← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

فإنْ كان فيه حياةٌ يُمكِنُ بقاؤه إلى أنْ يأتي (١) إلى منزله؛ فلَيسَ فيه اخْتِلافٌ أنَّه لا يباح (٢) إلَّا بالذَّكاة. فرعٌ: إذا امْتَنَع عَلَيهِ من الذَّبْح، فجَعَلَ يَعْدُو منه يَومَه (٣)، حتَّى ماتَ تَعَبًا ونَصَبًا؛ حلَّ، ذَكَرَه القاضِي، واخْتارَ ابنُ عَقِيلٍ خِلافَه؛ لأِنَّ الإتْعابَ يُعِينُه على الموت، فصار كالماء. (وَإِنْ (٤) رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ)؛ أيْ: مَنَعَه من الاِمْتِناع، وحَبَسَه عنه؛ ملَكَه، (ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ؛ لَمْ يَحِلَّ)؛ لِأنَّه صار مَقْدُورًا عليه (٥)، فلم يُبَحْ إلَّا بذَبْحِه، (وَلِمَنْ أَثْبَتَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ)؛ لِأنَّه أتْلَفَه عليه (٦)، (إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ؛ فَيَحِلُّ)؛ لِأنَّه ذكَّاه. فإنِ ادَّعَى كلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّه الأوَّلُ؛ حَلَفَ كلٌّ مِنْهُما، وبَرِئَ مِنْ الضَّمان؛ لِأنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه. وإن (٧) اتَّفقا على السَّابق، وأنْكَرَ الثَّاني كَونَ الأوَّل أثْبَتَه؛ قُبِلَ قَولُه؛ لِأنَّ الأصلَ بقاءُ امْتِناعِه، ويَحرُمُ على الأوَّل؛ لِاعْتِرافه بتحريمه، ويَحِلُّ للثَّاني. فإنْ رَمَياهُ ووَجَدَاهُ مَيِّتًا (٨)، ولم يُعلَمْ مَنْ أثْبَتَه منهما؛ فهو بَينَهما، وإنْ وَجَداهُ مَيِّتًا؛ حَلَّ؛ لِأنَّ الأصلَ بقاءُ امْتِناعِه. (وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ)؛ لِأنَّه لم يُتْلِفْ سوى ذلك.

стр. 6057

قال في (١) «الرِّعاية»: إذا رَمَى صَيدًا فأثْبَتَه؛ مَلَكَه، ثُمَّ إنْ رماهُ آخَرُ فَقَتَلَه؛ فإنْ كان الأوَّلُ أصابَ مَقْتَلَه، والثَّاني مَذبَحَه قَصْدًا؛ حَلَّ، وعَلَيهِ للأوَّل غُرْمُ ما خَرَقَ من جِلْده. وقِيلَ: بل ما بَينَ كَونِه حيًّا مجروحًا وكَونِه مُذَكًّى. وفي غَيرِ ذلك يَحرُمُ، وعلى الثَّاني قِيمتُه مجروحًا بالجُرح الأوَّل، إنْ لم يُدرك الأوَّل ذَبْحَه بل مَيِّتًا، أوْ كمذبوحٍ. وإنْ أدْرَكَه حيًّا حياةً مُسْتقِرَّةً، فلم يَذبَحْه، فمات؛ ضَمِنَه الثَّاني كذلك. قال في (٢) «المحرَّر»: (وقال القاضي: يَضمَن نصفَ قِيمتِه مجروحًا بالجُرحَينِ مع أرْشِ نَقْصِه، وعِندِي: إنَّما يَضمَن نصفَ قِيمتِه مجروحًا بالجرح الأوَّل (٣) لا غَيرُ). (وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ المَذْبُوحِ؛ فَهُوَ كَالمَيِّتِ)؛ أيْ: لا يَحتاجُ إلى ذكاةٍ؛ لِأنَّ عَقْرَه كذَكاتِه. (وَمَتَى (٤) أَدْرَكَهُ مَيِّتًا؛ حَلَّ)؛ لِأنَّ الاِصْطِيادَ أُقِيمَ مُقامَ الذَّكاة، والجارح (٥) له آلةٌ كالسِّكين، وعَقْرُهُ بمَنزِلةِ قَطْعِ الأَوْداج، (بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ): (أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ (٦) مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ)؛ لقَولِه ﵇: «فإنَّ أخْذَ الكَلْبِ ذَكاةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٧)، والصَّائدُ بمَنزِلةِ المذَكِّي، فيشترط (٨) فيه الأهْلِيَّةُ.

стр. 6058

وفي المجوسِيِّ روايةٌ فيما (١) ما صادَهُ مِنْ سَمَكٍ وجَرادٍ: أنَّه يَحِلُّ (٢)؛ لِمَا رَوَى سعيدٌ، ثنا إسماعيلُ بنُ عياش (٣)، حدثني عبدُ (٤) الله بنُ عُبَيدٍ الكَلَاعِيُّ، عن سُلَيمانَ بنِ موسَى، عن الحَسنِ، قال: «أدْرَكتُ سَبْعِينَ رجُلاً مِنْ أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ يأكُلونَ مِنْ صَيدِ المجُوسِ»، إسْماعيلُ عن الشاميين (٥) حُجَّةٌ (٦). وفي الأَعْمَى قُويلٌ (٧) لِابنِ حَمْدانَ: أنَّه لا يَحِلُّ؛ لِتعَذُّرِ قَصْدِه صَيدًا مُعَيَّنًا. وظاهِرُ ما ذَكَرُوهُ: أنَّ ما لا يَفتَقِرُ إلى ذكاةٍ - كالحُوتِ - إذا صادَه مَنْ لا تُباحُ ذَكاتُه؛ أنَّه (٨) يُباحُ، واختاره (٩) الخِرَقِيُّ، وصحَّحه في «الكافي»؛ لأنَّه (١٠) لا ذكاةَ له، أشْبَهَ ما لو وَجَدَه مَيِّتًا. (فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا)، أوْ جارِحًا غَيرَ مُعلَّمٍ، أوْ غَيرَ مُسَمًّى عَلَيهِ، (أَوْ شَارَكَ كَلْبُ المُجَوسِيِّ كَلْبَ المُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ)، أوْ وَجَدَ مع كَلْبِه كَلْبًا لا يَعرِفُ مُرسِلَه، أوْ لا يَعرِفُ حالَه، أوْ مع سَهْمِه سَهْمًا كذلك؛ (لَمْ يَحِلَّ)؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أرْسلْتَ كلبَك المعلَّمَ، وذَكَرْتَ

стр. 6059

اسم (١) الله عَلَيهِ؛ فكُلْ، وإنْ وَجَدْتَ معه غَيرَه؛ فلا تَأكُلْ، إنَّما سَمَّيْتَ على كَلْبِك، ولم تُسَمِّ على غَيرِه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، ولِأنَّه اجْتَمَعَ في قَتْلِه مُبِيحٌ ومُحرِّمٌ، فغَلَّبْنا التَّحْريمَ؛ كالمتولِّد بَينَ ما يُؤكَلُ وما لا يؤكل (٣)، ولِأنَّ الأصلَ الحَظْرُ، فإذا شَكَكْنا في المبيح؛ رُدَّ إلى أصْلِه. وكذا لو أرْسَلَ كَلْبَه المعلَّمَ، فاسْتَرْسَلَ معه آخَرُ بنَفْسِه. فرعٌ: إذا أرْسَلَ جماعةٌ كِلابًا بشَرْطِه، وسَمَّوْا، فوَجَدُوا الصَّيدَ قتيلاً (٤)، لا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَه؛ حَلَّ. وإن اخْتَلَفُوا، وكانت الكِلابُ مُتعلِّقةً به؛ فهو بَينَهم، وإلَّا كان لمَنْ كَلْبُه مُتعلِّقٌ به، وعلى مَنْ حَكَمْنا له (٥) به اليَمِينُ. وإنْ كان قَتِيلاً، والكِلابُ ناحِيَةً؛ وُقِفَ الأمْرُ حتَّى يَصطَلِحُوا، وقِيلَ: يُقرَعُ بَينَهم، وعلى الأوَّل: إنْ خِيفَ فَسادُه؛ باعُوهُ ثمَّ اصْطَلَحُوا على ثمنه (٦). (وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَقْتَلَهُ دُونَ الآْخَرِ؛ فَالْحُكْمُ لَهُ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لِأنَّه هو القاتِلُ، فَوَجَبَ أنْ يَترتَّبَ عَلَيهِ الحُكْمُ. وفي «الشَّرح»: فإنْ أصاب أحدُهما مَقْتَلَه دُونَ الآخَرِ، مِثْلَ أنْ يكونَ الأوَّلُ قد عَقَرَه مُوحِيًا، ثُمَّ أصابَه الثَّانِي وهو غَيرُ مُوحٍ؛ فالحُكْم للأوَّلِ، وإنْ كان الجُرْحُ الثَّاني مُوحِيًا؛ فهو مُباحٌ إنْ كان الأوَّلُ مُسلِمًا؛ لِأنَّ الإباحةَ حَصَلَتْ به.

