← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

وعَنْهُ: يُعزَّرُ مِائَةً إلاَّ سَوطًا. وعَنْهُ: يُعزَّرُ بِعَشْرٍ. (وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (١): يَلحَقُه، جَزَمَ بها (٢) في «الوجيز»؛ كوَطْءِ الجارِيَةِ المشْتَرَكَةِ. والثَّانِيَةُ: لا يَلْحَقُه الولدُ، نَقَلَه الجماعةُ (٣)، قال أبو بكرٍ: العَمَلُ عَلَيهِ، لأِنَّه وَطْءٌ لا في ملك (٤) ولا شُبهةِ ملْكٍ، أشْبَهَ الزِّنى المحْضَ. وقال الشّيخُ تقيُّ الدِّين: إنْ ظنَّ (٥) جَوازَه لَحِقَه، وإلاَّ فروايتان فيه وفي (٦) حَدِّه (٧). وعنه: يَحَدُّ، فلا يَلحَقُه؛ لعدم (٨) حِلِّها، ولو ظَنَّ حِلَّها، نَقَلَه مُهَنَّى (٩). (وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِبَاحَةِ)؛ لِعمُومِ النُّصوص الدَّالَّةِ على وُجوبِ الحَدِّ

стр. 5812

على الزَّانِي، (فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ)، وهو إباحةُ الزوجة أمتَها (١) لِزَوْجِها، وإنَّما سَقَطَ الحَدُّ هنا؛ لحديثِ النُّعمانِ. تنبيهٌ: نَقَلَ المَيمُونِيُّ فِيمَنْ زَنَى صغيرًا؛ لم يَرَ عَلَيهِ شَيئًا (٢)، ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ في صَبِيٍّ قال لِرَجُلٍ: يا زَانِي: لَيسَ قَولُه شَيئًا (٣)، وكذا في «التَّبصرة» أنَّه لا يُعزَّرُ. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ: أنَّ غَيرَ المكلَّفِ كالصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، يُعاقَبُ على الفاحِشَةِ تَعزِيرًا بَلِيغًا، وكذا المجْنونُ يُضرَبُ على ما فَعَل لينزجر (٤)، لكِنْ لا عُقوبَةَ بقَتْلٍ أوْ قَطْعٍ (٥). وفي «الواضح»: مَنْ بَلَغَ عَشْرًا صلَحَ (٦) تأديبُه (٧) في (٨) تَعزيِرٍ على طَهارةٍ وصلاة (٩)، ومِثْلُه زِنًى، وهو ظاهِرُ كلامِ القاضي، وظاهِرُ ما نَقَلَه الشَّالَنْجِيُّ في الغِلْمان يَتَمَرَّدُونَ: لا بَأْسَ بضَرْبِهم (١٠). وأمَّا القِصاصُ؛ مِثْلَ أنْ يَظْلِمَ صَبِيٌّ صَبِيًّا، أوْ مَجْنونٌ مَجْنونًا، أوْ بهيمةٌ بهيمةً (١١)؛ فيُقْتَصُّ للمَظْلومِ من الظَّالِمِ وإنْ لم يكُنْ في ذلك زَجْرٌ عن

стр. 5813

المسْتَقْبَلِ، لكِن لاشتفاء (١) المظْلُومِ وأخْذِ حقِّه. قال في «الفروع»: فيتوجَّه أنْ يُقالَ: يُفعَلُ ذلك، ولا يَخْلُو عَنْ رَدْعٍ وزَجْرٍ، وأمَّا في الآخرة فإنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ ذلك للعَدْلِ بَينَ خَلْقه، قال (٢) ابنُ حامِدٍ: القِصاصُ بَينَ البهائم والشَّجَرِ والعِيدانِ؛ جائزٌ شَرْعًا بإيقاعِ مِثْلِ ما كان في الدُّنيا (٣)، وكما قال أبو محمَّدٍ البربهاري (٤) في القِصاص من الحَجَرِ: لِمَ نَكَبَ (٥) إصبع الرّجل؟ (٦) قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: القِصاصُ مُوافِقٌ لِأُصولِ الشَّريعة (٧). (وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى») مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ أبِي بُرْدَةَ (٨)، ونَصَّ عَلَيهِ أحمد (٩) في مَواضِعَ (١٠)، وجَزَمَ به في «الوجيز».

стр. 5814

والمرادُ عِنْدَ الشَّيخ تقيِّ الدِّين: إلاَّ في مُحرَّمٍ لِحَقِّ الله تعالى (١). وعَنْهُ: بتسعٍ (٢)، قال بعضُهم: ولا وَجْهَ له. وعَنْهُ: لا يُبلَغُ به الحَدُّ، جَزَمَ به الخِرَقِيُّ، وقدَّمه في «المذْهَبِ» و «المحرَّر»، فيَحْتَمِلُ أنَّه أَدْنَى حدٍّ مَشْروعٍ، وهو قَولُ الأكثرِ، ويَحتَمِلُ أنْ لا يَبلُغَ بكلِّ جِنايَةٍ حَدًّا مَشْروعًا في جِنْسِها، ويَجُوزُ أنْ يَزِيدَ على حَدِّ غَيرِ جِنْسِها. (وَعَنْهُ: مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ؛ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِمَا (٣)؛ كجارِيةِ ولده (٤)، أوْ أَحَدِ أبَوَيهِ، والمحرَّمةِ بِرضاعٍ، ومَيْتةٍ عالِمًا بتحريمه؛ (ضُرِبَ مِائَةً)؛ لِمَا سَبَقَ مِنْ حديثِ النُّعمان في وَطْءِ جارِيَةِ امْرأتِه بإذنها (٥)، فيتعدَّى إلى وَطْءِ أمتِه المشْتَرَكةِ والمزوَّجةِ؛ لأنَّهما (٦) في مَعْناهَا، وعن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أنَّ عمرَ قال في أَمَةٍ بين رَجُلَينِ وَطِئَها أحدُهما: «يُجلَدُ الحدَّ إلاَّ سَوطًا» رواه الأَثْرَمُ، واحتجَّ به أحمدُ (٧). والمذهب (٨) كما قاله (٩) القاضي؛ أنَّه لا يُزادُ على عشرٍ (١٠) فأقلَّ، إلاَّ في

стр. 5815

وَطْءِ أَمَةٍ مُشتَرَكةٍ، فيُعزَّرُ حرٌّ (١) بمِائَةٍ إلاَّ سَوطًا، نَقَلَه الجماعةُ (٢)، وما عَداهُ مُبْقًى على العُمومِ؛ لحديثِ أبي بردةَ، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وهذا قَولٌ حَسَنٌ. (وَيَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْيُ)؛ أيْ: يُضرَبُ مِائَةَ جَلْدَةٍ بلا (٣) نَفْيٍ. وله نَقْصُه، ويُرجَعُ في أقله (٤) إلى اجْتِهادِ الإمام. مع أنَّه اخْتارَ طائفةٌ من أصحابنا: أنَّه يُقتَلُ للحاجة، وأنَّه يُقتَلُ مبتدِعٌ (٥) داعِيَةٌ، ونَقَلَه إبراهيمُ بن سعيد (٦) الأَطْرُوشُ (٧) في الدُّعاة من الجَهْميَّةِ (٨). وعن أحمدَ: وكذا كل وَطْءٍ في فَرْجٍ، وهي أشْهَرُ عِنْدَ جَماعةٍ. وعنه (٩): أوْ دُونَه، نَقَلَه يعقوبُ (١٠)، جَزَمَ به في «المُذهب» و «المحرَّر» وغيرُهما، واحْتَجَّ بأنَّ عَلِيًّا وَجَدَ رجلاً مع امرأةٍ في لِحافِها، فضَرَبَه مِائَةً (١١)، والعبدُ بخَمْسِينَ إلاَّ سَوطًا. (وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً) إذا قُلْنا: إنَّه لا يُحَدُّ، بل يُعزَّرُ؛ لأِنَّه وَطْءٌ في فَرْجٍ، أشْبَهَ وَطْءَ أَمَةِ امْرأتِه.

