← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

(بَابُ حَدِّ المُحَارِبِينَ) المُحارِبونَ: واحِدُهم مُحارِبٌ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنْ حارَبَ يُحارِبُ، وهو فاعِلٌ مِنْ الحَرْب، قال ابنُ فارِسٍ: الحَرْبُ اشْتِقاقُها من الحَرَبِ، بفَتْحِ الرَّاء، وهو مَصدَرُ حَرَبَ مالَه أيْ: سَلَبَه، والحَرِيبُ المحْرُوبُ (١). والأصْلُ فيهم (٢): قَولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … (٣٣)﴾ الآية [المَائدة: ٣٣]، قال ابنُ عبَّاسٍ وأكثرُ العلماء: «نَزَلَتْ في قُطَّاعِ الطَّريق مِنْ المسْلِمين» (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المَائدة: ٣٤]، والكُفَّارُ تُقبَلُ تَوبَتُهم بَعْدَ القُدْرة كما تُقبَلُ قَبْلَها، فلمَّا خَصَّه بما قَبْلَ القُدْرة، عُلِمَ أنَّه أراد المحارِبِينَ؛ لأِنَّ ذلك الحُكْمَ يَجِبُ عَلَيهم حَدًّا لا كُفْرًا، والحَدُّ لا يَسقُطُ بالتَّوبة. وعن ابنِ عمرَ: «أنَّها نَزَلَتْ في المرْتَدِّينَ» (٤)، وقاله الحَسَنُ وعَطاءٌ؛ لأِنَّ

стр. 5882

سَبَبَ نُزولِها قصة (١) العُرنيِّين، وحَكاهُ ابنُ أبي مُوسَى رِوايَةً، وأنَّها (٢) منسوخةٌ؛ لأِنَّ قَضِيَّتَهم كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنزِل (٣) الحُدود، ثُمَّ قال: فحُكْمُ مَنْ خَرجَ لِقَطْعِ الطَّريقِ مُرَتَّبٌ على ما نَزَلَ من الحدود، ولولا قِيامُ الدَّليل على وُجوبِ قَطْعِ اليَدِ مع الرِّجْل للمُحارِب؛ لَقُلْنا: لا تُقطَع (٤) إلاَّ يَدُه اليُمْنَى؛ كالسَّارِق. قال (٥) ابنُ أبي مُوسَى: فعلى هذا يَجيءُ أنْ يَصِحَّ عفوُ (٦) وليِّ الدَّم عن المحارِب، ويكونُ الإمام (٧) مُخيَّرًا فيه، وهو وَجْهٌ في «الرِّعاية». (وهُمْ قُطَّاعُ الطَّرِيقِ)، وهم كلُّ مُكلَّفٍ، مُلتَزِمٍ؛ لِيَخْرُجَ الحَرْبيُّ، ولو أنثى (٨)، وقالَهُ الأكثرُ، والعَبْدُ والذِّمِّيُّ كضدِّهما. وعَنْهُ: يَنتَقِضُ عهدُه (٩)، فيَحِلُّ دَمُه ومالُه بكلِّ حالٍ. (وَهُمُ الذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلَاحِ)، هذا أحدُ الشُّروط فِيهِمْ، وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يكُنْ معهم سلاحٌ فلَيسُوا مُحارِبِينَ؛ لأِنَّهم لا (١٠) يَمنَعُونَ مَنْ قَصَدَهُم، والأصحُّ: ولو كان بِعَصًا وحَجَرٍ؛ لأِنَّ ذلك من جُمْلةِ السِّلاح الذِي

стр. 5883

يَأْتِي على النَّفس، أشْبَهَ المحدَّد (١). وفي «البُلْغة» وغَيرِها وَجْهٌ: ويَدٌ. وفي «الشَّرح»: وإنْ قَتَلَ في المحارَبةِ بمُثَقَّلٍ؛ قُتِلَ؛ كما لو (٢) قَتَل بمحدَّد (٣)، وإنْ قَتَلَ بآلةٍ لا يَجِبُ القِصاصُ بالقَتْل به؛ فالظَّاهِرُ أنَّهم يُقتَلونَ أيضًا؛ لِدُخولِهم في العُمومِ. فرعٌ: مَنْ قاتَلَ اللُّصوصَ وقُتِلَ (٤)؛ قُتِلَ القاتِلُ مِنهُم دُونَ غيره (٥)، ذَكَرَه ابنُ أبي مُوسَى. (فِي الصَّحْرَاءِ)؛ لأِنَّ ذلك عادةُ المحارِبِينَ، (فَيَغْصِبُونَهُمُ (٦) المَالَ) المحْتَرَمَ، (مُجَاهَرَةً)؛ أيْ: يأخُذُونَ المال (٧) قَهْرًا؛ اخْتارَهُ الأكثرُ، ونَصَرَهُ القاضي في «الخِلاف»، وذَكَرَه المذْهَبَ. (فَأَمَّا مَنْ يَأْخُذُهُ سَرِقَةً (٨)؛ فَلَيْسَ بِمُحَارِبٍ)؛ لأِنَّهم لا يَرجِعُونَ إلى مَنَعَةٍ وقُوَّةٍ، وإن اخْتَطَفُوهُ وهَرَبُوا؛ فهم مُنتَهِبُونَ، لا قَطْعَ عَلَيهم. (وَإِنْ فَعَلُوا (٩) ذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ؛ لَمْ يَكُونُوا مُحَارِبِينَ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ)، قدَّمَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّ الواجِبَ يُسَمَّى: حَدَّ قُطَّاعِ الطَّريق، وقَطْعُ الطَّريق إنَّما هو في الصَّحراء؛ لأِنَّ المِصْرَ يَلحَقُ فيه

стр. 5884

الغَوثُ غالِبًا، فتَذْهَبُ شَوْكَتُهم، ويكُونُونَ مُختَلِسِينَ، لا قُطَّاعَ طرِيقٍ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حُكْمُهُمْ فِي المِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ (١)، وهو قَولُ كثيرٍ من الأَصْحابِ؛ لِعُمومِ الآيَةِ فِيهِمْ، ولأِنَّ ضَرَرَهم في المِصْر أعْظَمُ، فكانوا بالحدِّ أَوْلَى. وفي «الفروع»: قيل (٢): في صَحراءَ، وقِيلَ: ومِصْرٍ إنْ لم يُغَثْ. وحَكَى في «الكافي» و «الشَّرح» عن القاضي أنَّه قال: إذا كَبَسُوا (٣) دارًا في مِصْرٍ بحَيثُ يَلحَقُهم الغَوثُ عادةً؛ لم يكُونُوا مُحارِبِينَ، وإنْ حَصَرُوا قريةً (٤) أوْ بلدًا لا يَلحَقُهم الغَوثُ عادةً؛ فهم قُطَّاعُ طَرِيقٍ. ولم يَذكُرْ في «الرعاية» فيه (٥) خِلافًا. ويُعتَبَرُ ثُبوتُه ببيِّنةٍ، أوْ إقْرارٍ مرتين (٦)؛ كسَرِقَةٍ، ذَكَرَه القاضي وغيره، والحِرزُ والنِّصابُ (٧)، وفي سُقوطِه بشُبْهَةٍ كسرقةٍ (٨)؛ وَجْهانِ، قاله في «المستوعب» وغَيره. (وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ قَتَلَ مَنْ يُكَافِئُهُ، وَأَخَذَ الْمَالَ؛ قُتِلَ حَتْمًا، وَصُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ)؛ لِمَا صحَّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَحِلُّ دمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفس، والتَّارِكُ لِدِينِه المُفارِقُ للجماعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٩).

