← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

وحديثُ عائشةَ في المرأة التي أتت (١) هَارُوتَ ومَارُوتَ يدلُّ (٢) عَلَيهِ (٣)، ولأنَّ (٤) السِّحْرَ مَعْنًى في القلب لا يَزُولُ بالتَّوبة، أشْبَهَ الزِّنديقَ. (وَالْأُخْرَى: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ كَغَيْرِهِ)، وهو ظاهِرُ الخِرَقِيِّ، زِنْديقًا كان أوْ غَيرَه، رُوِيَ عن عليٍّ (٥)، وابنِ مسعودٍ (٦)، واخْتارَه الخَلاَّلُ، وقال: إنَّه أَوْلَى على مَذْهَبِ أبي عبدِ الله، وقدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، ولقوله

стр. 5952

(١) ﵇: «لم أُومَرْ أنْ أُنَقِّبْ عن (٢) قلوب النَّاس» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ورجَّح هذا في «الشَّرح»، وأجابَ عن قَتْلِ ابنِ النَّواحَةِ (٤): بأنَّه إنَّما قتله (٥)؛ لظُهورِ كَذِبِه في تَوبَتِه؛ لأِنَّه أظْهَرَها، وما زال عمَّا كان عَلَيهِ من الكفر، ويَحتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لغَيرِ ذلك. وقال في رِوايَةِ أبي طالِبٍ: إنَّ أهْلَ المدينة يَقُولُونَ في الزِّنْدِيق: لا يُسْتَتابُ، قال أحمدُ: كنت (٦) أقولُ ذلك أيضًا، ثُمَّ هِبْته (٧)، قال القاضِي: وظاهِرُه أنَّه رَجَعَ. فلو زَعَمَ أنَّ لله ولدًا؛ فقد سبَّ اللهَ، بدليلِ قَولِه ﵇، إخبارًا عن ربِّه: «يَشْتُمُنِي ابنُ آدَمَ، وما يَنبَغِي له أنْ يَشْتُمُنِي، أمَّا شَتْمُه إيَّايَ: فَزَعَمَ أنَّ لي ولدًا» (٨)، ولا شَكَّ أنَّ تَوبَتَه مَقْبولةٌ بغَيرِ خِلافٍ (٩)، فإذا قُبِلَتْ تَوبَةُ مَنْ سَبَّ اللهَ تعالى؛ فَمَنْ سَبَّ نَبِيَّه أَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ. والصَّحِيحُ الأُولَى؛ لأِنَّ أدِلَّتَها خاصَّةٌ، والثَّانِيَةِ عامَّةٌ، والخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ. فرعٌ: الخِلافُ في قَبولِ تَوبَتِهم إنَّما هو في الظَّاهِر في أحْكامِ الدُّنيا؛ مِنْ تَرْكِ قِتالِهم، وثُبوتِ أحْكامِ الإسلام في حقِّهم، وأمَّا قَبولُها في الباطن، فلا

стр. 5953

خِلافَ فيه حَيثُ صَدَقَ (١)، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، والمؤلِّفُ، وجماعةٌ. وفي «إرْشادِ ابنِ عَقِيلٍ» رِوايَةٌ: لا تُقبَلُ تَوبَةُ زِندِيقٍ باطِنًا، وضعَّفَها، وقال: كَمَنْ تَظاهَرَ بالصَّلاح إذا أتَى مَعصِيَةً، فتَابَ منها، وأنَّ قَتْلَ عليٍّ (٢) زِنْدِيقًا لا يَدُلُّ على عَدَمِ قَبولها؛ كتَوبَةِ قاطِعِ طَريقٍ بَعْدَ القُدْرة. وذَكَرَ القاضِي وأصْحابُه رِوايَةً: لا تُقبَلُ تَوبَةُ داعِيَةٍ إلى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ، اخْتارَها أبو إسْحاقَ بنِ شاقْلَا. وفي «الرِّعاية»: مَنْ كَفَرَ بِبدْعةٍ قُبِلَتْ تَوبَتُه على الأصحِّ. (وَتَوْبَةُ الْمُرْتَدِّ)، وكلِّ (٣) كافِرٍ: (إِسْلَامُهُ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ)؛ لحديثِ ابنِ عمرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلُوا ذلك؛ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلاَّ بحَقِّ الإسْلامِ، وحِسابُهم على الله » مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٤)، وهذا (٥) يَثبُتُ به إسْلامُ الكافِرِ الأصْلِيِّ، فكذا المرتدُّ، ولا يَحتاجُ مع ثُبوتِ إسْلامِه إلى الكشف عن (٦) صحَّةِ رِدَّتِه؛ لأنَّه (٧) يُمكِنُ أنْ يكونَ يَجحَدُ الوحْدانيَّةَ، أو جَحَد (٨) رسالةَ محمَّدٍ ﵇.

стр. 5954

وظاهره: أنه (١) لا يُغْنِي قَولُه: وأشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورسولُه عن كلمةِ التَّوحيد. وعَنْهُ: بلى، قدَّمها في «الرِّعاية»؛ لأِنَّ يهوديًّا قال للنَّبيِّ ﷺ : أشْهَدُ أنَّكَ رسولُ الله، ثُمَّ ماتَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «صَلُّوا على صاحِبِكُم» (٢)، ذَكَرَه أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّى مُحتَجًّا به (٣)، ولأِنَّه لا يُقِرُّ برسالةِ مُحمَّدٍ إلاَّ وهو يقرُّ (٤) بمَنْ أَرْسَلَه. وعنه: مِنْ (٥) مُقِرٍّ به، قال في «الشَّرح»: وبهذا جاءت الأخبارُ، وهو الصَّحيحُ؛ لأِنَّ مَنْ جَحَدَ شَيئَينِ؛ لا يَزُولُ جَحْدُه إلاَّ بإقْرارهما جميعًا. قال في «الفروع»: ويَتوجَّهُ احْتِمالٌ: يكفي (٦) التَّوحيدُ ممَّن لا يُقِرُّ به؛ كوَثنيٍّ؛ لظَاهِرِ الأخبار، ولِخَبَرِ أُسامَةَ، وقَتْلِه (٧) الكافِرَ الحَرْبِيَّ بَعْدَ قَولِه: لا إلهَ إلاَّ اللهَ (٨)؛ لأِنَّه مَصْحُوبٌ بما يَتَوَقَّفُ عَلَيهِ الإسلامُ، ومُسْتَلْزِمٌ له، وِفاقًا

стр. 5955

للشَّافِعِيَّة (١) وغَيرِهم. فلو قال: أشْهَدُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رسولُ الله (٢)؛ لم يُحكَمْ بإسْلامِه؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ غَيرَ نَبِيِّنَا ﷺ . (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ رِدَّتُهُ بِإِنْكَارِ فَرْضٍ، أَوْ إِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، أَوْ جَحْدِ نَبِيٍّ أَوْ كِتَابٍ، أَوْ إِلَى دِينِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً؛ فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَحَدَهُ)؛ لأِنَّ رِدَّتَهُ بِجَحْده، فإذا لم يُقِرَّ بما جَحَدَه؛ بَقِيَ الأمْرُ على ما كان عَلَيهِ مِنْ الرِّدَّة المُوجِبَةِ لتَكْفِيرِه. فإذا كانَتْ رِدَّتُه باعتقاد (٣) أنَّ مُحمَّدًا بُعِثَ إلى العَرَب؛ فلا بُدَّ (وَ) أنْ (يَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا بُعِثَ إِلَى الْعَالَمِينَ)، ولا بُدَّ أنْ يقُولَ مع ذلك كلمةَ الشَّهادَتَينِ، ولا يَكْفِي فيه مُجرَّدُ إقْرارِه بما جَحَدَه. (أَوْ يَقُولَ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ دِينٍ يُخَالِفُ (٤) الْإِسْلَامَ)؛ لأِنَّه يَحتَمِلُ أنْ يُريدَ بالشَّهادة ما يَعتَقِدُه، ولأِنَّ الرُّجوعَ إلى الإسلام لا يكونُ إلاَّ بذلك. فرعٌ: يَكْفِي جَحْدُه لِردَّتِه بَعْدَ إقْرارِه بها في الأصحِّ؛ كرُجوعِه عن حدٍّ، لا (٥) بعدَ بَيِّنَةٍ، بل يُجدِّد (٦) إسْلامَه، قال جماعةٌ: يأْتِي بالشّهادَتَينِ. ونَقَلَ ابنُ الحَكَم فِيمَنْ أسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ أوْ تَنَصَّرَ، فَشَهِدَ عَلَيهِ عُدُولٌ، فقال: لم أفْعَلْ، وأنا مُسْلِمٌ؛ قُبِلَ قَولُه (٧).

