← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.

стр. 5776

الأصل الرُّومُ بنُ عيصو بنِ إسْحاقَ بنِ إبراهيمَ. (أَوْ يَسْمَعَ رَجُلاً يَقْذِفُ رَجُلاً، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ)؛ أيْ: في (١) غَيرِ الإخْبارِ المذكور (٢). (أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ الآْخَرُ)؛ أيْ: مُوافِقٌ للكذب (٣)، أوْ ما أنا بِزَانٍ، أوْ ما أُمِّي بِزانِيَةٍ. (فَهَذَا كِنَايَةٌ إِنْ (٤) فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْقَذْفِ)، وعنه: بِقَرِينةٍ ظاهِرَةٍ؛ (قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، قدَّمه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «المغْنِي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ غَيرَ الزِّنى كما ذكرناه (٥)، فهو إِذَنْ فسَّرَ الكلامَ بما يَحتَمِلُه، وعَلَيهِ يُعزَّرُ. (وَفِي الآْخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ)، فيُحَدُّ به، اختاره القاضي وجماعةٌ، وذَكَره في «التَّبصرة» عن الخِرَقِيِّ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ من حاله أنَّه لم يُرِدْ شَيئًا، فَوَجَبَ حَمْلُها عليه بظاهِرِ الحال وللاستعمال (٦). فعلى هذا: إذا قال: أردتُ هذه الاِحْتِمالاتِ؛ لم يُقبَلْ كالزَّاني. وعَنْهُ: لا يحدُّ (٧) إلاَّ بنيَّةٍ، اختارها أبو بكرٍ وغيرُه. والقَرِينةُ ككِنايَةِ طلاقٍ. وفي «التَّرغيب»: هو قَذْفٌ بنيَّة (٨)، ولا يَحلِفُ مُنكِرُها، ويَلزَمُه الحَدُّ

стр. 5777

باطِنًا، وفي لُزُومِ إظْهارِها وَجْهانِ (١). تنبيهٌ: لا حدَّ بالتَّعريض، كقَولِه: يا حَلالُ ابنَ الحَلالِ، نَصَّ عَلَيهِ في رِوايَةِ حَنبَلٍ (٢)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، واختاره أبو بكرٍ، وقاله أكثرُ العلماء؛ لأِنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ امْرأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ، يُعرِّضُ بنفيه، فلم يَلزَمْه بذلك حَدٌّ (٣)، ولأِنَّ اللهَ تعالى أباحَ التَّعريضَ بالخطبة (٤) دُونَ التَّصريح بها. ونَقَلَ الأَثْرَمُ: عَلَيهِ الحَدُّ (٥)، رُوِيَ عن عمرَ (٦) وعُثْمانَ (٧)، وهي أظْهَرُهما، قاله ابنُ هُبَيرةَ. فأمَّا في غَيرِ حالةِ خُصومةٍ، ولا وُجِدَتْ قَرِينةٌ؛ فلا يكُونُ قَذْفًا.

стр. 5778

(وَإِنْ قَذَفَ (١) أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ) عادةً وعُرْفًا؛ (عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ)؛ لأِنَّه لا عارَ على المقْذُوف بذلك للقَطْعِ بكَذِبِ القاذف، ويُعزَّرُ على ما (٢) أتى به من المعصية والزُّور؛ كما لو سبَّهم بغَيرِ القَذْفِ. وظاهِرُه: أنَّه يُعزَّرُ، ولو لم يَطْلُبْهُ أحَدٌ. وفي «المغْنِي»: لا يَحتاجُ التَّعزيرُ إلى مُطالَبَةٍ. وفي «مُختَصَرِ ابنِ رَزِينٍ»: يُعزَّرُ حَيثُ لا حَدَّ. مسائلُ: يعزَّر في: يا كافِرُ، يا فاجِرُ، يا حمارُ، يا تَيسُ، يا رافضي (٣)، يا خَبِيثَ البَطْن، أو الفرج (٤)، يا عَدُوَّ الله، يا ظالِمُ، يا كَذَّابُ، يا خائنُ، يا شارِبَ الخَمْر، يا مخنث (٥)، نَصَّ على ذلك (٦). وقِيلَ: فاسِقٌ كِنايَةٌ، ومُخنَّثٌ تعريضٌ. ويُعزَّرُ في: قَرْنانٍ، وقَوَّادٍ، وسَأَلَه حَرْبٌ: عن دَيُّوثٍ، فقال: يُعزَّرُ (٧). وفي «المُبْهِج»: دَيُّوثٌ قَذْفٌ لاِمْرأتِه، ومِثْلُه: كَشْخَانُ (٨)، وقَرْطَبانُ (٩)،

стр. 5779

ويَتوجَّهُ في مَأْبُونٍ (١)؛ كمخنث. وفي «الرِّعاية»: لم أجِدْكِ عَذْراءَ؛ كِنايَةٌ، وأنَّ مَنْ قال لِظالِمٍ ابنِ ظالِمٍ: جَبَرَكَ اللهُ ورَحِمَ سَلَفَكَ؛ يُعزَّرُ، قاله في «الفروع». (وَإِنْ (٢) قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُعَزَّرُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُعزَّرُ (٣)، جزم (٤) به في «الوجيز»؛ لأِنَّ المقذوفَ رَضِيَ بقَذْفِهِ، أشْبَهَ ما لو قَذَفَ نَفْسَه. والثَّاني: يُحَدُّ؛ لأِنَّ المُوجِبَ له القَذْفُ، وقد وجد (٥)، وقَولُه لا أَثَرَ له؛ لأِنَّ القَذْفَ لا يُباحُ بالإباحة. وفي «النِّهاية» و «الشَّرح»: هما مَبْنِيَّانِ على الاِخْتِلاف في حَدِّ القَذْفِ؛ هل (٦) هو حقٌّ (٧) لله تعالى فلا (٨) يَسقُطُ بالإذْنِ فيه كالزِّنى، أوْ لآدميٍّ (٩) فيَسقُطُ؛ كما لو أَذِنَ في إتْلافِ مالِه، ويُعزَّرُ؛ لأِنَّه فَعَلَ مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه؟ (وَإِنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ (١٠): بِكَ زَنَيْتُ، لَمْ تَكُنْ (١١) قَاذِفَةً)؛ لأِنَّها صدَّقَتْه فِيما قال، فلم يَجِبْ حَدٌّ؛ كما لو قالَتْ: صَدَقْتَ.

стр. 5780

(وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا)؛ لأِنَّه يُمكِنُ الزِّنى مِنْها به مِنْ غَيرِ أنْ يكونَ زانِيًا، بأنْ يكونَ قَدْ وَطِئَها بشُبْهةٍ، ولا يَجِبُ عَلَيها حَدٌّ؛ لأِنَّها لم تُقِرَّ أرْبَعَ مَرَّاتٍ. وإنْ قال: زَنَى بِكِ فُلانٌ؛ فقد قذفهما (١)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وخُرِّجَ فِيها رِوايَتانِ. فَعَلَى أنَّها لم تَقْذِفْه يَتخَرَّجُ: لو أقرَّ بأنَّه زَنَى بامرأةٍ؛ لم يَقذِفْها؛ لاِحْتِمالِ أنَّها مُكرَهَةٌ أو نائمةٌ، وجَزَمَ به في «التَّرغيب» في الزَّوجة. ولو كان قَولُها: أنْتَ أزْنَى مِنِّي، أوْ زَنَيتُ وأنْتَ (٣) أزْنَى مِنِّي؛ فَقَدْ قَذَفَتْهُ، وفي «الرِّعاية» وَجْهٌ. وإنْ قال: يا زانِيَةُ، قالت (٤): بل أنْتَ زانٍ؛ حُدَّا. وعَنْهُ: لا لِعانَ، وتُحَدُّ هي فقط، وهي (٥) سَهْوٌ عِنْدَ القاضي. (وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ؛ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ)؛ لأِنَّه حقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّي، فلا يَقُومُ فيه غَيرُ المسْتَحِقِّ مَقامَه؛ كالقِصاص. وظاهِرُه: أنَّها إذا ماتَتْ ووُرِثَتْ (٦) حدُّ القَذْف؛ فلِوارِثِه المطالبة (٧) إِذَنْ. (وَإِنْ قُذِفَتْ وهِيَ مَيْتَةٌ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ (٨) كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً؛ حُدَّ

