← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

وإنْ نَذَرَ سَتْرَ البَيْتِ وتَطْيِيبَه؛ لَزِمَه. مسألةٌ: إذا نَذَرَ الحجَّ العامَ فلم يَحُجَّ، ثُمَّ نَذَرَ أخرى في العام الثَّاني، قال في «الفُروع»: (فيَتَوَجَّهُ: يَصِحُّ، وأنْ يَبدَأَ بالثَّانية؛ لفَوتها، ويُكفِّرُ لِتأخِيرِ الأُولَى، وفي المعْذُور الخِلافُ). (وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً؛ فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ)، ذَكَرَه مُعظَمُ الأَصْحاب؛ لِأنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على مَعْهودِ الشَّرع، وهو الواجِبُ في الكَفَّارة. (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا)، فإنَّها تُجزِئُ عنه؛ لأِنَّ المطلَقَ يَتَقَيَّدُ بالنِّيَّة؛ كالقرينة اللَّفْظِيَّة، لكِنْ لو ماتَ المنْذُورُ، أوْ أتلفه (١) قَبْلَ عِتْقِهِ؛ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ولا يَلزَمُه عِتْقٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٢). وقِيلَ: بَلْ يَصرف (٣) قيمتَه في (٤) الرِّقاب، على قِياسِ قَولِه في الوَلاء؛ إذ الأصْلُ فيه (٥) ذلك. وفي «الرِّعاية»: مَنْ عَيَّنَ بِنَذْرِه أوْ نيَّتِه (٦) شَيئًا مِنْ عدد (٧) صَومٍ، أوْ صَلاةٍ، أوْ هدي (٨) رقاب (٩)؛ كَفَاهُ ما عَيَّنَه. وعَنْهُ: يُجْزِئُ ما لَفَظَ به، لا ما نَواهُ فَقَطْ. وإنْ عَيَّنَ الهَدْيَ بغَيرِ حَيَوانٍ؛ جاز، ويَتَصَدَّقُ به أوْ بِثَمَنِه على فُقَراءِ الحرمِ.

стр. 6267

قال في (١) «المستوعب»: فإنْ عيَّن (٢) الهَدْي بما (٣) يُنْقَلُ؛ لَزِمَه إنْفاذُه إلى الحَرَم؛ لِيُفَرَّقَ هُناكَ، وإلَّا بِيعَ، ونَقَدَ ثَمَنَه لِيُفَرَّقَ هُناكَ. (وَإِنْ (٤) نَذَرَ الطَّوَافَ)؛ فأقَلُّه أُسْبوعٌ. وإنْ نذَرَه (٥) (عَلَى أَرْبَعٍ؛ طَافَ طَوَافَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ (٦)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «المستوعب» و «الوجيز» (٧)، وقدَّمه في «الفُروع»، وهو قَولُ ابنِ عبَّاسٍ، رَواهُ سَعِيدٌ (٨)، ولخبرٍ (٩) رَواهُ مُعاوِيَةُ بنُ حَدِيجٍ الكِنْدِيُّ: أنَّه قَدِمَ على رسولِ الله ﷺ ومَعَهُ أمُّه (١٠) كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبٍ، عَمَّةُ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ، فقالَتْ: يا رسولَ الله، آليتُ (١١) أنْ أَطُوفَ بالبَيتِ حَبْوًا، فقال لها (١٢) رسولُ الله ﷺ : «طُوفِي على رِجْلَيكِ سَبْعَينِ: سَبْعًا عن يَدَيكِ، وسَبْعًا عن رِجْلَيكِ» أخْرَجَه الدَّارقُطْنِيُّ (١٣)، قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: لِأنَّه بَدَلُ

стр. 6268

وَاجِبٍ، ولِأنَّ فِيهِ على أرْبَعٍ مُثْلةً. وعَنْهُ: يَطُوفُ على رِجْلَيهِ واحِدًا، قال في «المغْنِي» و «الشَّرح»: وهو القِياسُ؛ لأِنَّ غَيرَه لَيسَ بمشروعٍ، وفي الكَفَّارة وَجْهانِ، وقِياسُ المذْهَب: لُزُومُها. ومِثْلُه: نَذْرُ السَّعْي على أرْبَعٍ، ذَكَرَه في «المبْهج» و «المستوعب» و «الفُروع». وفي «الرِّعاية»: يَلزَمُه سعيان. وكذا لو نَذَرَ طاعةً على وَجْهٍ مَنهِيٍّ عنه؛ كنَذْرِه صلاةً عُريانًا، أو الحَجَّ حافِيًا حاسرًا (١)؛ وفَّى بالطَّاعة على الوَجْه الشَّرْعِيِّ، وفي الكَفَّارة لِتَرْكِه المنْهِيَّ وَجْهانِ. مَسْألَتانِ: الأُولَى: النَّذْرُ المُطْلَقُ على الفَور، نَصَّ عَلَيهِ، وقِيلَ: لَا، قال في (٢) «المستوعب»: فإنْ نَذَرَ أنْ يُهْدِيَ هَدْيًا؛ لَزِمَه أنْ يُهْدِيَ إلى الحَرَمِ ليُنحَرَ (٣) هُناكَ ويُفرَّقَ. فإنْ نذر (٤) أنْ يَنحَرَ هَدْيًا بغَيرِ مَكَّةَ من المدينة وبَيتِ المقْدِسِ، أوْ يُضَحِّيَ أُضْحِيَّةً من (٥) مَوضِعٍ عيَّنه (٦)؛ لَزِمَه نحرُ (٧) ذلك، ويُفرِّقُ لَحْمَه في المَوْضِع الَّذِي عَيَّنَه.

стр. 6269

الثَّانِيَةُ: لا يلزمه (١) الوَفاءُ بالوَعْد، نَصَّ عَلَيهِ (٢)، وقاله (٣) أكْثَرُ العلماء؛ لِأنَّه يَحرُمُ بلا اسْتِثْناءٍ؛ لقوله تعالى: الآيَةَ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ … (٢٣)﴾ [الكهف: ٢٣]، ولِأنَّه في معنى (٤) الهِبَة قَبْلَ القَبْض. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين وَجْهًا: يلزم (٥)، واخْتارَهُ، ويَتَوَجَّهُ أنَّه رِوَايَةٌ من (٦) تَأْجِيلِ العارِيَةِ والصُّلح عن عِوَضِ المُتْلَفِ بمُؤجَّلٍ (٧)، وقِيلَ لأِحْمَدَ: بِمَ يُعرف (٨) الكَذَّابُونَ؟ قال: بخُلْفِ المَواعِيدِ (٩)، وهو قَولُ ابنِ شُبْرُمَةَ، وعُمَرَ بنِ عَبدِ العزيز؛ لقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ الآيَةَ [الصَّف: ٣]، ولِخَبَرِ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ» (١٠)، وبإسْنادٍ حسن (١١): «العِدَةُ عَطِيَّةٌ» (١٢)،

стр. 6270

وبإسْنادٍ ضعيفٍ: «الْعِدَةُ دَينٌ» (١). ومَذْهَبُ مالِكٍ: يَلزَمُ بِسَبَبٍ (٢)؛ كَمَنْ قال: تَزَوَّجْ وأُعْطِيكَ كذا، واحْلِفْ لا تشتمني (٣) ولك كذا، وإلَّا لم يَلزَمْ. واللهُ أعْلَمُ (٤).

