← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

كالشَّرط وجوابه (١)، وخبر (٢) المبتدأ، والاِسْتِثناءِ ب «إلَّا». فعلى هذا: لو سَكَتَ لِانْقِطاعِ نَفَسِه، أوْ عَطَسَ، ونحوِه؛ لم يَمنَعْ صِحَّةَ الاِسْتِثْناء. وعَنْهُ: ومع (٣) فَصْلٍ يَسِيرٍ، ولم يتكلَّمْ، جَزَمَ به في «عيون المسائل»، قال في روايةِ أبي داودَ حديث ابنِ عبَّاسٍ: «واللهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيشًا»، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قال: «إنْ شاءَ اللهُ» (٤)، ثُمَّ لم يَغزُهم، إنَّما هو اسْتِثْناءٌ بالقُرْب، ولم يَخلِطْ كلامَه بغَيرِه (٥)، ونَقَلَ عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ مِثلَه (٦)، ويَحتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ، فإنَّه قال: إذا لم يكُنْ بَينَ اليمينِ والاِسْتِثْناءِ كلامٌ. وعَنْهُ: وفي المجلس، وحكاه في «الإرشاد» (٧) عن بعضِ أصحابنا. قدَّم الاسْتِثْناءَ على الجزاء أو أخَّرَه.

стр. 6127

وعن ابنِ عبَّاسٍ: إذا اسْتَثْنَى بعدَ سنةٍ فله ثُنْياهُ (١)، وهو قَولُ مُجاهِدٍ، وهذا لا يَصِحُّ. قال أحمدُ: (حديثُ النَّبيِّ ﷺ لعبدِ الرَّحْمَن بنِ سَمُرَةَ: «إذا حَلَفْتَ على يمينٍ … » الخبرَ (٢)، ولم يَقُلْ: فاستثن، ولو جازَ لأمر (٣) به) (٤)، وحَمَلَه في مَوضِعٍ آخَرَ على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ … (٢٣)﴾ [الكهف: ٢٣]، فهذا اسْتِثْناءٌ من الكَذِب؛ لِأنَّ الكَذِبَ لَيسَ فيه كفَّارةٌ، وهو أشدُّ من اليمين؛ لِأنَّ اليمينَ تُكفَّرُ، والكَذِبُ لا يُكفَّرُ (٥). قال ابنُ الجَوزيِّ: فائدتُه الخُروجُ من الكَذِب. وفي «المبهج» (٦): ولو تكلَّم. ويُشتَرَط نُطْقُه، إلَّا مِنْ مَظلومٍ خائفٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٧)، ولم يَقُلْ في «المستوعب»: خائفٍ؛ لِأنَّ يمينَه غَيرُ منعقدة، أوْ لِأنَّه بمَنزلَةِ المتأوِّل (٨).

стр. 6128

وفي اعْتِبارِ قَصْدِ الاِسْتِثْناءِ وَجْهانِ، فائِدتُهما: فِيمَنْ سَبَقَ على لِسانِه عادةً، أوْ أتى به تَبرُّكًا، ولم يَعتَبِرْه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (١). وإن (٢) شكَّ في الاِسْتِثْناء؛ فالأصْلُ عَدَمُه، قال الشَّيخُّ تقيُّ الدِّين: إلَّا مِمَّنْ عادَتُه الاِسْتِثْناءُ، واحْتَجَّ بالمسْتحاضة تَعمَلُ بالعادة والتَّمييز، ولم تَجلِسْ أقلَّ الحَيض، والأصْلُ وُجوبُ العبادة (٣). (وَإِذَا (٤) حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ؛ تَقَيَّدَ (٥) بِهِ)؛ لِأنَّ النِّيَّةَ تَصرِف ظاهِرَ اللَّفْظِ إلى غَيرِ ظاهِرِه، فلأن تَصْرِفَه إلى وَقْتٍ آخَرَ بطَريقِ الأَوْلَى. (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ (٦) مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (٧)؛ لقَولِ عمرَ: يا رسولَ الله ألَمْ تُخبِرْنا أنَّا سنأتي البَيتَ ونَطوفُ به! قال: «بلى! أفأخبرتُكَ (٨) أنَّك تَأْتِيه (٩) العامَ؟» قال: لا، قال: «فإنَّك آتِيهِ ومُطَّوِّفٌ (١٠) به» (١١) ولِأنَّ المحلوفَ على فِعْلِه لم

стр. 6129

يَتَوَقَّت (١) بوقت (٢) مُعَيَّنٍ، وفِعْلُه مُمكِنٌ، فلم تحصل (٣) مُخالَفةُ ما حَلَفَ عَلَيهِ، وذلك يُوجِبُ عَدَمَ الحِنْث؛ لِأنَّ شَرْطَه المخالَفةُ. (وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيرَها خَيْرًا مِنْهَا؛ اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفروع»؛ لأِخْبارٍ، منها خَبرُ عبدِ الرَّحْمنِ بنِ سَمُرَةَ (٤)، وأبي مُوسَى، مُتَّفَقٌ عَلَيهِما (٥)، وعن عائشةَ: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ لم يَحنَثْ في يمينٍ حتَّى أنْزَلَ اللهُ كفَّارةَ اليمين، فقال: «لا أحْلِفُ على يمينٍ فأرى غَيرَها خَيرًا منها؛ إلَّا أتَيتُ الَّذي هو خَيرٌ، وكفَّرْتُ عن يَمِينِي» رواه البُخارِيُّ (٦). وقدَّم في «التَّرغيب»: أنَّ بِرَّه وإقامَتَه على يمينه أَوْلَى. وسَبَقَ تَقْسيمُه إلى الخمسة. (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ)، كذا في «المستوعب» و «الفروع»، وظاهِرُه الكراهةُ، وصرَّح بها (٧) في «الرِّعاية»؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠)﴾ [القَلَم: ١٠]، هذا ذَمٌّ له يَقتَضِي كراهةَ فِعْلِهِ. فإن (٨) لم يَخرُجْ إلى حدِّ الإكثار (٩)؛ فلَيسَ بمكروه، إلَّا أن (١٠) يَقتَرِنَ به

стр. 6130

ما يَقتَضِي كراهَتَه. ونَقَلَ حنبلٌ: لا تُكثِر (١) الحَلِفَ؛ لأنَّه (٢) مكروهٌ (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤]، وبعضُهم كَرِهَه مُطلَقًا. وجَوابُه: بأنَّه ﵇ حَلَفَ في (٤) غَيرِ حديثٍ، ولو كان مكروهًا كان أبعدَ النَّاس منه، وأمَّا الآيةُ فمَعْنَاها: لا تَجْعَلُوا أيْمانَكم بالله نافعةً (٥) لكم من البِرِّ والتَّقْوَى، والإصْلاح بَينَ النَّاس، قال أحمدُ وذَكَرَ حديثَ ابنِ عبَّاسٍ بإسْنادِه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البَقَرَة: ٢٢٤]: «الرَّجُلُ يَحلِفُ ألَّا يَصِلَ قَرابَتَه، وقد جَعَلَ اللهُ له مَخرَجًا في التَّكْفِير، فليكفر (٦) عن يمينه ويَبَرَّ» (٧). وإنْ كان النَّهْيُ عاد إلى اليمين؛ فالنَّهْيُ عنه (٨): الحَلِفُ على قَولِ البِرِّ والتَّقْوَى والإصْلاح بَينَ النَّاس، لا على كلِّ يمينٍ. (وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ؛ اسْتُحِبَّ)، وفي «الفروع» وغَيرِه: فالْأَوْلَى، (افتِدَاءُ يَمِينِهِ)؛ لمَا روي: «أنَّ (٩) عُثْمان والمِقْداد تَحاكَما

стр. 6131

إلى عمرَ في مالٍ اسْتَقْرَضَه المقْدادُ، فجَعَلَ عمرُ اليمينَ على المقْداد، فردَّها على عُثْمانَ، فقال عمرُ: لقد أنْصَفَكَ، فأخَذَ عُثْمانُ ما أعْطاهُ المِقْدادُ، ولم يَحلِفْ، فقِيلَ له في ذلك، فقال: خِفْتُ أنْ تُوافِقَ (١) قَدَرَ بَلاءٍ، فيُقالُ: يَمِينُ عُثْمانَ» (٢). (فَإِنْ حَلَفَ؛ فَلَا بَأْسَ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»، قال بعضُ أصحابِنا: تَرْكُه أَوْلَى، فيكونُ مَكرُوهًا. والأَشْهَرُ: أنَّه لَيسَ بمَكْروهٍ، وإنَّما هو مُباحٌ؛ كتَرْكِه؛ لِأنَّ اللهَ تعالى أَمَرَ نَبِيَّه ﵇ أنْ يَحلِفَ على تصديقِ ما أخْبَرَه في ثلاثةِ مَواضِعَ في القرآن، في سَبَأ، ويس (٣)، والتَّغابُن (٤)، وقال عمرُ على المنبر وفي يده عصًا: «أيُّها النَّاسُ لا تمنعْكُم (٥) اليمينُ من (٦) حُقوقِكم» (٧)، ولِأنَّه حَلِفُ صِدْقٍ على حقٍّ،