стр. 5781

الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الاِبْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا (١)، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)؛ لأِنَّه قدحٌ (٢) في نَسَبِ الحيِّ؛ لأِنَّه بقذف (٣) أُمِّه بِنَسبِه (٤) إلى أنَّه مِنْ زِنًى، ولا يَستَحِقُّ ذلك بطريقِ الإرْث، فلذلك (٥) يُعتَبَرُ الإحْصانُ فيه، ولا يُعتَبَرُ في أمِّه (٦)؛ لأِنَّ القَذْفَ له. وشُرِطَ (٧) فيه الطَّلَب؛ لأِنَّه حقٌّ من الحُقوق، فلا يُسْتَوْفَى بغَيرِ طَلَبِ مُسْتَحِقِّه؛ كسائِرِ الحُقوقِ، وإسْلامِه، وحُرِّيَّتِه؛ لأِنَّ الحَدَّ وَجَبَ للقَدْح في نَسَبِه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيْتَةٍ)، وَذَكَرَه المؤلِّفُ ظاهِرَ المذْهَب في غَيرِ أمَّهاتِه، وقَطَعَ به في «المبْهِج»؛ لأِنَّه قَذْفٌ لِمَنْ لا يَصِحُّ منه المطالَبةُ، أشْبَهَ قَذْفَ المجْنونِ، أوْ يُقالُ: المَيْتةُ لا تُعَيَّرُ، والحَيُّ لم يُقدَحْ فيه، وذلك شُبْهةٌ يُدرَأُ بها (٨) الحَدُّ. والمذْهَبُ الأوَّلُ، أنَّه إذا قُذِفَ (٩) مَيْتٌ مُحصنٌ (١٠) أوْ لا؛ حُدَّ القاذِفُ إذا طالَبَ وارِثٌ محصَنٌ (١١) خاصَّةً (١٢).

стр. 5782

فَعَلَى هذا: لو كان الوارِثُ عَبْدًا أوْ مُشرِكًا (١)؛ فلا حَدَّ. وإنْ قُذِفَتْ جَدَّتُه؛ فَقِياسُ قَولِ الخِرَقِيِّ: أنَّه كَقَذْفِ أُمِّه إنْ كانَتْ حَيَّةً، فيُعتَبَرُ إحْصانُها، ولَيسَ لِغَيرِها المُطالَبةُ، وإنْ كانَتْ مَيْتةً؛ فله المطالَبةُ إذا كان مُحْصَنًا؛ لأِنَّه قَدْحٌ في نَسَبِه. وإنْ قَذَفَ أباهُ، أوْ أحَدًا مِنْ أقارِبِه - غَيرَ أُمَّهاتِه - بَعْدَ موتِه (٢)؛ لم يَجِب الحَدُّ. (وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ؛ سَقَطَ الْحَدُّ) عن القاذِف إذا كان قَبْلَ المطالَبة بالحدِّ، فإنْ كان بَعْدَها؛ قام وارِثُهُ مَقامَه؛ لأِنَّه حقٌّ له، يَجِبُ بالمطالَبة؛ كالرُّجوع فِيما وَهَبَ ولدَه (٣)، وكالشَّفيع. فعلى هذا: هو حقٌّ للوَرَثَة، نَصَّ عليه (٤)، وقِيلَ: سِوَى الزَّوجَينِ، وفي «المغْنِي»: للعَصَبَةِ، وإنْ عَفا بعضُهم حَدَّه الباقِي كامِلاً، وقِيلَ: يَسقُطْ. (وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ ؛ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا)؛ يَعْنِي: أنَّ حدَّه القَتْلُ، ولا تُقبَلُ تَوبَتُه، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ لِمَا في ذلك من التَّعرُّض للقَدْحِ (٦) في النُّبُوَّة الموجِبِ للكُفْرِ. وعَنْهُ: إنْ تابَ لم يُقتَلْ، وقالَهُ أكثرُ العلماء، مُسلِمًا كان أوْ كافِرًا؛ لأِنَّ هذا منه رِدَّةٌ، والمرتَدُّ تَصِحُّ توبته (٧).

стр. 5783

وجَوابُه: أنَّ هذا حَدُّ قَذْفٍ، فلا يسقط (١) بالتَّوبةِ؛ كقذف (٢) غَيرِ أمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، ولأِنَّه لو قُبِلَتْ تَوبَتُه وسَقَطَ حدُّه؛ لكان أخفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحادِ النّاس. قال في «المنثور»: وهذا كافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّه، فيُعايَا بها. فلو كان كافِرًا فأسْلَمَ؛ فأشْهَرُ الرِّوايَتَينِ عَنْهُ: أنَّه لا يَسقُطُ بإسْلامه؛ كقَذْفِ غَيرِها. وعنه: بلى؛ لأِنَّه لو سبَّ اللهَ (٣) في كُفْرِه ثُمَّ أسْلَمَ؛ سَقَطَ عَنْهُ القَتْلُ، ولأِنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَه. والخِلافُ إنَّما هو في سُقُوطِ القتل، فأمَّا فِيمَا بَيْنَه وبَينَ اللهِ تعالَى؛ فمَقْبُولةٌ، وقَذْفُه ﵇ كقَذْفِ أُمِّه، ويَسقُطُ سبُّه بالإسلام كَسَبِّ الله تعالى. فرعٌ: قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: قَذْفُ نسائِه كَقَدْحِه (٤) في دِينِه، وإنَّما لم يقتلهم (٥)؛ لأِنَّهم تكلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِه ببراءتِها (٦)، وأنَّها مِنْ أُمَّهاتِ المؤمِنِينَ؛ لِإمْكانِ المُفارَقَةِ، فيخرُجُ بها مِنْهُنَّ، وتحلُّ (٧) لغَيرِه، وقِيلَ: لا، وقيلَ: في (٨) غَيرِ مَدخُولٍ بها (٩).

стр. 5784

وسَأَلَه حَرْبٌ: رَجُلٌ افْترَى على رَجُلٍ، فقال: يا ابْنَ كذا وكذا إلى آدَمَ وحَوَّاءَ!، فعَظَّمَه جِدًّا، وقال عن الحَدِّ: لم يَبلُغْنِي فيه شَيءٌ، وذَهَبَ إلى حَدٍّ واحِدٍ (١). (وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ)، يُتصَوَّرُ منهم الزِّنى؛ (فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبُوا أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ)، ثُمَّ لا حَدَّ، نَقَلَه الجماعةُ (٢)، وهو المشهورُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ … (٤)﴾ الآيةَ [النُّور: ٤]، لم يُفرِّقْ بَينَ قَذْفِ واحِدٍ أوْ جَماعةٍ، ولأنَّ (٣) الحدَّ إنَّما وَجَبَ بإدْخالِ المعرَّةِ على المقْذُوفِ بقَذْفِه، وبحدٍّ (٤) واحِدٍ يَظهَرُ كَذِبُ هذا القاذِفِ، وتَزُولُ المعرَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يُكتَفَى (٥) به، بخِلافِ ما إذا قَذَفَ كلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فإنَّ كَذِبَه في قَذْفٍ لا يلزم (٦) منه كَذِبُه في الآخَر، ولا تَزُولُ المعرَّةُ. فإنْ طَلَبوهُ، أوْ واحِدٌ مِنهُمْ؛ أُقِيمَ الحَدُّ؛ لأِنَّ الحقَّ ثابِتٌ لهم على سبيلِ البَدَل، فأيُّهم طَلَبَ واسْتَوْفَى؛ سَقَطَ، ولم يكُنْ لغَيرِه الطَّلَبُ به؛ كحقِّ المرأة على أوليائها (٧) في تَزْويجِها، وإنْ أسقطه (٨) أحدُهم؛ فلِغَيرِه المُطالَبةُ به.