стр. 6271

(كِتَابُ الْقَضَاءِ) قال الأَزْهَرِي (١): (القَضاءُ في الأصل: إحْكامُ الشَّيء والفَراغُ منه (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فُصّلَت: ١٢]، ويكُونُ بمَعْنَى: إمْضاء الحُكْم، ومِنْهُ قَولُه تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسرَاء: ٤]؛ أيْ: أمْضَينَا وأنهينا (٣)، وسُمِّيَ الحاكِمُ قاضِيًا؛ لأِنَّه يُمْضِي الأحْكامَ ويُحكِمُها، ويكُونُ بمَعْنَى أوْجَبَ، فيَجُوزُ أنْ يكُونَ سُمِّيَ به؛ لِإيجابِه الحُكْمَ على مَنْ يَجِبُ عَلَيهِ) (٤). واصْطِلاحًا: النَّظَرُ بَينَ المترافِعَينِ (٥) له؛ لِلإلْزامِ وفَصْلِ الخُصوماتِ. والأصْلُ فيه: قَولُه تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦]، وقَولُه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النِّسَاء: ٦٥]، وقَولُه ﷺ : «إذا اجْتَهَدَ الحاكِمُ فأصابَ فله أجْرانِ، وإنْ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بنِ العاصِ (٦)، وأجْمَعَ المسْلِمُونَ على نَصْبِ القُضاة للفَصْل بَينَ النَّاس (٧). (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ)؛ كالإمامة (٨)، قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (قد أوْجَبَ النَّبيُّ

стр. 6272

ﷺ تَأْمِيرَ الواحِدِ في الاِجْتِماع القليلِ العارِضِ في السَّفر، وهو تنبيهٌ على أنْواعِ الاِجْتِماع، والواجِبُ اتَّخاذُها دِينًا وقُرْبَةً، فإنَّها مِنْ أفْضَلِ القُرُبات، وإنَّما فَسَدَ حالُ بعضِهم (١) لِطَلَبِ الرِّئاسة والمالِ بها، ومَن فَعَلَ ما يُمْكِنُه؛ لم يَلزَمْه ما يَعجِزُ عَنْهُ) (٢). وعَنْهُ: سُنَّةٌ، نَصَرَه القاضِي وأصْحابُه. وعَنْهُ: لا يُسَنُّ دُخولُه فيه، نَقَلَ عبدُ الله: لا يُعْجِبُنِي، هو أسْلَمُ (٣). وعلى الأوَّل: (قَالَ أَحْمَدُ رحمه الله تعالى: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ (٤) حُقُوقُ النَّاسِ! (٥)؛ لِأنَّ أمْرَ النَّاس لا يَسْتَقِيمُ بِدُونه؛ كالجهاد. وفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لمَنْ قَوِيَ عَلَيهِ، وفِيهِ خَطَرٌ عظيمٌ لمَنْ لم يُؤَدِّ (٦) الحقَّ فِيهِ؛ لمَا رَوَى مَعقِلُ بنُ يَسَارٍ مَرفُوعًا: «ما مِنْ أميرٍ (٧) يَلِي أمْرَ المسْلِمِينَ، ثُمَّ لا يَجْهَدُ لهم ويَنصَحُ، إلَّا لم يَدخُلْ معهم الجَنَّةَ» (٨)، قال مَسْروقٌ: لَأنْ أَحْكُمَ يَومًا بحقٍّ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أغْزُوَ سنةً (٩) في سبيلِ الله. فعلى هذا: إذا (١٠) أجْمَعَ أهْلُ بَلَدٍ على تَرْكِ القَضاء؛ أَثِمُوا، قال ابنُ حَمْدانَ: إنْ لم يَحتَكِمُوا في غَيرِهِ.

стр. 6273

(فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ)، هو: بكَسْرِ الهمزة، وهو أَحَدُ الأَقالِيم السَّبْعة، (قَاضِيًا)؛ لِأنَّ الإمامَ هو القائمُ بأمْرِ الرعيَّةِ، المتكلِّمُ بمَصلَحَتِهم، المسْؤولُ عنهم، فيَبعَثُ القُضاةَ إلى الأَمْصارِ؛ كفِعْلِ النَّبيِّ ﷺ وأصْحابِه، وللحاجَةِ (١) إلى ذلك؛ لِأنَّه «﵇ بَعَثَ عَلِيًّا قاضِيًا إلى اليمن» (٢)، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيحًا قَضاءَ الكُوفَةِ (٣)، وكَعْبَ بنَ سُور (٤) قَضاءَ البَصْرة (٥)، وغَيرِ ذلك. (وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ)؛ لِأنَّ ذلك أكْمَلُ وأقْرَبُ إلى حُصولِ المقْصودِ مِنْ القَضاء. (وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ

стр. 6274

وَالاِجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الحَقِّ (١)؛ لأنَّ في (٢) ذلك تذكرةٌ (٣) له فِيمَا يَجِبُ عَلَيهِ فِعْلُه، وإعانةً له في إقامَةِ الحقِّ، وتَقْوِيَةٌ لِقَلْبه، وتنبيهٌ على اهْتِمامِ الإمامِ بأمْرِ الشَّرع وأهْلِه، فإنْ كان غائبًا عنه؛ كَتَبَ له ذلك في عَهْدِه. (وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ (٤)؛ أيْ: ناحَيَةٍ، (أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ)؛ لِأنَّ في ذلك خُروجًا مِنْ الخِلاف في جَوازِ الاِسْتِنابَة، وتنبيهًا (٥) على مَصلَحةِ رَعِيَّة بَلَدِ القاضي، وحثًّا له على اخْتِيارِ الأصْلَح، وذَكَرَ الآمِدِيُّ: أنَّ على الإمامِ نَصْبَ من (٦) يُكْتَفَى به. (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِذَا طُلِبَ)، ولم يَشغَلْه عن أهمَّ منه، (وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؛ الدُّخُولُ فِيهِ)، قدَّمه في «الكافي» و «المحرَّر» و «المستوعب»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وصحَّحَه جَمْعٌ؛ لِأنَّ فَرضَ الكِفاية إذا لم يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ به؛ تَعيَّنَ عَلَيهِ؛ كغَسْلِ الميت ونحوِه. وقِيلَ: ويلزمه (٧) طَلَبُه. وقال المَاوَرْدِيُّ: إنْ كان فيه غَيرُ أهْلٍ، فإنْ كان (٨) أكْثَرُ قَصْدِه إزالَتَه؛ أُثِيبَ، وإنْ كان أكْثَرُ قصدِه (٩) لِيَخْتَصَّ بالنظر أُبِيحَ (١٠).

стр. 6275

فإنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِه؛ فاحْتِمالانِ. وقِيلَ: يَحرُمُ بخوفه (١) مَيلاً. (وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالاِمْتِنَاعِ إذا لم يُوجَدْ غَيْرُهُ مَمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ قَالَ (٢): لَا يَأْثَمُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ)، نَقَلَها إسِماعِيلُ بنُ سعيدٍ؛ لمَا فِيهِ من الخَطَر والمشقَّةِ الشَّديدةِ، لكِنَّها محمولةٌ على (٣) مَنْ لم يُمْكِنْهُ القِيامُ بالواجب لِظُلْمِ السُّلْطانِ وغَيرِه. وحَكَى ابنُ هُبَيرةَ عن الثَّلاثة (٤): أنَّ القَضاءَ مِنْ فُروضِ الكِفايَة، ويَتَعَيَّنُ على المجْتَهِد الدُّخُولُ فيه، ثُمَّ قال: وقال أحمدُ في أظْهَرِ رِوايَتَيهِ: لَيسَ هو مِنْ فُروضِ الكِفايَة، ولا يَتَعيَّنُ على المجْتَهِد الدُّخولُ فيه، وإنْ لم يوجد (٥) غَيرُه. (وَإِنْ (٦) وُجِدَ غَيْرُهُ؛ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي (٧) المَذْهَبِ)، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروع»؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرَةَ: «لا تَسأَلِ الإمارة (٨)، فإنَّكَ إن أُعْطِيتَها عَنْ مَسأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيهَا، وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ غَيرِ مَسألَةٍ؛ أُعِنْتَ عَلَيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٩).

стр. 6276

وعَنْهُ: لا يُكرَهُ لِقَصْدِ إقامةِ الحَقِّ، وخَوفًا أنْ يَتعرَّضَ له غَيرُ مُسْتَحِقٍّ، ذَكَرَه القاضي. قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ وَجْهٌ: بل يُستَحَبُّ إذَنْ، وقالَهُ المَاوَرْدِيُّ، ويَتَوَجَّهُ وَجْهٌ: يَحرُمُ بِدُونِه. وذَكَرَ المَاوَرْدِيُّ: أنَّه لِقَصْدِ المنزلة (١) والمباهاةِ يَجُوزُ اتِّفاقًا، وأنَّ طائفةً كَرِهَتْه إِذَنْ، وطائفةٌ لَا (٢). واحْتَجَّ الإمامُ أحمدُ فِيمَا رَواهُ عنه ابْنُه عبدُ الله (٣): بما رَوَى أبو هُرَيرةَ مَرفُوعًا: «مَنْ طَلَبَ قَضاءَ المسْلِمِينَ حتَّى نالَهُ؛ فَغَلَبَ عَدْلُه جَورَه؛ فله الجَنَّةُ، وإنْ غَلَبَ جَورُه عَدْلَه فله النَّارُ» رَواهُ أبو داودَ (٤)، والمرادُ: إذا لم يكُنْ فيه أهْلٌ، وإلَّا حَرُمَ وقَدَحَ فيه. (وَإَنْ طُلِبَ؛ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ إِلَيهِ (٥) فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ رحمه الله تعالى)، اخْتارَه القاضِي، وقدَّمه في «الكافي» و «الرِّعاية» و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وفي «الشَّرح»: أنَّه الأَوْلَى؛ لمَا فِيهِ مِنْ الخَطَر والتَّشديد، ولِمَا في تَرْكِه من السَّلامة، وذلك طريقةُ السَّلَف، وقد أرادَ عُثْمانُ تولية عبد الله (٦) بنِ عَمَرَ القَضاءَ، فَأَبَى (٧).

