← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

تدعوَ (١) ضرورةٌ، فيَجُوزُ؛ كأكْلِ مالِ الغَيرِ في المخْمَصَةِ (٢). والثاني (٣): يَجُوزُ، جَزَمَ به في «الوجيز»، وذَكَرَ القاضي أنَّ أحمدَ أَوْمَأَ إلَيهِ؛ قِياسًا على أسْلِحَة الكُفَّار، وعَلَيهِ: لا يَجوزُ في غَيرِ قِتالِهم، ويَجِبُ رَدُّه بَعْدَ تَقضِّي (٤) الحرب، كما يَرُدُّ سائرَ أمْوالِهم، ولا يَرُدُّه حالَ الحرب؛ لِئَلاَّ يقاتلونا (٥) به. (وَلَا يُتْبَعُ لَهُمْ مُدْبِرٌ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحٍ)، ولا يَجُوزُ قَتْلُهم إذا تَرَكُوا القِتالَ في قَولِ الأكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى مَرْوانُ قال: صَرَخ صَارخٌ (٦) لعليٍّ يَومَ الجَمَل: «لا يُقتَلَنَّ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّف على جَريحٍ، ومَن أغْلَقَ عليه (٧) بابَه فهو آمِنٌ، ومَن ألْقَى السِّلاحَ فهو آمِنٌ» رواهُ سَعِيدٌ (٨)، وعن عَمَّارٍ نَحْوُه (٩)،

стр. 5917

وكالصائل (١). وفي «التَّرغيب»: إنَّ المدْبِرَ من (٢) انْكَسَرَتْ شَوكَتُه، لا المنحَرِفُ إلى مَوضِعٍ آخَرَ. فعلى هذا: إذا قَتَلَ إنْسانًا مُنِعَ مَنْ قَتَلَه؛ ضمنه (٣)، وهل يَلزَمُه القِصاصُ؟ فيه وجْهانِ. (وَلَا يُغْنَمُ لَهُمْ مَالٌ)؛ لأِنَّهم لم يَكفُروا بِبَغْيِهم (٤) وقتالِهم، وعِصْمةُ الأموال تابِعةٌ لِدِينِهم. (وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ)، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا لِأَحْمدَ (٥)؛ لأنَّه (٦) لم يَحصُلْ منهم سببٌ أصْلاً، بخِلافِ أهْلِ البَغْيِ، فإنَّه وُجِدَ مِنْهُم البَغْيُ والقِتالُ. (وَمَنْ أُسِرَ (٧) مِنْ رِجَالِهِمْ؛ حُبِسَ (٨) حَتَّى تَنْقَضِيَ (٩) الْحَرْبُ)؛ لأِنَّ في إطْلاقِهم ضَرَرًا على المسْلِمِينَ، (ثُمَّ يُرْسَلُ) بَعْدَ ذلك؛ لأِنَّ المانِعَ مِنْ إرسالِهم خَوفُ مُساعَدَةِ أصْحابِهم، وقد زَالَ. وفي «التَّرغيب»: لا، مع بَقاءِ شَوْكَتِهم. وقِيلَ: يُرسَلُ إنْ أُمِنَ ضَرَرُه.

стр. 5918

فإنْ بَطَلَتْ، ويُتوقَّعُ اجْتِماعُهم في الحال؛ فَوَجْهانِ. فرعٌ: إذا أَسَرَ رجلاً مُطاعًا؛ خُلِّيَ، زاد في «الرِّعاية»: إنْ أُمِنَ شَرُّه، فإنْ أبَى أنْ يَدخُلَ في الطَّاعة، وفي «الكافي» و «الشَّرح»: وكان رَجُلاً جَلْدًا؛ حُبِسَ، وأُطْلِقَ بَعْدَ الحَرْب، زاد في «الشَّرح»: وشُرِطَ عَلَيهِ ألاَّ يعودَ إلى القتال. (وَإِنْ أُسِرَ صَبِيٌّ أَوِ امْرَأَةٌ؛ فَهَلْ يُفْعَلُ ذَلِكَ، أَوْ يُخَلَّى فِي الْحَالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يُحبَسُونَ؛ لأِنَّ فيه كَسْرَ قُلوبِ البُغاة، وكالرَّجُل. والثَّاني: يُخلَّون (١) في الحال، قدَّمه في «الرِّعاية»، وصحَّحه في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لأِنَّه لا يُخشَى مِنْ تَخْلِيَتِه. فرعٌ: لا يُكرَه للعادِل قَتْلُ ذَوِي رَحِمِه الباغِينَ، ذَكَرَه القاضي؛ لأِنَّه قتلٌ (٢) بحقٍّ، أشْبَهَ إقامةَ الحَدِّ عَلَيهِ. والأصحُّ يُكرَهُ، وقدَّمه في «الفروع»؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمَان: ١٥]، قال الشَّافِعِيُّ: كفَّ النَّبيُّ ﷺ أبا حُذَيفةَ بنَ عُتْبةَ عن قَتْلِ أَبِيهِ (٣).

стр. 5919

وقال بعضُهم: لا يَحِلُّ، وذَكَرَه في «الفُروع» احْتِمالاً؛ لأنَّه (١) يُقالُ (٢): أُمِرَ بمصاحبته (٣) بالمعروف. تنبيهٌ: يَجُوزُ فِداءُ أُسارَى أهْلِ العَدْلِ بأُسارَى البُغاة، فإنْ قَتَلَ أهلُ البَغْيِ أُسارَى أهلِ العَدْل؛ لم يَجُزْ لأِهْلِ العَدْلِ قَتْلُ أَسْراهم (٤). فإن اقْتَتَلَتْ طائفتانِ من البُغاة، فَقَدَرَ الإمامُ على قَهْرِهما؛ لم يُعِنْ إحداهما على الأخرى، وإنْ عَجَزَ وخافَ اجْتِماعَهما على حَرْبه؛ ضمَّ إلَيهِ أقْرَبَهما إلى الحقِّ، فإن اسْتَوَيَا؛ اجْتَهَدَ في ضمِّ إحداهما (٥)، ولا يَقصِدُ بذلك مَعُونَةَ إحداهما، بل الاِسْتِعانةَ على الأخرى، فإذا هَزَمَها؛ لم يُقاتِلْ مَنْ معه حتَّى يَدعُوَهُم إلى الطَّاعة. (وَإِذَا انْقَضَى الْحَرْبُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهُمْ مَالَهُ فِي يَدِ إِنْسَانٍ؛ أَخَذَهُ)؛ لقَولِ عليٍّ: «مَنْ عَرَفَ شَيئًا أخَذَه» (٦)، ولأِنَّه مالٌ مَعْصومٌ بالإسلام، أشْبَهَ مالَ غير (٧) البُغاة. (وَلَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ حَالَ الْحَرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ)؛

стр. 5920

لأِنَّه إذا لم يمكن (١) دَفْعُ البُغاة إلاَّ بقَتلِهم؛ جاز، ولا شَيءَ على قاتِلِهم مِنْ إثْمٍ، ولا ضَمانٍ، ولا كفَّارةٍ؛ لأِنَّه فَعَلَ ما أُمِرَ به؛ كما لو قَتَلَ الصَّائلَ عَلَيهِ. (وَهَلْ يَضْمَنُ (٢) الْبُغَاةُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي (٣) الْحَرْبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما: لا ضَمانَ، قدَّمها في «الكافي» و «الفروع»، ونَصَرَها في «الشَّرح» والقاضِي في «الخلاف»، وصحَّحها؛ لقَولِ الزُّهْرِيِّ: (هاجَتِ الفتنةُ وأصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ متوافرون (٤)، فأجْمَعُوا أنْ لا يُقادَ أحدٌ، ولا يُؤخَذَ مالٌ، على تأويلِ القرآن إلاَّ ما وُجِدَ بِعَينِه)، ذَكَرَه أحمدُ في رِوايةِ الأثْرَمِ، واحتجَّ به، رَواهُ الخَلاَّلُ (٥)، قال القاضي: وهذا إجْماعٌ منهم مَقطوعٌ به، ولأنَّ (٦) تضمينهم (٧) يُفْضِي إلى تَنفِيرهم من الرُّجوع إلى الطَّاعة، فسقط (٨)؛ كأهْلِ الحَرْب، وكأهْلِ العَدْل. والثَّانِيَةُ: يَضمَنُونَ، جَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لقولِ أبي بكرٍ لأِهْلِ الرِّدَّة: «يُودُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي (٩) قَتْلاكُم» (١٠)،