стр. 5785

(وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ (١)؛ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا)؛ لأِنَّه إذا طالب (٢) واحِدٌ أوَّلاً (٣)؛ لَزِمَ إقامةُ الحدِّ مِنْ أجله (٤)، ثمَّ (٥) إذا طلب (٦) الآخَرُ؛ لزم (٧) أيضًا. وعَنْهُ: لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وقالَهُ أبو ثَورٍ وابنُ المنْذِرِ؛ لأِنَّه قَذَفَ كلَّ واحِدٍ منهم، فَلَزِمَه له حدٌّ كامِلٌ. وعَنْهُ: إنْ قَذَفَ امْرأتَه وأجْنَبِيَّةً؛ تَعدَّدَ الواجِبُ هنا، اخْتارَهُ القاضي وغَيرُه، كما لو لَاعَنَ امْرأتَه. فإن قال (٨): يا ناكِحَ أُمِّه؛ الرِّواياتُ. ونَصَّ فِيمَنْ قال لرجُلٍ: يا ابْنَ الزَّانِيَةِ: يُطالِبُه، قِيلَ: إنَّما أراد أُمَّه؛ قال ألَيْسَ قد قال له؟ هذا قصدٌ (٩) له (١٠). (وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ؛ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا) على الأصحِّ؛ كالدُّيون والقِصاص. وعَنْهُ: إنْ طالبوا (١١) مُجْتَمِعِين فَحَدٌّ واحِدٌ، وإلاَّ تَعَدَّدَ.

стр. 5786

وعنه: حَدٌّ واحد (١) مُطلَقًا؛ كما لو (٢) سَرَقَ مِنْ جماعةٍ، أوْ زَنَى بِنِساءٍ، أوْ شَرِبَ أنَواعًا من المسْكِرِ. فلو قال: يا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ؛ فهو قَذْفٌ لهما بكلمةٍ واحدةٍ، فإنْ كانا مَيِّتَينِ؛ ثَبَتَ الحقُّ لِولَدِهما، ولم يَجبْ إلاَّ حَدٌّ واحِدٌ. وإنْ قال: يا زَانِي ابْنَ الزَّانِي؛ فهو قَذْفٌ لهما بكَلِمَتَينِ، فإنْ كان أبوهُ حيًّا؛ فلِكُلٍّ منهما حَدٌّ، وإنْ كان مَيتًا؛ فالظَّاهِرُ في المذْهَبِ: أنَّه لا يَجِبُ الحَدُّ بقَذْفِه. (وَإِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَأَعَادَهُ؛ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ)، في قَولِ عامَّتهم؛ لأِنَّه حُدَّ به مرة (٣)، فلم يُحَدَّ به ثانيةً، بخِلافِ السَّرِقةِ. وعُلِمَ منه: أنَّه (٤) إذا تعدَّدَ قَذْفُه ولم يُحَدَّ؛ فَحَدٌّ واحِدٌ، رِوايَةً واحدةً، نَصَّ عَلَيهِ (٥). وقِيلَ: يَتعدَّدُ. وإنْ أعادَهُ بَعْدَ لِعانِه؛ فنَقَلَ حَنبَلٌ: يُحَدُّ (٦)، اخْتارَهُ أبو بكرٍ، والمذْهَبُ: يُعزَّرُ، وعَلَيهِما: لا لِعانَ. وقدَّم في «التَّرغيب»: يُلاعَنُ، إلاَّ أنْ يَقذِفَها بِزِنًى لَاعَنَ عليه مرَّةً، واعْتَرَفَ أوْ قامت البيِّنةُ. واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ: يُلاعَنُ؛ لِنَفْيِ تعزيرٍ.

стр. 5787

ولو قَذَفَها بِزِنًى آخَرَ بَعْدَ حدِّه؛ فرِوايات (١)، ثالِثُها: يُحَدُّ مع طُولِ الفَصْلِ. فرعٌ: إذا تاب مِنْ زِنًى؛ حُدَّ قاذِفُه، وقِيلَ: يُعزَّرُ، واختار في «التَّرغيب»: يُحَدُّ بِزِنًى جديدٍ؛ لِكَذِبِه يقينًا، بخِلافِ مَنْ سَرَقَ عَينًا ثانيةً، فإنَّه وُجِدَ منه ما وُجِدَ في الأَوَّلَة. وإنْ قَذَفَ مَنْ أقرَّتْ به مرَّةً، وفي «المبهج»: أرْبَعًا، أوْ شَهِدَ به اثْنانِ، أوْ شَهِدَ به أربعةٌ بالزِّنى؛ فلا لِعانَ ويُعزَّرُ، وفي «المستوعب»: لَا. مسألةٌ: لا يُشترَطُ (٢) لصحَّةِ توبةٍ (٣) مِنْ قَذْفٍ وغِيبةٍ ونحوِهما: إعْلامُه والتَّحلُّلُ منه، وحرَّمه القاضِي والشَّيخُ عبدُ القادِرِ، ونَقَلَ مُهَنَّى: لا يَنبَغِي أنْ يُعْلِمَه، قال الشَّيخُ تقيُّ الدين (٤): والأَشْبَهُ أنَّه يَختَلِفُ (٥). وعَنْهُ: يُشتَرَطُ. وقِيلَ: إنْ عَلِمَ به المظلومُ، وإلاَّ دَعا له واسْتَغْفَرَ، ولم يُعْلِمْه. وظاهِرُه: أنَّه لو أصْبَحَ، وتصدَّقَ بِعِرْضِه على النَّاس؛ لم يَمْلِكْه، ولم يُبَحْ، ولا يَصِحُّ إسْقاطُ الحقِّ قَبْلَ وُجودِ سَبَبِه، وإذْنُه في عِرْضِه؛ كإِذْنِه في قذفه (٦)، وهي كإذْنِه في دَمِهِ ومالِهِ.

стр. 5788

(بَابُ حَدِّ المُسْكِرِ) المسْكِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِنْ: أسْكَرَ الشَّرابُ فهو مُسكِرٌ، إذا جَعَلَ صاحِبَه سَكْرانَ، أو كان (١) فيه قُوَّةٌ تفعَلُ ذلك (٢). قال الجَوهَرِيُّ: السَّكْرانُ خِلافُ الصَّاحِي، والجَمْعُ: سَكْرَى، وسكارى؛ بضمِّ السِّين وفَتْحِها، والمرأةُ: سَكْرَى، ولُغَة بَنِي أَسَدٍ: سَكْرانَةٌ (٣). وهو مُحرَّمٌ بالإجماع (٤)، وما نُقِلَ عن (٥) قُدامَةَ بنِ مَظْعونٍ وعمرو (٦) بن مَعْدِي كَرِبَ، وأبي جَنْدَلِ بنِ سهيل (٧) أنَّها حلالٌ فمَرْجوعٌ عنه (٨)، نَقَلَه المؤلِّفُ.

стр. 5789

وسَنَدُه: قَولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ … (٩٠)﴾ الآيات [المَائدة: ٩٠]، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ في حديثِ ابنِ عمرَ: «كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»، وفي لفظٍ: «كلُّ مُسكِرٍ خمر (١)، وكلُّ خَمْرٍ حرامٌ» رواهما مُسلِمٌ (٢). (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ» رواه أبو داود، وابنُ ماجَهْ، والتِّرمذِيُّ وحسَّنه (٣). (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: أنَّ عمرَ قال على منبر (٤) النَّبيِّ ﷺ : «أمَّا بعدُ، أيُّها النَّاسُ! إنَّه (٥) نَزَلَ تحريمُ الخمر، وهي مِنْ خمسةٍ: مِنْ العِنَب، والتَّمر، والعَسَل، والحِنْطَة، والشَّعِير، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦). وأباحَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ مِنْ نَقِيعِ التَّمْر إذا طُبِخَ ما دُونَ السُّكْر، قال الخَلاَّلُ: فُتياه على قَولِ أبي حَنِيفَةَ (٧)، قال الإمامُ أحمدُ: (ليس (٨) في

стр. 5790

الرُّخْصة حديثٌ صحيحٌ) (١)، وقال ابنُ المنْذِر: (جاء أهلُ الكُوفَة بأحاديثَ مَعْلُولةٍ) (٢). وقيلَ: إنَّ خَبَرَ ابنِ عبَّاسٍ، أنَّه ﵇ قال (٣): «حُرِّمَتِ الخَمْرُ لِعَينِها، والسُّكْرُ مِنْ كلِّ شَرابِه»؛ مَوقُوفٌ عَلَيهِ (٤)، مع أنَّه يَحتَمِلُ أنَّه أراد بالسُّكْر المُسْكِر مِنْ كلِّ شَرابٍ. (وَيُسَمَّى (٥) خَمْرًا)؛ لقوله ﵇: «كلُّ مُسكِرٍ خَمْرٌ» (٦)؛ لأِنَّ الخمرَ ما خامَرَ العَقْلَ؛ أيْ: غَطَّاهُ وسَتَرَهُ، وهذا مَوجُودٌ في كلِّ مُسكِرٍ. وحُكْمُ عصيرِ غَيرِ العِنَب كحُكْمِه، رُوِيَ عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مَسْعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وسَعْدٍ، وأُبَيٍّ، وأَنَسٍ، وعائشةَ (٧)، وهو قَولُ الأكْثَرِ.

