← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

قاعدةٌ: تَطْلُقُ امرأةُ مَنْ حلَفَ (١) لا يُكلِّمُ زِنْدِيقًا بقائلٍ بخَلْقِ القرآن، قاله سَجَّادَةُ (٢)، قال أحمدُ: ما أُبْعِدُه (٣). والسَّفِلَةُ: مَنْ لم يُبالِ بما قال وما قِيلَ له، ونَقَلَ عبدُ الله: مَنْ يَدخُلُ الحَمَّامَ بغَيرِ مِئْزَرٍ، ولا يُبالِي على أيِّ مَعصِيَةٍ رُئِيَ (٤). قال ابنُ الجَوزِيِّ: الرَّعاعُ: السَّفِلَةُ، والغَوْغاءُ نحوُ ذلك، وأصْلُ الغَوْغاء: صِغَارُ الجَرادِ.

стр. 6197

(فَصْلٌ) (فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ؛ فَهِيَ أَسْمَاءٌ اشْتُهِرَ (١) مَجَازُهَا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْحَقِيقَةِ)؛ لِأنَّها إذا لم تَشْتَهِرْ تكُونُ مُجازًا لُغَةً، وسُمِّيَتْ عُرْفِيَّةً؛ لاِسْتِعْمالِ أهلِ العُرْف لها في غَيرِ المعْنَى اللُّغَوِيِّ، وذلك أنَّ اللَّفْظَ قد يكونُ حقيقةً لغوية (٢) في مَعْنًى، ثُمَّ يَصِيرُ مَدْلولُه على مَعْنًى آخَرَ عُرْفِيٍّ، ولا شبْهةَ في وُقُوعِ ذلك؛ (كَالرَّاوِيَةِ): للمَزادَة في العُرْف، وفي الحقيقة: الجَمَلُ الَّذي يُستقى (٣) عَلَيهِ، (وَالظَّعِينَةِ): هي في العُرْف للمَرأةِ، وفي (٤) الحقيقة: للنَّاقة الَّتي يُظْعَنُ عَلَيها، (وَالدَّابَّةِ): اسْمٌ لِذَواتِ الأرْبَعِ، وفي الحقيقة: اسْمٌ لمَا دَبَّ، (وَالْغَائِطِ وَالْعَذِرَةِ) في العُرْف: الخارِجُ المسْتَقْذَرُ، وفي الحقيقة (٥)؛ الغائطُ: المكانُ المطمئنُّ من الأرض، والعَذِرةُ: فِناءُ الدَّار، (وَنَحْوِهَا)؛ أيْ: نَحْوِ هذه الأشْياءِ. (فَتَتَعَلَّقُ (٦) الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ)؛ لِأنَّه يُعلَمُ أنَّ الحالِفَ لا يُرِيدُ غَيرَه، فصار كالمصرَّحِ به، (دُونَ الْحَقِيقَةِ)؛ لأِنَّها صارَتْ مَهْجُورةً، ولا يَعرِفُها أكثرُ النَّاس. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ امْرَأَتِهِ (٧)؛ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا)؛ لأنَّه (٨) الَّذي

стр. 6198

يَنصَرِفُ اللَّفْظُ في العُرْف إلَيهِ، وإنْ حَلَفَ لا يَتَسَرَّى؛ حَنِثَ بِوَطْئِها أيضًا، وقد سَبَقَ. (وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَطْءِ دَارٍ؛ تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِدُخُولِهَا)؛ لِأنَّها غَيرُ قابِلةٍ للجِماع، فَوَجَبَ تَعلُّقُ يَمينِه بدُخُولها، (رَاكِبًا، أَوْ مَاشِيًا، أَوْ حَافِيًا، أَوْ مُنْتَعِلاً)؛ لِأنَّ اليمينَ مَحمُولةٌ على الدُّخول. وكذا إنْ حَلَفَ لا يَضَعُ قَدَمَه في الدَّار. وقال أبو ثَورٍ: إنْ دَخَلَها راكِبًا؛ لم يَحنَثْ؛ لأِنَّه لم يَضَعْ قَدَمَه فيها. وهل يَحنَثُ بدُخُولِ مَقْبَرَةٍ؟ قال في «الفروع»: يَتَوَجَّهُ لا إنْ قُدِّمَ (١) العُرْف، وإلَّا حَنِثَ. وقد قال بعضُ العلماء في (٢) قَولِه ﵇: «السَّلام (٣) عَلَيكم دارَ قَومٍ مُؤْمِنِينَ» (٤): إنَّ اسْمَ الدَّار يَقَعُ على المقابِر، قال: وهو صحيحٌ، فإنَّ الدَّارَ في اللُّغة يَقَعُ على الرَّبْع المسْكُونِ، وعلى الخَرابِ غَيرِ المأْهُولِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشَمُّ الرَّيْحَانَ، فَشَمَّ الْوَرْدَ، وَالْبَنَفْسَجَ، وَالْيَاسَمِينَ)، ولو كان يابِسًا، (أَوْ لَا يَشَمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّ دُهْنَهُمَا، أَوْ مَاءَ الْوَرْدِ؛ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ)، وهذا (٥) قَولُ القاضي، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّه المُسَمَّى عُرْفًا، ويَمِينُه تَختَصُّ بالرَّيْحان الفارِسِيِّ. (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَحْنَثُ (٦)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ، والمجْدُ، وابنُ حَمْدانَ، وصحَّحه في «الفروع»، وحِينَئِذٍ: يَحنَثُ بشَمِّ كلِّ نَبْتٍ رِيحُهُ

стр. 6199

طَيِّبٌ كمرْزَجُوش (١)؛ لِأنَّه يَتَناوَلُه اسْمُ الرَّيْحانِ حقيقةً. وعُلِم منه: أنَّه لا يحنث بشم الفاكهة، وجهًا واحدًا. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَشَمُّ طِيبًا، فَشَمَّ نَبْتًا طَيِّبَ الرِّيحِ؛ كالخُزامِ ونَحوِه؛ حَنِثَ في الأَشْهَر. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا؛ حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ (٢)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ والجَدُّ، وجَزَمَ به ابنُ هُبَيرَةَ وصاحِبُ «الوجيز»، وهو المذْهَبُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النّحل: ١٤]، ولِأنَّه جِسْمُ حَيَوانٍ يُسمَّى لَحْمًا، فحَنِثَ بأكْلِه؛ كلَحْمِ الطَّيرِ، وتَقْدِيمًا للشَّرع واللُّغة. (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى)، إلَّا أنْ يَنوِيَه؛ لِأنَّه لا يَنصَرِفُ إلَيهِ إطْلاقُ اسْمِ اللَّحْم، ولو وَكَّلَ في شِراءِ لَحْمٍ، فاشْتَرَى له سَمَكًا لم يَلزَمْه، ويَصِحُّ أنْ يُنْفَى عنه الاِسْمُ، فيُقالُ: ما أَكَلْتُ لَحْمًا، وإنَّما أكَلْتُ سَمَكًا، وكما لو حَلَفَ: لا قعدت تَحْتَ سَقْفٍ، فإنَّه لا يَحنَثُ بقُعوده تَحْتَ السَّماء، وقد سمَّاه الله تعالى سَقْفًا محفوظًا؛ لِأنَّه مَجازٌ، كذا هُنا. والأوَّلُ هو ظاهِرُ المذْهَب، والفَرْقُ بَينَ مسألةِ اللَّحْم والسَّقْف: أنَّ الظَّاهِرَ أنَّ (٣) مَنْ حَلَفَ لا يَقعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ؛ يُمكِنُه التَّحرُّزُ منه، والسَّماءُ لَيستْ كذلك، فَعُلِمَ أنَّه لم يُرِدْها بِيَمِينه، ولأِنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجازٌ، وهُنا حقيقةٌ؛ لكَونِه مِنْ حَيَوانٍ يَصلُح للأكلِ، فكان الاِسْمُ فيه (٤) حقيقةً كلَحْمِ الطَّير؛ لقوله تعالى:

стр. 6200

﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ [الواقِعَة: ٢١]. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا وَلَا بَيْضًا؛ حَنِثَ بِأَكْلِ رُؤُوسِ الطَّيْرِ (١) وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ) وغَيرِ ذلك، (عِنْدَ الْقَاضِي (٢)، قدَّمه في «الرِّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِعُمومِ الاِسْمِ فيه حقيقةً وعُرْفًا، أشْبَهَ ما لو حَلَفَ لا يَشرَبُ ماءً، فإنَّه يَحنَثُ بشُرْبِ الماءِ المالِحِ (٣) والماء النَّجِس. ومَن حَلَفَ لا يأكُلُ خُبْزًا؛ حَنِثَ بكلِّ خُبْزٍ. وفي «التَّرغيبِ»: إنْ كان خُبْزُ بَلَدِه الأرز؛ حَنِثَ به، وفي حِنْثِه (٤) بخُبْزِ غَيرِه الوجْهانِ. (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيْضٍ يُزَايِلُ بَائِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ)؛ لأنه (٥) لا يَنصَرِفُ إلَيهِ اللَّفْظُ عُرْفًا؛ فلم يَحنَثُ؛ كما لو حَلَفَ لا يَأكُلُ شِواءً فأَكَلَ بَيضًا، ونَقَلَه في «الشَّرح» عنه، وأنَّه قَولُ أكْثَرِ العُلَماء، وهو الصَّحيحُ. وقِيلَ: بَيضُ السَّمَك والجَرادِ يُزايِلُهما في الحياة، ولا يُؤكَلُ في حَياتِهما. وفي «المحرَّر» و «الفروع» ك «المقْنِع». وفي «التَّرغيب»: إنْ كان بمكانِ العادة إفْرادُه بالبيع فيه؛ حَنِثَ، وفي غير (٦) مَكانِه وَجْهانِ؛ نَظَرًا إلى أصْلِ العادة أوْ عادةِ الحالِفِ. وحاصِلُه: أنَّه لا يَحنَثُ بأكْلِ شَيءٍ يُسَمَّى بَيضًا غَيرِ بَيضِ الحَيَوان، ولا

стр. 6201

بشَيءٍ يُسَمَّى رأْسًا غَيرِ رُؤوسِ الحَيَوان؛ لِأنَّ ذلك ليس برأْسٍ ولا بَيضٍ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعَرٍ، أَوْ أَدَمٍ)؛ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيهِ (١)؛ لِأنَّه بيتٌ (٢) حقيقةً؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النُّور: ٣٦]، وقَولِه تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ … (٩٦)﴾ الآية [آل عِمرَان: ٩٦]، وقَولِه ﵇: «بِئْسَ البيتُ الحَمَّامُ» رواه أبو داودَ وغَيرُه، وفيه ضعْفٌ (٣). وإذا كان في الحقيقة بَيتًا، وفي عُرْفِ الشارع (٤)؛ حَنِثَ بدُخولِه؛ كبَيتِ الإنسان. وأمَّا بَيتُ الشَّعَر والأَدَم؛ فَلِأَنَّ اسْمَ البيت يَقَعُ عَلَيهِ حقيقةً وعُرْفًا؛ لقوله تعالى: الآيةَ ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا … (٨٠)﴾ الآية [النّحل: ٨٠]. وظاهِرُه: أنَّ الخَيمةَ كذلك، قدَّمه في «الرِّعاية»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ السَّامَرِّيُّ، وحكاه في «الفروع» مَنصوصًا عَلَيهِ. وذَكَرَ في «الكافي» و «الشَّرح»: أنَّه لا يَحنَثُ بدُخولِها.

стр. 6202

لكِنْ إنْ عَيَّنَ خَيمةً، فقُلِعَتْ وضُرِبَتْ في مَوضِعٍ آخَرَ، أوْ نَقَلَها (١)؛ حَنِثَ. وعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ: أنَّه لا يَحنَثُ بدُخُولِ دِهْلِيزِ دارٍ، أو صُفَّتِها (٢)؛ لِأنَّه لا يُسَمَّى بَيتًا. (أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً؛ حَنِثَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا)؛ لِأنَّه رُكوبٌ؛ لقوله تعالى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هُود: ٤١]، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العَنكبوت: ٦٥]. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يَحْنَثَ)، وهو قَولُ أكْثَرِهِم؛ لِأنَّه لا (٣) يُسَمَّى بَيتًا ولا رُكوبًا في العُرْف. وظاهره: أنَّ الاِحْتِمالَ في الصُّوَر كلِّها، وظاهِرُ «المغْنِي»: أنَّه في المسجد والحَمَّام فَقَطْ، قال: لِأنَّ أهْلَ العُرْفِ لا تُسَمِّي ذلك بَيتًا. (فَإنْ (٤) حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ (٥) اللهَ (٦)، أَوْ ذَكَرَ (٧) اللهَ تَعَالَى؛ لَمْ يَحْنَثْ) في قَولِ أكْثَرِ العلماء؛ لِأنَّ الكلامَ في العُرْف لا يُطلَقُ إلَّا على كلامِ الآدَمِيِّينَ، قال (٨) زَيدُ بنُ أرْقَمَ: «كُنَّا نتكلَّمُ في الصَّلاة حتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٨]، فأُمِرْنا بالسُّكُوت، ونُهِينَا عن الكلام» (٩)، وأَمَرَ اللهُ تعالى زَكَرِيَّا بالتَّسبيح مع قَطْعِ الكلام عنه. وقال أبو حنيفة (١٠): إنْ قَرَأَ في الصَّلاة؛ لم يَحنَثْ، وإلَّا حَنِثَ، ومُقْتَضَى

стр. 6203

مَذْهَبه: أنَّه يَحنَثُ؛ لِأنَّه كلامٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفَتْح: ٢٦]، وقَولِه ﵇: «كَلِمَتانِ حَبِيبتانِ إلى الرَّحمن، خَفِيفَتانِ على اللِّسان … » الخَبَرَ (١). والأوَّلُ أشْهَرُ؛ لأنَّ (٢) ما لا يخرجُ به في الصَّلاة لا يَجِبُ خارِجًا منها، كالإشارة (٣)، وما ذكره (٤) يبطل (٥) بذِكْرِ الله تعالى المشروعِ في الصَّلاة. (وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ) بابَه، (فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾ [الحِجر: ٤٦]، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ) بالقُرْآن؛ (لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ هذا من (٦) كلامِ الله تعالى، ويَمِينُه إنَّما تَنصَرِفُ إلى كلامِ الآدميين. قال ابنُ المنَجَّى: فإنْ قيلَ: لو قال ذلك في الصَّلاة؛ لَبَطَلَتْ، ولو لم يكُنْ مِنْ كلامِ الآدَمِيِّينَ؛ لَمَا بَطَلَتْ. قِيلَ: في (٧) ذلك مَنْعٌ، وإنْ سُلِّم؛ فالفَرْقُ: أنَّ الصَّلاةَ لا تَصِحُّ إلَّا بقُرآنٍ، وقد وَقَعَ التَّردُّدُ فيه أنَّ ذلك قُرآنٌ، ولا يَصِحُّ مع الشَّكِّ في شَرْطِها، بخِلافِ الحَلِف، فإنَّ شَرْطَ الحنث (٨) فيه: كَوْنُ المتكلَّمِ به كَلامَ الآدميين، وقد وَقَعَ

стр. 6204

التَّردُّدُ فيه، فلا يَحنَثُ بالشَّكِّ في شَرْطِه. وفي «المُذهبِ» وجهٌ (١). وظاهِرُه: أنَّه إذا لم يَقصِد القرآنَ؛ أنَّه يَحنَثُ، ذَكَرَه الأصْحابُ؛ لِأنَّه مِنْ كلامِ الآدَمِيِّينَ، وحقيقةُ الذِّكْر ما نُطِقَ به، فتُحمل (٢) يمينُه عليه (٣)، ذَكَرَه في «الانتصار». قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (الكلامُ يَتَضَمَّنُ فِعْلاً كالحركة، ويَتَضَمَّنُ ما يَقتَرِنُ بالفِعْل من الحروف (٤) والمعاني، فلهذا يُجعَلُ القَولُ قسيمًا (٥) للفعل، وقسمًا (٦) آخَر، ويَنبَنِي عَلَيهِ: مَنْ حَلَفَ لا يَعمَلُ عَمَلاً، فقال قَولاً كالقراءة، هل يَحنَثُ؟ فيه وَجْهانِ) (٧). فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَسمَعُ كلامَ الله، فَسَمِعَ القُرآنَ؛ فإنَّه يَحنَثُ إجْماعًا، قاله أبو الوَفَاء (٨). (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّه قَصَدَ تَرْكَ تَألِيمِها، وقد آلمَها. وقال أبو الخَطَّاب: يَحتَمِلُ ألَّا يَحنَثَ بذلك، إلَّا أنْ يَقصِدَ ألَّا يُؤلمَها، أَوْمَأَ إليه أحمد (٩) في رِوايَةِ مُهَنَّى (١٠)، وهو قَولٌ في «الرِّعاية».