стр. 5956

قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: اتَّفقَ الأئمَّةُ أنَّ المرتَدَّ إذا أسْلَمَ عَصَمَ دَمَه ومالَه، وإنْ لم (١) يَحكم به (٢) حاكِمٌ، ولا يَحتاجُ إلى أنْ يُقِرَّ بما شهد (٣) عَلَيهِ به، فإذا لم يَشهَدْ عَلَيهِ عَدْلٌ؛ لم يَفتَقِر الحُكْمُ إلى إقرارِه، بل إخْراجُه إلى ذلك قد (٤) يكون كَذِبًا، ولهذا لا يَجُوزُ بِناءُ حُكْمٍ على هذا الإقْرارِ؛ كالإقْرار الصَّحيحِ، فإنَّه قد عُلِمَ أنَّه لقَّنه (٥)، وأنَّه فَعَلَه خَوفَ القَتْل، وهو إقْرارُ تَلْجِئَةٍ (٦). تنبيهٌ: ظاهِرُ كلامه: أنَّه إذا قال: أنا مؤمِنٌ أوْ مُسلِمٌ؛ لم يُكْتَفَ بذلك، ونقل أبو طالِبٍ في اليهوديِّ إذا قال: قد أسْلَمْتُ، أوْ أنا مُسلِمٌ: يُجبَرُ عَلَيهِ، قد عَلِمَ ما يُرادُ منه (٧). ونَصَرَ القاضي وابنُ البَنَّاء الاِكْتِفاءَ بذلك عن الشَّهادَتَينِ؛ لِمَا رَوَى المِقْدادُ أنَّه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ لَقِيتُ رجلاً من الكُفَّار، فَقاتَلَنِي، فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيف، فَقَطَعَها، ثمَّ لَاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسْلَمْتُ، أفأقتُله يا رسولَ الله بَعْدَ أنْ قالَها؟ قال: «لا تَقْتُلْه» رواهُ مُسلِمٌ (٨)، ولأِنَّ ذلك (٩) اسمٌ لشَيءٍ، فإذا أَخْبَرَ به فقد أخْبَرَ بذلك الشَّيءِ. وذَكَرَ المؤلِّفُ احْتِمالاً: أنَّ (١٠) هذا في الكافِرِ الأصْلِيِّ، أوْ جَحَدَ

стр. 5957

الوحْدانيَّةَ، أمَّا مَنْ كفر (١) بجَحْدِ نَبِيٍّ، أوْ كِتابٍ، أَوْ فريضةٍ، ونحوِه؛ فلا يَصِيرُ مُسلِمًا بهذا؛ لأنَّه (٢) ربَّما اعْتَقَدَ أنَّ الإسلامَ ما هو عَلَيهِ، فإنَّ أهْلَ البِدَعِ كلَّهم يَعتَقِدُونَ أنَّهم مُسلِمُونَ، ومِنهم مَنْ هو كافِرٌ. فرعٌ: إذا شُهِدَ عَلَيهِ بأنَّه كَفَرَ، وادَّعى الإكراهَ؛ قُبِلَ مع قَرِينةٍ، ولو شُهِدَ عَلَيهِ بكلمةِ كُفْرٍ فادَّعاهُ؛ قُبِلَ مُطْلَقًا في الأصحِّ؛ لأِنَّ تصديقَه لَيسَ فيه تكذيبٌ للبيِّنةِ، وإنْ أسْلَمَ على صَلاتَينِ؛ قُبِلَ منه، وأُمِر (٣) بالخَمْس. (وَإِذَا مَاتَ الْمُرْتَدُّ، فَأَقَامَ وَارِثُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ صَلَّى بَعْدَ الرِّدَّةِ؛ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ)؛ لقَولِه ﵇: «مَنْ صَلَّى صَلاتَنا … » الخبرَ (٤)، سواءٌ صلَّى في جماعةٍ أوْ مُنفَرِدًا، في دار الحرب أو الإسلامِ؛ لأِنَّها ركنٌ يَختَصُّ به (٥) الإسلامُ، فحُكِمَ بإسْلامِه؛ كالشَّهادتَينِ، ولأِنَّ ما كان إسْلامًا في دارِ الحرب؛ كان إسْلامًا في دارِ الإسلامِ؛ كالشَّهادتَينِ. ومُقتَضاهُ: أنَّها إذا شَهِدتْ بأنَّه أَتَى بغيرها (٦) مِنْ زكاةٍ، أوْ صَومٍ، أوْ حجٍّ؛ لا يُحكَمُ بإسْلامِه. ولا يَثبُتُ الإسلامُ حتَّى يأتي (٧) بصلاةٍ تَتَميَّزُ عن صلاةِ الكُهَّان، ولا تحصل (٨) بمجرَّدِ القيام (٩).

стр. 5958

وذَكَرَ ابنُ تميمٍ: أنَّ مَنْ حجَّ، أوْ صامَ يقصد (١) رمضان، أوْ آتَى مالَه على وَجْهِ الزَّكاة، أوْ أذَّن في غَيْرِ مَحَلِّ الأذانِ، قال ابنُ حَمْدانَ: أوْ غيرِ وَقْتِه؛ هل يُحكَمُ بإسْلامِه؟ على وجهَينِ. واختار القاضي: أنَّه يُحكَمُ بإسْلامِه بالحجِّ (٢) فَقَطْ. (وَلَا يَبْطُلُ إِحْصَانُ المُسْلِمِ بِرِدَّتِهِ)؛ يَعْنِي: إذا كان مُحصَنًا فارْتَدَّ، ثُمَّ أسْلَمَ؛ لم يَزُلْ إحْصانُه، بل إذا زَنَى فإنَّه يُرجَمُ؛ لأِنَّه ثَبَتَ له حُكْمُ الإحْصانِ، والأَصْلُ بقاء (٣) ما كان عليه (٤). (وَلَا عِبَادَاتُهُ التِي فَعَلَهَا فِي إِسْلَامِهِ إِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ)؛ لأنَّه (٥) فَعَلَها على وجْهِهَا، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه منها، فلم تَعُدْ إلى ذِمَّتِه؛ كدَينِ الآدَمِيِّ. وفي «الرِّعاية»: في الصَّوم وَجْهانِ في وُجوبِ القَضاءِ. وقَدَّم فِيهَا وفي «المحرَّر»: أنَّه إذا صَلَّى، ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ أسْلَمَ في وَقْتِها؛ لم يُعِدْها، وقِيلَ: بَلَى. وإنْ حجَّ، ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ أسْلَم؛ فرِوايَتانِ، أشْهَرُهما: لا يُعِيدُ.

стр. 5959

(فَصْلٌ) (وَمَنِ ارْتَدَّ؛ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ)؛ أيْ: لا يُحكَمُ بزَوالِ ملكِه، قدَّمه في «الكافي»، و «المحرَّر»، و «المستوعب»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لأِنَّ الرِّدَّةَ سببٌ يُبِيحُ دَمَه، فلَمْ يَزُلْ ملْكُه بها؛ كزِنَى المُحْصَنِ؛ لأِنَّ زوالَ العِصْمة لا يَلزَمُ منه زَوالُ الملْك؛ كالقاتِلِ في المحارَبَةِ، وأهْلِ الحَرْبِ. (بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ) مِنْ البَيعِ والهِبَة والوَقْفِ ونحوه (١) (مَوْقُوفَةً) على المذْهَبِ، قالَهُ ابنُ المنَجَّى: لأِنَّه مالٌ (٢) تَعلَّقَ به حقُّ الغَيرِ، فكان التَّصرُّفُ فيه مَوقُوفًا؛ كتبرُّع المريض. ولكِنَّ المذْهَبَ: أنَّه يُمنَعُ من التَّصرُّف فِيهِ، قاله القاضي وأصحابُه، وفي «الوسيلة»: نَصَّ عَلَيهِ، ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: يُمنَعُ مِنْهُ (٣). واخْتارَ المؤلِّفُ: أنَّه يُترَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ. وَجَعَلَ في «التَّرغيب» كلامَ القاضِي والمؤلف (٤) واحدًا، وكذا ذَكَرَه ابنُ البَنَّاء وغَيره، ونص (٥) عليه أحمدُ (٦)، ولم يَقُولُوا: يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ، بَلْ قالوا: يُمنَعُ منه. (فَإِنْ (٧) أَسْلَمَ؛ ثَبَتَ مِلْكُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ)، وكان ذلك صحيحًا، (وَإِلاَّ بَطَلَتْ)؛