стр. 6277

(وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الإِجَابَةُ إلَيْهِ (١) إِذَا أَمِنَ نَفْسَهَ)؛ لِأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ للمُجْتَهِدِ فيه أجْرًا مع الخطأ، وأسْقَطَ عنه حُكْمَ الخَطَأ، ولِأنَّ فيه أمْرًا بالمعروف ونَصْرَ المظلوم، وأداءَ الحقِّ إلى مُسْتَحِقِّه، وردَّ الظَّالِمِ عن ظُلْمِه، بدليلِ: تَولِيَةِ النَّبيِّ ﷺ لِجَماعةٍ مِنْ الصحابةِ (٢) وهم كذلك (٣)، ولا يَختارُ إلَّا الأَفْضَلَ. وقِيلَ: مع خُمُوله، وحَمَلَ في «المغْنِي» كَلامَ ابنِ حامِدٍ عليه (٤). وقِيلَ: أوْ فَقْرِه. فرعٌ: يَحرُمُ بَذْلُ مالٍ فيه، وأخْذُه وطَلَبُه وفيه مُباشِرٌ أهْلٌ. وظاهِرُ تَخْصيصِهم الكراهةَ بالطَّلَب: أنَّه لا يكره (٥) تَولِيَةُ الحريص، ولا

стр. 6278

ينفي (١) أنَّ غَيرَه أَوْلَى، قال في «الفُروع»: ويَتَوَجَّهُ وَجْهٌ يُكرَهُ. مسألةٌ: إذا جَهِلَ القَضاءَ، أوْ عَجَزَ عنه أوْ خافَ المَيْلَ؛ حَرُمَ دُخولُه فيه، وقِيلَ: مع وُجودِ غَيرِه وهو يَصلُحُ له. قال في (٢) «الشَّرح»: مِنْ النَّاس مَنْ لا يَجُوزُ الدُّخولُ فيه، وهُو مَنْ لا يُحسِنُه، ولم (٣) يَجتَمِعْ فيه شُرُوطُه. (وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ)؛ لِأنَّه صاحِبُ الأَمْر والنَّهْي، وهو وَاجِبُ الطَّاعة، مَسْمُوعُ الكلمة، مالِكٌ لجميع (٤) الوِلايَاتِ شَرْعًا وحِسًّا، (أَوْ نَائِبِهِ)؛ لِأنَّه مُنَزَّلٌ مَنزِلَتَه، ولِأنَّ الوِلايَةَ من المصالِحِ العامَّةِ، أشْبَهَ عَقْدَ الذِّمَّة. (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا): (مَعْرِفَةُ المُوَلِّي كَوْنَ المُوَلَّى (٥) عَلَى صِفَةٍ يَصْلُحُ (٦) لِلْقَضَاءِ)؛ لِأنَّ مقصودَ القَضاء لا يحصل (٧) إلَّا بذلك، وحاصله: أنَّه (٨) إنْ كان يَعرِفُ صَلاحِيَتَه وَلاَّهُ، وإلَّا سَأَلَ أهْلَ المعرفة عنه، ولِأنَّ الأصْلَ العَدَمُ، فلا يجوز (٩) تَولِيَتُه مع عَدَمِ العِلْم بذلك، كما لا يجوز (١٠) تَولِيَتُه مع العلم بعَدَمِ صلاحِيَتِه.

стр. 6279

(وَتَعْيِينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ)؛ كالكُوفَة ونَواحِيها، (وَالْبُلْدَانِ)؛ كبَغْدادَ ونحوِها؛ لِيَعْلَم مَحَلَّ وِلايَتِه، فيَحكُمَ فِيهِ ولا يَحكُمَ في غَيرِه، ولِأنَّه عَقْدُ وِلايَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ الإيجابُ والقَبول، فلا بُدَّ مِنْ مَعْرفَةِ المعْقُودِ عَلَيهِ كالوَكالة. (وَمُشَافَهَتُهُ (١) بِالْوِلَايَةِ)؛ أيْ: يُشافِهُه الإمامُ بها إنْ كان حاضِرًا، (أَوْ مُكَاتَبَتُهُ (٢) بِهَا) إنْ كان غائبًا؛ لِأنَّ التَّولِيَةَ تَحصُلُ (٣) بذلك؛ كالتَّوكِيل، وحِينَئِذٍ يَكتُبُ له عَهْدًا بما وَلاَّهُ؛ «لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَه إلى اليَمَن» (٤)، وكَتَبَ عُمَرُ إلى أهلِ الكُوفة: «أمَّا بَعْدُ، فإنِّي قد (٥) بَعَثْتُ إلَيكم عَمَّارًا أميرًا (٦)، وعبدَ الله قاضِيًا» (٧). (وَإِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ)؛ أيْ: إذا كان البلدُ الَّذي ولاَّه فيه بعيدًا لا يَسْتَفِيضُ إلَيهِ الخَبَرُ بما يكُونُ في بلدِ (٨) الإمام، فلا بُدَّ مِنْ شهادةِ عَدْلَينِ عَلَيها.

стр. 6280

(وَقَالَ (١) الْقَاضِي: تَثْبُتُ (٢) بِالاِسْتِفَاضَةِ إِذَا كان (٣) بَلَدُه قَرِيبًا يَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ)؛ لأِنَّ العِلمَ بالوِلايَة يحصل (٤) بذلك. والأصحُّ: أنَّها تَثْبُتُ بالاِسْتِفاضة مع قُرْبِ ما بَينَهما؛ كخمسةِ أيَّامٍ. والحاصِلُ: أنَّها لا تَثْبُتُ إلَّا بِشاهِدَينِ، أوْ بالاِسْتِفاضَة إذا كان بلدُه قريبًا تستفيضُ فيه أخْبارُ المولِّي له (٥)، وأطْلَقَ الأدَمِيُّ: أو اسْتِفاضَةٍ، وظاهِرُه مع البُعْد، قال في «الفروع»: وهو مُتَّجِهٌ. (وَهَلْ تُشْتَرَطُ (٦) عَدَالَةُ المُوَلِّي؟) بكَسْرِ اللاَّم، (عَلَى رِوَايَتَيْنِ): إحْداهما: يُشتَرَطُ كما يُشْتَرَطُ في المتَوَلِّي. والمذْهَبُ: أنَّها لا تُشَتَرَطُ؛ لِأنَّ وِلايَةَ الإمامِ الكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، فصَحَّتْ وِلايَتُه؛ كالعَدْل، ولِأنَّها لو اعْتُبِرَتْ في المُوَلِّي؛ أفْضَى إلى تَعذُّرِها بالكُلِّيَّة فِيمَا إذا كان غَيرَ عَدْلٍ. وعَنْهُ: سِوَى الإمامِ، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ أي (٧): إذا ولاَّهُ إمامٌ فاسِقٌ؛ صَحَّ، وإنْ وَلاَّهُ نائِبُه الفاسِقُ؛ فَلَا. فرعٌ: لا يَنعَزِلُ إمامٌ أعْظَمُ بِفِسْقٍ يَطْرَأُ (٨) عَلَيهِ، وعَنْهُ: بَلَى، كالحاكِمِ. ولا تَنعَقِدُ الإمامةُ العُظْمَى لِفاسِقٍ. وعَنْهُ: تنعقد (٩) ولو غَلَبَهم بِسَيفِهِ مع بَقِيَّة الشُّروط، وهي أشْهَرُ.