стр. 6205

لكِنْ لو عضَّها (١) للتَّلَذُّذ، ولم يَقصِدْ تَأْلِيمَها؛ لم يَحنَثْ. وإنْ حَلَفَ لَيَضرِبَنَّها، فَفَعَلَ ذلك؛ بَرَّ؛ لِوُجودِ المقصود بالضَّرب، وإنْ ضَرَبَها بَعْدَ مَوتِها؛ لم يَبَرَّ. وهل اللَّطْمُ والوَكْزُ ضَرْبٌ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ، قاله ابنُ حَمْدانَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ (٢) مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً؛ لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ)، نَصَرَه في «الشَّرح»، واقْتَصَرَ عَلَيهِ السَّامَرِّيُّ وصاحِبُ «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ لِأنَّ هذا هو المفْهُومُ في العُرْف؛ ولأنَّ (٣) السوط (٤) هنا آلةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المصْدَر، وانْتَصَبَ انْتِصابَه؛ لِأنَّ مَعْنَى كَلامِه: لَأضْرِبَنَّه مِائَةَ ضَرْبَةٍ بِسَوطٍ، وهذا هو المفْهُومُ في (٥) يمينه والَّذي يَقتَضِيهِ لُغَةً، فلا يبرُّ (٦) بما يُخالِفُ ذلك. وعَنْهُ: يبرُّ (٧)، اخْتارَهُ (٨) ابنُ حامِدٍ؛ لقولِ أحمدَ في المريض الَّذي عَلَيهِ الحَدُّ: (يُضرَبُ بعِثْكالِ النَّخْل، يَسقُطُ عنه الحَدُّ) (٩)، كحلفه (١٠) لَيَضْرِبَنَّه بمِائةٍ. وأجاب في «الشَّرح» عن قِصَّةِ أيُّوبَ: بأنَّ هذا الحُكْمُ لو كان عامًّا؛ لمَا

стр. 6206

خُصَّ بالمنَّة عَلَيهِ، وعن (١) المريض المجْلودِ: بأنَّه إذا لم يتعدَّ (٢) هذا الحُكْم في الحدِّ الَّذي وَرَدَ النَّصُّ فيه؛ فَلَأن لَا يَتعَدَّى إلى اليمين أَوْلَى. فرعٌ: إذا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّه بعَشَرةِ أسْواطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَه بها؛ بَرَّ. وإنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّه عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لم يَبَرَّ بضَرْبِه عَشَرَةَ أسْواطٍ دَفْعةً واحِدةً بغَيرِ خِلافٍ (٣). وكذا إنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّه عَشْرَ ضَرَباتٍ.

стр. 6207

(فَصْلٌ) (إِذَا (١) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ (٢) مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ، مِثْلَ: أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الأَحْمَرَ (٣)، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ؛ لَمْ يَحْنَثْ)، قدَّمه في «المستوعب» و «الكافي» في اللَّحم الأَحْمَر، وصحَّحه المؤلِّفُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ المسْتَهْلَكَ لا يَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الَّذي حَلَفَ عَلَيهِ، فلم يَحنَثْ بأَكْلِ المسْتَهْلَكِ فيه، كما لو حَلَفَ لا يَأكُلُ رُطَبًا، فأَكَلَ تَمْرًا، ولِأنَّ المسْتَهْلَكَ في الشَّيء يَصِيرُ وُجودُه كَعَدَمِه، والظَّاهِرُ مِنْ الحالف (٤) على ذلك أنَّه (٥) إنَّما حَلَفَ لمَعْنًى في المحْلُوفِ عَلَيهِ، وإذا كان كذلك؛ تَعَيَّنَ عَدَمُ الحِنْث؛ لِانْتِفاءِ المعْنَى المحْلُوفِ مِنْ أجْلِه. (وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ؛ حَنِثَ)؛ كما لو أَكَلَ ذلك مُنفَرِدًا، وكحَلِفِه على اللَّبن (٦)، فإنَّه يَحنَثُ بمسمَّاه (٧)، ولو مِنْ صَيدٍ وآدَمِيَّةٍ.

стр. 6208

(وَقَالَ الخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الأَحْمَرِ (١) وَحْدَهُ (٢)؛ لِأنَّه لا يكادُ يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ، فيَحْنَثُ به وإنْ قلَّ؛ لِأنَّه يَظْهَرُ في الطَّبيخ، فيَبِينُ على وَجْهِ المرَقِ، وفارَقَ مَنْ حَلف (٣) لا يَأكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فيه سَمْنٌ لا يَظهَرُ طَعْمُه ولا لَونُه؛ لِأنَّ هذا قد يَظهَرُ الدُّهْنُ فيه. (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ)؛ لِأنَّ الشَّعِيرَ يُمكِنُ تمييزُه، فَتَرْكُه (٤) فيه، وأكْلُه له؛ أكْلٌ لِمَا مَنَعَ نَفْسَه مِنْ أكْلِه مع (٥) القُدْرةِ عَلَيهِ، أشْبَهَ ما لو أكَلَه مُنفَرِدًا. وفي «التَّرغيب»: إنْ طَحَنَه لم يَحنَثْ، وإلَّا حَنِثَ في الأصحِّ. والمذْهَبُ الأوَّلُ. فلو حَلَفَ لا يَأكُلُ حِنطَةً، فأكَلَها خُبْزًا أوْ طَحِينًا؛ حَنِثَ؛ لِأنَّ الِحنطَةَ لا تُؤكَلُ حَبًّا عادةً، فانْصَرَفَتْ يَمِينُه إلى أكْلِها في جميعِ أحْوالِها. مسألةٌ: إذا حَلَفَ لا يَأكُلُ في هذه القريةِ، فأَكَلَ فيها، أوْ في حدٍّ من (٦) حُدودِها؛ حَنِثَ، ذَكَرَه في «المستوعب»، قال أحمدُ فِيمَنْ حَلَفَ لا يدخل (٧) هذه القريةَ، فأَوَى إلى (٨) ناحية منها، مِمَّا هو في حَدِّها: حَنِثَ (٩)؛ لِأنَّ النَّاحِيَةَ والحَدَّ مِنْ جُملةِ القَريَةِ، ذَكَرَه القاضِي.

стр. 6209

(فَصْلٌ) (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا، فَشَرِبَهُ، أَوْ: لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ)، هذا روايةٌ؛ لِأنَّ الحالِفَ على تَرْكِ شَيءٍ يَقصِدُ به في العُرْف: اجْتِنابَ ذلك الشَّيء بالكُلِّيَّة، فحُمِلَت اليمينُ عَلَيهِ، ألَا تَرَى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢]، فإنَّه يَتناوَلُ تحريمَ شُرْبِها، ولو قال طبيبٌ (١) لمريضٍ: لا تأكُل العَسَلَ؛ كان ناهِيًا له عن شُرْبِه، وبالعَكْس. (وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَدَ (٢) فِيهِ وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ)، هذه روايةٌ (٣) ثانِيَةٌ نَقَلَها مُهَنَّى (٤)، وقدَّمها في «المحرَّر»؛ لِأنَّ الأفْعالَ أنْواعٌ كالأعيان، وإنْ حَلَفَ على نَوعٍ مِنْ الأنواع؛ لم يَحنَثْ بغَيرِه، كذلك الأفْعالُ. (فَيُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ؛ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ على الخِلافِ السَّابِقِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ)، هذا رِوايَةٌ، وجَزَمَ بها في «الوجيز»؛ لِأنَّ تغيُّر (٥) صِفَة المحْلُوف عَلَيه لا يَنفِي الحِنْثَ، فكذلك تَغَيُّرُ صِفَةِ الفِعْل، وإذا لم يُعَيِّنْه؛ فلا حِنْثَ؛ لِأنَّه لم تحصل (٦) المخالَفة مِنْ جِهَةِ الاِسْم، ولا (٧) من جِهَةِ التَّعْيِينِ.