стр. 5816

(وَغَيْرُ الوَطْءِ (١) لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الحُدُودِ (٢)؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيرِ حَدٍّ؛ فهو من المعْتَدِينَ» (٣)، وكَتَبَ عمرُ إلى أبي مُوسَى: «لا يُبلَغُ بالتَّعزير أدْنَى الحدود» (٤). تنبيهٌ: التَّعزيرُ يكُونُ بضَرْبٍ، وحَبْسٍ، وتَوْبِيخٍ، وقِيلَ: في حقِّ (٥) الله تعالى وحدَه، ولا يَقطَعُ عضوًا (٦)، ولا يَجرَحُه، ولا يَأخُذُ مالَه، وإنْ عَفَا عنه مُسْتَحِقُّ الحَدِّ؛ سَقَطَ معه التَّعزيرُ، وإنْ عَفَا مُسْتَحِقُّ التَّعْزير؛ لم يَسقُطْ. فائدةٌ: مَنْ عُرِف بأذَى النَّاس حتَّى بعَيْنِه؛ حُبس (٧) حتَّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ، قال القاضي: للوالي فِعْلُه، وفي «التَّرغيب»: للإمام حَبْسُ العائنِ، قال بعضُهم: ولا يَبعُدُ أنْ يُقْتَل (٨) إذا كان يَقتُلُ بها غالِبًا، وفِيهِ نَظَرٌ. (وَمَنِ اسْتَمْنَى (٩) بِيَدِهِ لِغَيْرِ (١٠) حَاجَةٍ)؛ حَرُمَ، و (عُزِّرَ)؛ لأِنَّه مَعصِيَةٌ،

стр. 5817

ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]، ولحديثٍ رواهُ الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ في «جُزْئِه» (١). وعَنْهُ: يُكرَهُ تنزيهًا، نَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ: لا يُعجِبُنِي بلا (٢) ضرورةٍ (٣)، قال مُجاهِدٌ: «كانُوا يأمرون (٤) فِتْيانَهم يَسْتِعِفُّونَ به» (٥). وعَنْهُ: يَحرُمُ مُطلَقًا، ونَقَلَه البَغَوِيُّ في «تفسيره» عن أكثرِ العلماء (٦). (وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ لأِنَّه لو فَعَلَ ذلك خَوفًا على بَدَنِه لم يَلزَمْه شَيءٌ، فَفِعْلُه خَوفًا على دِينِه أَوْلَى، ويَجُوزُ في هذه الحال (٧). وهذا (٨) إذا لم يَقْدِرْ على نِكاحٍ ولو أَمَةً، نَصَّ عليه. وعنه: يُكرَهُ. والمرأةُ كالرَّجُل، فتستعمل (٩) شَيئًا مِثْلَ الذَّكَرِ. ويَحتَمِلُ المنْعَ وعَدَمَ القِياسِ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 5818

فرعٌ: لو اضْطُرَّ إلى جِماعٍ، ولَيسَ مَنْ يُباحُ وَطْؤُها؛ حَرُمَ الْوَطْءُ اتِّفَاقًا (١).

стр. 5819

(بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ) وهو ثابِتٌ بالإجماع (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المَائدة: ٣٨]، ولقوله ﵇ في حديثِ عائشةَ: «تُقْطَعُ اليَدُ في رُبُعِ دِينارٍ فَصَاعِدًا» (٢)، إلى غَيرِه من النصوص (٣). (وَلَا يَجِبُ) القَطْعُ (إِلاَّ بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ)، يَأْتِي حُكْمُها. (أَحَدُهَا: السَّرِقة)؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى أوْجَبَ القَطْعَ على السَّارِق، فإذا لم تُوجَدِ السَّرِقةُ؛ لم يَكُنْ الفاعل (٤) سارِقًا. (وَهِيَ: أَخْذُ الْمَالُ)؛ أي: المحتَرَمِ، (عَلَى وَجْهِ الاِخْتِفَاءِ)، هذا بَيانٌ لمعْنَى السرقة (٥)، ومنه: اسْتِراقُ السَّمْع، ومسارَقَةُ النظر (٦)، إذا كان يستخفي (٧) بذلك. وشَرْطُه: أنْ يكونَ عالِمًا به (٨) وبتحريمه، من مالِكِه أوْ نائِبِه، نَصَّ عَلَيهِ (٩)، وفي «الانتصار»: ولو بكَونِه في يَدِه ولم يَعلَمْ أنَّه ملْكُه، والأصحُّ: ولو من (١٠) غَلَّةِ وَقْفٍ، ولَيسَ مِنْ مُسْتَحِقِّه، وهو مُكلَّفٌ مُختارٌ، وعَنْهُ: أو مُكرَهٌ.

стр. 5820

(وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ)؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ مرفوعًا قال: «لَيسَ على المُنْتَهِبِ قَطْعٌ» رواهُ أبو داودَ (١). (وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ)؛ لقَولِه ﵇: «لَيسَ عَلَى المختلس والخَائِنِ (٢) قَطْعٌ» رواهُ أبو داودَ والتِّرْمذِيُّ، وقال: لم يَسمَعْهُ ابنُ جُرَيجٍ من أبي الزُّبَيرِ (٣)، ولأِنَّ الاِخْتِلاسَ نَوعٌ من النَّهب، وإذا لم يَجِبْ على الخائنِ والمخْتَلِسِ؛ فالغاصب أَوْلَى. وقال إيَّاسُ بنُ مُعاوِيَةَ: يُقطَعُ؛ لأِنَّه يستخفي (٤) بأخْذِه، فيَكونُ سارِقًا. والمنقولُ عن عُلَماء الأمصار (٥) خِلافُه؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيسَ على خائِنٍ، ولا مُنتَهِبٍ، ولا مُختَلِسٍ قَطْعٌ» رواه أحمدُ، والنَّسائيُّ،

стр. 5821

والتِّرمذِيُّ وصحَّحَه، والدارقطني (١)، وإسْنادُه ثِقاتٌ، وقال (٢) أبو داودَ: بَلَغَنِي عن أحمدَ بنِ حَنبَلٍ: أنَّ ابنَ جُرَيجٍ إنَّما (٣) سَمِعَه مِنْ ياسِينَ الزَّيَّاتِ (٤). (وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ)، وِفاقًا (٥)؛ لِعُمومِ قَولِه: «لا قَطْعَ على خائنٍ»؛ لأِنَّه لَيسَ بسارِقٍ، (وَلَا عَارِيَةٍ)، ولا غَيرِها من الأمانات، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦). (وَعَنْهُ: يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَةِ (٧)، نصَّ عَلَيهِ في رِوايَةِ صالِحٍ، وعبدِ الله، والكَوْسَجِ، والخُوارَزْمِيِّ (٨)، وأبي طالِبٍ، وابنِ مَنصورٍ (٩)، وجَزَمَ بها ابنُ هُبَيرةَ وصاحِبُ «الوجيز»، ونَصرَها القاضي في «الخلاف»؛ لِمَا رَوتْ عائشةُ: «أنَّ امرأةً كانَتْ تَسْتَعِيرُ المتاع وتَجْحَدُه، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَطْعِ يَدِها» رواه مُسلِمٌ (١٠)، قال أحمدُ: لا أعرف (١١) شَيئًا يَدفَعُه (١٢)، وقال (١٣) في رِوايَةِ

стр. 5822

المَيمُونِيِّ: هو حُكْمٌ من النَّبيِّ ﷺ ، لَيسَ يَدفَعُه شَيءٌ. والأُولى (١) أصحُّ، والمرأةُ إنَّما قُطِعَتْ يَدُها لِسَرِقَتِها، لا لِجُحودِها، بدليل قَولِه ﵇: «إذا سَرَقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكوهُ، وإذا سَرَقَ فيهم الضَّعيفُ أقامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، والذي نفسي بِيَدِه لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمَّدٍ سَرَقَتْ؛ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (٢)، وإنَّما عرَّفَتْها عائشةُ بجَحْدِها العاريةَ؛ لِشُهْرَتِها بذلك، وفِيمَا ذكرناه (٣) مُوافَقةٌ لِظَاهِرِ الأحاديث (٤)، والقِياسِ، وفقهاء (٥) الأمصار (٦)، فيكونُ أَوْلَى. (وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ الذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ) أوْ غيره (٧)، (وَيَأْخُذُ مِنْهُ)، هذا هو الأشهر (٨)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه أكثرُ الأصحاب؛ لأنَّه (٩) أخْذُ مالِ غَيرِه على وَجْهِ الاِخْتِفاء، أشْبَهَ السارق (١٠)، وسَواءٌ بَطَّ ما أخَذَ منه، أوْ قَطَعَه فأَخَذَه، فعلى (١١) هذا: لو بطَّ جَيبَه، فسَقَطَ منه نِصَابٌ، فَأَخَذَه؛ قُطِعَ، نَصَّ عَلَيهِ (١٢). (وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ) لأِنَّه لا يُسَمَّى: سارِقًا؛ كالمختلِس.