стр. 6060

(وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يَحِلَّ)، هذا روايةٌ، وجَزَمَ بها في «الرَّوضة»؛ كما لو أسْلَمَ بَعْدَ إرساله، لكِنْ لو أثْخَنَه كَلْبُ المسْلِمِ ثُمَّ قَتَلَه الآخَرُ، وفِيهِ حياةٌ مُستَقِرَّةٌ؛ حَرُمَ، ويَضْمَنُه له. فرعٌ: إذا رَمَى سهمًا ثُمَّ ارْتَدَّ، أوْ ماتَ بَينَ رَمْيِه وإصابَتِه؛ حَلَّ. (وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ المُسْلِمِ فَقَتَلَهُ؛ حَلَّ)؛ لِأنَّ جارِحةَ المسْلِمِ انْفَرَدَتْ بقتله (١)، فأُبِيحَ؛ كما لو رَمَى المجوسِيُّ سَهْمَه فَرَدَّ الصَّيدَ، فأصابَه سَهْمُ المسْلِمِ فَقَتَلَه، أوْ أمْسَكَ المجوسِيُّ شاةً فَذَبَحَها مُسلِمٌ. (وَإِنْ صَادَ المُسْلِمُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ؛ حَلَّ)، ولو كان في ملْكِه، ذكر (٢) في «الكافي»: أنَّه المذْهَبُ، وِفاقًا (٣)، وهو غَيرُ مَكْروهٌ، ذكره (٤) أبو الخَطَّاب، وأبو الوَفَاء، وابنُ الزَّاغُونِيُّ؛ لِأنَّه آلةٌ، أشْبَهَ ما لو صادَهُ بقُوَّتِه وسَهْمِه. (وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ) وإنْ كان لمسْلِمٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المَائدة: ٤]، وكَلْبُ المجوسيِّ غَيرُ مُعلَّمٍ مِنْ مُسلِمٍ. وجَوابُه: أنَّ الآية دلَّتْ على إباحةِ الصَّيدِ بما (٥) علَّمْناهُ، وما عَلَّمَه غَيرُنا فهو في معناه. وكرهه (٦) جماعةٌ، مِنهُمْ: جابِرٌ (٧)، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوريُّ.

стр. 6061

(وَإِنْ صَادَ (١) المَجُوسِيُّ بِكَلْبِ المُسْلِمِ؛ لَمْ يَحِلَّ) في قَولِ الجميع (٢)؛ كما لو صاد بقَوسِه، ولِأنَّه لَيسَ مِنْ أهْلِ الذَّكاةِ. (وَإِنْ أَرْسَلَ المُسْلِمُ كَلْبًا فَزَجَرَهُ المَجُوسِيُّ)، فزادَ عَدْوُه أوْ ذَبَحَ ما أمسكه (٣) له مجوسيٌّ بكَلْبِه وقد جَرَحَه غَيرَ مُوحٍ؛ (حَلَّ (٤)؛ لأِنَّ الصَّائدَ هو المسْلِمُ، وهو مِنْ أهْلِ الذَّكاة. (وَإِنْ أَرْسَلَهُ المَجُوسِيُّ، فَزَجَرَهُ المُسْلِمُ)، وقِيلَ: ولم يَزِدْ عَدْوُ كَلْبِهِ بزَجْرِ المسْلِم؛ (لَمْ يَحِلَّ)؛ لِأنَّ الصَّائدَ لَيسَ مِنْ أهْلِ الذَّكاة، إذ العبرةُ بالإرْسال.

стр. 6062

(فَصْلٌ) (١) (الثَّانِي: الآْلَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ): (مُحَدَّدٌ (٢)، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ)؛ لِأنَّها مِمَّا لا بدَّ منها، فيَجِبُ أنْ يُشتَرَطَ للمحدَّدِ (٣) ما يُشترَطُ لِآلةِ الذَّكاة. (وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ)، نَصَّ عليه (٤)؛ لقوله ﷺ لِعَدِيٍّ: «ما رَمَيتَ بالمِعْراض فَخَرَقَ؛ فَكُلْهُ، وإنْ أصابَه بعَرْضِهِ؛ فلا تَأكُلْه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥). (فَإِنْ قَتَلَهُ بِثِقَلِهِ؛ لَمْ يُبَحْ (٦)؛ لِأنَّه وَقِيذٌ، فيَدخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، وسواء كان بشَبَكةٍ أوْ فَخٍّ أوْ بُندُقَةٍ، ولو شَدَخَتْه (٧)، نَقَلَهُ الميْمُونِيُّ (٨). (وَإِنْ صَادَ بِالمِعْرَاضِ)، قال في «المشارِق»: (هو خَشَبَةٌ مُحدَّدةُ الطَّرَف، وقِيلَ: فيه حديدةٌ) (٩)؛ (أُكِلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ)، قال أحمدُ: المِعْراضُ يُشْبِه السَّهْمَ، يُحذَفُ به الصَّيدُ، فربَّما أصاب الصَّيدَ بحَدِّه، فخَرَقَ، فهو مُباحٌ (١٠). (دُونَ عَرْضِهِ)؛ للخبر، وفي «التَّرغيب» و «المستوعب»: ولم يَجرَحْه، وهو ظاهِرُ نصوصه؛ لِأنَّه وَقِيذٌ، وهو قَولُ الأكْثَر.

стр. 6063

وحُكْمُ الصَّوَّان (١) الَّذي له حَدٌّ كالمعراض (٢). (وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ (٣) أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا، فَقَتَلَتْ صَيْدًا؛ أُبِيحَ) إذا جَرَحَه، رُوِيَ عن ابن عمرَ (٤)، وقاله الحَسَنُ وقَتادةُ؛ لِأنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى المباشَرَة في الضَّمان، فكذا في الإباحة. وقال الشافعي: لا يباح (٥) بحالٍ (٦)، كما لو نَصَبَ سِكِّينًا فذَبَحَتْ شاةً، ولِأنَّه لو رَمَى سَهْمًا، وهو لا يرى (٧) صَيدًا، فَقَتَلَ صَيدًا؛ لم يَحِلَّ، وهذا أَوْلَى. وجَوابُه: قَولُه ﵇: «كُلْ ما رَدَّتْ (٨) عَلَيكَ يَدُكَ» (٩)، ولِأنَّه قَتَلَ الصَّيدَ بما له حَدٌّ، جَرَت العادةُ بالصَّيد به، أشْبَهَ ما لو رَماهُ.

стр. 6064

وفارَقَ ما إذا نَصَبَ سِكِّينًا، فإنَّ العادةَ لم تَجْرِ بالصَّيد بها، وإذا رمَى سَهْمًا وهو لا يَرَى صَيدًا؛ فلَيسَ ذلك بمعتاد (١)، والظَّاهِرُ أنَّه لا يُصيب (٢) صَيدًا، فلم يَصِحَّ قَصْدُه، بخِلافِ هذا. وقِيلَ: تحلُّ (٣) مُطلَقًا. فإنْ بان منه عُضْوٌ؛ فحُكْمُه حُكْمُ البائنِ بضربة (٤) الصَّائد، وحَيثُ حلَّ؛ فظاهِرُه يَحِلُّ، ولو ارتَدَّ أو مات (٥). (وَإِنْ قُتِلَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ؛ لَمْ يُبَحْ إِذَا (٦) غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السَّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ)، كذا عبَّر به في «الهداية» و «المذهب» و «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لِأنَّه اجْتَمَعَ مُبِيحٌ ومُحرِّمٌ، فَغُلِّبَ المحرِّمُ، وكسَهْمَيْ مُسلِمٍ ومَجُوسِيٍّ، ولِأنَّه يُخافُ مِنْ ضَرَرِ السَّمِّ. فَعَلَى هذا: إنْ لم يَغلِبْ على ظَنِّه أنَّ السَّمَّ أعانَ على قَتْلِه؛ فهو مُباحٌ. وفي «الكافي» وغَيرِه: إذا اجْتَمَعَ في الصَّيد مُبِيحٌ ومُحرِّمٌ، مِثْل أنْ يَقْتُلَه بِمُثَقَّلٍ ومحدَّد (٧)، أوْ بِسَهْمٍ مَسمُومٍ وغَيرِه، إلى آخِرِه؛ لَم يُبَحْ؛ لقَولِه ﵇:

стр. 6065

«وإنْ وَجَدَتْ مَعَهُ غَيرَه فلا تأكُلْ» (١)، وبأنَّ الأصْلَ الحَظْرُ، فإذا شَكَكْنا في المبيحِ؛ رُدَّ إلى أصْلِه. ونَقَلَ ابنُ مَنصورٍ: إذا عَلِمَ أنَّه أَعَانَ؛ لم يأكل (٢)، قال في «الفروع»: ولَيسَ هذا في كلامِ أحمدَ بمُرادٍ. وفي «الفُصول»: إذا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ؛ لم يُبَحْ، لَعَلَّ السَّمَّ أعانَ عليه (٣)، فهو كما لو شَارَكَ السهم (٤) تغريقٌ بالماء (٥). (وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ (٦) فَقَتَلَهُ؛ لَمْ يَحِلَّ)؛ لِأنَّه يَغلِبُ على الظَّنِّ مَوتُه بالمشارِكِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا؛ كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»: أشْهَرُهما، واخْتارَها الخِرَقِيُّ: أنَّه يحرم (٧)؛ لِأنَّه اجْتَمَعَ مُبِيحٌ ومُحرِّمٌ، أشْبَهَ المتولِّدَ بَينَ مأكولٍ وغَيرِه. والثَّانية: يَحِلُّ، وجَزَمَ به أكثرُ الأصْحابِ؛ لِأنَّه قد صار في حُكْمِ الميِّتِ بالذَّبح (٨). وجَوابُه: قَولُه ﵇: «فإنْ وَجَدْتَه غريقًا (٩) في الماء فلا» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١٠)،

стр. 6066

وهذا ظاهِرُ قَولِ ابنِ مَسْعُودٍ، رواهُ سعيدٌ، وإسْنادُه ثِقاتٌ (١). ولا خِلافَ في تحريمه إذا كانت الجِراحُ غَيرَ مُوحِيَةٍ. ويُسْتَثْنَى من ذلك: ما لو وقع (٢) في الماء على وَجْهٍ لا يَقتُلُه، مِثْل أنْ يكونَ رأسُه خارجًا من الماء (٣)، أوْ يكونَ مِنْ طَيرِ الماء الَّذي لا يَقتُلُه الماء (٤)، أوْ كان التَّرَدِّي لا يَقتُلُ مِثْلَ ذلك الحيوان، فلا (٥) خِلافَ في إباحته (٦)؛ لِأنَّ التَّرَدِّيَ والوُقوعَ إنَّما حُرِّمَ خَشْيَةَ أنْ يكونَ قاتِلاً، أوْ مُعِينًا على القَتْلِ، وهذا مُنتفٍ (٧) هُنا. (وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ)، أوْ على شَجَرةٍ، أوْ جَبَلٍ، ولو عبَّرَ بالعُلُوِّ لَعَمَّ، (فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ؛ حَلَّ)؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ زهوق (٨) رُوحِه بالرَّمْي، لا بالوُقُوع. وعَنْهُ: يحلُّ (٩) بجُرْحٍ مُوحٍ، جَزَمَ به في «الرَّوضة»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المَائدة: ٣].

стр. 6067

وجَوابُه: أنَّ سُقوطَه لا يُمكِنُ الاِحْتِرازُ عنه (١)، فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ، كما لو أصابه فَوقَعَ على جنبه (٢)، والماءُ يُمكِنُ الاِحْتِرازُ عَنْهُ بخِلافِ الأرض. (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرُ سَهْمِهِ؛ حَلَّ) في الأشْهَر عن أحمدَ، وهو الأصحُّ؛ لحديثِ عمرو (٣) بن شُعَيبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، أفْتِنِي في سَهْمِي، قال (٤): «ما رَدَّ عَلَيكَ سَهْمُكَ فكُلْ»، قال: فإنْ تَغَيَّبَ عنِّي؟ قال: «وإنْ تَغَيَّبَ عنك، ما لم تَجِدْ فيه غَيرَ سَهْمِك» رواهُ أبو داودَ (٥)، ولِأنَّ جُرْحَه بسَهْمِه سببُ إباحَتِه، وقد وُجِدَ يَقِينًا، والمعارِضُ له مشكوكٌ فيه، وكما لو وَجَدَه بفَمِ كَلْبِه، أوْ وهو (٦) يَعْبَثُ به، أوْ سَهْمهُ فيه. ولا فَرْقَ (٧) بَينَ أنْ تكونَ الجِراحةُ مُوحِيَةً أوْ لا، وَجَدَه مَيِّتًا في يَومِه أوْ فِي غَيرِه، لكِنْ لو غابَ قَبْلَ تَحقُّقِ الإصابة، ثمَّ وَجَدَه عَقِيرًا وَحْدَه، والسَّهْمُ والكَلْبُ ناحِيَةً؛ لم يُبح (٨). (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً؛ حَلَّ)؛ لِأنَّه إذا كان كذلك؛ ظَهَرَ إسْنادُ

стр. 6068

الزُّهوقِ إلَيهِ، (وَإِلَّا فَلَا)؛ أيْ: إذا لم يكن (١) مُوحِيًا؛ لم يَظْهَرْ إسْنادُ الزُّهوق إلَيهِ. (وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَهُ فِي يَوْمِهِ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا)؛ لمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: «إذا رَمَيتَ فأَقْعَصتَ (٢) فكُلْ، وإنْ رميت (٣) فوَجَدَتْ فيه سَهْمَكَ مِنْ يَومك أوْ لَيلتِك؛ فكُلْ، وإنْ غاب عَنْكَ؛ فلا تأكُلْ؛ لأنَّك (٤) لا تَدْرِي ما حدث (٥) بعدَكَ» (٦). لا يُقالُ: الأوَّلُ مُطْلَقٌ، وهذا مُقَيَّدٌ، فيُحمَلُ عَلَيهِ؛ لِأنَّه مبِّينٌ (٧) له، وقد جاء مُصرَّحًا به في حديثِ عَدِيٍّ مَرفُوعًا، قال: «إذا رَمَيتَ الصَّيدَ فَوَجْدَتَه بَعْدَ يَومَينِ، لَيسَ فيه إلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ؛ فكُلْ» (٨). وعَنْهُ: إنْ غاب مُدَّةً قريبةً؛ حلَّ، وإلَّا فلا. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ: إنْ غاب نهارًا؛ حلَّ، لا لَيلاً (٩)، قال ابنُ عَقِيلٍ وغَيره: لِأنَّ الغالِبَ مِنْ (١٠) حالِ اللَّيل تَخطُّفُ الهوامِّ.

стр. 6069

وعَنْهُ: يُكرَهُ أكْلُ ما غَابَ. (وَإِنْ وَجَدَ بِهِ غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِهِ، مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ؛ لَمْ يُبَحْ)، نَصَّ عَلَيهِ (١)؛ للأخبار، وكما لو وجد (٢) مع كَلْبه كَلْبًا سِواهُ، ولم (٣) يَعْتَبِرُوا هنا بالظَّنِّ؛ كالسَّهْم المسْمُومِ. قال في «الفروع»: ويتوجَّهُ التَّسْوِيَةُ لِعَدَم الفَرْق، وأنَّ المرادَ بالظَّنِّ الاِحْتِمالُ. فأمَّا إنْ كان الأَثَرُ مِمَّا لا يَقتُلُ مِثْلُه، فهو مباح (٤)؛ لِأنَّ هذا يُعْلَمُ أنَّه لم يَقْتُلْه. فرعٌ: إذا غاب قَبْلَ عَقْرِه، ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَه أوْ كَلْبَه عليه (٥)؛ ففي «المنتخب» و «المغْنِي»: أنَّه حلالٌ. وعَنْهُ: يَحرُمُ؛ كما لو وَجَدَ سَهْمَه أوْ كَلْبَه ناحية (٦)، وظاهر (٧) رواية الأثرم (٨) وحنبلٍ: حِلُّه، وجزم (٩) به في «الرَّوضة» (١٠). (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ مِنْهُ (١١) عُضْوًا، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ؛ لَمْ يُبَحْ مَا أَبَانَ