стр. 5885

وقال ابنُ عبَّاسٍ: «ما كان في القُرْآن ب (أو) فصاحِبُه بالخِيار» (١). وجَوابُه: بأنَّه قد عُرِفَ من القُرْآن أنَّ ما أُرِيدَ به التَّخْييرُ فيُبدَأُ بالأخَفِّ؛ ككفَّارةِ اليمين، وما أُريدُ به التَّرتِيبُ فيُبدَأُ بالأغْلَظِ؛ ككفَّارةِ الظَّهارِ والقَتْل، ولأِنَّ العُقوباتِ تختلف (٢) باختلاف (٣) الأجْرامِ، ولذلك اخْتَلَفَ حُكْمُ الزَّانِي، والقاذِفِ، والسَّارق (٤)، ولأِنَّ القَتْلَ وَجَبَ لحقِّ (٥) الله تعالَى، فلم يُخيَّر الإمامُ فيه؛ كقَطْعِ السَّارِق. ورَوَى الشَّافِعِيُّ، عن إبراهيمَ بنِ يحيى (٦)، عن صالِحٍ مَولَى التوأمة، عن ابنِ عبَّاسٍ: «إذا قَتَلُوا وأَخَذُوا المالَ؛ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يَأخُذُوا المالَ؛ قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المالَ ولم يَقتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم مِنْ خِلافٍ، وإذا أَخَافُوا السَّبِيلَ ولم يَأْخُذُوا مالاً؛ نُفُوا من الأرض»، ورُوِيَ نحوُه مرفوعًا (٧). وإذا (٨) ثبت هذا: قُتِل وصُلِبَ في ظاهِرِ المذهب، قالَهُ في «المغْنِي»

стр. 5886

و «الشَّرح»، وقَتْلُه مُتحَتِّمٌ لا يَدخُلُه عَفْوٌ، بالإجماع (١). والصَّلْبُ بَعْدَ القَتْلِ. وقِيلَ: يُصلَبُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقتَلُ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأِنَّه تعالى قدَّمَ القَتْلَ على الصَّلْب؛ كقَولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٥٨]، ولقَولِه ﵇: «إذا قَتَلْتُم فأحْسِنُوا القِتْلَةَ» (٢)، ولأنَّه (٣) شُرِعَ رَدْعًا لغَيرِه؛ لِيَشْتَهِرَ أمْرُه، ولو شُرِعَ لِرَدْعه فَقَطْ؛ لَسَقَطَ بقَتْلِه كما تسقط (٤) سائرُ الحُدود مع القَتْل. والصَّلْب حَتْمٌ في حقِّ مَنْ قَتَل وأَخَذَ المالَ، فلا يَسقُطُ بعَفْوٍ ولا غَيرِه، ويكُونُ حتَّى يَشْتَهِرَ، ذَكَرَه مُعْظَمُ الأَصْحاب؛ لأِنَّ المقْصودَ مِنْهُ زَجْرُ غَيرِه ولا يَحصُلُ إلاَّ به. (وَقالَ أَبُو بَكْرٍ: يُصْلَبُ قَدْرَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلْبِ)، اقْتَصَرَ ابنُ هُبَيرةَ على حكايته (٥) عن أحمدَ؛ لأِنَّ بذلك يَصْدُقُ اسْمُ الصَّلْبِ. وقال ابنُ رَزِينٍ: يُصلَبُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ. وهذا تَوقِيتٌ بغَيرِ تَوقِيفٍ، مع أنَّه في الظَّاهِر يُفْضِي إلى تَغَيُّره ونَتَنِهِ (٦). (وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يُقْطَعُ مَعَ ذَلِكَ)، اخْتارَهُ أبو محمَّدٍ الجْوزيُّ؛ لأِنَّ كلَّ واحِدٍ مِنهُما يُوجِبُ حَدًّا مُفرَدًا، فإذا اجْتَمَعَا؛ وَجَبَ حدُّهما؛ كما لو زَنَى وسَرَقَ.

стр. 5887

فعلى هذا: يُقْطَعُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقتَلُ، ثُمَّ بَعْدَ ذلك يُدفَعُ إلى أهْلِه، فيُغسَّلُ، ويُكفَّنُ، ويُصَلَّى عَلَيهِ، ويُدْفَنُ. وإن (١) ماتَ قَبْلَ قَتْلِه؛ لم يُصلَبْ؛ لأِنَّه تابِعٌ للقَتْلِ، فسقط (٢) بفَواتِه. (وَإِنْ قَتَلَ مَنْ لَا يُكَافِئُهُ)؛ كوَلَدِه، وعَبْدٍ، وذِمِّيٍّ؛ (فَهَلْ يُقْتَلُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٣): يُقتَلُ ويُصلَبُ (٤)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ للعُمومِ، ولأِنَّ القتل (٥) حدٌّ لله (٦) تعالى، فلا يُعتبر (٧) فيه المكافَأَةُ؛ كالزِّنى والسَّرِقة. والثَّانيةُ: لا، ذَكَرَ القاضي في «الخلاف»: أنَّ هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ جماعة (٨)؛ لقوله ﵇: «لا يُقتَلُ مُسلِمٌ بكافِرٍ» (٩). فعلى هذا: إذا قَتَل مسلمٌ (١٠) ذِمِّيًّا أوْ حُرٌّ عبدًا، وأَخَذَ المالَ؛ قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه من خِلافٍ؛ لأِخْذِ المالِ، وغَرِمَ ديةَ (١١) ذِمِّيٍّ، وقيمةَ (١٢) عبدٍ، وإنْ

стр. 5888

قَتَلَه ولم يَأخُذْ مالاً؛ غَرِمَ دِيَتَه، ونُفِيَ. وقيل (١): إنْ قُلْنا: القَتْلُ حقٌّ لله؛ فلم يَقتُلْ مَنْ يُكافِئُه، وإلاَّ فلا (٢). وفي «الشَّرح» عن القاضي أنَّه قال: إنَّما يَتَحَتَّمُ قَتْلُه إذا قَتَلَه لِيأخُذَ المالَ، فإنْ قَتَلَه لغَيرِ ذلك؛ كعَدَاوةٍ؛ فالواجِبُ قِصاصٌ مُتحَتِّمٌ. (وَإِنْ (٣) جَنَى عَلَيْهِ (٤) جِنَايَةً مُوجِبَةً للقِصاصِ فِيمَا (٥) دُونَ النَّفْسِ)؛ كالطَّرَف؛ (فَهَلْ يَتَحَتَّمُ اسْتِيفَاؤُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، وكذا في «الفروع»: إحداهما - قال في «الشَّرح»: وهي أَوْلَى -: لا يَتَحَتَّمُ (٦)؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى لم يَذكُرْه، وحِينَئِذٍ لا يَجِبُ فيه أكثرُ مِنْ القصاص (٧). والثَّانيةُ: يَتَحتَّمُ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه نَوعُ قَوَدٍ، فتَحَتَّمَ اسْتِيفاؤُهُ؛ كالقَوَدِ في النَّفْس، ولا يَسقُطُ مع تَحتُّمِ القَتْلِ على الرِّوايَتَينِ. ويَحتَمِلُ سُقوطُه بتَحتُّمِ قَتْلِه، وذَكَرَه بعضُهم فقال: يَحتَمِلُ أنْ تَسقُطَ الجِنايَةُ إنْ قُلْنا: يَتَحَتَّمُ اسْتِيفاؤها، وذَكَرَه بعضُهم، فقال: يَحتَمِلُ أنْ يَسقُطَ تَحتُّمُ القتل (٨) إنْ قُلْنا: يَتَحَتَّمُ في الطَّرَف، قال في «الفُروع»: وهذا وَهمٌ.

стр. 5889

(وَحُكْمُ الرِّدْءِ)، والطَّليع (١)؛ (حُكْمُ الْمُبَاشِرِ)؛ لأِنَّ حدَّ المباشِر حُكْمٌ يتعلَّق بها، فاسْتَوَى فيها الرِّدْءُ والمباشِرُ؛ كالغَنِيمة، يحقِّقُه (٢): أنَّ المحارَبَةَ مبنيةٌ (٣) على حُصُول المَنَعة (٤) والمعاضَدَة، والمباشِرُ لا يَتَمَكَّنُ إلاَّ بالرِّدْءِ، فَوَجَبَ التَّساوِي في الحُكْم، وذَكَرَ أبو الفَرَجِ السَّرِقَةَ كذلك. فلو قَتَلَ بعضُهم؛ ثَبَتَ حُكْمُ القَتْل في حقِّ الكلِّ، وإنْ قَتَلَ بعضُهم وأخَذَ المالَ بعضُهم؛ جاز قَتْلُهم وصلبُهم (٥)، فرِدْءُ غَيرِ مكلَّفٍ (٦) كهُوَ. وقِيلَ: يَضمَنُ المالَ آخِذُه. وقِيلَ: قرارُه عَلَيهِ. وفي «الإرشاد»: مَنْ قاتَلَ اللُّصوصَ وقُتِلَ؛ قُتِلَ القاتِلُ فَقَطْ. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدين: أنَّ (٧) الآمِرَ كرِدْءٍ، وأنَّه في السَّرِقة كذلك، وأنَّ المرأة التي تُحْضِرُ النساءَ (٨) للقتل؛ تُقتَل (٩). والمرادُ بالرِّدء: هو العَونُ للمباشِر (١٠)؛ كقوله تعالى: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَص: ٣٤].