стр. 5823

(فَصْلٌ) (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالاً)؛ لأِنَّ ما لَيسَ بمالٍ لا حُرْمَةَ له، فلم يَجِبْ به قَطْعٌ، والأحاديثُ دالَّةٌ على ذلك، مع أنَّ غَيرَ المال لا يُساوِي المالَ، فلا يُلحَقُ به. لا يُقالُ: الآيةُ مُطْلَقةٌ؛ لأِنَّ الأخبارَ مُقَيَّدةٌ به، فيُحمَلُ المطْلَقُ على المقيَّد. فَعَلَى هذا: لا يُقطَعُ بسَرِقةِ كَلْبٍ وإنْ كان مُعلَّمًا؛ لأِنَّه لَيسَ بمالٍ، ولا بِحُرٍّ لِمَا يَأْتِي. (مُحْتَرَمًا)؛ لأِنَّه إذا لم يكُنْ كذلك - كَمالِ الحَرْبِيِّ - تجوز (١) سَرِقَتُه بكلِّ طريقٍ، وجَوازُ الأخْذِ منه يَنفِي وُجوبَ القَطْعِ. (سَوَاءٌ (٢) كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ (٣) إِلَيْهِ الْفَسَادُ؛ كَالفَاكِهَةِ (٤) وَالبِطِّيخِ (٥)، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا؛ كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينِ؛ كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ)؛ لِعُمومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المَائدة: ٣٨]، ولقوله ﵇ في الثَّمَر: «مَنْ سَرَقَ منه (٦) شَيئًا فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فَفِيهِ القَطْعُ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، مِنْ حديثِ عَمْرِو بنِ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه (٧).

стр. 5824

ورَوَى مالِكٌ، عن عبدِ الله (١) بنِ أبي بكر بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ: «أنَّ سارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً في زَمَنِ عُثْمانَ بنِ عَفَّانَ، فأمَرَ عُثْمانُ أنْ تُقَوَّمَ، فقُوِّمَتْ بثلاثةِ دَراهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بدِينارٍ، فَقَطَعَ عُثْمانُ يَدَه»، ورَواهُ الشَّافِعِيُّ عن مالِكٍ (٢)، وقال: (هِيَ الأُتْرُجَّةُ التي يأكلُها (٣) النَّاسُ) (٤)، ولأِنَّ هذا مالٌ يُتَمَوَّلُ عادةً، ويُرغب (٥) فيه، فيُقْطَعُ سارِقُه كالمجفَّف (٦). وسَواءٌ كان أصْلُه الإباحةَ أوْ لا، حتَّى أحْجارٌ، ولَبِنٌ، ونَورةٌ، وفَخَّارٌ، وزُجاجٌ، ومِلْحٌ، وفيه وَجْهٌ، وسِرْجِينٌ طاهِرٌ، والأَظْهَرُ: وثَلْجٌ، وفي ماء (٧) وَجْهانِ. وفي «الواضح»: في (٨) صَيدٍ مَمْلوكٍ مُحرَزٍ (٩) رِوايَتانِ.

стр. 5825

ونَقَلَ ابنُ (١) منصُورٍ: لا (٢) قَطْعَ في طيرٍ (٣)؛ لِإباحَتِه أصْلاً. قال في «الفُصولِ»: قال شَيخُنَا: لعلَّه أخَذَه مِنْ غَيرِ حِرْزٍ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذ كل الأَمْوال كذلك، وعِنْدي أنَّ قَصْدَ الأشْياءِ المباحةِ في الأصل؛ كالصُّيود، وما شاكَلَها؛ لا قَطْعَ فِيهَا. وفي «الرَّوضة»: إنْ لم يُتَمَوَّلْ عادةً؛ كماءٍ وكَلَأٍ مُحْرَزٍ؛ فلا قَطْعَ في إحدى (٤) الرِّوايَتَينِ. (وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ)، في قَولِ عامَّتِهم؛ لأِنَّه سَرَقَ مالاً مَمْلوكًا، تبلُغ (٥) قِيمَتُه نِصابًا، أشْبَهَ سائرَ الحَيَواناتِ، والمرادُ به: غَيرُ المميِّز (٦)؛ لأِنَّ مِثْلَ ذلك لا يَفهَمُ، ولا يُمَيِّزُ بَينَ سيِّده وغَيرِه. فإنْ كان كبيرًا عاقِلاً؛ لم يُقْطَعْ بِسَرِقَتِه، إلاَّ أنْ يكونَ نائِمًا، أوْ مجنونًا لا يُمَيِّزُ بَينَ سيِّدِه وغَيرِه في الطَّاعة، فيُقطَعُ سارِقُه؛ كأعْجَمِيٍّ لا يُمَيِّزُ، ولو كان كبيرًا. وفي «الشَّرح»: إنْ كان المسْروقُ في حالِ نَومِه، أوْ جُنونِه، أوْ أمَّ وَلَدٍ؛ فَوَجْهانِ. وفي «الكافي»: لا يُقْطَعُ كبيرٌ؛ أكْرَهَهُ (٧). وفي «التَّرغِيبِ» في عبدٍ نائمٍ وسَكْرانَ؛ وَجْهانِ.

стр. 5826

فرعٌ: إذا سَرَقَ المكاتَبَ؛ لم يُقْطَعْ، بخِلافِ مالِه، إلاَّ أنْ يكونَ سيِّدُه هو السَّارِقَ. (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا)، في ظاهر المذهب، وهو قَولُ أكْثَرِهِمْ؛ لأِنَّه لَيسَ بمالٍ، أشْبَهَ الكبيرَ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ)؛ كالمجْنونِ؛ لأِنَّه مسروق (١)، أشْبَهَ المالَ والبهيمةَ. وجَوابُه: أنَّه لَيسَ بمالٍ، فلا يُقطَعُ بسَرِقَتِه؛ كالكبير النَّائمِ. (فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ، وَعَلَيْهِ حَلْيٌ (٢)، أوْ ثِيابٌ تَبلُغُ قِيمَتُها نِصابًا؛ (فَهَلْ يُقْطَعُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدهما، وقدَّمه في «الشَّرح»: لا (٣) قَطْعَ؛ لأِنَّه تابِعٌ لِمَا لا قَطْعَ فيه، أشْبَهَ ثِيابَ الكبيرِ، ولأِنَّ يَدَ الصَّبِيِّ على ما عَلَيهِ، بدليل أنَّ (٤) ما يُوجَدُ مع اللَّقِيطِ يكونُ له، وكذا (٥) لو كان الكبيرُ نائمًا على مَتاعٍ فَسَرَقَه وثِيابَهُ، لم يُقْطَعْ؛ لأِنَّ يَدَهُ عَلَيهِ. والثَّانِي: يُقطَعُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لظاهِرِ الآيَةِ، وكما (٦) لو سَرَقَهُ مُفْرَدًا. (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُصْحَفٍ)، في قَولِ أبي بكرٍ والقاضي؛ لأِنَّ المقصودَ منه كلامُ الله تَعالَى، وهو مِمَّا لا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ)، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وجَزَمَ به في

стр. 5827

«الوجيز»؛ لعُمومِ الآيةِ والأخبارِ، وككتب (١) التَّفسير والفِقْهِ. وقِيلَ: إنْ سَرَقَه ذِمِّيٌّ قُطِعَ، وإنْ سَرَقَه مُسلِمٌ فَوَجْهانِ. فإنْ قُلْنا: لا يُقْطَعُ، وعَلَيهِ حِلْيَةٌ تَبلُغُ نِصابًا؛ فوجهان (٢). (وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سَائِرِ (٣) كُتُبِ الْعِلْمِ) المُباحَةِ؛ لأِنَّ ذلك مالٌ حقيقةً وشَرْعًا. وقِيلَ: إنْ سَرَقَ كِتابَ فِقْهٍ أوْ حديثٍ يَحتاجُهُ؛ لم يُقْطَعْ. وذَكَرَ القاضي في «الخلاف»: أنَّه لا يُقطَعُ إلاَّ بِسَرِقَةِ دفاتِرِ الحِسابِ. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُقطَعُ بِسَرِقَةِ كُتبِ البِدْعة والتَّصاوِيرِ، وهو كذلك. (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ آلَةِ لَهْوٍ)؛ كطُنْبورٍ ومِزْمارٍ ونحوه (٤)، ولو بَلَغَتْ قيمتُه (٥) مُفَصَّلاً نِصابًا؛ لأِنَّه مَعْصِيَةٌ، إجماعًا (٦)، فلم (٧) يُقطَعْ بِسَرِقَتِه؛ كالخَمْر. وقِيلَ: إنْ سَرَقَه وكَسَرَه؛ لم يُقْطَعْ، وإلاَّ قُطِعَ. فإن (٨) كان عَلَيهِ حِلْيَةٌ تَبلُغُ نِصابًا؛ فَوَجْهانِ: أحدُهُما، وهو قِياسُ قَولِ أبي بكرٍ: لا قَطْعَ؛ لأِنَّه مُتَّصِلٌ بما لا قَطْعَ فيه، أشْبَهَ الخَشَبَ والأوتار. والثَّانِي، وقالَهُ القاضِي: يُقْطَعُ؛ لأِنَّه سَرَقَ نِصابًا مِنْ حِرْزٍ، أشْبَهَ المفْرَدَ.