стр. 5960

أيْ: إذا ماتَ أوْ قُتِلَ في رِدَّتِه؛ كان باطِلاً تغليظًا عَلَيهِ بقطع (١) ثَوابه، بخِلافِ المريض، ويَنتَقِلُ مالُه فَيئًا مِنْ حِين مَوته. وفي «المحرَّر»: على ذلك تُنفَّذُ مُعاوَضَتُه، ويقرُّ (٢) بِيَدِه، وتُوقَفُ تَبرُّعاتُه (٣)، وتُرَدُّ بمَوتِه مَرتَدًّا. (وَتُقْضَى دُيُونُهُ)، لا دَينٌ مُتجَدِّدٌ في الرِّدَّة، (وَأُرُوشُ جِنَايَاتِهِ (٤)؛ لأِنَّ ذلك حقٌّ واجِبٌ عَلَيهِ، (وَيُنْفَقُ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ)؛ لأِنَّ ذلك واجِبٌ بإيجابِ الشَّرْع، أشْبَهَ الدَّينَ، (وَمَا أَتْلَفَ مِنْ شَيْءٍ ضَمِنَهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، لأِنَّ الإتْلافَ يُوجِبُ الضَّمانَ على المسْلِمِ، فَلَأنْ يُوجِبَ على المرتَدِّ بطَرِيقِ الأَوْلَى. وعَنْهُ: إنْ فَعَلَه بدارِ حَرْبٍ، أوْ فِي جماعةٍ مُرتَدَّةٍ مُمْتَنِعَةٍ؛ فَلَا، اخْتارَه الخَلاَّلُ، وصاحِبُه، والمؤلِّفُ؛ لِفِعْلِ الصَّحابة (٦)، وكالكافِرِ الأصليِّ إجْماعًا. وقِيلَ: هم كبُغاةٍ.

стр. 5961

قال (١): وإنَّ المرتَدَّ تَحْتَ حُكْمِنا لَيسَ مُحارِبًا؛ يَضمن إجْماعًا. فرعٌ: يُؤخَذُ بحَدٍّ فَعَلَه في رِدَّتِهِ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ كقَبْلِها. وظاهِرُ نَقْلِ مُهَنَّى (٣)، واخْتارَه جماعةٌ: إنْ أسْلَمَ فلا، كعِبادَتِه. (وَيَتَخَرَّجُ فِي الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ: أَلاَّ يُضْمَنَ (٤) مَا أَتْلَفَتْهُ)؛ لأِنَّها في مَعْنَى البُغاةِ، ولأِنَّ الباغِيَ إنَّما لم (٥) يَضمَنْ ما أتْلَفَهُ؛ لأِنَّ في تَضْمِينِه تَنفِيرًا له عن الرُّجوع إلى قَبْضَةِ الإمامِ، وهذا المعْنَى مَوجُودٌ في الجماعة المرْتَدَّةِ الممْتَنِعةِ. وصحَّحَ في «الشَّرح» و «الرِّعاية»: أنَّه لا ضَمانَ عَلَيهِم فِيمَا أتْلَفُوهُ حالَ الحَرْبِ. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَزُولُ مِلْكُهُ بِرِدَّتِهِ)، واختاره أبو إسْحاقَ، وصاحِبُ «التَّبصرة»، و «الطَّريق الأقرب»، وهو رِوايَةٌ؛ لأِنَّ عِصْمةَ نفسه وماله إنَّما تثبت (٦) بإسْلامِه، فزَوالُ إسْلامِه مُزيلٌ عصمتَهما (٧)؛ كما لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ولأِنَّ المسْلِمِينَ مَلَكُوا إراقةَ دَمِه بِرِدَّتِه، فَوَجَبَ أنْ يَمْلِكُوا أمْوالَه بها. وعَنْهُ: إنْ ماتَ أوْ قُتِلَ؛ تَبَيَّنَّا زَوالَه مِنْ حِينِ رِدَّتِه. فَلَوْ باعَ شِقْصًا مَشْفُوعًا؛ أُخِذَ بالشُّفْعة على الأُولَى، وعلى الثَّانية يُجعَلُ في بَيتِ المالِ. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ)؛ لأِنَّ ملْكَه قد زالَ بِردَّتِه.

стр. 5962

وجَوابُه: أنَّ ملْكَه قد تعلَّقَ به (١) حقُّ غَيرِه مع بَقاءِ ملْكِه فيه (٢)، فكان تَصرُّفُه مَوقوفًا؛ كتَصرُّفِ المريضِ. (وَإِنْ أَسْلَمَ؛ رُدَّ إِلَيْهِ تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا)؛ أيْ: جديدًا؛ لِزَوالِه بِردَّتِه. تذنيبٌ: إذا تَزوَّجَ؛ لم يَصِحَّ؛ لأِنَّه لا يُقَرُّ على النِّكاح؛ كنِكاحِ الكافِرِ مُسْلِمةً، وكذا لو زَوَّجَ مَوْلِيَّتَهُ؛ لأِنَّ النِّكاحَ لا يكُونُ مَوقوفًا. فلَو وُجِدَ منه ما يَقتَضِي سببَ التمليكِ (٣)؛ كالصَّيد، والاتِّهاب (٤)، والشِّراء؛ ثبت (٥) الملْكُ إن (٦) بَقِيَ ملْكُه، وإلاَّ فَلَا، واحتجَّ به في «الفصول» على بقاءِ ملْكِه، وأنَّ الدَّوامَ أَوْلَى. وعلى روايةٍ: يرثُه (٧) مسلِمٌ، أوْ أهْلُ دِينِه الَّذي اخْتارَه؛ فكمسلمٍ فيه. وفي «الانتصار»: لا (٨) قَطْعَ بسرقَتِه (٩)؛ لِعَدَمِ عصمتِهِ (١٠). (وَإِذَا أَسْلَمَ؛ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا تَرَكَ مِنَ العِبَادَاتِ (١١) الْخَمْسِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (١٢): يَقْضِي، صحَّحه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛

стр. 5963

لأِنَّها عِبادةٌ واجِبةٌ الْتَزَمَ بِوُجوبِها، واعْتَرَفَ به في زَمَنِ إسلامه (١) فَلَزِمَه القَضاءُ؛ كغَيرِ المرْتَدِّ. والثَّانية: لا يلزمه (٢)، وهي الأَشْهَرُ؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨]، وكالحَرْبيِّ، ولأِنَّ أبا بكرٍ ﵁ لم يَأْمُر المرْتَدِّينَ بقَضاءِ ما فاتهم. وقَدَّمَ المجْدُ وابنُ تميمٍ: أنَّه يَلزَمُه قَضاءُ ما تَرَكَه قَبْلَ الرِّدَّةِ من صلاةٍ، وصَومٍ، وزَكاةٍ. وقِيلَ: يَقْضِي غَيرَ الحجِّ، روايةً واحدةً. وذَكَرَ ابنُ تميمٍ، وابنُ حَمْدانَ: أنَّه لو جُنَّ بَعْدَ تَرْكِه؛ لم تَسقُطْ عَنْه الصلاة (٣)، وإنْ حاضَتْ؛ سَقَطَتْ. (وَإِذَا ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ قُدِرَ عَلَيْهِمَا؛ لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُمَا)؛ لأِنَّه لا يُقَرُّ على الرِّدَّة، يَدُلُّ عَلَيهِ قَولُه ﵇: «مَنْ بَدَّلَ دِينَه فَاقْتُلوهُ» (٤)، ولَمْ يُنقَلْ أنَّ الَّذينَ سَبَاهُم أبو بكرٍ كانوا أسْلَمُوا، ولا ثبَتَ (٥) لهم حُكْمُ الرِّدَّةِ، وقَولُ عليٍّ: «تسبى (٦) المرْتَدَّةُ» ضَعَّفَه أحمدُ (٧).

стр. 5964

(وَلَا اسْتِرْقَاقُ أَوْلَادِهِمَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ)؛ لأِنَّه مَحْكومٌ بإسْلامِه بإسْلامِ والِدِه، وكَوَلَدِ مَنْ أُسِرَ من ذِمَّةٍ (١). (وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ؛ قُتِلَ)؛ للخَبَرِ، ويُعتَبَرُ فِيهِ بُلوغُهم. (وَيَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ الرِّدَّةِ) في المنْصوصِ؛ لأِنَّه مَحْكومٌ بكُفْرِه؛ لأِنَّه وُلِدَ بَينَ أَبَوَينِ كافِرَينِ، ولَيسَ بمُرتَدٍّ، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ؛ كوَلَدِ الحَرْبِيَّيْنِ. وعَنْهُ: لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم. فرعٌ: الحَمْلُ حالَ رِدَّته (٣)؛ ظاهر كلام (٤) الخِرَقِيِّ: أنَّه كالحادِثِ بعد (٥) كُفْرِه، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الشَّرح». وفي «الكافي»: الحَمْلُ كالوَلَدِ الظَّاهِر؛ لأِنَّه مَوجُودٌ، ولهذا يَرِثُ. (وَهَلْ يُقَرُّونَ)؛ أيْ: مَنْ وُلِدَ بَعْدَ الرِّدَّة، (عَلَى كُفْرِهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهُمَا (٦)، وجَزَمَ بها في «الوجيز»: يُقَرُّ على كُفْرِه؛ كأوْلادِ أهْلِ الحَرْبِ، وكالكافِرِ الأصْلِيِّ، والجامِعُ بَينَهما: اشْتِراكُهُما في (٧) جَوازِ الاِسْتِرْقاقِ. والثَّانيةُ: لا يُقَرُّونَ، فإذا أسْلَمُوا رَقُّوا؛ لأِنَّهم أوْلادُ مَنْ لا يُقَرُّ على كُفْرٍ، فلا يُقَرُّونَ؛ كالموجُودِينَ قَبْلَ الرِّدَّةِ.

