← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وقال ابنُ أبي موسى: يَتوجَّهُ أنْ لا يَأْوِيَ عِندَها في عِيدِ الفطر (١) حتَّى تَغِيبَ شَمْسُ يَومِه، ولا يَأْوِيَ في عِيدِ الأضْحَى حتَّى تَغِيبَ شَمْسُ آخِرِ يَومٍ مِنْ أيَّامِ التَّشْريقِ.

стр. 6162

(فَصْلٌ) (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ)؛ أي: النِّيَّةُ والسَّبَبُ؛ (رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ (١)، كذا في «الكافي» و «الوجيز»، وصحَّحه في «المحرَّر» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّ التَّعيين (٢) أبْلَغُ مِنْ دلالةِ الاِسْمِ على (٣) المسمَّى؛ لِأنَّه يَنفِي الإبهامَ بالكُلِّيَّة، بخِلافِ الاسم (٤)، ولهذا لو شَهِدَ عَدْلانِ على عَينِ شَخْصٍ؛ وَجَبَ على الحاكِمِ الحُكْمُ عَلَيهِ، بخِلافِ ما لو شهدا على مُسَمًّى باسْمٍ، لم يَجِبْ حتَّى يَثبُتَ أنَّه المسَمَّى بذلك. وكذا يقدَّم (٥) التَّعْيين على الصِّفة والإضافة، وقِيلَ: تُقدَّمُ الصِّفةُ عَلَيهِ. (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَدَخَلَهَا وَقَدْ صَارَتْ فَضَاءً، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ)؛ لِأنَّ التَّعْيِينَ يَقتَضِي الحِنْثَ، وزَوالُ الاِسْم يَنفِيهِ، والتَّعْيينُ راجِحٌ على الاِسْمِ. (أَوْ: لَا لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ، أَوْ رِدَاءً، أَوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ)؛ لمَا ذَكَرْنا. (أَوْ لَا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَصَارَ شَيْخًا، أَوِ امْرَأَةَ فُلَانٍ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلَانًا، أَوْ غُلَامَهُ سَعْدًا، فَطَلَقَتِ الزَّوْجَةُ، وَزَالَتِ الصَّدَاقَةُ، وَعَتَقَ العَبْدُ، وَكَلَّمَهُمْ (٦)؛ لِأنَّ الإضافةَ فيها تَقتَضِي وَصْفَ المحْلُوفِ عَلى عَدَمِ كَلامِه

стр. 6163

بالزَّوجِيَّة، والصَّداقة، أوْ كَونِه غُلامًا، والصِّفَةُ كالاِسْم، بل أضْعَفُ، فإذا غُلِّبَ التَّعيينُ على (١) الاِسْم، فَلَأَنْ يُغلَّبَ على الصِّفة أَوْلَى. (أَوْ لَا أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ، فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا)، أَوْ دِبْسًا، أوْ خَلًّا؛ لِأنَّه كسُكْنَى الدَّار والقَمِيصِ مِنْ غَيرِ فَرْقٍ. (أَوْ لَا أَكَلْتُ هَذَا اللَّبَنَ، فَتَغَيَّرَ، أَوْ عُمِلَ مِنْهُ شَيْءٌ)، فأَكَلَه؛ لِأنَّ تغَيُّره (٢) وخَلْطَ شَيْءٍ آخَرَ معه بمَنزِلةِ زَوالِ الاِسْمِ، وذلك لا يَضُرُّ. (حَنِثَ فِي (٣) ذَلِكَ كُلِّهِ)؛ أيْ: في المسائلِ السَّابِقةِ كلِّها؛ كقَولِه: دار فُلانٍ فَقَطْ، أو التَّمر الحديثَ فَعتُقَ (٤)، أو الرَّجل الصَّحيح فمَرِضَ، وكالسفينة (٥) تُنقَضُ ثُمَّ تُعادُ. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يَحْنَثَ)، وقالَهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ لِأنَّه لو حَلَفَ على ذلك كلِّه ناوِيًا للصِّفة الَّتي حَلَفَ عَلَيها؛ لم يَحنَثْ إذا زالَتْ، وقَرينةُ الحال تَدُلُّ على إرادة ذلك، فصار كالمَنْوِيِّ، واختاره القاضِي والمؤلف (٦)، في نَحو بَيضَةٍ صارَتْ فَرْخًا. وإنْ حَلَفَ لَيأكُلَنَّ مِنْ (٧) هذه البَيضةِ أو التُّفَّاحة، فعَمِلَ مِنها شَرابًا، أوْ ناطِفًا؛ فالوَجْهانِ، وكذلك سائرُ المسائل (٨)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الفُروع».

стр. 6164

(فَصْلٌ) (فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ)؛ أي: التَّعْيين مع عَدَمِ النِّيَّة والسَّبَبِ؛ (رَجَعْنَا إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاِسْمُ)؛ لِأنَّه دليلٌ على إرادةِ المسمَّى، ولا مُعارِضَ له هُنا، فَوَجَبَ أنْ يُرْجَعَ إلَيهِ عَمَلاً به؛ لسَلامَتِه عن المعارَضَةِ. (وَالْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيَّةٍ، وَحَقِيقِيَّةٍ، وَعُرْفِيَّةٍ). ما له مُسَمًّى واحِدٌ؛ كالرَّجل والمرأة، تنصرِفُ (١) اليمينُ إلى مُسَمَّاهُ بغَيرِ خِلافٍ (٢). وما له موضوعٌ (٣) شَرْعِيٌّ، وموضوعٌ (٤) لُغَوِيٌّ؛ كالوُضوء؛ فتَنصَرِفُ اليمينُ إلى (٥) الموضُوعِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الإطْلاق، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٦). وما له مَوضُوعٌ حقيقيٌّ، ومَجازٌ لم يَشتَهِرْ كالأسد؛ فتنصرفُ (٧) اليمينُ إلى الحقيقة، ككلامِ الشَّارِع. وما اشْتَهَرَ مَجازُه حتَّى صارَت الحقيقةُ (٨) مَغْمُورةً فيه، فهو أقْسامٌ: منها: ما يَغلِبُ على الحقيقة، بحَيثُ لا يَعلَمُها أكْثَرُ النَّاس؛ كالرَّاوية في العُرْف اسْمٌ للمَزادَةِ، وفي (٩) الحقيقة لمَا يُسْتَقَى عَلَيهِ من الحيوانات، والظَّعينةِ

стр. 6165

في العُرْف للمرأة، وفي الحقيقة النَّاقة التي يُظعَنُ عَلَيها؛ فتَنصَرِفُ اليمينُ إلى المجاز؛ لِأنَّه الَّذي (١) يُريدُه بيَمِينِه ويُفْهَمُ مِنْ كلامه، أشْبَهَ الحقيقةَ في غَيرِه. وسيأتي بقيَّةُ أنْواعِها. (فَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ: فَهِيَ أَسْمَاءٌ لَهَا مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَالحَجِّ وَنَحْوِهِ (٢)؛ فَالْيَمِينُ المُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إِلَى المَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ)؛ لِأنَّ ذلك هو المتبادِرُ إلى الفَهْم عِنْدَ الإطْلاقِ؛ لِأنَّ الشَّارِعَ إذا قال: صَلِّ، تَعَيَّنَ عَلَيهِ فِعْلُ الصَّلاةِ المشْتَمِلةِ على الأفعال، إلَّا أنْ يَقتَرِنَ بكَلامِه ما يَدُلُّ على إرادةِ الموضوع اللُّغوي (٣)، فكذا يَمِين الحالِف. (وَيَتَنَاوَلُ (٤) الصَّحِيحَ مِنْهُ)؛ لِأنَّ الفاسِدَ ممنوعٌ منه بأصْلِ الشَّرْعِ، فلا حاجَةَ إلى المنْعِ مِنْ فِعْلِه باليمينِ، (فَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ، فَبَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه الجماعةُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ اليمينَ على ذلك تَتَناوَلُ الصَّحيحَ منه، ولِأنَّه المشروعُ. وعَنْهُ: يَحْنَثُ؛ لِوُجوده صورةً. وعَنْهُ: في البَيعِ دُونَ النِّكاح الفاسِدِ، قاله ابنُ أبي مُوسى. وقال أبو الخَطَّاب: إنْ نَكَحَها نكاحًا (٥) مُختلَفًا فيه؛ فَوَجْهانِ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إن اعْتَقَدَ صِحَّتَه حَنِثَ، وإلَّا فَلَا. ومُقتَضاهُ: أنَّه إذا كان (٦) بَيعًا بشَرْطِ الخِيار؛ أنَّه يَحنَثُ ونَصَّ عَلَيهِ؛ لِأنَّه بَيعٌ شَرْعِيٍّ، فيَحْنَثُ به كاللاَّزِم.