стр. 5828

(وَلَا مُحَرَّمٍ (١) كَالْخَمْرِ)، والخِنْزيرِ، والميتة ونحوها (٢)، سَواءٌ سَرَقَه مِنْ مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ؛ لأِنَّها عَينٌ محرَّمةٌ (٣)، فلم يُقْطَعْ بسَرِقَتِها كالخنزير، ولأِنَّ ما لا يُقطع (٤) بسَرِقَتِه مِنْ مالِ مُسْلِمٍ؛ لا يُقْطَعُ بسرقته (٥) مِنْ الذِّمِّيِّ، كالدَّم. وعَنْهُ: ولم يَقْصدْ سَرِقة (٦). وفي «التَّرغيب» مِثْلُه في إناءِ نَقْدٍ. وفي (٧) «الفُصول»: في قُضْبانِ الخَيْزرانِ، ومَخادِّ الجُلود المُعَدَّةِ لتَغبير الصُّوفِيَّة (٨)؛ يَحتَمِلُ كآلة (٩) لَهْوٍ، ويَحتَمِلُ القَطْعَ. (وَإِنْ سَرَقَ إِنَاءً فِيهِ خَمْرٌ)؛ لم يُقْطَعْ على المذهب؛ لأِنَّه مُتَّصِلٌ بما لا قَطْعَ فيه، أشْبَهَ ما لو سَرَقَ شَيئًا مُشْتَرَكًا بَيْنَه وبَينَ غَيرِه، بحَيثُ تَبْلُغُ قِيمَتُه بالشَّرِكة نِصابًا، قال في «المستوعب»: لو سَرَقَ إِناءً فيه ماءٌ أوْ خَمْرٌ؛ لم يُقطَعْ، على قَولِ أكثرِ أصْحابِنا. (أَوْ صَلِيبًا، أَوْ صَنَمَ ذَهَبٍ) أوْ فِضَّةٍ، وعِبارةُ «الفُروعِ»: أوْ صَنَمَ نَقْدٍ، وهي أولى (١٠)؛ (لَمْ يُقْطَعْ)، وهو قَولُ القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع». (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُقْطَعُ)، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.

стр. 5829

وَوَجْهُهما: ما سَبَقَ في سَرِقَةِ آلةِ لَهْوٍ، وهذا بخِلافِ ما لو كَسَرَ آلةَ النَّقْدَينِ بكلِّ وَجْهٍ، لم تنقص (١) قِيمتُه عن النِّصاب، ولأِنَّهما جَوْهَرانِ يَغْلِبانِ على الصَّنْعة، ولأِنَّه مُجمَع على تحريمِه. وكذا يُقطَعُ بإناءِ نَقْدٍ بها تماثيلُ، وقِيلَ: إنْ لم يَقصِدْ إنْكارًا.

стр. 5830

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا)، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ دونِ النِّصاب في (١) قَولِهم، إلاَّ الحَسَنَ وابنَ بنتِ الشَّافِعيِّ، فإنَّه يُقطَعُ في القليل كالكثير؛ لِعُمومِ الآيةِ. وجَوابُه: قَولُه ﵇: «لا تُقْطَعُ اليَدُ إلاَّ في رُبُعِ دِينارٍ فصاعِدًا» رواه أحمدُ ومُسلِمٌ (٢)، وهو إجْماعُ الصَّحابة (٣). وما رُوِيَ أنَّه ﵇ قال: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الحَبْلَ فتُقطَعُ يَدُه، ويَسرِقُ البَيضَةَ فتُقْطَعُ يَدُه» (٤)؛ محمولٌ على حَبْلٍ أوْ بَيضَةٍ تَبلُغُ قِيمةُ كلِّ واحِدٍ مِنهُما نِصابًا، أوْ أنَّ (٥) المرادَ بالبَيضةِ: بَيضُ النَّعام؛ لِمَا فِيهِ من الجَمْع بَينَ الأَدِلَّة. (وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ)؛ لأِنَّ غَيرَها يُقوَّمُ بها لِمَا يأْتِي، فلأن يُقطع (٦) بها نَفْسُها بطريقِ الأولى (٧). (أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْعُرُوضِ)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنٍّ قِيمَتُه ثلاثةُ دَراهِمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٨)، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: هذا أصحُّ حديثٍ رُوِيَ في هذا الباب (٩)، وفيه دليل (١٠) على أنَّ العَرْضَ يُقَوَّمُ بالدَّراهِم؛

стр. 5831

لأِنَّ المِجَنَّ قُوِّمَ بها، وأمَّا كَونُه يُقوَّمُ بالذَّهَب؛ فَلِأَنَّ ما كان الوَرِق فيه أصْلاً؛ كان الذَّهَبُ فيه أصْلاً؛ كنُصُبِ الزَّكاة، والدِّيات (١)، وقِيَمِ المتْلَفاتِ. وقد رَوَى أَنَسٌ: «أنَّ سارِقًا سَرَقَ مِجَنًّا يُساوِي ثلاثةَ دَراهِمَ، فَقَطَعَه أبو بكرٍ» (٢)، و «أُتِيَ عُثْمانُ برَجُلٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً، فبَلَغَتْ قِيمَتُها رُبُعَ دِينارٍ، فقطع» (٣)، وقال عليٌّ: «فما بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ؛ ففيه القَطْعُ» (٤). ويُعتَبَرُ في الدَّراهِمِ أنْ تكونَ خالِصةً، فلو كانَتْ مَغْشوشةً؛ فَلَا، خِلافًا للشَّيخ تقيِّ الدِّين فِيهَا (٥). (وَعَنْهُ: أَنَّهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَوْ رُبُعُ دِينَارٍ، أَوْ مَا يَبْلُغُ (٦) قِيمَةَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِهِمَا)، نَصَرَه القاضي في «الخلاف»، وذَكَرَ في «الكافي» أنَّها أَوْلَى،

стр. 5832

وقدَّمَها في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ بها (١) في «الوجيز»؛ لخبرِ عائشةَ، ولقوله: «اقْطَعُوا في رُبُعِ دِينارٍ، ولا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أدْنَى مِنْ ذلك»، وكان رُبُعُ الدِّينارِ يَومَئِذٍ ثلاثةَ دَراهِمَ، والدِّينارُ اثْنَيْ عَشَرَ، رواه أحمدُ (٢)، وهذا تقييدٌ؛ لإطْلاقِ الآيَةِ. قَولُه: (يبلغ … ) إلى آخره (٣)؛ أيْ: يَسْرِقُ عَرْضًا قِيمَتُه كأَحَدِهما. (وَعَنْهُ: لَا تُقَوَّمُ الْعُرُوضُ إِلاَّ بِالدَّرَاهِمِ)؛ لأِنَّ التَّقويمَ حَصَلَ بها لا بالذَّهَب. واختُلِفَ في الذَّهَب هَلْ هُوَ أصْلٌ في القَطْعِ بنَفْسِه؟ فعنه (٤): نَعَمْ، وهو المذْهَبُ. وعنه: لا، فَعَلَى هذه: يُقوَّم (٥) بالدَّراهِمِ، فما ساوى (٦) منه (٧) ثلاثةَ دَراهِمَ قُطِعَ به وإنْ لم يَبلُغْ رُبُعَ دِينارٍ، وما لا يُساوِي ثلاثةَ دَراهِمَ؛ لم يُقطَعْ به وإنْ بَلَغَ رُبُعَ دِينارٍ. وعلى المذْهَبِ: أقلُّه رُبُعُ دِينارٍ، فلو كان دُونَها، ويُساوِي ثَلاثَةَ دَراهِمَ؛ لم يُقْطَعْ، وعلى هذا: هو أصْلٌ في التَّقويم، وهو اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ والمؤلِّفِ؛

стр. 5833

لأِنَّه أحدُ النَّقْدَينِ، فكان التَّقْويمُ به كالآخَرِ. وعلى الثَّانية: لَيسَ بأصل (١)، وإنَّما الأصْلُ الدَّراهِمُ. وعلى الأوَّل: مَتَى بَلَغَتْ قِيمةُ المسروقِ أدْنَى النِّصابَينِ؛ قُطِعَ، وعلى الأخرى: الاِعْتِبارُ بالدَّراهِم فَقَطْ، وفي تكميلِه بضَمٍّ من (٢) النَّقْدَينِ وَجْهانِ. ويَكْفِي تِبْرٌ (٣) في المنصوص (٤)؛ أيْ: يَكْفِي وَزْنُ التِّبر، اقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية»، وقِيلَ: تُعتبر (٥) قِيمتُهُ بالمضروب (٦). (وَإِذَا سَرَقَ نِصَابًا فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ)؛ أيْ: بَعْدَ الإخراج؛ لأِنَّ النُّقْصانَ وُجِدَ في العَينِ بَعْدَ استِحْقاقِها القَطْعَ، أشْبَهَ ما لو نَقَص (٧) باستِعْمالِه، ولأِنَّه تعتبر (٨) قِيمةُ النِّصاب حالَ إخْراجِه من الحِرْز، وهو مَوجُودٌ. (أَوْ مَلَكَهُ (٩) بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا (١٠)؛ لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ)؛ لِمَا رَوَى صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ: أنَّه نامَ على رِدائه في المسْجِدِ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِه، فَجَاءَ بِسَارِقِه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِه، فقال صَفْوانُ: يا رسولَ الله، لِمَ؟ إنَّ (١١) هذا رِدائِي عَلَيهِ صَدَقَةٌ، فقال النبي ﷺ : «هلاَّ كان هذا قَبْلَ أنْ تأتيني (١٢) به»