стр. 5965

قال في «الفروع»: وهَلْ يُقَرُّ بجِزْيَةٍ، أم (١) الإسلامِ ويُرَقُّ، أو القَتْلِ؟ فيه رِوايَتانِ. فرعٌ: إذا لَحِقَ بدارِ حربٍ (٢)؛ فهو ومَا (٣) معه كحَرْبيٍّ، وما بِدارِنا فيءٌ (٤) مِنْ حِينِ مَوتِه. ولو ارْتَدَّ أهْلُ بَلَدٍ، وجَرَى فيه حُكْمُهم؛ فدارُ (٥) حَرْبٍ يُغْنَمُ مالُهم وَوَلَدٌ حَدَثَ بَعْدَ الرِّدَّة، وعلى الإمام قِتالُهم.

стр. 5966

(فَصْلٌ) اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ عُقَدٌ، ورُقًى، وكَلامٌ يَتَكلَّم به (١)، أوْ يَعمَلُ شَيئًا، يُؤثِّرُ في بَدَن المسْحُورِ، أوْ قَلْبِه، أوْ عَقْلِه، مِنْ غَيرِ مُباشَرَةٍ له. وله حقيقةٌ في قَولِ الأكْثَرِ؛ فمِنْهُ ما يَقتُلُ، ومِنْهُ ما يُمرِضُ، ومِنهُ ما يَمنَعُ الرَّجُلَ مِنْ وَطْءِ امْرأَتِه، ومِنْهُ ما يفرِّقُ بَينَهما. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّه (٢) لا حقيقةَ له، وإنَّما هو تَخْيِيلٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وجَوابُه: قَولُه تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ [الفَلَق: ١ - ٤]؛ يَعْنِي: السَّواحِرَ اللاَّتِي يَعْقِدْنَ في سِحْرِهِنَّ، ولَوْلَا أنَّ له حقيقةً: لمَا أُمِرَ بالاِسْتِعاذَة مِنْهُ. قال الأصحابُ: ويَكفُرُ السَّاحِرُ بتَعلُّمِه وتَعْلِيمِه؛ كاعْتِقادِ حِلِّه. وعَنْهُ: لا، اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وجَزَمَ به في «التَّبصرة». وكفَّرَه أبو بكرٍ بعمَلِه (٣)، قال في «التَّرغيب»: هو أشدُّ تحريمًا. وحَمَلَ ابنُ عَقِيلٍ كَلامَ أحمدَ في كُفْرِه (٤): على مُعتَقِدِه، وأنَّ فاعِلَه يُفسَّقُ، ويُقتَلُ حَدًّا. (وَ) هو (السَّاحِرُ الَّذِي يَرْكَبُ المِكْنَسَةَ، فَتَسِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ، وَنَحْوُهُ؛ يَكْفُرُ)؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ

стр. 5967

السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]. (وَيُقْتَلُ) بالسَّيف؛ لمَا رَوَى جُندَبٌ مرفوعًا، قال: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيف» رواهُ التَّرمذِيُّ، وقال: (الصَّحيح عن (١) جُندَبٍ مَوقُوفٌ) (٢)، وعن بجالة بن عبدٍ، قال: كُنْتُ كاتِبًا لِجَزءِ (٣) بنِ مُعاوِيَةَ عمِّ الأَحْنَفِ بنِ قَيسٍ، فأتَانَا كِتابُ عمرَ قَبْلَ مَوته بسَنَةٍ: «أنِ اقْتُلُوا كلَّ ساحِرٍ وساحِرَةٍ» رواهُ أحمدُ وسَعِيدٌ، وفي روايةٍ: «فقَتَلْنا ثَلاثَ سَواحِرَ في يَومٍ واحِدٍ» (٤)، و «قَتَلَتْ حَفْصةُ جارِيَةً لها سَحَرَتْها» رواهُ مالِكٌ (٥)، ورُوِيَ عن عُثْمانَ وابنِ عُمَرَ (٦). وعن أحمدَ: لا يُقتَلُ بِه؛ لِحدِيثِ عائِشةَ في المدبَّرة التي سَحَرَتْها فباعَتْهَا (٧)،

стр. 5968

ولقوله ﵇: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ إِلاَّ بإحْدَى ثلاثٍ … » الخَبرَ (١)، فإنْ قَتَلَ به؛ قُتِلَ. وعلى الأوَّل: هذا في السَّاحِرِ المسْلِمِ، فأمَّا ساحِرُ أهْلِ الكتاب؛ فلا يُقتَلُ بسِحْره على الأصحِّ، وفي «التَّبْصِرة»: إنِ اعْتَقَدَ جوازه (٢). (فَأَمَّا الَّذِي يَسْحَرُ (٣) بِالْأَدْوِيَةِ، وَالتَّدْخِينِ، وَسَقْيِ شَيْءٍ لَا (٤) يَضُرُّ؛ فَلَا يَكفُرُ، وَلَا يُقْتَلُ)، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لأِنَّ اللهَ تعالى وَصَفَ السَّاحِرِينَ الكافِرِينَ بأنَّهم يفرِّقون (٥) بَينَ المرْءِ وزَوجِه، فيَخْتَصُّ الكُفْرُ بهم، ويَبْقَى مَنْ سِواهمْ من السَّحَرة على أصْلِ العِصْمة. (وَلَكِنْ يُعَزَّرُ) إذا ارْتَكَبَ مَعصِيَةً، وفي «عيون المسائل»: أنَّه يُعزَّرُ بما يَردَعُه. وما قاله غَرِيبٌ، وَوَجْهُه: أنَّه يَقْصدُ الأذى بكلامه وعمله (٦) على وجْهِ المكْرِ والحِيلة، أشْبَهَ السِّحْرَ، ولهذا يُعلَمُ بالعادة والعُرْف أنَّه يُؤثِّرُ، ويُنتِجُ ما يعمله (٧) السِّحْر، أوْ أكْثَر، فيُعطَى حكمه (٨)؛ تَسْوِيَةً بَينَ المتماثِلَين (٩) أو

стр. 5969

المتقارِبَينِ، لا سِيَما إنْ قُلْنا: يُقتَل (١) الآمِرُ بالقَتْلِ على روايةٍ، فهُنا أَوْلَى. (وَيُقْتَصُّ مِنْهُ إِنْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ)؛ كما يُقتَصُّ مِنْ المسلم، وإلاَّ فَالدِّيَةُ. (وَأَمَّا الَّذِي يَعْزِمُ عَلَى الْجِنِّ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا تُطِيعُهُ؛ فَلَا يَكْفُرُ وَلَا يُقْتَلُ)، وهو المُعَزِّمُ، وكذا من يَحُلُّ السِّحْرَ، وقد تَوقَّفَ أحمدُ عنها، قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسأَلُ عَنْ رَجُلٍ يَزعُمُ أنَّه يَحُلُّ السِّحْرَ، فقال: رَخَّصَ فيه بعضُ النَّاس، ثُمَّ قال: ما أدْرِي ما هذا (٢)، وفِيهِ وَجْهانِ. وفي «الشَّرح»: إنْ كان يَحُلُّه بشَيءٍ من القُرآن أو الذِّكْر؛ فلا بَأْسَ به، وإنْ كان بِشَيءٍ من السِّحْر؛ فقد تَوقَّفَ أحمدُ. (وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ) تَبَعًا للقاضي، وقدَّمَه في «المحرَّر» (فِي (٣) السَّحَرَةِ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ)؛ كما ذَكَرْنا. وذَكَرَ القاضِي في هذا تفصيلاً، فقال: السَّاحِرُ إن اعْتَقَدَ أنَّ الكواكِبَ فاعِلَةٌ، ويَدَّعِي بسِحْرِه مُعجِزاتٍ لا يَجُوزُ وُجُودُ مِثْلِها إلاَّ لِلأنبِياءِ، مِثْلَ أن (٤) يَدَّعِيَ أنَّ الجِنَّ تخبره (٥) بالمغَيَّبات، وأنَّه يَقدِرُ على تَغْييرِ صُوَرِ الأشياء، والطَّيَرانِ في الهَواءِ، والمشْيِ على الماء؛ فهُو كافِرٌ، وإن اعْتَقَدَ أنَّ اللهَ تعالَى هو الفاعِلُ المدَبِّرُ لذلك عِنْدَ وجودِ هذا الفِعْلِ مِنْ جِهَتِه؛ لم يُصدِّقْه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَكفُرُ إلاَّ بالاِعْتِقاد؛ لأِنَّ السِّحْرَ صِناعةٌ يعود (٦) بفَسادِ أحْوالٍ، وأخْذِ أمْوالٍ، وقَتْلِ نُفُوسٍ، وهذا القَدْرُ بالمباشَرَةِ لا يُوجِبُ التَّكفيرَ.