стр. 6166

وإنْ حَلَفَ: لا مَلَكْتُ هذا، فاشْتَراهُ شِراءً فاسِدًا؛ لم يَحنَثْ، وفِيهِ احْتِمالٌ. (إِلَّا أَنْ يُضِيفَ الْيَمِينَ إِلَى شَيْءٍ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الصِّحَّةُ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ: لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ وَالحُرَّ (١)؛ فَيَحْنَثُ بِصُورَةِ الْبَيْعِ)؛ أيْ: إذا قيَّد يَمِينَه بمُمْتَنِعِ الصِّحَّةِ كما ذَكَرَه، فيَحْنَثُ في الأصحِّ بصورةِ البَيعِ؛ لِأنَّه يتعذَّر (٢) حَمْلُ يَمِينِه عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَتَعَيَّنَ مَحَلًّا لها. (وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: إِنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئًا وَبِعْتِنِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَفَعَلَتْ؛ لَمْ تَطْلُقْ)، قال في «الرِّعاية»: هو أقْيَسُ، وخرَّجه السَّامَرِّيُّ على الخلاف الَّذي ذَكَرَه ابنُ أبي موسى، والشِّراءُ كالبيع. وخالَفَ في «عيون المسائل» في: إنْ سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا وبِعْتِنيه (٣)؛ كما لو حَلَفَ لا يَبِيعُ، فباعَ بَيعًا فاسِدًا. وإن (٤) حَلَفَ ليبيعنَّه (٥)، فباعَهُ بعَرْضٍ؛ بَرَّ، وكذا نَسِيئَةً، وقِيلَ: بقَبْضِ (٦) ثَمنِه (٧). فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، أوْ لا يُزوِّج (٨)، فأوْجَبَ، ولم يَقْبَل المشتري (٩) والزَّوج؛ لم يَحنَثْ، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١٠)؛

стр. 6167

لِأنَّه لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبول، فلم يَقَعْ على الإيجاب بِدُونِه، وإنْ قَبِلَه؛ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيهِ. وإنْ حَلَفَ لَيتزَوَّجَنَّ؛ بَرَّ بعَقْدٍ صحيحٍ، سَواءٌ كان له امرأةٌ أوْ لا (١)، وسَواءٌ كانَتْ نَظِيرتَها أوْ أعْلَى منها، إلَّا أنْ يَحتالَ على حَلِّ (٢) يمينِه بتَزْويجٍ لا يُحصِّلُ المقْصودَ. والمذْهَبُ: يَبَرُّ بدُخولِه بنَظِيرتها، والمرادُ - واللهُ أعْلَمُ -: بمَنْ يَغُمُّها وتَتَأَذَّى بها؛ لظاهر (٣) روايةِ أبي طالِبٍ (٤). وفي «المفردات» وغَيرِها: أوْ مقاربها (٥). وقال (٦) الشَّيخُ تقيُّ الدين: المنصوص (٧) أنْ يَتزَوَّجَ ويَدخُلَ، ولا يُشْتَرَطُ مُماثَلَتُها (٨). واعْتَبَرَ في «الرَّوضة»: حتَّى في الجَهاز، ولم يَذكُرْ دُخُولاً. وإنْ حَلَفَ لَيُطَلِّقَنَّ ضَرَّتَها؛ ففي بِرِّه (٩) بِرَجْعِيٍّ خِلافٌ. وإنْ حَلَفَ: لا تَسَرَّيْتُ، فَوَطِئَ جارية (١٠)؛ حَنِثَ، قدَّمه في «الرِّعاية» و «المحرَّر».

стр. 6168

وقال (١) القاضي: لا يَحنَثُ حتَّى يَطَأَ فيُنزِل (٢)، فَحْلاً كان أوْ خَصِيًّا. وعَنْهُ: إنْ عَزَلَ فلا حِنْثَ. وَجْهُ الأوَّل: أنَّ التَّسَرِّيَ مَأْخُوذٌ من السِّرِّ، وهو الوَطْءُ، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥]، ولِأنَّ ذلك حُكْمٌ تعلَّق بالوَطْء، فلم يُعتبَرْ فيه الإنْزالُ ولا التَّحْصِينُ؛ كسائِرِ الأحكام. (وَالْأَوَّلُ أَوْلَى)؛ أي: إنَّها تَطْلُق (٣). (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ؛ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَصُومَ يَوْمًا)؛ لِأنَّ إمْسَاكَ بَعْضِ يَومٍ لَيسَ بصَومٍ شَرْعِيٍّ، وهذا إذا لم يَنْوِ عَدَدًا، وأقل (٤) ذلك يَومٌ؛ لِأنَّه لَيسَ في (٥) الشَّرع صَومٌ مُفْرَدٌ أقلُّ مِنْ يَومٍ، فَلَزِمَه؛ لأنَّه (٦) اليقينُ. والمذْهَبُ: أنَّه يَحنَثُ بشُروعٍ صحيحٍ. وقِيلَ: إنْ حَنِثَ بفِعْلِ بعضِ المحْلوفِ. وما ذَكَرَه المؤلِّفُ، حكاه في (٧) «المحرَّر» و «الفُروع» قَولاً؛ كقوله: صَومًا، وكحَلِفِه لَيَفْعَلَنَّه. وإنْ كان صائِمًا فَدَامَ؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي؛ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً) بسَجْدَتَيها، وقاله أبو الخَطَّاب؛ لِأنَّه أقلُّ ما يُطلق (٨) عَلَيهِ اسْمُ الصَّلاة.

стр. 6169

وقِيلَ: بل (١) إذا صلَّى ركعتَينِ. والمذْهَبُ كما قدَّمه في «المسْتوعب» و «المحرَّر» و «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، ونَسَبَه في «الفُروع» إلى الأصْحاب: أنَّه يَحنَثُ بالشُّروع الصَّحيح. (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ حَلَفَ لَا صَلَّيْتُ صَلَاةً؛ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ)؛ لِأنَّه يُطْلَقُ عَلَيهِ أنَّه مُصَلٍّ، فَيَجِبُ أنْ يكونَ ما هو فيه صلاةً. قال في «الشَّرْح»: (ويشبه (٢) هذا ما إذا قال لِزَوجَتِه: إنْ حِضْتِ حَيضةً فأنتِ طالِقٌ، فإنَّها لا تَطلُقُ حتَّى تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، وإنْ قال: إنْ حِضْتِ فأنْتِ طالِقٌ؛ طلقت (٣) بأوَّل الحَيضِ). وشَمِلَ كلامُه: صلاةَ الجنازة، فيَدخُلُ في العُمُوم، وذَكَرَه أبو الخَطَّاب. وأمَّا الطَّوافُ؛ فقال المجْدُ: لَيسَ صلاةً مُطلَقَةً ولا مُضافَةً، لكِنْ في كَلامِ أحمدَ أنَّه صلاةٌ. وقال أبو الحُسَينِ وغَيرُه في الحديث: «الطَّوافُ بالبَيتِ مِثْلُ الصَّلاة» (٤)؛ في الأحكام كلِّها، إلَّا فيما استثناه، وهو النُّطق. ولم يَذكُر المؤلِّفُ حُكْمَ الحجِّ، وحاصِلُه: أنَّه إذا حَلَفَ لا يَحُجُّ؛ حَنِثَ بإحْرامِه به. وقِيلَ: بفَراغِ أرْكانه. ويَحنَثُ بحجٍّ فاسِدٍ. وإنْ كان مُحرِمًا فَدامَ؛ فَوَجْهانِ.

стр. 6170

(وَإِنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي؛ حَنِثَ بِالتَّكْبِيرِ)، هذا قَولُ القاضي؛ لِأنَّه يَدخُلُ في الصَّلاة بذلك، ويُطلَقُ عليه (١) أنَّه مُصَلٍّ، فيَجِبُ أنْ يكُونَ ما هو فيه صلاةً. والأوَّلُ أصحُّ؛ لِأنَّ ما ذُكر (٢) ثانيًا (٣) مَوجُودٌ فيمن (٤) شَرَعَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ زَيْدًا شَيْئًا (٥)، وَلَا يُوصِي لَهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ)، ولا يُعِيرُه، ولا يُهْدِي له، (فَفَعَلَ، وَلَمْ يَقْبَلْ زَيْدٌ؛ حَنِثَ)، ذَكَرَه الأصْحابُ، وقالَهُ ابنُ سريج (٦)؛ لِأنَّ ذلك لا عِوَضَ فيه (٧)، فيَحنَثُ بالإيجاب فَقَطْ كالوصيَّة. وفي «الموجز» و «التَّبصرة» و «المستوعب»: مِثْلُه في بَيعٍ، وقاله القاضي في: إنْ بِعْتُكَ فأنتَ حُرٌّ. ولأِنَّ الاِسْمَ يَقَعُ عَلَيهَا بِدُونِ القَبولِ؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ … (١٨٠)﴾ الآية [البَقَرَة: ١٨٠]، أراد الإيجابَ؛ لأِنَّ الوصيَّةَ تَصِحُّ قَبْلَ مَوتِ الموصِي، ولا قَبولَ لها حِينَئذٍ. فرعٌ: إذا نَذَرَ أنْ يَهَبَه شَيئًا؛ بَرَّ (٨) بالإيجاب؛ كيمينه، وقد يُقالُ: يُحمَلُ على الكمال، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٩). (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَوَهَبَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ) في الأصحِّ؛ لأِنَّ الصَّدقةَ نَوعٌ من الهِبةِ، ولا يحنث (١٠) الحالِفُ

