← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

فرعٌ: وحِرْزُ الثِّياب في أعْدالٍ، أوْ غزلٍ (١) في سُوقٍ وخانٍ، وما كان مُشْتَرَكًا في الدُّخول إلَيهِ؛ بِحافِظٍ على الأصحِّ. وقِيلَ: لَيسَ الحَمَّامِيُّ حافِظًا بجُلوسِه، ولا الذي يُدخِلُ الطَّاساتِ. (وَحِرْزُ الْكَفَنِ فِي الْقَبْرِ عَلَى الْمَيِّتِ، فَلَوْ نَبَشَ قَبْرًا، وَأَخَذَ الْكَفَنَ؛ قُطِعَ)، رُوِيَ عن (٢) ابنِ الزُّبَير (٣)، وقاله الحَسَنُ، وعمر (٤) بنُ عبدِ العزيز؛ لقول (٥) عائشةَ: «سارِقُ أمواتنا (٦) كسِارِقِ أحْيائِنا» (٧)، ولأنَّه (٨) سَرَقَ مالاً مُحتَرَمًا مِنْ حِرْزٍ، فَوَجَبَ القَطْعُ به كغَيرِه، ولأنه (٩) يُوضَعُ فيه عادَةً، ولا يُعَدُّ واضِعُه مُفَرِّطًا. وعَنْهُ: لا قَطْعَ. وعَنْهُ: إلاَّ أنْ يُخرِجَ الميِّتَ من القبر، ويَأخُذَه منه، ذَكَرَها في «النِّهاية». وظاهِرُه: لا فَرْقَ في القبر أنْ يكونَ في حِرْزٍ أوْ لا؛ كالصَّحراء، قاله جماعةٌ.

стр. 5847

وفي «الواضح»: في (١) مَقْبَرةٍ مَصُونَةٍ بقُرْبِ البَلَدِ، ولم يَقُلْ في «التَّبصرة»: مَصونَةٍ. ولا بدَّ أنْ يكُونَ الكفن (٢) مَشْروعًا، وأنْ يُخرِجَه من القَبْر؛ لأِنَّه الحِرْزُ، فإنْ أخْرَجَه من اللَّحْد، وَوَضَعَه في القَبْر؛ فلا قَطْعَ. وما زاد على الكَفَن المشروع (٣) كاللِّفافة الرابعة (٤)، أوْ ترك (٥) معه طِيبًا؛ فلا قَطْعَ في شَيءٍ مِنْ ذلك. وفي «الخلاف»: يُقطَعُ بسَرِقَةِ الطِّيبِ؛ لأِنَّه مِنْ السُّنَّة. وفي كَونِه ملْكًا له (٦) أوْ لِوارِثِه؛ فِيهِ وَجْهانِ، وعَلَيهِما: هو خَصْمُه، فإنْ عُدِمَ؛ فنائِبُ الإمام، ولو كفَّنَه أجْنَبِيٌّ، وقِيلَ: هو. ويُسْتَثْنَى على المذْهَبِ: ما (٧) إذا أكَلَهُ ضبعٌ، فإنَّ كَفَنَه إرْثٌ، ولا يُقطَعُ سارِقُه. وهل يَفتَقِرُ في قَطْعِ النَّبَّاش إلى مُطالَبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهانِ. (وَحِرْزُ الْبَابِ: تَرْكِيبُهُ فِي مَوْضِعِهِ)، مَفْتوحًا كانَ أوْ مُغْلَقًا؛ لأنَّه (٨) هكذا يُحفَظُ. وفي «التَّرغيب»: حِرْزُ باب بيت (٩)، أوْ خِزانَةٍ بغلقه (١٠)،

стр. 5848

أو غلق (١) بابِ الدَّارِ عَلَيهِ. وحِرْزُ جِدارِ الدَّار: كَونُه مبنيًّا (٢) فيه إذا كان في العُمْران، أوْ في الصَّحراء إذا كان ثَمَّ حافِظٌ، فإنْ أخَذَ شَيئًا من الجِدار، أوْ خَشَبَةً تَبلُغُ نِصابًا؛ قُطِعَ، وإنْ هَدَمَ الحائطَ ولم يَأخُذْهُ؛ فلا قَطْعَ. وأبْوابُ الخَزائنِ في الدَّارِ إنْ كان بابُ الدَّار مُغلَقًا؛ فهِيَ مُحرَزَةٌ، وإنْ كان مفتوحًا فلا، إلاَّ أن (٣) يكونَ فِيهَا حافِظٌ. فرعٌ: حَلَقَةُ الباب (٤) إنْ كانَتْ مُسَمَّرَةً؛ فهِي مُحْرَزَةٌ، وإلاَّ فَلَا. (فَلَوْ سَرَقَ رِتَاجَ الْكَعْبَةِ)، وهُو: بابُها العظيمُ، ويُقالُ: أُرْتِجَ على (٥) القارئ؛ إذا لم يَقدِرْ على القِراءَةِ، (أَوْ بَابَ مَسْجِدٍ، أَوْ تَأْزِيرَهُ)، وهو: ما جُعِلَ مِنْ أسْفَلِ حائطه مِنْ لُبَّادٍ أوْ دُفُوفٍ ونحوِه؛ (قُطِعَ)؛ كبابِ بَيتِ الآدَمِيِّ، والمُطالَبَةُ بذلك (٦) للإمام، أوْ مَنْ يَقُومُ مَقامَه. وقِيلَ: لا قَطْعَ؛ لأِنَّه يَنتَفِعُ بهما الناس (٧)، فيكُونُ له فيه شُبْهَةٌ؛ كالسَّرِقة مِنْ بَيتِ المالِ. وقِيلَ: لا يُقطَعُ مُسْلِمٌ بباب (٨) مسجِدٍ، كحُصرِه (٩)، ونحوِها في الأصحِّ. (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ سِتَارَتِهَا)؛ أي: الخارِجَة منها (١٠)،

стр. 5849

نَصَّ عَلَيهِ (١)، وهو ظاهِرُ المذْهَبِ، قالَهُ ابنُ الجَوزيِّ؛ كغَيرِ المخِيطةِ، ولأنَّها (٢) غَيرُ مُحْرَزَةٍ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ المَخِيطَةِ عَلَيْهَا)، وهو رِوايَةٌ، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ ذلك حِرْزُ مِثْلِها في العادَةِ، وحَمَلَ ابنُ حَمْدانَ النَّصَّ على غَيرِ المَخِيطَةِ. (وَإِنْ سَرَقَ قَنَادِيلَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حُصُرَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُقطَعُ؛ لأِنَّ المسْجِدَ حِرْزٌ لها، فقُطِع (٣)؛ كالباب. والثَّانِي: لا (٤)، وهو الأصحُّ، جَزَمَ به في «الوجيز»؛ كالسَّرِقة مِنْ بَيتِ المالِ، وذَكَرَه في «المغْنِي» وجْهًا واحِدًا، وَالأَشْهَرُ: أنَّه لا يُقْطَعُ إذا كان السَّارِقُ مُسْلِمًا. وفي «الكافي»: أنَّه إذا سَرَقَ قَنادِيلَ مَسْجِدٍ، أوْ حُصُرَه ونحوَه مِمَّا جُعِلَ لِنَفْعِ المصَلِّينَ؛ فلا قَطْعَ. (وَإِنْ نَامَ إِنْسَانٌ عَلَى رِدَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ) أوْ غيره (٥)، أوْ عَلَى مَجَرِّ فرسه (٦) ولم يَزُلْ عَنْهُ، أوْ نَعْلُهُ في رِجْلِه، (فَسَرَقَهُ سَارِقٌ؛ قُطِعَ)؛ لِمَا رَوَى صَفْوانُ بنُ أُمَيَّةَ: «أنَّه نامَ في المسْجِدِ على رِدائِه، فأخَذَه مِنْ تَحْتِ رَأْسِه سارِقٌ، فأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بقَطْعِه» رواهُ أبو داودَ (٧).

