← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

يَجُوزُ أنْ يكُونَ عامِّيًّا مُقلِّدًا، فالحاكِمُ أَوْلَى. ولكِنْ في «الإفصاح»: أنَّ الإجْماعَ انْعَقَدَ على تقليدِ كلٍّ مِنْ المذاهِبِ الأربعةِ، وأنَّ (١) الحقَّ لا يَخرُجُ عنهم، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الصَّحيحَ في (٢) هذه المسألةِ: أنَّ قَولَ مَنْ قال: إنَّه لا يَجُوزُ إلَّا تَولِيَةُ مُجتَهِدٍ؛ فإنَّه إنَّما عَنَى به ما كانت الحالُ عَلَيهِ قَبْلَ اسْتِقْرارِ ما اسْتَقَرَّ مِنْ هذه المذاهِبِ. واخْتارَ في «التَّرغِيب»: ومُجتَهِدًا في مَذهَبِ إمامِه للضَّرورة. واخْتارَ في «الإفصاح» و «الرِّعاية»: أوْ مُقلِّدًا، وقِيلَ: يُفْتِي به ضرورةً، قال ابنُ بَشَّارٍ: ما (٣) أَعِيبُ على مَنْ يَحفَظُ خَمْسَ مَسائِلَ لأِحْمَدَ يُفْتِي بها (٤). وظاهِرُ نَقْلِ عبدِ اللهِ: يُفْتِي غَيرُ مُجْتَهِدٍ (٥)، ذكره (٦) القاضِي، وحَمَلَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين على الحاجة (٧)، فَعَلَى هذا: يُراعِي ألْفاظَ إمامِه، ومُتأخِّرَها، وتقليدَ كِبارِ مَذْهَبِه في ذلك.

стр. 6302

وظاهِرُه: أنَّه يَحكُمُ ولو اعْتَقَدَ خِلافَه؛ لأِنَّه مُقلِّدٌ، وأنَّه لا يَخرُجُ عن الظَّاهِرِ، قال في «الفُروع»: فَيَتَوَجَّهُ مع الاِسْتِواءِ الخِلاف في مُجتَهِدٍ. (وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ كَاتِبًا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: لا يُشتَرَطُ، نَصَرَه المؤلِّفُ، وقدَّمه في (١) «الكافي»، وهو ظاهِرُ «الوجيز» و «الفُروع»؛ لِأنَّه ﵇ كان أُمِّيًّا، ولَيسَ مِنْ ضَرورةِ الحُكْم مَعرِفَةُ الكِتابَةِ. والثَّاني: يشترط (٢)، قدَّمه في «الرِّعاية»؛ لِيَعْلَمَ ما يَكتُبُه كاتِبُه فيأمَنَ تحريفَه. وظاهِرُه: أنَّه لا يُشتَرَطُ غَيرُ ذلك، وشَرَطَ الخِرَقِيُّ والحُلْوانيُّ وابن (٣) رَزِينٍ والشَّيخُ تقيُّ الدِّين (٤): أنْ يكُونَ وَرِعًا، وقِيلَ: وزاهِدًا، وأطْلَقَ فِيهِما في (٥) «التَّرغيب» وَجْهَينِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا مُغفَّلاً، وهو مُرادٌ. وقال القاضِي في مَوضِعٍ: لا يَكُونُ بَلِيدًا، ولا نافِيًا للقِياسِ. وقال الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: الوِلايَةُ لها رُكْنانِ: القُوَّةُ والأَمَانَةُ، فالقُوَّةُ في الحُكْم: تَرجِعُ إلى العِلْم بالعَدْل وتنفيذِ الحُكْم، والأمانةُ: ترجع (٦) إلى خَشْيَةِ الله تَعَالَى (٧).

стр. 6303

وحاصِلُه: أنَّه يَجِبُ تَولِيَةُ الأَمْثَل فالأمثل (١)، فالشَّابُّ بالصِّفات كغَيرِه، لكِنَّ الأَسَنَّ أَوْلَى مع (٢) التَّساوِي، ويُرجَّحُ بحُسْنِ الخلق أيضًا. (وَالْمُجْتَهِدُ)، مَأخُوذٌ من الاِجْتِهاد، وهو: اسْتِفْراغُ الفقيه (٣) الوُسْعَ لِتَحصِيلِ ظَنٍّ بحُكْمٍ شَرعِيٍّ: (مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ الْحَقِيقَةَ)، وهي: اللَّفْظُ المسْتَعْمَلُ في وَضْعٍ أوَّلَ، (وَالمَجَازَ)، وهو: اللَّفْظُ المسْتَعْمَلُ في (٤) غَيرِ وَضْعٍ أوَّلَ، زاد بعضُهم: على وَجْهٍ يَصِحُّ، (وَالْأَمْرَ)، وهو: القَولُ المقتضي (٥) طاعةَ المأْمُورِ بفِعْلِ المأْمُورِ به، (وَالنَّهْيَ)، وهو: اقْتِضاءُ كَفٍّ عن فِعْلٍ، لا بقَولِ: كُفَّ، (وَالمُجْمَلَ)، وهو: ما لا يُفهَمُ منه عِنْدَ الإطلاق (٦) شَيءٌ، (وَالمُبَيَّنَ)، وهُوَ: إخْراجُ الشَّيءِ مِنْ حَيْزِ الإشْكالِ إلى حَيْزِ التَّجَلِّي والوضوح (٧)، وقال الشَّافِعِيُّ: اسْمٌ جامِعٌ لمَعَانٍ مُجتَمِعَةِ الأُصُول، مُتَشَعِّبَةِ الفُروع (٨)، (وَالمُحْكَمَ): المُتَّضِحَ المعْنَى، (وَالمُتَشَابِهَ) مُقابِلُه؛ إمَّا لاِشْتِراكٍ، أوْ ظُهورِ تَشْبِيهٍ، (وَالْخَاصَّ): قصرُ (٩) العامِّ عَلَى بَعْضِ مسمياته، (وَالْعَامَّ): ما دلَّ على مُسَمَّياتٍ باعْتِبارِ أمْرٍ اشْتَرَكَتْ فيه مطلقًا (١٠)،