стр. 6070

مِنْهُ)، هذا المذْهَبُ، لقوله ﵇: «ما أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» (١). وعَنْهُ: إنْ ذُكِّيَ؛ حَلَّ البائنُ، وإنْ كثُرَ؛ كبقيَّتِه. وإنْ قَطَعَه قِطْعَتَينِ، أوْ قَطَعَ رأسَه؛ حَلَّ الجميعُ. فإنْ لم يبق (٢) فيه حياةٌ مُعتَبَرةٌ؛ فرِوايَتانِ: أشْهَرُهما: إباحَتُهما، رُوِيَ عن عليٍّ (٣). والثَّانِيَةُ: لا يُباحُ ما أبان منه؛ لعمومِ الخَبَرِ. والأوَّلُ المذْهَبُ؛ لِأنَّ ما كان ذكاةً لبَعضِه؛ كان ذكاةً لجَمِيعِه، كما لو قَدَّهُ نِصفَينِ، والخَبَرُ يَقْتَضِي أنْ يكونَ الباقِي حَيًّا حتَّى يكونَ المنفَصِلُ منه مَيِّتًا. (وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ؛ حَلَّ) روايةً واحدةً؛ لِأنَّه لم يَبِنْ. (وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ؛ حَلَّ الْجَمِيعُ) على المشهور؛ كما لو قَطَعَه قِطْعَتَينِ. (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ)؛ للخبر، ولأنَّ ما أُبِينَ منه لا يَمنَعُ بَقاءَ الحياة في العادة، فلم يُبَح (٤)؛ كما لو أدركه الصَّيَّادُ وفيه حياةٌ مُستَقرَّةٌ. وجوابُه سَبَقَ، بدليلِ المذبوح، فإنَّه ربَّما بَقِيَ ساعةً، وربَّما مَشَى حتَّى يَموتَ، ومع هذا هو حلالٌ. (وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ) ونحوِه، (وَأَفْلَتَ حَيًّا؛ أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ)؛ لِأنَّ

стр. 6071

أقصى ما فيه أنَّه مَيِّتةٌ، وميتَتُه حلالٌ؛ للخَبَر (١). تذنيبٌ: قال أحمدُ: لا بأْسَ بصَيدِ اللَّيل (٢)، قال يزيدُ بنُ هارونَ: ما عَلِمْتُ أحدًا كَرِهَه. ولم يَكرَهْ أحمدُ صَيدَ الفِراخ الصِّغار من أوْكارها (٣). وفي «المستوعب»: لا بأْسَ بصَيدِ الصَّيد (٤) الوحْشِيِّ باللَّيل من غَيرِ أوْكارها، ويُكرَه في غَيرِها. وقال الحسَنُ: (لا بأْسَ بالطَّريدة، كان المسلمون يَفعَلون ذلك في مَغازيهم) (٥)، واسْتَحْسَنَه أبو عبد الله، ومَعْناها: أنْ يَقَعَ الصَّيدُ بَينَ القَومِ، فيَقطَعُ كلٌّ منهم قطعةً (٦) بسَيفه، حتَّى يُؤتَى على آخِرِه وهو حيٌّ، قال: ولَيسَ هو عِنْدِي إلَّا أنَّ (٧) الصَّيدَ يقع (٨) بَينَهم لا يَقدِرون على ذكاته، ويأخُذونَه قِطَعًا (٩)، ذَكَرَه في «المغْنِي» و «الشَّرح».

стр. 6072

(وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ؛ كَالْبُنْدُقِ، وَالْحَجَرِ) الَّذي لا حَدَّ له، (وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ؛ فَلَا يُبَاحُ مَا (١) قَتَلَهُ)، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه، إلَّا عن الحسن (٢)، ورَوَى شُعْبةُ، عن سُفْيانَ بن (٣) عُيَينةَ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن سعيد بنِ المسيِّب، قال عَمَّارٌ: «إذا رَمَيتَ بالحَجَر، أو المعراض (٤)، أو البُندُقَة، فذَكَرْتَ اسمَ الله؛ فكُلْ وإنْ قَلَّ» (٥). وجَوابُه: قَولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ … (٣)﴾ الآية [المائدة: ٣]. (لِأَنَّهُ وَقِيذٌ)؛ لِأنَّه قَتَلَه بغَيرِ مُحدَّدٍ، فَوَجَبَ ألَّا يُباحَ؛ كما لو ضَرَبَ شاةً بعَصا فماتَتْ، قال ابنُ قُتَيبةَ: (الموْقُوذةُ: التي تُضرَبُ حتَّى تُوقِذَ؛ أي: تشرف (٦) على الموت) (٧)، قال قتادةُ: «كانوا يَضرِبونها بالعَصَا، فإذا ماتَتْ أكَلُوها» (٨). دليلُ الأكْثَر: ما رَوَى سعيدٌ، ثنا أبو مُعاوِيَةَ، ثنا الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ، عن عَدِيٍّ مرفوعًا: «إذا رَمَيتَ فسَمَّيتَ فخَرَقَتْ؛ فكُلْ، وإنْ لم تخرق (٩) فلا تأكُلْ، ولا تَأكُلْ من المِعْراض إلَّا ما

стр. 6073

ذَكَّيتَ، ولا تأكُلْ من البُندُقَة إلَّا ما ذَكَّيْتَ»، ورواهُ أحمدُ أيضًا، وإبراهيمُ لم يَلْقَ عَدِيًّا (١)، قال في «المغْنِي»: ولو شَدَخَه أوْ خَرَقَه، نَصَّ عَلَيهِ (٢). فائدةٌ: يُكرَه الصَّيدُ بمُثَقَّلٍ لا يَجرَحُ، وعن عبد الله بنِ مُغفَّلٍ قال: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عن الخَذْفِ، وقال: «إنَّها لا تَصِيدُ صَيدًا، ولا تَنكَأُ عَدُوًّا، ولكِنَّها تَكْسِرُ السِّنَّ، وتَفْقَأُ العَينَ» أخرجاه (٣) في «الصَّحِيحَينِ» (٤). (النَّوْعُ (٥) الثَّانِي: الْجَارِحَةُ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ (٦) إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المَائدة: ٤]، قال ابنُ حَزْمٍ: (اتَّفَقُوا فيما إذا (٧) قَتَلَه الكَلْبُ الذِي هو غَيرُ مُعلَّمٍ، وكُلُّ سَبُعٍ (٨) من طَيرٍ أوْ ذِي أرْبَعٍ غَيرِ مُعلَّمٍ، ولم يُدْرَكْ فيه حياةٌ أصْلاً أنَّه (٩) لا يَحِلُّ، ولو ذُكِّيَ) (١٠).

стр. 6074

وحِينَئِذٍ ما قَتَلَتْه الجارحة (١) جَرْحًا، وعَنْهُ: وصَدْمًا، وخَنْقًا، اخْتارَه ابنُ حامِدٍ وأبو محمَّدٍ الجَوزيُّ؛ فيُباحُ. (إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ)، وهو ما لا بَياضَ فيه، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ والمؤلِّفُ: هو (٣) الَّذي لا يُخالِطُ لَونَه لَوْنٌ سِواهُ، وقال ثَعْلَبٌ وإبراهيمُ الحربيُّ: (كلُّ لَونٍ لم يُخالِطْه لَوْنٌ آخَرُ فهو بَهِيمٌ، قِيلَ لهما (٤): مِنْ كلِّ لَونٍ، قالا: نَعَمْ) (٥)، قال أحمدُ: (ما أعْلَمُ أحدًا يُرخِّصُ فيه) (٦)؛ يَعْنِي: من السَّلَف. (فَلَا يُبَاحُ صَيْدُهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٧)؛ لِأنَّه ﵇ أمَرَ بِقَتْلِه، وقال: «إنَّه شَيطانٌ» رواه مسلمٌ (٨)، وهو العِلَّةُ، والسَّوادُ علامةٌ، كما يُقالُ: إذا رأيتَ صاحِبَ السَّلاح فاقْتُلْه، فإنَّه مُرتَدٌّ، فالعِلَّةُ الرِّدَّةُ. ونَقَلَ إسْماعِيلُ بنُ سعيدٍ: الكراهةَ (٩)، وأباحه الأكْثَرُ؛ لِعُمومِ الآيةِ والخَبَرِ، وكغَيرِه من الكِلاب.