стр. 5850

وظاهِرُ كلامِهم: لا فَرْقَ بَينَ أنْ يكُونَ في البلد أوْ بَرِّيَّةٍ. (وَإِنْ مَالَ رَأْسُهُ عَنْهُ؛ لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ)؛ لأِنَّه لم يَبْقَ مُحْرَزًا. وفي «المستوعب»: أنَّه يَجِبُ القَطْعُ ما دَامَ عَلَيهِ شيء (١) مِنْ أعْضائِه حالَ نَومِه، فإنِ انْقَلَبَ عنه ولم يَبْقَ عَلَيهِ شيء (٢) مِنْ أعْضائِه؛ فلا، وذكره (٣) في «الرِّعايةِ» وَجْهًا. (وَإِنْ سَرَقَ مِنَ السُّوقِ غَزْلاً وَثَمَّ حافِظٌ؛ قُطِعَ)؛ لأِنَّ حِرْزَه بحافِظِه، (وَإِلاَّ فَلَا)؛ أي (٤): إذا لم يكُنْ ثَمَّ حافِظٌ فلا قَطْعَ؛ لأِنَّه مالٌ غَيرُ مُحرَزٍ. وفي «المحرر» (٥): هل حِرْزُه بحافِظٍ أم لا (٦)؟ فِيهِ رِوايَتانِ. (وَمَنْ سَرَقَ مِنَ (٧) النَّخْلِ أَوِ الشَّجَرِ (٨) مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ؛ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ)، وفاقًا (٩). وقال أبو ثَورٍ: إن (١٠) كان من بُسْتانٍ مُحْرَزٍ؛ فَفِيهِ القَطْعُ، وقاله (١١) ابنُ المنْذِرِ؛ لِظَاهِرِ الآيَةِ، وكسائِرِ المحْرَزات.

стр. 5851

وجَوابُه: ما رَوَى رافِعٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَر (١)» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ (٢)، وظاهِرُه: ولو كان عَلَيهِ حائِطٌ وحافظ (٣)، لكِنْ إنْ كانَت الشَّجَرةُ في داره، وهِيَ مُحرَزةٌ، فَسَرَقَ منها نِصابًا؛ قُطِعَ. (وَيَضْمَنُ عِوَضَهَا مَرَّتَيْنِ)؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّه عبدِ الله، قال: سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ عن الثَّمَرِ المعلَّقِ، فقال: «مَنْ أصابَ مِنْهُ بِفِيهِ مِنْ ذِي حاجَةٍ غَيرِ مُتَّخِذٍ خُبْنة (٤)؛ فلا شَيءَ عَلَيهِ، ومَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ منه؛ فَعَلَيهِ غَرامَةُ مِثْلَيْهِ والعُقُوبةُ، ومَنْ سَرَقَ مِنْه شَيئًا بَعْدَ أنْ يُؤْوِيَه الجَرِينُ، فَبَلَغَ ثَمنَ (٥) المِجَنِّ؛ فَعَلَيهِ القَطْعُ» رواه أحمدُ، والنَّسائِيُّ، وأبو داودَ ولَفْظُه له، قال أحمدُ: لا أعلم شَيئًا يَدْفَعُه (٦).

стр. 5852

وقال أكثرُ العُلَماء: لا يَجِبُ أكثرُ مِنْ مثْلِه، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا قال بِوُجوبِ غَرامَةِ مِثْليه (١)، واحْتَجَّ أحمدُ (٢): بأنَّ «عمرَ أغرم (٣) حاطِبَ ابنَ أبي بَلْتَعَةَ حِينَ نَحَرَ غِلْمانُه ناقةَ (٤) رَجُلٍ مِنْ مُزَينَةَ مِثْلَيْ قيمتِها (٥)» رواهُ الأثْرَمُ (٦)، قال القاضِي في «الخلاف»: وفي هذا دَلالَةٌ على أنَّ السَّرِقةَ في عامِ المجاعة يُضاعَف (٧) الغُرْمُ فيها على قَولِ أحمدَ، ولأِنَّ الثِّمارَ في العادة تَسبِقُ اليَدُ إلَيهَا، فجازَ أنْ يُغلَّظ (٨) عليه (٩)

стр. 5853

في القِيمة ردعًا له (١) وزَجْرًا، بخِلافِ بقيَّةِ المواضِعِ، فإنَّها في العادة (٢) مَحْرُوزَةٌ، فاليَدُ لا تُسْرِعُ إلَيهَا. ومُقتَضاهُ: وإنْ كان (٣) المأخُوذُ دُونَ نِصابٍ ومِن غَيرِ حِرْزٍ، وقالَهُ القاضِي والزَّرْكَشِيُّ. فرعٌ: لا قَطْعَ في (٤) عامِ مَجاعةِ غَلاءٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، إذا لم يَجِدْ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ يَشتري (٦) به، قال جماعةٌ: ما لم يُبذَلْ له ولو بثَمَنٍ غالٍ (٧)، وفي «التَّرغيب»: ما يُحْيِي به نَفْسَه. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ حِرْزَ الْمَالِ؛ فَهُوَ حِرْزٌ لِمَالٍ آخَرَ)؛ لأِنَّ الشَّرعَ وَرَدَ مِنْ غَيرِ تَفْصِيلٍ، وحَمَلَه أبو الخَطَّاب على قُوَّةِ السُّلْطانِ وعَدْلِه، وبَسْطِ الأمن (٨). والأصحُّ الأوَّلُ؛ لأِنَّه إنَّما رَجَعْنا في الحِرْزِ إلى العُرْف والعادَةِ، فالجَواهِرُ لا تُحرَزُ في الصِّيَرِ، فإنْ أحْرَزَها فيه؛ عُدَّ مُفَرِّطًا، فكان (٩) العَمَلُ بالعُرْف أَوْلَى. فرعٌ: قال أصْحابُنا: في الماشِيَةِ تُسرَق (١٠) من المرْعَى مِنْ غَيرِ أنْ تكُونَ

стр. 5854

مُحْرَزَةً؛ مِثْلَا قِيمَتِها؛ للخبر (١)، وما عَدا هَذَينِ المَوضِعَينِ لا يُضمَنُ بأكثرَ مِنْ قِيمَتِه، أوْ مِثْلِه إنْ كان مِثْلِيًّا؛ لأِنَّه الأصْلُ، خُولِفَ في هذَينِ؛ للأثَرِ. وذَهَبَ أبو بَكْرٍ: إلى غَرامَةِ مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيرِ حِرْزٍ بمثليه (٢)، وهو رِوايَةٌ. وقَدَّمَ في «المحرَّر»: أنَّها تُضاعَفُ عَلَيهِ القِيمةُ، نَصَّ عَلَيهِ (٣).

стр. 5855

(فَصْلٌ) (الْخَامِسُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ)؛ لأِنَّ القَطْعَ حَدٌّ، فيُدْرَأُ بالشُّبهة. (فَلَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ ابْنِهِ، وَإِنْ سَفَلَ)؛ لأِنَّ له فيه شُبْهةً؛ لقَولِه ﵇: «أنْتَ ومالُكَ لأبيك» (١)، ولأِنَّه أَخَذَ ما (٢) له أخْذُه؛ لقَولِه: «إنَّ أطْيَبَ ما أكلتُم (٣) مِنْ كَسْبِكُم، وإنَّ أوْلادَكم مِنْ كسبكم (٤)» (٥)، ولأِنَّه يُدْرَأُ بالشبهة (٦). (وَلَا الْوَلَدُ مِنْ مَالِ أَبِيهِ وَإِنْ عَلَا (٧)؛ لأِنَّ بَينَهما قَرابَةٌ تَمنَعُ شهادَةَ أحدهما (٨) لصاحِبِه، فلم يُقْطَعْ بالسَّرِقة مِنْهُ؛ كالأب، ولأِنَّ النَّفَقةَ تَجِبُ لِلاِبْنِ في مالِ أبيهِ حِفْظًا له، فلا يَجُوزُ إتْلافُه حِفْظًا للمال. وعَنْهُ: يُقطَعُ، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ، ولأِنَّه يُقادُ به ويُحَدُّ بالزِّنى بجارِيَتِه، فيُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه؛ كالأجنَبِيِّ. وجَوابُه ما سَبَقَ، والزِّنى بجارِيَتِه فَفِيهِ مَنْعٌ، وإنْ سُلِّمَ؛ فإنَّما وَجَبَ عَلَيهِ الحَدُّ؛ لأِنَّه لا شُبْهةَ له فيها (٩).