стр. 6132

أشْبَهَ الحَلِفَ عِنْدَ غَيرِ الحاكم (١). قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ فيه (٢): يُسْتَحَبُّ لمَصْلَحَةٍ؛ كزِيادةِ طُمَأْنِينَةٍ، وتَوكِيدِ الأمر وغَيرِه، ومنه قَولُه ﵇ لِعُمَرَ عن (٣) صلاةِ العصر: «واللهِ ما صَلَّيْتُها» (٤)؛ تَطْمِينًا منه لِقَلْبِه. فرعٌ: ذَكَرَ في «المستوعب» و «الرِّعاية»: أنَّه إن (٥) أراد اليمينَ عِنْدَ غَيرِ الحاكم؛ فالمشْرُوعُ أنْ يقولَ: والَّذي نَفْسِي بِيَدِه، والَّذي فَلَقَ الحبَّة، وبَرَأَ النَّسْمةَ، لا (٦) ومُقلِّبِ القُلوب، وما أشْبَهَ ذلك.

стр. 6133

(فَصْلٌ) (وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ)؛ كطَعامٍ ولِباسٍ ونَحوِهما، سِوَى الزَّوجة؛ (لَمْ يَحْرُمْ (١) على المذْهَب؛ لِأنَّه تعالى سمَّاهُ يمينًا، بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، واليمينُ على الشَّيء لا تُحرِّمُه، فكذا إذا حرَّمه، ولِأنَّه لو كان مُحرَّمًا لَتَقَدَّمَت الكَفَّارةُ عَلَيهِ؛ كالظِّهار، ولم يأمر (٢) النَّبيُّ ﷺ بفِعْلِه، وسمَّاهُ خَيرًا (٣). (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ)، نَصَّ عَلَيهِ (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التّحْريم: ٢]؛ يعني (٥): التَّكْفِير، وسبَبُ نزولها: أنَّه ﵇ قال: «لَنْ أَعُودَ إلى شُرْبِ العَسَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٦)، وزاد البخاريُّ تعليقًا: «وقد (٧) حَلَفْتُ» (٨). وعن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ تَحريمَ الحَلالِ يمينًا» (٩)، ومُقْتَضاهُ: أنَّه إذا تَرَكَ ما حرَّمَه على نفسه؛ أنَّه لا شَيءَ عَلَيهِ.

стр. 6134

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَحْرُمَ (١) عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ)، هذا وَجْهٌ؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التّحْريم: ١]، وكتحريم (٢) الزَّوجة. وجَوابُه: أنَّه إذا أراد التَّكْفِيرَ؛ فله فِعْلُ المحلوف عَلَيهِ، وحِلُّ (٣) فِعْله مع كَونه مُحرَّمًا تناقض (٤). وكذا تعليقُه بشَرْطٍ، نحو: إنْ أكَلْتُه فهو عليَّ (٥) حرامٌ، نَقلَه أبو طالِبٍ (٦)، قال في «الانتصار»: وطَعامِي عليَّ كالميتة والدَّمِ. واليَمِينُ تَنقَسِمُ إلى أحْكامِ التَّكْليف الخَمْسةِ، وهل تستحب (٧) على (٨) فِعْلِ طاعةٍ (٩)، أوْ تَرْكِ مَعصِيَةٍ؟ فِيهِ وَجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللهِ، أَوْ مِنَ (١٠) الْإِسْلَامِ،

стр. 6135

أَوْ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا)؛ لمَا رَوَى ثابِتُ بنُ الضَّحَّاك: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ على يمينٍ بِمِلَّةٍ غَيرِ الإسلام كاذِبًا؛ فهو كما قال» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، وعن بُرَيدةَ مَرفوعًا، قال: «مَنْ قال: إنَّه بَرِيءٌ من الإسلام، وإنْ كان كاذِبًا؛ فهو كما قال، وإنْ كان صادِقًا؛ لم يَعُدْ إلى الإسلامِ سَالِمًا (٢)» رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَهْ، بإسْنادٍ جيِّدٍ (٣)، وسَواءٌ كان مُنجَّزًا أوْ مُعلَّقًا بشرط (٤). (وَعَلَيْهِ كَفَّارَة) يمينٍ (إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى (٥) الرِّوَايَتَيْنِ)، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية» و «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لحديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الرَّجل يقول (٦): هو يهوديٌّ، أوْ نَصْرانِيٌّ، أوْ مَجُوسِيٌّ، أوْ بَرِيءٌ من الإسلام، في اليمين يَحلِفُ بها، فيَحنَثُ في هذه الأشْياءِ، فقال: «عَلَيهِ كفَّارةُ يَمِينٍ» رَواهُ أبو بَكْرٍ (٧)، ولأِنَّ قول (٨) هذه الأشياءِ يُوجِبُ هَتْكَ الحُرْمة، فكان يمينًا؛ كالحَلِفِ بالله تعالَى، بخِلافِ هو

стр. 6136

فاسِقٌ إنْ فَعَلَه؛ لِإباحَتِه في حالٍ. والثَّانِيَةُ: لا كفَّارةَ عَلَيهِ، وصحَّحها المؤلِّفُ؛ لِأنَّه لم يَرِدْ، ولا هو في مَعْنَى المنصوص عَلَيهِ. وعَنْهُ: الوَقْفُ، نَقَلَها حَرْبٌ (١). (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحْوَهُ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ)، إذا قال: هو يَسْتَحِلُّ ما حرَّم اللهُ، أوْ عَكَسَ وأطْلَقَ، أوْ علَّقه وحَنِثَ؛ فوجهان (٢)؛ لأِنَّ اسْتِحْلالَ ذلك أوْ تحريمَه يُوجِبُ الكفْرَ، فيُخرَّجُ على الرِّوايَتَينِ قَبْلَها. وجَزَمَ في «الوجيز»، وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «المحرَّر»: أنَّه إن (٣) فَعَلَ ذلك؛ فقد فَعَلَ مُحرَّمًا، وعَلَيهِ كفَّارةُ يَمِينٍ. (وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ المُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا (٤)؛ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، قدَّمه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ هذه الأشياءَ لا نَقْصَ فيها يَقتَضِي الوُجوبَ، ولا هِيَ في مَعْنَى ما سَبَقَ، فيَبْقَى الحالِفُ على البراءة الأصْلِيَّةِ. واختار في «المحرَّر»: أنَّه إذا قال: عَصَيتُ اللهَ في كلِّ ما أَمَرَنِي؛ أنَّه يمينٌ؛ لدُخولِ التَّوحِيدِ فيه. وقال ابنُ عَقِيلٍ في مَحَوْتُ المصْحَفَ: هو يَمِينٌ؛ لأِنَّ الحالِفَ لم يَقصِدْ بقَولِه: مَحَوْتُه، إلَّا إسْقاطَ حُرْمَته، فصار كقَولِه: هو يهوديٌّ، ولِأنَّه إذا أسْقَطَ

стр. 6137

حُرْمَتَه؛ كان يمينًا، فكذا إذا أتى بما في مَعْناهُ. (وَإِنْ (١) قَالَ: عَبْدُ فُلَانٍ حُرٌّ لَأَفْعَلَنَّ؛ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ)؛ أيْ: فَلَغْوٌ، وكذا إنْ علَّقه؛ لِأنَّ تعليقَ الشَّيء بالشَّرط أَثَرُه أنْ يَصِيرَ عِنْدَ الشَّرط؛ كالمطْلَق، وإذا كان المطْلَقُ لا يُوجِبُ شَيئًا؛ فكذا المعلَّق. ولا يَعتِقُ العَبدُ إذا حنث (٢) بغَيرِ خِلافٍ (٣)؛ لِأنَّه لا يَعتِقُ بتنجيزه، فالمعلَّقُ أوْلَى. ولا تلزمه (٤) كَفَّارةٌ؛ لِأنَّه حَلَفَ بإخْراجِ مالِ غَيرِه؛ كما لو (٥) قال: مالُ فُلانٍ صَدَقَةٌ. (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ حَنِثَ)؛ لِأنَّه حَلَفَ بالعِتْق فِيما لا يَقَعُ إلَّا بالحنث؛ كما لو قال: لله عليَّ أنْ أُعْتِقَ فُلانًا. والأوَّلُ أصحُّ، والفَرْقُ بَينَهما: أنَّ قَولَه: (لله عليَّ (٦) إلى آخِرِه؛ أنَّه نَذْرٌ، فأوْجَبَ الكَفَّارةَ؛ لكَونِ النَّذْر كاليمين، وتعليقُ العِتْقِ بخِلافِه. فرعٌ: إذا (٧) قال: إنْ فَعَلْتُ كذا فمالُ (٨) فلانٍ صَدَقَةٌ، أوْ فَعَلَى فُلانٍ الحجُّ، أوْ هو بَرِيءٌ من الإسلام، وأشْباهَ ذلك؛ فلَيسَ بيمينٍ، ولا تَجِبُ به كفَّارةٌ بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٩)، قاله المؤلِّفُ، وذكر (١٠) السَّامرِّيُّ فيه الخِلافَ.