стр. 6304

(وَالمُطْلَقَ): ما دلَّ على شائعٍ في جِنْسِه، (وَالمُقَيَّدَ)، وهو ما دلَّ على شَيءٍ مُعَيَّنٍ، (وَالنَّاسِخَ)، فهو: الرَّافِعُ لِحُكْمٍ شَرعِيٍّ، (وَالمَنْسُوخَ)، وهو: ما ارْتَفَعَ شَرعًا بَعْدَ ثُبوتِه شَرْعًا، (وَالمُسْتَثْنَى)، وهو: المُخرَجُ ب «إلَّا» وما في مَعْناها مِنْ لَفْظٍ شامِلٍ له، (وَالمُسْتَثْنَى مِنْهُ)، هو: العامُّ المخْصوصُ بإخْراجِ بعضِ ما دلَّ عَلَيهِ ب «إلَّا» أوْ ما في معناها (١). (وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا)، وهو: ما نَقَلَه العَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ مِثْلِه، مِنْ غَيرِ شُذُوذٍ ولا عِلَّةٍ، (مِنْ سَقِيمِهَا)، وهو: ما لم يوجد (٢) فيه شُروط الصِّحَّة؛ كالمنْقَطِع، والمنْكَر، والشَّاذِّ، وغَيرِها، (وَتَوَاتُرَهَا)، هو: الخَبَرُ الَّذي نَقَلَه جَمْعٌ لا يُتصَوَّرُ تَواطُؤهم على الكَذِب، مُسْتَوِيًا في ذلك طرفاه (٣) وَوَسَطُه، والحقُّ: أنَّه لا يَنحَصِرُ في عَدَدٍ، بل يُسْتَدَلُّ بحُصولِ العِلْمِ على حُصولِ العَدَد، والعلم (٤) الحاصِلُ عنه ضروريٌّ في الأصحِّ، (مِنْ آحَادِهَا)، وهو: ما عَدَا التواتُر، ولَيسَ المرادُ به: أنْ يكُونَ راويه (٥) واحِدًا، بل كلُّ ما لم يبلغ (٦) التَّواتُرَ فهو آحَادٌ، (وَمُرْسَلَهَا)، وهو: قَولُ غَيرِ الصَّحابِيِّ: «قال رسولُ الله ﷺ »، وأمَّا مُرسَلُ الصَّحابِيِّ فهو حُجَّةٌ عِنْدَ الجُمْهورِ، (وَمُتَّصِلَهَا)، هو (٧): ما اتَّصَلَ إسْنادُه، وكان كلُّ واحِدٍ مِنْ رُواتِهِ سمعه (٨) مِمَّنْ فَوقَه، سَواءٌ كان مَرفُوعًا

стр. 6305

أوْ مَوقُوفًا، (وَمُسْنَدَهَا)، وهو (١): ما اتَّصَلَ إسْنادُه مِنْ راويه (٢) إلى مُنتَهاهُ، وأكْثَرُ اسْتِعْماله فِيمَا جاء عن النَّبيِّ ﷺ ، (وَمُنْقَطِعَهَا)، وهو (٣): ما لم يَتَّصِلْ سَنَدُه، على أيِّ وَجْهٍ كان الاِنْقِطاعُ، (ممَّا (٤) لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأَحْكَامِ (٥) خَاصَّةً). وظاهِرُه: أنَّه لا يَجِبُ عَلَيهِ حِفْظُ القُرآن، وإنَّما المتعيِّنُ عَلَيهِ حِفْظُ خَمْسِمِائَةِ آيةٍ، كما نَقَلَه المُعْظَمُ؛ لأِنَّ المجْتَهِدَ هو مَنْ يَعرِفُ الصوابَ (٦) بدليله؛ كالمجْتَهِد في القِبْلة. ولِكُلِّ واحِدٍ ممَّا (٧) ذَكَرْنا دَلالةٌ لا يُمكِنُ مَعرِفَتُها إلَّا بمَعْرِفَتِه، فَوَجَبَ مَعْرفَةُ ذلك؛ لِيَعْرِفَ دَلالَتَه، وَوَقْفُ الاِجْتِهاد على معرفة ذلك. (وَيَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ)، وهو: اتِّفاقُ المجْتَهِدِينَ مِنْ هذه الأمَّةِ في (٨) عَصْرٍ على (٩) أَمْرٍ (مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهِ). (وَالْقِيَاسَ)، وهو: ردُّ فَرْعٍ إلى أَصْلٍ بعلةٍ، (وَحُدُودَهُ)، على ما ذُكِرَ في أصولِ (١٠) الفِقْه، (وَشُرُوطَه)، بعضُها يَرجِعُ إلى الأصل، وبَعضُها إلى الفرع، وبَعضُها إلى العِلَّة، (وَكَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ) على الكَيفِيَّةِ المذْكُورةِ في مَحالِّها.