стр. 5921

ولأِنَّها نفوسٌ (١) وأموالٌ مَعْصومةٌ، أُتْلِفَتْ بغَيرِ حقٍّ ولا ضرورةِ دَفْعٍ مُباحٍ، فَوَجَبَ ضَمانُه؛ كالذِي تَلِفَ في غَيرِ حالِ الحَرْب. وجَوابُه: أنَّ أبا بكرٍ رَجَعَ عنه إلى قَولِ عمرَ (٢)، ولم يُمضِه (٣)، ثمَّ لو وَجَبَ التَّغريم (٤) في حقِّ المرتَدِّينَ؛ لم يَلزَمْ مِثْلُه هُنا، فإنَّ هؤلاء طائفةٌ من المسلمين لهم تأويلٌ سائِغٌ، وأولئك كُفَّارٌ لا تَأْويلَ لهم. وإذا ضُمِنَ المالُ، ففي القَوَدِ وجهان (٥)، فإنْ أُهْدِرَ؛ فالقَوَدُ أَوْلَى. (وَمَنْ أَتْلَفَ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ شَيْئًا (٦)؛ ضَمِنَهُ)؛ أي: من (٧) الفَريقَينِ،

стр. 5922

روايةً واحدةً، قاله في «المستوعب»؛ لأِنَّ الأصلَ وُجوبُ الضَّمانِ، تُرِكَ العَمَلُ به في حالِ الحَرْب للضَّرورة، فيَبْقَى ما عَدَاهُ. وهل يَتحتَّمُ قَتْلُ الباغِي إذا قَتَلَ أَحَدًا مِنْ أهْلِ العدل (١) في غَيرِ المعركة؟ فيه وجْهانِ، الأصحُّ (٢): أنَّه لا يتحتَّمُ. فأمَّا الخَوارِجُ؛ فالصَّحيحُ إباحةُ قَتْلِهم، فلا (٣) قِصاصَ على أحدٍ منهم، ولا ضَمانَ عَلَيهِ في ماله. (وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ خَرَاجٍ، أَوْ جِزْيَةٍ؛ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى صَاحِبِهِ)، رُوِيَ عن عمرَ (٤)، وسَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ (٥)، وقاله أكثرُ العُلَماء؛ لِمَا رُوِيَ: «أنَّ عَلِيًّا لَمَّا ظَهَرَ على أهْلِ البَصْرة لم (٦) يُطالِبْهم بشَيءٍ ممَّا جَبَوْه (٧)»، ولأِنَّ في تَرْكِ الاِحْتِسابَ بها ضررًا عظيمًا، ومشَقَّةً

стр. 5923

كثيرةً، فإنَّهم قد يغلبون (١) على البلاد السِّنينَ الكثيرةَ، فلو لم يُحْتَسَبْ بما أَخَذُوا؛ لحَصَلَ الضَّرَرُ. وظاهِرُه: لا (٢) فرق فيه (٣) بَينَ الخَوارِج وغَيرِهم. وقال أبو عُبَيدٍ: يُجْزِئُ دَفْعُ الزَّكاة إلى بُغاةٍ وخَوارِجَ، ونَصَّ عَلَيهِ أحمدُ في الخَوارِجِ (٤)، ويَقَعُ مَوقِعَه. قال القاضي في «الشَّرح»: هذا محمولٌ على أنَّهم خَرَجُوا بتأويلٍ، وذَكَرَ في مَوضِعٍ آخَرَ: إنَّما يجوز أخْذُهم إذا نَصَبُوا لهم إمامًا. وفي «الأحْكام السُّلْطانِيَّة»: أنَّه لا يُجزِئُ الدَّفْعُ إلَيهِم اختيارًا (٥). وعن أحمدَ: الوقْفُ فيما أخَذُوهُ مِنْ زكاةٍ. فلو صَرَفَه أهلُ البَغْيِ في جِهَتِه؛ صحَّ، قال ابنُ حَمْدانَ: ودَفْعُ سهم (٦) المسْتَرْزِقَةِ إلى أجنادهم (٧) يَحتَمِلُ وَجْهَينِ. (وَمَنِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاتِهِ إِلَيْهِمْ؛ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ (٨)؛ لأِنَّ الزَّكاةَ لا يُستَحْلَفُ

стр. 5924

فيها، قال أحمدُ: لا يُستحلف (١) النَّاسُ على صَدَقاتِهم. (وَإِنِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتِهِ إِلَيْهِمْ؛ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ)؛ لأِنَّهم غَيرُ مَأْمُونِينَ، ولأِنَّها عِوَضٌ (٢) أشْبَهَت الأجْرةَ. وقِيلَ: يُقْبَلُ قَولُهم إذا مَضَى الحَولُ؛ لأِنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البُغاةَ لا يَدَعُونَ الجِزْيَةَ لهم. (وَإِنِ ادَّعَى إِنْسَانٌ دَفْعَ خَرَاجِهِ إِلَيْهِمْ؛ فَهَلْ يُقْبَلُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ عَلَى وَجْهَينِ): أشْهَرُهما: لا يقبل (٣) إلاَّ بِبَيِّنَةٍ، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لأِنَّه عِوَضٌ أشْبَهَ الجِزْيَةَ. والثَّاني: يُقبَلُ؛ لأِنَّه حقٌّ على مُسلِمٍ، فقُبِل (٤) قَوله؛ كالزَّكاة. وقِيلَ: بَلَى، إنْ حَلَفَ. (وَتَجُوزُ (٥) شَهَادَتُهُمْ)؛ لأِنَّهم أخْطَؤُوا في فَرْعٍ من فُروعِ الإسلام باجْتِهادهم، أشْبَهَ المخْتَلِفِينَ من الفُقَهاء في الأحكام، وإذا (٦) لم يَكُونُوا مِنْ أهْلِ البِدَع قُبِلَتْ شَهادَتُهم؛ كأهْلِ العَدْل، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمهُ (٧)، قال ابنُ عَقِيلٍ: تُقبَلُ شهادتهم (٨)، ويُؤخَذُ عنهم العلمُ، ما لم يَكُونُوا دُعاةً، انتهى. فأمَّا الخَوارِجُ وأهْلُ البِدَع إذا خَرَجُوا على الإمام؛ فلا تقبل (٩) لهم

стр. 5925

شهادةٌ؛ لأِنَّهم فُسَّاقٌ. (وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ إِلاَّ مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيْرِهِ)؛ لأِنَّ بَغيهم (١) في أمْرٍ يَسُوغُ فيه التَّأويلُ، أشبه (٢) الاختلاف (٣) في «الفروع». فَعَلَى هذا: إنْ خالَفَ حُكْمُ حاكِمِهم نصًّا (٤) أوْ إجْماعًا، أوْ كان ممَّن يَستَحِلُّ دماء (٥) أهْلِ العَدْلِ وأمْوالَهم؛ نُقِضَ حُكْمُه. فرعٌ: إذا كَتَبَ قاضِيهِم إلى قاضِي أهْلِ العَدْل؛ جاز قَبولُ كتابه (٦)؛ لأِنَّه قاضٍ ثابِتُ القَضاءِ. وفي «المغْنِي»، و «الشَّرح»، و «التَّرغيب»: الأَوْلَى ردُّ كتابِه قَبْلَ حُكْمِه؛ كَسْرًا لِقُلوبِهم. فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوْا قاضِيًا؛ لم يَجُزْ قَضاؤه للفسق. وفي «المغني»، و «الشَّرح» احْتِمالٌ: يَصِحُّ قَضاؤه؛ دَفْعًا للضَّرَرِ؛ كما لو أقام الحَدَّ، أوْ أخَذَ جزيةً (٧) وخَراجًا وزكاةً. (وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَعَانُوهُمْ) طَوْعًا، مع عِلْمِهم بأنَّ ذلك لا يَجُوزُ؛ (انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه ابنُ أبي مُوسَى؛ كما لو انْفَرَدُوا بقِتالِهم، وحُكْمُهم حُكْمُ أهلِ الحَرْب.

стр. 5926

وقِيلَ: لا يَنتَقِضُ؛ لأِنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يَعرِفُونَ المُحِقَّ (١) من المُبطِل، فيكون ذلك شُبْهةً لهم (٢)، فعلى هذا: حُكْمُهم حُكْمُ البُغاة في (٣) قَتْلِ مُقْبِلِهم (٤)، والكَفِّ عن أَسْرِهم (٥)، ومُدْبِرِهم، وجَريحِهم. والمُعاهَد كالذِّمِّيِّ، قالَهُ في «الرِّعاية». وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ حُكْمَه حُكْمُ أهلِ الحَرب، إلاَّ أنْ يُقِيمَ بينة (٦) على الإكراه؛ لأِنَّ عَقْدَ الذِّمَّة مؤبَّد (٧)، ولا يَجُوزُ نَقْضُه لخوفِ الخيانة (٨) منهم، ويَلزَمُ الدَّفْعُ عنهم، والمسْتَأْمَنونَ بخِلافِ هذا. (إِلاَّ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مَعُونَةُ مَنِ اسْتَعَانَ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَحْوَ (٩) ذَلِكَ؛ فَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُم) وَجْهًا واحِدًا؛ لأِنَّ ما ادَّعَوهُ مُحتَمِلٌ، فلا يَنتَقِضُ عَهْدُهم مع الشُّبهة، وفي «الرِّعاية»: في الأصحِّ، وفي «التَّرغيب»: وَجْهانِ. (وَيَغْرَمُونَ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ) في الأصحِّ، حالَ الحَرْب وغَيرِه، بخِلافِ أهْلِ البَغْيِ؛ لأِنَّ هؤلاءَ لا تَأْويلَ لهم؛ لأِنَّ سُقوطَ الضَّمان عن المسلمين كَيْلَا يُؤَدِّيَ إلى تَنفِيرِهم عن الرُّجوع إلى الطَّاعة، وأهْلُ الذِّمَّة لا حاجَةَ بنا إلى ذلك فيهم.