стр. 6138

(وَإِنْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي)، البَيعةُ: المُبايَعَةُ، أي (١): يَحلِفُ بها عِنْدَ المبايَعة والأَمْرِ المهِمِّ، وكانَت البَيعةُ على عَهْدِ رسول الله ﷺ والخلفاء الرَّاشِدِينَ بالمصافَحةِ (٢)، (فَهِيَ يَمِينٌ، رَتَّبَهَا الْحَجَّاجُ) بنُ يُوسُفَ بنِ الحَكَم بنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ، ولاَّهُ عبدُ الملك بنُ مَرْوانَ قِتالَ ابنِ الزُّبَيرِ، فحَاصَرَه بمكَّةَ، ثُمَّ قَتَلَه، وأخْرَجَه فصَلَبَه، فولاَّه عبدُ الملك الحِجازَ ثَلاثَ سِنِينَ، ثُمَّ ولاَّه العراقَ وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنة (٣)، فَوَلِيَها عِشْرِينَ سَنَةً فَزَلْزَلَ أهْلَها، ورَوَى ابنُ قُتَيبةَ عن عمرَ أنَّه قال: «يا أهْلَ الشَّام، تَجهَّزوا لأِهْلِ العراق، فإنَّ الشَّيطانَ قد باض فيهم وفرَّخ، اللَّهُمَّ عَجِّلْ لهم الغلامَ الثَّقَفِيَّ، الَّذي يَحكُمْ فيهم بحُكْمِ الجاهِلِيَّةِ، لا يَقبَلُ مِنْ مُحسِنِهم، ولا يَتجاوَزُ عن مُسِيئهم» (٤)، (تَشْتَمِلُ (٥) عَلَى (٦) الْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقِ، وَالْعِتَاقِ، وَصَدَقَةِ المَالِ)، ذَكَرَه الأصْحابُ، زاد بعضُهم: والحجِّ. (فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ يَعْرِفُهَا وَنَوَاهَا؛ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِمَا فِيهَا) من الطَّلاق

стр. 6139

والعِتاق؛ لِأنَّ اليمينَ بهما تَنعَقِدُ بالكِنايَة، فكذا ما عَداهُما في قَولِ القاضي، وقدَّمه في «الرِّعاية». واسْتَثْنَى في «الوجيز»: اليمينَ بالله تعالى، وهو قَولُ القاضي، وجَزَمَ به في «الكافي»؛ لِأنَّ الكفَّارةَ إنَّما وَجَبَتْ فيها لمَا ذُكِرَ فيها من (١) اسم اللهِ المعظَّم (٢)، ولا يُوجَدُ ذلك في الكناية (٣). (وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)؛ أيْ: إذا لم يَعرِفْها ولم يَنْوِها؛ فَلَغْوٌ؛ لأِنَّ ذلك إنَّما (٤) يَنعَقِدُ بالكناية (٥)، ولا مَدخَلَ لها في ذلك، ولأِنَّه لا تَصِحُّ (٦) النِّيَّة فيما (٧) لا يَعرِفُه. وسُئِلَ أبو القاسِم الخِرَقِيُّ عنها، فقال: لَسْتُ أُفْتِي فيها بشَيءٍ، ثُمَّ قال: إلَّا أنْ يَلتَزِمَ الحالِفُ بجميعِ ما فيها مِنْ الأَيْمان، فقال: يَعرِفُها أوْ لا يَعرِفُها؟ قال (٨): نَعَمْ، فيُؤخَذُ منه أنَّها (٩) تَنعَقِدُ إذا نَواها، وإنْ لم يَعرِفْها. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا تَنْعَقِدَ بِحَالٍ)؛ لمَا ذَكَرْنا، (إِلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ)؛ لاِنْعِقادِهما بالكناية (١٠). وقِيلَ: والصَّدقة.

стр. 6140

وفي «التَّرغيب»: إنْ عَلِمَها؛ لَزِمَه عِتْقٌ وطَلاقٌ. فرعٌ: لم يَذكُر المؤلِّفُ حُكْمَ أيْمانِ المسلمين، ويَلزَمُه فيها عِتْقٌ، وطَلاقٌ، وظِهارٌ، ونَذْرٌ، ويمينٌ بالله، بِنِيَّةِ ذلك، وفي اليمين بالله الوَجْهانِ، وألْزَمَ القاضي الحالِفَ بالكُلِّ، ولو لم يَنْوِ. ومَنْ حَلَفَ بأحدها (١)، فقال آخَرُ: يَمِينِي في (٢) يمينك، أوْ عَلَيها، أوْ مِثْلُها، يَنْوِي التزام (٣) مِثْلِها؛ لَزِمَه، نَصَّ عَلَيهِ في طَلاقٍ (٤)، وفي المكفَّرة (٥) وَجْهانِ. وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ: أنَّه (٦) إذا كانَتْ يَمِينُ الأوَّلِ ممَّا تنعقد (٧) بالكناية (٨)؛ كطَلاقٍ، وعِتْقٍ؛ انعقدت (٩) يمينُ الثَّانِي، وإلَّا فَلَا. وفي «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّ اليمينَ بالله تعالى لا تَنعَقِدُ. وإنْ لم يَنْوِ شَيئًا؛ لم تَنعَقِدْ يمينُه؛ لأِنَّ الكناية (١٠) لا تَنعَقِدُ بغير نيَّة (١١)، وهذا ليس (١٢) بصريحٍ. (وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ، أَوْ يَمِينٌ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، وَفَعَلَهُ؛ فَقَالَ أَصْحَابُنَا:

стр. 6141

عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لمَا رَوَى التِّرْمذِيُّ وصحَّحه، عن عُقْبةَ مرفوعًا، قال: «كَفَّارةُ النَّذْر إذا لم يُسَمَّ؛ كَفَّارةُ يَمِينٍ» (١). وإنْ قال: مَالِي للمساكين (٢)، وأرادَ به اليمينَ، فكَفَّارةُ يَمِينٍ، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية».

стр. 6142

(فَصْلٌ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) (وَهِيَ تَجْمَعُ تَخْيِيرًا وَتَرْتِيبًا)، فالتَّخْيِيرُ: بَينَ الإطْعامِ، والكُسْوة، والعِتْق، والتَّرتِيبُ فيها: بَينَ ذلك، وبَينَ الصِّيام. والأصْلُ في ذلك: قَولُه تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المَائدة: ٨٩]. وفي السُّنَّة أحادِيثُ (١). وأجْمَعُوا على مَشْروعيَّةِ الكَفَّارة في اليمين بالله تعالى (٢). فيخيَّر فيها (٣) بَينَ ثلاثةِ أشْياءَ: إطعامِ (٤) عَشَرَةِ مَساكِينَ، أوْ كِسْوتِهم، أوْ تحريرِ رَقَبةٍ، وقد سَبَقَ ذِكْرُ العِتْقِ والإطْعامِ في الظِّهار. ويُجزِئُ أنْ يُطعِمَ بَعْضًا، ويَكْسُوَ بَعضًا، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، وفِيهِ قَولٌ؛ كبقيَّةِ الكفَّارات مِنْ جِنْسَينِ، وكعتق (٦) مع غَيرِه. (وَالْكُسْوَةُ: لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُصَلِّي فِيهِ) الفَرْضَ، نَقَلَه حَرْبٌ (٧)، وقالَهُ في