стр. 5834

رواه ابنُ ماجَهْ (١)، ولأِنَّ النِّصابَ شَرْطٌ، فلم تُعتَبَرْ اسْتِدامَتُه كالحِرْز، لكِنْ إنْ مَلَكَ العَينَ قَبْلَ رَفْعِه إلى الحاكِمِ، والمطالَبَةِ بها عنده (٢)؛ لم يَجِب القَطْعُ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٣). قال أحمدُ: إذا رُفِع (٤) إلَيهِ؛ لم يكُنْ لِرَافِعِه عَفْوٌ (٥)، وظاهر (٦) «الواضح» وغَيرِه: قَبْلَ الحُكْم (٧)، قال أحمدُ: تُدْرَأُ الحُدودُ بالشُّبهات، فإذا صار إلى السُّلْطانِ، وصحَّ عِنْدَه الأمرُ بالبيِّنة أو الاعتراف (٨)؛ وَجَبَ عليه (٩) إقامَتُه عِنْدَ ذلك (١٠). وقال أبو بكرٍ وجَزَمَ به آخَرونَ: لو مَلَكَه سارِقُه؛ قُطِعَ، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ. (وَإِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ، فَذَبَحَ شَاةً قِيمَتُهَا نِصَابٌ، فَنَقَصَتْ عَنِ النِّصَابِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا؛ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لأِنَّ مِنْ شَرْطِ وُجوبِ القَطْع: أنْ يُخْرِجَ من الحِرْز العَينَ

стр. 5835

وهي نِصابٌ، ولم يُوجَدْ، وإنْ كانَتْ قِيمَتُها مَذْبُوحةً نِصابًا؛ قُطِعَ بإخْراجِها، وإنْ قُلْنَا: إنَّها مَيْتَةٌ؛ فلا. (وَإِنْ سَرَقَ فَرْدَ خُفٍّ قِيمَتُهُ مُنْفَرِدًا دِرْهَمَانِ، وَقِيمَتُهُ وَحْدَهُ مَعَ الآْخَرِ أَرْبَعَةٌ؛ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لأِنَّه لم يَسْرِقْ نِصابًا، والمشْرُوطُ عَدِم (١) عِنْدَ عَدَمِ شَرْطِه. فلو كانَتْ قِيمةُ كلٍّ مِنهُما مُنفَرِدًا دِرْهمين (٢)، ومَعًا عَشَرَةً؛ غَرِمَ ثَمانِيَةً؛ المتْلَفَ، ونَقْصَ التَّفْرِقَة. وقِيلَ: دِرْهَمينِ. وكذا جزءًا من كتابٍ، ذَكَرَه في «التَّبصرة». فرعٌ: إذا أتْلَفَ وثيقةً (٣) لغَيرِه بمالٍ لا يَثْبُتُ إلاَّ بها، ففي إلْزامِه ما تَضمَّنَته (٤) احِتْمالانِ؛ أقواهما (٥): يَلزَمُه، ومِثْلُه يَتعَلَّقُ بالضَّمان في كِتْمانِ الشَّهادة. ويُقطَعُ بِسَرِقَتِه مِندِيلاً بطَرَفِه دِينارٌ مَشْدُودٌ يَعلَمُه، وقِيلَ: أوْ يَجْهَلُه، صحَّحَه في «المُذهب»؛ كجَهْلِه قِيمَتَه. (وَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي سَرِقَةِ نِصَابٍ؛ قُطِعُوا)، ذكره (٦) الخِرَقِيُّ والأصحابُ؛ كهَتْكِ الحِرْز، وكالقِصاص، (سَوَاءٌ أَخْرَجُوهُ جُمْلَةً، أَوْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا)، نَصَّ عَلَيهِ (٧)؛ لأِنَّهم اشْتَرَكُوا في هَتْكِ الحِرْز وإخْراجِ النِّصاب؛ فَلَزِمَهم القَطْعُ؛ كما لو كان ثَقِيلاً فَحَمَلُوهُ. وفارَقَ القِصاصَ، فإنَّه يَعتَمِدُ المماثلة، ولا تُوجَدُ المُماثَلَةُ إلاَّ أنْ تُوجَدَ

стр. 5836

أفْعالُهم في جميعِ أجْزاءِ اليَدِ، وهُنا القَصْدُ الزَّجْرُ مِنْ غَيرِ اعْتِبارِ مُمَاثَلَةٍ. وعَنْهُ: يُقطَعُ مَنْ أَخْرَجَ نِصابًا، وهو قَولُ أكثرِهِم، قال في «المغْنِي»: وهذا أحبُّ إليَّ؛ لأنَّ (١) القَطْعَ هُنا لَيسَ هو (٢) في مَعْنَى المُجْمَعِ عَلَيهِ، فلا يَجِبُ (٣)، والاِحْتِياطُ في سُقوطِه أَوْلَى مِنْ الاِحْتِياط في إِيجابِه؛ لأِنَّه مَمَّا يُدْرَأُ بالشُّبهة. وقِيلَ: إنْ لم يُقْطَعْ بعضُهم لِشُبْهةٍ؛ فلا قَطْعَ. قال في «المستوعب»: والأوَّلُ أصحُّ، وعَلَيهِ التَّفْريعُ. فإنْ كان أحدُهم لا يُقطَعُ بسرقته (٤) منه؛ لولادةٍ (٥)، أوْ سِيادَةٍ، أوْ عَدَمِ تكليفٍ؛ قُطِعَ غَيرُه في الأصحِّ إنْ أَخَذَ نصابًا، وقِيلَ: أوْ أقلَّ، ولم يَذكُرْ في «المستوعب» و «المحرَّر»، إلاَّ (٦) أنَّ أحدَهم إذا لم يُقطَعْ؛ قُطِعَ الأجنبيُّ. فلو أقرَّ بمشاركةِ آخَرَ في سَرِقَةِ نِصابٍ، ولم يُقِرَّ الآخَرُ؛ ففي القَطْعِ وَجْهانِ. فرعٌ: إذا سَرَقَ نصابًا لجماعةٍ مِنْ حِرْزٍ؛ قُطِعَ على الأصحِّ. فلو سَرَقَ ما ظَنَّه فُلوسًا، فَبَانَ نِصابُ نَقْدٍ؛ لم يُقْطَعْ، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية». (وَإِنْ هَتَكَ اثْنَانِ حِرْزًا وَدَخَلَاهُ (٧)، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا (٨) نِصَابًا وَحْدَهُ)؛

стр. 5837

قُطِعَا، نَصَّ عَلَيهِ؛ لأِنَّ المُخْرِجَ أخْرَجَه بقُوَّةِ صاحِبِه ومَعُونَتِه. (أَوْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا، فَقَدَّمَهُ إِلَى بَابِ النَّقْبِ (١)، وَأَدْخَلَ الآْخَرُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ؛ قُطِعَا)، وَجْهًا واحِدًا، قاله في «المستوعب»؛ لأِنَّهما اشْتَرَكَا في هَتْكِ الحِرْز وإخْراجِ المتاع؛ كما لو حَمَلاهُ وأخْرَجاهُ. وكذا إنْ وَضَعَه وَسَطَ النَّقْبِ، فأخذه (٢) الخارِجُ، وفيه في (٣) «التَّرغيب» وَجْهانِ. وإنْ شَدَّه بحَبْلٍ، فأَدْخَلَ الآخَرُ يَدَه فأخذَه (٤)، أوْ جَذَبَ الحَبْلَ، قال في «الرِّعاية»: أوْ أخَذَه الذي رَماهُ؛ قُطِعَا. (وَإِنْ رَمَاهُ الدَّاخِلُ إِلَى خَارِجٍ، فَأَخَذَهُ الآْخَرُ) أَوْ لَا، أوْ أعادَهُ فيه أحدُهما؛ (فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ وَحْدَهُ)، وإن اشْتَرَكا في النَّقْب؛ لأِنَّ الدَّاخْلَ أخْرَجَ المتاعَ وحدَه، فاخْتَصَّ القَطْعُ به. لا يُقالُ: هما (٥) اشْتَرَكا في الهتك (٦)؛ لأِنَّ شَرْطَه الاِشْتِراكُ في الهَتْك والإخْراجِ، ولم يُوجَد الثَّاني، فانْتَفَى القَطْعُ لاِنْتِفاءِ شَرْطِه. وفي «التَّرغِيبِ» وَجْهٌ: هما (٧). (وَإِنْ نَقَبَ أَحَدُهُمَا، وَدَخَلَ الآْخَرُ فَأَخْرَجَهُ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا)؛ لأِنَّ الأوَّلَ لم يَسْرِقْ، والثَّانِيَ لم يَهْتِكِ الحِرْزَ.