стр. 6306

(وَالْعَرَبِيَّةَ)، هي: الإعْرابُ، أو الألفاظُ العَرَبِيَّةُ، والأَشْهَرُ: أنَّها اللُّغةُ العَربِيَّةُ من حَيثُ اخْتِصاصُها بأحْوالٍ هي الإعرابُ، لا تُوجَدُ في غَيرِها من اللُّغات، (المُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ (١) وَالْعِرَاقِ) واليَمَن، قاله في «المستوعب» و «المحرَّر»، (وَمَا يُوَالِيهِمْ)؛ لِيَعرِفَ به اسْتِنباطَ الأحكام مِنْ أصْنافِ عُلومِ الكتاب والسُّنَّة، وقد نَصَّ أحمدُ على اشْتِراطِ ذلك للفُتْيا (٢)، فالحُكْمُ مِثْلُه بل أَشَدُّ. (وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ) أوْ على أكْثَرِه، جَزَمَ به في «المحرَّر» و «الوجيز»، (وَرُزِقَ فَهْمَهُ؛ صَلَحَ لِلْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ)؛ لِأنَّ العالِمَ بذلك (٣) يَتَمَكَّنُ من (٤) التَّصرُّف في العُلُوم الشَّرعِيَّة، وَوَضْعِها في مَواضِعِها. قال أبو محمَّدٍ الجَوزِيُّ: مَنْ حصَّل أُصولَ الفقه وفُروعَه؛ فمُجْتَهِدٌ، ولا يُقلِّدُ أَحَدًا. وعَنْهُ: يَجُوزُ، وقِيلَ: مَعَ ضِيقِ الوقت، وفي «الرِّعاية»: كخوفه (٥) على خُصومٍ مُسافِرِينَ فَوْتَ رُفْقَتِهم في الأصحِّ، ويتحرَّى (٦) الاِجْتِهادَ في الأصحِّ. مسائلُ: الأُولَى: تَقدَّم (٧) أنَّ العَدالةَ شَرطٌ، فلا تصحُّ (٨) تَولِيَةُ فاسِقٍ بفِعْلٍ مُحرَّمٍ

стр. 6307

إجْماعًا (١)، فإنْ فَسَقَ بشُبْهَةٍ؛ فَوَجْهانِ، وما مَنَعَ تَولِيَةَ القَضاء؛ مَنَعَ دَوامَها. وقِيلَ: الفِسْقُ الطَّارِئُ يَمنَع تَولِيَةَ القَضاء ودَوامَها. وفي الإمامة العُظْمَى رواياتٌ (٢)، ثالِثُها: يَمنَعُ انعقادَها (٣)، لا دَوامَها. قال في (٤) «المحرَّر»: وما فُقِدَ مِنْها في الدَّوام أزالَ الوِلايَةَ، إلَّا فَقْدَ السَّمْع والبصر فِيمَا ثَبَتَ (٥) عِندَه ولم يَحكُمْ به، فإنَّ وِلايَةَ حُكْمِه باقِيَةٌ فيه (٦). قال في (٧) «الرِّعاية»: فإنْ نَسِيَ الفِقْهَ أوْ خَرِسَ، قال ابنُ حَمْدانَ: ولم تُفهم إشارتُه، أوْ فَسَقَ، أوْ زالَ عَقْلُه بجُنونٍ، أوْ سُكْرٍ مُحرَّمٍ، أوْ إغْماءٍ، أَوْ عَمِيَ؛ انْعزَلَ. ويَلزَمُ المُدَّعِيَ أنْ يَصبِرَ حتَّى يَفرُغَ له الحاكِمُ مِنْ شُغْلِه، وله مُلازَمَةُ غَريمِه حتَّى يَفرُغَ إنْ كانَتْ بَيِّنَتُه حاضِرَةً أوْ قَرِيبةً، وإنْ كانَتْ غائبةً بعيدةً؛ فَوَجْهانِ. الثَّانِيَةُ: تصحُّ (٨) فُتْيَا مَسْتُورِ الحال في الأصحِّ، وإن (٩) كان عَبْدًا، أو امرأةً، أوْ قَرابةً، أوْ أخْرَسَ تُفْهَمُ إشارتُه أوْ كِتابَتُه، أوْ مَعَ جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْع ضَرَرٍ، وقِيلَ: وعَداوةٍ. وللحاكِمِ أنْ يُفْتِيَ، وقِيلَ: لا، وقيل (١٠): فيما يتعلَّقُ بالقضاء، دُونَ الطَّهارة والصَّلاة ونحوِهما.