стр. 6171

على نَوعٍ بفِعْلِ نوعٍ (١) آخَرَ، ولا (٢) يَثبُتُ للجنس حُكْمُ النَّوع، ولهذا حُرِّمَت الصَّدقةُ على النَّبيِّ ﷺ ، ولم تَحرُم (٣) الهِبةُ ولا الهديةُ؛ لحديثِ بَرِيرَةَ (٤). وقِيلَ: يَحنَثُ؛ لمَا ذكرناه (٥). (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَهَبُهُ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه مِنْ أنْواعِ الهِبَة، كما لو أهدى إليه، أو أعْمَرَه. فإنْ أعْطاهُ مِنْ صَدَقَةٍ واجِبةٍ، أوْ نَذْرٍ، أوْ كفَّارةٍ؛ لم يَحنَثْ؛ لِأنَّ ذلك حقٌّ لله (٦) يَجِبُ إخْراجُه، فلَيسَ هو هِبَةً منه. فإنْ تَصَدَّقَ عليه (٧) تَطَوُّعًا؛ حَنِثَ، لم يَذكُر ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ غَيرَه. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ)، هذا رِوايةٌ؛ لِأنَّهما يَختَلِفانِ اسْمًا وحُكْمًا. وَجْهُ الأوَّلِ: أنَّه تَبَرُّعٌ بعينٍ (٨) في الحياة، فيَحنَثُ به (٩) كالهدِيَّة، ولِأنَّ الصَّدقةَ تُسَمَّى هِبَةً، واخْتِلافُ التَّسْمِيَة لكَونِ الصَّدَقة نَوعًا من الهِبَة، فتَخْتَصُّ (١٠) باسْمٍ دُونَها؛ كاخْتِصاصِ الهَدِيَّةِ والعُمْرَى باسْمَينِ، ولم يُخرِجْهما ذلك عن كَونِهما هِبَةً.

стр. 6172

(وَإِنْ أَعَارَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ العارِيَةَ إباحة، والهِبَةُ تمليكٌ، وهذا هو الصَّحيحُ، قاله (١) القاضِي؛ لِأنَّ المسْتَعِيرَ لا يَملِكُ المنفعة، وإنَّما يستحقها (٢)، ولهذا يَملِكُ المعير (٣) الرُّجوعَ فيها، ولا يَملِكُ المسْتَعِيرُ إجارَتَها. (إِلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)؛ فإنَّه يَحنَثُ؛ لِأنَّ العارِيَةَ هِبَةُ المنفعة، وهي قائمةٌ مَقامَ هِبَةِ العَينِ، بدليلِ صحَّةِ مُقابَلةِ المنفعة بالعِوَض؛ كالعَينِ. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهِ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه تبرُّعٌ له بعَينٍ في الحياة، فهو في العُرْف هِبَةٌ. وقِيلَ: لا يَحنَثُ؛ كوصيَّتِه (٤) له، ولِأنَّه لا يَملِكُ على رِوايَةٍ. وبَناهُ في «المغْنِي» على الملك، فإنْ قُلْنا: يَملِكُه؛ حَنِثَ؛ لمساواته (٥) الهِبَة، وإنْ قُلْنا بعَدَمِ ملْكِه؛ فلا. قال ابنُ المنَجَّى: ولقائلٍ أنْ يقولَ: لا يَحنَثُ وإنْ قُلْنا: يَملِكُه؛ لِأنَّ الإنسانَ ممنوعٌ مِنْ هِبَةِ أوْلاده الذُّكور والإناث بالسَّوِيَّة، فلم يَلزَمْ من المنْع من الهِبةِ المنْعُ مِنْ الوقف (٦). (وَإِنْ وَصَّى لَهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ الهِبَةَ تمليكٌ في الحياة، بخِلافِ الوصيَّة. (وَإِنْ بَاعَهُ وَحَابَاهُ؛ حَنِثَ)، قاله أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛

стр. 6173

لِأنَّه تَرَكَ له بعضَ المبيع (١) بغَيرِ عِوَضٍ، أوْ وَهَبَه بَعضَ الثَّمَن. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يَحْنَثَ)، هذا وَجْهٌ، وهو أَوْلَى؛ لِأنَّها معاوضة (٢)، يَملِكُ الشَّفِيعُ أخْذَ جميعِ المبيع، ولو كان هِبَةً أوْ بعضُه (٣)؛ لم يَملِكْ أخْذَ كله (٤)، وأطْلَقَ في «الفروع» الخِلافَ. ويَحنَثُ بالهَدِيَّةِ، خِلافًا لأِبي الخَطَّاب. وإنْ أضافَه؛ لم يَحنَثْ؛ لِأنَّه لم يُملِّكْه شَيئًا، وإنَّما أباح له (٥) الأكْلَ، ولهذا لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه بغَيرِه. وإنْ أسْقَطَ عنه دَينًا؛ لم يَحنَثْ، إلَّا أنْ يَنوِيَ؛ لِأنَّ الهِبَةَ تمليكُ عَينٍ.

стр. 6174

(فَصْلٌ (١) (الْقِسْمُ (٢) الثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الْحَقِيقِيَّةُ)، وهي نسبةٌ إلى الحقيقة، وهو: اللَّفْظُ المسْتَعْمَلُ في وَضْعٍ أوَّلَ، (إِذَا (٣) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوْ المُخَّ، أَوِ الْكَبِدَ، أَوِ الطِّحَالَ، أَوِ الْقَلْبَ، أَوِ الْكَرِشَ، أَوِ المُصْرَانَ، أَوِ (٤) الْأَلْيَةَ وَالدِّمَاغَ وَالْقَانِصَةَ؛ لَمْ يَحْنَثْ)؛ لأِنَّه لا يُسَمَّى لَحْمًا ويَنفَرِدُ عنه (٥) باسْمِه وصِفَته، ولو أَمَرَ وَكِيلَه بشراء (٦) لحمٍ (٧) فاشْتَرَى شَيئًا من هذه؛ لم يكُنْ مُمْتَثِلاً، ولا يَنفُذُ الشِّراءُ. وقال كثيرٌ من العلماء: يَحنَثُ بأكْلِ ذلك؛ لِأنَّه لَحْمٌ حقيقةً. قال في «الشَّرح»: لا (٨) نُسلِّم أنَّه لَحْمٌ حقيقةً، بل هو مِنْ الحَيَوانِ؛ كالعَظْم. وعلى الأوَّل: يَحنَثُ إذا قَصَدَ اجْتِنابَ الدَّسَم، ولا يَحنَثُ بأكْلِ كارِعٍ وذَنَبٍ. فإنْ أَكَلَ مِنْ الشَّحم الَّذي على الظَّهْر والجَنْب، وفي تضاعيف (٩) اللَّحم؛ لم يَحنَثْ في ظاهِرِ قَولِ الخِرقِيِّ.

стр. 6175

وقال القاضي وأبو الخَطَّاب: يَحنَثُ بأكْلِه؛ لِأنَّه لا يُسَمَّى شَحْمًا، ولا بائعه شحَّامًا، ويسمى (١) لَحْمًا سَمِينًا، ولو وكَّلَ في شِراءِ اللحم (٢) فاشْتَراهُ؛ لَزِمَه. وجْهُ الأوَّل: قَولُه تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ … ﴾ الآية [الأنعَام: ١٤٦]؛ لِأنَّه يُشْبِهُ الشحم (٣) في صِفَتِه وذَوْبِه، ولا (٤) نُسلِّمُ أنَّه لا يُسَمَّى شحْمًا، ولا أنَّه (٥) بمُفْرَده يُسَمَّى لَحْمًا، ولا يُسَمَّى بائعُه شحَّامًا (٦)، بل لَحَّامًا؛ لِأنَّه يُسمى (٧) بما (٨) هو الأصْلُ دُونَ التبع (٩). وفي كِلا الدَّلِيلَينِ نَظَرٌ؛ إذْ بمجرد (١٠) شَبَهِ الشَّيء بالشيء (١١) لا يَقتَضِي أنْ يُسمَّى باسْمِه ويُعطَى حُكمَه، على أنَّ شَبَه (١٢) سَمِين الظَّهْر بالأَلْيَة أقْرَبُ مِنْ شِبْهِه بالشَّحم (١٣). فرعٌ: لم يَتعرَّض المؤلِّفُ لحُكْمِ لحمِ الرَّأس واللِّسان والسَّنام، وما لا يُؤكَلُ لَحْمُه، أوْ أكْلِ السَّمِينِ، وفيه وَجْهانِ:

стр. 6176

أحَدُهما: لا يَحنَثُ؛ لِأنَّ اسْمَ اللَّحْم لا يَنصَرِفُ عِنْدَ الإطْلاقِ إلَيهِ، وعَنْهُ فِيمَنْ حَلَفَ لا يَشْتَرِي لَحْمًا، فاشْتَرَى رَأْسًا أوْ كارِعًا: لا يَحنَثُ، إلَّا أنْ يَنوِيَ. والثَّاني: بَلَى؛ لِأنَّه لَحْمٌ. ويَحنَثُ بأكْلِ لَحْمِ ما لا يُؤكَلُ لَحْمُه، ذَكَرَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ. (وَإِنْ أَكَلَ المَرَقَ (١)؛ لَمْ يَحْنَثْ) في الأصحِّ؛ لأِنَّه لَيسَ بِلَحْمٍ. (وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي (٢)، وهو قَولُ القاضِي؛ لأنَّه (٣) لا يَخْلُو مِنْ قِطَعِ اللَّحم (٤). (قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ)؛ لِأنَّه لَيسَ بلَحْمٍ حقيقةً، ولا يُطلَقُ عَلَيهِ اسْمُه، فلم يَحنَثْ به كالكَبِد، ولا نُسلِّمُ أنَّ أجْزاءَ اللَّحم (٥) فيه، وإنَّما فِيهِ ماءُ اللَّحم (٦) ودُهْنُه. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الشَّحْمَ، فَأَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ؛ حَنِثَ)؛ أيْ: إذا (٧) أَكَلَ بَياضَ اللَّحْم؛ كسَمِينِ الظَّهْر؛ يحنَثُ في قَولِ الخِرَقِيِّ، وقدَّمَه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ ذلك يُسَمَّى شَحْمًا، ويُشارِكُ شَحْمَ البطن في اللَّون والذَّوب، وظاهِرُ الآيةِ والعُرْف يَشهَدُ لذلك، وهو قَولُ طلحة (٨) العاقُوليِّ، وعلى هذا: يَحنَثُ بأكْلِ الأَلْيةِ.

стр. 6177

وقال القاضي وغَيرُه: الشَّحمُ هو الَّذي يَكُونُ في الجوف مِنْ شَحْمِ الكُلَى وغَيرِه، فعلى هذا: لا يَحنَثُ بأكْلِ الأَلْيَةِ أو اللَّحم (١) الأَبْيَضِ، قال الزَّرْكَشِيُّ: وهذا هو الصَّوابُ. فإنْ أكَلَ اللَّحْمَ الأحمرَ؛ لم يَحنَثْ؛ لأنَّه (٢) لا يَظهَرُ فِيهِ شَيءٌ من الشَّحْم. وقال الخِرَقِيُّ: يَحنَثُ؛ لِأنَّ اللَّحْمَ لا يَخلُو مِنْ شَحْمٍ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ سَمْنًا، أَوْ كَشْكًا، أَوْ مَصْلاً، أَوْ جُبْنًا)، أوْ أَقِطًا، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ (لَمْ يَحْنَثْ)، اقْتَصَرَ عَلَيهِ في «الكافي»، وقدَّمه في «الرِّعاية» وغَيرِها؛ لأِنَّه لا يُسَمَّى لَبَنًا، وهذا إنْ لم يَظهَرْ طَعْمُه كما ذَكَرَه المؤلِّفُ بَعْدُ. وعَنْهُ: يَحنَثُ فيها. وقال القاضي: يَحتَمِلُ أنْ يُقالَ في الزُّبْد: إنْ ظَهَرَ فيه لَبَنٌ؛ حَنِثَ بأكْلِه، وإلَّا فَلَا. وعلى الأوَّل: لو أَكَلَ مِنْ لَبَنِ الأنعام، أو الصَّيد، أوْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ؛ حَنِثَ، حَلِيبًا كان أوْ رائبًا، مائعًا أوْ جامِدًا؛ لِأنَّ الجميعَ لَبَنٌ. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ وَالسَّمْنِ (٤)، فَأَكَلَ لَبَنًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)، ذَكَرَه مُعظَمُ الأصْحابِ؛ لِأنَّه لا يسمى (٥) زُبْدًا ولا سَمْنًا. وفي «المغْنِي»: إنْ لم يَظهَرْ فيه الزُّبْدُ؛ لم يَحنَثْ، وإنْ ظَهَرَ حنث (٦)؛ لِأنَّ ظُهورَه كوُجودِه.

стр. 6178

وكذا إنْ حَلَفَ على الزُّبْد، فأَكَلَ سَمْنًا، وإنْ أكَلَ جُبْنًا لم يَحنَثْ، وكذلك سائرُ ما يُصنَعُ مِنْ اللبن (١). وإنْ حَلَفَ لا يَأكُلُ سَمْنًا، فأَكَلَ شَيئًا مِمَّا يُصنَعُ مِنْ اللَّبَن سِوَى السَّمنِ؛ لم يَحنَثْ، وفي الزُّبْد وَجْهٌ. وإن (٢) أَكَلَ السَّمْنَ مُنفَرِدًا، أوْ في طَبِيخٍ يَظهَرُ فيه طَعْمُه؛ حَنِثَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ، فَأَكَلَ مِنْ ثَمَرِ الشَّجَرِ) غَيرَ بَرِّيٍّ؛ (كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالتَّمْرِ، وَالرُّمَّانِ)، وَالمَوزِ، والأُتْرُجِّ، والنَّبقِ (٣)، والأصحُّ: ولو يابِسًا كصَنَوبَرٍ وعُنَّابٍ؛ (حَنِثَ)؛ لِأنَّ ذلك يُسَمَّى فاكِهةً عُرْفًا وَشَرْعًا، ويُسَمَّى بائعُ ثَمَرَةِ النَّخْل والرُّمَّان: فاكِهانِيًّا. لا يُقالُ: يَنبَغِي أنْ يكونا لَيسَا مِنْ الفاكِهةِ؛ لقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرَّحمن: ٦٨]؛ لِأنَّهما ثَمَرةُ شَجَرةٍ يُتَفَكَّهُ بهما كسائرِ الأشْياء، والعَطْفُ لا يَقتَضِي المغايَرَةَ، بل لِتَشْريفِهما وتَخْصِيصِهما؛ كقوله (٤) تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ … (٩٨)﴾ الآية [البَقَرَة: ٩٨]. ولَيسَ منها (٥): زَيْتُونٌ، وبَلُّوطٌ، وبُطْمٌ (٦)، وزُعْرُورٌ أحمرُ، وآسٌ، وسائرُ ثَمَرٍ بَرِّيٍّ لا يُسْتَطابُ. وإنْ حَلَفَ لا يأكُلُ مِنْ هذه الشَّجَرةِ؛ حَنِثَ بالثَّمرة فَقَطْ، ولو لُقِطَ مِنْ تَحتِها.

стр. 6179

(وَإِنْ أَكَلَ الْبِطِّيخَ؛ حَنِثَ)، جَزَمَ به في «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّه يَنضَجُ ويَحْلُو، أشْبَهَ ثَمَرَةَ الشجرِ (١). (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَحْنَثَ)، ذكره (٢) في «الكافي» و «المحرَّر» وَجْهًا؛ لِأنَّه ثمرُ (٣) بَقْلةٍ؛ كالخِيار. (وَلَا يَحْنَثُ (٤) بِأَكْلِ الْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ)، وسائرِ الخَضْرَاوات؛ كقَرَعٍ، وباذِنْجانٍ، وجَزَرٍ، ولَفْتٍ، وفُجْلٍ، وقَلْقاسٍ؛ لِأنَّه لا يُسَمَّى فاكِهةً، ولا هو في مَعْناهُ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ مُذَنّبًا)، وهو: الَّذي بدا فيه الإرْطابُ مِنْ ذَنَبِه، وباقِيهِ بُسْرٌ، ومُنَصّفًا: وهو الَّذي بعضُه بُسْرٌ وبَعضُه رُطَبٌ، أوْ لا يأكُلُ بُسْرًا، فأكل ذلك؛ (حَنِثَ)، قدَّمه في «المحرَّر»، ونَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ آكِلَه قد أكَلَ الرُّطَبَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَحنَثُ؛ لِأنَّه لا يُسمَّى رُطَبًا. فرعٌ: حَلَفَ واحِدٌ ليأكُلَنَّ رُطَبًا، وآخَرُ: ليأكُلَنَّ بُسْرًا، فأَكَلَ الأوَّلُ ما في المنصِّف (٥) من الرُّطَب (٦)، وأكَلَ الآخَرُ باقيَهَا؛ بَرَّا (٧). (وَإِنْ أَكَلَ تَمْرًا أَوْ بُسْرًا (٨)؛ لم يَحنَثْ؛ لِأنَّه لَيسَ بِرُطَبٍ.