стр. 6143

«التَّبصرة»، كَوَبَرٍ، وصُوفٍ، وما يُسمَّى كُسْوةً، ولو عَتِيقًا لم تَذهَبْ قوته، فإذا ذَهَبَتْ مَنفَعَتُه باللُّبْس؛ فلا يَجُوزُ؛ كالحَبِّ المَعِيبِ. (وَلِلْمَرْأَةِ: دِرْعٌ وَخِمَارٌ)؛ لِأنَّ ما دُونَ ذلك لا يُجْزِئُ لابِسَه في الصَّلاة، ويُسمَّى عُرْيانًا شَرْعًا، فَوَجَبَ أنْ لا يُجزِئَ. وقال أكثرُ العلماء: يتقدَّر (١) ذلك بأقلِّ ما يَقَعُ عليه (٢) الاِسْمُ. وجَوابُه: أنَّ الكُسْوةَ أحَدُ أنْواعِ الكَفَّارة، فلم يَجُز (٣) فيها ما يَقَعُ عَلَيهِ الاِسْمُ؛ كالإطْعامِ والإعْتاقِ، ولأِنَّ التَّكْفِيرَ عِبادةٌ يُعتَبَرُ فيها الكُسْوةُ، أشْبَهَت الصَّلاةَ. ونَصَّ على الدِّرع والخِمار، كالخِرَقِيِّ وغَيرِه؛ لِأنَّ السِّتْرَ غالِبًا لا يَحصُلُ إلَّا بذلك، وإلَّا فلَوْ أعْطاها ثَوبًا واسِعًا يَسْتُرُ بَدَنَها ورَأْسَها؛ أجْزَأَ ذلك؛ إناطَةً بستر (٤) عَورَتِها في الصَّلاة. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ)؛ أيْ: إذا عَجَزَ عن العتق، والإطْعام، والكُسْوة؛ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ)؛ للآية، (مُتَتَابِعَاتٍ (٥)؛ أيْ: بلا عُذْرٍ في ظاهِرِ المذْهَب، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لقراءةِ أُبَيٍّ وابنِ مَسْعودٍ: (فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مُتَتابِعاتٍ) حَكاهُ أحمدُ (٦)، ورواهُ الأثْرَمُ (٧)، فالظَّاهِرُ أنَّهما

стр. 6144

سمعاه (١) من النَّبيِّ ﷺ ، فيَكُونُ خَبَرًا، وكصوم (٢) الظِّهار. وعَنْهُ: له (٣) تَفْريقُها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: هل الدَّينُ كزَكاةٍ فيَصُومُ، أمْ لا كفطره (٤)؟ فيه رِوايَتانِ. ولا يَنتَقِلُ إلى الصَّوم، إلَّا (٥) إذا عَجَزَ كعَجْزِه عن زَكاةِ الفِطْر، نَصَّ عَلَيهِ (٦). فإنْ كان مالُه غائبًا؛ استدان (٧) إنْ قَدَرَ، وإلَّا صامَ. فرعٌ: تَجِبُ كَفَّارةٌ ونَذْرٌ على الفَور، نَصَّ عَلَيهِ (٨). (إِنْ شَاءَ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ)، سَواءٌ كان صَومًا أوْ غَيرَه، وهو قَولُ أكْثَرِهم، وممَّن (٩) رُوِيَ عنه تقديمُ الكَفَّارة قَبْلَ الحِنْث: عمرُ (١٠)، وابْنُه (١١)،

стр. 6145

وابنُ عبَّاسٍ (١)، وسَلْمانُ (٢)، وعن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ سَمُرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا عبدَ الرَّحْمن! إذا حَلَفْتَ على يمينٍ فرَأَيتَ غَيرَها خَيرًا منها؛ فكفِّرْ عن يمينك، ثُمَّ ائتِ الَّذي هو خَيْرٌ» رواه أبو داودَ والنَّسائيُّ، ورجالُه ثِقاتٌ (٣)، ولِأنَّه كَفَّرَ بَعْدَ سَبَبِه، فجازَ؛ ككفَّارةِ الظِّهار، والقَتْل بَعْدَ الجَرْح، وكتَعجِيلِ الزِّكاة بَعْدَ وُجودِ النِّصاب، والحِنْثُ شَرْطٌ ولَيسَ بِسَبَبٍ. وظاهِرُه: أنَّهما سَواءٌ في الفضيلة، نَصَّ عَلَيهِ (٤) وعَنْهُ: بَعْدَه أفْضَلُ؛ للخُروج من الخِلاف. وهذا محلُّه: ما لم يكُن الحِنْثُ حَرامًا، فإنَّه إذا كان كذلك؛ كفَّرَ بَعْدَه مُطلَقًا. وفي «الواضح»: على رِوايَةِ حِنْثِه بعزمه (٥) على مُخالَفَةِ يَمِينِه بِنِيَّتِه؛ لا يَجُوزُ، بل لا يَصِحُّ. وفيه رِوايَةٌ: لا يَجُوزُ بصَومٍ؛ لأِنَّه تقديمُ عِبادةٍ؛ كصِلاةٍ.

стр. 6146

واخْتارَ في «التَّحقيق»: أنَّه لا يَجُوزُ قَبْلَ الحِنْثِ؛ كما لو كفَّرَ قبل (١) اليمين؛ وكحِنْثٍ مُحرَّمٍ في وَجْهٍ. (وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ) عِنْدَ أحدٍ مِنْ العُلَماء (٢)؛ لأِنَّه تقديمٌ للحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِه؛ كتَقْديمِ الزَّكاة قَبْلَ ملْكِ النِّصاب، مع أنَّ ابنَ حَزْمٍ ذَكَرَ أنَّهم اخْتَلَفُوا في تقديمها (٣). (وَمَنْ كَرَّرَ أَيْمَانًا (٤) قَبْلَ التَّكْفِيرِ؛ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ)، اخْتارَه الأكْثَرُ، وذَكَرَ أبو بكرٍ: أنَّ أحمدَ رَجَعَ عن غَيرِه؛ لِأنَّ الكفَّارةَ حَدٌّ، بدليلِ قَولِه ﵇: «الحُدودُ كَفَّاراتٌ لِأهْلِها» (٥)، فَوَجَبَ أنْ تَتداخَلَ كالحدود (٦). (وَعَنْهُ: لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ)، وقاله أبو عُبَيدٍ فِيمَنْ قال: عليَّ عهدُ الله ومِيثاقُه وكَفَالَتُه، ثُمَّ حَنِثَ؛ فَعَلَيهِ ثلاثُ كَفَّاراتٍ، ولِأنَّ كلَّ واحدة (٧) مِنهُنَّ مِثْلُ الأُولَى، وكما لو اخْتَلَفَ مُوجَبُها؛ كيمينٍ وظِهارٍ. وعَنْهُ: إنْ حَلَفَ أيْمانًا على شَيءٍ واحِدٍ؛ لِكُلِّ يمينٍ كَفَّارةٌ، إلَّا أنْ يَنْوِيَ التَّأكِيدَ أو التَّفْهيمَ. (وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا (٨) إِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ)؛ ك: واللهِ لا أقَمْتُ واللهِ لا

стр. 6147

أقَمْتُ؛ (فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى أَفْعَالٍ)؛ نحوُ: واللهِ لا قمتُ (١)، واللهِ لا قَعَدْتُ؛ (فَلِكُلِّ (٢) يَمِينٍ كَفَّارَةٌ)، هذا رِوايَةٌ، ونَصَرَها في «الشَّرح»؛ لأِنَّها إذا كانَتْ على فِعْلٍ واحِدٍ؛ كان سَبَبُها واحِدًا، فالظاهر (٣) أنَّه أراد التَّأكِيدَ، وإنْ كانَتْ على أفْعالٍ؛ فلأِنَّها أيْمانٌ لا يَحنَثُ في إحْداهنَّ بالحِنْث في الأخرى، فَوَجَبَ في كلِّ يمينٍ (٤) كَفَّارَتُها؛ كالمخْتَلِفةِ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لأِنَّها كَفَّاراتٌ مِنْ جِنْسٍ، فتَداخَلَتْ كالحدود، وأجاب في «الشَّرح»: بأنَّ الحُدودَ وَجَبَتْ للزَّجْر، ويَنْدرئ (٥) في الشُّبهة، والموالاةُ بَينَهما ربُّما أفْضَى إلى التَّلَف؛ لأِنَّها عُقوبةٌ بَدَنِيَّةٌ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. فرعٌ: إذا حَلَفَ يمينًا واحِدةً على أجْناسٍ مُختَلِفةٍ، وحَنِثَ في الجميع؛ فكَفَّارةٌ واحِدةٌ، بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٦)؛ لِأنَّ اليمينَ واحدةٌ، والحِنْثُ واحِدٌ، فإنَّه يَحنَثُ بفِعْلٍ واحِدٍ من المحْلوفِ عَلَيهِ، وتَنحَلُّ يَمِينُه. فإنْ أخرجها (٧) ثمَّ (٨) حَنِثَ في أخْرَى؛ فكَفَّارةٌ أخْرَى، لا نَعلَمُ فيه (٩) خِلافًا (١٠)؛ كما لو وَطِئَ في رَمَضانَ، فكفَّر (١١)، ثُمَّ وَطِئَ ثانِيَةً.