стр. 6308

الثَّالِثَةُ: يَحرُمُ التَّساهُلُ في الفُتْيا، واسْتِفْتاءُ مَنْ عُرِفَ بذلك. فإنْ عَرَفَ ما سُئِل (١) عَنه وجَوابَه؛ أجابَ سَريعًا. ويَحرُمُ أنْ يَتَتَبَّعَ الحِيَلَ المحرَّمةَ والمكروهةَ، والترخصَّ (٢) لمَنْ أرادَ نَفْعَه، والتَّغليظَ لمَن أرادَ ضَرَرَه. وإنْ حَسُنَ قَصْدُه في حِيلةٍ لا شُبْهةَ فيها ولا مَفْسَدَةَ، لِيُخلِّصَ بها حالِفًا مِنْ يمينه؛ كقِصَّةِ أيُّوبَ ﵇؛ جازَ. ويَحرُمُ التَّحَيُّلُ لتَحلِيلِ حَرامٍ أوْ تحريمِ حَلالٍ بلا ضَرُورةٍ. الرَّابِعةُ: يُمنَعُ مِنْ الفُتْيا في حالٍ لَيسَ للحاكِمِ أنْ يَحكُمَ فيها، فإنْ أَفْتَى وأصاب؛ كُرِهَ وصَحَّ، وقِيلَ: لا يَصِحُّ. ولَه أخْذُ رَزْقٍ مِنْ بَيتِ المال، وإنْ تَعَيَّنَ أنَّه يُفْتِي وله كِفايَةٌ؛ فَوَجْهانِ، وإنْ كان اشْتِغالُه بها وبما (٣) يتعلَّقُ بها يَقطَعُه عن نَفَقَتِه ونَفَقَةِ عِيالِه؛ فَلَه أخْذُه، فإنْ أخَذَه؛ لم يأخُذْ على فُتْياهُ أُجْرةً، ومع عدمِهِ (٤)؛ له (٥) أخْذُ أُجْرةِ خَطِّه لا (٦) فُتْياهُ. وإنْ جَعَلَ له أهلُ البلد من أموالهم رَزْقًا لِيتَفَرَّغَ لفتاويهم؛ جَازَ. وله قَبولُ هَدِيَّةٍ، وقِيلَ: يَحرُمُ إنْ كانَتْ لِيُفْتِيَه بما يريده (٧) دُونَ غَيرِه، أوْ لنفعه (٨) بجاهِهِ أوْ مالِه.

стр. 6309

ويُقدَّمُ الأعْلَمُ على الأَوْرَع في الأصح. ويَجُوزُ (١) تقليدُ المفْضولِ مَع وُجودِ الأَفْضَلِ وإمْكانِ سُؤالِه في الأَقْيَس، ولا يَكفِيه قَولُ مَنْ لم تَسكُنْ نفسه (٢) إلَيهِ منهما. الخامِسَةُ: يَلزَمُ كلَّ مُقلِّدٍ أنْ يَلتَزِمَ بمَذهَبٍ مُعَيَّنٍ في الأَشْهَر، فلا يُقلِّدُ غَيرَ أهْلِه، وقِيلَ: بَلَى، وقِيلَ: ضَرورةً. فإن الْتَزَمَ فِيما أَفْتَى به، أوْ عَمِلَ به، أوْ ظَنَّهُ حَقًّا، أوْ لم يَجِدْ مُفْتِيًا؛ لَزِمَه قَبولُه، وإلَّا فَلَا. ولا تجوز (٣) الفتوى (٤) في عِلْمِ الكلام، بل يُنهَى (٥) السَّائلُ عنه، والعامَّةُ أَوْلَى، ويُؤمَرُ الكُلُّ بالإيمان المُجْمَلِ، وما يَلِيقُ بالله تعالى. ولا يَجُوزُ التَّقْليدُ فِيما يُطلَبُ فيه (٦) الجَزْمُ، ولا إثباته (٧) بدليلٍ ظَنِّيٍّ، ولا الاِجْتِهادُ فيه، ويَجُوزُ فِيمَا يُطلَبُ فيه الظَّنُّ، وإثباته (٨) بدليلٍ ظَنِّيٍّ، والاِجْتِهادُ فيه. ولا اجْتِهادَ في القَطْعِيَّات، ولا الإجماع (٩) الظَّنِّيِّ. وإنْ نَهاهُ في مسألةٍ عن الحكم فيها؛ فقال ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ وَجْهَينِ.