стр. 6210

قال في «الشَّرح»: لَيسَ للتعيين أَثَرٌ في الحِنْثِ وعَدَمِه، فإنَّ الحِنْثَ في المعيَّن (١) إنَّما كان لِتَناوُلِه ما (٢) حَلَفَ عَلَيهِ، وأخبره أنَّ (٣) مَعْنَى الأكْل والشُّرْب على التَّناوُل العامِّ فِيهِما، وهذا لا فَرْقَ فيه بَينَ التَّعْيين وعَدَمِه، وعَدَمُ الحِنْث مُعَلَّلٌ بأنَّه لم يَفْعَل الفِعْلَ (٤) الَّذي حَلَفَ على تَرْكِه، وإنَّما فَعَلَ غَيرَه، وهذا في المعيَّنِ كهُوَ في المطْلَق؛ لِعَدَم الفارِقِ بَينَهما. فَرْعٌ: إذا حَلَفَ لا يَأكُلُ ولا يَشرَبُ، أوْ لا (٥) يَفْعَلُهما، فَمَصَّ رُمَّانًا، أوْ قَصَبَ سُكَّرٍ (٦)؛ فَرِوايَتانِ، أنَصُّهما: لا حِنْثَ، ذَكَرَه في «الكافي». وذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أنَّ أحمدَ نَصَّ فِيمَن حَلَفَ لا يَأكُلُ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أو الرُّمَّانَ؛ حَنِثَ. وإنْ حَلَفَ لا يَأكُلُ سُكَّرًا، أَوْ لا يَشْرَبُه، فَتَرَكَه في فِيهِ حتَّى ذَابَ وابْتَلَعَه؛ فَعَلَى الخِلافِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ؛ حَنِثَ بِأَكْلِهِ، وَشُرْبِهِ)، وَمَصِّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ولِأنَّ ذلك كلَّه طُعْمٌ (٧). (وَإِنْ ذَاقَهُ وَلَمْ يَبْلَعْهُ (٨)؛ لَمْ يَحْنَثْ) في قَولِهم جميعًا؛ لِأنَّه لَيسَ بأكْلٍ ولا شُرْبٍ، بدليلِ: أنَّ الصَّائمَ لا يُفطِرُ به.

стр. 6211

فلو حَلَفَ لا يَذوقُه؛ حَنِثَ بأَكْلِه، أوْ شربه (١)، أوْ ذَوقِه (٢)؛ لِأنَّه ذَوقٌ وزيادة (٣). وفي «الرِّعاية»: حَنِثَ بأَكْلِه وشُرْبِه، ثُمَّ قال: قُلْتُ: فِيمَنْ لا ذَوقَ له نَظَرٌ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ؛ حَنِثَ)؛ لقوله ﵇: «كُلُوا الزَّيْتَ» (٤)، ولأنَّه (٥) يُسَمَّى أَكْلاً، ويُؤكَلُ في العادة كذلك. فرعٌ: إذا حَلَفَ لا يَشرَبُ مِنْ الكُوز، فصبَّ (٦) منه في إناءٍ وشَرِبَ؛ لم يَحنَثْ. وعَكْسُه: إنِ اغْتَرَفَ بإناءٍ مِنْ النَّهر أو البِئْر. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحتَمِلُ عَدَمُ حِنْثِه بكَرْعِه مِنْ النَّهر؛ لِعَدَمِ اعْتِبارِه (٧)؛ كحَلِفِه لا يَلبَسُ هذا الثَّوبَ، فتَعَمَّمَ به.

стр. 6212

(فَصْلٌ (١) (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ؛ لَمْ يَحْنَثْ) في قَولِهم جميعًا؛ لِأنَّه لا يُطلَقُ اسْمُ الفِعْلِ عَلَى مستديم (٢) هذه الثَّلاثَةِ، فلا يُقالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا، ولا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا، ولا تَطيَّبْت شَهْرًا، وإنَّما يُقالُ: مُنذُ شَهْرٍ، ولم يُنَزِّلِ (٣) الشَّارِعُ اسْتِدامَةَ التَّزْويج والطِّيب مَنزِلةَ ابتدائه (٤) في تحريمه في الإحْرام. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا يَرْكَبُ، وَلَا يَلْبَسُ)، ولا يَقُومُ، ولا يَقعُدُ، ولا يُسافِرُ، (فَاسْتَدَامَ ذلِكَ؛ حَنِثَ)، وهُو قَولُ أكْثَرِهم؛ لِأنَّ المسْتَدِيمَ يُطلَقُ عَلَيهِ ذلك، بدليلِ أنَّه يُقالُ: رَكِبَ شَهْرًا، ولَبِسَ شهرًا (٥)، وقد اعْتَبَر الشَّارِعُ هذا في الإحرام، حَيثُ حَرَّمَ لُبْسَ المَخِيط، وأوجب (٦) الكفَّارةَ باسْتِدامَتِه، كما أوْجَبَها في ابْتِدائه. وقال أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ في اللُّبْس إن استدامه (٧): حَنِثَ إنْ قَدَرَ على نَزْعِه. ويلحق بالأوَّل (٨): ما لو حلف لا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِها، وعَلَيهِ منه شَيءٌ، نَصَّ

стр. 6213

عَلَيهِ (١)، أو لا (٢) يَطَأُ، فاسْتَدامَ ذلك، ذَكَرَه في «الانتصار». أوْ: لا يُضاجِعُها على فِراشٍ، فَضَاجَعَتْه ودَامَ، نَصَّ عَلَيهِ (٣)؛ لأنَّ (٤) المضاجَعةَ تَقَعُ على الاِسْتِدامَةِ، ولهذا يُقالُ: اضْطَجَعَ على الفِراش لَيلةً. قال القاضي وابنُ شِهابٍ: الخُروجُ والنَّزْعُ (٥) لا يُسَمَّى سَكَنًا ولا لُبْسًا، والنَّزْعُ جِماعٌ؛ لاِشْتِمالِه على إيِلاجٍ وإخْراجٍ، فهو شطره (٦). وجَزَمَ في «مُنْتَهَى الغاية»: لا يَحنَثُ بالنَّزْع في الحال وِفاقًا (٧). وكذا إذا حَلَفَ لا يُمْسِكُ، ذَكَرَه في «الخِلافِ»، أوْ لا يُشارِكُه فَدَامَ، ذَكَرَه في «الرَّوضة». (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا؛ حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي)، لم يَذكُر ابنُ هُبَيرةَ عن أحمدَ غَيرَه، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِأنَّ استدامة (٨) المقامَ في ملْكِ الغَيرِ كابْتِدائه في التَّحريم. (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ)؛ لِأنَّ الدُّخُولَ لا يُستَعْمَلُ في الاِسْتِدامة، ولهذا يُقالُ: دخلها (٩) مُنذُ شَهْرٍ، ولا يُقالُ: دخلها (١٠) شَهْرًا، فَجَرَى مَجْرَى التَّزويج، ولِأنَّ الاِنْفِصالَ مِنْ خارِجٍ إلى داخِلٍ، ولا يُوجَدُ في الإقامة، قال

стр. 6214

أحمدُ: (أخافُ أنْ يكونَ قد (١) حَنِثَ) (٢)، قال السَّامَرِّيُّ: فَحَمَلَه أبو الخَطَّاب على أنَّه قَصَدَ الاِمْتِناعَ مِنْ الكون في (٣) داخِلِها، وإلَّا فلا يَحنَثُ، حتَّى يَبتَدِئَ دُخولَها. وقِيلَ: لا يَحنَثُ، إلَّا أنْ يَنوِيَ فُرْقَةَ أهْلِها، أوْ عَدَمَ الكون (٤) فيها، أو السبب (٥) يَقْتَضِيهِ، وَإلَّا إذا دَخَلَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ؛ فَعَلَى الوَجْهَيْنِ (٦)؛ لِأنَّ الإقامةَ هنا كالإقامة في المسألة الَّتي قَبْلَها، والأصحُّ: الحِنْثُ إنْ لم يكُنْ له نِيَّةٌ (٧). (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا) وهو ساكِنُها، أو لا (٨) يَركَبُ دابَّةً هو راكِبُها، أوْ لا يَلْبَسُ ثَوبًا هو لَابِسُهُ، (أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ (٩) مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّ اسْتَدامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، بدليلِ: أنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: سَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا. (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ) وأهْلِه، ذَكَرَه في «المغْنِي» وغَيره؛ لِأنَّ الاِنْتِقالَ لا يكُونُ إلَّا بالأهل والمال، ويكُونُ نَقْلُه على ما جَرَتْ به العادةُ، لا لَيلاً. وإنْ تَرَدَّدَ إلى الدَّار لِنَقْلِ المتاع، أوْ عِيادةِ مريضٍ؛ لم يَحنَثْ، ذَكَرَه في