стр. 5791

وقال أبو حَنِيفَةَ: عَصِيرُ العِنَب إذا طُبِخَ وذهب (١) ثُلُثاه، ونَقِيعُ التَّمْر والزَّبِيب إذا طُبِخَ ولم يَذْهَبْ ثُلُثاهُ، ونَبِيذُ الحِنطة والشَّعير نَقِيعًا كان أوْ غَيرَه حلالٌ، إلاَّ ما بَلَغَ السُّكْرَ (٢). وجَوابُه: ما رَوَتْ عائشةُ مرفوعًا: «ما أسْكَرَ الفَرَقُ مِنهُ؛ فملء (٣) الكفِّ منه حرامٌ» رواه أحمدُ، وسعيدٌ، وأبو داودَ، والتِّرمذِيُّ وحسَّنَه، وإسْنادُه ثِقاتٌ (٤). وظاهِرُه: يقتضي (٥) أنَّ الحَشِيشةَ لا تُسكِرُ، لكِنْ قَولُه: «كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» يَقتَضِي أنَّها تُسْكِرُ، قال في «الفَتاوَى المِصْرِيَّة»: (الحَشِيشَةُ المسكرة (٦) حرامٌ، وإنَّما (٧) توقَّفَ بعضُ الفُقهاء في الحدِّ؛ لأِنَّه ظَنَّ أنَّها تُغَطِّي العَقْلَ كالبَنْجِ، والصَّحيحُ أنَّها تُسْكِرُ، وإنَّما كانَتْ نَجِسَةً بخِلافِ البَنْج وجَوزَةِ الطِّيب؛ لأِنَّها تُسْكِرُ بالاِسْتِحالةِ، كالخمر يُسْكِرُ بالاِسْتِحالة، والبَنْجُ يُغَيِّبُ العَقْلَ ويسكر (٨)

стр. 5792

بغَيرِ (١) الاِسْتِحالة، كجَوزَةِ الطِّيب) (٢). (وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَّذَةِ)؛ فلِعُمومِ «ما أسْكَرَ كثيره (٣) فقليلُه حَرَامٌ» (٤). (وَلَا لِلتَّدَاوِي)؛ لِمَا رَوَى وائلُ بنُ حُجْرٍ: أنَّ طارِقَ بنَ سويد (٥) الجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن الخَمْر، فنَهاهُ، أوْ كَرِهَ له أنْ يَصْنَعَها، فقال: إنَّما أصْنَعُها للدواء (٦)، فقال: «إنَّه لَيسَ بدَواءٍ، ولكِنَّه داءٌ» رواه مُسلِمٌ (٧)، وقال ابن مسعودٍ: «إنَّ اللهَ لم (٨) يَجعَلْ شفاءَكم (٩) فيما حرَّم عَليكُم (١٠)» رواه البخاريُّ (١١)، ورواه أحمدُ مِنْ حديثِ حَسَّانَ بنِ مُخارِقٍ، عن أمِّ سَلَمَةَ مرفوعًا، وصحَّحه ابنُ حِبَّانَ (١٢)، ولأِنَّه يَحرُمُ لِعَينِه، فلم يَحِلَّ شُرْبُه للتَّداوِي؛ كلَحْمِ الخِنزيرِ.

стр. 5793

(وَلَا لِعَطَشٍ (١)؛ لأِنَّه لا يُذهِبُه، ولا (٢) يُزِيلُه، ولا يَدفَعُ مَحْذورَه، فَوَجَبَ بقاؤه على تحريمه؛ عملاً (٣) بالأدلَّة المقْتَضِيَةِ لذلك، مع سَلامَتِه من المعارِضِ. (إِلاَّ لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غَصَّ بِهَا، فَيَجُوزُ) تَناوُلُه إذا لم يَجِدْ غَيرَه وخافَ التَّلَفَ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البَقَرَة: ١٧٣]، ولأِنَّ حِفْظَ النَّفس مَطلُوبٌ، بدليلِ أنَّه تباح (٤) الميتة عِنْدَ الاِضْطِرارِ إلَيهَا، وهو مَوجُودٌ هُنا، فَوَجَبَ جَوازُه؛ تحصيلاً لحفظ (٥) النَّفْس المطْلُوبِ حِفْظُها. ويُقدِّمُ عَلَيهِ بَولاً، ويُقدِّمُ عَلَيهِما ماءً نَجِسًا. (وَمَنْ شَرِبَهُ) وهو مُكلَّفٌ، (مُخْتَارًا، عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ)، وظاهِره: أنَّه إذا لم يَعلَمْ فلا حَدَّ عليه، وهو قَولُ عامَّتِهم، وكذا إذا ادَّعَى الجَهالةَ بإسْكارِ غَيرِ الخَمْرِ، أوْ تَحريمِه، أوْ بِوُجُودِ الحدِّ به (٦)، ومِثْلُه يجهل (٧)؛ صُدِّقَ ولم يُحَدَّ. وكذا إذا شَرِبَها مُكْرَهًا؛ لِحِلِّه له. وعَنْهُ: لا تَحِلُّ له، اختاره أبو بكرٍ. وفي حدِّه رِوايَتانِ، والظَّاهِرُ أنَّهما مَبْنِيَّانِ على حِلِّه له (٨) وعَدَمِه. والصَّبْرُ أفْضَلُ، نَصَّ عَلَيهِ (٩)، وكذا كلُّ ما جاز فِعْلُه للمُكرَهِ، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه.

стр. 5794

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: يرخِّص (١) أكثرُ العُلَماء فِيمَا يُكرَهُ عَلَيهِ من المحرَّمات لِحَقِّ الله تعالَى؛ كأكْلِ الميْتَةِ، وشُرْبِ الخمر، وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ (٢). (قَلِيلاً كَانَ) ما شَرِبَه (أَوْ كَثِيرًا؛ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ (٣)، وقد ثَبَتَ أنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وعَلِيًّا جَلَدُوا شارِبَها (٤)، ولأِنَّ القليلَ خمرٌ، فيَدخُلُ في العُموم، ولأنَّه (٥) شَرابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبةٌ (٦)، فَوَجَبَ الحَدُّ به كالكثير.

стр. 5795

ويَلحَقُ بذلك: ما لو احْتَقَنَ بها (١) في المنصوص (٢)، كما لو اسْتَعط، أوْ عَجَنَ به دقيقًا فأكله (٣)، ونَقَلَ حنبلٌ: أوْ تَمَضْمَضَ؛ حُدَّ (٤)، وذكره (٥) في «الرِّعاية» قَولاً، وهو غَرِيبٌ. وفي «المستوعب»: إنْ وَصَلَ جَوفَه؛ حُدَّ. وفي «عُيونِ المسائل»: يَثبُتُ بعَدْلَينِ يَشهَدانِ أنَّه شرب (٦) مُسْكِرًا، ولا يستفسرهما (٧) الحاكم عمَّا شَرِبَ؛ لأِنَّ كلَّ مُسْكِرٍ (٨) يُوجِبُ الحَدَّ، فدلَّ أنَّه إن (٩) لم يَرَهُ الحاكِمُ مُوجِبًا؛ استفسرهما (١٠). (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِإجماعِ الصَّحابة؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ عمرَ اسْتَشارَ النَّاس في حَدِّ الخمر (١١)، فقال عبدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلْه كأَخَفِّ الحُدودِ ثَمانِينَ، فَضَرَبَه عمر ثمانِينَ، وكتَبَ به إلى خالد بن الوليد (١٢) وأبي عُبَيدةَ بالشَّام» (١٣)، ورُوِيَ أنَّ