стр. 6310

(فَصْلٌ) (وَإِنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُلٍ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَيْنَهُمَا، فَحَكَمَ (١)؛ نَفَذَ حُكْمُهُ)؛ لمَا رَوَى أبو شُرَيحٍ أنَّه قال: يا رسولَ الله! إنَّ قَومِي إذا اخْتَلَفوا في شَيءٍ أتَونِي فحَكَمْتُ بَينَهم، فَرَضِيَ عليَّ الفَريقانِ، فقال: «ما أَحْسَنَ هذا!» رواهُ النَّسائِيُّ (٢)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ حَكَمَ بَينَ اثْنَين تَحاكَما إلَيهِ وارْتَضَيَا به، فلم يَقُلْ بَينَهما الحقَّ؛ فَعَلَيهِ لَعْنةُ الله» رواهُ أبو بكرٍ (٣)، ولَولَا أنَّ حُكْمَه يَلزَمُهما؛ لمَا لَحِقَه هذا الذَّمُّ؛ ولأنَّ (٤) «عمر وأُبَيًّا تحاكَما إلى زَيدِ بنِ ثابتٍ» (٥)،

стр. 6311

و «تَحاكَمَ عُثْمانُ وطَلحَةُ إلى جُبَيرٍ» (١). لا يُقالُ: إنَّ عُمَرَ وعُثْمانَ كانا إمامَينِ، فيَصِيرُ حاكِمًا مَنْ رَدَّا (٢) الحُكْم إلَيهِ؛ لِأنَّه لم يُنقَلْ عنهما أكثرُ مِنْ الرِّضا بحُكْمِه خاصَّةً، وذلك لا يُصَيِّرُ الحُكْمَ (٣) إلَيهِ قاضِيًا، وهو حِينَئِذٍ كحاكِمِ الإمام، ولا يَجُوزُ نَقْضُ حُكْمِه إلَّا فيما يُنقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيرِه. (فِي المَالِ، وَالْقِصَاصِ وَالْحَدِّ)، كذا أطْلَقَه الأَصْحابُ، وقيَّدَه في «الوجيز»: بحَدِّ القَذْف خاصَّةً، (وَالنِّكَاحِ، وَاللِّعَانِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ)، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الفُروع»؛ لمَا ذَكَرْنا مِنْ عُمومِ الأحاديث. وظاهِرُ كَلامِه: يَنفُذُ في غَيرِ فَرْجٍ؛ كَتَصَرُّفه ضرورةً في تَرِكَةِ مَيِّتٍ في غَيرِ فَرْجٍ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّين: نُفُوذَ حُكْمِه بَعْدَ حُكْمِ حاكِمِ الإمامِ (٤)، وأنَّه إنْ

стр. 6312

حَكَّمَ أحدُهما خَصْمَه، أوْ حَكَّما مُفْتِيًا في مسألةٍ اجْتِهادِيَّةٍ؛ جازَ، وأنَّه يَكْفِي وَصْفُ القصة (١) له (٢). ويَنبَغِي أنْ يُشهِدَ (٣) عَلَيهِما بالرِّضا به قَبْلَ حُكْمِه؛ لِئَلاَّ يَجحَدَ المحكوم (٤) عَلَيهِ منهما. وإنْ رَجَعَ أحدُهما قَبْلَ أنْ يشرَعَ (٥) فيه؛ جَازَ، وإنْ رَجَعَ بَعْدَه قَبْلَ تمامِه؛ فوجهان (٦). وقال (٧) ابنُ حَمْدانَ: لَيسَ له الرُّجُوعُ بَعْدَ الرِّضا بحُكْمِه. فائدةٌ: له أنْ يُشهِدَ على نَفْسِه بحُكْمِه، ويَلزَمُ الحُكَّامَ قَبولُه، وكِتابُه ككِتابِ حاكِمِ الإمامِ. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ إِلَّا فِي المَالِ خَاصَّةً (٨)، هذا رِوايَةٌ حَكَاهَا في «الفروع» وغَيره؛ لِأنَّه أسْهَلُ مِنْ غَيرِه، فيَجِبُ الاِقْتِصارُ عَلَيهِ.

стр. 6313

(بَابُ أَدَبِ الْقَاضِي (١) الأَدَبُ؛ بفَتْحِ الهمزة والدَّال، وضَمُّها لُغَةٌ: إذا صار أَدِيبًا في خُلُقٍ أوْ عِلْمٍ. فَأَدَبُ القاضي: أخْلاقُه الَّتِي يَنبَغِي له (٢) أنْ يَتخَلَّقَ بها، والخُلُقُ: صُورَتُه الباطنةُ. (يَنْبَغِي)؛ أيْ: يُسَنُّ (أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ)؛ لِئَلَّا يَطمَعَ فيه الظَّالِمُ، والعُنْفُ ضِدُّ الرِّفْق. (لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ)؛ لِئَلَّا يَهابَه صاحِبُ الحقِّ، وظاهِرُ «الفُصول»: يَجِبُ ذلك. (حَلِيمًا)؛ لِئَلاَّ يَغضَبَ مِنْ كلامِ الخَصْمِ، فيَمنَعَه ذلك من الحُكْم بَينَهم. (ذَا أَنَاةٍ (٣)، الأناة (٤): اسْمُ مَصدَرٍ؛