стр. 6180

(أَوْ (١) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ (٢) تَمْرًا، فَأَكَلَ رُطَبًا، أَوْ دِبْسًا، أَوْ نَاطِفًا؛ لَمْ يَحْنَثْ)، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز»؛ لِأنَّه لَيسَ بتمر (٣). وإنْ أَكَلَ رُطَبًا غَيرَ بُسْرٍ، قال ابنُ حَمْدانَ: أوْ هُما، عَنْ مُذَنِّبٍ؛ فلا حِنْثَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ أُدْمًا؛ حَنِثَ بِأَكْلِ (٤) الْبَيْضِ وَالشِّوَاءِ)، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، (وَالْجُبْنِ، وَالمِلْحِ) في الأَشْهَر فِيهِ، (وَالزَّيْتُونِ، وَاللَّبَنِ، وَسَائِرِ مَا يُصْطَبَغُ (٦) بِهِ)؛ أيْ: ما يُغمَسُ فيه الخُبْزُ، ويُسمَّى ذلك المغموس (٧) فيه صِبْغًا؛ لِأنَّ ما جَرَت العادةُ بأكْلِ الخُبْزِ به هو (٨) التَّأَدُّمُ، قال الله تعالى: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقال النَّبيُّ ﷺ : «نِعْمَ الأُدْمُ الخَلُّ» رواه مُسلِمٌ (٩)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «ائْتَدِمُوا بالزَّيت، وادَّهِنُوا به» رواهُ ابنُ ماجَهْ، ورجالُه ثِقاتٌ (١٠)،

стр. 6181

وقال النَّبيُّ ﷺ : «سَيِّدُ أُدْمِ أَهْلِ (١) الدُّنيا والآخِرة اللَّحْمُ» رواهُ ابنُ قُتَيبَةَ في «غَرِيبِه» (٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ (٣): «سيِّدُ إدامِكم المِلْحُ» رواهُ ابنُ ماجَهْ بإسْنادٍ ضعيفٍ (٤)، ولِأنَّه يُؤكَلُ به الخُبْزُ عادةً، ويُعَدُّ للتَّأَدُّمِ، فكان أُدْمًا. (وَفِي التَّمْرِ وَجْهَانِ)، كذا في «المحرَّر» و «الفروع»: أحدُهما: هو أُدْمٌ (٥)، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ وَضَعَ تمرةً على كِسْرةٍ، وقال: «هذِهِ إدام هذِهِ» رواه أبو داودَ، والبُخاريُّ في «تاريخه» (٦).

стр. 6182

والثَّاني: لا؛ لِأنَّه لا يُؤتَدَمُ به (١) عادةً، وهو فاكِهةٌ. قال في «الفروع»: ويَتوَجَّهُ عَلَيهِما: زَبِيبٌ ونحوُه، وهو ظاهِرُ كلامِ جماعةٍ. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: لا يَحنَثُ. فرعٌ: القُوتُ: خُبْزٌ، وفاكِهةٌ يابِسةٌ، ولَبَنٌ، ونحوُه، وقِيلَ: قُوتُ أهْلِ بلدِه، ويَحنَثُ بحَبٍّ يُقْتاتُ في الأصحِّ. والطَّعامُ: ما يُؤكَلُ ويُشرَبُ. وفي ماءٍ، ودَواءٍ، وَوَرَقِ شَجَرٍ، وتُرابٍ، ونحوِها؛ وَجْهانِ. والعَيشُ عُرْفًا: الخُبْزُ، وفي اللُّغة: العَيشُ الحياةُ، فيَتَوَجَّهُ: ما يَعِيشُ به، فيكونُ كالطَّعام.

стр. 6183

فَصلٌ (١) (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا، فَلَبِسَ ثَوْبًا، أَوْ دِرْعًا، أَوْ جَوْشَنًا، أَوْ خُفًّا (٢)، أَوْ نَعْلاً؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه مَلْبوسٌ حقيقةً وعُرْفًا، فحَنِثَ به كالثِّياب، لكِنْ لو أدْخَلَ يده (٣) في الخُفِّ أو النَّعْل؛ لم يَحنَثْ. وإنْ حَلَفَ لا يَلبَسُ ثَوبًا؛ حَنِثَ كَيفَ لَبِسَه، ولو تعمَّمَ به، ولو (٤) ارْتَدَى بسَراوِيلَ، أو اتَّزَرَ بقميصٍ، لا بِطَيِّهِ، ولا بتَرْكِه على رأسه، ولا بنَومِه عَلَيهِ. وإنْ تَدثَّرَ به؛ فَوَجْهانِ. وإنْ قال: قميصًا، فاتَّزَرَ به؛ لم يَحنَثْ، وإن ارْتَدَى؛ فَوَجْهانِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَلْيًا، فَلَبِسَ حِلْيَةَ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ جَوْهَرٍ؛ حَنِثَ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فَاطِر: ١٢]، وقَولِه تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أْسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فَاطِر: ٣٣]، وقال ابنُ عُمَرَ (٥): «قال اللهُ تعالى للبحر الشَّرْقِيِّ: إنِّي جاعِلٌ فِيكَ الحِلْيَةَ، والصَّيدَ، والطِّيب» (٦)،

стр. 6184

وكذَهَبٍ وَجَدَه. (وَإِنْ لَبِسَ (١) عَقِيقًا، أَوْ سَبَجًا (٢)، وحريرًا؛ (لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّه لَيسَ بحَلْيٍ؛ كخَرَزِ الزُّجاج. وفي «الوسيلة»: تَحنَثُ المرأةُ بحريرٍ. (وَإِنْ لَبِسَ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ (٣)، زاد في «الرِّعاية»: المفْرَدَينِ، ومِنطَقةً محلاَّة (٤)، لا سَيفًا، (فِي مُرْسَلَةٍ؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا حِنْثَ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه لَيسَ بحَلْيٍ إذا لم يَلْبَسْه، فكذا إذا لَبِسَه. والثَّاني (٥): بلى؛ كلُبْسِ سِوارٍ وخاتَمٍ، ولِأنَّها مِنْ حَلْيِ الرِّجال، ولا يُقصَدُ بِلُبْسِها مُحَلاَّةً إلَّا التَّجَمُّلَ بها. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَلبَسُ خاتَمًا، فلَبِسَه في غَيرِ خِنْصرٍ؛ حَنِثَ؛ لِأنَّه

стр. 6185

لَابِسٌ، ولا فَرْقَ بَينَ الخِنْصِرِ وغَيرِه إلَّا مِنْ حَيثُ الاِصْطِلاح على تخصيصه بالخِنْصِر. (١) وكما لو حَلَفَ لَا يَلبَسُ قَلَنْسُوَةً، فَجَعَلَها في رِجْلِه. وجَوابُه: بأنَّه عَيبٌ وسفهٌ (٢) بخِلافِه هنا. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا (٣) يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ (٤)، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فُلَانٌ؛ حَنِثَ). نَقُولُ: إذا حَلَفَ لا يَدخُلُ دارَ زَيدٍ، فدَخَلَ دارَ عَبْده؛ حَنِثَ بِغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه (٥)؛ لِأنَّ دارَ العَبْدِ ملْكٌ للسَّيِّد، والثَّوبُ والدَّابَّة كالدَّار؛ لِأنَّهما مَمْلوكانِ للسَّيِّد، فتناولتهما (٦) يَمِينُ الحالِفِ. وأمَّا كَونُه يَحنَثُ إذا فَعَلَ ذلك (٧) فِيمَا اسْتَأْجَرَه فُلانٌ؛ لِأنَّ الدَّارَ تُضافُ إلى ساكِنِها كإضافتها (٨) إلى مالِكِها؛ لقوله (٩) تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ

стр. 6186

بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطّلَاق: ١]، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزَاب: ٣٣]، ولِأنَّ الإضافةَ لِلاِخْتِصاص، وساكِنُ الدَّار مختصٌّ (١) بها، فكانت إضافَتُها إليه صحيحةً، وهي مُسْتَعْمَلةٌ في العرف. وأمَّا الإقْرارُ لو قال: هذه دارُ زَيدٍ، وفسَّر إقرارَه بسُكْناها، احْتَمَلَ أنْ يُقْبَل تَفْسيرُه، ولو سُلِّم (٢) بقَرِينةِ الإقْرارِ يصرفه (٣) إلى الملْك (٤). ولو حَلَفَ لا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيدٍ؛ حَنِثَ بدُخُوله الدَّارَ التي (٥) يَسْكُنُها، ولو قال: هذا السَّكَنُ لِزَيدٍ؛ كان مُقِرًّا له (٦) بها. (وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعَارَهَا فُلَانٌ)، أوْ غَصَبَها؛ (لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ فُلانًا لا يَملِكُ مَنافِعَ الدَّابَّة، وفارَقَ مسألةَ الدَّار، فإنَّه لم يَحنَثْ في الدَّار لكَونه اسْتَعارَها أوْ غَصَبَها، وإنَّما يَحنَثُ لِسُكْناهُ بها، فأُضِيفَتْ إلَيهِ، ولو غَصَبَها أو اسْتَعارَها مِنْ غَيرِ أنْ يَسكُنَها؛ لم تصحَّ (٧) إضافَتُها إلَيهِ. وعَنْه: يَحنَثُ بدُخُولِ الدَّار المُسْتَعارَةِ، وذكره (٨) ابنُ عَقِيلٍ في «الفصول»؛ لِوُجودِ شَرْطِهِ. وفي «الرِّعاية»: وإنْ قال: لا أَسْكُنُ مَسْكَنَه، فَفِيما لا (٩) يَسكُنُه زَيدٌ مِنْ