стр. 6148

تنبيهٌ: مِثْلُه الحَلِفُ بِنُذورٍ مكرَّرة (١)، أوْ بِطَلاقٍ مُكفَّرٍ، قاله شَيخُنا (٢)، نَقَلَ ابنُ مَنصورٍ فِيمَنْ حَلَفَ نُذُورًا كثيرةً مُسمَّاةً إلى بَيتِ اللهِ أنْ لا يُكلِّمَ أباهُ أوْ أخاهُ: فعَلَيهِ كَفَّارةُ يَمِينٍ (٣). وقال شَيخُنا (٤) فِيمَنْ قال: الطلاق (٥) يَلزَمُه لَأفْعَلُ كذا، وكرَّره؛ لم يَقَعْ أكثر (٦) مِنْ واحِدةٍ، إذا لم يَنْوِ، فيتوجه (٧) مِثْلُه: إنْ قُمْتِ فأنْتِ طالِقٌ، وكرَّرَه ثلاثًا، وذَكَرَ المؤلِّفُ أنَّه يَقَعُ بها ثلاثٌ إجْماعًا (٨). وكان الفَرْقُ: أنَّه يَلزَمُ مِنْ الشَّرْط الجَزاءُ، فيَقَعُ الثَّلاثُ مَعًا؛ للتَّلازُمِ، ولا رَبْطَ في اليمين، ولأِنَّها للزَّجْر والتطهير (٩)، فهي كالحُدودِ، بخِلافِ الطَّلاق، والأَصْلُ حَمْلُ اللَّفْظ على فائدةٍ أخْرَى، ما لم يُعارِضْهُ مُعارِضٌ، ذَكَرَه في «الفُروع». (وَإِنْ كَانَتِ الْأَيْمَانُ مُخْتَلِفَةَ الْكَفَّارَةِ؛ كَالظِّهَارِ، وَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، فَلِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَتُهَا)؛ لِأنَّها أجْناسٌ، فلم تَتَداخَلْ؛ كالحُدودِ مِنْ أجْناسٍ. (وَكَفَّارَةُ الْعَبْدِ الصَّوْمُ)؛ لأنَّه (١٠) كَفَّارةُ الحُرِّ المعْسِرِ، وهو أحْسَنُ حالاً مِنْ العبد، ويُجزِئُه الصَّومُ بغَيرِ خِلافٍ (١١).

стр. 6149

ويَصِحُّ بإعْتاقٍ وإطْعامٍ بإذْنِ سيِّدِه إنْ قُلْنا يَملِكُ بالتَّمْليك، وإلَّا فَلَا. وهل له (١) إعْتاقُ نَفْسِه؟ على (٢) وَجْهَينِ. (وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ)، ولا مِنْ نَذْرِه؛ كصَومِ رَمَضانَ وقَضائِه. وفي «الرِّعايةِ»: إنْ حَلَفَ أوْ حَنِثَ بإذنه (٣)؛ رُوعِيَ الحَلِفُ فقطْ. (وَمَنْ نِصْفُه حُرٌّ) - وعِبارةُ «المحرَّر» و «الوجيز» (٤) و «الفُروع»: ومَن بَعضُه، وهو أَوْلَى -؛ (فَحُكْمُهُ (٥) فِي (٦) الْكَفَّارَةِ حُكْمُ الْأَحْرَارِ)؛ لِأنَّه يَملِكُ ملْكًا تامًّا، أشْبَهَ الحُرَّ الكامِلَ. وقِيلَ: لا يُكفِّرُ بعِتْقٍ؛ لِأنَّه لا يَثْبُتُ له الوَلاءُ. وجَوابُه: بالمنْعِ. فرعٌ: يُكفِّرُ كافِرٌ ولو مُرتَدًّا بغَيرِ صَومٍ (٧).

стр. 6150

(بَابُ جَامِعِ الْأَيْمَانِ) (وَيُرْجَعُ (١) فِي الْأَيْمَانِ إِلَى النِّيَّةِ)؛ أيْ: إلى نِيَّةِ حالفٍ (٢) لَيسَ ظالِمًا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، ولَفْظُه يَحتَمِلُها، فَمَتَى نَوَى بيمينه ما يَحتَمِلُه؛ تعلَّقت (٤) يمينُه بما نَواهُ، دُونَ ما لفظ (٥) به، سَواءٌ نَوَى ظاهِرَ اللَّفْظ أوْ مَجازَه، مِثْلَ أنْ يَنْوِيَ موضوعَ (٦) اللَّفظ، أو الخاصَّ بالعامِّ، أو بالعَكْس، أوْ غَيرَ ذلك؛ لقَولِه ﵇: «وإنَّما لاِمْرئٍ ما نَوَى» (٧)، فيَدخُلُ فيه الأيمان (٨)، ولِأنَّ كلامَ الشَّارِع يُصرَفُ إلى ما دلَّ الدَّليلُ على ما أراده، دُونَ ظاهِرِ اللَّفظ، فكلامُ المتكلِّم مع اطِّلاعه على تعيين (٩) إرادته أَوْلَى. ويُقبَلُ حُكْمًا مع قُرْبِ الاِحْتِمال من الظَّاهِر، ومع تَوسُّطِه رِوايَتانِ، أشْهَرُهما: القَبولُ. مسألةٌ: يَجوزُ التَّعريضُ في المخاطَبةِ لغَيرِ ظالِمٍ بِلا حاجَةٍ، اخْتارَه الأكْثَرُ. وقِيلَ: لَا، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين، واخْتارَه (١٠)؛ لأِنَّه تدليسٌ كتَدْلِيسِ

стр. 6151

المبِيعِ، وقد كَرِهَ أحمدُ التَّدْليسَ، وقال: لا يُعجِبُنِي، ونَصُّه: لا يَجُوزُ التَّعْريضُ مع اليَمِين (١). (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؛ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ الْيَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا)، قدَّمه في «الخِرَقِيِّ» و «الإرْشاد» و «المبْهِجِ»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وحُكِيَ رواية، وقدَّمه القاضي بموافقته (٢) الوضع (٣). وعنه: يقدَّم عَلَيهِ. وذَكَرَ القاضِي: وعَلَيها عُمُومُ لَفْظِه احْتِياطًا، ثمَّ (٤) إلى التَّعيين. وقِيلَ: يُقدَّمُ عَلَيهِ وَضْعُ لَفْظِه شَرْعًا أوْ عُرْفًا أوْ لُغَةً. وفي «المُذهب»: في الاِسْمِ والعُرْف وَجْهانِ. وذَكَرَ ابنُه (٥): النِّيَّةُ، ثُمَّ السَّبَبُ، ثُمَّ مُقْتَضَى لَفْظِه عُرفًا أوْ لُغَةً. (فَإِذَا حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ إذا قَصَدَ أَلَّا يَتَجَاوَزَهُ، أَوْ كَانَ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ)؛ لأِنَّ مُقْتَضَى اليمينِ تَعْجيلُ القَضاء، ولأِنَّ السَّببَ يَدُلُّ على النِّيَّة. فإن لم (٦) يَنْوِ ذلك، ولا كان السَّبَبُ يَقتَضِيهِ؛ فَظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وقدَّمه

стр. 6152

في «الرِّعاية» وغيرها (١): أنَّه لا يَبْرَأُ إِلَّا بقَضائِه في الغِد. وقال القاضي: يَبْرَأُ في كلِّ حالٍ؛ لأِنَّ عُرْفَ هذه اليمينِ في القَضاء التَّعجيلُ، فتَنصَرِفُ اليَمينُ المطْلَقَةُ إلَيهِ. والأوَّلُ أصحُّ. فلو حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ غَدًا، وقَصَدَ مَطْلَه، فَقَضاهُ قَبْلَه؛ حَنِثَ، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الرِّعاية». فإنْ كانَ كأكْلِ (٢) شَيءٍ أوْ بَيعِه؛ فإنْ عَيَّنَ وَقْتًا، ولم يَنْوِ ما يَقتَضِي تعجيلَه، ولا كان سببُ يمينِه يَقتَضِيهِ: لم يَبْرَأْ إلَّا أنْ يَفعَلَه في وَقْتِه، نَصَرَه المؤلِّفُ وغيره (٣). وذكر (٤) القاضِي: أنَّه يَبرَأُ بتَعْجِيلِه عن (٥) وَقْتِه. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ ثَوْبَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ، فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّه لم يُخالِفْ ما حَلَفَ عَلَيهِ. (وَإِنْ بَاعَهُ بِأَقَلَّ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّ قرينةَ الحال تَدُلُّ على ذلك؛ كما لو حَلَفَ: ما لَه عليَّ حبَّةٌ (٦)، وله عَلَيهِ شَيءٌ كثيرٌ. (وَإِنْ (٧) حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، وَنَوَى الْيَوْمَ؛ لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ)؛ لِأنَّ العِبْرةَ في الأَيْمانِ بالنِّيَّة، ولِأنَّ (٨) اللَّفْظَ العامَّ يَصِيرُ بالإرادة خاصًّا، ولو