стр. 5890

(وَمَنْ قَتَلَ) مُكافِئَه، (وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ؛ قُتِلَ) حَتْمًا؛ لأِنَّه قاتِلٌ، فيَدخُلُ في عُمومِ النّصِّ، وحِينَئِذٍ: فلا أَثَرَ لعفوِ الوليِّ. (وَهَلْ يُصْلَبُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهما: لا يُصلَبُ (١)، قدَّمه في «المحرَّر»، وصحَّحه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الكافي»؛ لأِنَّ جِنايَتَهم بأخْذِ المالِ مع القَتْلِ أعْظَمُ، فكانَتْ عُقُوبَتُهم أغْلَظَ. والثَّانِيَةُ: بَلَى؛ لأِنَّه مُحارِبٌ يجب (٢) قَتْلُه، فيُصلَبُ؛ كَمَنْ أَخَذَ المالَ. (وَمَنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ؛ قُطِعَتْ) حَتْمًا (يَدُهُ الْيُمْنَى، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى)؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المَائدة: ٣٣]، وإنَّما قُطِعَتْ يَدُه اليمنى (٣) للمَعْنَى الذي تقدَّم في السَّارِق؛ لأِنَّه سارِقٌ وزيادةٌ، ثُمَّ رِجْلُه اليُسْرَى لِتَحقُّقِ المخالَفَة، وليكون (٤) أرْفَقَ به في مَكانِ (٥) مَشْيِهِ، ولا يُنتَظَرُ انْدِمالُ اليَدِ، بَلْ يُقْطَعانِ. (فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ)؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى أمَرَ بقَطْعِهما مِنْ غَيرِ تَعَرُّضٍ لتأخِيرِ شَيءٍ منهما. فيبدأ (٦) بيَمِينِه، فتُقطَعُ (٧) وتُحْسَمُ، ثُمَّ بِرِجْلِه كذلك، وهذا التَّرتِيبُ واجِبٌ، ذَكَرَه ابنُ شِهابٍ وغَيرُه.

стр. 5891

(وَحُسِمَتَا)؛ لقوله: «اقطعوه (١) واحْسِمُوهُ» (٢)؛ لأِنَّ الحَسْمَ يَسُدُّ أفْواهَ العُروق، ويَمنَعُ الدَّمَ مِنْ النَّزْف، ويكُونُ ذلك حَتْمًا. (وَخُلِّيَ) بَعْدَ ذلك؛ لأِنَّ الحقَّ الذي عَلَيهِ قد اسْتُوفِيَ، أشْبَهَ المدِينَ إذا أدَّى دَينَه. (وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُمْ إِلاَّ مَنْ أَخَذَ مَا يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي مِثْلِهِ)؛ لقوله ﵇: «لا قَطْعَ إلاَّ في رُبُعِ دِينارٍ» (٣)، ولم يُفصِّلْ، ولأنَّها (٤) جِنايَةٌ تعلَّقَتْ بها عُقوبَةٌ في حقِّ غَيرِ المُحارِبِ، فلا تُغلَّظ (٥) في المحارِبِ بأكثرَ مِنْ وَجْهٍ واحِدٍ؛ كالقتل. وظاهِرُه: أنَّه يُعتَبَرُ الحِرْزُ أيضًا، فإنْ أَخَذُوا مِنْ مالٍ لهم فيه شِرْكةٌ أوْ شبهةٌ - على ما ذَكَرْنا في المسْروقِ -؛ لم يُقَطَعْ، ذَكَرَه في «الشَّرح» وغَيرُه، وفي «المستوعب» وَجْهانِ. (فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مَقْطُوعَةً)؛ بأن (٦) قُطِعَتْ في سَرِقةٍ أوْ غيرِها، (أَوْ مُسْتَحَقَّةً فِي قِصَاصٍ، أَوْ شَلاَّءَ؛ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى)؛ كما لو كانَتْ يُمْناهُ مَوجُودةً؛ لأِنَّ ذلك واجِبٌ أمْكَنَ اسْتِيفاؤه، وكذا إنْ كانَت اليُمْنَى مَوجُودةً واليُسْرَى مَعْدُومةً، فإنَّا نَقطع (٧) الموجودَ منهما حَسْب، ويَسقُطُ القَطْعُ في المعدوم؛ لأِنَّ ما تعلَّقَ به الفَرْضُ قد زال، فيَسقُطُ؛ كالغَسْلِ في الوضوء (٨). وإنْ عَدِمَ يُسْرَى يَدَيهِ؛ قُطِعَتْ يُسْرَى رِجْلَيهِ، وإنْ عَدِمَ يُمْنَى يَدَيْهِ؛ لم تُقْطَعْ

стр. 5892

يُمْنىَ رِجْلَيهِ. (وَهَلْ تُقْطَعُ يُسْرَى يَدَيْهِ؟) أي (١): إذا قُطِعَ (٢) للمُحارَبَة، ثم حارَبَ ثانيًا (٣)، فهل تُقطع (٤) بقيَّةُ أرْبَعَتِه؟ فيه وَجْهانِ. وذلك (يَنْبَنِي عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي قَطْعِ يُسْرَى السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ)، فإنْ قُلْنا: يُقطَعُ ثَمَّ؛ قُطِعَتْ ههُنا؛ لأِنَّها مُسْتَحَقَّةٌ القَطْعَ في الجملة؛ كما لو سَرَقَ ولا يُمْنَى له (٥)، ولا رِجْلَ. وإنْ قُلْنَا: لا تُقطَعُ، وهو الأَصَحُّ؛ سَقَطَ؛ لأِنَّ قَطْعَهَا يُفْضِي إلى تَفْويتِ مَنفَعَةِ البَطْشِ. وتتعيَّن (٦) دِيَةٌ لِقَوَدٍ لَزِمَه بَعْدَ مُحارَبَتِه؛ كتقديمها (٧) بسبقها، وكذا لو مات قَبْلَ قَتْلِه للمُحارَبَة. فرعٌ: إذا عَدِمَ يَدَه اليُسْرَى، أوْ بَطْشَهَا بشَلَلٍ، أوْ نقصٍ (٨)؛ قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسْرَى دُونَ يَدِه اليُمْنَى، وقِيلَ: يُقطَعانِ، ويَتخرَّجُ عَكْسُه. فلو كان ما وَجَبَ قَطْعُه أشلَّ، فذَكَر أهلُ الطِّبِّ أنَّ قَطْعَه يُفْضِي إلى تَلَفِه؛ سَقَطَ، وبَقِيَ حُكْمُه كالمعدوم، وإنْ قالوا: لا يُفْضِي إلى تَلَفِه؛ فَفِي قَطْعِه رِوَايَتَانِ. (وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ، وَلَا أَخَذَ المَالَ (٩)؛ نُفِيَ وَشُرِّدَ)؛ أيْ: طُرِدَ، ولو عبدًا،

стр. 5893

(فَلَا يُتْرَكُ يَأْوِي إِلَى بَلَدٍ)، ذَكَرَه الأصْحابُ ونَصَرُوه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المَائدة: ٣٣]، وظاهِرُه يَتناوَلُ نَفْيَه مِنْ جميعِها، وهو يَبطُلُ بنفي (١) الزَّاني إلى مكانٍ. فعلى هذا: يُنفون (٢) مدَّةً تظهر (٣) فيها تَوبَتُهم، وتحسن (٤) سِيرتُهم، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع». وقِيلَ: يُنفَونَ عامًا؛ كالزَّاني. (وَعَنْهُ: أَنَّ نَفْيَهُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرْدَعُهُ (٥)؛ مِنْ: ضَرْبٍ، وحَبْسٍ، ونَفْيٍ؛ لأِنَّ الغَرَضَ الرَّدْعُ، وهو حاصِلٌ بما ذُكِرَ. وفي (٦) «التبصرة»: بهما. وعَنه: نَفْيُهم حَبْسُهم، اختاره ابنُ أبي موسى، حتَّى يُحْدِثُوا توبة. وفي «الواضح» وغيرِه رِوايَةٌ: أنَّ نفيه (٧): طَلَبُ الإمام لهم؛ لِيُقِيمَ فيهم حدودَ الله تَعالَى، ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ (٨).