стр. 5856

(وَالْأَبُ وَالْأُمُّ فِي هَذَا سَوَاءٌ)؛ لأِنَّها أَوْلَى بالبِرِّ، وإذا لم يكن (١) فالمساواةُ. والجَدُّ والجَدَّةُ مِنْ قِبَلِهِما سواءٌ. (وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ (٢) سَيِّدِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لِمَا روى (٤) سعيدٌ، عن سُفْيانَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن السائب بنِ يَزِيدَ، عن عمرَ: أنَّه جاءه عبدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ الحَضْرَمِيِّ بغُلامٍ له، فقال: إنَّ غُلامِي قد سَرَقَ، فأَقْطَعُ يَدَه؟ فقال عمرُ: «خادِمُكم أَخَذَ مالَكُم» (٥)، وكان (٦) ذلك بمَحْضَرٍ من الصَّحابة، ولم يُنكَرْ، فكان كالإجماع، وقال ابنُ مَسْعودٍ: «لا قَطْعَ، مالُكَ سَرَقَ مالَكَ» (٧). والمكاتَبُ، وأمُّ الوَلَدِ، والمدَبَّرُ؛ كالقِنِّ.

стр. 5857

ولا يُقطَعُ سيِّدٌ بسَرِقَةِ مالِ مُكاتَبِه، فإنْ مَلَكَ وَفاءً؛ فيَتَوجَّهُ الخِلافُ. وفي «الاِنْتِصار» فِيمَنْ وارِثُه حُرٌّ: يُقطَعُ، ولا يُقتَل (١) به. وكلُّ مَنْ لا يُقطَعُ الإنسانُ بسَرِقَةِ مالِه لا يُقطَعُ عَبدُه بسَرِقَةِ مالِه. (وَلَا مُسْلِمٌ بِالسَّرِقَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ لِمَا رَوَى ابنُ ماجَهْ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ عَبْدًا مِنْ رقيقِ الخُمُس سَرَقَ مِنْ الخُمُس، فرُفِعَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فلم يَقْطَعْهُ، وقال: «مالُ الله (٣) سَرَقَ بعضُه بَعْضًا» (٤)، وقال عمرُ وابن (٥) مَسْعودٍ: «مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيتِ المال (٦) فلا قَطْعَ، ما مِنْ أحَدٍ إلاَّ ولَهُ في هذا المالِ حقٌّ» (٧)، وقال سعيدٌ: ثَنَا هُشَيمٌ، أنا مُغِيرَةُ، عن الشَّعْبِيِّ، عن

стр. 5858

عليٍّ: «لَيسَ على مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيتِ المال قَطعٌ» (١). وكذا لا يُقطَعُ بالسَّرِقة مِنْ غَنيمةٍ لم تُخَمَّسْ، أوْ فَقِيرٌ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ على الفُقَراء. فلو سَرَقَ ذِمِّيٌّ، أوْ عَبْدٌ مُسْلِمٌ مِنْ بَيتِ المالِ؛ قُطِع (٢)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، قاله في «المحرَّر»، والمذْهَبُ خِلافُه. (وَلَا مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شِرْكَةٌ)؛ كالمال المشْتَرَكِ بَينَه وبَينَ شَريكِه؛ لأِنَّه إذا لم يُقْطَع الأبُ بسَرِقَةِ مالِ ابْنِه لكَونِ أنَّ له فيه شُبْهةً؛ فَلَأَنْ لا يُقطَعَ بالسَّرِقة مِنْ مالِ شَريكِه من بابِ أَوْلَى. (أَوْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ مِنْهُ)؛ كمالٍ مُشتَرَكٍ لأبيه وابنِه؛ لأِنَّ له فيه شُبهَةً. (وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِمَّنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ)؛ أيْ: لم تُخمَّسْ (٤)، (أَوْ لِوَلَدِهِ،

стр. 5859

أَوْ سَيِّدِهِ؛ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لأِنَّ له في المال المسْرُوقِ حَقًّا، أوْ شبهة (١) حقٍّ، وكلٌّ منهما يَمنَعُ الحَدَّ. وحَكَى ابنُ أبي مُوسى: أنَّه يُحرَقُ رَحْلُه كالغالِّ. وإنْ أُخْرِجَ الخُمُسُ، فَسَرَقَ مِنْ الأَرْبَعةِ أخماسٍ؛ قُطِعَ. (وَهَلْ يُقْطَعُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الآْخَرِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وكذا في «المحرَّر»: إحداهما: لا قَطْعَ (٢)، اختارها (٣) الخِرَقِيُّ وأبو بكرٍ، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وقدَّمها في «الفروع»، وذَكَرَ أنَّها اخْتِيارُ الأَكْثَرِ، وهي (٤) قَولُ عمرَ، رواهُ سعيدٌ بإسْنادٍ جَيِّدٍ (٥)، ولأِنَّ كلًّا منهما يَرِثُ صاحِبَه بغَيرِ حَجْبٍ، ويَنبَسِطُ بمالِه، أشْبَهَ الوَلَدَ والوالِدَ، وكما لو مَنَعَها نَفَقَتَها، قاله في «التَّرغيب». والثَّانِيَةُ: يُقطَعُ؛ كحِرْزٍ مُفرَدٍ، قالَهُ في «التَّبصرة»؛ كضَيفه، وصديقِه، وعَبْدِه من امرأتِه، مِنْ مالٍ مُحْرَزٍ عنه، ولم يَمنَع الضَّيف قِراهُ، قال (٦) في «الشَّرح»: وهي ظاهِرُ الخِرَقِيِّ؛ لِعُمومِ الآيةِ، وكالأجنبي (٧). وفرَّقَ قَومٌ، فقالوا: يُقطَعُ الزَّوجُ بسَرِقَةِ مالها؛ لأِنَّه لا حقَّ له فيه، بخِلافِها؛ لأِنَّ لها النَّفقةَ فيه. فأمَّا إنْ لم يكُنْ مالُ أحدِهما مُحرَزًا عن الآخَرِ؛ فلا قَطْعَ، رِوايَةً واحِدةً.

стр. 5860

فرعٌ: لا تُقطَعُ الزَّوجةُ بسَرِقَةِ نَفَقَتِها أوْ نَفَقةِ ولدِها الواجِبةِ مع مَنْعِها منهما (١)، سواءٌ أَخَذَتْ قَدْرَ ذلك أوْ أكثرَ منه؛ لأِنَّها تَستَحِقُّ قَدْرَ ذلك، فالزَّائدُ يكُونُ مُشْتَرَكًا، بما (٢) تستحقُّ (٣) أخذه. (وَيُقْطَعُ سَائِرُ الْأَقَارِبِ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ أَقَارِبِهِمْ)، نَصَرَه القاضِي والمؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ القَرابَةَ هنا لا تَمنَعُ قَبُولَ الشَّهادة، فلا تَمنَعُ القَطْعَ، ولأِنَّ الآيَةَ والأخبارَ تَعُمُّ كلَّ سارِقٍ، خَرَجَ منه ما تقدَّم، فيَبْقَى ما عَداهُ على مُقتَضَى الأَصْلِ. وقِيلَ: إلاَّ ذِي رَحِمٍ مَحرَمٍ. وفي «الواضِحِ»: قَطْعُ غَيرِ أَبٍ. (وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِالسَّرِقَةِ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٤)؛ لأِنَّ مالَه صار معصومًا بأداء (٥) الجزية (٦)، فوجب (٧) القَطْعُ بسَرِقَتِه؛ كمالِ المسْلِمِ، (وَالمُسْتَأْمِنِ)؛ لأِنَّ مالَه مالُ الذِّمِّيِّ، بدليلِ: أنَّه يَجِبُ الضَّمانُ بإتْلافِه. (وَيُقْطَعَانِ بِسَرِقَةِ مَالِهِ)؛ لأِنَّه إذا قُطِعَ المسلم (٨) بسَرِقَةِ مالِهم؛ فلأن يُقْطَعُوا بسَرِقَةِ مالِه بطَريقِ الأَوْلَى، وكقَوَدٍ، وحَدِّ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيهِما (٩)، وضَمانِ مُتْلَفٍ.