стр. 6075

والأوَّلُ المذْهَبُ. وعَنْهُ (١): ومِثْلُه في أحْكامِه ما بَينَ عَينَيهِ بَياضٌ، جَزَمَ به في «المغْنِي» و «الشَّرح». ويَحرُمُ اقْتِناؤه كخنزيرٍ، قال جماعةٌ: يُقتَلُ، فدلَّ على وُجُوبِه، ونَقَلَ مُوسَى بنُ سعيدٍ: لا بأْسَ به (٢). (وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ): (مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ؛ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ)، وفي «المُذهب» و «التَّرغيب»: والنمر (٣)، (فَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ)، لا في وَقْتِ رُؤيته للصيد (٤)، قاله في «المغْنِي» وغَيره، (وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ)؛ لقوله ﵇: «فإنْ أَكَلَ فلا تَأكُلْ، فإنِّي أخافُ أنْ يكون (٥) إنَّما أمْسَكَ على نَفْسِه» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، ولِأنَّ العادةَ في المعلَّم تَرْكُ الأكْل، فكان شَرْطًا؛ كالاِنْزِجار إذا زُجِرَ، وهذا لم يَذْكُرْه الأدَمِيُّ البغداديُّ. قال في «المغْنِي»: لا أحْسَبُ هذه الخِصالَ تُعتَبرُ في غَيرِ الكَلْب، فإنَّه الذي يُجِيبُ صاحِبَه إذا دَعاهُ ويَنزجِرُ إذا زُجِرَ، والفَهْدُ لا يكادُ يُجِيبُ داعيًا، وإنْ عُدَّ مُتعلِّمًا، فيكونُ التعليم (٧) في حقِّه: بتَرْكِ الأكْلِ خاصَّةً، أوْ بما يَعُدُّه أهلُ العُرْف معلَّمًا (٨).

стр. 6076

(وَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ (١)، اخْتارَه الشَّريفُ أبو جعفرٍ وأبو الخَطَّاب، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّه تعلُّمُ صَنْعَةٍ، أشْبَهَ سائرَ الصَّنائع. وقال القاضي: يُعتبر (٢) تكرُّر (٣) ذلك منه حتَّى يَصِيرَ في العُرف مُعلَّمًا، وأقلُّ ذلك ثلاثٌ، نَصَرَه في «المغْنِي»؛ لِأنَّ تَرْكَ الأكْل يَحتَمِلُ أنْ يكونَ لِشِبَعٍ أوْ عارِضٍ، فيُعتَبَرُ تَكْرارُه، وحِينَئِذٍ يُعتَبَرُ ثلاثًا (٤)؛ كالاِسْتِجْمار والأَقْراء والشُّهور في العِدَّة، والصَّنائع لا (٥) يُمكَّنُ مِنْ فِعْلِها إلَّا مَنْ تَعَلَّمَها، وتَرْكُ الأكْل مُمكِنُ الوُجود من المتعلِّم وغَيرِه. فَعَلَى هذا: يَحِلُّ في الرَّابعة، وقِيلَ: مَرَّتَينِ، فيحل (٦) في الثالثة (٧). (فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ؛ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ)، روايةً واحدةً، قاله في «المستوعب»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الكافي» و «الشَّرح»، وصحَّحه في «المحرَّر»، وهو قَولُ أكْثَرهم؛ لِعُمومِ الآية والأخبار، ولِأنَّه قد وُجِدَ مع اجْتِماعِ شُروطِ التَّعليم فيه، فلا يحرم بالاِحْتِمال. وقِيلَ: يَحرُمُ؛ لأِنَّه لو كان مُعلَّمًا ما أَكَلَ. (وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى (٨) الرِّوَايَتَيْنِ)، وهي الصَّحيحةُ؛ لقَولِه ﵇: «فإنْ أكَلَ فلا تَأكُلْ» (٩)، ورواه (١٠) سعيدٌ، ثنا سُفْيانُ، عن

стр. 6077

عمرو بن دينار، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، ورواهُ أيْضًا عن أبي هُرَيرةَ (٢). وقِيلَ: حِينَ الصَّيد، جَزَمَ به ابنُ عَقِيلٍ. وقِيلَ: قَبْلَ مُضِيِّه. ولا يخرج (٣) بأكْلِه عَنْ كَونِه مُعلَّمًا، فيُباحُ صَيدُه بَعْدَ ذلك، وفيه احْتِمالٌ. (وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ)، رُوِيَ عن سعد (٤)، وسلمانَ (٥)،

стр. 6078

وأبي هُرَيرةَ (١)، وابنِ عمرَ (٢)، حكاهُ عنهم أحمدُ (٣)، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المَائدة: ٤]. ولا حُجَّةَ فيها، مع أنَّ حديثَنا هو (٤) المعْمُولُ به وأصَحُّ. فلو شَرِبَ مِنْ دَمِه، ولم يَأكُلْ منه؛ لم يَحرُمْ، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وفي «الانتصار»: مِنْ دَمِه الَّذي جرى (٦)، وكَرِهَه الشَّعْبِيُّ والثَّورِيُّ. (الثَّانِي: ذُو المِخْلَبِ؛ كَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ)؛ لقَولِ ابنِ عبَّاسٍ: «إذا أَكَلَ الكَلْبُ فلا تأكُلْ، وإنْ أكَلَ الصَّقْرُ فكُلْ» رواه الخَلاَّلُ (٧)، ولِأنَّ تعليمَه بالأكل، ويَتعذَّرُ تَعلِيمُه بِدُونِه، فلم (٨) يَقدَحْ في تعليمه، بخِلافِ الكَلْبِ.

стр. 6079

(وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ، أَوْ خَنْقِهِ (١)؛ لَمْ يُبَحْ)، قدَّمه في «الكافي» و «المستوعب» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقاله الأكثرُ؛ لِأنَّه قَتْلٌ بغَيرِ جَرْحٍ، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه بالحَجَر والبُندُق. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ)؛ لِعُمومِ الآية والخبرِ. والأول أَوْلَى؛ لِأنَّ العُمومَ فيهما (٢) مخصوصٌ بما ذُكِرَ من الدَّليل الدالِّ على عَدَمِ إباحَتِه. (وَمَا (٣) أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، كذا في «المحرَّر»، وهما رِوايَتانِ في «الفروع»: أحدُهما: يَجِبُ، قدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية»، وصحَّحه في «المستوعب»؛ كغيره من المَحالِّ. والثَّاني: لا، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ اللهَ تعالى ورسولَه أمرَا (٤) بأكْلِه، ولم يأمرَا (٥) بغَسْلِه.

стр. 6080

(فَصْلٌ) (الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الآْلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ)، فَعَلَى هذا: لو سَقَطَ سَيفٌ مِنْ يَدِه عَلَيهِ، فعَقَرَه، أو احتكَّت (١) شاةٌ بشَفْرةٍ في يَدِه؛ لم يحلَّ (٢). (فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ، أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ؛ لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ) في قَولِ أكْثرِهم. وقال عَطاءٌ والأوْزاعِيُّ: يُؤكَلُ إذا جَرَحَه الصَّائدُ. وقال إسحاقُ: إذا سَمَّى عِنْدَ انْفِلاتِه؛ أُبِيحَ. وروى بإسناده (٣) عن ابن عمرَ: أنَّه سُئِلَ عن الكِلابِ تنفلت من (٤) مَرابِطِها، فتَصِيدُ الصَّيدَ، قال: «إذا سمَّى فكُلْ» (٥)، قال الخَلاَّلُ: هذا على مَعْنَى قَولِ أبي عبد الله. وجوابُه: قَولُه ﵇: «إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المعلَّمَ، وذَكَرْتَ اسمَ الله عَلَيهِ؛ فكُلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، ولأِنَّ إرْسالَ الجارِحةِ جُعِلَ بمَنزلةِ الذَّبْح، ولهذا اعْتُبِرَت التَّسمِيَةُ معه. (وَإنْ زَجَرَهُ)؛ أيْ: لم يَحِلَّ؛ لِأنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا عَنِ اسْتِرْسَالِ الصَّائِدِ بِنَفْسِهِ، (إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ؛ فَيَحِلُّ (٧)؛ لِأنَّ زَجْرَه له أثَرٌ في عَدْوِه،