стр. 6187

ملْكِهِ، وما يَسكُنُهُ بغصبٍ (١) وَجْهانِ. وفي «التَّرغِيب»: الأَقْوَى إنْ كان سَكَنَه مَرَّةً؛ حَنِثَ. وإنْ قال: مِلْكه؛ ففيما (٢) اسْتَأْجَرَه خِلافٌ في «الاِنتِصار». (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ عَبْدِهِ، فَرَكِبَ دَابَّةً جُعِلَتْ بِرَسْمِهِ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه مُختَصٌّ بها حِينَئِذٍ؛ كحَلِفِه لا يَركَبُ رَحْلَ (٣) هذه الدَّابَّة، ولا يَبِيعُه. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَدَخَلَ سَطْحَهَا؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه من الدَّار، وحُكْمُه حُكْمُها، بدليلِ صحَّةِ الاِعْتِكاف فيه، ومَنْعِ الجُنبِ (٤) مِنْ اللُّبْث فيه، فَوَجَبَ أنْ يَحنَثَ إذا دَخَلَه؛ كما لو دَخلَ الدَّارَ نفسها (٥). وإنْ حَلَفَ: لَيَخْرُجَنَّ مِنْ الدَّار، فصَعِدَ سَطْحَها؛ لم يَبَرَّ، فإنْ كانَ ثَمَّ نِيَّةٌ أوْ سَبَبٌ أوْ قَرينةٌ؛ عُمِلَ بها. وإن (٦) صَعِدَ على شَجَرةٍ حتَّى صار في مُقابَلةِ سَطْحِها بَينَ حِيطانِها؛ حنثَ (٧)، وإنْ لم يَنزِلْ بَينَ حِيطانِها؛ فهل يَحنَثُ؟ فيه احْتِمالانِ. وكذا إنْ كانَت الشَّجَرةُ في غَيرِ الدَّار، فتعلَّقَ بفَرْعٍ مادٍّ على الدَّار في مُقابَلةِ سَطْحِها. فإنْ أقامَ على حائطِ الدَّار؛ فَوَجْهانِ: أحدُهما: يَحنَثُ، ذَكَرهَ القاضي؛ لِأنَّه داخِلٌ في حدِّها، أشْبَهَ القائمَ على سَطْحِها.

стр. 6188

والثَّاني: لَا؛ لِأنَّه لا يُسَمَّى داخِلاً. (وَإِنْ دَخَلَ طَاقَ الْبَابِ؛ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَحنَثُ؛ لأِنَّه دَخَلَ في حَدِّها. والثَّاني: لَا (١)، وصحَّحه في «المغْنِي»؛ لِأنَّه لا يُسَمَّى داخِلاً. وقال القاضِي: إنْ قامَ في مَوضِعٍ إذا أَغْلَقَ البابَ كان خارِجًا منه (٢)؛ لم يَحنَثْ، وجَزَمَ به في «الوجيز». (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إِنْسَانًا؛ حَنِثَ بِكَلَامِ كُلِّ إِنْسَانٍ)؛ لِأنَّها نكرةٌ في سِياقِ النَّفْيِ فتَعُمُّ، ولِفِعْلِه المحْلُوفَ عَلَيهِ. حتَّى لو سلَّم عَلَيهِ حَنِثَ؛ لِأنَّ السَّلامَ كلامٌ تَبطُلُ به الصَّلاةُ، فيَحنَثُ به كغَيرِه. وفي «الرِّعاية»: إنْ سلَّم عَلَيهِ ولم يَعرِفْه؛ فَوَجْهانِ. وإنْ صَلَّى المحْلُوفُ عَلَيهِ (٣) إمامًا، وسلَّم مِنْ الصَّلاة لم يَحنَثْ، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وكذا إنْ أُرْتِجَ عَلَيهِ فيها فَفَتَحَ عَلَيهِ الحالِفُ. (وَإِنْ زَجَرَهُ، فَقَالَ: تَنَحَّ، أَوِ اسْكُتْ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّ ذلك كلامٌ، فيَدخُلُ فيما حَلَفَ على عَدَمه. وقِياسُ المذْهَب: لا. فلو كاتَبَه، أوْ راسَلَه؛ حَنِثَ، إلَّا أنْ يكون أراد ألَّا يُشافِهَه، وقالَهُ أكْثَرُ الأَصْحابِ.

стр. 6189

وعَنْهُ: لا يَحنَثُ، إلَّا أنْ تكون نِيَّتُه (١) أوْ سَبَبُ يمينه يَقتَضِي هِجْرانَه؛ لِأنَّه يَصِحُّ نَفْيُه، ولو كانت الرِّسالةُ تكليمًا لَتَناوَلَ مُوسَى وغَيرَه مِنْ الرُّسُل، ولم يَختَصَّ بكَونِه كليمَ (٢) الله تعالى. واحْتَجَّ الأصْحابُ بقَوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ … (٥١)﴾ الآيةَ [الشّورى: ٥١]؛ لِأنَّه وُضِعَ لِإفْهامِ الآدَمِيِّينَ، أشْبَهَ الخِطابَ. والصَّحيحُ: أنَّ هذا لَيسَ بتكليمٍ، والاِسْتِثْناءُ في الآية مِنْ غَيرِ الجنس، كما في الآية الأخرى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عِمرَان: ٤١]، والرَّمْزُ لَيسَ بتكليمٍ، لكِنْ إنْ نوى (٣) تَرْكَ مُواصَلته (٤)، أوْ كان سببُ يمينه يقتضي هِجْرانَه، فإنَّه يَحنَثُ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبْتَدِئُهُ بِكَلَامٍ)، أوْ لا كلَّمْتُ فُلانًا حتَّى يُكلِّمَني، أوْ حتَّى يبدأني (٥) بكلامٍ، (فَتَكَلَّمَا (٦) مَعًا (٧)؛ حَنِثَ) في الأصحِّ؛ لِأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما مُبتَدِئٌ؛ إذ (٨) لم يتقدَّمْه كلامٌ سِواهُ. وفي «الرِّعاية»: قُلْتُ: لا. لكِنْ إذا قال: لا بَدَأْتُه بكلامٍ، فتكلَّما معًا؛ لم يَحنَثْ، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز» (٩)؛ لِعَدَمِ البداية (١٠).

стр. 6190

والثَّاني: بلى؛ لِمَا تَقدَّمَ. وأطْلَقَهما في «الفُروع». (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا)، ولم يَنْوِ شَيئًا؛ (فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهَرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (١)؛ لِأنَّ الحِينَ المطْلَقَ في كلامِ الله تعالى أقلُّه ستَّةُ أشْهُرٍ، فيُحمَلُ مُطلَقُ كلامِ الآدَمِيِّ عَلَيهِ. قال في «الفروع»: ويَتَوجَّهُ أقلُّ زَمَنٍ يقع (٢) على القليلِ كالكثير؛ لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الرُّوم: ١٧]. فإنْ قُلْتَ: يَرِدُ (٣) للسَّنَة؛ لقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]، ويراد (٤) به يومُ القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ [ص: ٨٨]، ويراد (٥) به ساعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الرُّوم: ١٧]، ويقال: جئته (٦) بعدَ حِينٍ، وإنْ كان أتاه مِنْ ساعةٍ، ويراد (٧) به مُدَّةٌ طويلةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ [المؤمنون: ٥٤]. فالجَوابُ: أنَّه يَصِحُّ الإطْلاقُ في ذلك كلِّه (٨)، وإنَّما الكلامُ في الإطلاق الخالي (٩) عن الإرادة، مع أنَّ عِكْرَمَةَ، وسعيدَ بنَ جُبَيرٍ، وأبا عُبَيدةَ (١٠) قالوا في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]: (ستَّةُ أشْهُرٍ)، واخْتُلِفَ

стр. 6191

فيها عن ابنِ عبَّاسٍ (١)، وما اسْتَشْهَدوا به من المطْلَق في كلامِ الله تعالى، فما (٢) ذكرناه (٣) أقلُّ، فحُمِلَ على اليقين. وقِيلَ: إنْ عرَّفَه؛ فلِلأْبَد؛ كالدَّهْر والعُمْر. أمَّا إذا قَيَّدَ لَفْظَه أوْ نِيَّتَه بزمنٍ (٤)؛ فإنَّها تَتَقَيَّدُ به. (وَإِنْ قَالَ: زَمَنًا، أَوْ دَهْرًا، أَوْ بَعِيدًا (٥)، أَوِ الزَّمَانَ (٦)، أَوْ مَلِيًّا؛ رُجِعَ إِلَى أَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ)، جَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروع»؛ لأِنَّ ما زَادَ عَلَيهِ مَشْكوكٌ في إرادَتِه، والأصلُ عَدَمُه. وعِنْدَ القاضي (٧): أنَّ زَمَنًا كحِينٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ في وَقْتٍ ونحوِه: الأَشْبَهُ بمَذْهَبِنا ما يُؤثِّرُ في مِثْلِهِ (٨) من المؤاخَذَة، والزَّمانُ كحِينٍ. واخْتارَ في «المحرَّر»، وقَطَعَ به في «الوجيز»: أنَّه لِلْأَبَدِ؛ كالدَّهْر. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى: أنَّه إذا حَلَفَ لا يُكلِّمُه زمانًا (٩)؛ فهو إلى ثلاثةِ أشْهُرٍ.