стр. 5796

عَلِيًّا قال في (١) المَشُورَةِ: «إذا سَكِرَ هذى، وإذا هذى افْتَرَى، وعلى المفْتَرِي ثَمانُونَ» رواهُ الجُوزَجانِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ (٢). وجوَّزها (٣) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين للمَصْلَحَة، وأنَّه الرِّوايَةُ الثانية (٤). (وَعَنْهُ: أَرْبَعُونَ إِنْ كَانَ حُرًّا)، اختاره أبو بكرٍ والمؤلِّفُ وغَيرُهما؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ جَلَدَ الوليدَ بنَ عقبة (٥) أرْبَعِينَ، ثُمَّ قال: «جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أرْبَعِينَ، وأبو بكرٍ أرْبَعِينَ، وعمر (٦) ثَمانِينَ، وكلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أحبُّ إليَّ» رواه مُسلِمٌ (٧). لا يُقالُ: فِعْلُ عمرَ كان بمَحضَرٍ من الصَّحابة، فيكونُ إجْماعًا؛ لأنَّ (٨) فِعْلَه ﵇ حُجَّةٌ لا يَجُوزُ تَرْكُه لِفِعْلِ غَيرِه، ولا يَنعَقِدُ الإجماعُ مع مُخالَفَةِ أبي بكرٍ وعليٍّ، بل يَحتَمِلُ أنَّ عمرَ فَعَلَ الزِّيادةَ على أنَّها تعزيرٌ، يَجُوزُ فِعْلُها إذا رآها الإمامُ، و «ضَرَبَ عليٌّ النجَاشِيَّ بشربه (٩) في رَمَضانَ ثمانِينَ، ثُمَّ حَبَسَه، ثُمَّ عِشْرينَ من الغَدِ» (١٠)،

стр. 5797

نَقَلَ صالِحٌ: أذْهَبُ إلَيهِ (١). ونَقَلَ حنبلٌ: يُغلَّظُ عليه (٢)؛ كَمَنْ قَتَلَ في الحَرَم. واختار (٣) أبو بكرٍ: يُعزَّر بعشرةٍ فأقلَّ. وفي (٤) «المغْنِي»: عزَّرَه بعِشْرينَ لِفِطْره. (وَالرَّقِيقُ) عبدًا كان أوْ أَمَةً؛ (عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ)؛ كالزِّنى والقَذْفِ، فكذا من (٥) شَرِبَ الخمر مِنْ بابِ أَوْلَى، فعَلَى الأولى (٦): يُحَدُّ أربعينَ، وعلى الثانية (٧): عِشْرينَ، صرَّح به في «المغْنِي» و «الشَّرح». (إِلاَّ الذِّمِّيَّ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ)؛ لأِنَّه يَعتَقِدُ حِلَّه، فلم يَجِبْ بفِعْلِه؛ كنِكاحِ المجوس (٨) ذواتِ محارمِهم (٩). والثَّانيةُ: بَلَى، لأِنَّه شَرِبَ مُسكِرًا عالِمًا به مُخْتارًا، أشْبَهَ شارِبَ النَّبيذ إذا اعْتَقَدَ حِلَّه (١٠)، قال في «المحرَّر»: وعِنْدِي يُحَدُّ إنْ سكر (١١)، وإلاَّ فَلَا. والمذْهَبُ خِلافُه، قال في «البُلْغة»: ولو رَضِيَ بحُكْمِنا؛ لأِنَّه لم يَلتَزِم الاِنْقِيادَ في مُخالَفَةِ دِينِه.

стр. 5798

(وَهَلْ يَجِبُ الحَدُّ (١) بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): أظْهَرُهما: لا يَجِبُ، وقدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية» و «الفروع»، وهو قَولُ أكثرِ العُلَماء، فعلى هذا: يُعزَّرُ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، واخْتارَهُ الخَلاَّلُ، كحاضِرٍ مع مَنْ يَشربُها (٣)، نَقَلَه أبو طالِبٍ (٤). والثَّانِيَةُ: أنَّه يُحَدُّ، قال ابنُ أبي موسى في «الإرشاد»: وهي الأظْهَرُ عنه، رُوِيَ عن عمرَ (٥) وابنِ مَسْعودٍ (٦)؛ لأِنَّ الرَّائحةَ تَدُلُّ على شُرْبِه لها، فجَرَى مَجْرَى الإقرارِ. قال في «الشَّرح»: والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّ الرَّائحةَ يَحتَمِلُ أنَّه تَمَضْمَضَ بها، أوْ ظَنَّها ماءً، أوْ أَكَلَ نَبِقًا تالفًا (٧)، أوْ شَرِبَ شَرابَ تُفَّاحٍ؛ فإنَّه يكُونُ منه كرائحة الخمر، والحَدُّ يُدرَأ بالشُّبهة. فائدةٌ: يُستَعْمَلُ لقَطْعِ رائحة الخَمْر: الكُسْفُرةُ، وعِرْقُ البَنَفْسَجِ، والثُّوم، وما أشْبَهَ ذلك ممَّا له رائحةٌ قَوِيَّةٌ.

стр. 5799

فرعٌ: إذا وُجِدَ سَكْرانَ أوْ تَقَيَّأَ الخمرَ؛ فعَنْهُ: لا حَدَّ، قال بعضُهم: وهي الأظهر (١). وعَنْهُ: بَلَى على الثَّانية التي يحدَّ (٢) بالرَّائحة؛ لِفِعْلِ عُثْمانَ، وهو بمَحْضَرٍ من الصَّحابة، رواهُ مُسْلِمٌ (٣). تنبيهٌ: لا يَثبُتُ الحَدُّ إلاَّ بأَحَدِ شَيئَينِ: إمَّا البيِّنةُ العادِلَةُ، أو الإقْرارُ، ويَكْفِي مرَّةً؛ كحَدِّ القَذْفِ. وعَنْهُ: مرَّتَينِ، نَصَرَه القاضي وأصحابُه، وجَعَلَ أبو الخَطَّاب بقيَّةَ الحُدودِ بمرَّتَينِ. وفي «عُيونِ المسائل» في حَدِّ الخَمْر: بمَرَّتَينِ، وإنْ سلَّمْنا؛ فَلأِنَّه لا يَتضَمَّنُ إتْلافًا، بخِلافِ حدِّ السَّرِقة. ولم يُفرِّقُوا بَينَ حَدِّ القَذْف وغَيرِه إلاَّ بأنَّه حقُّ آدَمِيٍّ كالقَوَد، فدلَّ على روايةٍ فيه، وهذا مُتَّجِهٌ، قالَهُ في «الفروع». (وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ)، زاد بعضُهم: بلياليها (٤)؛ (حَرُمَ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَشرَبُه إلى مساءِ ثالِثَةٍ، ثُمَّ يأمُرُ به فيُسقَى (٥) الخَدَم أوْ يهراق (٦)» رواهُ مُسْلِمٌ (٧). وحَكَى أحمدُ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال في (٨) العصيرِ: «أَشْرَبُه ما لم يَأخُذْه

стр. 5800

شيطانه (١)» (٢)، قال: وفي أَخْذِهِ له في (٣) ثلاثٍ، قال أحمدُ: فإذا أتى عَلَيهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فلا تَشْرَبْه (٤)، ولأِنَّ الشِّدَّةَ تَحصُلُ في ثَلاثٍ غَالِبًا. (إِلاَّ أَنْ يُغْلَى قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمُ (٥)، نَصَّ عَلَيْهِ (٦)، إذا غَلَى العَصيرُ وقَذَفَ بَزَبَدِه؛ فلا خِلافَ في تحريمه؛ لصحَّة إطْلاقِ الخَمْر عَلَيهِ. وعَنْهُ: إذا غَلَى أَكْرَهُه وإن (٧) لم يُسكِرْ، فإذا أسْكَرَ فحرامٌ. وعنه: الوَقْفُ فِيمَا نَشَّ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا)؛ لقوله ﵇: «اشْرَبُوا في كلِّ وِعاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسكِرًا» (٨)، ولأِنَّ علَّة (٩) التَّحريم: الشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ، وذلك في المسْكِر لا غَيرِه، وأجاب عن إطْلاقِ أحمدَ: بأنَّ المرادَ عَصِيرٌ يَتَخَمَّرُ في ثلاثٍ غالِبًا. فرعٌ: إذا طُبِخَ منه قَبْلَ التَّحريم؛ حلَّ إنْ ذَهَبَ ثُلُثاهُ وبَقِيَ ثُلُثُه، نَقَلَه الجماعةُ (١٠)، وذَكَرَه أبو بكرٍ إجماعَ المسلمين. قال أبو داودَ: سَأَلْتُ أحمدَ عن شُرْبِ الطِّلَاء، فقال: إذا ذَهَبَ ثُلُثاهُ وبَقِيَ