стр. 5927

والثَّاني: لا يَضْمَنُونَ؛ كالمسْلِمِينَ. (وَإِنِ اسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَأَمَّنُوهُمْ)، أوْ عَقَدُوا لهم ذِمَّةً؛ (لَمْ يَصِحَّ أَمَانُهُمْ)؛ لأنَّ (١) الأَمانَ مِنْ شَرْطِ صِحّتِه: إلزام (٢) كفِّهم عن المسْلِمِينَ، ولأِهْلِ العَدْل قَتْلُهم لمَنْ لم (٣) يُؤمِّنوهُ. وحُكْمُ أسِيرِهم؛ حُكْمُ أَسِيرِ أهلِ الحَرب قَبْلَ الاِسْتِعانَةِ بهم. فأمَّا البُغاةُ؛ فلا يَجُوزُ لهم (٤) قَتْلُهم؛ لأِنَّهم أمَّنوهم (٥)، فلا يَجُوزُ لهم الغدر بهم، قال في «الفروع»: إلاَّ أنَّهم في أمانٍ بالنِّسْبة إلى بُغاةٍ. أصلٌ: إذا اسْتَعانُوا بمُسْتأْمَنِينَ فأعانُوهُم؛ انْتَقَضَ عَهْدُهم، وصارُوا كأهْلِ الحَرْب؛ لأِنَّهم تَرَكُوا كفَّهم عن قِتالِ المسلمين، فإنْ فَعَلُوا ذلك مُكْرَهِينَ؛ لم يَنتَقِضْ عَهدُهم، وإنِ ادَّعَوه؛ لم يُقبَلْ إلاَّ بِبَيِّنةٍ؛ لأِنَّ الأصْلَ عَدَمُه. (فَإِنْ (٦) أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ (٧) الْخَوَارِجِ)؛ مِثْلَ تكفيرِ مَنْ ارْتَكَبَ كبيرةً، وتَرْكِ الجَماعةِ، (وَلَمْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبٍ)، ولم يَخْرُجُوا عن قَبْضةِ الإمام، ولم يَسْفِكُوا دَمًا حرامًا، فحَكَى القاضِي عن أبي بكرٍ: أنَّه لا يَحِلُّ بذلك قَتْلُهم ولا قِتالُهم، ولهذا قال: (لَمْ (٨) يُتَعَرَّضْ لَهُمْ)، وهذا قَولُ جُمْهورِ الفُقَهاء؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ عليَّ بنَ أبي طالِبٍ كان يَخطُبُ، فقال رجلٌ ببابِ المسْجِدِ: لا حُكْمَ إلاَّ لله تعالى، فقال عليٌّ: «كَلِمَةُ حقٍّ أُرِيدَ بها باطِلٌ»، ثُمَّ قال: «لكُمْ عَلَينَا ثَلاثٌ:

стр. 5928

لا نمنعكم (١) مَساجِدَ الله أنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ الله، ولا نمنعكم (٢) الفَيءَ ما دامَتْ أيْديكُم مَعَنَا، ولا نبدؤكم (٣) بقِتالٍ» (٤)؛ لأِنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَتَعرَّضْ للمُنافِقِينَ الذين كانوا معه (٥) في المدينة. فعلى هذا: حُكْمُهم في ضِمانِ النَّفْس والمالِ؛ حُكْمُ المسْلِمِينَ. وسَأَلهُ المَرُّوذِيُّ عن قَومٍ مِنْ أهْلِ البدع (٦) يَتعرَّضُونَ ويُكَفِّرُونَ، قال: لا تَعرِضُوا لهم، قُلْتُ: وأيُّ شَيءٍ يُكرَهُ مِنْ أنْ يُحْبَسُوا، قال: لهم والِداتٌ وأخَوَاتٌ (٧). وقال في رِوايَةِ ابنِ مَنصُورٍ: الحَرُورِيَّةُ إذا دَعَوْا إلى ما هُمْ عَلَيهِ إلى دِينِهِم؛ فَقَاتِلْهُم، وإلاَّ فلا تُقاتلُون (٨). (وَإِنْ سَبُّوا الْإِمَامَ)، أوْ غَيرَه مِنْ أهْلِ العَدْل صَرِيحًا؛ (عَزَّرَهُمْ)؛ لأِنَّهم ارْتَكَبُوا مُحرَّمًا لا حَدَّ فيه ولا كَفَّارةَ، وإنْ عَرَّضُوا بالسَّبِّ؛ ففي تعزيرهم (٩) وجْهانِ. وقال (١٠) في الإباضية وسائِرِ أهْلِ البدع: يُسْتَتابُونَ، فإنْ تابُوا، وإلاَّ ضُرِبَتْ أعْناقُهم (١١).

стр. 5929

وأمَّا مَنْ رَأَى تَكْفِيرَهم؛ فمُقْتَضَى قَولِه: أنَّهم يُسْتَتابُونَ، فإنْ تابوا وإلاَّ قُتِلُوا لِكُفْرِهِم. (وَإِنْ جَنَوْا جِنَايَةً، أَوْ أَتَوْا حَدًّا؛ أَقَامَهُ عَلَيْهِمْ)؛ لقَولِ عليٍّ في ابْنِ مُلْجَمٍ لِمَّا جَرَحَه: «أطْعِمُوه، واسْقُوهُ، واحْبِسوه (١)، فإنْ عِشْتُ؛ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وإنْ مِتُّ فاقْتُلُوهُ، ولا تُمَثِّلُوا به» (٢)، ولأِنَّهم لَيْسُوا بِبُغاةٍ، فهم كأهْلِ العَدْلِ فيما لهم وعَلَيهِم، ولأِنَّ في إسْقاطِ ذلك عنهم تجرِّيَهم (٣) على الفِعْل، وذلك مطْلُوبُ العَدَمِ. أصلٌ: قال أحمدُ في مُبتَدِعٍ داعِيَةٍ له دُعاةٌ: أَرَى حَبْسَه (٤)، وكذا في «التَّبصرة»: على الإمام مَنْعُهم وَرَدْعُهم، ولا يقاتلهم (٥) إلاَّ أنْ يَجْتَمِعُوا لِحَرْبِه؛ فَكَبُغاةٍ. وقال أحمدُ أيضًا في الحَرُورِيَّةِ الدَّاعِيَةُ: تُقاتَلُ كبُغاةٍ (٦). ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: يُقاتَل (٧) مَنْ مَنَعَ الزَّكاةَ (٨). وكلُّ مَنْ مَنَعَ فريضةً فعلى المسْلِمِينَ قِتالُه حتَّى يَأخُذُوها منه، اخْتارَه أبو الفَرَج، والشَّيخُ تقيُّ الدِّين، وقال: أجمعوا أنَّ كلَّ طائفة مُمْتَنِعَةٍ عن شَريعةٍ مُتَوَاتِرةٍ من شَرائعِ الإسلام يَجِبُ قِتالُها حتَّى يَكُونَ الدِّينُ كلُّه لله، كالمحارِبِينَ وأولى (٩).

стр. 5930

وذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ عَنْ الأصحاب: تكفيرَ مَنْ خالَفَ في أصْلٍ؛ كخَوارِجَ، ورافِضةٍ، ومُرْجِئَةٍ. وذَكَرَه غَيرُه رِوايَتَينِ فِيمَنْ قال: لم يَخلُقِ اللهُ المعاصيَ (١)، أوْ وَقَفَ فِيمَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ، وفِيمَنْ سَبَّ صَحَابِيًّا غَيرَ مُسْتَحِلٍّ، وإنِ اسْتَحَلَّهُ؛ كَفَرَ. وفي «المغْنِي»: يُخرَّجُ في كلِّ مُحرَّمٍ اسْتُحِلَّ بتأويلٍ؛ كخَوارِج. وفي «نِهايَةِ المبْتَدِئِ»: مَنْ سَبَّ صَحابِيًّا مُسْتَحِلًّا؛ كفر (٢)، وإلاَّ فسق. وذَكَرَ ابنُ حامِدٍ: كُفْر الخَوارِجِ، والرَّافِضةِ، والقَدَرِيَّةِ، والمُرْجِئَةِ، ومَن لم يُكفِّرْ مَنْ كفَّرناه (٣)؛ فُسِّقَ وهُجِرَ، وفي كُفْرِه وَجْهانِ. والذِي ذَكَرَه هُو وغَيرُه من (٤) روايةِ المَرُّوذِيِّ، وأبي طالِبٍ، ويَعقوبَ، وغَيرِهم: أنَّه لا يُكفَّرُ (٥)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: وهي ظاهِرُ نُصوصِه، بل صَرِيحةٌ فيه، وإنَّما كفَّرْنا الجَهْمِيَّةَ لا أعْيانَهم (٦). (وَإنِ (٧) اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ (٨)، أَوْ طَلَبِ رِئَاسَةٍ؛ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ)؛ لأِنَّ كلَّ واحدةٍ باغِيَةٌ على صاحِبَتِها. (وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الْأُخْرَى)؛ لأِنَّها أتْلَفَتْ نَفْسًا مَعْصُومَةً ومالاً مَعْصومًا، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: فأوْجَبُوا الضَّمانَ على مَجْموعِ الطَّائفة، وإن لم يُعلَمْ عَينُ المُتْلِفِ، قال: وإنْ تَقَابَلَا تَقاصَّا؛ لأِنَّ المباشِرَ