стр. 6281

(وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ)؛ لِأنَّ هذه تَدُلُّ على وِلايَةِ القضاء دلالةً (١) لا تَفتَقِرُ معها إلى شَيءٍ آخَرَ، وذلك هو الصَّريحُ، زاد في «الرِّعاية» على هذه: استكفيتك (٢). وقيل: رَدَدْتُه، وفَوَّضْتُه، وجَعَلْتُه إلَيكَ؛ كنايةٌ (٣). (فَإذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا)؛ أيْ: واحِدٌ منها، (وَالْقَبُولُ مِنَ المَوَلَّى) الحاضِرِ في المجْلِس، أو الغائبِ بَعْدَه؛ (انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ)؛ لِأنَّها لا تحتمل (٤) إلَّا ذلك، فمتى أتى بواحِدٍ منها، وَوُجِدَ القَبولُ؛ صَحَّتْ؛ كالبيع والنِّكاح. ويَصِحُّ القَبولُ بالشُّروع في العمل في الأصحِّ، قال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُلْنا: هو نائبُ الشَّرع كَفَى، وإنْ قُلْنا: هو نائبُ مَنْ وَلاَّهُ فَلَا. مسألةٌ: تصحُّ (٥) تَولِيَةُ مَفْضُولٍ مع وُجُودِ فاضلٍ (٦)، قال ابنُ حَمْدانَ: إن أُمِنَت الفِتْنةُ، وكان (٧) أصلحَ للدِّين والنَّاس. وإنْ فوَّض الإمامُ إلى إنسانٍ تَولِيَةَ القاضي (٨)؛ جَازَ، ولا يَجُوزُ له اخْتِيارُ نَفْسِه ولا والِدِه ولا وَلَدِه؛ كما لو وَكَّلَه في الصَّدقة، قال: ويَحتَمِلُ أنْ يَجُوزَ له اخْتِيارُهما إذا كانا صالِحَينِ للوِلايَة. (وَالْكِنَايَةُ (٩) نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَّلْتُ إِلَيْكَ،

стр. 6282

وَأَسْنَدْتُ (١) إَلَيْكَ الْحُكْمَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا)؛ لِأنَّ هذه الألفاظ (٢) تَحتَمِلُ التَّولِيَةَ وغَيرَها، مِنْ كَونِه يأخُذُ بِرَأْيِه أوْ غَيرِ ذلك، فلا يَنصَرِفُ إلى التَّولِيَةِ، (حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ (٣)، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أَوْ فَتَوَلَّ (٤) مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ (٥) ذَلِكَ)؛ لِأنَّ هذه القرينةَ تَنْفِي الاِحْتِمالَ.

стр. 6283

فصلٌ قال في (١) «الرِّعاية»: لا تَصِحُّ الإمامةُ العُظْمَى إلَّا لمُسْلمٍ (٢)، حُرٍّ، مُكلَّفٍ، ذَكَرٍ، عَدْلٍ، مُجتَهِدٍ، شُجاعٍ، مُطاعٍ، ذِي رَأْيٍ، سميعٍ، بصيرٍ، ناطِقٍ، قُرَشِيٍّ. ولا بُدَّ مِنْ بَيعَةِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْد؛ مِنَ العلماءِ وَوُجُوهِ النَّاس، والاِسْتِيلاءِ قَهْرًا مع بَقِيَّةِ شُرُوطِ الإمامة. وعَنْهُ: لا يَضُرُّ فِسْقُه المقارِنُ وجَهْلُه. فإنْ شَرَطْنا حِينَ البَيعة عَدَمَ فِسْقِه وجَهْلِه؛ لم يَنعَزِلْ بفِسْقِه الطَّارِئِ على الأصحِّ. ولا طاعةَ له في مَعصِيَةٍ. ومَن ثبتت وِلايَتُه قَهْرًا؛ زالَتْ به. قال في (٣) «المستوعب»: وشُروطُ القَضاء تَنْقُصُ عن شُروطِ الإمامة بالشَّجاعة، لسُقُوطِ الحرب عن القاضي (٤)، وحاجةِ الإمام إلَيهِ، وبالنَّسَبِ (٥)؛ لِأنَّ الإمامةَ أعْلَى المراتِبِ الدِّينِيَّةِ، فاعْتُبِر فيها النَّسَبُ؛ لحُصولِ التَّمْييز عن الرَّعية (٦). قال في (٧) «الشَّرح»: لو خَرَجَ رجلٌ على الإمام فَقَهَرَه، وغَلَبَ النَّاسَ

стр. 6284

بسَيفِه حتَّى أَقَرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعته، وبايَعُوهُ؛ صار إمامًا يَحرُمُ قِتالُه والخُروجُ عَلَيهِ، فإنَّ عبدَ الملِكِ بنَ مَرْوانَ خَرَجَ على (١) عبدِ الله بنِ الزُّبَير، فَقَتَلَه، واسْتَوْلَى على البلاد وأهْلِها، حتَّى بايَعُوهُ طَوعًا وكَرْهًا، وذلك لِمَا في الخُروجِ عَلَيهِ شَقُّ عَصَا المسْلِمِينَ، وإراقةُ دِمائهم، وذَهابُ أمْوالِهم.

стр. 6285

(فَصْلٌ) (وَإذَا ثَبَتَتِ الْوِلَايَةُ وَكَانَتْ عَامَّةً)؛ أيْ: لم تُقَيَّد (١) بِنَوعٍ؛ (اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز»، وزاد عَلَيها واحِدًا: وهو جباية (٢) الخَراج، وفي «الفُروع»: والزَّكاة، وقال في «التَّبْصَرة»: والاِحْتِسابِ على الباعَة والمشْتَرِينَ، وإلْزامِهم بالشَّرع. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: ما يَستَفِيدُه بالوِلايَة لا حَدَّ له شَرْعًا، بل يُتَلَقَّى من اللَّفظ والأَحْوال والعُرْف (٣). (فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مَمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَدَفْعُهُ إِلَى رَبِّهِ)؛ لِأنَّ المقْصودَ من القضاء ذلك، ولهذا قال أحمدُ: أتذهب (٤) حُقُوقُ النَّاس! (٥) (وَالنَّظَرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْمَجَانِينِ وَالْسُّفَهَاءِ (٦)؛ لِأنَّ بعضَهم مُختَصٌّ بنَظَرِ الحاكم، وهو السَّفِيهُ، وبعضَهم هو بَينَ أنْ لا يكُونَ له وَلِيٌّ، فَتَرْكُ (٧) نَظَرِه في مالِه يُؤدِّي إلى ضَياعِه، وبَينَ أنْ يكُونَ له وَلِيٌّ، فَتَرْكُ نَظَرِه في حالِ الوليِّ يُؤَدِّي إلى طَمَعِه في مالِ مَوْلِيِّه، وفي ذلك ضَرَرٌ عَلَيهِ. (وَالْحَجْرُ عَلَى مَنْ يَرَى الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ)؛ لِأنَّ الحَجْرَ يَفتَقِرُ إلى نَظَرٍ واجْتِهادٍ، فلذلِكَ (٨) كان مُختَصًّا به.

стр. 6286

(وَالنَّظَرُ فِي الْوُقُوفِ فِي عَمَلِهِ، بِإِجْرَائِهَا عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ)؛ لِأنَّ الضَّرورةَ تَدْعُو إلى إجرائها (١) على شروطِها (٢)، سَواءٌ كان لها ناظرٌ (٣) خاصٌّ، أوْ لم يكُنْ. (وَتَنْفِيذُ الْوَصَايَا)؛ لِأنَّ الميِّتَ مُحتاجٌ إلى ذلك، ولَيسَ ذلك لغَيرِه. (وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ اللاَّتِي لَا وَلِيَّ لَهُنَّ)؛ لقوله ﵇: «فإن اشتجروا؛ فالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لا وَلِيَّ له» (٤)، والقاضِي نائبُه. (وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ)؛ لِأنَّه ﵇ كان يُقِيمُها (٥) والخلفاءُ مِنْ بَعْدِه (٦). (وَإِقَامَةُ الْجُمُعَةِ) والعِيد، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية» و «الفُروع»، ما لم يُخَصَّا بإمامٍ مِنْ جِهَةِ السُّلْطان أو الواقِفِ، ذَكَرَه ابنُ حَمْدانَ، ولأِنَّ الخُلَفاء كانوا يُقِيمُونَهما. (وَالنَّظَرُ فِي مَصَالِحِ عَمَلِهِ؛ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْ طُرُقَاتِ المُسْلِمِينَ وَأَفْنِيَتِهِمْ)؛ لِأنَّه مُرصَدٌ للمَصالِح. (وَيَتَصَفَّحُ (٧) حَالَ شُهُودِهِ وَأُمَنَائِهِ، وَالاسْتِبدَالُ (٨) بِمَنْ ثَبَتَ جَرْحُهُ مِنْهُمْ)؛ لِأنَّ العادةَ في القضاة (٩) تَولِيَتُها، فعِنْدَ إطْلاقِ الوِلايَة تنصرِفُ (١٠) إلى ما جَرَتَ