стр. 5801

ثلثه (١)، فقال: لا بَأْسَ، قال: يقولون (٢): إنَّه يُسكِرُ، فقال (٣): لا، لو كان يُسكِرُ ما أحلَّه عمرُ (٤). وجعل أحمد (٥) وَضْعَ زبيبٍ في خَرْدَلٍ كعصيرٍ، وأنَّه إنْ صُبَّ فيه خَلٌّ أُكِلَ (٦). (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْمَاءِ تَمْرًا (٧) أوْ زَبِيبًا وَنَحْوَه لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ)؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّه ﵇ كان يُنبَذُ له الزَّبِيبُ فيَشْرَبُه» (٨)، (مَا لَمْ يَشْتَدَّ أَوْ تَأْتِ (٩) عَلَيْهِ

стр. 5802

ثَلَاثٌ) تمامٌ، نَصَّ عليه (١)، ولأِنَّه إذا بَلَغَ ذلك صار مُسْكِرًا. ونَقَلَ ابنُ الحَكَم: إذا نَقَعَ زبيبًا (٢) أوْ تمرًا (٣) هِندِيًّا أوْ عِنَّابًا ونحوَه لدواءٍ (٤) غَدْوةً ويَشْرَبُه عَشِيَّةً، وبالعكس: هذا نبيذٌ أكْرَهُه، ولكِنْ يَطبُخُه ويَشْرَبُه على المكان (٥)، فهذا لَيسَ بِنَبِيذٍ. فإنْ غَلَى العِنَبُ وهو عِنَبٌ؛ فلا بأْسَ به، نَقَلَه أبو داودَ (٦). فرعٌ: إذا سَكِرَ مِنْ النَّبِيذ؛ فَسَقَ، وكذا إنْ شَرِبَ قليلَه (٧) على الأصحِّ. (وَلَا يُكْرَهُ الاِنْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ)، وهي القَرْعَةُ اليابِسةُ المَجْعُولةُ وِعاءً، (وَالْحَنْتَمِ)، وهي جِرارٌ مَدْهونَةٌ، واحِدَتُها: حَنْتَمةٌ، (وَالنَّقِيرِ (٨)، وهو أصْلُ النَّخلة يُنقَرُ، ثُمَّ يُنبَذُ فيه التَّمرُ، فَعِيل (٩) بمَعْنى مَفعُولٍ، (وَالمُزَفَّتِ)، وهو الوِعاءُ المَطْلِيُّ بالزفت (١٠)، نَوعٌ من القَارِ؛ لِمَا رَوَى بُرَيدةُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اشْرَبُوا في كلِّ وِعاءٍ، غَيرَ أنْ لا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رواهُ مسلم (١١). (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ)، قال الخَلاَّلُ: وعَلَيها العَمَلُ؛ لِمَا في «الصَّحيحَينِ»: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن الاِنْتِباذِ فيها» (١٢).

стр. 5803

وعَنهُ: يَحرُمُ، ذَكَرَها في «الهَدْي» (١). والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ دليلَه ناسِخٌ. وعَنْهُ: وغَيرِه من الأوعيةِ، إلاَّ سِقاءً يُوكَى حَيثُ بَلَغَ الشَّرابَ. (وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْبِذَ (٢) شَيْئَيْنِ؛ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ)، أوْ المُذنِّب (٣) وحْدَه، نَقَلَه الجماعةُ (٤)؛ لِمَا رَوَتْ عائشةُ قالت: «كنَّا نَنْبذُ لرسول الله ﷺ ، فنَأخُذُ قَبْضةً من تمرٍ، وقَبْضةً مِنْ زبيبٍ، فنَطْرَحُها فيه، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيهِ الماءَ، فنَنبذُه غُدْوةً، فيَشرَبُهُ عَشِيَّة، ونَنبذُه عَشِيَّةً، فيَشْرَبُه غُدْوةً» رواه أبو داودَ وابنُ ماجَهْ (٥). فلمَّا كانَتْ مُدَّةُ الانتباذ (٦) قريبةً، وهي يومٌ أوْ لَيلةٌ، لا يُتَوَهَّمُ الإسْكارُ فيها، فعلى هذا: لا يُكرَه، ويُكرَه إذا كان في مدَّةٍ يَحتَمِلُ إفْضاؤه إلى الإسْكار؛ لأِنَّه ﵇ نَهَى عن الخَلِيطَينِ (٧)، وأدنى (٨) أحْوالِ النَّهي الكراهةُ.

стр. 5804

وعَنْهُ: يَحرُمُ، اختاره في «التَّنبيه»؛ لِمَا رَوَى أبو قَتادةَ، قال: «نَهَى رسولُ الله ﷺ أنْ يُجمَعَ بَينَ التَّمْر والزَّهْو، والتَّمر والزَّبيب، ولْيُنْبَذْ كلُّ واحِدٍ منهما على حِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١). وعَنْهُ: لا يُكرَه، اختاره في «التَّرغيب»، واخْتارَه في «المغْنِي» ما لم يَحتَمِلْ إسْكارُه، قال القاضِي: هو (٢) حرامٌ إذا اشْتَدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسكِرْ لم يَحرُمْ، وهذا هو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالَى. (وَلَا بَأْسَ بِالفُقَّاعِ (٣)؛ أيْ: يُباحُ، ولا أعْلَمُ فيه خِلافًا (٤)؛ لأِنَّه لا يُسكِرُ، ويَفسُدُ إذا بَقِيَ، ولَيسَ المقصودُ منه الإسْكارَ، وإنَّما يُتَّخَذُ لِهَضْمِ الطَّعام، وصدق الشهوة (٥). وعَنْهُ: يُكرَه. وعَنْهُ: يَحرُمُ، ذَكَرَها في «الوسيلة». والمذْهَبُ الأوَّلُ. وسُئِلَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين عن شُرْبِ الأقسماء (٦)، فأجاب: بأنَّها إذا كانَتْ مِنْ زبيبٍ فقطْ؛ فإنَّه يُباح شُرْبُها ثلاثةَ أيَّامٍ ما لم تشتدَّ (٧) باتِّفاق العلماء، أمَّا ما كان من خَلِيطَينِ يُفْسِدُ أحدُهما الآخَرَ؛ فهذا فيه نِزاعٌ، فلو وَضَعَ فيه ما (٨)

стр. 5805

يُحَمِّضُه؛ كالخَلِّ واللَّيمون، كما يُوضَعُ في الفُقَّاع المُشذَّب (١)؛ فهذا يَجوزُ شُرْبُه مُطلَقًا، فإن حُموضَتَه تَمنَعُه أنْ يَشْتَدَّ (٢). واللهُ أعلم (٣).