стр. 6314

لِئَلاَّ يُؤَدِّيَ إلى عجلته (١)، (وَفِطْنَةٍ)؛ لِئَلاَّ يُخدَعَ كغَيرِه. (بَصِيرًا (٢) بِأَحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ)؛ لِقَولِ عَلِيٍّ: «لا يَنبَغِي للقاضي أنْ يكُونَ قاضِيًا حتَّى يكُونَ فيه (٣) خمسُ خِصالٍ: عَفِيفٌ، حليمٌ، عالِمٌ بما كان قَبْلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوِي الأَلْباب، لا يَخافُ في الله لَومَةَ لائمٍ» (٤). (وَرِعًا)؛ لِيُؤمَنَ منه مع ذلك أخْذُ ما لا يَحِلُّ. (عَفِيفًا)، هو (٥) الَّذي يَكُفُّ عن الحرام، ولِأنَّه لا (٦) يُطمَعُ في مَيلِه معه بغَيرِ حقٍّ. فرعٌ: إذا افْتاتَ عَلَيهِ الخَصْمُ؛ ففي «المغْنِي»: له تأديبُه والعَفْوُ، وفي «الفُصول»: يَزْبُرُهُ (٧)، فإنْ عاد عَزَّرَه، وفي «الرِّعاية»: يَنتَهِرُه ويَصِيحُ عَلَيهِ قَبْلَ ذلك. وظاهِرُه: يَختَصُّ بمَجْلِس الحُكْم، وفيه نَظَرٌ؛ كالإقرار فيه وفي غَيرِه، ولِأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك؛ لكَثْرةِ المتظَلِّمِينَ على الحُكَّام وأعدائهم (٨)،

стр. 6315

فجاز فيه وفي غَيرِه، ولهذا شَقَّ رَفْعُه إلى غيره (١)، فأدَّبه (٢) بنفسه مع أنَّه حقٌّ له. (وَإِذَا وَلِيَ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ؛ سَأَلَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْفُضَلَاءِ، والْعُدُولِ)؛ لِيَعرِفَ حالَهم، حتَّى يُشاوِرَ مَنْ هو أهْلٌ للمُشاوَرَةِ، ويَقبَلَ شَهادَةَ مَنْ هو مِنْ (٣) أهْلِ العدالة، (وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ)؛ لِأنَّ في تلقِّيه (٤) تعظيمًا له، وذلك طريقٌ لِقَبولِ قَولِه ونُفُوذِ أمْرِه، وقال جماعةٌ: يَأمُرُهم بتَلَقِّيهِ. (وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، أَوِ الْخَمِيسِ، أَوِ السَّبْتِ (٥)، كذا في «المحرَّر» و «الوجيز» و «الفُروع»؛ لقوله ﵇: «بُورِكَ لِأُمَّتِي في سَبْتِها وخَمِيسِها» (٦)، ورُوِيَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا قَدِمَ مِنْ سفَرٍ (٧) قَدِمَ (٨) يَومَ

стр. 6316

الخَمِيس» (١)، ولِأنَّ الاِثْنَينِ يَومٌ مُبارَكٌ. وفي «الكافي»: (يُسْتَحَبُّ أنْ يَدخُلَ يَومَ الخَمِيس)، وذَكَرَ آخَرونَ: يُستَحَبُّ يَومَ الاِثْنَينِ، فإنْ لم يَقدِرْ فيَومَ الخَمِيس، وفي «المستوعب» وغَيرِه: أوِ السبت (٢). (لَابِسًا أَجْمَلَ ثِيَابِهِ)؛ أيْ: أحْسَنَها؛ لِأنَّ اللهَ جميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، ويُستَحَبُّ أنْ تكون (٣) سُودًا، وإلَّا فالعِمامَةُ فقَطْ، قال في «التَّبصرة»: وكذا أصْحابهُ. وظاهِرُ كلامِهم: غيرُ السَّوادِ أَوْلَى؛ للأخبار (٤). وأنَّه يَدخُلُ ضَحوةً؛ لِاسْتِقْبالِ الشهر (٥)، ولا يَتَطَيَّرُ بشَيءٍ، وإنْ تَفاءَلَ فَحَسَنٌ. (فَيَأْتِي الْجَامِعَ)؛ لِأنَّه الموْضِعُ الَّذي يَجتَمِعُ فيه أهْلُ البَلَد للطَّاعة، وهو أوْسَعُ الأَمْكِنَة، (فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ)؛ «لِأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بالمسجد، فصلَّى فيه ركعَتَينِ» (٦). (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ)؛ لأنَّ (٧) خَيرَ المجالِسِ ما اسْتُقْبِلَ به القِبْلةُ.

