، وهي أظْهَرُهما، قاله ابنُ هُبَيرةَ. فأمَّا في غَيرِ حالةِ خُصومةٍ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ؛ فلا يكُونُ قَذْفًا.

стр. 5778

(وَإِنْ قَذَفَ (١) أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ) عادةً وعُرْفًا؛ (عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ)؛ لأِنَّه لا عارَ على المقْذُوف بذلك للقَطْعِ بكَذِبِ القاذف، ويُعزَّرُ على ما (٢) أتى به من المعصية والزُّور؛ كما لو سبَّهم بغَيرِ القَذْفِ. وظاهِرُه: أنَّه يُعزَّرُ، ولو لم يَطْلُبْهُ أحَدٌ. وفي «المغْنِي»: لا يَحتاجُ التَّعزيرُ إلى مُطالَبَةٍ. وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يُعزَّرُ حَيثُ لا حَدَّ. مسائلُ: يعزَّر في: يا كافِرُ، يا فاجِرُ، يا حمارُ، يا تَيسُ، يا رافضي (٣)، يا خَبِيثَ البَطْن، أو الفرج (٤)، يا عَدُوَّ الله، يا ظالِمُ، يا كَذَّابُ، يا خائنُ، يا شارِبَ الخَمْر، يا مخنث (٥)، نَصَّ على ذلك (٦). وقِيلَ: فاسِقٌ كِنايَةٌ، ومُخنَّثٌ تعريضٌ. ويُعزَّرُ في: قَرْنانٍ، وقَوَّادٍ، وسَأَلَه حَرْبٌ: عن دَيُّوثٍ، فقال: يُعزَّرُ (٧). وفي «المُبْهِج»: دَيُّوثٌ قَذْفٌ لاِمْرأتِه، ومِثْلُه: كَشْخَانُ (٨)، وقَرْطَبانُ (٩)،

стр. 5779

ويَتوجَّهُ في مَأْبُونٍ (١)؛ كمخنث. وفي «الرِّعاية»: لم أجِدْكِ عَذْراءَ؛ كِنايَةٌ، وأنَّ مَنْ قال لِظالِمٍ ابنِ ظالِمٍ: جَبَرَكَ اللهُ ورَحِمَ سَلَفَكَ؛ يُعزَّرُ، قاله في «الفروع». (وَإِنْ (٢) قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُعزَّرُ (٣)، جزم (٤) به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المقذوفَ رَضِيَ بقَذْفِهِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَ نَفْسَه. والثَّاني: يُحَدُّ؛ لأِنَّ المُوجِبَ له القَذْفُ، وقد وجد (٥)، وقَولُه لا أَثَرَ له؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يُباحُ بالإباحة. وفي «النِّهاية» و «الشَّرح»: هما مَبْنِيَّانِ على الاِخْتِلاف في حَدِّ القَذْفِ؛ هل (٦) هو حقٌّ (٧) لله تعالى فلا (٨) يَسقُطُ بالإذْنِ فيه كالزِّنى، أوْ لآدميٍّ (٩) فيَسقُطُ؛ كما لو أَذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعزَّرُ؛ لأِنَّه فَعَلَ مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه؟ (وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ (١٠): بِكَ زَنَيْتُ، لَمْ تَكُنْ (١١) قَاذِفَةً)؛ لأِنَّها صدَّقَتْه فِيما قال، فلم يَجِبْ حَدٌّ؛ كما لو قالَتْ: صَدَقْتَ.

стр. 5780

(وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا)؛ لأِنَّه يُمكِنُ الزِّنى مِنْها به مِنْ غَيرِ أنْ يكونَ زانِيًا، بأنْ يكونَ قَدْ وَطِئَها بشُبْهةٍ، ولا يَجِبُ عَلَيها حَدٌّ؛ لأِنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ. وإنْ قال: زَنَى بِكِ فُلانٌ؛ فقد قذفهما (١)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وخُرِّجَ فِيها رِوايَتانِ. فَعَلَى أنَّها لم تَقْذِفْه يَتخَرَّجُ: لو أقرَّ بأنَّه زَنَى بامرأةٍ؛ لم يَقذِفْها؛ لاِحْتِمالِ أنَّها مُكرَهَةٌ أو نائمةٌ، وجَزَمَ به في «التَّرغيب» في الزَّوجة. ولو كان قَولُها: أنْتَ أزْنَى مِنِّي، أوْ زَنَيتُ وأنْتَ (٣) أزْنَى مِنِّي؛ فَقَدْ قَذَفَتْهُ، وفي «الرِّعاية» وَجْهٌ. وإنْ قال: يا زانِيَةُ، قالت (٤): بل أنْتَ زانٍ؛ حُدَّا. وعَنْهُ: لا لِعانَ، وتُحَدُّ هي فقط، وهي (٥) سَهْوٌ عِنْدَ القاضي. (وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ)؛ لأِنَّه حقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّي، فلا يَقُومُ فيه غَيرُ المسْتَحِقِّ مَقامَه؛ كالقِصاص. وظاهِرُه: أنَّها إذا ماتَتْ ووُرِثَتْ (٦) حدُّ القَذْف؛ فلِوارِثِه المطالبة (٧) إِذَنْ. (وَإِنْ قُذِفَتْ وهِيَ مَيْتَةٌ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ (٨) كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ حُدَّ
следующие страницы →