стр. 5806

(بَابُ التَّعْزِيرِ) التَّعزيرُ في اللُّغة: المَنْعُ، يُقال: عَزَّرْتُه؛ أيْ: مَنَعْتُه، ومنه سُمي (١) التَّأديبُ، ولأِنَّه يَمنَعُ مِنْ تَعاطِي القَبِيحِ، ومِنْهُ: التَّعزيرُ بمَعْنَى النُّصرة؛ لأِنَّه مَنْعٌ لِعَدُوِّه مِنْ أَذاهُ. وقال السَّعْدِيُّ: يُقالُ: عَزَّرْتُه وَوَقَّرْتُه، وأيْضًا: أدبته (٢)، وهو من الأضْداد (٣)، وهو طريقُ إلى التَّوقير؛ لأِنَّه إذا امْتَنَعَ به وصُرِفَ عن الدَّناءة حَصَلَ له الوَقارُ والنَّزاهةُ. (وَهُوَ التَّأْدِيبُ)، فبَيانٌ لِمَعْنَى التَّعزير، وفَسَّرَه في «المغني»: بالعقوبة (٤) المشروعة على جِنايَةٍ لا حَدَّ فيها، وهو (٥) قريبٌ مِمَّا ذَكَرَه هُنا، قالهُ ابنُ المنَجَّى، وفيه نَظَرٌ. (وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ)، وكذا ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز» وغَيرِهما من كُتُب الأصْحاب، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦): إنْ عَنَى به فِعْلَ المحرَّماتِ وتَرْكَ الواجِبات فاللَّفْظُ جامِعٌ، وإنْ عَنَى فِعْلَ المحرَّمات فَقَطْ، فغَيرُ جامِعٍ، بل التَّعْزيرُ على تَرْكِ الواجبات (٧) أيْضًا، ولأِنَّ المعصيَةَ تَفْتَقِرُ إلى ما يَمنَعُ من فِعْلِها، فإذا لم (٨) يَجِبْ فيها حَدٌّ ولا كفَّارةٌ؛

стр. 5807

وَجَبَ أنْ يُشرَعَ فيها التَّعْزيرُ؛ لتَحَقُّقِ المانِعِ مِنْ فِعْلِها. وفي «الشَّرح»: هو واجِبٌ إذا رآهُ الإمامُ فِيمَا شُرِعَ فيه التعزير (١). وعَنْهُ: يُعزَّرُ المكلَّفُ نَدْبًا، نَصَّ عليه في (٢) تعزيرِ رقيقه على معصيةٍ وشاهِدِ زُورٍ (٣). وفي «الواضِحِ»: في وُجوبِ التَّعزِيرِ رِوايَتانِ، والأَشْهَرُ كما ذكره (٤) المؤلِّفُ ونَصَّ عَلَيهِ (٥) الإمامُ في سبِّ صحابي (٦)؛ كحدٍّ، وكحقِّ (٧) آدَمِيٍّ طَلَبَه. وقَولُنا: (ولا كفَّارةَ فيه (٨) فائدتُه في الظِّهار وشِبْهِ العَمْد، لكِنْ يُقالُ: يَجِبُ التَّعزيرُ فيه؛ لأِنَّ الكفَّارةَ حقُّ الله تعالَى بمنزلةِ الكَفَّارةِ في الخَطَأ، لَيسَتْ لأِجْلِ الفِعْل، بل (٩) بَدَلَ النَّفْس الفائتة (١٠)، فأمَّا (١١) نَفْسُ الفِعْل المحرَّمِ الذي هو الجِنايَةُ؛ فلا كفَّارةَ فيه. ويَظهَرُ هذا: بما لو جَنَى عَلَيهِ فلم يُتلِفْ شَيئًا؛ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ، ولا كَفَّارةَ، ولو أتْلَفَ بلا جِنايَةٍ مُحرَّمةٍ؛ لَوَجَبَت الكَفَّارةُ بلا تَعْزيرٍ، وإنَّما الكفَّارةُ في شِبْهِ العَمْدِ بمَنزِلَةِ الكَفَّارة على المُجامِع في الصِّيام والإحرام، لا في

стр. 5808

اليمينِ الغَمُوس إنْ وَجَبَت الكفَّارةُ؛ لاِخْتِلافِ سَبَبِها؛ لأِنَّ سَبَبَ الكَفَّارة الحِنْثُ، ويَمِينُ الغَموسِ كَذْبَةٌ نُزِّلَ مَنزِلَةِ الحِنْثِ، وسَبَبُ التَّعزير شَيءٌ آخَرُ، وهو إقْدامُه على الحَلِف كَذِبًا. وحاصِلُه: أنَّ ما كان من التَّعزير مَنصوصًا عَلَيهِ؛ وَجَبَ، وما لم يَكُنْ، ورَأَى الإمامُ المصلحةَ فيه؛ وجب (١) كالحدِّ، وإنْ رَأَى العَفْوَ؛ جاز للأخبار، وإنْ كان لِحَقِّ آدَمِيٍّ فَطَلَبَه؛ لَزِمَه إجابَتُه. وفي «الكافي»: يَجِبُ التَّعزِيرُ في مَوضِعَينِ وَرَدَ الخَبَرُ فيهما (٢)، وما عَداهُما إلى اجْتِهادِ الإمامِ. فإنْ جاء تائبًا معترفًا (٣)، قد (٤) أظْهَرَ النَّدَمَ والإقْلاعَ؛ جاز تَرْكُ تَعْزِيرِه، وإلاَّ وَجَبَ، وقال القاضِي ومَن تَبِعَه: إلاَّ (٥) إذا شَتَمَ نَفْسَه أوْ سَبَّها، ولا يَحتاجُ إلى مُطالَبَةٍ. (كَالاِسْتِمْتَاعِ الذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ)؛ لأِنَّه ﵇ جَعَلَه سَيِّئةً. (وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ)؛ لِقَولِه ﵇: «إذا أَتَت المرأةُ المرأةَ؛ فهُما زَانِيَتانِ» (٦). (وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ)؛ لِدُخُولِه في قَولِه ﵇: «لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسلِمٍ إلاَّ عَنْ طِيبِ نَفْسِه» (٧).

стр. 5809

(وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ)؛ لأِنَّه تعدٍّ على الغَيرِ (١)، أشْبَهَ التي فيها القِصاصُ. لا يُقال: القِياسُ يَقتَضِي مَشْروعِيَّةَ القِصاص في ذلك أيضًا، والتَّقديرُ خِلافُه؛ لأنَّه (٢) تعذَّر القِصاصُ لِمَعْنًى يختصُّ (٣) به، وهو لا يَمنَعُ من ثُبوتِ الحُرْمة؛ لأِنَّ الجِنايَةَ تَقتَضِي الإيجابَ مُطلَقًا، تُرِك (٤) العَمَلُ به لِمَا ذَكَرْنا، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقْتَضاهُ. (وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى)؛ بأنْ يَرْمِيَه بالكَذِبِ أوْ بالفِسْقِ. فَعَلَى هذا: إنْ تَشاتَمَ اثْنانِ؛ عُزِّرا، ويَحتَمِلُ عَدَمَه، فَدَلَّ أنَّ ما رآه تعيَّن (٥)، فلا يُبطِلُه غَيرُه، وأنَّه يَتعَيَّنُ قَدْرُ تَعْزِير عينه. (وَنَحْوِهِ)، رُوِيَ عن عليٍّ أنَّه سُئِلَ عن قَولِ الرجل (٦) لآِخَرَ: يا خَبِيثُ، قال (٧): «هو فاسِقٌ، فيه تعزيرٌ» (٨). وهذا كلُّه مَعصِيَةٌ لله تعالى؛ لأِنَّه إمَّا جِنايَةٌ على الشَّرع، أو على آدَمِيٍّ،

стр. 5810

والجِنايَةُ على الآدَمِيِّ عَمْدًا محرَّمة (١)، وفاعِلُها مُقْدِمٌ على مُخالَفةِ الله تَعَالَى بأذى (٢) المسْلِمِينَ، فيَكُونُ واجِبًا كالحدِّ. (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ الْحدُّ)؛ لحديثِ النُّعمانِ بنِ بشير وهو أميرٌ على الكوفة (٣)، ولأِنَّه وَطْءٌ في فرجٍ (٤) في غَيرِ عَقْدٍ ولا ملْكٍ، فَوَجَبَ عَلَيهِ الحَدُّ؛ كوَطْءِ أَمَةِ غَيرِ زَوجَتِه، (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَيُجْلَدُ مِائَةً)، ولا رَجْمَ ولا تَغْرِيبَ؛ لِمَا رَوَى أحمدُ وأبو داودَ وغَيرُهما عن حبيبِ بنِ سالِمٍ: أنَّ رجلاً يُقالُ له: عبدُ الرَّحمن بنُ حُنَينٍ وَقَعَ على جارِيَةِ امْرَأَتِه، فَرُفِعَ إلى النُّعمان بنِ بَشِيرٍ، وهو أميرٌ على الكُوفَةِ، فقال: «لأقضينَّ فِيكَ بقَضاءِ رسولِ الله ﷺ ، إنْ كانَتْ أحلَّتْها لك جَلَدْتُك مِائَةً، وإنْ لم تكُنْ أحَلَّتْها لَكَ؛ رَجَمْتُكَ»، قال الترمذي (٥): سألتُ مُحمَّدًا عنه، فقال: أنا أتَّقي (٦) هذا الحديثَ (٧)، وقال الخَطَّابِيُّ: لَيسَ بمُتَّصِلٍ (٨)، وقال غَيرُه: رجالُه ثِقاتٌ، إلاَّ حبيبَ بنَ سالِمٍ، قال البخاريُّ: فيه نَظَرٌ، وقد رَوَى له مُسلِمٌ، وَوَثَّقَه أبو حاتِمٍ (٩).