стр. 6153

كانَتْ يَمِينُه خاصَّةً؛ كقَولِه: لا دَخَلْتُ دارًا اليومَ؛ لم (١) يَحنَثْ بالدُّخُول في غَيرِه، فكذا (٢) إذا نَواهُ. وفي «الفروع»: (إن (٣) حَلَفَ لا يَدخُلُ دارًا، ونَوَى اليومَ؛ قُبِلَ حُكْمًا، وعَنْهُ: لا، ويُدَيَّنُ). (وَإِنْ دُعِيَ إِلَى غَدَاءٍ (٤)، فَحَلَفَ لَا يَتَغَدَّى؛ اخْتَصَّتْ يَمِينُهُ بِهِ إِذَا قَصَدَهُ)؛ أيْ: اختصَّتْ يَمِينُه بالغداء (٥) عِنْدَ الدَّاعِي إذا قَصَدَه؛ لِأنَّ اللَّفْظَ وإنْ كان عامًّا؛ لكِنَّ القَصْدَ خَصَّصَه، فصار كما لو دُعِيَ إلى غَداءٍ فَحَلَفَ لا يَتَغَدَّى عِنْدَ الدَّاعِي، وفِيهِ وَجْهٌ. (وَإِنْ حَلَفَ (٦): لَا يَشْرَبُ لَهُ المَاءَ مِنَ الْعَطَشِ، يَقْصِدُ قَطْعَ المِنَّةِ؛ حَنِثَ بِأَكْلِ خُبْزِهِ، وَاسْتِعَارَةِ دَابَّتِهِ، وَكُلِّ مَا فِيهِ المِنَّةُ)؛ لِأنَّ ذلك للتَّنبيه على ما هو أعْلَى منه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسرَاء: ٧١]، يُرِيدُ: لا يُظلمون (٧) شَيئًا. وكقول الشاعر (٨): .................. … ولا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ ونَصَّ عَلَيهِ أحمدُ في مواضع (٩)، ذَكَرَه القاضي في «الخلاف»، وذَكَرَ

стр. 6154

ابنُ عَقِيلٍ: لا أقلَّ منه، كقُعودِه في ضَوءِ نارِه. وعلى ما ذَكَرَه المؤلِّفُ: إنْ لم يَقصِدْ قَطْعَ المِنَّةِ؛ لم يَحنَثْ، إلَّا أنْ يكون (١) ثَمَّ سببٌ. وإنْ كان لهذه اليمينِ عادةٌ وعُرْفٌ، فهو كَمَنْ حَلَفَ: ليقضينَّه (٢) حقَّه غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَه. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزَلِهَا، يَقْصِدُ قَطْعَ مِنَّتِهَا، فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ؛ حَنِثَ)، وكذا (٣) إن انْتَفَعَ بثَمَنِه، نَصَّ عَلَيهِ في (٤) روايةِ أبي طالِبٍ (٥)، وذَكَرَه القاضي في الخِلافِ، وهو قَولُ أكْثَرِهم؛ لقوله ﵇: «لَعَنَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمَتْ عَلَيهم الشُّحومُ فجَمَلُوها، فباعُوهَا وأكَلُوا ثمنها (٦)» (٧). ويَحنَثُ بالاِنتفاع به في غَيرِ اللُّبْس؛ لِأنَّه نَوعُ انْتِفاعٍ به، يَلحق (٨) المنَّة به. وإنْ لم يَقصِدْ قَطْعَ المِنَّة، ولا كان سببُ يمينه يَقتَضِي ذلك؛ لم يَحنَثْ إلَّا بما تَناوَلَتْه يَمِينُه، وهو لُبْسُه خاصَّةً. فإنْ نَوَى اجْتِنابَ اللُّبْس خاصَّةً؛ قُدَّمت النِّيَّةُ على السَّبب وجْهًا واحِدًا، قاله في «المغْنِي»؛ لِأنَّ النِّيَّةَ وافَقَتْ مُقتَضَى اللَّفظ، ولا يَتعدَّى الحُكْمُ إلى كلِّ ما فيه مِنَّةٌ، جزم به في «الكافي» و «الشرح»، وقدَّمه في «الرعاية»؛ لأنَّ (٩)

стр. 6155

لكونه (١) ثَوبًا مِنْ غَزْلِها أثَرًا في داعِيَةِ اليمين؛ فلم يَجُزْ حذفه (٢). وقِيلَ: إن انْتَفَعَ بما لها (٣) فيه مِنَّة (٤) بقدره، أو أزيد (٥)؛ حَنِثَ، جَزَمَ به في «التَّرغيب». وذَكَرَ في «التَّعليق» و «المفردات» وغَيرِهِما: يَحنَثُ بشَيءٍ منها؛ لِأنَّه لا يَمْحُو مِنَّتَها إلَّا بالامتناع مما (٦) يَصْدُرُ عنها، ممَّا (٧) يَتَضَمَّنُ مِنَّةً؛ لِيَخرُجَ مَخرَجَ الوَضْعِ العُرْفِيِّ. تنبيهٌ: إذا كان اللَّفْظُ أعمَّ من السَّبب؛ كرجلٍ امْتَنَّتْ عَلَيهِ زَوجَتُه ببيتها (٨)، فحَلَفَ لا يَسكُنُ بَيتًا، فقِيلَ: يُحمَلُ اللَّفْظُ على عُمومِه؛ ككلامِ الشَّارع، والأشْهَرُ: أنَّ العِبْرةَ بخُصوصِ السَّبب؛ لِأنَّ قرينةَ حالِه دالَّةٌ على إرادة الخاصِّ، أشْبَهَ ما لو نَواهُ؛ لِإقامَةِ السَّبَب مُقامَ النِّيَّة. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِي مَعَهَا فِي دَارٍ، يُرِيدُ جَفَاءَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلدَّارِ سَبَبٌ هَيَّجَ يَمِينَهُ، فَأَوَى مَعَهَا فِي غَيرِهَا؛ حَنِثَ)، أوْ لا عُدْتُ رأيْتُكِ تَدْخُلِينَها، يَنْوِي مَنْعَها؛ حَنِثَ ولو لم يَرَها؛ لمخالفته (٩) ما حَلَفَ على تَرْكِه. ومَعْنَى الإيواءِ: الدُّخولُ، يُقالُ: أوَيْتُ أنا، وآوَيْتُ غَيرِي؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٠]، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].

стр. 6156

فإن اجْتَمَعَ معها فيما لَيسَ بدارٍ ولا بَيْتٍ؛ لم يَحنَثْ، سَواءٌ كانت الدَّارُ سَبَبَ يمينه، أوْ لم تكن (١)؛ لِأنَّه قَصَدَ جَفاءَها بهذا النَّوع. ونَقَلَ ابنُ هانِئٍ: أقلُّ الإيواء ساعةٌ (٢)، وجزم (٣) به في «التَّرغيب». مسألةٌ: إذا حَلَفَ لا يَدخُلُ عَلَيها بَيتًا، فدَخَلَ عَلَيها فِيما لَيسَ ببيتٍ؛ فإنْ قَصَدَ جفاءها (٤)، ولم يكُنْ للدَّار سَبَبٌ هيَّجَ يَمِينَه؛ حَنِثَ، وإلَّا فَلَا، قالَهُ في «المغْنِي» و «الشَّرح». فإنْ دَخَلَ على جماعةٍ هي فيهم، يَقصِدُ الدُّخولَ عَلَيها؛ حَنِثَ، وكذا إنْ لم يَقصِدْ شَيئًا، وإن اسْتَثْناها بقَلْبِه؛ فَوَجْهانِ. فإنْ دَخَلَ بَيتًا لا يَعلَمُ أنَّها فيه، فَوَجَدَها فيه؛ فهو كالدُّخول عَلَيها ناسِيًا، وفيه رِوايَتانِ، فإنْ قُلْنا: لا يحنث (٥)، فأقام، فهَلْ يَحنَثُ؟ على وَجْهَينِ. (وَإِنْ حَلَفَ لِعَامِلٍ: لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَعُزِلَ، أَوْ عَلَى زَوْجَتِهِ فَطَلَّقَهَا، أَوْ عَلَى عَبْدِهِ فَأَعْتَقَهُ، وَنَحْوِهِ، يُرِيدُ مَا دَامَ (٦) كَذَلِكَ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ)؛ لِأنَّ الخُروجَ بَعْدَ ما ذُكِرَ بغير الإذْن خُروجٌ لم يَتناوَلْه؛ لتخصيصِ (٧) اللَّفْظ بإرادةِ زَمَن العَمالة، والزَّوجِيَّة، والعُبودِيَّة. (وَإِنْ (٨) لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ أَيْضًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الحَالَ (٩)