стр. 6215

«الكافي»، ونَصَرَه في «الشَّرح»؛ لِأنَّ هذا لَيسَ بسُكْنَى. وقال القاضي (١): يَحنَثُ إنْ دَخَلَها. وإنْ تردَّدَ زائرًا؛ فلا؛ لِأنَّها لَيسَتْ سُكْنَى، ذكره (٢) الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وفاقًا (٣)، ولو طالَتْ مُدَّتُها. (أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمَ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ)؛ لِأنَّه أَقَامَ لدَفْعِ (٤) الضَّرر، وإزالَتُه عِنْدَ ذلك مطلوبةٌ شَرْعًا، فلم يَدخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ. (وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ) المقصود (٥)، (وَأَهْلِهِ) مع إمْكانِ نَقْلِهم، وظاهِرُ نَقْلِ ابنِ هانِئٍ (٦)، وهو ظاهِرُ «الواضح» وغَيرِه: أوْ تَرَكَ لَه به شيئًا (٧)؛ (حَنِثَ)، وهو قَولُ أكْثَرِهم؛ لِأنَّ السُّكْنَى تكون بالأهْلِ والمال، ولهذا يُقالُ: فُلانٌ ساكِنٌ في البلد الفُلانِيِّ، وهو غائبٌ عنه، وإنْ نَزَلَ بلدًا بأهله وماله، فيُقالُ: سَكَنَه. لكِنْ إنْ خَرَجَ عازِمًا على السُّكْنَى بنَفْسِه، مُنفَرِدًا عن أهله الَّذين (٨) في الدَّار؛ لم يَحنَثْ، زاد في «الشَّرح»: فيما بَينَه وبَينَ الله تعالى. وقِيلَ: إنْ خَرَجَ بأهْلِه، فسَكَنَ بمَوضِعٍ، وقِيلَ: أوْ وَجَدَهُ بما يَتَأَثَّثُ (٩) به؛ فَلَا.

стр. 6216

فرعٌ: إذا أقام (١) في الدَّار لِإكْراهٍ، أو ليلٍ (٢)، أو يحُول (٣) بَينَه وبَينَ الخُروج أبْوابٌ مُغْلَقَةٌ، أو (٤) لِعَدَمِ ما يَنقُلُ عَلَيهِ مَتاعَه، أوْ مَنزِلٍ ينتقل (٥) إلَيهِ أيَّامًا ولَيالِيَ في طَلَبِ النُّقْلة؛ لم يَحنَثْ، وإنْ أقامَ غَيرَ ناوٍ لها؛ حَنِثَ، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح». (إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ، أَوْ يُعِيرَهُ)، أوْ يَزُولَ ملْكُه عنه، (أَوْ تَأْبَى (٦) امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنُهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ؛ فَلَا (٧) يَحْنَثُ)؛ لِأنَّ زَوالَ اليد والعَجْز لا يُتصوَّرُ معهما (٨) حِنْثٌ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ؛ حَنِثَ)، هذا هو المذْهَبُ، إذا كانَا (٩) في دارٍ حالةَ اليمين، وتَشَاغَلَا بِبِناءِ الحائط؛ لِأنَّهما مُتَساكِنانِ قَبْلَ انْفِرادِ إحدى (١٠) الدَّارَينِ مِنْ الأخرى، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (١١)، قالَهُ في «الشَّرح». وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ والمجْدُ قَولاً: بأنَّه لا يَحنَثُ. فإنْ خَرَجَ أحدُهما منها، وقَسَماهَا حُجْرَتَينِ، وفَتَحَا لِكُلِّ واحدة (١٢) منهما

стр. 6217

بابًا، وبَينَهما حاجِزٌ، وسَكَنَ كلُّ واحِدٍ حُجْرةً؛ لم يَحنَثْ؛ لِأنَّهما غَيرُ مُتساكنَينِ. وقال مَرَّةً (١): لا يُعجِبُنِي ذلك، ويَحتَمِلُه قِياسُ المذْهَب؛ لكَونِه عَيَّنَ الدَّار. والأوَّلُ أصحُّ؛ لِأنَّه لم يساكنه (٢) فيها. (وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ (٣) بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً)، ولا نِيَّةَ ولا سَبَبَ، قالَهُ في «الرِّعاية» و «الفروع»؛ (لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ كلَّ واحِدٍ ساكِنٌ في حُجْرته، فلا يكُونُ مُساكِنًا لغَيرِه، وكذا إنْ سكنَا (٤) في دارَينِ مُتَجاوِرَتَينِ. قال في «الفنون» فِيمَنْ قال: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا إنْ دَخَلْتِ عليَّ البيت، ولا كُنْتِ لي زوجةً إنْ لم تَكتُبِي لي نِصْفَ مالِكِ، فكتَبَتْ له بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَومًا: يَقَعُ الثَّلاثُ؛ لِأنَّه يَقَعُ باسْتِدامَةِ المقام، فكذا اسْتِدامَةُ الزَّوجِيَّةِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ؛ بَرَّ)؛ لِأنَّ حقيقةَ الخُروج لم يُعارِضْها مُعارِضٌ، فَوَجَبَ حُصولُ البِرِّ لحُصولِ الحقيقة. وإن (٥) حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ من الدَّار، أوْ: لا يَأْوِي، أو: لا (٦) يَنزِل فيها، نَصَّ عَلَيهِما (٧)، أوْ لا يَسكُنُ البلدَ، أوْ لَيَرْحَلَنَّ منه؛ فكَحَلِفه لا يَسكُنُ الدَّارَ،

стр. 6218

قالَهُ في «الفروع». (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ؛ لَمْ يَبَرَّ)؛ لِأنَّ الدَّارَ يَخرُجُ منها صاحِبُها كلَّ يَومٍ عادةً، وظاهر (١) حالهِ: إرادةُ خروجٍ غَيرِ المعْتادِ، بخِلافِ البلد. وإنْ حَلَفَ: لا يَسكُنُها، وهو خارِجٌ عنها، فدخَلَها، أوْ كان فيها غَيرَ ساكِنٍ، فَدَامَ جُلوسُه؛ فَوَجْهانِ. وقِيلَ: إنْ قَصَدَ الاِمْتِناعَ من الكَونِ فيها؛ حَنِثَ، وإلَّا فَلَا. وقِيلَ: إن انْتَقَلَ إلَيها بِرَحْلِه الَّذي يَحتاجُهُ الساكن (٢)؛ حَنِثَ، وإلَّا فَلَا. وقال القاضي: ولو بَاتَ لَيلَتَينِ؛ فلا حِنْثَ. وفي «الشَّرح»: إذا حَلَفَ على الرَّحيل مِنْ بَلَدٍ؛ لم يَبَرَّ إلَّا برحيلِ أهْلِه. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ (٣) هَذِهِ الدَّارِ، فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحداهما (٤): لا شَيءَ عَلَيهِ في العَود، قدَّمه في «الرِّعاية»، ورجَّحه في «الكافي» و «الشَّرح»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِأنَّ يمينَه على الخروج، وقد خَرَجَ فانْحَلَّتْ يمينُه، وإذا كان كذلك صار (٥) بمنزلةِ مَنْ لم يَحلِفْ، وكقوله: إنْ خَرَجْتَ فلك دِرْهَمٌ، اسْتَحَقَّ بخُروجٍ أوَّلَ (٦)، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه. والثَّانية: يَحنَثُ بالعَود؛ لِأنَّ ظاهِرَ حالِه قَصْدُ هجرانِ (٧) ما حَلَفَ على

стр. 6219

الرَّحيل منه، والعَودُ يُنافِي مَقْصودَ يمينه. فأمَّا إنْ كان له نِيَّةٌ، أوْ سَبَبٌ، أوْ قَرِينةٌ؛ عُمِلَ بها.

стр. 6220

(فَصْلٌ) (إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا)، ولم يُمكِنْه الاِمْتِناعُ؛ لم يَحنَثْ، نَصَّ عَلَيهِ (١)، ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٢). فإنْ حُمِلَ (٣) بغَيرِ أمْرِه، (وَيُمْكِنُهُ (٤) الاِمْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ)؛ حَنِثَ في المنصوص (٥)، واخْتارَه القاضي، كما لو حُمِلَ بأَمْرِه. وقال أبو الخَطَّاب: فيه وَجْهانِ: أحدُهما: بَلَى؛ لمَا تَقدَّمَ. والثَّاني (٦): لا يَحنَثُ، كما لو لم يُمْكِنْه الاِمْتِناعُ. وعلى الأوَّل: كَيفَما دَخَلَ باخْتِياره؛ حَنِثَ مُطلَقًا، ولو مِنْ غَيرِ بابِها. ويُستثنى (٧) منه: ما لو أُكْرِهَ بضَرْبٍ ونحوه (٨)، فالأصحُّ: أنَّه لا يَحنَثُ؛ للخَبَرِ (٩) والمعْنَى. (أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلاً، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ (١٠)؛ لِأنَّه قَصَدَ اجْتِنابَ خِدْمَتِه، ولم يَحصُلْ.