стр. 5811

وعَنْهُ: يُعزَّرُ مِائَةً إلاَّ سَوطًا. وعَنْهُ: يُعزَّرُ بِعَشْرٍ. (وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (١): يَلحَقُه، جَزَمَ بها (٢) في «الوجيز»؛ كوَطْءِ الجارِيَةِ المشْتَرَكَةِ. والثَّانِيَةُ: لا يَلْحَقُه الولدُ، نَقَلَه الجماعةُ (٣)، قال أبو بكرٍ: العَمَلُ عَلَيهِ، لأِنَّه وَطْءٌ لا في ملك (٤) ولا شُبهةِ ملْكٍ، أشْبَهَ الزِّنى المحْضَ. وقال الشّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ ظنَّ (٥) جَوازَه لَحِقَه، وإلاَّ فروايتان فيه وفي (٦) حَدِّه (٧). وعنه: يَحَدُّ، فلا يَلحَقُه؛ لعدم (٨) حِلِّها، ولو ظَنَّ حِلَّها، نَقَلَه مُهَنَّى (٩). (وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِبَاحَةِ)؛ لِعمُومِ النُّصوص الدَّالَّةِ على وُجوبِ الحَدِّ

стр. 5812

على الزَّانِي، (فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ)، وهو إباحةُ الزوجة أمتَها (١) لِزَوْجِها، وإنَّما سَقَطَ الحَدُّ هنا؛ لحديثِ النُّعمانِ. تنبيهٌ: نَقَلَ المَيمُونِيُّ فِيمَنْ زَنَى صغيرًا؛ لم يَرَ عَلَيهِ شَيئًا (٢)، ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ في صَبِيٍّ قال لِرَجُلٍ: يا زَانِي: لَيسَ قَولُه شَيئًا (٣)، وكذا في «التَّبصرة» أنَّه لا يُعزَّرُ. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: أنَّ غَيرَ المكلَّفِ كالصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، يُعاقَبُ على الفاحِشَةِ تَعزِيرًا بَلِيغًا، وكذا المجْنونُ يُضرَبُ على ما فَعَل لينزجر (٤)، لكِنْ لا عُقوبَةَ بقَتْلٍ أوْ قَطْعٍ (٥). وفي «الواضح»: مَنْ بَلَغَ عَشْرًا صلَحَ (٦) تأديبُه (٧) في (٨) تَعزيِرٍ على طَهارةٍ وصلاة (٩)، ومِثْلُه زِنًى، وهو ظاهِرُ كلامِ القاضي، وظاهِرُ ما نَقَلَه الشَّالَنْجِيُّ في الغِلْمان يَتَمَرَّدُونَ: لا بَأْسَ بضَرْبِهم (١٠). وأمَّا القِصاصُ؛ مِثْلَ أنْ يَظْلِمَ صَبِيٌّ صَبِيًّا، أوْ مَجْنونٌ مَجْنونًا، أوْ بهيمةٌ بهيمةً (١١)؛ فيُقْتَصُّ للمَظْلومِ من الظَّالِمِ وإنْ لم يكُنْ في ذلك زَجْرٌ عن

стр. 5813

المسْتَقْبَلِ، لكِن لاشتفاء (١) المظْلُومِ وأخْذِ حقِّه. قال في «الفروع»: فيتوجَّه أنْ يُقالَ: يُفعَلُ ذلك، ولا يَخْلُو عَنْ رَدْعٍ وزَجْرٍ، وأمَّا في الآخرة فإنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ ذلك للعَدْلِ بَينَ خَلْقه، قال (٢) ابنُ حامِدٍ: القِصاصُ بَينَ البهائم والشَّجَرِ والعِيدانِ؛ جائزٌ شَرْعًا بإيقاعِ مِثْلِ ما كان في الدُّنيا (٣)، وكما قال أبو محمَّدٍ البربهاري (٤) في القِصاص من الحَجَرِ: لِمَ نَكَبَ (٥) إصبع الرّجل؟ (٦) قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: القِصاصُ مُوافِقٌ لِأُصولِ الشَّريعة (٧). (وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى») مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ أبِي بُرْدَةَ (٨)، ونَصَّ عَلَيهِ أحمد (٩) في مَواضِعَ (١٠)، وجَزَمَ به في «الوجيز».

стр. 5814

والمرادُ عِنْدَ الشَّيخ تقيِّ الدِّين: إلاَّ في مُحرَّمٍ لِحَقِّ الله تعالى (١). وعَنْهُ: بتسعٍ (٢)، قال بعضُهم: ولا وَجْهَ له. وعَنْهُ: لا يُبلَغُ به الحَدُّ، جَزَمَ به الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «المذْهَبِ» و «المحرَّر»، فيَحْتَمِلُ أنَّه أَدْنَى حدٍّ مَشْروعٍ، وهو قَولُ الأكثرِ، ويَحتَمِلُ أنْ لا يَبلُغَ بكلِّ جِنايَةٍ حَدًّا مَشْروعًا في جِنْسِها، ويَجُوزُ أنْ يَزِيدَ على حَدِّ غَيرِ جِنْسِها. (وَعَنْهُ: مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ؛ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِمَا (٣)؛ كجارِيةِ ولده (٤)، أوْ أَحَدِ أبَوَيهِ، والمحرَّمةِ بِرضاعٍ، ومَيْتةٍ عالِمًا بتحريمه؛ (ضُرِبَ مِائَةً)؛ لِمَا سَبَقَ مِنْ حديثِ النُّعمان في وَطْءِ جارِيَةِ امْرأتِه بإذنها (٥)، فيتعدَّى إلى وَطْءِ أمتِه المشْتَرَكةِ والمزوَّجةِ؛ لأنَّهما (٦) في مَعْناهَا، وعن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أنَّ عمرَ قال في أَمَةٍ بين رَجُلَينِ وَطِئَها أحدُهما: «يُجلَدُ الحدَّ إلاَّ سَوطًا» رواه الأَثْرَمُ، واحتجَّ به أحمدُ (٧). والمذهب (٨) كما قاله (٩) القاضي؛ أنَّه لا يُزادُ على عشرٍ (١٠) فأقلَّ، إلاَّ في

стр. 5815

وَطْءِ أَمَةٍ مُشتَرَكةٍ، فيُعزَّرُ حرٌّ (١) بمِائَةٍ إلاَّ سَوطًا، نَقَلَه الجماعةُ (٢)، وما عَداهُ مُبْقًى على العُمومِ؛ لحديثِ أبي بردةَ، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وهذا قَولٌ حَسَنٌ. (وَيَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْيُ)؛ أيْ: يُضرَبُ مِائَةَ جَلْدَةٍ بلا (٣) نَفْيٍ. وله نَقْصُه، ويُرجَعُ في أقله (٤) إلى اجْتِهادِ الإمام. مع أنَّه اخْتارَ طائفةٌ من أصحابنا: أنَّه يُقتَلُ للحاجة، وأنَّه يُقتَلُ مبتدِعٌ (٥) داعِيَةٌ، ونَقَلَه إبراهيمُ بن سعيد (٦) الأَطْرُوشُ (٧) في الدُّعاة من الجَهْميَّةِ (٨). وعن أحمدَ: وكذا كل وَطْءٍ في فَرْجٍ، وهي أشْهَرُ عِنْدَ جَماعةٍ. وعنه (٩): أوْ دُونَه، نَقَلَه يعقوبُ (١٠)، جَزَمَ به في «المُذهب» و «المحرَّر» وغيرُهما، واحْتَجَّ بأنَّ عَلِيًّا وَجَدَ رجلاً مع امرأةٍ في لِحافِها، فضَرَبَه مِائَةً (١١)، والعبدُ بخَمْسِينَ إلاَّ سَوطًا. (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً) إذا قُلْنا: إنَّه لا يُحَدُّ، بل يُعزَّرُ؛ لأِنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ، أشْبَهَ وَطْءَ أَمَةِ امْرأتِه.
следующие страницы →