стр. 5931

والمُعِينَ واحِدٌ عِنْدَ الجمهور، قال: وإنْ جُهِلَ قَدْرُ ما نَهَبَهُ كلُّ طائفةٍ مِنْ الأخْرَى؛ تَسَاوَيَا (١). ومَنْ دَخَلَ للإصْلاحِ، فقتلته (٢) طائفةٌ؛ ضمنته (٣)، وإنْ جُهِلَتْ؛ ضَمِنَتَاهُ، قال ابنُ عَقِيلٍ: ويخالف (٤) المقْتُولَ في زِحامِ الجامِعِ والطَّوافِ؛ لأنَّ (٥) الزِّحامَ هنا لَيسَ فيه تعدٍّ (٦)، بخِلافِ الأوَّلِ.

стр. 5932

(بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ) المرْتَدُّ لُغَةً: الرَّاجِعُ، يُقالُ: ارْتَدَّ فهو مُرتَدٌّ، إذا رَجَعَ. وشَرْعًا: هو الرَّاجِعُ عن دِينِ الإسْلامِ إلى الكُفْر، إمَّا نُطْقًا، أوِ اعْتِقادًا، أوْ شَكًّا، وقد (١) يحصل بالفِعْلِ. ولهذا قال: (وَهُوَ الذِي يَكْفُرُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ)؛ لأِنَّه بَيانٌ له (٢)، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البَقَرَة: ٢١٧]. ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من (٣) بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوهُ» رواهُ الجَماعةُ إلاَّ مُسْلِمًا، قال التِّرمذِيُّ: (هو (٤) حسَنٌ صحيحٌ والعَمَلُ عَلَيهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ) (٥)، وأجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ المرْتَدِّ (٦). (فَمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ)؛ أيْ: إذا كَفَرَ طَوعًا، ولو هازلاً (٧)، بَعْدَ إسْلامِه، وقِيلَ: وكَرْهًا، والأصحُّ: بحقٍّ، فإذا أَقَرَّ بالإسلام ثُمَّ أنْكَرَه، أوْ أنْكَرَ الشَّهادَتَينِ، أوْ إحْداهُما، كَفَرَ بغَيرِ خِلافٍ (٨)، وحِينَئِذٍ لا يَجُوزُ أنْ يُهادنوا (٩)

стр. 5933

على الموادَعةِ، ولا أنْ يُصالَحُوا بمالٍ يُقَرُّونَ به على رِدَّتِهم، بخِلافِ أهْلِ الحَرْبِ، ذَكَرَه القاضِي. (أَوْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، أَوْ وَحْدَانِيَّتَهُ)؛ لأِنَّ جاحِدَ ذلك مشركٌ (١) بالله تَعَالَى. (أَوْ) جَحَدَ (صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ) اللاَّزِمَةِ، قالَهُ في «الرِّعاية»؛ لأِنَّه كجاحِدِ الوحْدانِيَّة، وفي «الفُصول»: شَرْطُه أنْ تكُونَ الصِّفَةُ مُتَّفَقًا على إثْباتِها. (أَوْ اتَّخَذَ لِله (٢) صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا)؛ لأِنَّه تعالى (٣) نَزَّهَ نَفْسَه عن ذلك، ونَفاهُ عنه، فمتَّخِذُه (٤) مُخالِفٌ له، غَير مُنزِّهٍ له عن ذلك. (أَوْ جَحَدَ نَبِيًّا)؛ لأِنَّه مُكذِّبٌ لله، جاحِدٌ لِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ مِنْ أنْبِيائه. (أَوْ) جَحَدَ (كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللهِ، أَوْ شَيْئًا مِنْهُ)؛ لأِنَّ جَحْدَ شَيءٍ منه كجحدِه (٥) كلِّه؛ لاِشْتِراكِهِما في كَونِ الكُلِّ مِنْ عِنْدِ الله تعالَى. (أَوْ سَبَّ اللهَ تَعَالَى، أَوْ رَسُولَهُ (٦)؛ كَفَرَ)؛ لأِنَّه لا يَسُبُّ واحِدًا مِنْهُما إلاَّ وهو مُكذِّبٌ جاحِدٌ به. وكذا إذا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أوْ كانَ مُبْغِضًا لرسولِه، ولِمَا جاء به اتِّفاقًا (٧). فرعٌ: إذا كَذَبَ على نَبِيٍّ مِنْ الأنْبِياء، وقِيلَ: مُسْتحِلًّا، أوْ قَذَفَهُ؛ كَفَرَ، وإن اسْتَحَلَّ الكَذِبَ المحرَّمَ على غَيرِه؛ كَفَرَ.

стр. 5934

وإنْ كذَّبَه فِيمَا يَعلَمُ صِدْقَه فيه (١)، غَيرَ مُسْتَحِلٍّ؛ أَثِمَ، فإنِ اعْتَرَفَ به؛ عُزِّرَ. فإنْ تابَ من الكذب عليه (٢) ﵇؛ قُبِلَتْ في ظاهِرِ كلامِ الأصحاب وغَيرِهم. وحَكَى ابنُ الصَّلاح عن أحمدَ وطائفةٍ: أَنَّها لا تُقْبَلُ (٣). ونَقَلَ عبدُ اللهِ الحَلَبِيُّ (٤) عن أحمدَ: تُقبَلُ فِيما بَينَه وبَينَ الله تعالَى، ولا يُكْتَبُ عَنْه حديثٌ، رواهُ الخَلاَّلُ (٥). وإنْ كذَّب نَصْرانِيٌّ مُوسَى ﵇؛ خَرَجَ مِنْ دِينِه؛ لأِنَّ عِيسَى صدَّق به، لا العَكْسُ؛ لأِنَّه لم يُصدِّقْ بِعِيسَى، ولا بَشَّرَ به (٦). (وَمَنْ (٧) جَحَدَ وُجُوبَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ شَيْئًا مِنْهَا)، أو الطَّهارةِ لها، (أَوْ أَحَلَّ الزِّنَى، أَوِ الخَمْرَ (٨)، أوْ شَكَّ فيه، (أَوْ شَيْئًا مِنَ المُحَرَّمَاتِ الظَّاهِرَةِ المُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا)؛ كالدَّمِ، (لِجَهْلٍ؛ عُرِّفَ ذَلِكَ)؛ ليصير (٩) عالمًا به. (وَإِنْ (١٠) كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ)؛ كالنَّاشِئِ بَينَ المسْلِمِينَ في الأمْصارِ؛

стр. 5935

(كَفَرَ)؛ لأِنَّه مُكذِّبٌ لله تعالَى ولرسولِه، ولِسائِرِ الأُمَّة. فرعٌ: قال جماعةٌ: أوْ سَجَدَ لِشَمْسٍ أوْ قَمَرٍ. وفي «التَّرغيب»: أوْ أتَى بقَولٍ أوْ فِعْلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (أوْ تَوَهَّمَ أنَّ مِنْ الصَّحابة، أو التَّابِعِينَ، أوْ تابِعِيهِمْ قاتَلَ مع الكفَّار، أوْ أجاز ذلك) (١). أوْ (٢) أصرَّ في دارِنا على خَمْرٍ أوْ خِنزِيرٍ غَير مُسْتَحِلٍّ. وذَكَرَ بعضُ أصْحابِنا: يَكفُرُ جاحِدُ تحريمِ النَّبِيذِ والمُسْكِر كلِّه؛ كالخمر. (وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ تَهَاوُنًا؛ لَمْ يَكْفُرْ)، الظَّاهِرُ أنَّ المرادَ بها مباني (٣) الإسلام، ولا شكَّ أنَّ تارِكَ الشَّهادَتَينِ تَهاوُنًا كافِرٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه في المذْهَبِ، وأمَّا بقيَّةُ ذلك؛ فكَمَا ذَكَرَه، إلاَّ الصَّلاةَ فإنَّه يُدعَى إلَيها، فإنِ امْتنَعَ، فإنَّه يُسْتَتابُ كمُرْتَدٍّ، فإنْ أصرَّ؛ كَفَرَ بشَرْطِه. وإذا تَرَكَ شَرْطًا أوْ ركنًا (٤) مُجْمَعًا عَلَيهِ؛ كان كتَرْكِها. وإنْ كانَ مُخْتَلَفًا فيه، وهو يعتقد (٥) وُجوبَه؛ فقال ابنُ عَقِيلٍ: حُكْمُه حُكْمُ تارِكِ الصَّلاة. وقال المؤلِّفُ: عَلَيْهِ الإعادةُ، ولا يَكفرُ من أجل ذلك بحالٍ. وفي «المحرَّر»: إذا تَرَكَ تَهاوُنًا فَرْضَ الصَّلاة، أو الزَّكاة، أو الصَّوم، أو الحجِّ، بأن (٦) عَزَمَ ألاَّ يَفْعَلَه أبدًا، أوْ أخرَّه إلى عامٍ يَغلِبُ على الظَّنِّ مَوتُه