стр. 6221

(وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَحْنَثَ)، وهو وَجْهٌ؛ لِأنَّه اسْتَخْدَمَه، والسُّكوتُ لا يَدُلُّ على الرِّضا، ولهذا (١): يَملِكُ الَّذي شُقَّ ثَوبُهُ مُطالَبةُ الَّذي شَقَّه (٢). وقِيلَ: إنْ كان عَبدَه؛ حَنِثَ؛ لِأنَّ عَبدَه يَخدُمُه عادةً، فمَعْنَى يمينِه: لأمنعنَّك (٣) خِدْمَتِي، فإذا لم يَنْهَهُ، ولم يَمنَعْه؛ فإنَّه يَحنَثُ، بخِلافِ عَبْدِ غَيرِه. وقال أبو الخَطَّاب: يَحنَثُ فِيهِما، واقْتَصَرَ عَلَيهِ ابنُ هُبَيرَةَ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَيَشْرَبَنَّ المَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ؛ حَنِثَ عِنْدَ (٤) الْخِرَقِيِّ (٥)، نَصَرَه في «الشَّرح»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه ابنُ المنَجَّى، وقدَّمه في «الفروع»؛ كما لو حَلَفَ: لَيَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقدِرْ على الحجِّ لمَرَضٍ، أوْ ذَهابِ نَفَقَةٍ؛ لِأنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى في المحلِّ (٦)، أشْبَهَ ما لو تَرَكَ ضَرْبَ العَبْد لِصِغَرٍ به (٧)، أوْ تَرَكَ الحالِفُ الحجَّ لِصُعوبَةِ الطَّريق، ويَحنَثُ عَقيبَ تَلَفِهما، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الرَّعاية»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقِيلَ: في آخِرِ الغَدِ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَحْنَثَ)، وقالَهُ الأكْثَرُ؛ لِأنَّه تَعذَّرَ فِعْلُ المحْلُوفِ عَلَيهِ لا مِنْ جِهَتِه، أشْبَهَ المكرَه. أمَّا لو تَلِفَ المحْلُوفُ عَلَيهِ بفِعْله واخْتِيارِه؛ فإنَّه يَحنَثُ وَجْهًا واحِدًا، قال

стр. 6222

في «الشَّرح»: فإنْ تَلِفَ العَبْدُ في غَدٍ قَبْلَ التمكُّن (١) مِنْ ضَرْبِه؛ فكما لو مَاتَ في يَومِه. وإنْ مات (٢) في غَدٍ قَبْلَ (٣) التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِه؛ حنث (٤) وَجْهًا واحِدًا. وإنْ ضَرَبَه اليومَ؛ لم يَبَرَّ، نَصَرَه في «الشَّرح»، وقدَّمه في «الرِّعاية»؛ كما لو حَلَفَ لَيَصومَنَّ يَومَ الجمعة، فصامَ يَومَ الخميس. وقال القاضي: يبرُّ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ أراد أنَّه لا يَتَجاوَزُه، وإلَّا حَنِثَ. وإن جنَّ (٥) العَبْدُ فضربه؛ بَرَّ، وإلَّا فَلَا. (وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ)؛ أي (٦): قَبْلَ الغَدِ، أوْ جُنَّ فلم يُفِقْ إلَّا بَعْدَ خُروجِ الغَدِ؛ (لَمْ يَحْنَثْ)؛ لِأنَّ الحِنْثَ إنَّما يَحصُلُ بفَواتِ المحْلوفِ عَلَيهِ في وَقْتِه، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَجَ أنْ يكونَ من أهْلِ التَّكليف قَبْلَ ذلك، فلا يُمْكِنُ حِنْثُه، بخِلافِ مَوتِ المحْلُوفِ عَلَيهِ. والأصحُّ: أنَّه إذا مات فيه فإنَّه يَحنَثُ في آخِرِ حَياتِه. فإنْ مات الحالِفُ في غَدٍ بَعْدَ التَّمَكُّن مِنْ ضَرْبه، فلم يَضْرِبْه؛ حَنِثَ وَجْهًا واحِدًا. وكذا إنْ هَرَبَ العَبْدُ أوْ مَرِضَ، أو الحالِفُ فلم يَقدِرْ على ضَرْبِه.

стр. 6223

(وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ، فَأَبْرَأَهُ) مِنه قَبلَ مجيئه؛ (فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ)، هما مَبْنِيَّانِ على ما إذا حَلَفَ على فعل (١) شَيءٍ فَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِه: أحدهما: الحِنْثُ؛ فإنَّ (٢) الحلفَ (٣) على القضاء، والإبْراءُ لَيسَ بقَضاءٍ، بدليلِ أنَّه يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ما قَضَانِي حَقِّي، وإنَّما أبْرَأْتُه منه. والثَّاني، وهو الأصحُّ (٤): عَدَمُه، فإنَّ (٥) الغَرَضَ من القَضاء حُصولُ البراءة منه، فلا يَحنَثُ. وفي «التَّرغيب»: أصْلُهما: إذا مُنِعَ من الإيفاء في غَدٍ كُرْهًا؛ لا يَحنَثُ على الأصح (٦). وأطْلَقَ في «التَّبصرة» فِيهِما الخِلافُ. (وَإِنْ مَاتَ المُسْتَحِقُّ، فَقَضَى وَرَثَتُهُ؛ لَمْ يَحْنَثْ (٧)، قاله أبو الخَطَّاب، وقدَّمه السَّامَرِّيُّ والمَجْدُ، وَجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ قضاءَ وَرَثَتِه يقوم (٨) مَقامَ قَضائَه في إبْراءِ ذِمَّتِه، فكذلك في يمينه. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ)؛ كما لو حَلَفَ لَيَضرِبَنَّ عَبْدَه غَدًا، فَمَاتَ العَبْدُ اليومَ. والأوَّلُ هو المنصورُ؛ لِأنَّ مَوتَ العبد يُخالِفُ ذلك؛ لِأنَّ ضَرْبَ غَيرِه لا يَقُومُ مَقامَ ضَرْبِه.

стр. 6224

(وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرْضًا؛ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ (١)، قدَّمه السَّامَرِّيُّ والمَجْدُ، وَجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحه في «الفروع»؛ لِأنَّه قَضاهُ حَقَّه. (وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي)؛ لِأنَّه لم يَقْضِ الحقَّ الذي (٢) عَلَيهِ بعَينه. فإنْ كانَتْ يمينُه: لا فارَقْتُكَ ولي قِبَلَكَ حقٌّ؛ لم يَحنَثْ وَجْهًا واحدًا، وإنْ مُنِعَ منه (٣)؛ فالرِّوايَتانِ، وهما في «المُذهب»: إنْ أُكْرِهَ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ)، أوْ مَع رأسه، أوْ إلى رأسه، أوْ إلى اسْتِهْلالِه، أوْ عِنْدَ رأْسِ الشهر (٤)، (فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ بَرَّ) على المذْهَب؛ لِأنَّ ذلك هو الوَقْتُ المحْلوفُ عَلَيهِ؛ لأِنَّ غُروبَ الشمسِ (٥) هو آخِرُه، ولو تأخَّر (٦) فَراغُ كَيلِه لكثرته (٧)، ذَكَرَه في «المغْنِي». وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ، وقدَّمه في «الرِّعاية»: أنَّه إذا قضاه (٨) قَبْلَ الغروب في آخِرِ الشَّهر؛ بَرَّ، وإنْ فاتَهُ؛ حَنِثَ. ثُمَّ قال في «الرِّعاية»: قُلْتُ: فيُخرَّجُ ضِدُّه إنْ عُذِرَ. ويَحنَثُ إذا تأخَّر (٩) بَعْدَ الغُروب مَع إمْكانِه.