стр. 6287

به العادةُ. (فَأَمَّا جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَأَخْذُ الصَّدَقَةِ) إذا لم يُخَصَّا بعامِلٍ، قالَهُ في «الوجيز»، تَبَعًا لأِبِي الخَطَّاب؛ (فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَدخُلانِ؛ قِياسًا على سائِرِ الخِصَال. والثَّانِي: لَا؛ لِأنَّ العادةَ لم تثبت (١) بتَوَلِّي القضاء (٢) لهما، والأصْلُ عَدَمُ ذلك. وقِيلَ: في الخَراجِ. ونَقَلَ أبو طالِبٍ: أمِيرُ البَلَد إنَّما هو مُسلَّطٌ على الأَدَب، ولَيسَ إليه (٣) الموارِيثُ، والوَصَايا، والفُروج، والحُدود، والرَّجم، إنَّما (٤) ذلك للقاضِي (٥)، فَظَهَرَ الفَرْقُ بَينَهما. وعُلِمَ مِمَّا تقدَّم (٦): أنَّه لا يسمع (٧) بيَّنَةً في غَيْرِ عَمَلِه، وهو مَحَلُّ حُكْمِه، وتجب (٨) إعادةُ الشَّهادة؛ كتعديلها (٩). (وَلَهُ طَلَبُ الرَّزْقِ لِنَفْسِهِ، وَأُمَنَائِهِ، وَخُلَفَائِهِ، مَعَ الْحَاجَةِ)، ورخَّصَ فيه أكْثَرُ العُلَماء؛ لِأنَّ «عُمَرَ رَزَقَ شُرَيحًا في كلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَم» (١٠)، «ورَزَقَ

стр. 6288

ابنَ مَسْعودٍ نصفَ شاةٍ كلَّ يَومٍ» (١)، وإذا جاز له الطَّلَبُ لنَفْسِه؛ جازَ لمن هو (٢) في مَعْناهُ. وقال أحمدُ: لا يُعجِبُنِي أنْ يأخُذَ على القَضاء أَجْرًا، وإنْ كان فبقدر (٣) عَمَلِه، مِثْلَ مالِ اليَتِيم (٤)، «وكان ابنُ مَسْعُودٍ يَكرَهُ الأُجْرةَ على القَضاء، ولا يَأخُذُ عَلَيهِ أجْرًا» (٥). (فَأَمَّا مَعَ عَدَمِهَا؛ فَعَلَى وَجْهَيْنِ): أصَحُّهما: الجَوازُ؛ لِأنَّ «أبا بكرٍ لمَّا وَلِيَ الخِلافَةَ فَرَضُوا له كلَّ يَومٍ

стр. 6289

دِرْهَمَينِ» (١)، «وَفَرَضَ عُمَرُ لِزَيدٍ وغَيرِه» (٢)، وأَمَرَ بفَرْضِ الرَّزْق لمَن يولَّى (٣) من القُضاة (٤)، ولِأنَّه لو لم يَجُزْ فَرْضُ الرَّزق؛ لَتَعَطَّلَتْ وضاعَت الحُقوقُ. والثَّاني: لا يَجُوزُ؛ لِأنَّه يَختَصُّ أنْ يكُونَ فاعِلُه مِنْ أهْلِ القُرْبة، فلم يَجُزْ أخذ (٥) الأُجْرة عَلَيهِ كالصَّلاة. فأمَّا الاِستِئْجارُ عَلَيهِ؛ فلا يَجُوزُ، فإنَّ عُمَرَ قال: «لا يَنْبَغِي لِقَاضِي المسْلِمِينَ أنْ يَأخُذَ على القَضاءِ أَجْرًا» (٦)،

стр. 6290

قال في «المغْنِي»: لا نَعلَمُ فيه (١) خِلافًا (٢)؛ لأنَّه (٣) يَختَصُّ أنْ يكُونَ فاعلُه (٤) مِنْ أهْلِ القُرْبة، ولا يَعْمَلُه الإنسان (٥) عن غَيرِه، وإنَّما يَقَعُ عن نَفْسِه كالصَّلاة. فإنْ لم يكُنْ له رَزْقٌ، ولَيسَ له ما يَكْفِيهِ، وقال للخَصْمَينِ: لا أَقْضِي بَينَكُما حتَّى تَجْعَلَا لِي جُعْلاً؛ جاز (٦)، وقِيلَ: لَا. تنبيهٌ: لا يَجُوزُ أنْ يُقلَّدَ القَضاءُ لِواحِدٍ على أنْ يَحكُمَ بمَذْهَبٍ بِعَينِه، لا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٧)؛ لِأنَّه مأمورٌ بالحُكْم بالحقِّ، والحقُّ لا يَتَعَيَّنُ في مَذْهَبٍ بعَينِه. وفي فَسادِ التَّولِيَةِ وَجْهانِ؛ كالشَّرْط الفاسِدِ في البَيعِ. وإنْ أَمَرَه أنْ يَحكُمَ به وَحْدَه؛ صحَّ، وله أنْ يَحكُمَ بمَذْهَبِ إمامٍ غَيرِه، ومَذْهَبِ غَيرِ من (٨) وَلاَّهُ إنْ قَوِيَ عِندَه دليلُه، وقِيلَ: لَا. وللإمام تَولِيَةُ القَضاء في بلده وفي غَيرِه، وإنْ أَذِنَ له أنْ يَسْتَنِيبَ؛ صحَّ، وإنْ نَهاهُ فَلَا.

стр. 6291

وإنْ أطْلَقَ؛ فَظاهِرُ كلامِ أحمدَ، وجَزَمَ به في «المستوعب»، وقدَّمه في «الشَّرح»: الجَوازُ. وقِيلَ: له ذلك فيما لا يُباشِرُه مِثْلُه عُرْفًا أوْ يَشُقُّ. فإن اسْتَخْلَفَ في مَوضِعٍ لَيسَ له الاِسْتِخْلافُ؛ فحُكْمُه حُكْمُ مَنْ لم يُوَلَّ (١). وتُشترط (٢) أهْلِيَّةُ النَّائب لِمَا تولاه (٣).

стр. 6292

(فَصْلٌ) (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي عُمُومِ الْعَمَلِ)، بأنْ يُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فِي سَائِرِ الأَحْكام وسائِرِ البُلْدان، (وَيَجُوزُ (١) أَنْ يُوَلَّيَهُ خَاصًّا فِي أَحَدِهِمَا)، بأنْ يُولِّيَه الحُكْمَ في سائِرِ الأَحْكام في بَلَدٍ أوْ مَحَلَّةٍ مِنْ المَحالِّ، وكذا عَكْسُه، (أَوْ فِيهِمَا) بأَنْ يُوَلِّيَه الحُكْمَ في المُدايَناتِ، أوْ عُقُودِ الأَنْكِحةِ في بَعْض البِلاد أو المَحالِّ. (فَيُوَلِّيَهُ عُمُومَ النَّظَرِ فِي بَلَدٍ أَوْ مَحَلَّةٍ خَاصَّةٍ، فَيَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِي أَهْلِهِ)، وهو ظاهِرٌ، (وَمَنْ طَرَأَ إِلَيْهِ)؛ لِأنَّ الطَّارِئَ يُعطَى حُكْمَ أهْلِه في كثيرٍ من الأحكام، بدليلِ أنَّ الدِّماءَ الواجِبةَ لِأهْلِ مَكَّةَ يَجُوزُ تَفْريقُها في الطَّارِئ إلَيها كأهْلِها. (أَوْ يَجْعَلَ إِلَيْهِ الْحُكْمَ فِي المُدَايَنَاتِ خَاصَّةً (٢)، أَوْ فِي قَدْرٍ مِنَ المَالِ لَا يَتَجَاوَزُهُ، أَوْ يُفَوِّضَ إِلَيْهِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا)؛ لِأنَّ الخِيَرَةَ في التَّولِيَة إلى الإمام، فكذا في صِفَتِها، وله الاِسْتِنابَةُ في الكلِّ، فكذا في البَعْض. وقد صحَّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَسْتَنِيبُ أصْحابَه كلًّا في شَيءٍ، فَوَلَّى عُمَرَ القَضاءَ (٣)،