стр. 5894

فإنْ كانوا جماعةً؛ نُفُوا مُتَفَرِّقِينَ. (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ سَقَطَتْ عَنْهُ حُدُودُ اللهِ تَعَالَى، مِنَ الصَّلْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالنَّفْيِ، وَانْحِتَامِ الْقَتْلِ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (١)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المَائدة: ٣٤]، فَعَلَى هذا: يَسقُطُ عَنْهم جميعُ ما ذُكِرَ. وأطْلَقَ في «المبهج» في حقِّ الله تعالَى رِوَايَتَينِ. (وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، مِنَ النَّفْسِ، وَالْمَالِ، وَالْجِرَاحِ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُمْ عَنْهَا)؛ لأِنَّها حُقوقٌ عَلَيهِم لم يُعْفَ عَنْها، فلم تَسقُطْ؛ كغَيرِ المحارِبِ. لا يُقالُ: الآيَةُ عامَّةٌ، فما وَجْهُ التَّخصيص؟ لأِنَّ الأدِلَّةَ دالَّةٌ على أنَّ حقَّ الآدَمِيِّ لا يَسقُطُ إلاَّ بِرِضاهُ؛ لأِنَّه مَبْنِيٌّ على الضِّيقِ والشُّحِّ، بخِلافِ حقِّ الله تعالى، وذلك يَقتَضِي عَدَمَ التَّسْويَةِ بَينَهما. وعُلِمَ منه: أنَّه إذا تاب بَعْدَ القُدْرة عَلَيهِ؛ لم يَسقُطْ عنه شَيءٌ؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى شَرَطَ في المغْفَرة لهم: كَونَ تَوبَتِهم قَبْلَ القُدْرةِ، فدلَّ على عدمها (٢) بعدَها، ولأنَّه (٣) إذا تاب قَبْلَ القُدْرةِ؛ فالظَّاهِرُ أنَّها تَوبةُ إخْلاصٍ، وبَعْدَها تَقِيَّةٌ مِنْ إقامةِ الحَدِّ، ولأنَّ (٤) في إسْقاطِ الحَدِّ عَنْهُ قَبْلَ القدرة ترغيبًا (٥) في تَوبَتِه، والرُّجوعِ عن مُحارَبَتِه، وبَعْدَ القُدْرةِ لا حاجةَ إلى ترغيبه؛ لأِنه قد عَجَزَ عن الفَسادِ والمحارَبَةِ. وهذا كلُّه فيمن (٦) هو تَحْتَ حُكْمِنا، وفي خارِجِيٍّ وباغٍ ومُرتَدٍّ مُحارِبٍ

стр. 5895

الخِلافُ في (١) ظاهِرِ كلامِهم. وقِيلَ: تُقبَلُ توبته (٢) بِبيِّنةٍ، وقِيلَ: وقَرِينةٍ. وأمَّا الحَرْبِيُّ الكافِرُ؛ فلا يُؤخَذُ بشَيءٍ في كفره (٣) إجْماعًا (٤). (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ للهِ (٥) تَعَالَى سِوَى ذَلِكَ)؛ كالزِّنى، والسَّرِقة، وشُرْبِ الخمر؛ (فَتَابَ قَبْلَ إِقَامَتِهِ؛ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ)، ذَكَرَه أبو بكرٍ المذْهَبَ، وقاله أكثرُ العُلَماء؛ لِعُمومِ آيةِ الزَّاني والسَّارِق، ولأِنَّه ﵇ رَجَمَ ماعِزًا والغامِدِيَّة، وقد جاءا تائبين (٦)، ولأِنَّ الحَدَّ كَفَّارةٌ، فلم يَسقُطْ بالتَّوبة؛ ككفَّارَةِ اليَمِينِ، ولأِنَّه مَقْدورٌ عَلَيهِ كالمُحارِب بَعْدَ القُدْرة عَلَيهِ. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَسْقُطُ (٧) بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ)، نَصَرَه القاضي في «الخلاف» وصحَّحه، وقدَّمَه في «المحرَّر» و «الفروع»، وقال: اخْتارَه الأكْثَرُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ [النِّسَاء: ١٦]، ولقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المَائدة: ٣٩] وفي الخَبَرِ: «التَّائبُ مِنْ الذَّنْب كمَنْ لا ذَنْبَ له» (٨)، ولأِنَّه خالِصُ حقِّ اللهِ تعالى، فسَقَطَ بالتَّوبة كحَدِّ المُحارِبِ.

стр. 5896

(قَبْلَ إِصْلَاحِ العَمَلِ (١)، وكذا في «الوجيز»؛ لأِنَّ اللهَ تعالَى علَّقَ الحُكْمَ على شَرْطَينِ. وأجاب القاضي: بأنَّ هذا على طريقِ التَّأكيد والمبالَغَةِ؛ لقَولِه تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ … (٦٨)﴾ الآياتِ [الفُرقان: ٦٨]، ومَعْلومٌ أنَّه لا يُعتَبَرُ صلاحُ العَمَلِ في توبة المشْرِكِ، قال القاضي: لا يُعتَبَرُ صَلاحُ العَمَلِ، وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ في رِوايَةِ الميْمُونِيِّ وأبي (٢) الحارِثِ (٣)؛ لأِنَّها تَوبَةٌ مُسقِطَةٌ للحَدِّ، أشْبهَتْ تَوبَةَ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرةِ عليه؛ كالإسلام. فعلى هذا: فلا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ قَبْلَ ثبوته (٤)، وقِيلَ: قَبْلَ القُدْرة، وقِيلَ: قَبْلَ إقامَتِه. وفي بَحْثِ القاضي: التَّفْرِقةُ بَينَ عِلْمِ الإمام بهم أوْ لَا. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ولو في الحَدِّ لا يُكمَّلُ، وأنَّ هَرَبَهُ (٥) فيهِ تَوبَةٌ (٦). وعنه: إنْ ثَبَتَ الحَدُّ ببينةٍ (٧) لم يَسقُطْ، ذكرها (٨) ابنُ حامِدٍ وغَيرُه.

стр. 5897

وعَلَيهِما: يسقط (١) في حقِّ مُحارِبٍ تاب قَبْلَ القُدرة عَلَيهِ، ويَحتَمِلُ: لا؛ كما قَبْلَ المُحارَبَةِ. وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: لا يَسقُطُ بإسْلامِ ذِمِّيٍّ، ومُسْتَأْمِنٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وذكره (٣) ابنُ أبي موسى في ذِمِّيٍّ، ونَقَلَه فيه أبو داودَ (٤)، وظاهِرُ كلامِ جماعةٍ: أنَّ فيه الخِلافَ. (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَدٌّ؛ سَقَطَ عَنْهُ)؛ لِفَواتِ مَحَلِّه؛ كما يَسقُطُ غَسْلُ ما ذَهَبَ من أعْضاءِ الطَّهارةِ. تذنيبٌ: إذا وَجَدَ رجلاً يَزْنِي مع امْرأَتِه فَقَتَلَه؛ فَلا قَوَدَ ولا دِيَةَ، رواهُ سعيدٌ، عن هُشيم (٥)، عن مُغِيرَةَ، عن إبراهيمَ، عن عمرَ (٦). فإنِ ادَّعَى ذلك (٧)؛ لم يُقبَلْ في الحُكْم إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، وهي شاهِدانِ في رِوايَةٍ اخْتارَها أبو بكرٍ، وأربعةٌ؛ لِقَولِ عليٍّ (٨). فإنْ كانَتْ مُكرَهَةً؛ ضمنها وأَثِمَ، وإنْ كانَتْ مُطاوِعَةً؛ فلا. فائدةٌ: مَنْ عُرِفَ بأَذَى النَّاس وأمْوالِهم (٩)، فإن (١٠) لم يَنزَجِرْ؛ حُبِسَ،

стр. 5898

وأُطْعِمَ مِنْ بَيتِ المالِ حتَّى يَمُوتَ. وكذا مَنْ ابْتَدَعَ بِبِدْعةٍ وحَمَلَ النَّاسَ عَلَيها؛ حُبِسَ حتى (١) يَكفَّ (٢) المسلمين عن بِدْعَتِه، نَصَّ عَلَيهِ (٣).

стр. 5899

(فَصْلٌ) (وَمَنْ أُرِيدَتْ نَفْسُهُ، أَوْ حُرْمَتُهُ، أَوْ مَالُهُ) وإنْ قلَّ، كافَأَهُ أمْ لا؛ (فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذَلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَعْلَمُ)، والمذْهَبُ: أنَّه يَدفَعُ عن ذلك بأسْهَلِ ما يَغلِبُ على ظنِّه، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»، (دَفْعَهُ بِهِ)؛ لأِنَّه لو مُنِعَ من ذلك لَأدَّى إلى تَلَفِه وأذاه في نَفْسِه وحُرمَتِه ومالِه، ولأِنَّه لو لم يَجُزْ ذلك لتسلَّط (١) النَّاس بعضُهم على بعضٍ، وأدَّى إلى الهَرْج والمَرْجِ، ولأِنَّ الزَّائدَ عَلَيهِ لا حاجةَ إلَيهِ؛ لحُصولِ الدَّفْع به. وقِيلَ: إنْ لم يُمكِنْه هَرَبٌ، أو احْتِماءٌ، ونحوُه، جَزَمٌ به في «المستوعب». فَعَلَى ما ذَكَرْنا: مَتَى عَلِمَ أوْ ظَنَّ الدَّافِعُ أنَّ الصَّائلَ عَلَيهِ يَندَفِعُ بالقَول؛ لم يَجُزْ ضَرْبُه بشَيءٍ، قال أحمدُ: لا يُريدُ قَتْلَه وضَرْبَه، لكِن ادْفَعْه (٢). وقال الميمونيُّ: رأيته يَعجَبُ مِمَّنْ يَقولُ: أُقاتِلُه، وأمْنَعُه (٣). وإنْ عَلِمَ أنَّه يَندَفِعُ بِعَصًا؛ لَمْ يَضْرِبْه بحديدٍ (٤). (وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ إِلاَّ بِالْقَتْلِ؛ فَلَهُ ذَلِكَ)؛ لأِنَّ ضَرَرَه إذا لم يَندَفِعْ إلاَّ به؛ تَعَيَّنَ طَريقًا إلى الدَّفْع المُحتاجِ إلَيهِ، (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) بالقَتْل؛ لأِنَّه قَتْلٌ لِدَفْعِ شَرِّ الصَّائلِ؛ فلم يَجِبْ به شَيءٌ؛ كفِعْلِ الباغي، ورُوِيَ عن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ: أنّ رجلاً ضاف (٥) ناسًا مِنْ هُذَيلٍ، فأراد امرأةً على نَفْسِه (٦)، فرَمَتْهُ (٧) بحَجَرٍ،