стр. 5861

وقال ابنُ حامِدٍ: لا يُقطَعُ مُسْتَأْمنٌ؛ كحَدِّ خَمْرٍ وزِنًى، نَصَّ عَلَيهِ (١)، بغَيرِ مُسلِمَةٍ، وسَوَّى في «المنتخب» بَينَهما في عَدَمِ الْقَطْعِ. (وَمَنْ سَرَقَ عَيْنًا)، أوْ بَعضَها، (وَادَّعَى أَنَّهَا مِلْكُهُ؛ لَمْ يُقْطَعْ)، نَصَرَه القاضِي في «الخِلافِ»، وذَكَرَ أنَّها أصحُّ، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرةَ أنَّها ظاهِرُ المذْهَبِ، وسَمَّاه الشَّافِعيُّ: السَّارِقَ الظَّريفَ (٢)؛ لأنَّ ما ادَّعاه مُحتَمِلٌ، فيكُونُ شُبْهةً في دَرْءِ الحَدِّ. (وَعَنْهُ: يُقْطَعُ)، قدَّمها في «المحرَّر» و «الرِّعاية»؛ لأنَّه (٣) لو لم يكُنْ كذلك؛ لَأَدَّى إلى عَدَمِ وُجوبِ القَطْع، فتَفُوتُ المصلحةُ بالكُلِّيَّةِ، وذلك غَيرُ مُعتَبَرٍ. (وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ)، اخْتارَه في «التَّرغيب»؛ للعِلْم بكَذِبِه. وكذا إذا ادَّعى أنَّه أُذِنَ له في دُخولِ الدَّار. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: لو شُهِدَ عَلَيهِ، فقال: أَمَرَنِي رَبُّ الدَّار أنْ أُخْرِجَه؛ لم يُقبَلْ منه (٤)، قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ مِثْلُه حَدُّ زِنًى، وذَكَرَ القاضِي وغَيرُه: لا يُحدُّ. (وَإِذَا سَرَقَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ مَالَ السَّارِقِ، أَوِ المَغْصُوبُ (٥) مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ مِنَ الْحِرْزِ الذِي فِيهِ الْعَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ أَوِ الْمَغْصُوبَةُ؛ لَمْ يُقْطَعْ)؛ لأِنَّ لكلِّ واحِدٍ مِنهُما شُبْهةً في هَتْكِ الحِرْز مِنْ أجْلِ أخْذِ ماله، فإذا هَتَكَ الحِرْزَ؛ صارَ كأنَّ

стр. 5862

المالَ المسْروقَ منه أُخِذَ مِنْ غَيرِ حِرْزٍ. وقِيلَ: بلى (١) إنْ تَميَّزَ؛ لأِنَّه لا شُبْهةَ له فيه؛ كما لا يَجُوزُ أخذُ (٢) قَدْر مالِه إذا عَجَزَ عن أخْذِه. (وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْحِرْزِ، أَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ (٣) لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ قُطِعَ)؛ لأِنَّه لا شُبْهَةَ له فيه (٤). (إِلاَّ أَنْ يَعْجِزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ، فَيَسْرِقَ قَدْرَ حَقِّهِ؛ فَلَا يُقْطَعُ)، نَصَرَه المؤلِّفُ وغَيرُه، لأِنَّ بعضَ العُلَماء أباحَ له الأَخْذَ، فيكُونُ الاِخْتِلافُ في إباحَةِ الأخذِ (٥) شُبْهَةً دارئة لِلْحَدِّ؛ كالوَطْءِ في نِكاحٍ مُختَلَفٍ في صِحَّتِه. فإنْ سَرَقَ أكثرَ مِنْ حَقِّه؛ فَهَلْ يُقطَعُ هنا؟ فيه وَجْهانِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: يُقْطَعُ)، قَدَّمَه في «الرِّعاية»؛ لأِنَّه لا يَجُوزُ له الأخْذُ، قال في «المغْنِي» (٦): لا تكفي (٧) الشُّبْهةُ النَّاشِئَةُ عن الاِخْتلاِفِ. ثُمَّ قال في «الرِّعاية»: وقِيلَ: إنْ أَخَذَه ولا بَيِّنةَ، أوْ عَجَزَ عنه؛ فلا. وعلى كلِّ حالٍ: لا يَأخُذُ بِدُونِ إذْنِه، أوْ إذْنِ حاكِمٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٨). (وَمَنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ، ثُمّ عَادَ فَسَرَقَهَا) مِنْ ذلك المنزلِ أوْ غَيرِه؛ (قُطِعَ)؛ لأِنَّه لم يَنزَجِرْ، أشْبَهَ ما لو سَرَقَ غَيرَها، بخِلافِ حدِّ القَذْفِ، فإنَّه لا يُعادُ مرَّةً أخرى؛ لأِنَّ الغَرَضَ إظْهارُ كذبه، وقد ظَهَرَ، وهنا المقْصودُ رَدْعُه وزَجْرُه عن

стр. 5863

السَّرِقَة، ولم يُوجَدْ، فيُرْدَعُ بالثَّانِي؛ كما لو سَرَقَ عَيْنًا أخْرَى. (وَمَنْ آجَرَ دَارَهُ أَوْ أَعَارَهَا، ثُمَّ سَرَقَ مِنْهَا مَالَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ قُطِعَ)؛ لأِنَّه هَتَكَ حِرْزًا، وسَرَقَ مِنْه نِصابًا لا شُبْهَةَ فيه، فَقُطِعَ؛ كما لو سَرَقَ مِنْ مِلكِهما. واخْتارَ ابنُ حَمْدانَ: لا قَطْعَ على المُعِيرِ. لما (١) تقدَّم، ولأِنَّ هذا قد صار حِرْزًا لِملْكِ غَيرِه، فلا يَجُوزُ له الدُّخولُ إلَيهِ، وإنَّما يَجُوزُ له (٢) الرُّجوعُ في العارية. وفي «التَّرغيب» احْتِمالٌ: إنْ قَصَدَ بدُخولِه الرُّجوعَ. قال في «الفُنونِ»: له الرُّجوعُ بقَولٍ، لا سَرِقَةٍ. تنبيهٌ: إذا تكرَّر منه السَّرِقةُ قَبْلَ القَطْع؛ قُطع مرَّةً، قَدَّمَه في «الرِّعاية»، وصحَّحه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ القَطْعَ خالِصُ حقِّ اللهِ (٣) تَعالَى، فتَداخَلَ؛ كحَدِّ الزِّنى والشُّرب. وعَنْهُ: إنْ سَرَقَ مِنْ جماعةٍ وجاؤوا مُتفَرِّقِينَ؛ لم يتداخل (٤)؛ كحدِّ القَذْفِ. والفَرْقُ: أنَّ حَدَّ القَذْفِ حقٌّ لآِدَمِيٍّ.