стр. 5936

قَبْلَه؛ اسْتُتِيبَ كالمرْتَدِّ، فإنْ أصرَّ قُتِلَ حَدًّا. وعَنْهُ: كُفْرًا، نَقَلَها أبو بكرٍ واخْتارَها (١). وعَنْهُ: يَختَصُّ الكُفْرُ بالصَّلاةِ. وعَنْهُ: تَهاوُنًا؛ كزكاة (٢) إذا قاتَلَ الإمامَ عَلَيها. (وَعَنْهُ: يَكْفُرُ إِلاَّ الْحَجَّ لَا يَكْفُرُ بِتَأْخِيرِهِ بِحَالٍ)؛ لأِنَّ في وُجوبِه على الفور خِلافًا. وعَنْهُ: لا كُفْرَ ولا قَتْلَ في الصَّوم والحجِّ خاصة (٣). فرعٌ: مَنْ أَظْهَرَ الإسْلامَ، وأَسَرَّ الكُفْرَ؛ فمُنافِقٌ كافِرٌ؛ كعَبدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ ابنِ سَلُولٍ. فإنْ أظْهَرَ أنَّه قائمٌ (٤) بالواجب، وفي قَلْبِه ألاَّ يَفْعَلَ؛ فنِفاقٌ؛ لقوله تعالى في ثعلبة (٥): ﴿ومِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ … (٧٥)﴾ الآية (٦) [التوبة: ٧٥]، وهَلْ يَكفُرُ؟ على وَجْهَينِ.

стр. 5937

(فَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ)، رُوِيَ عن أبي بكرٍ (١)، وعليٍّ (٢)، وقاله أكثرُ العلماء؛ لِعُمومِ قَولِه ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلوهُ» (٣)، ولقوله ﵇: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاَّ بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفس بالنَّفس، والتَّارِكُ لِدِينِه، المفارق (٤) للجَماعَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥)، ولأِنَّه فِعْلٌ يُوجِبُ الحَدَّ، فاسْتَوَى فيه الرَّجُلُ والمرأةُ؛ كالزِّنى. وما رُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ اسْتَرَقَّ نِساءَ بَنِي حَنِيفةَ (٦)؛ فمحمولٌ (٧) على أنَّه تَقدَّم لهم إسْلامٌ، وأمَّا نَهْيُه عن قَتْلِ المرأةِ، فالمرادُ به الأصليَّةُ، بدليلِ: أنَّه لا تُقتل (٨) الشُّيوخُ ولا المكافيف (٩). (وَهُوَ بَالِغٌ، عَاقِلٌ)، مُختارٌ؛ لأنَّ (١٠) الطِّفْلَ الذي لا يعقل (١١)،

стр. 5938

والمجنونَ، ومَن زَالَ عَقْلُه بنومٍ أوْ إغْماءٍ أوْ شُرْبِ دواءٍ مُباحٍ؛ لا تصحُّ (١) رِدَّتُه، ولا حُكْمَ لكلامه، بغَيرِ خِلافٍ في المذْهَبِ. (دُعِيَ إِلَيْهِ)؛ أيْ: لا يُقتَلُ حتَّى يُستَتابَ، وهو قَولُ أكثرِ العلماء (٢)، وهي واجبةٌ، نَصَرَه القاضي والمؤلِّفُ؛ لأِنَّه «﵇ أَمَرَ باسْتِتابَتِه» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣)، ولقولِ عمرَ، رواهُ مالِكٌ وغَيرُه (٤)، ولا يَلزَمُ مِنْ تحريمِ القَتْل وُجوبُ الضَّمانِ، بدليلِ نساءِ الحَرْبِ. (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) في قَولِ الأَكْثَرِ؛ لِمَا رَوَى مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدٍ القاري (٥) قال: «قَدِمَ رَجُلٌ على عمرَ مِنْ قِبَلِ أبي مُوسَى، فَسَأَلَه عن النَّاس، فأخْبَرَه، فقال: هل مِنْ مُغَرِّبةِ (٦) خَبَرٍ؟ قال: نَعَمْ، رجلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلامِه، فقال: ما فَعَلْتُم به؟ قال: قرَّبْناهُ فضربنا (٧) عُنُقَه، فقال عمرُ: فَهَلاَّ حَبَسْتُموهُ ثلاثًا، وأطْعَمْتُموهُ كلَّ يَومٍ رغيفًا، وأسقيتموه، لعلَّه يتوب ويُراجِعُ أمْرَ الله ، اللَّهُمَّ إنِّي لم أحْضُرْ، ولم أرض إذ بلغني» رواهُ مالِكٌ (٨)، ولأِنَّه لو لم يَجِبْ لَمَا

стр. 5939

بَرِئَ مِنْ فِعْلِهم، ولأِنَّه أمْكَنَ اسْتِصْلاحُه، فلم يَجُزْ إتْلافُه قَبْلَ استصلاحه (١)؛ كالثَّوب النَّجِس، ولأِنَّها مُدَّةٌ يَتكرَّرُ فيها الرَّأْيُ، ويتَقلَّبُ النَّظَرُ، فلا يَحتاجُ إلى أكَثْرَ منها. وعَنْهُ: لا يَجُوزُ تأْجِيلُه، بل يَجِبُ قتله (٢) في الحال، إلاَّ أنْ يَطْلُبَ الأَجَلَ؛ فيُؤجَّلُ ثلاثًا. (وَضُيِّقَ عَلَيْهِ) بالحَبْس وغَيرِه؛ لِيَرْجِعَ إلى الحقِّ، (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ؛ قُتِلَ (٣)؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فاقْتُلُوهُ» (٤)، ولا يَجُوزُ أخْذُ فِداءٍ عنه؛ لأِنَّ كُفْرَه أغْلَظُ. (وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ (٥) اسْتِتَابَتُهُ)، رُوِيَ عن الحَسَنِ وطاوُسٍ؛ لأِنَّه ﵇ لم يَذكُرْ ذلك، ولقَولِ مُعاذٍ: «لا أجْلِسُ حتَّى يُقتَلَ» (٦)، ولأِنَّه يُقتَلُ لِكُفْرِه، فلم تجب (٧) اسْتِتابَتُه كالأصلي، (بَلْ تُسْتَحَبُّ (٨)؛ لِلاِخْتِلاف في وجوبها، وأقلُّها الاِسْتِحْبابُ، (وَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ)؛ كالأصلي. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ الخبرَ مَحمُولٌ على القَتْل بَعْدَ الاِسْتِتابَةِ، والخَبَرُ

стр. 5940

الآخَرُ روي (١) فيه: «أنَّ المرتَدَّ اسْتُتِيبَ قَبْلَ قُدُومِ مُعاذٍ» رواهُ أبو داودَ (٢). وقال الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثلاثَ مراتٍ (٣)، فإنْ أَبَى ضُربت (٤) عُنُقُه. وقال النَّخَعِيُّ: يُستتاب (٥) أبدًا، وهذا يُفْضِي إلى أنَّه لا يُقتَلُ أبدًا، وهو مُخالِفٌ للسُّنَّة والإجْماعِ. (وَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ)؛ لقَولِه ﵁ (٦): «قَرَّبْناهُ فضَرَبْنا عُنُقَه» (٧)، ولأِنَّه إذا (٨) أُطْلِقَ؛ انْصَرَف إلَيهِ؛ لأِنَّه أسْرَعُ لِزُهُوقِ النَّفْس، ولا يَجُوزُ حَرْقُه بالنَّار. ورُوِيَ عن أبي بكرٍ ﵁: أنَّه (٩) أَمَرَ بتَحْريقِهم (١٠).