стр. 6225

وفي «التَّرغيب»: لا تعتبر (١) المقارَنَةُ، فيكفي (٢) حالةُ الغُروبِ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ؛ حَنِثَ)، نَصَّ عَلَيهِ (٣)، وذَكَرَه ابنُ الجَوزِيِّ ظاهِرَ المذْهَب؛ لأِنَّ مَعْنَى اليمين: لا حصل (٤) مِنَّا فرقة، وقد حصَلَ، وكإذْنِه، وكقَوله: لا افْتَرَقْنا. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ)، هذا روايةٌ، قدَّمها في «الكافي» و «التَّرغيب»، ونَصَرَها في «الشَّرح»، وصحَّحها ابنُ حَمْدانَ؛ لِأنَّ اليمينَ على فِعْلِ نَفْسِه، ولم تُوجَد المفارَقةُ إلَّا مِنْ غَيرِه. واخْتارَ في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز» أنَّه إنْ أمْكَنَه متابَعَتُه وإمْساكُه؛ حَنِثَ، وإلَّا فَلَا. فإنْ أَذِنَ له الحالِفُ في الفُرْقة، فَفَارَقَه، فالمذْهَبُ: أنَّه يَحنَثُ. (وإنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ؛ خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) في الإكْراه إذا فَلَّسه الحاكِمُ وصدَّه عنه، والمذْهَبُ: الحِنْثُ. وكذا إنْ لم يَحكُمْ بفِراقه، فَفَارَقَه لِعِلْمِه بوُجوبِ مُفارَقَتِه، نَصَّ عَلَيهِ. وإنْ لم يصدُّه (٥) الحاكِمُ بَعْدَ فَلَسِه؛ حَنِثَ. وقِيلَ: إنْ قَضاهُ حقَّه مِنْ غَيرِ جِنْسه، وهو ناوٍ الوَفاءَ، فَفَارَقَه؛ فَلَا. وقال القاضي: إنْ كان لَفْظُه: لا فارَقْتُكَ وَلِي قِبَلَكَ حقٌّ؛ لم يَحنَثْ، وإنْ قال: حتَّى أسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنكَ؛ حَنِثَ. وكذا إنْ أحالَه به، فقَبِلَ وانْصَرَفَ، وإنْ ظَنَّ أنَّه بَرَّ؛ فَوَجْهانِ.

стр. 6226

وإنْ فارَقَه عن كَفِيلٍ، أوْ رَهْنٍ، أوْ أبْرَأَه منه؛ حَنِثَ. وإنْ وَجَدَها مُسْتَحِقُّها وأخَذَها؛ خُرِّجَ على الرِّوايَتَينِ في النَّاسِي. فرعٌ: إذا حَلَفَ المطلوبُ: ألَّا يُعطِيَه شَيئًا، فَوَفَّاهُ عنه غَيرُه بلا إذْنِه؛ فلا حِنْثَ. وإنْ حَلَفَ: لا فارَقْتُكَ حتَّى آخُذَ حَقِّي، ففرَّ (١) الغَرِيمُ؛ حَنِثَ الحالِفُ، وإنْ أُكْرِهَ على إطْلاقِه؛ فَوَجْهانِ، وإنْ فَرَّ الحالِفُ؛ فَلَا على الأَشْهَرِ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ؛ حَنِثَ)؛ لِأنَّ يمينَه تقتضي (٢) ألَّا يحصل (٣) بَينَهما فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظ والمعْنَى، وقد حَصَلَتْ. وإنْ حَلَفَ: لا أَخَذْتَ حَقَّكَ مِنِّي، فأُكره (٤) على دَفْعِه؛ حَنِثَ. وإنْ وَضَعَه الحالِفُ بَينَ يَدَيهِ، أوْ في حِجْرِه، فلم يَأخُذْه؛ لم يَحنَثْ؛ لِأنَّه لا يُضمَنُ بمِثْلِ هذا مالٌ ولا صَيدٌ. ويحنثُ (٥) لو كانَتْ يمينُه: لا أعطيكَ (٦)؛ لِأنَّه يُعَدُّ عَطاءً؛ إذ (٧) هو تمكينٌ وتَسْلِيمٌ بحَقٍّ، فهو كتَسْلِيمِ ثَمَنٍ ومُثْمنٍ (٨) وأُجْرةٍ وزكاةٍ. وإن (٩) أخَذَه حاكِمٌ، فَدَفَعَه إلى الغَرِيمِ وأخذه (١٠)؛ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيهِ (١١)؛

стр. 6227

كقوله: لا تَأخُذُ حَقَّكَ عليَّ. وعِندَ القاضي: لا؛ كقوله: لا أُعطيكَهُ (١). (وَقَدْرُ الْفِرَاقِ: مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا؛ كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ)؛ لِأنَّ الشَّرعَ رَتَّبَ على ذلك أحْكامًا، ولم يُبَيِّنْ مِقْدارَه، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العادة (٢)؛ كالقَبْض والحِرْز.

стр. 6228

(بَابُ النَّذْرِ) يُقالُ: نَذَرْتُ أنذر (١)؛ بكسر (٢) الذَّال وضَمِّها: نَذْرًا، فأنا ناذِرٌ؛ أيْ: أَوْجَبَ على نفسِهِ شَيئًا تَبرُّعًا. والأصْلُ فيه بَعْدَ الإجماع (٣): قَولُه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسَان: ٧]، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحَجّ: ٢٩]، وقَولُه ﵇: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللهَ فلْيُطِعْه، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فلا يَعْصِهِ» رواه البخاريُّ مِنْ حديثِ عائشةَ ﵂ (٤). ويَتَعيَّنُ الوَفاءُ به. ولا يُسْتَحَبُّ؛ لِنَهْيِه ﵇ عنه، وقال: «إنَّه لا (٥) يأتِي بخَيرٍ، وإنَّما يُستَخرَجُ به من (٦) البَخِيلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٧)، وهذا نَهْيُ كراهةٍ؛ لِأنَّه لو كان حرامًا لمَا مَدَحَ المُوفين به (٨)؛ لِأنَّ ذَمَّهم مِنْ ارْتِكابِ المحرَّم أشَدُّ من طاعَتِهم في وَفائه، ولو كان مُستَحَبًّا؛ لَفَعَلَه النَّبيُّ ﷺ وأصْحابُه. وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَرُدُّ قَضاءً، ولا يَملِكُ به شَيئًا مُحدَثًا. وتَوَقَّفَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين في تحريمه (٩)، وحرَّمه طائفةٌ مِنْ أهْلِ الحديث.

стр. 6229

وقال ابنُ حامِدٍ: المذْهَبُ مُباحٌ. (وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لله تَعَالَى شَيْئًا)، يَحتَرِزُ به: عن الواجِبِ بالشرع (١)، فيَقُولَ: لله عليَّ كذا، وقال ابنُ عَقِيلٍ: إلَّا مع دلالةِ حالٍ، وفي «المُذهب»: بشرط (٢) إضافَتِه، فيَقُولَ: لله عليَّ. (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ)، فلا (٣) يَنعَقِدُ مِنْ غَيرِ مُكلَّفٍ؛ كالإقْرارِ، وكالطفل (٤)، (مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا)، ذكر (٥) في «المستوعب» وغَيره: أنَّهما (٦) سَواءٌ، وشَرْطُه: أنْ يَكُونَ مُختارًا. أمَّا الأوَّل فظاهِرٌ، وأمَّا الثَّاني: فيَصِحُّ منه، ولو بعبادةٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٧)؛ لحديثِ عمرَ: إنِّي كنتُ نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيلةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أَوْفِ بنَذْرِكَ» (٨)، وهو قَولُ المُغِيرَةِ المخزومي (٩)، والبخاريِّ، وابنِ جَرِيرٍ. وقال الأَكْثَرُ: لا يَصِحُّ نَذْرُه، وحَمَلُوا خَبَرَ عمرَ (١٠) على النَّدب. وقِيلَ: يَصِحُّ منه (١١) غَيرُ عِبادَةٍ؛ لأِنَّ نَذْرَه لها كالعبادةِ لا اليمينِ.