стр. 5864

(فَصْلٌ) (السَّادِسُ: ثُبُوتُ السَّرِقَةِ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى أوْجَبَ القَطْعَ على السَّارِق، ولا يَتَحَقَّقُ ذلك إلاَّ بعد ثبوته (١). (بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ)، قال ابنُ المنْذِرُ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهْل العِلْم على أنَّ قَطْعَ السَّارِق يَجِبُ إذا شَهِدَ بها (٢) شاهِدانِ حُرَّانِ مُسلِمانِ (٣)، بشَرْطِ أنْ يَصِفاها، ولا تسمع (٤) قَبْلَ الدَّعْوَى في الأصحِّ. فإنْ كان المسْروقُ منه غائبًا، فطالَبَ وكيلُه (٥)؛ احْتاجَ الشَّاهِدانِ أنْ يرفعا (٦) في نَسَبِه بحَيثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيرِه، فإنْ وَجَبَ القَطْعُ بشهادَتِهما؛ لم تسقط (٧) بمَوتهما، ولا غَيبَتِهما. فإنْ شَهِدَتْ في غَيبَتِه، ثُمَّ حَضَرَ؛ أُعِيدَتْ. فإن اخْتَلَفا في الزَّمان والمكان والمسْرُوقِ؛ فلا قَطْعَ في قَولِهم جميعًا. وإن (٨) اخْتَلَفا في اللَّونِ، أوْ قَالَ أحدُهما: سَرَقَ هَرَويًّا، وقال الآخَرُ: مَرْوِيًّا؛ فوَجْهانِ. (أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ)؛ لِمَا رُوِيَ عن أبي أمية (٩) المخْزُوميِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِي

стр. 5865

بِلِصٍّ قد اعْتَرَفَ، فقال: «إخالُك (١) سَرَقْتَ؟» قال (٢): بلى، فأعاد عليه مَرَّتَينِ، قال: بلى، فأَمَرَ به فقُطِعَ، رواهُ أبو داودَ (٣)، ورُوِيَ عن عليٍّ أنَّه قال لِسارِقٍ: «سَرَقْتَ؟»، مرتين (٤)، قال: فشَهِدَ على نَفْسِه مَرَّتَينِ، فقُطِعَ، رواهُ الجُوزَجانِيُّ (٥)، ولأِنَّه يَتضَمَّنُ إتْلافًا، فكان مِنْ شَرْطِه التَّكْرارُ؛ كحَدِّ الزِّنى، أوْ يُقالُ: أَحَدُ حُجَّتَيِ القَطْعِ، فيُعتَبَرُ فيها التَّكْرارُ؛ كالشَّهادة. ويَصِفُها؛ بأن (٦) يَذْكُرَ فِيهَا شُروطَ السَّرِقةِ، بخِلافِ إقْرارِه بِزِنًى، فإنَّ في اعْتِبارِ التَّفصيل وَجْهَينِ، قالَهُ في «التَّرغيب»، بخلاف (٧) القذف؛ لحصول (٨) التَّعْيير (٩). وعَنْهُ في إقْرارِ عَبْدٍ: أربعَ مرَّاتٍ، نَقَلَه مُهَنَّى (١٠)، لا يكُونُ المتاعُ

стр. 5866

عنده (١)، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وصدَّقَه المقَرُّ له (٣) على سَرِقَةِ نِصابٍ، وفي «المغني»: أوْ قال: فَقَدْتُه، ومَعْناهُ في «الاِنْتِصار». وطالَبَهُ هو، أوْ وَكِيلُه، أوْ وليه (٤) بالسَّرِقة، لا بالقَطْعِ. وَعَنْهُ: أوْ لم يطالبه (٥)، اخْتارَهُ أبو بكرٍ وشَيخُنا (٦)؛ كإقراره (٧) بِزِنًى بأمةِ (٨) غَيرِه، وَجَبَ قَطْعُه. ولَيسَ لِحاكِمٍ حَبْسُه، قال في «عُيون المسائل»: لأِنَّه لا يتعلَّقُ به حُكْمُ حاكِمٍ، بخِلافِ السَّرِقةِ، فإنَّ للحاكم حَقًّا في القَطْعِ، فيُحْبَس. وإن (٩) كذَّب مدَّع (١٠) نفسَه؛ سقط (١١) قَطْعُه. (وَلَا يَنْزِعُ (١٢) عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يُقْطَعَ)، في قَولِ أكْثَرِهم؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما (١٣) إخَالُكَ سَرَقْتَ» (١٤)؛ عَرَّضَ له لِيَرْجِعَ، ولو لم يَسْقُطِ الحَدُّ بِرُجوعِه؛ لم يَكُنْ في ذلك فائدةٌ، ولأنَّ (١٥) قَطْعَ السَّارِقِ حَدٌّ ثَبَتَ بالاِعْتِرافِ؛ فَسَقَطَ

стр. 5867

بالرُّجوع كحَدِّ الزِّنى، ولأِنَّ حُجَّةَ القَطْع زالَتْ قَبْلَ استيفائه (١)، فسقط (٢)؛ كما لو رَجَعَ الشُّهودُ. فائدةٌ: قال أحمدُ والأكْثَرُ: لا بأْسَ بتَلْقِينِ السَّارِق لِيَرْجِعَ عن إقْرارِه (٣)؛ لِلآثارِ (٤).

стр. 5868

(فَصْلٌ) (السَّابِعُ: مُطَالَبَةُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ)، اخْتارَه الخِرَقِيُّ، ونَصَرَه القاضي في «الخِلاف»، والمؤلِّفُ في «المغْنِي»، وذَكَرَ ابنُ هُبَيرَةَ: أنَّه أظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأِنَّ المالَ يُباحُ بالبَذْل والإباحة، فيَحتَمِلُ أنْ يكُونَ مالِكُه أباحَهُ إيَّاهُ، أوْ وَقَفَه على طائفةِ المسْلِمِينَ، أوْ على جَماعَةٍ السَّارِقُ منهم (١)، أوْ أَذِنَ له في دُخُولِ حِرْزِه، فاعْتُبِرَت المطالَبةُ؛ لتزول (٢) الشُّبْهةُ. (وَقَالَ (٣) أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ)، وهو (٤) رِوايَةٌ، وصحَّحها (٥) في «الرِّعاية»؛ لِعُمومِ الآيَةِ، ولأِنَّ مُوجِبَ القَطْع السَّرِقةُ، وقد وُجِدَتْ، فَوَجَبَ القَطْعُ من غَيرِ مُطالَبَةٍ؛ كالزِّنى. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأِنَّ الزِّنَى لا يُسْتَباحُ بالإباحة، بخِلافِ السرقة (٦)، ولأِنَّ القَطْعَ أَوْسَعُ في الإسْقاطِ؛ لأنَّه لو سَرَقَ من (٧) مالِ أبِيهِ؛ لم يُقْطَعْ، ولو زَنَى بجاريتِه (٨)؛ حُدَّ، ولأِنَّ القَطْعَ شُرِعَ لِصِيانَةِ مالِ الآدَمِيِّ، فلهم به تَعلُّقٌ، فلم يُسْتَوْفَ مِنْ غَيرِ مُطالِبٍ به، والزِّنى حقٌّ لله (٩)، فلم يَفتَقِرْ إلى المُطالِبِ به (١٠).

стр. 5869

فعلى هذا: لو قال المالِكُ: غَصبْتَني (١) ونحوَه؛ لم يُقطَعْ، ولو كان المالُ لاِثْنَينِ فتَخالَفا (٢) في إقْرارِه؛ لم (٣) يُقطَعْ، إلاَّ أنْ يكُونَ لِمَنْ وافَقَه نِصابٌ؛ فيُقْطَعُ.

стр. 5870

(فَصْلٌ) (وَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ؛ قُطِعَتْ يَدُهُ (١) الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ)، بلا خِلافٍ (٢)، وفي قراءة (٣) ابنِ مَسْعُودٍ: «فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا» (٤)، وروي (٥) عن أبي بكرٍ وعمرَ أنَّهما قالا: «إذا سَرَقَ السَّارِقُ؛ فاقْطَعُوا يمينَه (٦) من الكُوعِ» (٧)، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابة، ولأِنَّ البَطْشَ بها أقْوَى، فكانَت البَداءَةُ بها أَرْدع (٨)، ولأِنَّها آلَةُ السَّرِقَة غالِبًا، فنَاسَبَ عُقُوبَتَه بإعدام (٩) آلتِها. مِنْ مَفْصِلِ الكَفِّ؛ لأنَّ اليَدَ تُطْلَقُ عَلَيهَا إلى الكُوعِ، وإلى المِرْفَق، وإلى