стр. 6293

وبَعَثَ عَلِيًّا قاضيًا (١) باليَمَن (٢)، وكان يُرسِلُ بعضَهم لجَمْعِ الزَّكاة وغَيرِها (٣)، وكذلك الخُلَفاءُ مِنْ بَعْدِه. (وَيَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ) مِنْ غَيرِ مَذْهَبِه، قاله القاضِي في «الأحْكام السُّلْطانِيَّة»، و «الرِّعايَتَينِ»، و «الحاوي»، و «النَّظم»؛ لِأنَّ على القاضي أنْ يَجتَهِدَ رَأْيَه في قَضائه، وقد سَبَقَ في الوَكالة. (قَاضِيَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، يَجْعَلُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٤) عملاً (٥)، فَيَجْعَلُ إِلَى أَحَدِهِمَا الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِلَى الآْخَرِ عُقُودَ الْأَنْكِحَةِ)؛ لِأنَّ الإمامَ كامِلُ الوِلايَة، فوجب (٦) أنْ يَملِكَ ذلك؛ إذْ لا (٧) ضَرَرَ عَلَيهِ؛ كتَولِيَةِ القاضِي الواحِدِ. (فَإِنْ جَعَلَ إِلَيْهِمَا (٨) عَمَلاً وَاحِدًا؛ جَازَ)، صحَّحه في «المغْنِي»، وقدَّمه في «المحرَّر» و «الفُروع»، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّها نِيابَةٌ، فَجَازَ جَعْلُها إلى اثْنَينِ كالوَكَالةِ (٩)، ولِأنَّه يَجُوزُ للقاضِي أنْ يَسْتَخْلِفَ خَلِيفَتَينِ في مَوضِعٍ واحِدٍ، فالإمامُ أَوْلَى.

стр. 6294

(وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ)؛ لِأنَّهما قد يَختَلِفانِ في الاِجْتِهاد، فَتَقِفُ الحُكومةُ. وجَوابُه: أنَّ كلَّ حاكِمٍ يَحكُمُ باجتهاده (١)، ولَيسَ لِلآخَرِ الاِعْتِراضُ عَلَيهِ. ويُقدَّمُ قَولُ الطَّالِب ولو عِنْدَ نائبٍ، فإنْ كانَا مُدَّعيين اختلفا (٢) في ثَمَنِ مَبِيعٍ باقٍ؛ اعْتُبِرَ أقْرَبُ الحاكِمَينِ منهما مَجلِسًا، فإنِ اسْتَوَيَا؛ أُقْرِعَ. وقِيلَ: يُعتَبَرُ اتِّفاقُهما على حاكِمٍ. قال حَرْمَلَةُ: قال الشَّافِعِيُّ: لَولَا شُعْبَةُ ما عُرف (٣) الحديثُ بالعِراق، كان يَجِيءُ إلى (٤) الرَّجُل فيَقُولُ له: لا تُحدِّثْ وإلَّا اسْتَعْدَيتُ عَلَيكَ السُّلْطانَ (٥). وفي «الرِّعاية»: يُقدَّمُ مِنْهُما مَنْ طَلَبَ حُكْمَ المسْتَنِيب. وفي «التَّرغيب»: إنْ تَنازَعا أُقْرِعَ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنْ كانَا في الحاجز؛ كدجْلَةَ والفرات (٦)؛ لَيسَ الحاكِمُ في وِلايَةِ أحدِهما؛ فإلى الوالي الأَعْظَم. (وَإِنْ مَاتَ المُوَلِّي) - بكَسْرِ اللاَّم -، (أَوْ عُزِلَ المُوَلَّى) - بفَتْحِها - (مَعَ صَلَاحِيَتِهِ؛ لَمْ تَبْطُلْ وِلَايَتُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، هذا هو الأشهر (٧)، قدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع» (٨)؛ لأِنَّه عَقْدٌ لمَصلَحَةِ المسْلِمِينَ؛ كما لو عَقَدَ الوليُّ

стр. 6295

النِّكاحَ على مَوْلِيَّتِه ثُمَّ ماتَ، أوْ فَسَخَه. (وَتَبْطُلُ فِي الآْخَرِ)، وجَزَمَ به في «الوجيز» في الثَّانِيَةِ، لَا الأولى؛ كالوكيل، قال (١) عُمَرُ: «لَأعْزِلَنَّ أبا مَرْيمَ، وأُوَلِّي رَجُلاً إذا رآه الفاجرُ (٢) فَرِقَهُ» (٣)، فَعَزَلَه وَوَلَّى كعبَ بنَ سُور (٤)، وَوَلَّى عليٌّ أبا الأَسْوَد ثُمَّ عَزَلَه، فقال: لم عَزَلْتَنِي وما جَنَيتُ؟ قال: رَأَيْتُك تَعْلُو كَلامَكَ على الخَصْمَين» (٥). وجَزَمَ في «التَّرغيب»: بأنَّه (٦) يَنعَزِلُ نائبُه في أَمْرٍ مُعَيَّنٍ في سَماعِ شهادةٍ معينة (٧)، وإحْضارِ مُسْتَعْدٍ عَلَيهِ، فَعَلَى هذا: لو عَزَلَه في حياته؛ لم يَنعَزِلْ. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ قُلْنا: الحاكِمُ نائبُ الشَّرع؛ لم يَنعزِلْ، وإنْ قُلْنا: نائِبُ مَنْ وَلاَّهُ؛ انْعَزَلَ. وفي «الشَّرح»: لا يَنعَزِلُ بالموت، وهل يَنعَزِلُ بالعَزْل؟ فيه وَجْهانِ؛ لِأنَّ

стр. 6296

فيه ضَرَرًا، وهُنا لا ضَرَرَ فيه (١)؛ لِأنَّه لا يَنعَزِلُ قاضٍ (٢) حتَّى يُوَلَّى آخَرُ مَكانَه، ولهذا لا يَنعَزِلُ الوالي (٣) بمَوتِ الإمام ويَنعَزِلُ بعَزْلِه. قال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: (كعَقْدِ وَصِيٍّ وناظِرٍ عَقْدًا جائزًا؛ كوَكَالَةٍ وشِرْكَةٍ ومُضارَبَةٍ، ومِثْلُه: كلُّ عَقْدٍ لمَصلَحَةِ المسلمين (٤)؛ كوالٍ ومن (٥) نصبه (٦) لِجِبايَةِ مالٍ وصَرْفِه وأَمْرِ الجِهاد، ووكيلِ بَيتِ المال، والمُحْتَسِبِ) (٧)، وهو ظاهِرُ كَلامِ غَيره. (وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ (٨) بِالْعَزْلِ (٩)؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ)؛ لِأنَّه في مَعْناهُ، وجزم (١٠) في «الوجيز» بأنَّه يَنعَزِلُ كالوكيل، والأَشْهَرُ عَدَمُه (١١)؛ لِأنَّه يتعلَّق به قَضَايَا النَّاس وأحْكامُهم فَيَشُقُّ، بخِلافِ الوَكِيل، فإنَّه مُتَصَرِّفٌ في أمْرٍ خاصٍّ. تنبيهٌ: إذا تَغيَّرَ حالُ القاضِي بزَوالِ عَقْلٍ، أوْ مَرَضٍ يَمنَعُه القَضاءَ، أو اخْتَلَّ فيه بَعْضُ الشُّروط؛ فإنَّه يَتَعَيَّنُ على الإمام عَزْلُه وجْهًا واحِدًا. وفي «المغْنِي»: أنَّه يَنعَزِلُ. فإن اسْتَخْلَفَ القاضي خليفةً؛ فإنَّه يَنعَزِلُ بمَوتِه، أوْ عَزْلِه؛ كالوَكِيلِ.