стр. 6157

يَصْرِفُ (١) الْيَمِينَ إِلَيْهِ)؛ لِأنَّ السَّببَ يَدُلُّ على النِّيَّة في الخُصوص؛ كدَلالَتِها عليها (٢) في العُمومِ، ولو نَوَى الخُصوصَ لَاخْتَصَّتْ يَمِينُه به (٣)، فكذا إذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عَلَيها. وقَدَّمَ في «الرِّعاية»: أنَّها لا تَنحَلُّ؛ لأِنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذا كان عامًّا لِسببٍ خاصٍّ؛ وَجَبَ الأخْذُ بعُمومِ اللَّفْظ، لا بِخُصوصِ السَّبب، كذلك يمينُ الحالِف؛ لأِنَّ اليمينَ إذا تعلَّقَتْ بعَينٍ مَوصوفةٍ تعلَّقت بالعَين وإنْ تغيَّرت الصِّفةُ. وذَكَرَ القاضي فِيمَن حَلَفَ لِعامِلٍ لا يَخرُجُ إلَّا بإذْنِه، فَعُزِلَ: أنَّها لا تَنحَلُّ في قِياسِ المذْهَب، وهو وَجْهٌ. والأوَّلُ أَوْلَى. (وَذَكَرَ الْقَاضِي (٤) في مَوضِعٍ آخَرَ: أَنَّ السَّبَبَ إِذَا كَانَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ عَمَّمْنَاهَا بِهِ (٥)، وَإِنِ اقْتَضَى الْخُصُوصَ، مِثْلَ مَنْ نَذَرَ لَا يَدْخُلُ بَلَدًا لِظُلْمٍ رَآهُ فِيهِ، فَزَالَ الظُّلْمُ، فَقَالَ أَحْمَدُ: النَّذْرُ يُوَفَّى بِهِ (٦)؛ نَظَرًا إلى عُمومِ اللَّفظ، فيَجِبُ أنْ يُعْتَبَرَ. (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ السَّبَبَ يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، فَصَارَ (٧) كَالمَنْوِيِّ سَوَاءً)؛ لأِنَّ أُصولَه تَقتَضِي تقديمَ النِّيَّة والسَّبَبِ على عُمومِ اللَّفْظ، وذلك يَقتَضِي

стр. 6158

تخصيصَ اللَّفْظ العامِّ وقَصْرَه على الحاجة، فكذا يجب (١) في هذه المسائلِ؛ لكَونِها داخِلةً في القَواعِد الكُلِّيَّة. تنبيهٌ: إذا اخْتَلَفَ السَّبَبُ والنِّيَّةُ، مِثْلَ أن امْتَنَّت عليهِ (٢) امْرأتُه بغَزْلِها، فحَلَفَ لا يَلبَسُ ثَوبًا مِنْ غَزَلِها، يَنْوِي اجْتِنابَ اللُّبْس خاصَّةً، دُونَ الاِنْتِفاعِ بثَمَنِه وغَيرِه؛ قُدِّمَت النِّيَّةُ على السَّبب وَجْهًا واحِدًا؛ لِأنَّ النِّيَّةَ وافَقَتْ مُقتَضَى اللَّفظ. وإنْ نَوَى بثَمَنه (٣) ثَوبًا واحدًا (٤)؛ فكذلك في ظاهر (٥) قَول الخِرَقِيِّ. وقال القاضي: يقدَّم (٦) السَّببُ؛ لِأنَّ اللفظ (٧) ظاهِرٌ في العُموم، والسَّببُ - وهو الاِمْتِنانُ - يُؤكِّدُ ذلك الظَّاهِرَ. والأوَّلُ أصحُّ؛ لِأنَّ السَّببَ إنَّما اعْتُبِرَ لِدَلالَتِه على القَصْدِ، فإذا خالَف حقيقةَ القَصْد؛ لم يُعتَبَرْ، فكان وُجودُه كَعَدَمِه، فلم يَبْقَ إلَّا اللَّفْظُ بعُمومِه، والنِّيَّة تَخُصُّه على ما بَيَّنَّاهُ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا رَأَيْتُ مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى فُلَانٍ الْقَاضِي، فَعُزِلَ؛ انْحَلَّتْ يَمِينُهُ إِنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا)؛ لِأنَّ الرفع (٨) بمنزلةِ الخُروج، فيما إذا حَلَفَ لعاملٍ (٩) لا يخرج (١٠) إلّا بإذْنِه، ونَوَى ما دام عامِلاً.

стр. 6159

(وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا تَنحَلُّ، قال القاضي: هو قِياسُ المذْهَبِ. والثَّاني: بَلَى، وهو ظاهِرُ «الوجيز»؛ لِأنَّه لا يُقالُ: رَفَعَه إلَيهِ إلَّا في حالِ وِلايَته. فعلى الأوَّل: إذا رَفَعَه إلَيهِ بَعْدَ العَزْلِ؛ بَرَّ، وإلَّا فَلَا، وإذا رَأَى مُنكَرًا في وِلايَتِه، وأمْكَنَ رَفْعُه ولم يَرفَعْهُ حتَّى عُزِلَ؛ لم يَبَر (١). وهَلْ يَحنَثُ بعَزْله؟ فيه وَجْهانِ: أحدُهما: يَحنَثُ؛ كما لو ماتَ. والثَّاني: لا؛ لِأنَّه لم يَتحَقَّقْ فواته (٢)؛ لاِحْتِمالِ أنْ يَلِيَ فيَرفَعَه إلَيهِ. وإن (٣) ماتَ قَبْلَ إمْكانِ رَفْعِه إلَيهِ؛ حَنِثَ في الأصحِّ، وإنْ لم يُعَيِّن الواليَ إذَنْ؛ ففي (٤) تعْيِينِه وجْهانِ في «الترغيب»: للتردُّد (٥) بَينَ تَعْيِينِ العهد والجنس (٦). وفيه: لو عَلِمَ به بَعْدَ عِلْمِه، فقِيلَ: فاتَ البِرُّ؛ كما لو رآه معه، وقِيلَ: لا؛ لإمْكانِ صُورَةِ الرفع (٧). فَعَلَى الأَوَّل (٨): هو (٩) كإبْرائه مِنْ دَينٍ بَعْدَ حَلِفِه ليقضينَّه (١٠)، وفيه وَجْهانِ.

стр. 6160

وكذا قَولُه جَوابًا لقَولِها: تزوَّجْتَ عليَّ؟ فقال (١): كلُّ امْرأةٍ لي طالِقٌ؛ فإنَّها تَطلُقُ معهم، نَصَّ عَلَيهِ (٢)؛ أَخْذًا بالأعمِّ مِنْ لَفْظٍ وسَبَبٍ. مسائلُ: الأُولَى: إذا حَلَفَ: لا رَأيْتُكِ تَدْخُلِينَ دارَ زَيدٍ، يُريدُ مَنْعَها، فَدَخَلَتْ؛ حَنِثَ، وإنْ لم يَرَهَا. وإنْ حَلَفَ: لا يَبِيتُ عِنْدَ فُلانَةَ، فمَكَثَ عِنْدَها حتَّى مَضَى أكثرُ اللَّيل؛ حَنِثَ؛ لأِنَّ اسْمَ البَيْتُوتَةِ يَقَعُ عَلَيهِ. وإنْ مَكَثَ أقلَّ؛ فَعَلَى الخِلافِ في فِعْلِ بعضِ المحْلُوف عَلَيهِ. الثَّانيةُ: إذا حَلَفَ لا يكفُل (٣) بمالٍ، فكفل (٤) بِبدَنٍ، فقال أصْحابُنا: يَحنَثُ، وقال المؤلِّفُ: والقِياسُ عَدَمُه، وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ: يَحنَثُ، إلَّا إذا شَرَطَ البَراءةَ مِنْ المال وصحَّحْنا هذا الشَّرْطَ. الثَّالِثَةُ: إذا حَلَفَ لا يَأْوِي مع زَوجَته هذا العِيدَ، فقال أحمدُ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ بنِ سَعِيدٍ: إذا عيَّدَ النَّاسُ دَخَلَ إلَيها، قلت (٥): فإنْ قال: أيَّامَ العِيدِ؟ قال (٦): على ما يَعرِفُه النَّاسُ ويَعْهَدُونَ بَينَهم (٧)، وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: «حَقٌّ على المسْلِمِينَ إذا رأوا هِلالَ شَوَّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا حتَّى يَفرُغُوا مِنْ عِيدِهم» (٨)؛ يَعْنِي: مِنْ صَلَاتِهِم.