стр. 5838

وقِيلَ: بَلَى، إنْ تَوَاطَأا على السَّرِقة، قالَهُ في «الوجيز» و «المحرر» (١)، وهو ظاهِرٌ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يُقْطَعَا)؛ لأِنَّ فِعْلَ كُلٍّ مِنْهُمَا وَقَعَ بقُوَّةِ الآخَرِ، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَكا في النَّقْب والإخْراجِ. (إِلاَّ أَنْ يَنْقُبَ أَحَدُهُمَا وَيَذْهَبَ، وَيَأْتِيَ الآْخَرُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَيَسْرِقُ؛ فَلَا قَطْعَ)، وجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّه لم يَهْتِكِ الحِرْزَ، ومِن شَرْطِ وُجوبِ القَطْعِ هَتكُه. مسائلُ: إذا أخْرَجَ نِصابًا إلى ساحةِ دارٍ بابُها مُغْلَقٌ مِنْ بَيتٍ منها؛ فرِوايَتانِ. وإنْ فَتَحَ هو (٢) بابها؛ فَوَجْهانِ، وإنْ كان وَحْدَه مفتوحًا؛ قُطِعَ، وإنْ كان (٣) البَيتُ وحْدَه مفتوحًا؛ فلا. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّه (٤) إنْ كان البَيتُ مُغلَقًا؛ فَفَتَحَه أوْ نَقَبَهُ، وإلاَّ فَلَا. وكذا الخانُ في الأَقْيَسِ، قالَهُ ابنُ حَمْدانَ. وإنْ تَطيَّبَ في الحِرْز بطِيبٍ، ثُمَّ خَرَجَ، ولو اجْتَمَعَ بلغ (٥) نِصابًا؛ فاحْتِمالانِ، وإنْ لم يَبلُغْ نِصابًا؛ فلا قَطْعَ في الأَشْهَرِ؛ لأِنَّه حِينَ إخْراجِه ناقِصٌ عن نِصابٍ.

стр. 5839

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْحِرْزِ) في قَولِ أكثرِهم. وعن عائشةَ والنَّخَعِيِّ فيمن (١) جَمَعَ المتاعَ ولم يَخرُجْ به (٢) من الحِرْز: عليه (٣) القطعُ. قال سعيدٌ: ثنا هُشَيمٍ، أنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبد الرَّحمن بنِ القاسِم، قال: ذُكِرَ لعائشةَ قَولُ مَنْ يَقولُ: لا قَطْعَ على السَّارِق حتَّى يُخرِجَ المتاعَ، فقالَتْ عائشةُ: «لو لم أجِدْ إلا شَفْرَةً؛ لَحَزَزْتُ بها يَدَه» (٤). وعَنهُ: لا يُشتَرَطُ الحِرْزُ، قال ابنُ المنذِرِ: لَيسَ فيه خَبَرٌ ثابِتٌ (٥). والأوَّلُ شَبِيهٌ بالإجماع؛ لِمَا روى (٦) عَمْرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عن الثِّمار، فقال: «ما أُخِذَ مِنْ غَيرِ أكْمامِه واحْتُمِلَ؛ ففيه قِيمتُه ومِثْلُه معه، وما كان من الحِرْز؛ ففيه القَطْعُ إذا بَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ» رواه أبو داودَ وابنُ ماجَهْ (٧)، وبهذا تُخصُّ (٨) الآيةُ كما خصَّصْناها بالنِّصاب.

стр. 5840

(فَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَأَتْلَفَهُ فِيهِ) بأكْلٍ أوْ غيرِه (١)؛ (فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ)؛ لِفَواتِ شَرْطِه، لكِنْ يَلْزَمُه ضَمانُه؛ لأِنَّه أتْلَفَه. ولا يُقْطَعُ حتَّى يُخرِجَه مِنْ الحِرْز، سَواءٌ حَمَلَه إلى مَنزِلِه، أوْ تَرَكَه خارِجًا من الحِرْزِ. (وَإِنِ ابْتَلَعَ جَوْهَرًا أَوْ ذَهَبًا، وَخَرَجَ بِهِ) من الحِرْز؛ فَعَلَيهِ القطعُ (٢)، أشْبَهَ ما لو أخْرَجَه في (٣) كُمِّه. وكلامُه شامِلٌ: ما إذا خرجا (٤) منه أوْ لَا، لكِنْ إنْ لم يَخرُجْ ما ابْتَلَعَه؛ فلا قَطْعَ، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح»، وهو قَولُ القاضِي، وابنِ عَقِيلٍ. وقِيلَ: يُقطَعُ، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية». وإنْ خَرَجَ منه؛ فقِيلَ: يُقطَعُ؛ كما لو أخْرَجَه في (٥) كُمِّه، وقِيلَ: لا؛ لأِنَّه ضَمِنَها بالبَلْعِ، فكان إتْلافًا لها لا سَرِقَةً. (أَوْ نَقَبَ وَدَخَلَ، فَتَرَكَ الْمَتَاعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَخَرَجَتْ بِهِ) مِنْ غَيرِ سَوقِها؛ لأِنَّ العادةَ مَشْيُ البهيمةِ بما وُضِعَ عَلَيهَا، (أَوْ فِي مَاءٍ جَارٍ)، وقِيلَ: وراكِدٍ، (فَأَخْرَجَهُ) المتاع إلى حائل (٦) من الدَّار، فأطارَتْه الرِّيحُ؛ فهذا فيه وَجْهانِ: أحدُهما: لا قَطْعَ؛ لأِنَّ ذلك لم يكُنْ آلةً للإخْراج، وإنَّما هو بسبَبٍ حادِثٍ مِنْ غَيرِ فِعْلِه. والثَّاني: يُقطَعُ؛ لأِنَّ فِعْلَه سَبَبُ خُروجِه، أشْبَهَ ما لو ساقَ البَهِيمةَ.

стр. 5841

فرعٌ: إذا رَمَى المتاعَ، فأطارَتْهُ الرِّيحُ فأخْرَجَتْه، أَوْ فَتَحَ منه طاقًا فَسَقَطَ منه طَعامٌ أوْ غَيرُه قَدْرَ نِصابٍ، أوْ أخْرَجَه من الحِرْز ورَماهُ خارِجًا عنه، أوْ ردَّه إلَيهِ؛ قُطِعَ؛ لأِنَّه متى كان ابتداء (١) الفِعْل منه؛ لم يُؤثِّرْ فِعْلُ الرِّيح، كما لو رَمَى صَيْدًا، فأعانَت الرِّيحُ السَّهْمَ حتَّى قَتَلَ، فإنَّه يَحِلُّ، ولو (٢) رَمَى الجِمارَ، فأعانَتْها الرِّيحُ حتَّى وَقَعَ في المرمى (٣)؛ احْتَسَبَ به. (أَوْ قَالَ لِصَغِيرٍ أَوْ مَعْتُوهٍ: ادْخُلْ فَأَخْرِجْهُ، فَفَعَلَ (٤)؛ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ)؛ لأِنَّه لا اخْتِيارَ لهما، فهما كالآلة، ولو أَمَرَهُما شَخْصٌ بالقَتْلِ؛ قُتِلَ الآمِرُ. تنبيهٌ: إذا أخْرَجَ خَشَبَةً أوْ بَعضَها من الحِرْز؛ لم يُقطَعْ؛ لأِنَّ بعضَها لا يَنفَرِدُ عن بعضٍ، وكذا لو أمْسَكَ عِمامةً وطرفها (٥) في يَدِ صاحِبِها. وإنْ أخْرَجَ بعضَ نصابٍ، ثُمَّ دخل فأخْرَجَ تمامَه، وقَرُبَ؛ قُطِعَ، وكذا إنْ بَعُدَ في وَجْهٍ، وقدَّمه (٦) في «التَّرغيب»، وقِيلَ: إنْ كان في لَيلةٍ؛ قُطِعَ، لا لَيلَتَينِ. وإنْ عَلِمَ المالِكُ بهَتْكِه وأهْمَلَه؛ فلا قَطْعَ، قال القاضي: قِياسُ قَولِ أصْحابِنا: يُبْنَى فِعْلُه على فِعْلِ غَيرِه. ولو فَتَحَ أسْفَلَ كُوَارَةٍ، فخَرَجَ العَسَلُ شَيئًا فشَيئًا؛ قُطِعَ. فرعٌ: إذا عَلَّمَ قِرْدًا (٧) السَّرِقةَ؛ فالغُرْمُ فقطْ، ذَكَرَه أبو الوفاء (٨)