стр. 6230

(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ)؛ لأنَّه (١) الْتِزامٌ، فلم يَنعَقِدْ بغَيرِه؛ كالنِّكاح والطَّلاق، (فَإِنْ (٢) نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ؛ لَمْ يَصِحَّ)؛ كاليمين. (وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ؛ لَمْ يَنْعَقِدْ (٣)، وفِيهِ مسألتانِ: الأُولَى: أنَّه لا يَنعَقِدُ نَذْرُ المسْتَحِيل؛ كصَومِ أمْسِ، قدَّمه في «الكافي»، وجَزَمَ به في «الوجيز» وغَيرِه؛ لأِنَّه لا يُتصوَّرُ انْعِقادُه والوفاءُ به، أشْبَهَ اليمينَ على المسْتَحِيل. وقِيلَ: تَجِبُ الكَفَّارةُ. قال المؤلِّفُ: والصَّحيحُ من (٤) المذْهَبِ: أنَّ النَّذْرَ كاليمين، ومُوجَبَها (٥) موجَبُها، إلَّا في لُزُومِ الوفاء به إذا كان (٦) قُرْبَةً وأمكنه (٧) فِعْلُه، بدليلِ قَولِه ﵇ لِأُخْتِ عُقْبةَ، لَمَّا نَذَرَت المشْيَ ولم تُطِقْه، فقال: «لِتُكَفِّرْ عن يمينها، ولْتَرْكَبْ»، وفي رِوايةٍ: «ولْتَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ» (٨)،

стр. 6231

قال أحمدُ: (أذْهَبُ إلَيهِ) (١)، وعن عُقْبةَ بنِ عامِرٍ مَرفُوعًا: «كَفَّارةُ النَّذْر كَفَّارةُ اليمين» رواهُ مُسلِمٌ (٢)، ولِأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ حُكْمَه حُكْمُ اليمين في أحَدِ أقْسامِه، وهو نَذْرُ اللَّجاج (٣)، فكذلك في سائره، سِوَى ما اسْتَثْناه الشَّرْعُ. الثَّانِيَةُ: أنَّه (٤) لا يَنعَقِدُ نَذْرُ الواجب؛ كصَومِ رَمَضانَ، قاله أكْثَرُ أصْحابنا؛ لِأنَّ النَّذْرَ الْتِزامٌ، ولا يَصِحُّ التزام (٥) ما هو لازِمٌ. والمذْهَبُ: أنَّه يَنعَقِدُ مُوجِبًا لكفارة (٦) يمينٍ إنْ تَرَكَه؛ كما لو حَلَفَ لا يَفْعَلُه، فَفَعَلَه، فإنَّ النَّذْرَ كاليمين. فرعٌ: مَنْ نَذَرَ فِعْلَ واجِبٍ، أوْ حَرامٍ، أوْ مَكْروهٍ، أوْ مُباحٍ؛ انْعَقَدَ نَذْرُه مُوجِبًا للكَفَّارة إنْ لم يَفْعَلْ ما قال، مع (٧) بقاءِ الوُجوبِ، والتَّحريم، والكراهةِ، والإباحةِ بحالِهِنَّ؛ كما لو حَلَفَ على فِعْلِ ذلك. وعَنْهُ: أنَّه (٨) لَاغٍ، ولا كَفَّارةَ فيه. (وَالنَّذْرُ المُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أقْسَامٍ): (أَحَدُهَا: النَّذْرُ المُطْلَقُ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ: للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ)، ولا نِيَّةَ له، وفَعَلَه (٩)، (فَتَجِبُ (١٠) بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ)، وِفاقًا للأكْثَرِ؛ لمَا رَوَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ

стр. 6232

مَرفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إذا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارةُ يَمِينٍ» رواهُ ابنُ ماجَهْ، والتِّرْمذِيُّ وقال: (حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ) (١)، ورَوَى أبو داودَ وابنُ ماجَهْ مَعْناهُ مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٢)، وقالَهُ ابنُ مَسْعودٍ (٣)، وجابِر (٤)، وعائشةُ (٥)، ولَم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم.

стр. 6233

(الثَّانِي (١): نَذْرُ اللَّجَاجِ (٢) وَالْغَضَبِ: وَهُوَ مَا) عَلَّقَه بشَرْطٍ (يُقْصَدُ بِهِ المَنْعُ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِهِ (٣)، أَوِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوِ الصَّدَقَةُ بِمَالِي، فَهَذَا) إنْ وُجِدَ شَرْطُه فهو (يَمِينٌ، يَتَخَيَّرُ (٤) بَيْنَ (٥) فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ) في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لمَا رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَينٍ، قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ في غَضَبٍ، وكَفَّارَتُه كَفَّارةُ يَمِينٍ» رواهُ سعيدٌ (٦)، ولأنَّها (٧) يمينٌ فيتخيَّر (٨) فِيهَا بَينَ الأمْرَينِ؛ كاليمين بالله تعالى، ولِأنَّ هذا جَمْعٌ للصِّفَتَينِ، فيَخرُجُ عن العُهْدة بكُلِّ واحِدٍ مِنْهما. وعَنْهُ: تتعيَّن (٩) كفَّارةُ يمينٍ؛ للخَبَر. وفي «الواضح» (١٠): يَلزَمُه الوَفاءُ بما قال، نقل (١١) صالِحٌ (١٢): إذا فَعَلَ

стр. 6234

المحْلُوفَ عَلَيهِ؛ فلا كَفَّارةَ بلا خِلافٍ. ولا يضرُّ (١) قَولُه: على مَذْهَبِ مَنْ يُلزِمُ بذلك (٢)، أوْ: لا أقلِّدُ (٣) مَنْ يَرَى الكَفَّارةَ، ذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤)؛ لِأنَّ الشَّرع (٥) لا يَتغَيَّرُ بتَوكِيلٍ. قال في «الفروع»: (ويَتَوَجَّهُ: كأنْتِ طالِقٌ بَتَّةً، قال شَيخُنا: وإنْ قَصَدَ لُزومَ الجزاء عِنْدَ الشَّرْط؛ لَزِمَه مُطْلَقًا عِنْدَ أحمدَ، نَقَلَ الجماعةُ فِيمَنْ حَلَفَ بحَجَّةٍ (٦): إنْ أراد يمينًا؛ كفَّرَ يمينَه، وإنْ أراد نَذْرًا؛ فَعَلَى حديثِ عُقْبةَ) (٧). فرعٌ: إذا قال: إنْ فَعَلْتُ كذا فعَبْدِي حُرٌّ، فَفَعَلَه؛ عَتَقَ؛ لِأنَّ العِتْقَ يَصِحُّ تعليقُه بشَرْطٍ، أشْبَهَ الطَّلاقَ. وإنْ قال: إنْ بِعْتُكَ ثَوبِي فهو صدقةٌ، فقال: فإن (٨) اشْتَرَيْتُه فهو صدقةٌ، فاشْتَراهُ منه؛ لَزِمَ كلَّ واحِدٍ كفَّارةُ يمينٍ، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ وابنُ حَمْدانَ. (الثَّالِثُ: نَذْرُ المُبَاحِ؛ كَقَوْلِهِ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَهَذَا كُلُّهُ (٩) كَالْيَمِينِ، يَتَخَيَّرُ (١٠) بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ اليَمِينِ (١١)؛ لَما سَبَقَ. وعَنْهُ: لا كَفَّارةَ فيه، واخْتارَهُ الأكْثَرُ؛ لقوله ﵇: «لا نَذْرَ إلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ

стр. 6235

به وَجْهُ اللهِ» (١)، ولمَا رَوَى ابنُ عبَّاسٍ، قال: بَيْنَا النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ، إذا (٢) هو بِرَجُلٍ قائمٍ، فَسَأَلَ عنه، فقالوا: أبو إسْرائِيلَ، نَذَرَ أنْ يَقُومَ في الشَّمسِ، ولا يَسْتَظِلَّ، ولا يَتكَلَّمَ، وأنْ يَصُومَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «مُرُوهُ فلْيَتَكَلَّمْ، وليَسْتَظِل (٣)، وليَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَومَه» رواه البخاريُّ (٤)، فلم يَأمُرْهُ بكَفَّارةٍ. فإنْ وَفَى به أجزأه (٥)؛ لِأنَّ امْرأةً أتَت النَّبيَّ ﷺ ، فقالَتْ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أضْرِبَ على رَأْسِكَ بالدُّفِّ، فقال: «أوْفِي (٦) بِنَذْرِكِ» رواهُ أبو داودَ (٧)، ورَواهُ بمعناه (٨) أحمدُ والتِّرمذِيُّ، وصحَّحه مِنْ حديثِ بُرَيدةَ (٩)، ولِأنَّه لو حَلَفَ على فِعْلٍ مُباحٍ؛ بَرَّ بِفِعْلِه، فكذا إذا نَذَرَه؛ لِأنَّ النَّذْرَ كاليمين.
следующие страницы →