стр. 6081

فصار كما لو أرْسَلَه؛ لِأنَّ فِعْلَ الآدَمِيِّ إذا انْضافَ إلى فِعْلِ البهيمة؛ كان الاِعْتِبارُ بفِعْلِ الآدَمِيِّ، بدليلِ ما لو عدا على (١) إنسان، فأغْراهُ آدَمِيٌّ فأصابَه؛ ضَمِنَ. فلو أرْسَلَه بغَيرِ تسميةٍ، ثُمَّ سَمَّى وزجره (٢)، فزاد عَدْوُه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ: إباحتُه؛ لِأنَّه انْزَجَرَ بتسمِيَتِه (٣) وزَجْرِه (٤)، أشْبَهَ التي قبلها (٥). وقال القاضي: لا؛ لِأنَّ الحُكْمَ تعلَّق بالإرسال الأوَّل، بخِلافِ ما إذا اسْتَرْسَلَ بنَفْسِه. ونَقَلَ حرْبٌ: إنْ صادَ مِنْ غَيرِ أنْ يُرسِلَه لا يُعجِبُنِي، واحتجَّ: بأنَّه لم يَذكُر اسْمَ الله عَلَيهِ (٦). وفي «الرَّوضة»: إنِ اسْتَرْسَل الطائرُ بنفسه، فصاد وقَتَلَ؛ حَلَّ وأُكِلَ منه، بخِلافِ الكلب. (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ)، وهو كلُّ مُرتَفِعٍ مِنْ بِناءٍ، أوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، أوْ جَبَلٍ، (فَقَتَلَ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرَى صَيْدًا؛ لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِذَا قَتَلَهُ)؛ لِأنَّ قَصْدَ الصَّيد شَرْطٌ، ولم يُوجَدْ. وقِيلَ: لا يَحرُمُ في السَّهْم. (وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا؛ لَمْ يَحِلَّ)، قدَّمه السَّامرِّيُّ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه لم يَقصِدْ صَيدًا على الحقيقةِ (٧)، وكما لو أرْسلَه

стр. 6082

على غَيرِ شَيءٍ، أوْ ظَنَّه أوْ عَلِمَه غَيرَ صَيدٍ فأصاب صَيدًا. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ (١) يَحِلَّ)، اختاره في «المغْنِي»؛ لِأنَّ صِحَّةَ القَصْد تنبني (٢) على الظَّنِّ، وقد وُجِدَ وصحَّ قَصْدُه، وكما لو رَمَى صَيدًا فأصاب غيره أو (٣) هو وغَيرَه، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، فإنْ شَكَّ هل هو صَيدٌ أمْ لا؛ لم (٥) يُبَحْ؛ لِأنَّ صِحَّةَ القَصْدِ تنبني (٦) على العِلْم، ولم يوجد (٧). تتمةٌ (٨): إذا قَصَدَ إنسانًا أوْ حَجَرًا، أوْ رَمَى عَبَثًا غَيرَ قاصدٍ (٩) صَيدًا، فَقَتَلَه؛ لم يَحِلَّ؛ لأِنَّه لم يَقصدْ صَيدًا؛ لكَونِ القَصْد لا يَتحقَّقُ إلَّا بعِلْمِه. وإنْ ظَنَّه صيدًا (١٠)، فإذا هو صَيدٌ؛ حَلَّ، وإنْ ظنَّه كلبًا أوْ خِنْزيرًا؛ لم يُبَحْ. قال في (١١) «الرعاية»: وإنْ رَمَى ما ظنه (١٢) حجرًا أوْ آدَمِيًّا، فبان صَيدًا، أوْ رَمَى حَجَرًا ظَنَّه صَيدًا، فأصاب (١٣) صَيدًا، أوْ سَمِعَ حسًّا لَيلاً، أوْ رَأَى سَوادًا فأرْسَلَ عَلَيهِ جارِحةً أوْ سَهْمَه، فأصاب صَيدًا؛ فوَجْهانِ.

стр. 6083

وقِيلَ: إنْ ظَنَّه آدَمِيًّا مَعْصومًا، أوْ بهيمةً، أوْ حَجَرًا، فَقَتَلَه، فإذا هو صَيدٌ؛ لم يُبَحْ. (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ غَيْرَهُ؛ حَلَّ)، والجارِحُ كالسَّهْم في هذا، نَصَّ عليه (١)؛ لعمومِ الآية والخبر، ولِأنَّه أرسله (٢) على صَيدٍ، فحلَّ ما (٣) صاده، كما لو أرْسَلَها على كِبارٍ فتفرقت عن صِغارٍ، أوْ كما لو أخَذَ صَيدًا في طريقه. (أَوْ رَمَى صَيدًا، فَقَتَلَ جَمَاعَةً؛ حَلَّ (٤)؛ لأِنَّ شَرْطَ الحِلِّ قَصْدُ الصَّيد في الجملة، لا قَصْدُ الصَّيد بعَينه، وهو مَوجُودٌ فيهما. (وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ، فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَتْهُ (٥)، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ (٦)؛ حَلَّ)؛ لأنَّه (٧) قَتَلَه بسَهْمِه ورَمْيِه، أشْبَهَ ما لو وَقَعَ سَهْمُه على حَجَرٍ، فردَّه على الصَّيد فَقَتَلَه، ولِأنَّ الإرْسالَ له حُكْمُ الحِلِّ، والرِّيحُ لا يُمكِنُ الاِحْتِرازُ عنها، فَسَقَطَ اعْتِبارُها. (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ؛ مَلَكَهُ)؛ لِأنَّه أزال امْتناعَه، أشْبَهَ ما لو قَتَلَه، (فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ؛ لَزِمَهُ رَدُّهُ)؛ لأِنَّه مَلكَهُ فَلَزِمَه، كما يَلزَمُه ردُّ ملْكِ غَيرِه؛ كالشَّاة ونحوِها. (وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ (٨)، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ) أوْ غَيرَها، (فَأَخَذَهُ؛ فَهُوَ لآِخَذِهِ)؛ لِأنَّ الأوَّلَ لم يَملِكْه؛ لكَونِه مُمْتَنِعًا، فَمَلَكَه الثَّاني بأَخْذِه.

стр. 6084

وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ خَرَجَ منها، وإلَّا فلا. وقِيلَ: هو لِصاحِبِ الخَيمة. ولو نَصَبَ خَيْمةً للأخْذ؛ مَلَكَه، وإنْ مات فيها؛ فهو له. فرعٌ: إذا رَمَى طَيرًا على شَجرةٍ في دارِ قَومٍ، فَطَرَحَه في دارهم فأخَذُوهُ؛ فهو للرَّامِي؛ لأِنَّه مَلَكَه بإزالةِ امْتِناعِه، ذَكَرَه في «الشَّرح». وفي «عيون المسائل»: إنْ حَمَلَ نفسَه فَسَقَطَ خارِجَ الدَّار؛ فهو له، وإنْ سَقَطَ فيها؛ فهو لهم. وفي «الرِّعاية»: لغَيرِه أخْذُه على الأصحِّ. والمنصوصُ: أنَّه للمُوحِي. (وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ) أوْ فَخِّه أوْ شَرَكِه (صَيْدٌ)؛ فهو له؛ لِأنَّه أثْبَتَه بآلته. (فَإِنْ خَرَقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ؛ فَهُوَ لِلثَّانِي)؛ لِأنَّه لم يَمْلِكْه الأوَّلُ، وما معه لقطةٌ. فإنْ كان يَمْشِي بالشَّبكة على وَجْهٍ لا يَقدِرُ على الاِمْتِناع؛ فهو لصاحبها، لكِنْ إنْ أمْسَكَه الصَّائدُ، وثَبَتَتْ يَدُه عَلَيهِ، ثُمَّ انْفَلَتَ منه؛ لم يَزُلْ ملكُه عنه؛ كما لو شردت (١) فَرَسُه، أوْ نَدَّ بعيرُه. ويُسْتَثْنَى مِنْ ذلك: ما لو صاده فَوَجَدَ عَلَيهِ علامةً؛ كقِلادةٍ في عُنُقِه أوْ قُرْطٍ في أُذُنه. فلو وَجَدَ طائرًا مَقْصوصَ الجَناح؛ فلُقطةٌ. ويَملِكُ الصَّيدَ بإلْجائه إلى مَضِيقٍ يعجز (٢) عن الإفلات (٣) منه، وكذا إذا