стр. 5970

أصْلٌ: مُشعْبِذٌ (١) وقائِلٌ بزَجْرِ طَيْرٍ، وضارِبٌ بحَصًى وشَعِيرٍ وقِداحٍ؛ إنْ لم يَعتَقِدْ إباحتَه، وأنَّه لا يَعلَمُ به؛ عُزِّرَ، وكُفَّ عَنْهُ، وإلاَّ كَفَرَ. ويَحرُم طِلَّسْمٌ، ورُقْيَةٌ بغَيرِ عَرَبِيَّةٍ، وقِيلَ: يُكرَهُ. فرعٌ: مَنْ قُبِلَتْ تَوبَتُه؛ لم يَجِبْ تَعزِيرُه في ظاهِرِ كَلَامِهِمْ؛ لأِنَّه لم يَجِبْ غَيرُ القَتْلِ، وقد سَقَطَ، والحَدُّ إذا سَقَطَ بالتَّوبةِ، أو اسْتُوفِيَ؛ لم تَجُزِ الزِّيادةُ عَلَيهِ؛ كسائرِ الحُدودِ. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين فِيمَنْ شُفِعَ عِندَه في شَخْصٍ، فقال: لو جاء النَّبيُّ ﷺ يشفع فيه (٢) ما قبل: إنْ تابَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيهِ قُتِلَ (٣)، لا قَبْلَها في أظْهَرِ قَولَي العُلَماءِ، ويسوغ (٤) تعزيرُه؛ أي (٥): بَعْدَ التَّوبة (٦). مسائلُ: الأولى: إذا أسْلَمَ أبوا (٧) حَمْلٍ، أوْ طِفْلٍ، أوْ أحدُهما، لا جَدٌّ وجَدَّةٌ، والمنْصوصُ: أوْ مميزٌ لم يَبلُغْ، ونَقَلَ ابنُ مَنصُورٍ: لم يَبلُغْ عَشْرًا؛ فمسلمٌ (٨). الثَّانِيَةُ: إذا مَاتَا أوْ أحدُهما في دارِنا، وقِيلَ: أوْ دارِ حَرْبٍ؛ فمُسْلِمٌ على الأصحِّ، نقله (٩) واخْتارَهُ الأكْثَرُ، وفي «الموجز» و «التَّبصِرة»: لا

стр. 5971

بموت (١) أحدِهما، نَقَلَ أبو طالِبٍ في يهوديٍّ أوْ نَصْرَانِيٍّ ماتَ وله وَلَدٌ صغِيرٌ: فهُوَ مُسلِمٌ إذا ماتَ أبواه (٢)، ويَرِثُ أبويه (٣). ونَقَلَ جماعةٌ: إنْ كَفَلَه المسْلِمونَ، فمُسْلِمٌ (٤)، ويَرِثُ الولدُ الميِّتَ؛ لِعدَمِ تقدُّمِ الإسلامِ، واخْتِلافُ الدِّين لَيسَ مِنْ جِهَتِه؛ كالطَّلاق في المرض، ولأِنَّه يَرِثُ إجْماعًا، فلا يَسقُطُ بمختلَفٍ (٥) فيه، وهو الإسْلامُ، وكما (٦) تصحُّ الوصيَّةُ لأِمِّ وَلَدِه، ولأِنَّه لا يَمتَنِعُ حُصولُ إرْثِه قَبْلَ اخْتِلافِ الدِّين، كما قالوا: الدِّينُ لا يَمنَعُ الإرْثَ، وإنْ لم يكُن الميِّتُ مالِكًا يَومَ الموت (٧)، لكِنْ في حُكْمِ المالك، ذَكَرَه القاضي (٨). الثَّالِثَةُ: أطْفالُ الكُفَّارِ في النَّار، وعَنْهُ: الوَقْفُ، واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ، وابنُ الجَوزِيِّ: أنَّهم في الجَنَّة؛ كأطْفالِ المسْلِمِينَ، ومَن بَلَغَ مِنهم مَجْنونًا. واخْتارَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: تَكلِيفهم في القيامة (٩). ويَتْبَعُ أبَوَيهِ بالإسْلامِ؛ كصغيرٍ، فيُعايَا بها. نَقَلَ ابنُ مَنصورٍ فِيمَنْ وُلِدَ أَعْمَى، أبْكَمَ، أَصَمَّ، وصار رجلاً: هو بمنزلة الميت (١٠)، هو مع أبَوَيهِ، وإنْ كانَا مشركين (١١)، ثُمَّ أسْلَما بَعْدَما صارَ رَجُلاً،

стр. 5972

قال: هو مَعَهُما (١). قال في «الفروع»: ويَتوَجَّهُ مِثْلُهما مَنْ لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوةُ. الرّابِعَةُ: مَنْ أطْلَقَ الشَّارِعُ كُفْرَه؛ كدَعْواهُ غَيرَ أبِيهِ، ومَن أتى عَرَّافًا فصدَّقَه بما يَقُولُ؛ فَقِيلَ: كُفْرُ النِّعمة. وقِيلَ: قارَبَ الكُفْرَ. وذَكَرَ ابنُ حامِدٍ رِوايَتَينِ: إحداهما (٢): تشديدٌ وتأكيدٌ. والثَّانِيَةُ: يجب (٣) الوَقْفُ، ولا يُقطع (٤) بأنَّه لا يَنقُلُ عن المِلَّة، نَصَّ عليه (٥). خاتِمةٌ: قال الأصْحابُ: مَعْرفَةُ الله تعالى وَجَبَتْ شَرْعًا، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، وقِيلَ: عَقْلاً، وهِيَ أوَّلُ واجِبٍ لِنَفْسِه، ويَجِبُ قَبْلَها النظر؛ لِتَوَقُّفِها عَلَيهِ، فهِيَ أوَّلُ واجِبٍ لِغَيرِه. ولا يَقَعانِ ضَرورةً، وقيل: بَلَى. وكذا إنْ عُدِمَا (٧)، أوْ أحدُهما بلا موت (٨)؛ كزِنَى ذِمِّيَّةٍ ولو بكافِرٍ،

стр. 5973

واشْتِباهِ وَلَدِ مُسلِمٍ بكافِرٍ، نَصَّ عَلَيهِما (١). واللهُ أعْلَمُ (٢).

стр. 5974

(كِتَابُ الْأَطْعِمَةِ) وهي (١) جَمْعُ طعامٍ، قال الجَوهِريُّ: (هو ما يُؤكَلُ، وربَّما خُصَّ به البُرُّ) (٢)، والمرادُ هنا: ما يُؤكَلُ ويُشرَبُ، فبيَّن (٣) ما يُباحُ أكْلُه وشُرْبُه، وما يَحرُمُ. (وَالْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ)؛ لقَولِه تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البَقَرَة: ٢٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧]. لكن (٤) قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٥): (لِمسْلِمٍ)، وقال أيضًا: (اللهُ أمَرَ بالشُّكْر، وهو: العَمَلُ بطاعَتِه، بِفِعْلِ المأْمُورِ، وتَرْكِ المحْذُورِ، فإنَّما (٦) أحلَّ الطَّيِّباتِ لمَنْ يَسْتَعِينُ بها على طاعَتِه؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا … (٩٣)﴾ الآية [المَائدة: ٩٣]، ولهذا لا يَجُوزُ أنْ يُعانَ بالمباح على المعْصِيَةِ؛ كمَنْ يُعْطِي الخُبْزَ واللَّحْمَ لمَنْ يَشْرَبُ عليه (٧) الخَمْرَ، ويَسْتَعِينُ به على الفَواحِش، ولقوله (٨) تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التّكاثُر: ٨]؛ أيْ: عن الشُّكْرِ عَلَيهِ) (٩). (فَيَحِلُّ كُلُّ طَعَامٍ طَاهِرٍ)، يَحتَرِزُ به عن النَّجِس، (لَا مَضَرَّةَ فِيهِ)، عما (١٠)