стр. 5871

المَنكِبِ، وإرادةُ الأوَّلِ متيقنةٌ، وما سِواهُ مَشْكُوكٌ فيه، ولا يَجِبُ القَطْعُ مع الشَّكِّ. (وَحُسِمَتْ) وُجوبًا، وقال المؤلِّفُ: يُسْتَحَبُّ، (وَهُوَ أَنْ تُغْمَسَ (١) فِي زَيْتٍ مَغْلِيٍّ)؛ لقَولِه ﵇ في سارِقٍ: «اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ»، قال ابنُ المنْذِرِ: في إسْنادِه مَقالٌ (٢). والحِكْمَةُ في الحَسْمِ: أنَّ العُضْوَ إذا قُطِعَ فغُمِسَ في ذلك الزَّيْتِ المغْلِيِّ؛ اسْتَدتْ أفْواهُ العُروقِ، فيَنقَطِعُ الدَّم؛ إذْ لو تُرِكَ بلا حَسْمٍ أَنْزف (٣) الدَّمُ، فأدَّى إلى مَوتِه. ويُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِه في عُنُقِه، زاد في «البُلْغةِ» و «الرِّعايَة»: ثَلاثَةَ أيَّامٍ إنْ رآهُ الإمامُ. (فَإِنْ عَادَ؛ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى)؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال في السَّارِق: «إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فاقطعوا (٤) رِجْلَه» (٥)،

стр. 5872

ولأِنَّه قَولُ أبي بكرٍ وعمرَ (١)، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابة، فيكُونُ كالإجْماعِ. وإنَّما قُطِعَتِ الرِّجْلُ اليُسْرَى؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المَائدة: ٣٣]، وإذا ثَبَتَ ذلك في المُحارَبَة؛ ثَبَتَ في هذا قِياسًا عَلَيهِ، ولأِنَّ قَطْعَ اليُسْرَى أرْفَقُ به؛ لأنَّ (٢) المشي على (٣) الرِّجْل اليُمْنَى أسهل (٤) وأمْكَنُ له من اليُسْرَى، ويَبعُدُ في العادة مِنْ أنْ يَتمَكَّنَ من المشْيِ عَلَيها، فَوَجَبَ ذلك؛ لِئَلاَّ يَتعَطَّلَ به مَنفَعَتُه بلا ضَرورةٍ.

стр. 5873

(مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ)؛ لأِنَّه أحدُ العُضْوَينِ المقْطُوعَينِ في السَّرِقة، فيقطع (١) من المفْصِل كاليَدِ، رَوَى سعيدٌ، ثنا حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، قال: «كان عمرُ يَقطَعُ السَّارِق مِنْ المَفْصِلِ» (٢)، وعن عليٍّ: «أنَّه كان يَقطَعُ مِنْ شَطْرِ القَدَم، ويَترُكُ له عَقِبًا يَمْشِي عَلَيها» (٣)، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الفروع»، فقال: مِنْ مَفصِلِ كَعْبِه، يُترك (٤) عَقِبُهُ، نَصَّ عَلَيهِ (٥). (وَحُسِمَتْ)، قال أحمدُ: قَطَعَ النَّبيُّ ﷺ ، وأَمَرَ به فحُسِمَ (٦). تذْنِيبٌ: يُقطَعُ السَّارِقُ بأسْهَلَ ما يُمكِنُه، فيُجْلَسُ، ويُضْبَطُ؛ لِئَلاَّ يَتحرَّك (٧) فيَجْنِيَ على نَفْسِه، وتُشدُّ (٨) يَدُهُ بحَبْلٍ، وتُجرُّ (٩) حتَّى يتبيَّن (١٠) المَفْصِل، ثُمَّ تُوضَعُ السِّكِّينُ وتُجرُّ (١١) بقُوَّةٍ؛ ليُقطع (١٢) في مَرَّةٍ واحِدَةٍ. (فَإِنْ عَادَ؛ حُبِسَ (١٣) حتَّى يَتُوبَ؛ كالمرَّة الخامِسة، وفي «الإيضاح»:

стр. 5874

ويُعذِّبُه، وفي «التَّبصِرَة»: أوْ يغرَّب (١)، وفي «البلغة»: يُعزَّرُ ويُحْبَسُ حتَّى يَتُوبَ، (وَلَمْ يُقْطَعْ)؛ أيْ: يَحْرُمُ قَطْعُه، قدَّمه في «الرِّعاية»، ونَصَرَه في «الخلاف» وصحَّحه، وأنَّها اختِيارُ الخِرَقِيِّ وأبي بكرٍ، وجَزَمَ بها في «الوجيز»، وهو قَولُ عليٍّ، رواهُ سعيدٌ (٢)، ولأِنَّ قَطْعَ الكلِّ يُفوِّتُ مَنفَعةَ الجنس، فلم يُشرَع كالقَتْلِ، فَعَلَى هذا: يُمنَعُ مِنْ تَعطِيلِ مَنفَعةِ الجِنْس. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ)، واخْتارَها أكثرُ العُلَمَاء؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في (٣) السَّارِق: «إِنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطعُوا يَدَه، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فاقْطَعُوا رِجْلَه» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤)، ورواهُ سعيدٌ عن أبي بكرٍ وعمرَ بإسْنادٍ جيِّدٍ (٥).

стр. 5875

والمذْهَبُ الأوَّلُ، ثُمَّ هو مُعارَضٌ بقَولِ عليٍّ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَجَعَ إلى قَولِ عليٍّ، رواهُ سعيدٌ (١). تنبيهٌ: عُلِم مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَنتَهِيَ إلى القَتْلِ، وقد رُوِيَ عن عُثْمانَ، وعَمْرِو بنِ العاص (٢)، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز: أنَّه يُقتَلُ في الخامِسةِ، لِحديثٍ رواهُ مُصعَبُ بنُ ثابِتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ، عن محمَّد بنِ المنْكَدرِ، عن جابِرٍ قال: «جِيءَ بسارِقٍ إلى النَّبيِّ ﷺ في الخامِسةِ فأَمَرَ بقَتْلِه، فَقَتَلُوهُ»، قال أحمدُ وابنُ مَعِينٍ: مُصعَبٌ ضعيفٌ، وقال أبو حاتِمٍ: لا يُحتَجُّ به، وقِيلَ: هو حَسَنٌ (٣)، وقَتْلُه (٤) لمصلحةٍ اقْتَضَتْهُ. وقال أبو مصعب (٥) المالكيُّ: يُقتَلُ في الخامسة (٦).

стр. 5876

وقِياسُ قَولِ الشَّيخِ تقيِّ الدِّين: أنَّه كالشَّارِب في الرَّابعة، يُقتل (١) عِندَه إذا لم يَنْتَهِ بِدُونِه (٢). وجَوابُه: بأنَّه يُحمَلُ في حقِّ رَجُلٍ اسْتَحَقَّ القَتْلَ، أوْ على (٣) وَجْهِ التَّغْلِيظِ والمُثْلَةِ، ويُؤيِّدُه أنَّ الأُصولَ تَشهَدُ بنَفْيِ القَتْلِ؛ لأِنَّ كلَّ مَعصِيةٍ لا تُوجِبُ القَتْلَ في الاِبْتِداء؛ لا توجب (٤) بَعْدَ ذلك؛ كسائر المعاصِي. (وَمَنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَدٌ يُمْنَى؛ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى)؛ لأِنَّ اليُمْنَى لِمَّا خَرَجَتْ عن كَونِها مَحَلًّا للقَطْعِ؛ انْتَقَلَ القَطْعُ إلى ما يَلِي ذلك، وهي (٥) الرِّجل اليُسْرَى. لكِن إنْ كانَتْ يُمْناهُ شَلاَّءَ: فعَنْهُ: تُقطَعُ رِجْلُه اليُسْرَى. وعَنْهُ: يُسأَلُ أهلُ الخِبْرةِ، فإنْ قالوا: إنَّها إذا قُطِعَتْ؛ ورَقَأ (٦) دَمُها، وانْحَسَمَتْ عُروقُها؛ قُطِعَتْ، وإنْ قالوا: لا يَرْقَأُ دَمُها فلا، وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ رِوايَتَينِ، ولم يَذكُرْ هذا. فإِنْ كانَتْ أصابِعُ اليُمْنَى ذاهِبَةً؛ فَقِيلَ: لا تُقطَعُ وتُقطَعُ الرِّجْلُ، وقِيلَ: بَلَى. وإنْ ذَهَبَ بعضُ الأصابع؛ كخِنْصرٍ وبِنصرٍ، أوْ واحِدةٍ سواهما؛ قُطِعَتْ،