стр. 6085

وَقَعَ في دَبَق (١) يمنعه (٢) الطَّيران. (وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ؛ فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «المستوعب» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ السَّمَكَ من الصَّيد المباح، فمُلِكَت بالسَّبق إليها؛ كما لو فَتَحَ حِجْرَه للأخذ، زاد في «الوجيز»: ما لم تكن (٣) السَّفينةُ مُعَدَّةً للصَّيد في هذا الحال. وقيلَ: هو قَبْلَ أنْ يَأخُذَه على الإباحة، فيكون لمَنْ أَخَذَه. ومُقتَضاهُ: أنَّها إذا وَقَعَتْ في السَّفينة؛ فهي لصاحبها؛ لِأنَّ السَّفينةَ ملْكُه، ويَدُه عَلَيها. لكِنْ إنْ كانَت السَّمكةُ وثَبَتْ بفِعْلِ إنْسانٍ لِقَصْدِ الصيد (٤)؛ فهي له دُونَ مَنْ وَقَعَتْ في حِجْرِه؛ لِأنَّ الصَّائدَ أثْبَتَها بذلك. فرعٌ: إذا دَخَلَتْ ظَبْيةٌ دارَه، فأغْلَقَ بابَه وجَهِلَها، أو لم (٥) يَقصدْ تملُّكها، ومِثْلُه إحْياءُ أرضٍ (٦) بها كنزٌ؛ مَلَكَه، كنَصْبِ خيمته (٧). وفي «التَّرغيب»: إنْ دَخَلَ الصَّيدُ دارَه فأغْلَقَ بابَه، أوْ بُرْجَه فسَدَّ (٨) المنافِذَ، أوْ حَصَلَت السَّمكةُ في بِرْكَتِه فسَدَّ مَجْرَى الماء؛ فقِيلَ: يَملِكُه،

стр. 6086

وقِيلَ: إنْ سَهُلَ تناوله (١) منه (٢)، وإلَّا كمتحجِّرٍ (٣) للإحياء، ويَحتَمِلُ اعْتِبارُ قَصْدِ التَّملُّك بغَلْقٍ وسَدٍّ. فعلى الأوَّل: ما يَبْنِيهِ النَّاسُ مِنْ الأبْرِجة، فيعشِّش (٤) بها الطُّيورُ؛ يَملِكون الفِراخَ، إلَّا أنْ تكونَ الطُّيورُ مَمْلوكةً، فهِي لِأرْبابِها، نَصَّ عَلَيهِ (٥). ولو تحوَّلَ طَيرٌ من بُرْجِ زَيدٍ إلى بُرْجِ عَمْرٍو؛ لَزِمَ عمرًا (٦) ردُّه، وإن اخْتَلَطَ ولم يَتمَيَّزْ؛ مُنِعَ عَمْرٌو من التَّصرُّف على وَجْهٍ يَنقُل الملْكَ حتَّى يَصطَلِحا، ولو باعَ أحدُهما الآخَرَ حقَّه، أوْ وَهَبَه؛ صحَّ في الأقْيَس. (وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ؛ فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ)؛ لِأنَّها آلةٌ للصَّيد، قَصَدَ بها السَّمَكَ، فَمَلَكَه، وكما لو وَقَعَ في شبكته (٧)، أوْ فخِّه (٨)، أوْ مِنجَلٍ. (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ (٩)؛ كما لو توحَّل (١٠) الصَّيدُ في أرْضِه. وفي «التَّرغيب»: ظاهِرُ كلامِه: يَملِكُه بالتوحُّل (١١).

стр. 6087

(وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهِ طَائِرٌ؛ لَمْ يَمْلِكْهُ)؛ لِأنَّ الأرضَ لَيسَتْ مُعدَّةً لذلك، أشْبَهَ البِرْكةَ الَّتي لم يُقصَدْ بها الاِصْطِيادُ، نَقَلَ صالِحٌ وحنبلٌ، فِيمَنْ صاد مِنْ نَخْلةٍ بدارِ قَومٍ: فهو له، فإنْ رماهُ بِبُندُقةٍ فَوَقَعَ فيها (١) فهو لأِهْلِها (٢). (وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ) على الأصحِّ، قالَهُ في «الرِّعاية»؛ كما يَجُوزُ له أخْذُ الماء والكَلَأ، ولِأنَّه باقٍ على الإباحة الأصلية، لكِنْ يَأثَمُ بدُخولِها بِدُونِ إذْنِ ربِّها. وقِيلَ: مُسْتَأْجِرُها أَوْلَى مِنْ ربِّها. والمنصوصُ: أنَّه للمُؤْجِر (٣). (وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ)، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا فيه من أكْلِ السَّمَك للنَّجاسة، فتصير (٤) كالجَلاَّلة. وعنه: يَحرُم، قدَّمه في «الفُروع»، ونقله (٥) الأكثرُ، وقال: اسْتَعِنْ عَلَيهِم بالسُّلطان (٦). وفي «المبهج»: فيه وبمحرَّم (٧) رِوايَتانِ. وكَرِهَ أحمدُ الصَّيدَ ببَناتِ وَرْدَانَ، وقال: مأواها (٨) الحُشوشُ (٩)، وكذا بالضَّفادِع.

стр. 6088

(وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشَّبَاشِ)، وهُو طائرٌ تُخاطُ عَينَيه ويُربَطُ؛ لِأنَّ فيه تعذيبًا للحيوان. وكذا يُكرَه مِنْ وَكْرِه (١)، أطْلَقَه في «التَّرغيب» وغَيره، لا بليلٍ، وظاهِرُ روايةِ ابنِ القاسِمِ: لا (٢)، كالفَرْخِ منه. ولا (٣) بما يُسكِرُ، نَصَّ على ذلك (٤). وفي «مختصر ابن رزين»: يُكرَه بلَيلٍ. فائدةٌ: لا بأْسَ بشبكةٍ، وفَخٍّ، ودبق (٥)، قال أحمدُ: وكلِّ حيلةٍ (٦). وذَكَرَ جماعةٌ: يُكرَه بمُثَقَّلٍ كبُندُقٍ، وكره (٧) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين الرَّمْي به مُطلَقًا؛ لِنَهْيِ عُثْمانَ (٨).

стр. 6089

ونَقَلَ ابن (١) منصورٍ: لا بَأْسَ ببَيعِ البُندُق، يُرمَى به الصَّيدُ، لا للعَبَث (٢). وقال ابنُ هُبَيرةَ: هو معصيةٌ. فلو مَنَعَه الماءَ حتَّى صاده؛ حَلَّ أكْلُه، وحرَّمه في «الرِّعاية». ونقل (٣) حنبلٌ: لا يُصادُ الحَمامُ إلَّا أنْ يكونَ وَحْشِيًّا (٤). (وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ؛ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) في ظاهر المذهب، وذَكَرَه ابنُ حَزْمٍ إجْماعًا (٥)؛ كبهيمةِ الأنعام، وكانْفِلاته، أوْ نَدَّ أيَّامًا، ثُمَّ صادَه آخَرُ، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، ولِأنَّ الإرْسالَ والإعْتاقَ لا يُوجِبُ زَوالَ ذلك، قال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَجُوزُ أعتقتك في حَيَوانٍ مأْكُولٍ؛ لأِنَّه فِعْلُ الجاهِلِيَّةِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ (٧) مَنْ أَخَذَهُ)؛ لِأنَّ الأصْلَ الإباحةُ، والإرْسالُ يَرُدُّه إلى أصْلِه، بخِلافِ بهيمةِ الأنعام، ولِأنَّ الإرسالَ هنا بعيدٌ، وهو ردُّ الصَّيد إلى الخلاص من أيدي الآدميين، ولهذا رُوِيَ عن أبي الدَّرداء: «أنَّه اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صبِيٍّ، فأطْلَقَه» (٨)، ولأِنَّه يَجِبُ إرْسالُه على المحْرِم إذا أحْرَمَ، بخِلافِ بهيمةِ الأنعام. قال بعضُ أصْحابِنا: العِتْقُ إحْداثُ قُوَّةٍ تصادف الرِّقّ، وهو ضعفٌ (٩)

стр. 6090

شرعيٌّ يَقُومُ بالمحلِّ (١)، فيَمنَعُه عن دفع (٢) يد الاِسْتِيلاء عنه، والرِّقُّ غَيرُ المالِيَّة.