стр. 5975

فِيهِ مَضَرَّةٌ كالسُّمُوم، ثُمَّ مَثَّلَ ذلك بقَولِه: (مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ)، فهو بَيانٌ لِمَا يَحِلُّ أكْلُه مِمَّا جَمَعَ الصِّفاتِ المذْكورةَ، (وَغَيْرِهَا)؛ أيْ: غَيرِ الحُبوبِ والثِّمار، مِمَّا يَجْمَعُ الطُّعْمَ، والطَّهارةَ، وعَدَمَ المَضَرَّةِ، وقد سَأَلَه الشَّالَنْجِيُّ عَنْ المِسْكِ، يُجْعَلُ في الدَّواء ويَشْرَبُه؟ (١) قال: لا بَأْسَ به (٢). (فَأَمَّا (٣) النَّجَاسَةُ؛ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ)؛ فمُحرَّمَةٌ؛ لقَولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المَائدة: ٣]، ولأِنَّ أكْلَ المَيْتَةِ أقْبَحُ من الاِدِّهانِ بِدُهْنِها والاِسْتِصْباحِ، وهو حرامٌ، فلأن يَحرُمَ ما هُوَ أقْبَحُ منه بطَرِيقِ الأولى (٤)، (وَغَيْرِهِمَا)؛ أيْ: غَيرِ ذلك من النَّجاساتِ مُحرَّمٌ، فلأنه (٥) خبيثٌ، وقد حرَّمَ اللهُ أكْلَ الخَبِيثِ، وفي الخَبَرِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا سئل عن فَأْرَةٍ وَقَعَتْ في سَمْنٍ، فقال: «لا تَقْرَبُوهُ» (٦)، وفي الأَكْلِ قُرْبَانُهُ، وهو مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وهو يَقتَضِي التَّحريمَ. (وَمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ؛ مِنَ السُّمُومِ وَنَحْوِهَا؛ فَمُحَرَّمَةٌ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البَقَرَة: ١٩٥]، ولأِنَّ ذلك يَقتُلُ غالِبًا، فحَرُم (٧) أكْلُه لِإفْضائِه إلى الهَلاك، ولهذا (٨) عُدَّ مَنْ أَطْعَمَ السُّمَّ لِغَيرِه قاتِلاً. وفي «الواضح»: المشْهُورُ أنَّ السَّمَّ نَجِسٌ، وفِيهِ احْتِمالٌ؛ «لأِكْلِه ﵇ من الذِّراع المسْمُومةِ» (٩).

стр. 5976

(وَالْحَيَوَانَاتُ مُبَاحَةٌ)؛ لقِولِه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المَائدة: ١]، ولِعُمومِ النُّصوص الدَّالَّةِ على الإباحةِ. (إِلاَّ الْحُمُرَ الْأَهْلِيَّةَ)؛ فإنَّها مُحرَّمةٌ في قَولِ أكثرِ العلماء، قال أحمدُ: (خمسةٌ وعِشْرونَ مِنْ أصْحابِ النبي ﷺ كَرِهُوهَا) (١)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (لا خِلافَ في تَحريمِها) (٢)، وسَنَدُه حديثُ جابِرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى يَومَ خَيبرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الخَيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣). وعن ابنِ عبَّاسٍ وعائشةَ أنَّهما قالا بظاهِرِ قَولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا … (١٤٥)﴾ الآية [الأنعَام: ١٤٥] (٤). وأجاب (٥) في «الخِلافِ»: بأنَّ مَعْناهُ: قل لا أَجِدُ فِيمَا نَزَلَ من القُرْآنِ،

стр. 5977

وحديثُ غالب (١) بنِ أبْجَرَ مختلِف (٢) الإسْنادِ (٣)، ولا (٤) يُعرَّجُ عَلَيهِ مع ما عارَضَه، مع أنَّ الإذْنَ بالتَّناوُلِ مِنها مَحْمُولٌ على حالِ الاِضْطِرارِ. فرعٌ: حُكْمُ ألْبانِها كهِيَ، ورخَّصَ فيه عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّ حُكْمَ اللَّبَن كاللَّحْم. (وَمَا لَهُ نَابٌ يَفْرِسُ بِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)؛ (كَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالذِّئْبِ، وَالْفَهْدِ، وَالْكَلْبِ)؛ لِمَا رَوَى أبو ثَعْلَبَةَ الخُشَني، قال: «نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن أكْلِ كلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباع» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، وعن أبي هُرَيرَةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «كلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّباع حَرامٌ» رواهُ مُسلِمٌ (٧)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (هذا حديثٌ ثابِتٌ مُجمَعٌ على صِحَّتِه) (٨)، وهو نَصٌّ صَريحٌ يُخَصُّ به عُمومُ الآياتِ، فيَدخُلُ فيه الأَسَدُ ونَحوُه.

стр. 5978

وقِيلَ: يختصُّ (١) بمَنْ يَبْدَأُ بالعَدْوَى. ورُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ: أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ يُدَاوَى بلَحْمِ كَلْبٍ، قال: (لا شَفَاهُ اللهُ) (٢)، فدلَّ على أنَّه مُحرَّمٌ. (وَالخِنْزِيرِ)، وهو مُحرَّمٌ بالنَّصِّ والإجْماعِ (٣)، مع أنَّه لَيسَ له نابٌ يَفرِسُ به. (وَابْنِ آوَى)، سئل (٤) أحمدُ عَنْهُ، وعن ابنِ عِرْسٍ، فقال: (كلُّ شَيءٍ يَنهَشُ بأنْيابِه فهو مِنْ السِّباع، وكلُّ شَيءٍ يَأخُذُ بمَخالِيبِه فمما (٥) نَهَى اللهُ عنه) (٦)، قال ابنُ عَقِيلٍ: (هذا منه يُعطِي أنَّه لا يُراعَى فيهما القوة (٧)، وأنَّه أضعفُ من الثَّعلب، وإنَّ الأصْحابَ اعْتَبَرُوا القُوَّةَ)، ولأِنَّه مُسْتَخْبَثٌ غَيرُ مُسْتَطَابٍ، ولأِنَّه يُشْبِهُ الكَلْبَ، ورائحتُه خَبِيثَةٌ، فيَدخُلُ في قَولِه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧]. (وَالسِّنَّوْرِ) الأَهْلِيِّ؛ لِمَا رَوَى جابِرٌ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن أكْلِ الهِرِّ» رواه أبو داودَ، وابنُ ماجَهْ، والتِّرمذِيُّ. وقال: غَرِيبٌ (٨)، قال أحمدُ:

стр. 5979

(أليس (١) يُشْبِهُ السِّباعَ؟!) (٢)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣): لَيسَ في كَلامِه إلاَّ الكَراهة، وجَعَلَه أحمدُ قِياسًا، وأنَّه يُقالُ: يَعُمُّها اللَّفْظُ. ونَقَلَ حنبلٌ: هو سَبُع (٤)، ويَعْمَلُ بأنْيابِه؛ كالسَّبُعِ. ونَقَلَ فيه جماعةٌ: يكره (٥)، قال: قال الحَسَنُ: «هو مِسْخٌ (٦)». (وَابْنِ عِرْسٍ)، وقد تقدَّمَ. (وَالنِّمْسِ (٧)؛ لأِنَّه مِنْ جُمْلةِ السِّباع. (وَالْقِرْدِ)، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (لا أعْلَمُ خِلافًا بَينَ العُلَماءِ في تحريمِ أكْلِهِ، وأنَّه لا يَجُوزُ بَيعُه) (٨)، ورَوَى الشَّعْبِيُّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن لَحْمِ القِرْد» (٩)، ولأِنَّه سَبُعٌ له نابٌ، فيَدخُلُ في عُمُومِ التَّحريم، وهو مسْخٌ، فيَكُونُ مِنْ الخَبائِثِ المحرَّمةِ. تنبيهٌ: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لِذِكْرِ الدُّبِّ (١٠)، وهو مُحرَّمٌ مُطلَقًا خِلافًا لابن (١١) رَزِينٍ، وفي «الرِّعاية» وقِيلَ: كبيرٌ، وهو سَهْوٌ، قال أحمدُ: (إنْ لم

стр. 5980

يكُنْ له نابٌ؛ فلا بأْسَ به) (١)، وهو محمولٌ على الصَّغير، والأشْهَرُ: أنَّه حرامٌ مطلقًا (٢)، وكذا الفيل (٣). (إَلاَّ الضَّبُعَ)، فإنَّه مُباحٌ وإنْ كان له نابٌ؛ لمَا رَوَى جابِرٌ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الضَّبُع، فقال: «هُوَ صيد (٤)، ويُجْعَلُ فيه كَبْشٌ إذا صادَه المحْرِمُ» رواه أبو داودَ (٥). لا يُقالُ بأنَّه داخِلٌ في عُمومِ النَّهْيِ؛ لأِنَّ الدَّالَّ على حِلِّه خاصٌّ، والنَّهْيُ عامٌّ، ولا شكَّ أنَّ الخاصَّ مُقدَّمٌ على العامِّ. (وَمَا لَهُ مِخْلَبٌ)، بكَسْرِ الميم، وهو بمَنزِلةِ الظُّفر للإنسان، (مِنَ الطَّيْرِ يَصِيدُ بِهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٦)؛ (كَالْعُقَابِ، وَالبَازِي (٧)، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالْبُومَةِ)، في قَولِ أكثرِ العُلَماءِ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ قال: «نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن كلِّ ذِي مِخْلَبٍ من الطَّير» رواهُ أبو داودَ (٨)، وعن (٩) خالِدِ بنِ الوليد مرفوعًا نحوُه (١٠).