стр. 5900

فقال عمر (١): «والله (٢) لا يُودَى به أبدًا» (٣). (وَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا)؛ لِمَا رَوَى عبدُ اللهِ بنُ عمرو (٤) بن العاص: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أُرِيدَ مالُه بغَيرِ حقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فهو شَهِيدٌ» رواهُ أبو داودَ، والتِّرمذِيُّ وصحَّحَه (٥)، وعن (٦) سعيدِ بنِ زَيدٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِه (٧) فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دُونَ ماله (٨) فهو شهيدٌ، ومَن قُتِلَ دُونَ أهْلِه فهو شَهِيدٌ» رواهُ أبو داودَ، والتِّرمذِيُّ وصحَّحَه (٩)، ولأِنَّه قَتْلٌ لِدَفْعِ ظُلْمٍ؛ فكان شهيدًا؛ كالعادِل إذا قَتَلَه الباغِي، وإنْ قَتَلَه فهدرٌ (١٠). ولا يَجوزُ في حالِ مَزْحٍ، ذَكَرَه في «الانتصار»، ويُقادُ به، ذَكَرَه آخَرُونَ. (وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»:

стр. 5901

الأصح: أنَّه يَلزَمُه الدَّفْعُ عن نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، وكما يَحرُمُ قَتْلُ نَفْسِه؛ يحرم (١) عَلَيهِ إباحةُ قَتْلِ نَفْسِه، ولأِنَّه قَدَرَ على إحْياءِ نَفْسِه؛ فَوَجَبَ عَلَيهِ فِعْلُ ما يَتَّقي (٢) به؛ كالمضْطَرِّ إذا وَجَدَ الميتةَ، وكذا عن نَفْسِ غَيرِه، لا في فِتْنةٍ في الأصحِّ فِيهِما. والثَّانِيَةُ: لا يَلزَمُه، قدَّمَها في «الرِّعاية»، وصحَّحَها ابنُ المنَجَّى؛ لِمَا رَوَى عبدُ الله بن عمر (٣): أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «ما يَمنَعُ أحدَكم إذا جاءَ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَه أنْ يكونَ مِثْلَ ابني (٤) آدَمَ، القاتِلُ في النَّار، والمقْتُولُ في الجَنَّة» رواهُ أحمدُ (٥)، وعن أبي موسى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا دَخَلَ أحدُكم بفتنةٍ (٦)؛ فليكُنْ كخَيرِ ابنَيْ (٧) آدَمَ» رواه أحمد (٨)، وأبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ (٩)، ولأِنَّ

стр. 5902

عُثْمانَ تَرَكَ القِتالَ على مَنْ بَغَى عَلَيهِ مع القُدْرةِ عَلَيهِ، ومَنَعَ غَيرَه مِنْ قِتالِهم، وصَبَرَ على ذلك (١)، ولو لم يَجُزْ؛ لَأنْكَرَ الصَّحابةُ عليه (٢) ذلك. وعلى اللُّزومِ: إنْ أمْكَنَه أنْ يَهرُبَ، أوْ يَحْتَمِيَ، أوْ يختفي (٣)؛ ففي جَوازِ الدَّفْع وَجْهانِ. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ الدَّفْعُ عن حُرْمَتِه، ولَيسَ كذلك، بَلْ هو قويلٌ (٤)،

стр. 5903

فإنَّه إذا رأى مع امْرَأتِه رَجُلاً، أو ابْنَتِه، أوْ أخْتِه يَزْنِي بها، أو تلوَّط (١) بابْنِه؛ فإنَّه يَجِبُ الدَّفْعُ عن ذلك في المنصوص (٢)؛ لأِنَّه اجْتَمَعَ فيه حقُّ الله، وهو مَنْعُه من الفاحِشَةِ، وحقُّ نَفْسِه بالمنْعِ عن أهله، فلا يسعه (٣) إضاعةُ هَذِه الحُقوقِ. ولا عَنْ مالِه، وهو الأصحُّ؛ كما لا يَلزَمُه حِفْظُه من (٤) الضَّياع والهلاك، ذَكَرَه القاضِي وغَيرُه. وفي «التَّبصرة» في الثَّلاثة: يَلزَمُه في الأصحِّ. وله بذله (٥)، وذَكَرَ القاضي: أنَّه أفْضَلُ، ونَقَلَه حنبلٌ (٦)، وفي «التَّرغِيبِ»: المنصوصُ عنه أنَّ تَرْكَ قِتالِه عنه (٧) أفْضَلُ، وأطلق (٨) رِوايَتَي الوُجوب في الكلِّ. زاد في «نِهَايَة المبْتَدِئِ» على الثَّلاثة: وعِرضه (٩)، وقِيلَ: يَجِبُ. وأطْلَقَ في «التَّبصرةِ»، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين: لُزومَه عن مالِ غَيرِه (١٠). (وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّائِلُ آدَمِيًّا)، مُكلَّفًا أوْ غَيرَ مُكلَّفٍ، وفي «التَّرغيب»: وعِندِي يَنتَقِضُ عَهْدُ الذِّمِّيِّ، (أَوْ بَهِيمَةً)؛ لاِشْتِراكِهما في المُجَوِّزِ للدفع (١١)،

стр. 5904

وهو الصَّولُ، ولأِنَّ البهيمةَ لا حُرْمَةَ لها، فيَجِبُ عَلَيهِ الدَّفْعُ إذا أمْكَنَه؛ كما لو خاف مِنْ سَيلٍ أوْ نارٍ وأمْكَنَهُ أنْ يتنحى (١) عنه. (وَإِذَا دَخَلَ رَجُلٌ مَنْزِلَهُ مُتَلَصِّصًا، أَوْ صَائِلاً)، إذا (٢) ادَّعى صِيالَةً بلا بَيِّنةٍ ولَا إقْرارٍ؛ لم يُقبَلْ، (فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا)؛ أيْ: إذا دَخَلَ مَنزِلَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه؛ فلِصاحِبِ المنزِلِ أمْرُه بالخُروج مِنْ مَنزِلِه، سَواءٌ كان معه سلاحٌ أوْ لا. فإنْ خَرَج بالأمر؛ لم يكُنْ له غَيرُه؛ لأِنَّ المقصودَ إخْراجُه، لكِنْ رُوِيَ عن ابن عمرَ: «أنَّه رَأَى لِصًّا فأصْلَتَ عَلَيهِ السَّيفَ»، قال الرَّاوِي: فلو تَرَكْناهُ لَقَتَلَه (٣)، وجاء رجلٌ إلى الحَسَن، فقال: رجلٌ دَخَلَ بَيتِي ومعه حديدة (٤)، أقْتُلُه؟ قال: «نَعَمْ». وجَوابُه: أنَّه أمْكَنَ إزالةُ العُدْوان بغَيرِ القَتْل؛ فلم (٥) يَجُز القَتْلُ، وكما لو (٦) غَصَبَ منه شَيئًا وأمْكَنَ أَخْذُه بغَيرِ القَتْلِ، وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ يُحمَلُ على قَصْدِ التَّرهيب. فإنْ لم يَخرُجْ؛ فله ضَرْبُه بأسْهَلِ ما يَعلَمُ أوْ يَظُنُّ أنَّه يندفع (٧) به، فإنْ خَرَجَ بالعصا؛ لم يكُنْ له ضَرْبُه بالحديد، وإنْ وَلَّى هارِبًا؛ لم يكُنْ له قَتْلُه ولا اتِّباعُه؛ كالبُغاة، وإنْ ضَرَبَه ضَرْبَةً عطَّلته (٨)؛ لم يكُنْ له أرْشٌ (٩)؛ لأِنَّه كُفِيَ شَرَّه.