стр. 6161

وقال ابنُ أبي موسى: يَتوجَّهُ أنْ لا يَأْوِيَ عِندَها في عِيدِ الفطر (١) حتَّى تَغِيبَ شَمْسُ يَومِه، ولا يَأْوِيَ في عِيدِ الأضْحَى حتَّى تَغِيبَ شَمْسُ آخِرِ يَومٍ مِنْ أيَّامِ التَّشْريقِ.

стр. 6162

(فَصْلٌ) (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ)؛ أي: النِّيَّةُ والسَّبَبُ؛ (رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ (١)، كذا في «الكافي» و «الوجيز»، وصحَّحه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّ التَّعيين (٢) أبْلَغُ مِنْ دلالةِ الاِسْمِ على (٣) المسمَّى؛ لِأنَّه يَنفِي الإبهامَ بالكُلِّيَّة، بخِلافِ الاسم (٤)، ولهذا لو شَهِدَ عَدْلانِ على عَينِ شَخْصٍ؛ وَجَبَ على الحاكِمِ الحُكْمُ عَلَيهِ، بخِلافِ ما لو شهدا على مُسَمًّى باسْمٍ، لم يَجِبْ حتَّى يَثبُتَ أنَّه المسَمَّى بذلك. وكذا يقدَّم (٥) التَّعْيين على الصِّفة والإضافة، وقِيلَ: تُقدَّمُ الصِّفةُ عَلَيهِ. (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ)؛ لِأنَّ التَّعْيِينَ يَقتَضِي الحِنْثَ، وزَوالُ الاِسْم يَنفِيهِ، والتَّعْيينُ راجِحٌ على الاِسْمِ. (أَوْ: لَا لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ، أَوْ رِدَاءً، أَوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ)؛ لمَا ذَكَرْنا. (أَوْ لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَصَارَ شَيْخًا، أَوِ امْرَأَةَ فُلَانٍ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلَانًا، أَوْ غُلَامَهُ سَعْدًا، فَطَلَقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالَتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ العَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ (٦)؛ لِأنَّ الإضافةَ فيها تَقتَضِي وَصْفَ المحْلُوفِ عَلى عَدَمِ كَلامِه

стр. 6163

بالزَّوجِيَّة، والصَّداقة، أوْ كَونِه غُلامًا، والصِّفَةُ كالاِسْم، بل أضْعَفُ، فإذا غُلِّبَ التَّعيينُ على (١) الاِسْم، فَلَأَنْ يُغلَّبَ على الصِّفة أَوْلَى. (أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ، فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا)، أَوْ دِبْسًا، أوْ خَلًّا؛ لِأنَّه كسُكْنَى الدَّار والقَمِيصِ مِنْ غَيرِ فَرْقٍ. (أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ، فَتَغَيَّرَ، أَوْ عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ)، فأَكَلَه؛ لِأنَّ تغَيُّره (٢) وخَلْطَ شَيْءٍ آخَرَ معه بمَنزِلةِ زَوالِ الاِسْمِ، وذلك لا يَضُرُّ. (حَنِثَ فِي (٣) ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ أيْ: في المسائلِ السَّابِقةِ كلِّها؛ كقَولِه: دار فُلانٍ فَقَطْ، أو التَّمر الحديثَ فَعتُقَ (٤)، أو الرَّجل الصَّحيح فمَرِضَ، وكالسفينة (٥) تُنقَضُ ثُمَّ تُعادُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يَحْنَثَ)، وقالَهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ لِأنَّه لو حَلَفَ على ذلك كلِّه ناوِيًا للصِّفة الَّتي حَلَفَ عَلَيها؛ لم يَحنَثْ إذا زالَتْ، وقَرينةُ الحال تَدُلُّ على إرادة ذلك، فصار كالمَنْوِيِّ، واختاره القاضِي والمؤلف (٦)، في نَحو بَيضَةٍ صارَتْ فَرْخًا. وإنْ حَلَفَ لَيأكُلَنَّ مِنْ (٧) هذه البَيضةِ أو التُّفَّاحة، فعَمِلَ مِنها شَرابًا، أوْ ناطِفًا؛ فالوَجْهانِ، وكذلك سائرُ المسائل (٨)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الفُروع».

стр. 6164

(فَصْلٌ) (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ)؛ أي: التَّعْيين مع عَدَمِ النِّيَّة والسَّبَبِ؛ (رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ)؛ لِأنَّه دليلٌ على إرادةِ المسمَّى، ولا مُعارِضَ له هُنا، فَوَجَبَ أنْ يُرْجَعَ إلَيهِ عَمَلاً به؛ لسَلامَتِه عن المعارَضَةِ. (وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيَّةٍ، وَحَقِيقِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ). ما له مُسَمًّى واحِدٌ؛ كالرَّجل والمرأة، تنصرِفُ (١) اليمينُ إلى مُسَمَّاهُ بغَيرِ خِلافٍ (٢). وما له موضوعٌ (٣) شَرْعِيٌّ، وموضوعٌ (٤) لُغَوِيٌّ؛ كالوُضوء؛ فتَنصَرِفُ اليمينُ إلى (٥) الموضُوعِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الإطْلاق، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٦). وما له مَوضُوعٌ حقيقيٌّ، ومَجازٌ لم يَشتَهِرْ كالأسد؛ فتنصرفُ (٧) اليمينُ إلى الحقيقة، ككلامِ الشَّارِع. وما اشْتَهَرَ مَجازُه حتَّى صارَت الحقيقةُ (٨) مَغْمُورةً فيه، فهو أقْسامٌ: منها: ما يَغلِبُ على الحقيقة، بحَيثُ لا يَعلَمُها أكْثَرُ النَّاس؛ كالرَّاوية في العُرْف اسْمٌ للمَزادَةِ، وفي (٩) الحقيقة لمَا يُسْتَقَى عَلَيهِ من الحيوانات، والظَّعينةِ

стр. 6165

في العُرْف للمرأة، وفي الحقيقة النَّاقة التي يُظعَنُ عَلَيها؛ فتَنصَرِفُ اليمينُ إلى المجاز؛ لِأنَّه الَّذي (١) يُريدُه بيَمِينِه ويُفْهَمُ مِنْ كلامه، أشْبَهَ الحقيقةَ في غَيرِه. وسيأتي بقيَّةُ أنْواعِها. (فَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ: فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالحَجِّ وَنَحْوِهِ (٢)؛ فَالْيَمِينُ المُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى المَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ)؛ لِأنَّ ذلك هو المتبادِرُ إلى الفَهْم عِنْدَ الإطْلاقِ؛ لِأنَّ الشَّارِعَ إذا قال: صَلِّ، تَعَيَّنَ عَلَيهِ فِعْلُ الصَّلاةِ المشْتَمِلةِ على الأفعال، إلَّا أنْ يَقتَرِنَ بكَلامِه ما يَدُلُّ على إرادةِ الموضوع اللُّغوي (٣)، فكذا يَمِين الحالِف. (وَيَتَنَاوَلُ (٤) الصَّحِيحَ مِنْهُ)؛ لِأنَّ الفاسِدَ ممنوعٌ منه بأصْلِ الشَّرْعِ، فلا حاجَةَ إلى المنْعِ مِنْ فِعْلِه باليمينِ، (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه الجماعةُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ اليمينَ على ذلك تَتَناوَلُ الصَّحيحَ منه، ولِأنَّه المشروعُ. وعَنْهُ: يَحْنَثُ؛ لِوُجوده صورةً. وعَنْهُ: في البَيعِ دُونَ النِّكاح الفاسِدِ، قاله ابنُ أبي مُوسى. وقال أبو الخَطَّاب: إنْ نَكَحَها نكاحًا (٥) مُختلَفًا فيه؛ فَوَجْهانِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إن اعْتَقَدَ صِحَّتَه حَنِثَ، وإلَّا فَلَا. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كان (٦) بَيعًا بشَرْطِ الخِيار؛ أنَّه يَحنَثُ ونَصَّ عَلَيهِ؛ لِأنَّه بَيعٌ شَرْعِيٍّ، فيَحْنَثُ به كاللاَّزِم.
следующие страницы →