стр. 5941

والأوَّلُ أَوْلَى؛ لقوله ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فَاقْتُلوهُ، ولا تُعَذِّبُوا بِعَذابِ اللهِ»؛ يَعْنِي: النَّارَ، رواه البُخارِيُّ (١). (وَلَا يَقْتُلُهُ إِلاَّ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ)، حُرًّا كان أوْ عبدًا، في قَولِ عامَّةِ العلماء، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّه قَتْلٌ لِحَقِّ الله تعالى، فكان إلى الإمام أوْ نائبه؛ كقَتْلِ الحُرِّ، وقوله (٢) ﵇: «أقيِمُوا الحُدودَ على ما مَلَكَتْ أيْمانُكم» (٣)؛ لا يَتناوَلُ القَتْلَ في الرِّدَّة؛ لأِنَّه قَتْلٌ لِكُفْرِه، ولا حَدَّ في حقِّه، وخَبَرُ حَفَصةَ لمَّا بَلَغَ عُثْمانَ تغيَّظَ (٤) عَلَيها، وشقَّ عَلَيهِ (٥)، والجَلْدُ في الزِّنى تأديبُ عبدِه (٦)، بخِلافِ القَتْلِ. (فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؛ أَسَاءَ وَعُزِّرَ)؛ لاِفْتِياته على الإمامِ أوْ نائبه، (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: على القاتِلِ؛ لأِنَّه مَحَلٌّ غَيرُ مَعْصومٍ، (سَوَاءٌ قَتَلَهُ قَبْلَ الاِسْتِتَابَةِ (٧) أَوْ بَعْدَهَا)؛ لأِنَّه مُهْدَرُ الدَّمِ في الجُمْلة، ورِدَّتُه مُبِيحةٌ لِدَمِه، وهِيَ موجودة (٨) قَبْلَ الاِسْتِتابَة كما هي موجودة (٩) بعدَها. فإنْ لَحِقَ بِدارِ الحَرْب؛ فلكلِّ أحدٍ (١٠) قَتْلُه بلا استتابة (١١)، وأخْذُ ما مَعَه

стр. 5942

مِنْ مالٍ، وما تَرَكَه بدارنا مَعْصومٌ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وقِيلَ: يَصِيرُ فَيئًا في الحال، وصحَّحَه المجْدُ. فرعٌ: رسولُ الكُفَّار لا يُقتَلُ، ولو كان مُرْتَدًّا، حَكاهُ في «الفروع» عن «الهَدْيِ» (٢)، بدليلِ رسولَيْ (٣) مُسَيلِمَةَ (٤). وفي «الفنون»: في مَولُودٍ بِرَأْسَينِ، فبَلَغَ، نَطَقَ أحدُهما بالكُفْر، والآخَرُ بالإسلام: إنْ (٥) نطقا معًا، ففي أيِّهما يُغلَّبُ احْتِمالانِ، قال: والصَّحيحُ إنْ تقدَّمَ الإسلامُ فمُرْتَدٌّ. (وَإِذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ الْإِسْلَامَ؛ صَحَّ إِسْلَامُهُ وَرِدَّتُهُ)، في ظاهِرِ المذْهَبِ؛ لِإسْلامِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ وهو صَبِيٌّ، وعُدَّ ذلك مِنْ مَناقِبِه وسَبْقِه، وقال (٦): سَبَقْتُكُمُ إلى الإسْلامِ طُرًّا … صَبِيًّا ما بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي (٧)

стр. 5943

ويُقالُ: هو أوَّلُ مَنْ أسْلَم من الصِّبيان، ومن الرِّجال: أبو بكرٍ، ومِن النِّساء: خَدِيجةُ، ومن العبيد: بلالٌ، وقال عُرْوةُ: (أسْلَمَ عليٌّ والزُّبَيرُ، وهما ابْنا ثَمانِ سِنِينَ) (١). ولم يُرَدَّ (٢) على أحدٍ (٣) إسلامه، مِنْ صغيرٍ أوْ كبيرٍ؛ لقوله ﵇: «مَنْ قال: لا إلهَ إلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (٤)، ولأنَّ (٥) مَنْ صحَّ إسلامُه صحَّتْ رِدَّتُه؛ كالبالِغِ، وقَوله ﵇: «كلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ» (٦)، و «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ … » (٧) الخَبَرَينِ، والصَّبِيُّ داخِلٌ في ذلك، وإذا صحَّ إسلامُه؛ كُتِب (٨) له لا عَلَيهِ، وتحصل (٩) له سعادةُ الدَّارَينِ. لا يُقالُ: الإسْلامُ يُوجِبُ عَلَيهِ الزَّكاةَ في مالِهِ، ونفقة (١٠) قريبِه المسْلِمِ،

стр. 5944

وحُرْمَة ميراث قريبه الكافِرِ، وفَسْخِ نكاحه؛ لأِنَّ الزَّكاةَ نَفْعٌ مَحْضٌ؛ لأِنَّها سببُ النَّماء والزيادة (١)، محصِّنة (٢) للمالِ، والمِيراثُ والنَّفقةُ أمْرٌ متوهَّمٌ (٣)، وذَلك مجبورٌ بحُصولِ المِيراثِ للمُسْلِمِينَ، وسُقوطِ نَفَقَةِ أقارِبِه الكُفَّارِ، ثمَّ هو ضَرَرٌ مغمور (٤) بالنِّسبة إلى ما يَحصُلُ له من سِعادةِ الآخِرَةِ، والخَلاصِ من الشَّقاء والخُلودِ في الجحيم (٥). وشَرْطُه: أنْ يَعقِلَ الإسلامَ، ومَعْناهُ: أنْ يَعلَمَ أنَّ اللهَ ربُّه لا شَريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عَبدُه ورسولُه، وهذا لا خِلافَ في اشْتِراطِه (٦)، فإنَّ الطِّفْلَ الذي لا يعقل (٧)، لا يُتحقَّقُ منه اعْتِقادُ الإسْلام، وإنَّما كلامه لَقْلَقَةٌ بِلِسانِه لا يَدُلُّ على شَيءٍ، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغَيره. وشَرَطَ الخِرَقِيُّ مع ذلك، وتَبِعَه في «الوجيز»: أنْ يكون (٨) له عَشْرُ سِنِينَ؛ لأِنَّه «﵇ أَمَرَ بضَرْبِه على الصَّلاة لِعَشْرٍ» (٩). وجَوابُه: بأنَّ أكثرَ المصحِّحين (١٠) لإسلامِه لم يَشتَرِطُوا ذلك، ولم يَحُدُّوا (١١) له حَدًّا من السِّنينَ، وحَكاهُ ابنُ المنذِرِ عن أحمدَ (١٢)؛ لأِنَّ

стр. 5945

المقصودَ متى (١) حَصَلَ لا حاجةَ إلى زيادةٍ عَلَيهِ. (وَعَنْهُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ دُونَ رِدَّتِهِ)، قال في «الفروع»: وهي أظْهَرُ؛ لأِنَّ الإسلامَ مَحْضُ مَصلَحةٍ ونَفْعٍ، فصح (٢) منه، بخِلافِ الرِّدَّة، فعلى هذا: حُكْمُه حُكْمُ مَنْ لم يَرتَدَّ، فإنْ بَلَغَ وأصرَّ على الكفر؛ كان مُرتَدًّا. (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَبْلُغَ)؛ لقوله ﵇: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثلاثٍ … » الخَبَرَ (٣)، ولأِنَّه قَولٌ يَثْبُتُ به الأحْكامُ، فلم يَصِحَّ من الصَّبيِّ؛ كالهِبة والعِتقِ، ولأِنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ. وعَنْهُ: يَصِحُّ مِنْ ابن سبعِ سِنِينَ؛ لأِمْرِه بالصَّلاة. وقال ابنُ أبي شَيبةَ: يَصِحُّ من ابنِ خمسِ سِنِينَ، وأخَذَهُ مِنْ إسْلامِ عليٍّ (٤). (وَالمَذْهَبُ الْأَوَّلُ)، نَصَرَه القاضِي في الخِلافِ، وعَلَيهِ فقهاءُ الأصْحاب. وعَلَيهِنَّ يُحالُ بَينَه وبَينَ الكُفَّار، قال في «الانتصار»: يَتَوَلاَّه المسْلِمونَ، ويُدفَنُ بمَقابِرهم، وأنَّ فرضيَّته (٥) مُتَرَتِّبةٌ على صحته (٦)؛ كصحته (٧) تَبَعًا، وكصَومِ مريضٍ ومُسافِرٍ رمضانَ. (وَإِنْ أَسْلَمَ) ثُمَّ رَجَعَ، (وَقَالَ: لَمْ أَدْرِ (٨) مَا قُلْتُ؛ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ)؛ كالبالغ، (وَأُجْبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ)؛ لأِنَّه مَحْكومٌ بإسْلامِه؛ لِمَعْرِفَتِنا بعَقْلِه؛ لأِنَّه