стр. 5842

وابنُ الزَّاغُونِيِّ. (وَحِرْزُ الْمَالِ: مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ فِيهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَمْوَالِ، وَعَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ)؛ لأِنَّه لمَّا لم (١) يَثْبُتْ في الشَّرع؛ عُلِمَ أنَّه ردَّ ذلك إلى العُرْفِ؛ لأِنَّه طريقٌ إلى معرفته، فرُجِعَ إلَيهِ كما رَجعْنا إلى مَعرِفَةِ القَبْضِ، والفُرْقَةِ في البَيعِ، وأشباه (٢) ذلك إلَيهِ، هذا ظاهِرُ قول (٣) أصْحابِنا. (فَحِرْزُ الْأَثْمَانِ، وَالْجَوَاهِرِ، وَالْقُمَاشِ فِي الدُّورِ (٤) وَالدَّكَاكِينِ فِي العُمْرانِ (٥): وَرَاءَ الْأَبْوَابِ وَالْأَغْلَاقِ الْوَثِيقَةِ)، وهو اسْمٌ للقُفْل (٦)، خَشَبًا كان أوْ حديدًا، أوْ يكُونُ فِيهَا حافِظٌ؛ لأِنَّ العادةَ في حِرْزِ ذلك بذلِكَ. وفي «التَّرغيب» وغَيرِه: في قُماشٍ غَلِيظٍ وَرَاءَ غَلَقٍ. وفي «تفسيرِ ابنِ الجَوزِيِّ»: ما جُعِلَ للسُّكْنَى. وعن أحمدَ في البيت الذي لَيسَ عَلَيهِ غَلَقٌ، فسُرِقَ (٧) منه: أراهُ سارِقًا (٨)، وهذا محمولٌ على أنَّ أهْلَه فيه. فإنْ كانَت الأَبْوابُ مَفْتوحةً وفِيهَا خَزائنُ مُغلَقَةٌ؛ فالخزائنُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا. والبُيُوتُ التي في البَساتِينِ، أو الطُّرُق، أو الصَّحراء: إنْ لم يكُنْ فيها أحدٌ؛ فَلَيسَتْ حِرْزًا، وإنْ كانت مُغلَقَةً وفِيهَا حافِظٌ؛ فهِيَ حِرْزٌ وإنْ كان نائمًا،

стр. 5843

وإنْ كانَتْ مفتوحةً فلا، إلاَّ أنْ يكونَ الحافِظُ يَقْظانَ. تَتِمَّةٌ: الخَيمةُ والخَرْكاهُ (١) كذلك، سَواءٌ سَرَقَ مِنْ ذلك وهو مَفْتوحُ الباب، أوْ لا بابَ له إلاَّ أنَّه مُحجَّر (٢) بالبناء. فإنْ سَرَقَ صُندوقًا فيه مَتاعٌ، أوْ دابَّةً عَلَيهَا متاعٌ ولا حافِظَ؛ لم يُقطَعْ، وإنْ سَرَقَ المتاعَ الذي فيه (٣)؛ قُطِعَ. وعَنْهُ: أنَّ الصَّنادِيقَ التي في السُّوق، وإنْ (٤) حُمِلَتْ كما هِيَ؛ قُطِعَ، وحَمَلَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ على أنَّ مَعَها شَيئًا. (وَحِرْزُ الْبَقْلِ، وَالْبَاقِلَاءِ، وَنَحْوِهِ، وَقُدُورِهِ (٥): وَرَاءَ الشَّرَائِجِ)، واحِدُها شَريجَةٌ، وهي (٦) شَيءٌ يُعمَلُ مِنْ قَصَبٍ أوْ نحوِه، يُضَمُّ بعضُه إلى بَعْضٍ بحَبْلٍ أوْ غَيرِه، (إِذَا كَانَ فِي السُّوقِ حَارِسٌ)؛ لأِنَّ العادةَ جَرَتْ بإحْرازِها به. (وَحِرْزُ الْخَشَبِ، وَالْحَطَبِ)، والقَصَبِ: (الْحَظَائِرُ)، واحِدَتُها: حظيرة (٧)، وهِيَ: ما يُعمَلُ للإبِلِ والغَنَمِ مِنْ الشَّجَر، تَأْوِي إلَيهِ، وأصْلُ الحَظْر: المَنْعُ، فيُعبئ (٨) بعضَه على بعضٍ، ويُقيِّدُه بقَيدٍ، بحَيثُ يَعْسُرُ أخْذُ شَيءٍ منه على ما جَرَتْ به العادَةُ، إلاَّ أنْ يكون (٩) في فندق (١٠) مُغْلَقًا عَلَيهِ،

стр. 5844

فيكونُ محرزًا (١) وإنْ لم يُقَيَّدْ، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح». وفي «التَّبصرة»: حِرْزُ حَطَبٍ: تعبئته ورَبْطُه بالحِبالِ، وكذا ذَكَرَه أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ. فرعٌ: حِرْزُ السُّفُنِ في الشطِّ: بِرَبْطِها. (وَحِرْزُ الْمَوَاشِي)، جَمْعُ ماشِيَةٍ: (الصِّيَرُ)، واحِدُها صِيرَةٌ، وهي حَظِيرةُ الغَنَمِ. (وَحِرْزُهَا فِي المَرْعَى (٢): بِالرَّاعِي وَنَظَرِهِ إِلَيْهَا)؛ لأِنَّ العادةَ حِرْزُها بذلك، فما غاب عَنْ مُشاهَدَتِه؛ فقد خَرَجَ عن الحِرْزِ؛ لأِنَّ الرَّاعِيَةَ هكذا تُحْرَزُ. (وَحِرْزُ حَمُولَةِ الْإِبِلِ: بِتَقْطِيرِهَا، وَقَائِدِهَا (٣)، وَسَائِقِهَا إِذَا كَانَ يَرَاهَا)، وجُمْلَتُه: أنَّ الإبلَ تنقسم (٤) إلى ثلاثةِ أقْسامٍ: بارِكَةٍ، وراعِيَةٍ، وسائِرةٍ. فحِرْزُ البارِكَةِ المعَقَّلَةِ: بالحافِظ، يَقظانَ كان أوْ نائِمًا؛ لأِنَّ العادةَ أنَّ صاحِبَها يعقلها (٥) إذا نامَ، فإنْ لم تكُنْ مَعْقُولةً؛ فحِرْزُها بحافِظٍ يَقْظانَ. وحِرْزُ الرَّاعِيَة: بنظر (٦) الرَّاعِي إلَيهَا، فما غابَ عن نَظَرِه، أوْ نامَ عَنْهَا؛ فَلَيسَ بمُحْرَزٍ؛ لأِنَّ الرَّاعِيَةَ إنَّما تُحرَزُ بالرَّاعِي ونَظَرِه إليها (٧). وحِرْزُ السَّائِرةِ الحمولة (٨): بسائِقٍ يَراهَا، مُقَطَّرَةً كانَتْ أوْ غَيرَ مُقَطَّرَةٍ، أوْ

стр. 5845

بتقطِيرها (١) مع قائِدٍ يَراهَا، وفي «التَّرغيب» و «الشَّرح»: يُكْثِر (٢) الاِلْتِفاتَ إلَيهَا، ويَراها إذا الْتَفَتَ، وأمَّا الأوَّلُ منها؛ فهو مُحْرَزٌ بقَوْدِه (٣)، والحافِظُ الرَّاكِبُ فِيمَا وراءه (٤) كقائدٍ. ولو سُرِقَ مَركُوبُه مِنْ تَحتِه؛ فلا قَطْعَ، وفِيهِ احْتِمالٌ. وإنْ سرَقَه براكبه (٥) الرَّقِيقِ، وهُمَا يُساوِيانِ نِصابًا؛ قُطِعَ، وإنْ كان حُرًّا ومعه ما يُساوِي نِصابًا؛ فوَجْهانِ. (وَحِرْزُ الثِّيَابِ فِي الْحَمَّامِ: بِالْحَافِظِ)، جَزَمَ به (٦) المؤلِّفُ، وفي «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروعِ»؛ كما لو كان في البَيْتِ. وعَنْهُ: لا قَطْعَ إلاَّ أنْ يكُونَ على المتاع قاعِدٌ، صحَّحَه المؤلِّفُ؛ لأِنَّه مَأْذُونٌ للنَّاس في دُخولِه، فجَرَى مَجْرَى سَرِقَةِ الضَّيف من البَيت المأْذُونِ في دُخُولِه، ولأِنَّه لا يُمكِنُ الحافِظَ من (٧) حِفْظِه فيه. وإنْ فرَّطَ في الحِفْظ، فَنَامَ أو اشْتَغَلَ؛ فلا قَطْعَ، ويَضمَنُ. وفي «التَّرغيب»: إن اسْتَحْفَظَه ربُّه صريحًا (٨). وفِيهِ: لا تَبطُلُ الملاحَظَةُ بفَتَراتٍ وإعْراضٍ يَسِيرةٍ، بل بتركه (٩) وراءَه. وظاهِرُه: أنَّه إذا سَرَقَ من الحمَّام، ولا حافِظَ فِيهِ؛ فلا قَطْعَ في قَولِ عامَّتِهم.