стр. 5877

وإنْ لم يَبْقَ إلاَّ واحدةٌ؛ فهي كالتي ذَهَبَ جميعُ أصابِعِها، وإنْ بَقِيَ اثْنانِ؛ فالأَوْلَى قَطْعُها، وفِيهِ وَجْهٌ. وكذا حُكْمُ ما لو ذَهَبَ مُعظَمُ نَفْعِها؛ كقَطْعِ إبْهامٍ، أوْ إصْبَعَينِ فصاعِدًا، ذَكَرَه في «المحرَّر». (وَإِنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى، فَذَهَبَتْ) هي، أوْ يُسْرَى يديه (١)، أوْ مَعَ رجليه (٢)، أو أحدِهما؛ (سَقَطَ الْقَطْعُ)؛ لِتعَلُّقِ القَطْع بها لوجودها (٣)؛ كجنايةٍ تعلَّقَتْ برَقَبَتِه، فماتَ. (وَإِنْ ذَهَبَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى)، أوْ كانَتْ مَقْطوعةً أوْ شَلاَّءَ؛ (لَمْ تُقْطَعِ الْيُمْنَى عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى)، وهِي: أنّ السَّارِقَ يُحبَسُ في الثَّالثة، ولا يُقطَعُ؛ لأِنَّ قَطْعَها يَتضَمَّنُ تَفْويتَ مَنفَعةِ الجِنْس، وبقاءَهُ بلا يَدٍ يَبطِشُ بها، وهو غَيرُ جائزٍ. (وَتُقْطَعُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى)؛ لأِنَّ غايَتَه تَعطيلُ مَنفَعةِ الجِنْس، وبَقاؤُه بلا يَدٍ يَبطِشُ بها واقِعٌ على الرِّوايةِ المذكورةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لأِنَّ اليمنى (٤) تَعلَّقَ بها القَطْعُ وِفاقًا (٥)، وإنَّما الخِلافُ في سُقوطِه. تنبيهٌ: إذا ذَهَبَتْ يَدُه اليُسْرَى ورِجْلُه اليُمْنَى؛ لم يُقطَعْ؛ لتَعْطِيلِ مَنفَعةِ الجِنْس، وذَهابِ عُضْوَينِ مِنْ شِقٍّ. وإنْ ذَهَبَتْ يَدُه اليُسْرى قَبْلَ سَرِقَتِه، أوْ يَدِه (٦)؛ لم تُقطَعْ رِجْلُه اليُسْرَى. وإنْ كان الذَّاهِبُ رِجْلَيهِ، أوْ يُمْناهما؛ قُطِعَتْ يَدُه اليُمْنَى في الأصحِّ.

стр. 5878

(وَإِنْ وَجَبَ قَطْعُ يُمْنَاهُ، فَقَطَعَ الْقَاطِعُ يُسْرَاهُ)، بلا إِذْنِه، (عَمْدًا؛ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ)؛ لأِنَّه قَطَعَ طَرفًا مَعْصومًا. (وَإِنْ قَطَعَهَا خَطَأً؛ فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا)؛ لأِنَّ ما أوْجَبَ عَمْدُه القَوَدَ؛ أوْجَبَ خَطَؤُهُ الدِّيَةَ، بدليلِ القَتْل. واخْتارَ المؤلف (١): يُجْزِئُ ولا ضَمانَ، وهو احْتِمالٌ في «الاِنْتِصار»، وأنَّه يَحْتَمِلُ تضمينَه نصفَ الدِّيَة. وذَكَرَ بعضُهم: إنْ قُطِعَ دَهْشَةً، أوْ ظَنَّها تُجزِئُ؛ كَفَتْ، ولا ضَمانَ. (وَفِي قَطْعِ يُمْنَى السَّارِقِ وَجْهَانِ): أحَدُهما: لا قَطْعَ؛ لأِنَّ قَطْعَها يُفْضِي إلى قَطْعِ يدي (٢) السَّارِق وتَفْويتِ مَنفَعَةِ الجنس منه، فلم يُشرَعْ؛ كقَتْلِه. والثَّاني: بَلَى، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ بِناءً على قَطْعِها في الثَّالِثَةِ. فَعَلَى الأُولَى: في قَطْعِ رِجْلِه وَجْهانِ؛ أصحُّهما: لا (٣). (وَيَجْتَمِعُ الْقَطْعُ وَالضَّمَانُ)، نَقَلَه الجماعةُ (٤)؛ لأِنَّهما حَقَّانِ يَجِبانِ لِمُسْتَحِقَّينِ، فَجَازَ اجْتِماعُهما؛ كالجزاء والقِيمة في الصَّيد الحَرَمِيِّ المَمْلوكِ، (فَتُرَدُّ (٥) العَيْنُ الْمَسْرُوقَةُ إِلَى مَالِكِهَا)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦) إنْ كانَتْ باقِيَةً. (وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً؛ غَرِمَ قِيمَتَهَا)، أوْ مِثْلَها إنْ كانَتْ مِثْلِيَّةً، (وَقُطِعَ)، مُوسِرًا كان أوْ مُعْسِرًا.

стр. 5879

وفي «الانتصار»: يَحتَمِلُ لا يَغرَمُ شَيئًا، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ (١)؛ لِمَا رَوَى عبدُ الرَّحمن بنُ عَوفٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا أَقَمْتُم الحَدَّ على السَّارق؛ فلا غُرْمَ عَلَيهِ» (٢)، ولأنَّ (٣) التَّضْمينَ يَقتَضِي التَّمليكَ، والملْكُ يَمنَعُ القَطْعَ؛ فلا يُجمَعُ بَينَهما. وجَوابُه: بأنَّهما حَقَّانِ لمُسْتَحِقَّينِ، وقال ابنُ عبد البَرِّ: الحديثُ لَيسَ بالقَوِيِّ (٤)، وقال بعضُ المحدِّثِينَ: فيه سَعْدُ بنُ إبْراهِيمَ، وهو مَجهولٌ، ولو سُلِّمَ صِحَّتُه؛ فيَحتَمِلُ أنَّه لا غُرْمَ عَلَيهِ في أُجْرةِ القاطِعِ. (وَهَلْ يَجِبُ (٥) الزَّيْتُ الذِي يُحْسَمُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مِنْ مَالِ السَّارِقِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: أنَّه مِنْ بَيتِ المال؛ كأُجْرَةِ القاطِعِ؛ لأِنَّه من المصالح، لم يَذكُرْ في «الكافي» غَيرَه، فإنْ لم يُحسم (٦)؛ فَذَكَرَ القاضِي: أنَّه لا شَيءَ عَلَيهِ؛ لأِنَّ عَلَيهِ القَطْعَ، لا مُداواةَ المحْدُودِ.

стр. 5880

والثَّانِي (١): أنَّهما مِنْ مالِ السَّارِقِ، قَدَّمَه في «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه مُداواةٌ؛ كمُداواته في مَرَضِه. ويُستَحَبُّ للمَقْطوعِ حَسْمُ نَفْسِه، فإنْ لم يَفعَلْ؛ لم يَأثَمْ؛ لأِنَّه تَرَكَ التَّداوِي في المرَضِ (٢).