стр. 6317

(فَإِذَا (١) اجْتَمَعَ النَّاسُ؛ أَمَرَ بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيْهِمْ)؛ أيْ: على الحاضِرِينَ؛ لِيَعْلَمُوا تَولِيَتَه، ويَعلَمُوا احْتِياطَ الإمامِ على اتِّباع أحكامِ الشَّرع، والنَّهْيِ عن مُخالَفَتِه، وقَدْرَ المَوَلَّى عِندَه، ويَعلَمُوا حدودَ وِلايَتِه، وما فُوِّضَ إلَيهِ الحُكْمُ فيها. (وَأَمَرَ مَنْ (٢) يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا)؛ لِيَعلَمَ مَنْ له حاجَةٌ فيَقصِدَ الحُضورَ لِفَصْلِ حاجته. وفي «التبصرة»: ولْيُقِلَّ مِنْ كلامه إلَّا لحاجةٍ؛ للخَبَر (٣). (ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ)؛ لِيَستَرِيحَ مِنْ نَصَبِ سَفَرِه، ويُعِدَّ أمْرَه، ويُرَتِّبَ نُوَّابَه؛ لِيَكُونَ خُروجُه على أعْدَلِ أحْوالِه. (وَيَنْفُذُ، فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الْحُكْمِ (٤)، بكَسْرِ الدَّال، وحُكِيَ فَتْحُها، وهو فارِسِيٌّ مُعرَّبٌ، (مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ)، وهو: الدَّفْتَرُ المنْصُوبُ لِيُثْبِتَ حُجَجَ النَّاس وَوَثائِقَهم وسِجِلاَّتِهم وودائعَهم، ولِأنَّه الأَساسُ الَّذي يَبني (٥) عَلَيهِ، وهو في يَدِ الحاكِمِ بحُكْمِ الوِلايَةِ، وقد صارَتْ إلَيهِ، فَوَجَبَ أنْ يَنتَقِلَ ذلك إلَيهِ. قال في «التَّبصرة»: وليأمُرْ كاتِبًا ثِقَةً يُثبِتُ ما تسَلَّمَهُ (٦) بمَحْضَرِ عَدْلَينِ. (ثُمَّ يَخْرُجُ فِي (٧) الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ النَّاسَ (٨) بِالْجُلُوسِ فِيهِ عَلَى أَعْدَلِ

стр. 6318

أَحْوَالِهِ، غَيرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَانَ، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُومٍ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنِ الْفَهْمِ)؛ ليكون (١) أجْمَعَ لقَلْبه، وأبْلَغَ في تَيَقُّظِه للصَّواب، ولأِنَّه ﵇ قال: «لا يَقْضِي القَاضِي وهو غَضْبانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ مِنْ حديثِ أبي بَكْرَةَ (٢)، صرَّح بالغَضَب، والباقِي بالقِياس عَلَيهِ. (فَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ يَمُرُّ بِهِ) من المسْلِمِينَ، ولو كان صَبِيًّا؛ لأِنَّ السُّنَّةَ سَلامُ المارِّ على الممرور (٣) به (٤)، (ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ)؛ لِأنَّ السُّنَّةَ سَلامُ الدَّاخِلِ على أهْلِ المجْلِس، (وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ إِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ (٥)؛ لِقَوله ﵇: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسْجِدَ فلا يَجلِسْ حتَّى يركع (٦) رَكْعَتَينِ» (٧)، والأَخِيرُ قالَهُ مُعظَمُ الأَصْحابِ، والأَفْضَلُ الصَّلاةُ. (وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ) ونَحوِه في الأَشْهَر؛ لِأنَّه أبْلَغُ في هَيْبَته، وأوْقَعُ في النُّفوس، وأعْظَمُ لِحُرْمةِ الشَّرع. وظاهِرُه: أنَّه لا يَجلِسُ على التُّراب، ولا على حَصِيرِ المسجد، لكِنْ قال في «الشَّرح»: وما ذُكِرَ مِنْ جُلوسه على البِساط دُونَ تُرابٍ وحَصِيرٍ لم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا عن أَحَدٍ مِنْ خُلَفائه، والاِقْتِداءُ بهم أَوْلَى، فيكُونُ وُجودُه وعَدَمُه سَواءً. وفي «المستوعب»: أنْفَذَ بِساطًا أوْ لِبادًا أوْ حَصِيرًا أوْ غَيرَ ذلك؛ لِيُفْرَشَ له