стр. 5846

فرعٌ: وحِرْزُ الثِّياب في أعْدالٍ، أوْ غزلٍ (١) في سُوقٍ وخانٍ، وما كان مُشْتَرَكًا في الدُّخول إلَيهِ؛ بِحافِظٍ على الأصحِّ. وقِيلَ: لَيسَ الحَمَّامِيُّ حافِظًا بجُلوسِه، ولا الذي يُدخِلُ الطَّاساتِ. (وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا، وَأَخَذَ الْكَفَنَ؛ قُطِعَ)، رُوِيَ عن (٢) ابنِ الزُّبَير (٣)، وقاله الحَسَنُ، وعمر (٤) بنُ عبدِ العزيز؛ لقول (٥) عائشةَ: «سارِقُ أمواتنا (٦) كسِارِقِ أحْيائِنا» (٧)، ولأنَّه (٨) سَرَقَ مالاً مُحتَرَمًا مِنْ حِرْزٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ به كغَيرِه، ولأنه (٩) يُوضَعُ فيه عادَةً، ولا يُعَدُّ واضِعُه مُفَرِّطًا. وعَنْهُ: لا قَطْعَ. وعَنْهُ: إلاَّ أنْ يُخرِجَ الميِّتَ من القبر، ويَأخُذَه منه، ذَكَرَها في «النِّهاية». وظاهِرُه: لا فَرْقَ في القبر أنْ يكونَ في حِرْزٍ أوْ لا؛ كالصَّحراء، قاله جماعةٌ.

стр. 5847

وفي «الواضح»: في (١) مَقْبَرةٍ مَصُونَةٍ بقُرْبِ البَلَدِ، ولم يَقُلْ في «التَّبصرة»: مَصونَةٍ. ولا بدَّ أنْ يكُونَ الكفن (٢) مَشْروعًا، وأنْ يُخرِجَه من القَبْر؛ لأِنَّه الحِرْزُ، فإنْ أخْرَجَه من اللَّحْد، وَوَضَعَه في القَبْر؛ فلا قَطْعَ. وما زاد على الكَفَن المشروع (٣) كاللِّفافة الرابعة (٤)، أوْ ترك (٥) معه طِيبًا؛ فلا قَطْعَ في شَيءٍ مِنْ ذلك. وفي «الخلاف»: يُقطَعُ بسَرِقَةِ الطِّيبِ؛ لأِنَّه مِنْ السُّنَّة. وفي كَونِه ملْكًا له (٦) أوْ لِوارِثِه؛ فِيهِ وَجْهانِ، وعَلَيهِما: هو خَصْمُه، فإنْ عُدِمَ؛ فنائِبُ الإمام، ولو كفَّنَه أجْنَبِيٌّ، وقِيلَ: هو. ويُسْتَثْنَى على المذْهَبِ: ما (٧) إذا أكَلَهُ ضبعٌ، فإنَّ كَفَنَه إرْثٌ، ولا يُقطَعُ سارِقُه. وهل يَفتَقِرُ في قَطْعِ النَّبَّاش إلى مُطالَبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهانِ. (وَحِرْزُ الْبَابِ: تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ)، مَفْتوحًا كانَ أوْ مُغْلَقًا؛ لأنَّه (٨) هكذا يُحفَظُ. وفي «التَّرغيب»: حِرْزُ باب بيت (٩)، أوْ خِزانَةٍ بغلقه (١٠)،

стр. 5848

أو غلق (١) بابِ الدَّارِ عَلَيهِ. وحِرْزُ جِدارِ الدَّار: كَونُه مبنيًّا (٢) فيه إذا كان في العُمْران، أوْ في الصَّحراء إذا كان ثَمَّ حافِظٌ، فإنْ أخَذَ شَيئًا من الجِدار، أوْ خَشَبَةً تَبلُغُ نِصابًا؛ قُطِعَ، وإنْ هَدَمَ الحائطَ ولم يَأخُذْهُ؛ فلا قَطْعَ. وأبْوابُ الخَزائنِ في الدَّارِ إنْ كان بابُ الدَّار مُغلَقًا؛ فهِيَ مُحرَزَةٌ، وإنْ كان مفتوحًا فلا، إلاَّ أن (٣) يكونَ فِيهَا حافِظٌ. فرعٌ: حَلَقَةُ الباب (٤) إنْ كانَتْ مُسَمَّرَةً؛ فهِي مُحْرَزَةٌ، وإلاَّ فَلَا. (فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ الْكَعْبَةِ)، وهُو: بابُها العظيمُ، ويُقالُ: أُرْتِجَ على (٥) القارئ؛ إذا لم يَقدِرْ على القِراءَةِ، (أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ)، وهو: ما جُعِلَ مِنْ أسْفَلِ حائطه مِنْ لُبَّادٍ أوْ دُفُوفٍ ونحوِه؛ (قُطِعَ)؛ كبابِ بَيتِ الآدَمِيِّ، والمُطالَبَةُ بذلك (٦) للإمام، أوْ مَنْ يَقُومُ مَقامَه. وقِيلَ: لا قَطْعَ؛ لأِنَّه يَنتَفِعُ بهما الناس (٧)، فيكُونُ له فيه شُبْهَةٌ؛ كالسَّرِقة مِنْ بَيتِ المالِ. وقِيلَ: لا يُقطَعُ مُسْلِمٌ بباب (٨) مسجِدٍ، كحُصرِه (٩)، ونحوِها في الأصحِّ. (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا)؛ أي: الخارِجَة منها (١٠)،

стр. 5849

نَصَّ عَلَيهِ (١)، وهو ظاهِرُ المذْهَبِ، قالَهُ ابنُ الجَوزيِّ؛ كغَيرِ المخِيطةِ، ولأنَّها (٢) غَيرُ مُحْرَزَةٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ المَخِيطَةِ عَلَيْهَا)، وهو رِوايَةٌ، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ ذلك حِرْزُ مِثْلِها في العادَةِ، وحَمَلَ ابنُ حَمْدانَ النَّصَّ على غَيرِ المَخِيطَةِ. (وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حُصُرَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُقطَعُ؛ لأِنَّ المسْجِدَ حِرْزٌ لها، فقُطِع (٣)؛ كالباب. والثَّانِي: لا (٤)، وهو الأصحُّ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ كالسَّرِقة مِنْ بَيتِ المالِ، وذَكَرَه في «المغْنِي» وجْهًا واحِدًا، وَالأَشْهَرُ: أنَّه لا يُقْطَعُ إذا كان السَّارِقُ مُسْلِمًا. وفي «الكافي»: أنَّه إذا سَرَقَ قَنادِيلَ مَسْجِدٍ، أوْ حُصُرَه ونحوَه مِمَّا جُعِلَ لِنَفْعِ المصَلِّينَ؛ فلا قَطْعَ. (وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ) أوْ غيره (٥)، أوْ عَلَى مَجَرِّ فرسه (٦) ولم يَزُلْ عَنْهُ، أوْ نَعْلُهُ في رِجْلِه، (فَسَرَقَهُ سَارِقٌ؛ قُطِعَ)؛ لِمَا رَوَى صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ: «أنَّه نامَ في المسْجِدِ على رِدائِه، فأخَذَه مِنْ تَحْتِ رَأْسِه سارِقٌ، فأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَطْعِه» رواهُ أبو داودَ (٧).

стр. 5850

وظاهِرُ كلامِهم: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكُونَ في البلد أوْ بَرِّيَّةٍ. (وَإِنْ مَالَ رَأْسُهُ عَنْهُ؛ لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ)؛ لأِنَّه لم يَبْقَ مُحْرَزًا. وفي «المستوعب»: أنَّه يَجِبُ القَطْعُ ما دَامَ عَلَيهِ شيء (١) مِنْ أعْضائِه حالَ نَومِه، فإنِ انْقَلَبَ عنه ولم يَبْقَ عَلَيهِ شيء (٢) مِنْ أعْضائِه؛ فلا، وذكره (٣) في «الرِّعايةِ» وَجْهًا. (وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلاً وَثَمَّ حافِظٌ؛ قُطِعَ)؛ لأِنَّ حِرْزَه بحافِظِه، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي (٤): إذا لم يكُنْ ثَمَّ حافِظٌ فلا قَطْعَ؛ لأِنَّه مالٌ غَيرُ مُحرَزٍ. وفي «المحرر» (٥): هل حِرْزُه بحافِظٍ أم لا (٦)؟ فِيهِ رِوايَتانِ. (وَمَنْ سَرَقَ مِنَ (٧) النَّخْلِ أَوِ الشَّجَرِ (٨) مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ)، وفاقًا (٩). وقال أبو ثَورٍ: إن (١٠) كان من بُسْتانٍ مُحْرَزٍ؛ فَفِيهِ القَطْعُ، وقاله (١١) ابنُ المنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ الآيَةِ، وكسائِرِ المحْرَزات.
следующие страницы →