стр. 5946

كفر بَعْدَ إسْلامِه، ولهذا: صحَّ إسْلامُه؛ لأِنَّه مَحْضُ مَصلَحةٍ، أشْبَهَ الوصِيَّةَ. وعَنْهُ: يُقبل (١) منه، ولا يُجبَرُ على الإسلام؛ لأِنَّه في مَظِنَّةِ النَّقْصِ، وصِدْقُه جائزٌ (٢)، ذَكَرَه أبو بكرٍ. والعملُ (٣) على الأوَّل؛ لأِنَّه قد ثَبَتَ عَقْلُه للإسلام، ومَعرِفَتُه به (٤)، وفِعْلُه فِعْلُ العُقَلاءِ، وقد تكلَّمَ بكَلامِهم. (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ)؛ أي: الصَّبيُّ لا يُقتَلُ إذا ارْتَدَّ حتَّى يَبلُغَ، سواءٌ قُلْنا بصحَّةِ رِدَّتِه، أوْ لا؛ لأِنَّ الغُلامَ لا تجب (٥) عَلَيهِ عُقوبةٌ، بدليلِ أنَّه لا يَتعَلَّقُ به حُكْمُ الزِّنى والقَتلِ، فكذا لا يَجِبُ أنْ يَتَعلَّقَ به حُكْمُ الرِّدَّةِ. (وَيُجَاوِزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ بُلُوغِهِ)؛ لأِجْلِ وُجُوبِ اسْتِتابَتِه ثلاثًا، (فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى كُفْرِهِ؛ قُتِلَ) لأِنَّه مُرتَدٌّ مُصِرٌّ على رِدَّتِه، فَوَجَبَ قَتْلُه، سواءٌ كان مُرتَدًّا قَبْلَ بُلوغِه أوْ لا، وسَواءٌ كان مُسلِمًا أصليًّا (٦) فارْتَدَّ، أوْ كافِرًا فأسْلَمَ صَبِيًّا ثُمَّ ارْتَدَّ. فرعٌ: مَنْ أسْلَمَ وقال: لم أَدْرِ ما قلتُ، أو لم أعْتَقِد الإسلامَ، وإنَّما أظْهَرتُ الشَّهادَتَينِ؛ صار مُرتَدًّا، نَصَّ عَلَيهِ في مَواضِعَ (٧). وعَنْهُ: يُقبَلُ منه مع ظَنِّ صِدْقِه، نَقَلَها عنه محمَّدُ بنُ الحَكَمِ (٨). (وَمَنِ ارْتَدَّ وَهُوَ سَكْرَانُ)؛ صحَّتْ رِدَّتُه في ظاهِرِ المذْهَبِ، وجَزَمَ به

стр. 5947

الأكثرُ، وصحَّحَه في «الرِّعاية»؛ كإسْلامِه؛ لِقَوْلِ عليٍّ: «إذا سَكِرَ هَذَى، وإذا (١) هَذَى افْتَرَى، وعلى المفْتَرِي ثَمانونَ» (٢)، فأوْجَبُوا عَلَيهِ حدَّ الفِرْيَة التي يأتي بها في سُكْرِه، واعْتَبَرُوا مَظِنَّتَها، ولأِنَّه يَصِحُّ طَلاقُه، فصحَّتْ رِدَّتُه كالصَّاحِي، ولأِنَّه لا يَزُولُ عَقْلُه بالكُلِّيَّةِ، ولهذا: يَتَّقِي المَحْذُوراتِ، ويَفرَحُ بما يَسُرُّه، وينغمُّ (٣) بما يَضُرُّه، ويَزُولُ سُكْرُه عن قُرْبٍ، أشْبَهَ النَّاعِسَ، بخِلافِ المجْنونِ. (لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَصْحُوَ)، فَيكمُل (٤) عَقْلُه، ويَفْهَمَ ما يُقال له، وتَزولَ شُبْهَتُه؛ لأِنَّ القَتْلَ جُعِلَ للزَّجْر، (وَتَتِمَّ (٥) لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ رِدَّتِهِ)؛ لأِنَّ زوالَ العَقْل حَصَلَ بتَعَدِّيهِ، بخِلافِ الصَّبِيِّ. فإن اسْتَمَرَّ سُكْرُه أكْثَرَ مِنْ ثلاثٍ؛ لم يُقتل (٦) حتَّى يَصْحُوَ، ثُمَّ يُسْتَتابُ عَقِبَ صَحْوِه، فإنْ تَابَ، وإلاَّ قُتِلَ في الحال. (فإِنْ مَاتَ) أوْ قُتِلَ (فِي سُكْرِهِ؛ مَاتَ كَافِرًا)؛ لأِنَّه هَلَكَ بَعْدَ ارْتِدادِه، ولم ترثه (٧) وَرَثَتُه من المسلمين. (وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ رِدَّتُهُ)؛ لأِنَّ ذلك متعلِّقٌ (٨) بالاِعْتِقاد والقَصْد، والسَّكْرانُ لا يَصِحُّ عَقْدُه، أشْبَهَ الْمعْتُوهَ، ولأنَّه (٩) زائلُ العَقْلِ غَيرُ مُكلَّفٍ، أشْبَهَ المجْنونَ.

стр. 5948

وجَوابُه: المنْعُ بأنَّه (١) لَيسَ بمُكلَّفٍ؛ فإنَّ الصَّلاةَ واجِبَةٌ عَلَيهِ. وعَنْهُ: يَصِحُّ إسْلامُه فقطْ، حكاها ابنُ البَنَّاء. تنبيهٌ: عُلِمَ ممَّا سَبَقَ أنَّه لا تصح (٢) رِدَّةُ مَجْنونٍ، ولا إسْلامُه؛ لأِنَّه لا قَولَ له، وإن (٣) ارتدَّ في صِحَّتِه ثُمَّ جُنَّ؛ لم يُقتل (٤) في حالِ جُنونِه؛ لأِنَّه يُقتَلْ بالإصْرارِ على الرِّدَّة، والمجْنونُ لا يُوصَفُ بالإصْرارِ. فإنْ قُتِلَ أحَدُ هؤلاء؛ عُزِّرَ القاتِلُ، ولا ضَمانَ عَلَيهِ؛ لأِنَّه قَتَلَ كافِرًا لا عَهْدَ له، أشْبَهَ قَتْلَ نِساءِ أهْلِ الحَرْبِ. (وَهَلْ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ)، وهو المنافِقُ الذِي يُظهِرُ الإسْلامَ، ويُخْفِي الكُفْرَ، (وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ مَنْ (٥) سَبَّ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ (٦)، أَوِ السَّاحِرِ)؛ أيْ: مَنْ كَفَرَ بسَحْرِه؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): (إِحْدَاهُمَا (٧): لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَيُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ)، الأَشْهَرُ: أنَّها لا تُقْبَلُ تَوبَتُهم، جَزَمَ بها (٨) في «الوجيز»، وقدَّمها (٩) في «الفُروع»، وذَكَرَ ابنُ حَمْدانَ: أنَّها أظْهَرُ، واخْتارَهَا أبو بكرٍ؛ «لأِنَّ عَلِيًّا أُتي بِزنادِقَةٍ، فَسَأَلَهم، فجَحَدُوا، فَقَامَتْ عَلَيهِم البيِّنةُ، فَقَتَلَهم، ولم يَسْتَتِبْهم (١٠)» رواه أحمدُ في مَسائلِ

стр. 5949

عبدِ الله (١)، ولأِنَّ في قَبولِ تَوْبَتِه خَطَرًا؛ لأِنَّه لا سبيلَ إلى الثِّقة به، ولأِنَّ إبقاءَه يؤدي (٢) إلى السُّلْطة (٣) في الباطن على إفْسادِ عَقائِدِ المسلمين، وفيه ضَرَرٌ عظيمٌ. فرعٌ: مَنْ أظْهرَ الخَيرَ وأبْطَنَ الفِسْقَ؛ فكالزِّنديق في تَوبَتِه في قِياسِ المذْهَب، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، وحَمَلَ رِوايَةَ قَبولِ تَوبَةِ السَّاحِر على المتَظاهِرِ، وعَكْسُه بعكسه (٤). وكذا مَنْ تَكرَّرَتْ رِدَّتُه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)﴾ [النِّسَاء: ١٣٧]، ولِمَا رَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن ظَبْيانَ بنِ عُمارةَ: «أنَّ ابنَ مَسْعودٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فقال له (٥): إنَّه قد أُتِيَ بك مرَّةً، فَزَعَمْتَ أنَّك تُبْتَ، وأراك (٦) قد عُدْتَ، فَقَتَلَه» (٧).