стр. 6192

(وَإِنْ قَالَ: عُمُرًا؛ احْتَمَلَ ذَلِكَ)؛ أيْ: يُرجَعُ فيه إلى أقلِّ ما يتناوله (١) اللَّفظُ، (وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ (٢) أَرْبَعِينَ عَامًا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [يُونس: ١٦]، وهو قَولٌ حَسَنٌ. قال أبو الخَطَّاب: (ما (٣) وَرَدَ فيه من ذلك يُرجَعُ إلَيهِ كالْحِينِ، فأمَّا (٤) غَيرُه؛ فإنْ كانَتْ له نِيَّةٌ، وإلِّا حُمِلَ على أقلِّ ما يَقَعُ عَلَيهِ الاِسْمُ مِنْ العمر والدَّهر). (وَقَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا (٥) مِثْلُ الْحِينِ)؛ لمَا تقدَّمَ، (إِلَّا بَعِيدًا، أَوْ مَلِيًّا (٦)، زاد في «الرِّعاية»: أوْ طويلاً، (فَإِنَّهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ (٧)، وَإِنْ قَالَ: الْأَبَدَ، وَالدَّهْرَ)، والعُمرَ؛ (فَذَلِكَ عَلَى الزَّمَانِ كُلِّهِ)؛ لِأنَّ الألِفَ واللاَّمَ لِلاِسْتِغْراق، وذلك يُوجِبُ دُخولَ الزَّمانِ كلِّه. (وَالْحُقْبُ) - بضَمِّ الحاء - (ثَمَانُونَ سَنَةً)؛ نَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «المستوعب» و «الوجيز»، روي (٨) عن عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ في تفسيرِ الآية (٩)،

стр. 6193

وقالَه الجَوهَرِيُّ في «صَحاحِه» (١). وقال القاضي، وقدَّمه في «الفروع»: هو أدْنَى زمانٍ؛ لأِنَّه المتيَقَّنُ. وقِيلَ: أرْبَعُونَ عامًا. وقِيلَ: للأبد (٢). (وَالشُّهُورُ: اثْنَا عَشَرَ عِنْدَ الْقَاضِي)، وجَزمَ به في «الوجيز»؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التّوبَة: ٣٦]. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»: (ثَلَاثَةٌ)؛ لأِنَّه جَمْعٌ؛ (كَالْأَشْهُرِ)، فإنَّها ثلاثةٌ وَجْهًا واحدًا. (وَالْأَيَّامُ: ثَلَاثَةٌ)؛ لأِنَّها أقلُّ الجَمْع، وإنْ عَيَّنَ أيَّامًا؛ تَبِعَتْها اللَّيالِي. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ، فَحُوِّلَ وَدَخَلَهُ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ على تَرْكِه، وكذا إذا جَعَلَ لها بابًا آخَرَ مع بَقاءِ الأوَّل، أوْ قَلَعَ البابَ ونَصَبَه في دارٍ أخْرَى، ولم (٣) يَحنَثْ بالدُّخول من الموْضِع الَّذي نُصِب (٤) فيه الباب. وإنْ حَلَفَ لا يَدخُلُ هذه الدَّارَ مِنْ بابها، فَدَخَلَها مِنْ غَيرِ الباب؛ لم يَحنَثْ. ويَتخرَّجُ: بلى إذا أراد بيمينِه اجْتِنابَ الدَّار، لكِنْ إنْ كان للدَّار سببٌ هَيَّجَ

стр. 6194

اليمينَ (١)؛ كما لو حَلَفَ لا يَأْوِي مَعَ زَوجَته في دارٍ، فَأَوَى معها في غَيرِها. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ إِلَى حِينِ الْحِصَادِ؛ انْتَهَتْ يَمِينُهُ بِأَوَّلِهِ)؛ لِأنَّ «إلى» لاِنْتِهاء الغاية، فينتهي (٢) عِنْدَ أوَّلِها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ يَتَنَاوَلَ (٣) جَمِيعَ مُدَّتِهِ)، هذا روايةٌ؛ لأِنَّ «إلى» تُستَعْمَلُ بمَعْنَى «مع»؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عِمرَان: ٥٢]، ولِأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه قَصَدَ هِجْرانَه، واللَّفْظُ صالِحٌ لِتَناوُلِ الجَمِيعِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ (٤) مَالٌ غَيْرُ زَكَوِيٍّ، أَوْ (٥) دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ؛ حَنِثَ (٦)؛ لِأنَّه مالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَحنَثَ؛ للمُخالَفَةِ في يمينه، والدَّينُ مالٌ يَنعَقِدُ عَلَيهِ الحَولُ، ويَصِحُّ تَصرُّفُه فيه (٧) بالإبْراءِ والحَوالَة، أشْبَهَ المودِعَ، ولِأنَّ المالَ ما تناوله (٨) النَّاسُ عادةً لطَلَبِ الرِّبْحِ، مَأخُوذٌ مِنْ المَيْلِ مِنْ يَدٍ إلى يَدٍ، وجانِبٍ إلى جانِبٍ، قاله (٩) في «الواضح»، والملْكُ يَختَصُّ الأَعْيانَ من الأموال، ولا يعمُّ (١٠) الدَّينَ.

стр. 6195

وعن أحمدَ: إذا نَذَرَ الصَّدقة (١) بجميعِ مالِه؛ إنَّما يَتَناوَلُ نذره (٢) الصَّامِتَ مِنْ مالِه (٣)؛ لِأنَّ إطْلاقَ المال يَنصرِفُ إلَيهِ. فلو كان له مالٌ مَغْصُوبٌ؛ حَنِثَ. وكذا إنْ كان ضائعًا في وَجْهٍ، فإنْ ضاعَ على وَجْهٍ قد أيس (٤) مِنْ عَودِه؛ لم يَحنَثْ في الأَشْهَرِ. ويَحتَمِلُ: ألَّا يَحنَثَ في كلِّ مَوضِعٍ لا يَقدِرُ على أخْذِ مالِه. وظاهِرُه: أنَّه إذا تزوَّج، أو اشْتَرَى عَقَارًا ونحوَه؛ لا يَحنَثُ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، فَوَكَّلَ مَنْ (٥) فَعَلَهُ؛ حَنِثَ)، إلَّا أنْ يَنْوِيَ، اقْتَصَرَ عَلَيهِ أكثرُ الأصْحابِ؛ لِأنَّ فِعْلَ وكيلِه كفِعْلِه، نَصَّ عَلَيهِ (٦)، ولِأنَّ الفِعْلَ يُطلَقُ على المُوَكِّلِ فِيهِ والآمِرِ به، فحنِثَ، كما لو حَلَفَ لا يَحلِقُ رأسَه، فأَمَرَ مَنْ حَلَقَه. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى: أنَّه يَحنَثُ، إلَّا أنْ تكُونَ عادتُه (٧) جارِيَةً بمُباشَرةِ ذلك الفعل بنَفْسِه فلا، وجَزَمَ به في «الوجيز». فإذا وكَّل فيه وأضاف إلى الموكَّلِ؛ فلا حِنْثَ، وإنْ أطْلَقَ؛ فَوَجْهانِ. وإنْ حَلَفَ لا يُكلِّمُ عَبْدًا اشْتَراهُ زَيدٌ، فكلَّم عَبْدًا اشتراه وكيلُه، أوْ لا يَضرِبُ عبدَه، فضَرَبَه بأَمْرِه؛ حَنِثَ.