стр. 5981

وقال أبو (١) الدَّرْداء وابن عبَّاسٍ: «ما سَكَتَ اللهُ عنه فهو ممَّا عَفا عنه» (٢). وقال اللّيثُ والأَوْزاعِيُّ: لا يَحرُمُ شَيءٌ مِنْ الطَّير؛ لِعُمومِ الآياتِ المبيحةِ. وجَوابُه: الخَبَرُ، وبه يُخَصُّ عُمومُ الآيات. وكذا كلُّ ما أمَرَ الشَّارِعُ بقَتْلِه، أوْ نَهَى عنه، وفي «التَّرغيب»: تحريمًا؛ إذْ لو حلَّ (٣) لَقَيَّدَه بغَيرِ مَأكَلِه. (وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ)، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ (كالنُّسُورِ (٥)، وَالرَّخَمِ، وَاللَّقْلَقِ، وَغُرَابِ الْبَيْنِ، وَالأَبْقَعِ (٦)؛ لقوله ﵇: «خمسٌ فَواسِقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ

стр. 5982

والحَرَم … » الخبرَ، فذكر (١) منها: الغُرابَ (٢)، والباقِي كهُوَ؛ للمُشارَكةِ بَينَهما في أكْلِها الجِيَفَ، ولأِنَّه ﵇ أباحَ قَتْلَها في الحَرَمِ، ولا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدٍ مَأْكولٍ في الحَرَم، ولأِنَّ ما يُؤكَلُ لا يَحِلُّ قَتْلُه إذا قُدِرَ عَلَيهِ، بَلْ يُذبَحُ ويُؤكَلُ. ونَقَلَ عبدُ الله وغَيرُه: يُكرَهُ (٣). وجَعَلَ فيه الشَّيخُ تقيُّ الدِّينِ رِوايَتَي الجَلاَّلة، وإنَّ غالِبَ أجْوِبةِ أحمدَ لَيسَ فيها تحريمٌ (٤). ونَقَلَ حَرْبٌ: لا بَأْسَ به؛ لأِنَّه لا يَأكُلُ الجِيَفَ (٥). (وَمَا يُسْتَخْبَثُ)؛ أيْ: ما تَسْتَخْبِثُهُ العربُ، والأصحُّ: ذُو اليَسارِ، وقِيلَ: على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ، وقال جماعةٌ: والمروءةِ، فهو مُحرَّمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧]، وما اسْتَطَابَتْه فهو طَيِّبٌ؛ لقوله تعالى (٦): ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧]. والَّذي تُعتَبر (٧) اسْتِطابَتُهم واسْتِخْباثُهم: هم (٨) أهْلُ الحِجاز مِنْ أهْلِ الأمصار؛ لأِنَّهم هم الذين (٩) نَزَلَ عَلَيهِم الكِتابُ، وخُوطِبُوا به وبالسُّنَّة، فرُجِع في (١٠) مُطْلَقِ ألْفاظِها إلى عُرْفِهم.

стр. 5983

ولم يُعتَبر أهلُ البَوادِي؛ لأِنَّها للضَّروراتِ والمجاعَة يأكُلُونَ ما وَجَدُوا، ولهذا سُئِلَ بعضُهم عمَّا يَأْكُلونَ، فقال: كلَّ ما دَبَّ ودَرَجَ إلاَّ أُمَّ حُبَيْن (١). وما لا تَعرِفُه العَرَبُ، ولا ذُكِرَ في الشَّرع؛ يُرَدُّ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ شَبَهًا به. وعن أحمدَ وقُدَماءِ أصْحابِه: لا أَثَرَ لاستخباثِ (٢) العَرَبِ، فإنْ لم يُحرِّمْه الشَّرْعُ؛ حَلَّ، قالَهُ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٣). (كَالْقُنْفُذِ)؛ لقوله ﵇: «هُوَ مِنْ الخَبائِثِ» رواهُ سعيدٌ، وأبو داودَ (٤)، وقال (٥) أبو هُرَيرةَ: «هو حَرامٌ» رواهُ سعيدٌ (٦)، وعلَّلَ أحمدُ القُنفُذَ: (بأنَّه بلغه (٧) أنَّه مِسْخٌ) (٨)؛ أيْ: لمَّا مُسِخَ على صورته (٩) دلَّ على خُبْثِه، ولأِنَّه يُشبِهُ المحرَّماتِ، ويَأكُلُ الحَشَراتِ، أشْبَهَ الجُرَذَ.

стр. 5984

(وَالْفَأْرَةِ)، وهِيَ الفُوَيسِقَةُ، نَصَّ عَلَيهِ (١). (وَالْحَيَّاتِ)، جَمْعُ حَيَّةٍ؛ «لأِمْره ﵇ مُحرِمًا بقَتْلِها» رواهُ مُسلِمٌ (٢)، ولأِنَّ لها نَابًا من السِّباع، نَصَّ عَلَيهِ (٣). (وَالعَقارِبِ)، والوَطْوَاط، نَصَّ عَلَيهِما (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعرَاف: ١٥٧]. (وَالْحَشَرَاتِ كُلِّهَا)؛ كالدِّيدَانِ، وبَناتِ وَرْدَانَ، والخَنافِسِ، والزَّنَابِيرِ، والنَّحْل، وفِيهِما رِوايَةٌ في (٥) «الإشارة». وفي «الرَّوضة»: يُكرَهُ ذُبابٌ وزُنْبورٌ. وفي «التَّبصرة»: في خُفَّاشٍ وخُطَّافٍ وَجْهانِ، وكَرِهَ أحمدُ الخُفَّاشَ؛ لأِنَّه مسْخٌ (٦)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: هَلْ هِيَ للتَّحريم؟ فيه وجْهانِ (٧). (وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ؛ كَالْبَغْلِ)، وهو مُحرَّمٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، عِنْدَ كلِّ مَنْ حرَّم الحِمارَ الأهْلِيَّ. (وَالسِّمْعِ: وَلَدِ الضَّبُعِ مِنَ الذِّئْبِ، وَالْعِسْبَارِ: وَلَدِ الذِّئْبَةِ (٩) مِنَ الذِّيخِ)،

стр. 5985

وهو الذَّكَرُ من الضِّبْعان، فيكون العِسبار (١) عَكْسَ السِّمْع. وظاهِرُه: ولو تَمَيَّزَ؛ كحيوان (٢) مِنْ نَعْجَةٍ، نِصْفُه خَرُوفٌ ونِصْفُه كَلْبٌ، قالَهُ الشَّيخُّ تقيُّ الدِّين (٣)، لا مُتَوَلِّدٍ مِنْ مُباحَينِ (٤)؛ كبَغْلٍ مِنْ وَحْشٍ وخَيلٍ، وما تَولَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ طاهِرٍ؛ كذُبابِ الباقِلَاء؛ يُؤكَلُ تَبَعًا لا أصْلاً، في الأصحِّ فِيهِما، وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحِلُّ بمَوتِه، قال: ويَحتَمِلُ كَونُه كذُبابٍ، وفيه رِوايَتانِ. قال أحمدُ في الباقِلَاء المُدَوِّدِ: يَجْتَنِبُه أحبُّ إليَّ، وإنْ لم يَتَقَذَّرْه فأرْجُو (٥)، وقال عن تَفْتِيشِ الثمر (٦) المدَوِّدِ: لا بأْسَ به إذا عَلِمَه (٧). فرعٌ: إذا كان أحدُ أبَوَيهِ المأْكُولَينِ مَغْصوبًا؛ فهو تَبَعٌ لأِمِّه حِلًّا، وحُرْمَةً، وملْكًا. (وَفِي الثَّعْلَبِ، وَالوَبْرِ، وَسِنَّوْرِ الْبَرِّ، وَالْيَرْبُوعِ؛ رِوَايَتَانِ)، وفِيهِ مَسائِلُ: الأُولَى: أكْثَرُ الرِّوايات عن أحمد تحريمُ الثَّعْلَب، واخْتارَهُ الخَلاَّلُ، وصحَّحه الحُلْوانِيُّ، وقدَّمَه في «الفروع»، نَقَلَ عبدُ اللهِ أنَّه قال فيه (٨): (لا أعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فيه إلاَّ عَطاءً، وكلُّ شَيءٍ اشْتَبَهَ عَلَيكَ فَدَعْه) (٩)، ولأِنَّه سَبُعٌ، فيَدخُلُ في عُمومِ الخَبَرِ.