стр. 6297

وله (١) عَزْلُ نَفْسِه في الأصحِّ. وفي «الرِّعاية»: إنْ لم (٢) يَلزَمْه قَبولُه. وفِيهَا: له عَزْلُ نائبه بأفْضَلَ منه، وقِيلَ: بمِثْلِه، وقِيلَ: بدُونِه؛ لمَصلَحَةٍ في الدِّين. وقال القاضِي: عَزْلُ نَفْسِه يَتَخَرَّجُ على الرِّوايَتَينِ في أنَّه وكيلٌ للمسلمين أمْ لَا؟ وفيه (٣) رِوايَتانِ مَنصُوصَتانِ في خَطَأ الإمامِ. وفي «الرِّعاية»: في نائبه في الحُكْم، وقيِّمِ الأيتامِ، وناظِرِ الوَقْفِ، ونحوِه؛ أَوْجُهٌ، ثالِثُها: إن اسْتَخْلَفَهم بإذْنِ مَنْ ولاَّه فَلَا. ورابِعُها: إنْ قال: اسْتَخْلِفْ عنك؛ انْعزَلُوا، وإنْ قال: عَنِّي؛ فلا. ولا يَبطُلُ ما فَرَضَه فارِضٌ في المسْتَقْبَل في الأَشْهَر. ومَن عُزِلَ، أو انعزَلَ (٤)؛ حَرُمَ عَلَيهِ الحُكْمُ، ولَزِمَه إعْلامُ وليِّ الأَمْر. فلو تاب الفاسِقُ وحَسُنَ حالُه، أوْ أفَاقَ مِنْ جُنونٍ أوْ إغْماءٍ، وقلنا (٥): يَنعَزِلُ به (٦)؛ فهل يَعُودُ قاضِيًا بلا تَولِيَةٍ جديدةٍ؟ فيه وَجْهانِ. ومَن أُخبِرَ بمَوتِ قاضِي بَلَدٍ، وَوَلَّى غَيرَه؛ فَبَانَ الأوَّلُ حَيًّا؛ لم يَنعَزِلْ في الأَقْوَى. (وَإِذَا قَالَ المُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ فِي الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ قَدْ وَلَّيْتُهُ (٧)؛ لَمْ تَنْعَقِدِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَنْظُرُ)، ذَكَرَه القاضِي

стр. 6298

وغَيرُه، وَجَزَم به في «الرِّعاية» و «الوجيز»؛ لِأنَّه لم يُعَيِّنْ بالوِلاية أَحَدًا منهم، وكما لو قال: بِعْتُكَ أَحَدَ الثَّوبَينِ. ويَحتَمِلُ: أنْ تنعقِدَ (١) لمَن نَظَرَ؛ لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ علَّق وِلايَةَ الإمارة بَعْدَ زَيدٍ على شَرْطٍ (٢)، فكذا وِلايَةُ الحُكْم. (وَإِنْ قَالَ: وَلَّيْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَنْ نَظَرَ مِنْهُمَا فَهُوَ خَلِيفَتِي؛ انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ) لمَن نَظَرَ؛ لأنَّه (٣) ولاَّهما (٤) جميعًا، ثُمَّ عَيَّنَ السَّابِقَ مِنْهُما.

стр. 6299

(فَصْلٌ) (وَيُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي عَشْرُ صِفَاتٍ): (أَنْ (١) يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلاً)؛ لِأنَّ غَيرَهما لا يَنفذُ (٢) قَولُهما في أنْفُسهما؛ فَلَأَنْ لا يَنفُذَ في غَيرِهما بطريقِ الأَوْلَى، وهما يَسْتَحِقَّانِ الحَجْرَ عَلَيهِما، والقاضِي يَستَحِقُّه على غَيرِه، وبَينَ الحالَينِ مُنافَاةٌ. ولم يَذكُرْ أبو الفَرَج في كُتُبِه: بالِغًا. وفي «الاِنْتِصار» في صِحَّةِ إسْلامِه: لا يُعرَفُ فيه رِوايَةٌ. (ذَكَرًا)، وقاله (٣) الجُمْهورُ. وقال ابنُ جَرِيرٍ: لا تشترط (٤) الذُّكُورِيَّةُ (٥). وجَوابُه: قَولُه ﵇: «لَنْ يُفلِحَ قَومٌ وَلَّوْا أمْرَهُم امْرأَةً» (٦)؛ ولأنَّ (٧) المرأةَ ناقِصةُ العَقْل، وقَليلةُ الرَّأْيِ، لَيسَتْ أهْلاً لِحُضُورِ الرِّجال. (حُرًّا)؛ لِأنَّ العبدَ مَنقُوصٌ بِرِقِّه، مَشْغُولٌ بحُقوقِ سَيِّدِه؛ كالإمامة العُظْمَى، لكِنْ تَصِحُّ وِلايَةُ عَبْدٍ إمارةَ سَرِيَّةٍ، وقَسْمِ صَدَقَةٍ، وفَيءٍ، وإمامةِ صلاةٍ. وفِيهِ وَجْهٌ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، قالَهُ ابنُ عَقِيلٍ وأبو الخَطَّاب، وقال فِيهِ: بإذْنِ سيِّدٍ (٨).

стр. 6300

(مُسْلِمًا)؛ لِأنَّ الكفرَ يَقتَضِي إذْلالَ صاحبه، والقَضاءُ يَقتَضِي احْتِرامَه، وبَينَهما مُنافاةٌ، وهو شَرْطٌ في الشَّهادة، فكذا هُنا. (عَدْلاً)؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَجُوزُ أنْ يكونَ شاهِدًا، فهذا أَوْلَى، ولا يجوز (١) تَولِيَةُ مَنْ فيه نَقْصٌ يَمنَعُ الشَّهادةَ. وظاهِرُه: ولو تائبًا مِنْ قَذْفٍ، نَصَّ عَلَيهِ (٢). وقِيلَ: أوْ فِسْقٍ بشُبْهةٍ فَوَجْهانِ. (سَمِيعًا)؛ لِأنَّ الأصمَّ لا يَسمَعُ كَلامَ الخَصْمَينِ. (بَصِيرًا)؛ لِأنَّ الأَعْمَى لا يعرف (٣) المدَّعِيَ مِنْ المدَّعَى عَلَيهِ، ولا الْمُقِرَّ مِنْ الْمُقَرِّ له. (مُتَكَلِّمًا)؛ لِأنَّ الأَخْرَسَ لا يُمكِنُه النُّطْقُ بالحُكْم، ولا يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاس إشارَتَه. (مُجْتَهِدًا)، إجْماعًا، ذَكَرَه ابنُ حَزْمٍ (٤)، وأنَّهم أجْمَعُوا على (٥) أنَّه لا يَحِلُّ لِحاكِمٍ ولا لِمُفْتٍ تَقلِيدُ رَجُلٍ لا يَحكُمُ ولا يُفْتِي إلَّا بقَولِه؛ لأنَّ (٦) فاقِدَ الاِجْتِهاد إنَّما يَحْكُمُ بالتَّقليد، والقاضِي مَأْمُورٌ بالحُكْم بما أنْزَلَ اللهُ، ولقوله ﵇: «القُضاةُ ثَلاثَةٌ» رواهُ أبو داودَ، ورجاله (٧) ثِقاتٌ (٨)، ولأنَّ المفْتِيَ لا

стр. 6301

يَجُوزُ أنْ يكُونَ عامِّيًّا مُقلِّدًا، فالحاكِمُ أَوْلَى. ولكِنْ في «الإفصاح»: أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ على تقليدِ كلٍّ مِنْ المذاهِبِ الأربعةِ، وأنَّ (١) الحقَّ لا يَخرُجُ عنهم، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الصَّحيحَ في (٢) هذه المسألةِ: أنَّ قَولَ مَنْ قال: إنَّه لا يَجُوزُ إلَّا تَولِيَةُ مُجتَهِدٍ؛ فإنَّه إنَّما عَنَى به ما كانت الحالُ عَلَيهِ قَبْلَ اسْتِقْرارِ ما اسْتَقَرَّ مِنْ هذه المذاهِبِ. واخْتارَ في «التَّرغِيب»: ومُجتَهِدًا في مَذهَبِ إمامِه للضَّرورة. واخْتارَ في «الإفصاح» و «الرِّعاية»: أوْ مُقلِّدًا، وقِيلَ: يُفْتِي به ضرورةً، قال ابنُ بَشَّارٍ: ما (٣) أَعِيبُ على مَنْ يَحفَظُ خَمْسَ مَسائِلَ لأِحْمَدَ يُفْتِي بها (٤). وظاهِرُ نَقْلِ عبدِ اللهِ: يُفْتِي غَيرُ مُجْتَهِدٍ (٥)، ذكره (٦) القاضِي، وحَمَلَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين على الحاجة (٧)، فَعَلَى هذا: يُراعِي ألْفاظَ إمامِه، ومُتأخِّرَها، وتقليدَ كِبارِ مَذْهَبِه في ذلك.