стр. 6196

قاعدةٌ: تَطْلُقُ امرأةُ مَنْ حلَفَ (١) لا يُكلِّمُ زِنْدِيقًا بقائلٍ بخَلْقِ القرآن، قاله سَجَّادَةُ (٢)، قال أحمدُ: ما أُبْعِدُه (٣). والسَّفِلَةُ: مَنْ لم يُبالِ بما قال وما قِيلَ له، ونَقَلَ عبدُ الله: مَنْ يَدخُلُ الحَمَّامَ بغَيرِ مِئْزَرٍ، ولا يُبالِي على أيِّ مَعصِيَةٍ رُئِيَ (٤). قال ابنُ الجَوزِيِّ: الرَّعاعُ: السَّفِلَةُ، والغَوْغاءُ نحوُ ذلك، وأصْلُ الغَوْغاء: صِغَارُ الجَرادِ.

стр. 6197

(فَصْلٌ) (فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتُهِرَ (١) مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ)؛ لِأنَّها إذا لم تَشْتَهِرْ تكُونُ مُجازًا لُغَةً، وسُمِّيَتْ عُرْفِيَّةً؛ لاِسْتِعْمالِ أهلِ العُرْف لها في غَيرِ المعْنَى اللُّغَوِيِّ، وذلك أنَّ اللَّفْظَ قد يكونُ حقيقةً لغوية (٢) في مَعْنًى، ثُمَّ يَصِيرُ مَدْلولُه على مَعْنًى آخَرَ عُرْفِيٍّ، ولا شبْهةَ في وُقُوعِ ذلك؛ (كَالرَّاوِيَةِ): للمَزادَة في العُرْف، وفي الحقيقة: الجَمَلُ الَّذي يُستقى (٣) عَلَيهِ، (وَالظَّعِينَةِ): هي في العُرْف للمَرأةِ، وفي (٤) الحقيقة: للنَّاقة الَّتي يُظْعَنُ عَلَيها، (وَالدَّابَّةِ): اسْمٌ لِذَواتِ الأرْبَعِ، وفي الحقيقة: اسْمٌ لمَا دَبَّ، (وَالْغَائِطِ وَالْعَذِرَةِ) في العُرْف: الخارِجُ المسْتَقْذَرُ، وفي الحقيقة (٥)؛ الغائطُ: المكانُ المطمئنُّ من الأرض، والعَذِرةُ: فِناءُ الدَّار، (وَنَحْوِهَا)؛ أيْ: نَحْوِ هذه الأشْياءِ. (فَتَتَعَلَّقُ (٦) الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ)؛ لِأنَّه يُعلَمُ أنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ غَيرَه، فصار كالمصرَّحِ به، (دُونَ الْحَقِيقَةِ)؛ لأِنَّها صارَتْ مَهْجُورةً، ولا يَعرِفُها أكثرُ النَّاس. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ (٧)؛ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا)؛ لأنَّه (٨) الَّذي

стр. 6198

يَنصَرِفُ اللَّفْظُ في العُرْف إلَيهِ، وإنْ حَلَفَ لا يَتَسَرَّى؛ حَنِثَ بِوَطْئِها أيضًا، وقد سَبَقَ. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ؛ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِدُخُولِهَا)؛ لِأنَّها غَيرُ قابِلةٍ للجِماع، فَوَجَبَ تَعلُّقُ يَمينِه بدُخُولها، (رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا، أَوْ مُنْتَعِلاً)؛ لِأنَّ اليمينَ مَحمُولةٌ على الدُّخول. وكذا إنْ حَلَفَ لا يَضَعُ قَدَمَه في الدَّار. وقال أبو ثَورٍ: إنْ دَخَلَها راكِبًا؛ لم يَحنَثْ؛ لأِنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها. وهل يَحنَثُ بدُخُولِ مَقْبَرَةٍ؟ قال في «الفروع»: يَتَوَجَّهُ لا إنْ قُدِّمَ (١) العُرْف، وإلَّا حَنِثَ. وقد قال بعضُ العلماء في (٢) قَولِه ﵇: «السَّلام (٣) عَلَيكم دارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ» (٤): إنَّ اسْمَ الدَّار يَقَعُ على المقابِر، قال: وهو صحيحٌ، فإنَّ الدَّارَ في اللُّغة يَقَعُ على الرَّبْع المسْكُونِ، وعلى الخَرابِ غَيرِ المأْهُولِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ، وَالْبَنَفْسَجَ، وَالْيَاسَمِينَ)، ولو كان يابِسًا، (أَوْ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ؛ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ)، وهذا (٥) قَولُ القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه المُسَمَّى عُرْفًا، ويَمِينُه تَختَصُّ بالرَّيْحان الفارِسِيِّ. (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْنَثُ (٦)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ، والمجْدُ، وابنُ حَمْدانَ، وصحَّحه في «الفروع»، وحِينَئِذٍ: يَحنَثُ بشَمِّ كلِّ نَبْتٍ رِيحُهُ

стр. 6199

طَيِّبٌ كمرْزَجُوش (١)؛ لِأنَّه يَتَناوَلُه اسْمُ الرَّيْحانِ حقيقةً. وعُلِم منه: أنَّه لا يحنث بشم الفاكهة، وجهًا واحدًا. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَشَمُّ طِيبًا، فَشَمَّ نَبْتًا طَيِّبَ الرِّيحِ؛ كالخُزامِ ونَحوِه؛ حَنِثَ في الأَشْهَر. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا؛ حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ (٢)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ والجَدُّ، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرَةَ وصاحِبُ «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النّحل: ١٤]، ولِأنَّه جِسْمُ حَيَوانٍ يُسمَّى لَحْمًا، فحَنِثَ بأكْلِه؛ كلَحْمِ الطَّيرِ، وتَقْدِيمًا للشَّرع واللُّغة. (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى)، إلَّا أنْ يَنوِيَه؛ لِأنَّه لا يَنصَرِفُ إلَيهِ إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْم، ولو وَكَّلَ في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى له سَمَكًا لم يَلزَمْه، ويَصِحُّ أنْ يُنْفَى عنه الاِسْمُ، فيُقالُ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، وإنَّما أكَلْتُ سَمَكًا، وكما لو حَلَفَ: لا قعدت تَحْتَ سَقْفٍ، فإنَّه لا يَحنَثُ بقُعوده تَحْتَ السَّماء، وقد سمَّاه الله تعالى سَقْفًا محفوظًا؛ لِأنَّه مَجازٌ، كذا هُنا. والأوَّلُ هو ظاهِرُ المذْهَب، والفَرْقُ بَينَ مسألةِ اللَّحْم والسَّقْف: أنَّ الظَّاهِرَ أنَّ (٣) مَنْ حَلَفَ لا يَقعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ؛ يُمكِنُه التَّحرُّزُ منه، والسَّماءُ لَيستْ كذلك، فَعُلِمَ أنَّه لم يُرِدْها بِيَمِينه، ولأِنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وهُنا حقيقةٌ؛ لكَونِه مِنْ حَيَوانٍ يَصلُح للأكلِ، فكان الاِسْمُ فيه (٤) حقيقةً كلَحْمِ الطَّير؛ لقوله تعالى:

стр. 6200

﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ [الواقِعَة: ٢١]. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيْضًا؛ حَنِثَ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ (١) وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ) وغَيرِ ذلك، (عِنْدَ الْقَاضِي (٢)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِعُمومِ الاِسْمِ فيه حقيقةً وعُرْفًا، أشْبَهَ ما لو حَلَفَ لا يَشرَبُ ماءً، فإنَّه يَحنَثُ بشُرْبِ الماءِ المالِحِ (٣) والماء النَّجِس. ومَن حَلَفَ لا يأكُلُ خُبْزًا؛ حَنِثَ بكلِّ خُبْزٍ. وفي «التَّرغيبِ»: إنْ كان خُبْزُ بَلَدِه الأرز؛ حَنِثَ به، وفي حِنْثِه (٤) بخُبْزِ غَيرِه الوجْهانِ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيْضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ)؛ لأنه (٥) لا يَنصَرِفُ إلَيهِ اللَّفْظُ عُرْفًا؛ فلم يَحنَثُ؛ كما لو حَلَفَ لا يَأكُلُ شِواءً فأَكَلَ بَيضًا، ونَقَلَه في «الشَّرح» عنه، وأنَّه قَولُ أكْثَرِ العُلَماء، وهو الصَّحيحُ. وقِيلَ: بَيضُ السَّمَك والجَرادِ يُزايِلُهما في الحياة، ولا يُؤكَلُ في حَياتِهما. وفي «المحرَّر» و «الفروع» ك «المقْنِع». وفي «التَّرغيب»: إنْ كان بمكانِ العادة إفْرادُه بالبيع فيه؛ حَنِثَ، وفي غير (٦) مَكانِه وَجْهانِ؛ نَظَرًا إلى أصْلِ العادة أوْ عادةِ الحالِفِ. وحاصِلُه: أنَّه لا يَحنَثُ بأكْلِ شَيءٍ يُسَمَّى بَيضًا غَيرِ بَيضِ الحَيَوان، ولا
следующие страницы →