стр. 5905

وإنْ ضربه (١) فَقَطَعَ يمينَه، فوَلَّى مُدْبِرًا، فَقَطَعَ رِجْلَه؛ فالرِّجْلُ مَضمونةٌ بقِصاصٍ أوْ دِيَةٍ؛ لأِنَّه في حالٍ لا يَحِلُّ له ضَرْبُه، واليَدُ غَيرُ مَضْمونَةٍ، فإنْ مات (٢) مِنْ سِرايَةِ القَطْع؛ فَعَلَيهِ نِصفُ الدِّيَة. وإنْ عادَ إلَيهِ بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِه، فَقَطَعَ يَدَه الأخْرَى؛ فاليَدانِ غَيرُ مَضْمونتَينِ، وإنْ ماتَ فعَلَيهِ ثلث (٣) الدِّيَةِ؛ كما لو ماتَ مِنْ جراحةِ ثلاثةِ أنْفُسٍ. وقِياسُ المذْهَبِ: أنْ يَضمَنَ نِصفَ الدِّيَة؛ كما لو جَرَحَه اثْنانِ، وماتَ منها. وإنْ لم يُمْكِنْه إلاَّ بالقَتْل، أوْ خاف أنْ يَبدُرَه به؛ فله قَتْلُه، وهو هَدرٌ؛ كالباغي، وإنْ قُتِلَ صاحِبُ المنزل فهو شهيدٌ؛ للخبر، وكالعادِل، وعلى الصَّائل ضَمانُه. وإنْ أمْكَنَ دَفْعُه بقَطْعِ عُضْوٍ فَقَتَلَه، أوْ قَطَعَ زيادةً على ما يَندَفِعُ به؛ ضَمِنَه. (وَإِنْ عَضَّ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا) عَضًّا مُحرَّمًا، (فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَسَقَطَتْ ثَنَايَاهُ؛ ذَهَبَتْ هَدَرًا)؛ لِمَا رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، قال (٤): قاتَلَ يَعْلَى (٥) بنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً، فَعَضَّ أحدُهما صاحِبَه، فانْتزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَه، وفي لفظ: بِثَنيَّتِه (٦)، فاخْتَصَما إلى النبي ﷺ فقال: «أيَعَضُّ أحدُكم كما يَعَضُّ الفَحْلُ، لا

стр. 5906

دِيَةَ لك (١)» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ، ولفظه (٢) لمسلمٍ (٣)، ولأِنَّه عُضْوٌ تَلِفَ ضَرورةَ شرِّ (٤) صاحِبه فلم يُضمَنْ؛ كما لو صَالَ عَلَيهِ، فلم يمكن الدفع (٥) إلاَّ بقَطْعِ يَدِه. وسَواءٌ كان المعْضوضُ ظالِمًا أوْ مظلومًا؛ لأِنَّ العَضَّ مُحرَّمٌ، إلاَّ أنْ يكُونَ العَضُّ مُباحًا، كمَنْ لا يَقدِرُ على التَّخَلُّص إلاَّ بِعَضِّه. وقال القاضي: تخليصُ (٦) المعْضوض يَدَه بأسْهَلِ ما يُمكِنُه، فإنْ أمْكَنَه فكَّ لِحْيَتِه (٧)، وإنْ لم يُمكِنْه لكَمَه (٨)، وإنْ لم يُمكِنْه جَذَبَ يَدَه مِنْ فِيهِ، فإنْ لم يَخلُصْ؛ فله أنْ يَعصِرَ خصيتيه (٩)، فإنْ لم يُمكِنْه؛ فله أنْ يَبعَجَ بَطْنَه، وإنْ أتى على نَفْسِه. قال في «المغْنِي»: والصَّحيحُ أنَّ هذا التَّرتيبَ غَيرُ معتبر (١٠)، ويَنْبَغِي أنْ يَجذِبَ يده (١١) أوَّلاً، فإنْ أمْكَنَه ذلك، فعَدَلَ إلى لَكْمِ فَكِّه، فأتْلَفَ شَيئًا؛ ضمنه؛ لِإمْكانِ التخلُّص (١٢) بما هو أَوْلَى منه. (وَإِنْ نَظَرَ فِي بَيْتِهِ مِنْ خَصَاصِ الْبَابِ)، وهو الفُروجُ الذِي فيه، (وَنَحْوِهِ)، وظاهِرُه: ولو لم يَتعَمَّدْ، لكِنْ ظنَّه مُتعَمِّدًا، قال في «التَّرغيب»: أوْ صادَفَ

стр. 5907

عَورةً مِنْ مَحارِمِه وأصرَّ، وفي «المغْنِي»: ولو خَلَتْ من نساءٍ، (فَخَذَفَ عَيْنَهُ، فَفَقَأَهَا)، وفي «الفروع»: فتَلِفَتْ؛ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز» وغَيرِهما؛ لِمَا رَوَى أبو هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لو أنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيكَ بغَيرِ إذْنٍ، فَخَذَفْتَه بحَصاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه؛ لم يكُنْ عَلَيكَ جُناحٌ» متَّفَقٌ عَلَيهِ (١). وظاهِرُ كلامِ أحمد (٢): أنَّه لا يُعتَبَرُ أنَّه لا يُمكِنُه دَفْعُه إلاَّ بذلك؛ لظاهِرِ الخَبَرِ، ولا يَتْبَعُه. وقال ابنُ حامِدٍ: يَدفَعُه بالأَسْهَلِ، فيُنْذِره (٣) أوَّلاً، كمَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ لم يَقصِدْ أُذُنَه (٤) بلا (٥) إنْذارٍ، قالَهُ في «التَّرغيب». وقِيلَ: بابٌ مَفْتوحٌ كخَصاصَةٍ، وجَزَمَ به (٦) بعضُهم، وعن أبي ذر (٧) مرفوعًا: «وإنْ مَرَّ رجلٌ على بابٍ لا سِتْرَ له غَيرِ مُغلَقٍ، فنَظَر (٨)؛ فلا (٩) خَطِيئةَ عَلَيهِ، إنَّما الخَطِيئةُ على أهْلِ البَيتِ» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، وفيه (١٠) ابنُ لَهِيعَةَ (١١).

стр. 5908

ولو كان إنسانٌ عُرْيانًا في طريقٍ؛ لم يكُنْ له رمي (١) مَنْ نَظَرَ إلَيهِ؛ لأِنَّه مُفرِّطٌ. فرعٌ: إذا اطَّلَعَ فَرَمَاهُ، فقال المطَّلِعُ: ما تَعمَّدْتُه؛ لم يَضمَنْه على ظاهِرِ كلامه، وعلى (٢) قَولِ ابنِ حامِدٍ: بَلَى. وإن اطَّلَع أعْمَى؛ لم يَجُزْ رَمْيُه، وقال ابنُ عَقِيلٍ: بَلَى، إنْ كان سميعًا؛ كالبَصِيرِ. وسَواءٌ كان النَّاظِرُ في مِلْكِه، أوْ غَيرِه. واللهُ أعْلَمُ.

стр. 5909

(بَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ) البَغْيُ: مَصْدَرُ بَغَى يَبْغِي بَغْيًا، إذا اعْتَدَى. والمرادُ هنا: هم الظَّلَمةُ الخارِجونَ عن (١) طاعةِ الإمامِ، المعْتَدُونَ عَلَيهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وفِيهَا فَوائِدُ: مِنْها: أنَّهم لم يَخرُجُوا بالبَغْيِ عن الإيمان. ومِنْها: أنَّه (٢) أوْجَبَ قِتالَهم. ومِنْها: أنَّه أسْقَطَ قِتالَهم إذا رَجَعُوا إلى أمْرِ الله تَعالَى. ومِنْها: أنَّه أسْقَطَ عنهم التَّبِعةَ فِيما أتْلَفُوهُ في قِتالِهم. ومِنْها: أنَّها أجازَتْ قِتالَ كلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عَلَيهِ. والأحاديثُ مشهورةٌ، منها (٣): ما رَوَى عُبادةُ بنُ الصَّامِت، قال: «بايَعْنا رسولَ الله ﷺ على السَّمْع والطَّاعة، في المنْشَطِ والمكْرَه، وألاَّ نُنازِع (٤) الأمرَ أهْلَه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥)، وأجْمَعَ الصَّحابةُ على قِتالِهم، فإنَّ (٦) أبا بكرٍ قاتَلَ مانِعِي الزَّكاة (٧)، وعَلِيًّا قاتَلَ أهلَ الجَمَلِ وأهْلَ صِفِّينَ. (وَهُمُ الْقَوْمُ الذِينَ يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ) العادِلِ، ذَكَرَه في «الرِّعاية»، (بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ)، سَواءٌ كان صوابًا أوْ خَطَأً، وقِيلَ: بل خَطَأً فَقَطْ، ذَكَرَه في