стр. 5881

(بَابُ حَدِّ المُحَارِبِينَ) المُحارِبونَ: واحِدُهم مُحارِبٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنْ حارَبَ يُحارِبُ، وهو فاعِلٌ مِنْ الحَرْب، قال ابنُ فارِسٍ: الحَرْبُ اشْتِقاقُها من الحَرَبِ، بفَتْحِ الرَّاء، وهو مَصدَرُ حَرَبَ مالَه أيْ: سَلَبَه، والحَرِيبُ المحْرُوبُ (١). والأصْلُ فيهم (٢): قَولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … (٣٣)﴾ الآية [المَائدة: ٣٣]، قال ابنُ عبَّاسٍ وأكثرُ العلماء: «نَزَلَتْ في قُطَّاعِ الطَّريق مِنْ المسْلِمين» (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المَائدة: ٣٤]، والكُفَّارُ تُقبَلُ تَوبَتُهم بَعْدَ القُدْرة كما تُقبَلُ قَبْلَها، فلمَّا خَصَّه بما قَبْلَ القُدْرة، عُلِمَ أنَّه أراد المحارِبِينَ؛ لأِنَّ ذلك الحُكْمَ يَجِبُ عَلَيهم حَدًّا لا كُفْرًا، والحَدُّ لا يَسقُطُ بالتَّوبة. وعن ابنِ عمرَ: «أنَّها نَزَلَتْ في المرْتَدِّينَ» (٤)، وقاله الحَسَنُ وعَطاءٌ؛ لأِنَّ

стр. 5882

سَبَبَ نُزولِها قصة (١) العُرنيِّين، وحَكاهُ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً، وأنَّها (٢) منسوخةٌ؛ لأِنَّ قَضِيَّتَهم كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنزِل (٣) الحُدود، ثُمَّ قال: فحُكْمُ مَنْ خَرجَ لِقَطْعِ الطَّريقِ مُرَتَّبٌ على ما نَزَلَ من الحدود، ولولا قِيامُ الدَّليل على وُجوبِ قَطْعِ اليَدِ مع الرِّجْل للمُحارِب؛ لَقُلْنا: لا تُقطَع (٤) إلاَّ يَدُه اليُمْنَى؛ كالسَّارِق. قال (٥) ابنُ أبي مُوسَى: فعلى هذا يَجيءُ أنْ يَصِحَّ عفوُ (٦) وليِّ الدَّم عن المحارِب، ويكونُ الإمام (٧) مُخيَّرًا فيه، وهو وَجْهٌ في «الرِّعاية». (وهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ)، وهم كلُّ مُكلَّفٍ، مُلتَزِمٍ؛ لِيَخْرُجَ الحَرْبيُّ، ولو أنثى (٨)، وقالَهُ الأكثرُ، والعَبْدُ والذِّمِّيُّ كضدِّهما. وعَنْهُ: يَنتَقِضُ عهدُه (٩)، فيَحِلُّ دَمُه ومالُه بكلِّ حالٍ. (وَهُمُ الذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ)، هذا أحدُ الشُّروط فِيهِمْ، وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكُنْ معهم سلاحٌ فلَيسُوا مُحارِبِينَ؛ لأِنَّهم لا (١٠) يَمنَعُونَ مَنْ قَصَدَهُم، والأصحُّ: ولو كان بِعَصًا وحَجَرٍ؛ لأِنَّ ذلك من جُمْلةِ السِّلاح الذِي

стр. 5883

يَأْتِي على النَّفس، أشْبَهَ المحدَّد (١). وفي «البُلْغة» وغَيرِها وَجْهٌ: ويَدٌ. وفي «الشَّرح»: وإنْ قَتَلَ في المحارَبةِ بمُثَقَّلٍ؛ قُتِلَ؛ كما لو (٢) قَتَل بمحدَّد (٣)، وإنْ قَتَلَ بآلةٍ لا يَجِبُ القِصاصُ بالقَتْل به؛ فالظَّاهِرُ أنَّهم يُقتَلونَ أيضًا؛ لِدُخولِهم في العُمومِ. فرعٌ: مَنْ قاتَلَ اللُّصوصَ وقُتِلَ (٤)؛ قُتِلَ القاتِلُ مِنهُم دُونَ غيره (٥)، ذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى. (فِي الصَّحْرَاءِ)؛ لأِنَّ ذلك عادةُ المحارِبِينَ، (فَيَغْصِبُونَهُمُ (٦) المَالَ) المحْتَرَمَ، (مُجَاهَرَةً)؛ أيْ: يأخُذُونَ المال (٧) قَهْرًا؛ اخْتارَهُ الأكثرُ، ونَصَرَهُ القاضي في «الخِلاف»، وذَكَرَه المذْهَبَ. (فَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُهُ سَرِقَةً (٨)؛ فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ)؛ لأِنَّهم لا يَرجِعُونَ إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ، وإن اخْتَطَفُوهُ وهَرَبُوا؛ فهم مُنتَهِبُونَ، لا قَطْعَ عَلَيهم. (وَإِنْ فَعَلُوا (٩) ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ؛ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، قدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الواجِبَ يُسَمَّى: حَدَّ قُطَّاعِ الطَّريق، وقَطْعُ الطَّريق إنَّما هو في الصَّحراء؛ لأِنَّ المِصْرَ يَلحَقُ فيه

стр. 5884

الغَوثُ غالِبًا، فتَذْهَبُ شَوْكَتُهم، ويكُونُونَ مُختَلِسِينَ، لا قُطَّاعَ طرِيقٍ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي المِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ (١)، وهو قَولُ كثيرٍ من الأَصْحابِ؛ لِعُمومِ الآيَةِ فِيهِمْ، ولأِنَّ ضَرَرَهم في المِصْر أعْظَمُ، فكانوا بالحدِّ أَوْلَى. وفي «الفروع»: قيل (٢): في صَحراءَ، وقِيلَ: ومِصْرٍ إنْ لم يُغَثْ. وحَكَى في «الكافي» و «الشَّرح» عن القاضي أنَّه قال: إذا كَبَسُوا (٣) دارًا في مِصْرٍ بحَيثُ يَلحَقُهم الغَوثُ عادةً؛ لم يكُونُوا مُحارِبِينَ، وإنْ حَصَرُوا قريةً (٤) أوْ بلدًا لا يَلحَقُهم الغَوثُ عادةً؛ فهم قُطَّاعُ طَرِيقٍ. ولم يَذكُرْ في «الرعاية» فيه (٥) خِلافًا. ويُعتَبَرُ ثُبوتُه ببيِّنةٍ، أوْ إقْرارٍ مرتين (٦)؛ كسَرِقَةٍ، ذَكَرَه القاضي وغيره، والحِرزُ والنِّصابُ (٧)، وفي سُقوطِه بشُبْهَةٍ كسرقةٍ (٨)؛ وَجْهانِ، قاله في «المستوعب» وغَيره. (وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَأَخَذَ الْمَالَ؛ قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ)؛ لِمَا صحَّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفس، والتَّارِكُ لِدِينِه المُفارِقُ للجماعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٩).

стр. 5885

وقال ابنُ عبَّاسٍ: «ما كان في القُرْآن ب (أو) فصاحِبُه بالخِيار» (١). وجَوابُه: بأنَّه قد عُرِفَ من القُرْآن أنَّ ما أُرِيدَ به التَّخْييرُ فيُبدَأُ بالأخَفِّ؛ ككفَّارةِ اليمين، وما أُريدُ به التَّرتِيبُ فيُبدَأُ بالأغْلَظِ؛ ككفَّارةِ الظَّهارِ والقَتْل، ولأِنَّ العُقوباتِ تختلف (٢) باختلاف (٣) الأجْرامِ، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِي، والقاذِفِ، والسَّارق (٤)، ولأِنَّ القَتْلَ وَجَبَ لحقِّ (٥) الله تعالَى، فلم يُخيَّر الإمامُ فيه؛ كقَطْعِ السَّارِق. ورَوَى الشَّافِعِيُّ، عن إبراهيمَ بنِ يحيى (٦)، عن صالِحٍ مَولَى التوأمة، عن ابنِ عبَّاسٍ: «إذا قَتَلُوا وأَخَذُوا المالَ؛ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يَأخُذُوا المالَ؛ قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولم يَقتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم مِنْ خِلافٍ، وإذا أَخَافُوا السَّبِيلَ ولم يَأْخُذُوا مالاً؛ نُفُوا من الأرض»، ورُوِيَ نحوُه مرفوعًا (٧). وإذا (٨) ثبت هذا: قُتِل وصُلِبَ في ظاهِرِ المذهب، قالَهُ في «المغْنِي»
следующие страницы →