стр. 6091

(فَصْلٌ) (الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ (١) في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعَام: ١٢١]، وللأخبار، (عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ)؛ لِأنَّ ذلك هو الفِعْلُ الموجودُ من المرْسِلِ، فاعْتُبِرت التَّسمِيَةُ عِنْدَه؛ كما تعتبر (٢) عِنْدَ الذَّبْح، وذَكَرَ جماعةٌ: أوْ قَبْلَه قريبًا، فُصِلَ بكَلامٍ أوْ لا. (فَإِنْ تَرَكَهَا؛ لَمْ تُبَحْ (٣)، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (٤) فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»، وذَكَرَ القاضي في «الخلاف»: أنَّه المذْهَبُ الصَّحيحُ، وأنَّه رواهُ الجماعةُ، للآية والأخبار (٥). والفَرْقُ بَينَ الصَّيد والذَّبِيحة: أنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ في مَحلِّه، فجاز أنْ يُسامَحَ فِيهِ، بخِلافِ الصَّيد، ولأِنَّ في الصَّيد نُصوصًا خاصَّةً، ولِأنَّ الذَّبِيحةَ تَكثُرُ ويَكثُرُ النِّسْيانُ فيها. (وَعَنْهُ: إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ؛ أُبِيحَ)؛ لقوله ﵇: «عُفِيَ لِأُمَّتِي (٦) الخطأ والنِّسيان» (٧)، (وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ؛ لَمْ تُبَحْ)، والفَرْقُ بَينَهما: أنَّ السَّهْمَ آلةٌ حقيقةً، ولَيسَ له اخْتِيارٌ، بخِلافِ الحَيَوان، فإنَّه يَفعَلُ باخْتِياره.

стр. 6092

وعنه: تسقط (١) مع السَّهو مُطلَقًا، ذَكَرَه ابنُ حَزْمٍ إجْماعًا (٢)، قال الخَلاَّلُ: سَهَا حنبلٌ في نَقْلِه. وعَنْهُ: سُنَّةٌ، نقل (٣) الميْمُونِيُّ (٤): الآيةُ في الميْتَة، وقد رخَّص أصحابُ النَّبيِّ ﷺ في أكْلِ ما لم يُسَمَّ عَلَيهِ (٥). وعَنْهُ: يَختَصُّ المسْلِمُ باشْتِراطها، ونَقَلَ حنبلٌ عَكْسَهَا (٦)؛ لِأنَّ المسلِمَ فيه اسْمُ الله، ولَيسَ جاهِلٌ كَنَاسٍ؛ كالصَّوم، ذكره (٧) في «المنتخب»، وسَبَقَ ما يتعلَّق بذلك. مسألةٌ: إذا سَمَّى على سَهْمٍ، ثُمَّ ألْقاهُ وأخَذَ غَيرَه؛ لم يُبَحْ ما صاد به، جَزَمَ به في «الشَّرح» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّه لمَّا لم يُمكِن اعْتِبارُ التَّسمِيَة على صَيدٍ بعَينِه؛ اعْتُبِرتْ على الآلة التي يَصِيدُ بها، بخِلافِ الذَّبيحة. وقِيلَ: يباح (٨)؛ كما لو سمَّى على سِكِّينٍ، وأخَذَ غَيرَها (٩).

стр. 6093

(كِتَابُ (١) الْأَيْمَانِ) وهي جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ القَسَمُ، والجَمْعُ: أيْمُنٌ وأيْمانٌ، سُمِّيَ بذلك؛ لِأنَّه كان أحدُهم يَضرِبُ يَمِينَه على يَمِينِ صاحِبِه. فاليمين (٢): تَوكِيدُ الحُكْم بذِكْرِ مُعظَّمٍ، على وجهٍ (٣) مخصوصٍ، فهي جملةٌ خَبَريَّةٌ يُؤكَّد بها أخْرى، وهما كشرطٍ وجَزاءٍ. والأصْلُ فيها الإجماعُ (٤)، وسَنَدُه قَولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المَائدة: ٨٩]، وقَولُه: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النّحل: ٩١]، والسُّنَّةُ شهيرةٌ بذلك، منها قَولُه ﵇ لعَبدِ الرَّحمن بنِ سَمُرةَ: «إذا حَلَفْتَ على يمينٍ فرأيتَ غَيرَها خَيرًا منها؛ فأْتِ الَّذي هو خَيرٌ، وكفِّرْ عن يمينك» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٥). وَوَضْعُها في الأصل لتأكيد (٦) المحْلُوفِ عَلَيهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يُونس: ٥٣]، و ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التّغَابُن: ٧]. ويَصِحُّ مِنْ كلِّ مُكلَّفٍ، مُختارٍ، قاصِدٍ لليَمِينِ. ولا يَصِحُّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ؛ للخبر (٧)، ولِأنَّه قَولٌ يَتعلَّق به حقٌّ؛ فلم يَصِحَّ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ كالإقرار، وفي الممَيِّز وَجْهٌ، قالَهُ في «المُذهب».

стр. 6094

وفي السَّكْران وَجْهانِ، بِنَاءً على التَّكليف وعَدَمِه، قاله في «المغْنِي» و «الشَّرح»، وبَناهُ في «الكافي» على طلاقه. ويصحُّ (١) من الكافر، وتلزمه (٢) الكفَّارة بالحنث، نَصَّ عَلَيهِ في مَواضِعَ، وقاله جَمْعٌ. وقال أبو ثور وأصحاب الرأي (٣): لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التّوبَة: ١٢]، ولِأنَّه لَيسَ بمُكلَّفٍ. وجَوابُه: «أنَّ عمرَ نَذَرَ في الجاهِلِيَّة أنْ يَعتَكِفَ، فأَمَرَه النَّبيُّ ﷺ بالوفاء بنَذْرهِ» (٤)، ولأنَّه (٥) من أهْلِ القَسَم؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المَائدة: ١٠٦]، قال القاضي في «الخلاف»: ولا خِلافَ أنَّه يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الحاكم، وكلُّ مَنْ صحَّتْ يمينُه عِنْدَ الحاكم؛ صحَّتْ منه عند الاِنْفِرادِ؛ كالمسلم. وعن الآية: أنَّهم لا يَفُون (٦) بها؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التّوبَة: ١٣]، ولا نُسلِّم أنَّه غَيرُ مُكلَّفٍ. (وَالْيَمِينُ) تنقسمُ (٧) خمسةَ أقْسامٍ: واجِبٌ: كالتي يُنجِّي بها إنسانًا مَعْصُومًا من هَلَكَةٍ، وكذا إنْجاءُ نَفْسِه، مِثْلَ أنْ تَتوَجَّهَ (٨) أيْمانُ القسامة في (٩) دَعْوَى القَتْل عَلَيهِ، وهو بَرِيءٌ.

стр. 6095

ومَندُوبٌ: كحَلِفٍ يتعلَّق (١) به مصلحةٌ، مِنْ إصْلاحٍ بَينَ مُتخاصِمَينِ. وإنْ حَلفَ على فِعْلِ طاعةٍ، أوْ تَرْك (٢) معصيةٍ؛ فَقِيلَ: هو (٣) مندوبٌ؛ لِأنَّ ذلك يَدْعُوهُ إلى فِعْلِ الطَّاعة وتَرْكِ المعْصِيَة. وقِيلَ: لا؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصْحابَه لم يكونوا يَفْعَلونَه في الأَغْلَب، ولو كان طاعةً لم يُخِلُّوا به، ولِأنَّ ذلك يَجْرِي مُجْرَى النَّذْر. ومُباحٌ: كالحَلِف على فِعْلِ مُباحٍ، أوْ تَرْكِه (٤)، والحَلِفِ على الخبر بشيءٍ هو صادِقٌ فيه، أوْ يظنُّ (٥) أنَّه صادِقٌ. ومكروهٌ: كالحَلِفِ على تَرْكِ مَكروهٍ (٦)، ولا يَلزَمُ حديثُ الأعرابيِّ: «والذي بعثك بالحقِّ لا أَزِيدُ على هذا ولا أنْقُصُ» (٧)؛ لِأنَّ اليمينَ على تَرْكها لا يَزيد (٨) على تَرْكِها، ولو تَرَكَها لم يُنكَرْ عَلَيهِ، ومنه: الحَلِفُ على البيع والشِّراء. وحَرامٌ: وهو الحَلِفُ الكاذِبُ، ومنه: الحَلِفُ على معصيةٍ، أوْ تَرْكِ واجِبٍ. ومتى كانَت اليمينُ (٩) على فِعْلِ واجِبٍ، أوْ تركِ (١٠) مُحرَّمٍ، فحَلُّها حرامٌ.
следующие страницы →