стр. 5986

والثَّانِيَةُ: يُباحُ، اخْتارَها الشَّرِيفُ، وأبو بكرٍ؛ لأِنَّه يُفدَى (١) في الحَرَم والإحرام. والأوَّلُ أظْهَرُ؛ للنَّهْيِ عن كلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّباع. الثانية: الوَبْر، هو مُباحٌ، قالَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الكافي»، وقاله عَطاءٌ، وطاوُسٌ؛ لأِنَّه يَأكُلُ النَّباتَ، ولَيسَ له نَابٌ يَفرِسُ به، ولَيسَ هو مِنْ المسْتَخْبَثات، فكان مُباحًا كالأَرْنَبِ. والثَّانية: حَرامٌ، وقاله القاضي؛ قِياسًا على السِّنَّوْرِ. الثَّالِثَةُ: سِنَّوْرُ البَرِّ، والأَشْهَرُ: أنَّه مُحرَّمٌ، وصحَّحَه الحُلْوانيُّ، وقدَّمَه في «الفروع»؛ «لأِنَّه ﵇ نَهى عن أكْلِ الهِرِّ» (٢)، فيَدخُلُ فيه البَرِّيُّ. والثَّانِيَةُ: مُباحٌ؛ لأِنَّه بَرِّيٌّ، أشْبَهَ الحِمارَ البَرِّيَّ. الرَّابِعةُ: اليَرْبُوعُ، وهو مُباحٌ، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الكافي»، وقالَهُ عَطاءٌ، وعروة؛ لِقَضاءِ عمرَ، فإنَّه حَكَمَ فيه (٣) بجَفْرة (٤)، ولأِنَّ الأصلَ الإباحةُ. والثَّانِيَةُ: حَرامٌ؛ لأِنَّه يُشبِهُ الفَأْرَ، وكبَقٍّ. وهذا الخلاف (٥) في هُدْهُدٍ وصُرَدٍ. وفي سِنْجابٍ وَجْهَانِ:

стр. 5987

أحدهما: مُحرَّمٌ، اختاره (١) القاضِي؛ لأِنَّه يَنهَشُ بِنابِهِ، أشْبَهَ الجُرَذَ، والسَّمُّورِ (٢). والثَّاني: يُباحُ، أشْبَهَ اليَرْبوعَ. وكذا الخِلَافُ في الغُداف والفَنَكِ. (وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ)، بلا (٣) كراهةٍ؛ لِعُمومِ الأدلَّة الدَّالة (٤) على الإباحة؛ (كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المَائدة: ١]، وهي: الإبلُ، والبقرُ، والغَنَمُ. (وَالْخَيْلِ)، عِرابِها وبَراذِينِها، نَصَّ عليه (٥)، وهو قَولُ أكثرِ الفُقَهاء؛ لمَا رَوَى جابِرٌ، قال: «نَهَى النَّبيُّ ﷺ يَومَ خَيْبَرَ عَنْ لحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأَذِنَ في لُحُومِ الخَيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، ولأِنَّه حَيَوانٌ طاهِرٌ مُسْتَطابٌ، لَيسَ بِذِي نَابٍ ولا مِخْلَبٍ، فكان حَلالاً؛ كبهيمةِ الأنعام. وقال الأوزاعيُّ: يُكرَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النّحل: ٨]، وعن خالِدِ بنِ الوليدِ قال: «نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن لُحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ وخَيلِها، وبِغالِهَا» رواهُ أبو داودَ، والنسائي (٧)، وابنُ ماجَهْ (٨).

стр. 5988

وجَوابُه: بأنْ قال أبو داودَ: هو (١) منسوخٌ، وقال النَّسائيُّ: حديثُ الإباحة أصحُّ، ويشبه (٢) إنْ كان صحيحًا أنْ يكُونَ مَنسُوخًا، قال النَّوَوِيُّ: (اتَّفَقَ العلماء على أنَّه حديثٌ ضعيفٌ) (٣)، وقال الإمامُ أحمدُ: لَيسَ له إسْنادٌ جيِّدٌ، وقال: فيه رَجُلانِ لا يُعرَفانِ (٤). وأمَّا الآيةُ؛ فإنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بدليلِ خِطابِها، وهم لا يَقُولونَ به، مع أنَّ نَصَّه على رُكوبِها؛ لكَونِه أغْلَبَ منافعها (٥) لا يَدُلُّ على تحريمِ أَكْلِها. وفي بِرْذَونٍ رِوايَةٌ بالوَقْفِ. (وَالدّجَاجُ (٦) على اخْتِلافِ أنْواعِها، وقال أبو موسى: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَأكُلُ الدَّجاجَ» (٧). (وَالوَحْشِيِّ (٨) مِنَ الْبقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ)؛ والتَّيْتَل (٩)، والوَعِلِ، والمَهَا، وسائرِ الوَحْش مِنْ الصُّيودِ كلِّها. وظاهِرُه: ولو تأنَّسَ، وهو مُجمَعٌ عَلَيهِ، إلاَّ ما رُوِيَ عن طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ: «أنَّ الحِمارَ الوحشي (١٠) إذا تأنَّس واعتلف (١١): هو بمنزلةِ الأهْلِيِّ» (١٢).

стр. 5989

قال أحمدُ: (وما ظَنَنْتُ أنَّه رُوِيَ في هذا شَيءٌ، ولَيسَ الأَمْرُ عِنْدِي كما قال) (١)، ولأِنَّ الظِّباءَ إذا تَأَنَّسَتْ لم تَحرُمْ؛ كالأهْلِيِّ إذا تَوحَّشَ لم يَحِلَّ. (وَالزَّرَافَةِ) في المنْصوصِ (٢)؛ لأِنَّها تُشْبِهُ البَعِيرَ إلاَّ أنَّ عُنُقَها أطْوَلُ مِنْ عُنُقِه، وجِسْمَها ألْطَفُ مِنْ جِسْمِه وأعْلَى منه، وذلك لا أثَرَ له في تحريمِها، ولأِنَّها مُسْتَطابَةٌ لَيسَ لها نَابٌ، ولا هي مِنْ المسْتَخْبَثاتِ، أشْبَهَت الإبلَ. وعَنْهُ: الوَقْفُ فيها، وحرَّمَها أبو الخَطَّاب. والأوَّلُ أصح (٣). (وَالنَّعَامَةِ) بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناهُ (٤)؛ لِقَضاءِ الصَّحابة فيها بالفِدْيَة إذا قَتَلَها المحْرِمُ (٥). (وَالْأَرْنَبِ)؛ لأِنَّ «النَّبيَّ ﷺ قَبِلَه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، و «أَمَرَ بأكْلِها» رواهُ أبو داودَ (٧)، ولأِنَّه حَيَوانٌ مُسْتَطَابٌ لَيسَ بِذِي نَابٍ، أشْبَهَ الظِّباءَ، ولا نَعلَمُ قائلاً بتحريمه، إلاَّ ما رُوِيَ عن عَمْرِو بنِ العاص (٨)، قاله في «الشَّرح».

стр. 5990

وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ، وابنُ حَمْدانَ رِوايَةً بتَحْرِيمِها. (وَالضَّبُعِ)، وقد عُلِمَ حُكْمُها فِيما سَبَقَ. وفِيهَا رِوايَةٌ، قاله ابنُ البَنَّاء، وهي (١) قَولُ أكثرِ العُلَماء؛ لِمَا رُوِيَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الضَّبُع، فقال: «ومَن يَأْكُلُ الضَّبُع!»، لكن (٢) هذا حديثٌ تفرَّد به عبدُ الملِكِ بنُ المخارق (٣)، وهو مَتْروكُ الحديث (٤). وفي «الرَّوضة»: إنْ عُرِفَ منه أكْلُ مَيتَةٍ؛ فكجلالةٍ (٥). (وَالضَّبِّ)، قال ابنُ هُبَيرَةَ: روايةً واحدةً، وقاله الأكْثَرُ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ قال: دَخَلْتُ أنا وخالِدُ بنُ الوليد مع رسول الله ﷺ بَيتَ مَيمُونَةَ؛ فأُتِيَ بضَبٍّ محنوذٍ (٦)، فَرَفَعَ يَدَه، فقلتُ: أحرامٌ هُوَ يا رسولَ الله؟ قال: «لا (٧)، ولكِنْ لم يَكُنْ بأرْضِ قَومِي، فأَجِدُنِي أَعافُه»، قال خالِدٌ: فاحْتَزَزْتُه، فأكَلْتُه، ورسولُ الله ﷺ يَنظُرُ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٨)، وحَدِيثُ النَّهْيِ فيه لَيسَ بثابِتٍ (٩).
следующие страницы →