стр. 5910

«الرِّعاية»، (وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَشَوْكَةٌ)، لا جَمْعٌ يسيرٌ، خِلافًا لأِبي بكرٍ. فإنْ فاتَ شَرْطٌ؛ فقُطَّاعُ طريقٍ، فَعَلَى هذا: لو امْتَنَعَ قَومٌ مِنْ طاعةِ الإمام وخَرَجُوا عن قَبْضَتِهِ بغَيرِ تأويلٍ، أوْ كان لهم تأويلٌ ولا مَنَعَةَ لهم كالعَشَرة؛ فقُطَّاعُ طريقٍ. وفي «التَّرغيب»: لا تتم (١) الشَّوكةُ إلا وفِيهم واحِدٌ مُطاعٌ، وأنَّه يُعتَبَرُ كَونُهم في طرف (٢) وِلايَتِه. وفي «عُيونِ المسائل»: تدعو (٣) إلى نَفْسها، أو إلى (٤) إمامٍ غَيرِه، وإلاَّ فقُطَّاعُ طريقٍ. أصلٌ: مَنْ كَفَّرَ أهلَ الحقِّ والصَّحابة، واسْتَحَلَّ دِماءَ المسلمين؛ فهم بُغاةٌ في قَولِ الجَماهِيرِ، يتعين (٥) اسْتِتابَتُهم، فإنْ تابُوا وإلاَّ قُتِلُوا على إفسادهم (٦)، لا على كُفْرِهم. وقال طائفةٌ من المحدِّثِينَ: هم كُفَّارٌ، حُكْمُهم حُكْمُ المرْتَدِّينَ؛ للأخبار (٧)، وهذا روايةٌ عن أحمدَ، وذكره (٨) في «التَّرغيب» و «الرِّعاية»: أنَّها

стр. 5911

أشْهَرُ، وذَكَرَ ابنُ حامِدٍ: أنَّه لا خِلافَ فيه. وحَكَى ابنُ أبي مُوسَى عن أحمدَ: الخَوارِجُ كِلابُ النَّار، صَحَّ الحديثُ فيهم من عَشَرَةِ أوْجُهٍ (١)، قال: والحُكْمُ فِيهم على ما قال عليٌّ (٢)، وفيما قال: «لا نَبْدَؤُكم بقِتالٍ» (٣).

стр. 5912

وقال (١) ابنُ المنْذِرِ: ولا (٢) أعلم (٣) أحدًا وافَقَ أهلَ الحديث على كُفْرِهم (٤)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: في الحديث (٥) الذي رُوِّيناهُ: «يَتَمادَى في الفرق (٦)» (٧) يدلُّ على أنَّه لم يُكفِّرْهم (٨). قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ أنَّ الخوارجَ يَجُوزُ قَتْلُهم ابْتِداءً، والإجازةُ على جَريحِهم. (وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ، وَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ (٩)؛ للنَّصِّ؛ إذ المُراسَلَةُ والسُّؤالُ طريقٌ إلى الصُّلح؛ لأِنَّ ذلك وسيلةٌ إلى رجوعهم إلى الحقِّ، وقد رُوِيَ: «أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ راسَلَ أهْلَ البصرة (١٠) قَبْلَ وَقْعَةِ الجَمَلِ» (١١)، و «لمَّا اعْتَزَلَتْهُ الحَرُورِيَّةُ بَعَثَ إلَيهِم عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ، فَوَاضَعُوهُ

стр. 5913

كتاب اللهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، فَرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ» (١). (وَيُزِيلُ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ مَظْلَمَةٍ)؛ لأِنَّ ذلك وجب (٢) مع إفْضاءِ الأمر إلى القَتْلِ والهَرْج والمرْجِ، فَلَأَنْ يَجِبَ في حالٍ يُؤَدِّي إلى ذلك بطريقِ الأَوْلَى. (وَيَكْشِفُ مَا يَدَّعُونَهُ مِنْ شُبْهَةٍ)؛ لأِنَّ كَشْفَها طريقٌ إلى رُجوعِهم إلى الحقِّ، وذلك مُطْلوبٌ، إلاَّ أنْ يَخافَ كَلَبَهم، فلا يُمكِنُ ذلك في حقِّهم. فإنْ أبَوُا الرُّجوعَ؛ وَعَظَهُم، وخوَّفهم القِتالَ؛ لأِنَّ المقْصودَ دَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم. (فَإِنْ فَاؤُوا)؛ أيْ: رَجَعُوا إلى الطاعة (٣)، (وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ)؛ أيْ: يَلزَمُ القادِرَ قِتالُهم؛ لإجْماعِ الصَّحابة على ذلك (٤). وقال (٥) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٦): الأفْضَلُ تَرْكُه حتَّى يَبْدَؤوهُ، وهو ظاهِرُ اختيار (٧) المؤلِّف. وقالا في الخَوارِج: له قَتْلُهم ابْتِداءً، وتَتِمَّةُ الجَريح. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح» في الخَوارِج: ظاهِرُ قَولِ المتأخِّرِينَ مِنْ أصْحابنا: أنَّهم بُغاةٌ، لهم (٨) حُكْمُهم.

стр. 5914

وفرَّق جُمْهورُ العُلَماء بَينَ الخَوارِج والبُغاةِ المتأوِّلِينَ، وهو المعروفُ عن الصَّحابة وغَيرِهم. (وَعَلَى رَعِيَّتِهِ مَعُونَتُهُ عَلَى حَرْبِهِمْ)؛ لقوله (١) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٥٩]، ولقولِه ﵇: «مَنْ فارَقَ الجماعةَ شِبْرًا؛ فقد خَلَعَ ربقة الإسلامِ من عُنُقِه» رواه أحمدُ، وأبو داودَ، مِنْ حديثِ أبي ذَرٍّ ﵁ (٢). (فَإِنِ (٣) اسْتَنْظَرُوهُ مُدَّةً رَجَا رُجُوعَهُمْ فِيهَا؛ أَنْظَرَهُمْ) حكاهُ ابنُ المنذر إجْماعَ مَنْ يَحفَظُ عنه (٤)، وفي «الرِّعاية»: ثلاثًا، ولأِنَّ الإنْظارَ المرْجُوَّ به رُجوعُهم أَوْلَى مِنْ معالجتهم (٥) بالقِتال المؤدِّي إلى الهَرْج والمَرْجِ. (فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا مَكِيدَةٌ؛ لَمْ يُنْظِرْهُمْ)؛ لأِنَّ الإنْظارَ لا يُؤْمَنُ مِنْه أنْ يَصِيرَ طريقًا إلى قَهْرِ أهلِ الحقِّ، وذلك لا يَجُوزُ، وإنْ أَعْطَوْهُ عليه مالاً أوْ رَهْنًا؛ لأِنَّه يُخَلِّي سَبِيلَهم إذا انْقَضَت الحربُ، كما تُخلَّى (٦) الأسارَى، ولا يَجُوزُ قَتْلُهم. فإنْ سَأَلوهُ أنْ يُنظِرَهم أبدًا، ويَدَعَهم وما هُمْ عَلَيهِ، ويَكُفُّوا عن المسلمين، فإنْ قَوِيَ عَلَيهِم؛ لم يَجُزْ إقْرارُهم على ذلك، وإلاَّ جازَ.

стр. 5915

(وَقَاتَلَهُمْ) حَيثُ قَوِيَ على ذلك، فإنْ ضَعُفَ عنه؛ أخَّرَه حتَّى يَقْوَى، فإنْ حَضَرَ معهم مَنْ لا يُقاتِلُ؛ لم يَجُزْ قَتْلُه، وإذا قاتَلَ معهم عَبِيدٌ أوْ نِساءٌ أوْ صِبْيانٌ؛ فهم كالرَّجُل البالِغِ الحُرِّ، وفي «التَّرغيب»: ومُراهِقٌ وعَبْدٌ؛ كخَيلٍ. (وَلَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ إِتْلَافُهُ؛ كَالمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ)؛ لأِنَّه يَعُمُّ مَنْ يَجُوزُ ومَنْ لا يَجُوزُ، (إِلاَّ لِضَرُورَةٍ)؛ كما في دَفْعِ الصَّائل، فإنْ رماهم البُغاةُ به؛ جاز رَمْيُهم. (وَلَا يَسْتَعِينُ فِي حَرْبِهِمْ بِكَافِرٍ)؛ لأِنَّه لا يُستَعانُ في قِتالِ الكُفَّار به، فَلَأَنْ لا (١) يُستَعانَ به في قِتالِ مُسلِمٍ بطريقِ الأَوْلَى، ولأِنَّ القَصْدَ كَفُّهُم لا قَتْلُهم، وهو لا يَقصد قَتْلَهم (٢). فإن احْتاجَ فَقَدَرَ على (٣) كَفِّهم عن فِعْلِ ما لا يَجُوزُ؛ جازَت الاِسْتِعانةُ بهِم، وإلاَّ فَلَا. (وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَيْهِمْ بِسِلَاحِهِمْ وَكُرَاعِهِمْ (٤)؛ أيْ: خيلهم (٥)؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ): أحَدُهما: لا، جَزَمَ به ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ، وحكاه القاضي والمؤلِّفُ عن أحمدَ، وصحَّحَه ابنُ حَمْدانَ؛ لأِنَّ الإسلامَ عَصَمَ أمْوالَهم، وإنَّما أُبِيحَ قِتالُهم لِرَدِّهم إلى (٦) الطَّاعة، فيَبْقَى المالُ على العِصْمة؛ كمالِ قاطِعِ الطَّريق، إلاَّ أنْ