стр. 5950

وعَنْهُ: لا تقبل (١) إنْ تكرَّرَتْ ثلاثًا. وَأَمَّا مَنْ سبَّ اللهَ أوْ رسولَه (٢)، فالأصحُّ أنَّها لا تُقبَلُ تَوبَتُه؛ لأِنَّ ذَنْبَه عَظِيمٌ جِدًّا، أشْبَهَ الزِّنْديقَ، ونَقلَ حنبلٌ: أوْ تَنَقَّصَه (٣)، وقِيلَ: ولو تَعْريضًا، نَقَلَ حنبل (٤): مَنْ عرَّضَ بشَيءٍ مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ فَعَلَيهِ القَتْل، مُسلِمًا كان أوْ كافِرًا (٥)، وهو مَذهَبُ أهلِ المدينة. وفي «الفُصولِ» عن أصْحابِنا: لا تُقبل (٦) إنْ سَبَّ النَّبيَّ ﷺ ؛ لأِنَّه حقُّ آدَمِيٍّ لم يُعلَمْ إسْقاطُه، وأنَّها تُقبَلُ إنْ سَبَّ اللهَ؛ لأِنَّه يَقبل (٧) التَّوبةَ في خالِصِ حقِّه، وجَزَمَ به في «عيون المسائل»؛ لأِنَّ الخالِقَ مُنزَّهٌ عن النَّقائص، فلا يَلحَقُ به، بخِلافِ المخلوقِ، فإنَّه مَحَلٌّ لها، فافْتَرَقَا. وأمَّا السَّاحِرُ؛ فنَقَلَ ابنُ هُبَيرةَ: أنَّها لا تُقبَلُ تَوبَتُه في ظاهِرِ المذْهَبِ، وهو ظاهر (٨) ما نُقِلَ عن الصَّحابة (٩)، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه اسْتَتابَ ساحِرًا،

стр. 5951

وحديثُ عائشةَ في المرأة التي أتت (١) هَارُوتَ ومَارُوتَ يدلُّ (٢) عَلَيهِ (٣)، ولأنَّ (٤) السِّحْرَ مَعْنًى في القلب لا يَزُولُ بالتَّوبة، أشْبَهَ الزِّنديقَ. (وَالْأُخْرَى: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، زِنْديقًا كان أوْ غَيرَه، رُوِيَ عن عليٍّ (٥)، وابنِ مسعودٍ (٦)، واخْتارَه الخَلاَّلُ، وقال: إنَّه أَوْلَى على مَذْهَبِ أبي عبدِ الله، وقدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، ولقوله

стр. 5952

(١) ﵇: «لم أُومَرْ أنْ أُنَقِّبْ عن (٢) قلوب النَّاس» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ورجَّح هذا في «الشَّرح»، وأجابَ عن قَتْلِ ابنِ النَّواحَةِ (٤): بأنَّه إنَّما قتله (٥)؛ لظُهورِ كَذِبِه في تَوبَتِه؛ لأِنَّه أظْهَرَها، وما زال عمَّا كان عَلَيهِ من الكفر، ويَحتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لغَيرِ ذلك. وقال في رِوايَةِ أبي طالِبٍ: إنَّ أهْلَ المدينة يَقُولُونَ في الزِّنْدِيق: لا يُسْتَتابُ، قال أحمدُ: كنت (٦) أقولُ ذلك أيضًا، ثُمَّ هِبْته (٧)، قال القاضِي: وظاهِرُه أنَّه رَجَعَ. فلو زَعَمَ أنَّ لله ولدًا؛ فقد سبَّ اللهَ، بدليلِ قَولِه ﵇، إخبارًا عن ربِّه: «يَشْتُمُنِي ابنُ آدَمَ، وما يَنبَغِي له أنْ يَشْتُمُنِي، أمَّا شَتْمُه إيَّايَ: فَزَعَمَ أنَّ لي ولدًا» (٨)، ولا شَكَّ أنَّ تَوبَتَه مَقْبولةٌ بغَيرِ خِلافٍ (٩)، فإذا قُبِلَتْ تَوبَةُ مَنْ سَبَّ اللهَ تعالى؛ فَمَنْ سَبَّ نَبِيَّه أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ. والصَّحِيحُ الأُولَى؛ لأِنَّ أدِلَّتَها خاصَّةٌ، والثَّانِيَةِ عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ. فرعٌ: الخِلافُ في قَبولِ تَوبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِر في أحْكامِ الدُّنيا؛ مِنْ تَرْكِ قِتالِهم، وثُبوتِ أحْكامِ الإسلام في حقِّهم، وأمَّا قَبولُها في الباطن، فلا

стр. 5953

خِلافَ فيه حَيثُ صَدَقَ (١)، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، والمؤلِّفُ، وجماعةٌ. وفي «إرْشادِ ابنِ عَقِيلٍ» رِوايَةٌ: لا تُقبَلُ تَوبَةُ زِندِيقٍ باطِنًا، وضعَّفَها، وقال: كَمَنْ تَظاهَرَ بالصَّلاح إذا أتَى مَعصِيَةً، فتَابَ منها، وأنَّ قَتْلَ عليٍّ (٢) زِنْدِيقًا لا يَدُلُّ على عَدَمِ قَبولها؛ كتَوبَةِ قاطِعِ طَريقٍ بَعْدَ القُدْرة. وذَكَرَ القاضِي وأصْحابُه رِوايَةً: لا تُقبَلُ تَوبَةُ داعِيَةٍ إلى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ، اخْتارَها أبو إسْحاقَ بنِ شاقْلَا. وفي «الرِّعاية»: مَنْ كَفَرَ بِبدْعةٍ قُبِلَتْ تَوبَتُه على الأصحِّ. (وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ)، وكلِّ (٣) كافِرٍ: (إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلُوا ذلك؛ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلاَّ بحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهم على الله » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٤)، وهذا (٥) يَثبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذا المرتدُّ، ولا يَحتاجُ مع ثُبوتِ إسْلامِه إلى الكشف عن (٦) صحَّةِ رِدَّتِه؛ لأنَّه (٧) يُمكِنُ أنْ يكونَ يَجحَدُ الوحْدانيَّةَ، أو جَحَد (٨) رسالةَ محمَّدٍ ﵇.

стр. 5954

وظاهره: أنه (١) لا يُغْنِي قَولُه: وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورسولُه عن كلمةِ التَّوحيد. وعَنْهُ: بلى، قدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ يهوديًّا قال للنَّبيِّ ﷺ : أشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الله، ثُمَّ ماتَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «صَلُّوا على صاحِبِكُم» (٢)، ذَكَرَه أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّى مُحتَجًّا به (٣)، ولأِنَّه لا يُقِرُّ برسالةِ مُحمَّدٍ إلاَّ وهو يقرُّ (٤) بمَنْ أَرْسَلَه. وعنه: مِنْ (٥) مُقِرٍّ به، قال في «الشَّرح»: وبهذا جاءت الأخبارُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ مَنْ جَحَدَ شَيئَينِ؛ لا يَزُولُ جَحْدُه إلاَّ بإقْرارهما جميعًا. قال في «الفروع»: ويَتوجَّهُ احْتِمالٌ: يكفي (٦) التَّوحيدُ ممَّن لا يُقِرُّ به؛ كوَثنيٍّ؛ لظَاهِرِ الأخبار، ولِخَبَرِ أُسامَةَ، وقَتْلِه (٧) الكافِرَ الحَرْبِيَّ بَعْدَ قَولِه: لا إلهَ إلاَّ اللهَ (٨)؛ لأِنَّه مَصْحُوبٌ بما يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ الإسلامُ، ومُسْتَلْزِمٌ له، وِفاقًا

стр. 5955

للشَّافِعِيَّة (١) وغَيرِهم. فلو قال: أشْهَدُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رسولُ الله (٢)؛ لم يُحكَمْ بإسْلامِه؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ غَيرَ نَبِيِّنَا ﷺ . (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً؛ فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ)؛ لأِنَّ رِدَّتَهُ بِجَحْده، فإذا لم يُقِرَّ بما جَحَدَه؛ بَقِيَ الأمْرُ على ما كان عَلَيهِ مِنْ الرِّدَّة المُوجِبَةِ لتَكْفِيرِه. فإذا كانَتْ رِدَّتُه باعتقاد (٣) أنَّ مُحمَّدًا بُعِثَ إلى العَرَب؛ فلا بُدَّ (وَ) أنْ (يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَالَمِينَ)، ولا بُدَّ أنْ يقُولَ مع ذلك كلمةَ الشَّهادَتَينِ، ولا يَكْفِي فيه مُجرَّدُ إقْرارِه بما جَحَدَه. (أَوْ يَقُولَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ (٤) الْإِسْلَامَ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ بالشَّهادة ما يَعتَقِدُه، ولأِنَّ الرُّجوعَ إلى الإسلام لا يكونُ إلاَّ بذلك. فرعٌ: يَكْفِي جَحْدُه لِردَّتِه بَعْدَ إقْرارِه بها في الأصحِّ؛ كرُجوعِه عن حدٍّ، لا (٥) بعدَ بَيِّنَةٍ، بل يُجدِّد (٦) إسْلامَه، قال جماعةٌ: يأْتِي بالشّهادَتَينِ. ونَقَلَ ابنُ الحَكَم فِيمَنْ أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ أوْ تَنَصَّرَ، فَشَهِدَ عَلَيهِ عُدُولٌ، فقال: لم أفْعَلْ، وأنا مُسْلِمٌ؛ قُبِلَ قَولُه (٧).
следующие страницы →