стр. 6302

وظاهِرُه: أنَّه يَحكُمُ ولو اعْتَقَدَ خِلافَه؛ لأِنَّه مُقلِّدٌ، وأنَّه لا يَخرُجُ عن الظَّاهِرِ، قال في «الفُروع»: فَيَتَوَجَّهُ مع الاِسْتِواءِ الخِلاف في مُجتَهِدٍ. (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا يُشتَرَطُ، نَصَرَه المؤلِّفُ، وقدَّمه في (١) «الكافي»، وهو ظاهِرُ «الوجيز» و «الفُروع»؛ لِأنَّه ﵇ كان أُمِّيًّا، ولَيسَ مِنْ ضَرورةِ الحُكْم مَعرِفَةُ الكِتابَةِ. والثَّاني: يشترط (٢)، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِيَعْلَمَ ما يَكتُبُه كاتِبُه فيأمَنَ تحريفَه. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَطُ غَيرُ ذلك، وشَرَطَ الخِرَقِيُّ والحُلْوانيُّ وابن (٣) رَزِينٍ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤): أنْ يكُونَ وَرِعًا، وقِيلَ: وزاهِدًا، وأطْلَقَ فِيهِما في (٥) «التَّرغيب» وَجْهَينِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا مُغفَّلاً، وهو مُرادٌ. وقال القاضِي في مَوضِعٍ: لا يَكُونُ بَلِيدًا، ولا نافِيًا للقِياسِ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الوِلايَةُ لها رُكْنانِ: القُوَّةُ والأَمَانَةُ، فالقُوَّةُ في الحُكْم: تَرجِعُ إلى العِلْم بالعَدْل وتنفيذِ الحُكْم، والأمانةُ: ترجع (٦) إلى خَشْيَةِ الله تَعَالَى (٧).

стр. 6303

وحاصِلُه: أنَّه يَجِبُ تَولِيَةُ الأَمْثَل فالأمثل (١)، فالشَّابُّ بالصِّفات كغَيرِه، لكِنَّ الأَسَنَّ أَوْلَى مع (٢) التَّساوِي، ويُرجَّحُ بحُسْنِ الخلق أيضًا. (وَالْمُجْتَهِدُ)، مَأخُوذٌ من الاِجْتِهاد، وهو: اسْتِفْراغُ الفقيه (٣) الوُسْعَ لِتَحصِيلِ ظَنٍّ بحُكْمٍ شَرعِيٍّ: (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ الْحَقِيقَةَ)، وهي: اللَّفْظُ المسْتَعْمَلُ في وَضْعٍ أوَّلَ، (وَالمَجَازَ)، وهو: اللَّفْظُ المسْتَعْمَلُ في (٤) غَيرِ وَضْعٍ أوَّلَ، زاد بعضُهم: على وَجْهٍ يَصِحُّ، (وَالْأَمْرَ)، وهو: القَولُ المقتضي (٥) طاعةَ المأْمُورِ بفِعْلِ المأْمُورِ به، (وَالنَّهْيَ)، وهو: اقْتِضاءُ كَفٍّ عن فِعْلٍ، لا بقَولِ: كُفَّ، (وَالمُجْمَلَ)، وهو: ما لا يُفهَمُ منه عِنْدَ الإطلاق (٦) شَيءٌ، (وَالمُبَيَّنَ)، وهُوَ: إخْراجُ الشَّيءِ مِنْ حَيْزِ الإشْكالِ إلى حَيْزِ التَّجَلِّي والوضوح (٧)، وقال الشَّافِعِيُّ: اسْمٌ جامِعٌ لمَعَانٍ مُجتَمِعَةِ الأُصُول، مُتَشَعِّبَةِ الفُروع (٨)، (وَالمُحْكَمَ): المُتَّضِحَ المعْنَى، (وَالمُتَشَابِهَ) مُقابِلُه؛ إمَّا لاِشْتِراكٍ، أوْ ظُهورِ تَشْبِيهٍ، (وَالْخَاصَّ): قصرُ (٩) العامِّ عَلَى بَعْضِ مسمياته، (وَالْعَامَّ): ما دلَّ على مُسَمَّياتٍ باعْتِبارِ أمْرٍ اشْتَرَكَتْ فيه مطلقًا (١٠)،

стр. 6304

(وَالمُطْلَقَ): ما دلَّ على شائعٍ في جِنْسِه، (وَالمُقَيَّدَ)، وهو ما دلَّ على شَيءٍ مُعَيَّنٍ، (وَالنَّاسِخَ)، فهو: الرَّافِعُ لِحُكْمٍ شَرعِيٍّ، (وَالمَنْسُوخَ)، وهو: ما ارْتَفَعَ شَرعًا بَعْدَ ثُبوتِه شَرْعًا، (وَالمُسْتَثْنَى)، وهو: المُخرَجُ ب «إلَّا» وما في مَعْناها مِنْ لَفْظٍ شامِلٍ له، (وَالمُسْتَثْنَى مِنْهُ)، هو: العامُّ المخْصوصُ بإخْراجِ بعضِ ما دلَّ عَلَيهِ ب «إلَّا» أوْ ما في معناها (١). (وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا)، وهو: ما نَقَلَه العَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِه، مِنْ غَيرِ شُذُوذٍ ولا عِلَّةٍ، (مِنْ سَقِيمِهَا)، وهو: ما لم يوجد (٢) فيه شُروط الصِّحَّة؛ كالمنْقَطِع، والمنْكَر، والشَّاذِّ، وغَيرِها، (وَتَوَاتُرَهَا)، هو: الخَبَرُ الَّذي نَقَلَه جَمْعٌ لا يُتصَوَّرُ تَواطُؤهم على الكَذِب، مُسْتَوِيًا في ذلك طرفاه (٣) وَوَسَطُه، والحقُّ: أنَّه لا يَنحَصِرُ في عَدَدٍ، بل يُسْتَدَلُّ بحُصولِ العِلْمِ على حُصولِ العَدَد، والعلم (٤) الحاصِلُ عنه ضروريٌّ في الأصحِّ، (مِنْ آحَادِهَا)، وهو: ما عَدَا التواتُر، ولَيسَ المرادُ به: أنْ يكُونَ راويه (٥) واحِدًا، بل كلُّ ما لم يبلغ (٦) التَّواتُرَ فهو آحَادٌ، (وَمُرْسَلَهَا)، وهو: قَولُ غَيرِ الصَّحابِيِّ: «قال رسولُ الله ﷺ »، وأمَّا مُرسَلُ الصَّحابِيِّ فهو حُجَّةٌ عِنْدَ الجُمْهورِ، (وَمُتَّصِلَهَا)، هو (٧): ما اتَّصَلَ إسْنادُه، وكان كلُّ واحِدٍ مِنْ رُواتِهِ سمعه (٨) مِمَّنْ فَوقَه، سَواءٌ كان مَرفُوعًا

стр. 6305

أوْ مَوقُوفًا، (وَمُسْنَدَهَا)، وهو (١): ما اتَّصَلَ إسْنادُه مِنْ راويه (٢) إلى مُنتَهاهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْماله فِيمَا جاء عن النَّبيِّ ﷺ ، (وَمُنْقَطِعَهَا)، وهو (٣): ما لم يَتَّصِلْ سَنَدُه، على أيِّ وَجْهٍ كان الاِنْقِطاعُ، (ممَّا (٤) لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأَحْكَامِ (٥) خَاصَّةً). وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ عَلَيهِ حِفْظُ القُرآن، وإنَّما المتعيِّنُ عَلَيهِ حِفْظُ خَمْسِمِائَةِ آيةٍ، كما نَقَلَه المُعْظَمُ؛ لأِنَّ المجْتَهِدَ هو مَنْ يَعرِفُ الصوابَ (٦) بدليله؛ كالمجْتَهِد في القِبْلة. ولِكُلِّ واحِدٍ ممَّا (٧) ذَكَرْنا دَلالةٌ لا يُمكِنُ مَعرِفَتُها إلَّا بمَعْرِفَتِه، فَوَجَبَ مَعْرفَةُ ذلك؛ لِيَعْرِفَ دَلالَتَه، وَوَقْفُ الاِجْتِهاد على معرفة ذلك. (وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ)، وهو: اتِّفاقُ المجْتَهِدِينَ مِنْ هذه الأمَّةِ في (٨) عَصْرٍ على (٩) أَمْرٍ (مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ). (وَالْقِيَاسَ)، وهو: ردُّ فَرْعٍ إلى أَصْلٍ بعلةٍ، (وَحُدُودَهُ)، على ما ذُكِرَ في أصولِ (١٠) الفِقْه، (وَشُرُوطَه)، بعضُها يَرجِعُ إلى الأصل، وبَعضُها إلى الفرع، وبَعضُها إلى العِلَّة، (وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ) على الكَيفِيَّةِ المذْكُورةِ في مَحالِّها.
следующие страницы →