стр. 5916

تدعوَ (١) ضرورةٌ، فيَجُوزُ؛ كأكْلِ مالِ الغَيرِ في المخْمَصَةِ (٢). والثاني (٣): يَجُوزُ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وذَكَرَ القاضي أنَّ أحمدَ أَوْمَأَ إلَيهِ؛ قِياسًا على أسْلِحَة الكُفَّار، وعَلَيهِ: لا يَجوزُ في غَيرِ قِتالِهم، ويَجِبُ رَدُّه بَعْدَ تَقضِّي (٤) الحرب، كما يَرُدُّ سائرَ أمْوالِهم، ولا يَرُدُّه حالَ الحرب؛ لِئَلاَّ يقاتلونا (٥) به. (وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحٍ)، ولا يَجُوزُ قَتْلُهم إذا تَرَكُوا القِتالَ في قَولِ الأكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى مَرْوانُ قال: صَرَخ صَارخٌ (٦) لعليٍّ يَومَ الجَمَل: «لا يُقتَلَنَّ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّف على جَريحٍ، ومَن أغْلَقَ عليه (٧) بابَه فهو آمِنٌ، ومَن ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ» رواهُ سَعِيدٌ (٨)، وعن عَمَّارٍ نَحْوُه (٩)،

стр. 5917

وكالصائل (١). وفي «التَّرغيب»: إنَّ المدْبِرَ من (٢) انْكَسَرَتْ شَوكَتُه، لا المنحَرِفُ إلى مَوضِعٍ آخَرَ. فعلى هذا: إذا قَتَلَ إنْسانًا مُنِعَ مَنْ قَتَلَه؛ ضمنه (٣)، وهل يَلزَمُه القِصاصُ؟ فيه وجْهانِ. (وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ)؛ لأِنَّهم لم يَكفُروا بِبَغْيِهم (٤) وقتالِهم، وعِصْمةُ الأموال تابِعةٌ لِدِينِهم. (وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا لِأَحْمدَ (٥)؛ لأنَّه (٦) لم يَحصُلْ منهم سببٌ أصْلاً، بخِلافِ أهْلِ البَغْيِ، فإنَّه وُجِدَ مِنْهُم البَغْيُ والقِتالُ. (وَمَنْ أُسِرَ (٧) مِنْ رِجَالِهِمْ؛ حُبِسَ (٨) حَتَّى تَنْقَضِيَ (٩) الْحَرْبُ)؛ لأِنَّ في إطْلاقِهم ضَرَرًا على المسْلِمِينَ، (ثُمَّ يُرْسَلُ) بَعْدَ ذلك؛ لأِنَّ المانِعَ مِنْ إرسالِهم خَوفُ مُساعَدَةِ أصْحابِهم، وقد زَالَ. وفي «التَّرغيب»: لا، مع بَقاءِ شَوْكَتِهم. وقِيلَ: يُرسَلُ إنْ أُمِنَ ضَرَرُه.

стр. 5918

فإنْ بَطَلَتْ، ويُتوقَّعُ اجْتِماعُهم في الحال؛ فَوَجْهانِ. فرعٌ: إذا أَسَرَ رجلاً مُطاعًا؛ خُلِّيَ، زاد في «الرِّعاية»: إنْ أُمِنَ شَرُّه، فإنْ أبَى أنْ يَدخُلَ في الطَّاعة، وفي «الكافي» و «الشَّرح»: وكان رَجُلاً جَلْدًا؛ حُبِسَ، وأُطْلِقَ بَعْدَ الحَرْب، زاد في «الشَّرح»: وشُرِطَ عَلَيهِ ألاَّ يعودَ إلى القتال. (وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ؛ فَهَلْ يُفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُحبَسُونَ؛ لأِنَّ فيه كَسْرَ قُلوبِ البُغاة، وكالرَّجُل. والثَّاني: يُخلَّون (١) في الحال، قدَّمه في «الرِّعاية»، وصحَّحه في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه لا يُخشَى مِنْ تَخْلِيَتِه. فرعٌ: لا يُكرَه للعادِل قَتْلُ ذَوِي رَحِمِه الباغِينَ، ذَكَرَه القاضي؛ لأِنَّه قتلٌ (٢) بحقٍّ، أشْبَهَ إقامةَ الحَدِّ عَلَيهِ. والأصحُّ يُكرَهُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمَان: ١٥]، قال الشَّافِعِيُّ: كفَّ النَّبيُّ ﷺ أبا حُذَيفةَ بنَ عُتْبةَ عن قَتْلِ أَبِيهِ (٣).

стр. 5919

وقال بعضُهم: لا يَحِلُّ، وذَكَرَه في «الفُروع» احْتِمالاً؛ لأنَّه (١) يُقالُ (٢): أُمِرَ بمصاحبته (٣) بالمعروف. تنبيهٌ: يَجُوزُ فِداءُ أُسارَى أهْلِ العَدْلِ بأُسارَى البُغاة، فإنْ قَتَلَ أهلُ البَغْيِ أُسارَى أهلِ العَدْل؛ لم يَجُزْ لأِهْلِ العَدْلِ قَتْلُ أَسْراهم (٤). فإن اقْتَتَلَتْ طائفتانِ من البُغاة، فَقَدَرَ الإمامُ على قَهْرِهما؛ لم يُعِنْ إحداهما على الأخرى، وإنْ عَجَزَ وخافَ اجْتِماعَهما على حَرْبه؛ ضمَّ إلَيهِ أقْرَبَهما إلى الحقِّ، فإن اسْتَوَيَا؛ اجْتَهَدَ في ضمِّ إحداهما (٥)، ولا يَقصِدُ بذلك مَعُونَةَ إحداهما، بل الاِسْتِعانةَ على الأخرى، فإذا هَزَمَها؛ لم يُقاتِلْ مَنْ معه حتَّى يَدعُوَهُم إلى الطَّاعة. (وَإِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ أَخَذَهُ)؛ لقَولِ عليٍّ: «مَنْ عَرَفَ شَيئًا أخَذَه» (٦)، ولأِنَّه مالٌ مَعْصومٌ بالإسلام، أشْبَهَ مالَ غير (٧) البُغاة. (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ)؛

стр. 5920

لأِنَّه إذا لم يمكن (١) دَفْعُ البُغاة إلاَّ بقَتلِهم؛ جاز، ولا شَيءَ على قاتِلِهم مِنْ إثْمٍ، ولا ضَمانٍ، ولا كفَّارةٍ؛ لأِنَّه فَعَلَ ما أُمِرَ به؛ كما لو قَتَلَ الصَّائلَ عَلَيهِ. (وَهَلْ يَضْمَنُ (٢) الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي (٣) الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا ضَمانَ، قدَّمها في «الكافي» و «الفروع»، ونَصَرَها في «الشَّرح» والقاضِي في «الخلاف»، وصحَّحها؛ لقَولِ الزُّهْرِيِّ: (هاجَتِ الفتنةُ وأصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ متوافرون (٤)، فأجْمَعُوا أنْ لا يُقادَ أحدٌ، ولا يُؤخَذَ مالٌ، على تأويلِ القرآن إلاَّ ما وُجِدَ بِعَينِه)، ذَكَرَه أحمدُ في رِوايةِ الأثْرَمِ، واحتجَّ به، رَواهُ الخَلاَّلُ (٥)، قال القاضي: وهذا إجْماعٌ منهم مَقطوعٌ به، ولأنَّ (٦) تضمينهم (٧) يُفْضِي إلى تَنفِيرهم من الرُّجوع إلى الطَّاعة، فسقط (٨)؛ كأهْلِ الحَرْب، وكأهْلِ العَدْل. والثَّانِيَةُ: يَضمَنُونَ، جَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لقولِ أبي بكرٍ لأِهْلِ الرِّدَّة: «يُودُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي (٩) قَتْلاكُم» (١٠)،
следующие страницы →