стр. 6319

في مَجلِسِ حُكْمِه. وفي «الرِّعاية»: بسَكِينةٍ ووَقارٍ. وفي «الكافي»: ويَبسُطُ تَحتَه شَيئًا يَجلِسُ عَلَيهِ لِيَكُونَ أوْقَرَ له. (وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ، ويَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَدْعُوهُ سِرًّا أَنْ يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ، وَلِمَا يُرْضِيهِ مِنَ (١) الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ)؛ لِأنَّ ذلك مَطْلوبٌ مُطلَقًا، ففي وَقْتِ الحاجة أَوْلَى، والقاضي من (٢) أشدِّ النَّاس إلَيهِ حاجَةً. (وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ؛ كَالْجَامِعِ)، ويَصُونُه عمَّا يُكْرَه، (وَالْفَضَاءِ، وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ، فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إِنْ أَمْكَنَ)؛ لِيَكُونَ ذلك أوْسَعَ على الخُصُوم، وأقْرَبَ إلى العَدْل. وعُلِمَ منه: أنَّه لا يُكرَهُ القَضاءُ في الجامِع والمساجد؛ لحديثِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ، مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٣)، ورُوِيَ عن عُمَرَ وعثمان (٤) وعليٍّ: «أنَّهم كانوا يَقْضُونَ في المسجد» (٥)، وقال مالِكٌ: (هو السُّنَّةُ، والقَضاءُ فِيهِ مِنْ أمْرِ النَّاس القديمِ) (٦).

стр. 6320

فإن اتَّفَقَ لأحدٍ منَ (١) الخُصومِ مانِعٌ من (٢) دُخولِه؛ كحَيضٍ وكُفْرٍ؛ وكَّلَ وَكِيلاً، أوْ ينتظر (٣) حتَّى يَخرُجَ فيُحاكِمَ إلَيهِ. (وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا)؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ما مِنْ إمامٍ أوْ وَالٍ يُغلِقُ بابَه دُونَ ذَوِي الحاجَةِ والخَلَّة والمَسْكَنَة؛ إلَّا أغْلَقَ اللهُ تَعالَى أبْوابَ السَّماء دُونَ خَلَّتِه وحاجَتِه ومَسْكَنَتِه»، إسناده (٤) ثِقاتٌ، رواهُ أحمدُ والتِّرمذِيُّ، وقال: غَرِيبٌ (٥)، ولِأنَّ الحاجِبَ رُبَّما قَدَّمَ المتأخِّر (٦) وأخَّر المتقَدِّمَ لِغَرَضٍ له. (إِلَّا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ إِنْ شَاءَ)، وفي «الفُروع» وغَيرِه: إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأنَّه قد تَدْعُو حاجَتَه إلى ذلك، ولا مَضَرَّةَ على الخُصُوم فِيهِ؛ لِأنَّه لَيسَ بِوَقْتٍ للحُكومة. وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: المنْعُ مُطلَقًا. وفي «المُذهب»: يَترُكُه نَدْبًا. وفي «الأَحْكام السُّلْطانِيَّة»: لَيسَ له (٧) تأخيرُ الخُصوم إذا تَنَازَعُوا إلَيهِ بلا

стр. 6321

عُذْرٍ، ولا له أنْ يَحتَجِبَ إلَّا في أوْقاتِ الاستراحة (١). وفي «المستوعب»: يَنبَغِي أنْ يكُونَ على رَأْسِه مَنْ يُرتِّبُ النَّاسَ. (وَيَعْرِضُ الْقِصَصَ)؛ ليقضي (٢) حَوائجَ أصحابها، (فَيَبْدَأُ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ)؛ كما لو سَبَقَ إلى مَوضِعٍ مُباحٍ، (وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أَكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ)؛ لِئَلَّا يَستَوعِبَ المجْلِسَ بدَعَاوِيهِ فَيَضُرَّ بغَيرِه، ولِأنَّه مَسْبوقٌ بالنِّسبة إلى الثَّانِيَة؛ لِأنَّ الَّذي يَلِيهِ سبقه (٣) بالنِّسبة إلى الدَّعْوَى الثَّانِيَة. وقِيلَ: يُقدِّمُ مَنْ لَه بَيِّنَةٌ؛ لِئَلَّا تَضجَرَ البيِّنَةُ. وفي «الرعاية» (٤): يُكْرَه تقديمُ مُتأَخِّرٍ. (فَإِنْ (٥) حَضَرُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَتَشَاحُّوا؛ قَدَّمَ أَحَدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ)؛ لِأنَّها مَشْروعةٌ للتَّرجِيح في غَيرِ هذا الموْضِعِ، فكذا هُنَا. وفي «المحرَّر» و «الوجيز»: يُقدِّمُ المسافِرَ المرتَحِلَ. زاد في «الرِّعاية»: والمرأةَ في حُكوماتٍ يَسِيرةٍ. فعلى هذا: إنْ كان المسافرون (٦) مِثْلَ المقِيمِينَ أوْ أقلَّ، وفي تقديمهم ضَرَرٌ؛ اعتُبِر رضا المقِيمِينَ، وقِيلَ: إنْ كانوا مِثْلَهم أوْ أَكْثَرَ؛ سَوَّى بَينَهم. فإنِ ادَّعى كلٌّ منهما (٧) أنَّه حَضَرَ قَبْلَ الآخَرِ؛ لِيَدَّعِيَ عَلَيهِ؛ فهل يُقدِّمُ الحاكِمُ مَنْ شاء منهما، أوْ يَصرِفُهما حتى (٨) يَتَّفِقَا، أوْ يُقرِعُ بَينَهما، أوْ

стр. 6322

يحلفُ (١) كلٌّ مِنْهُما للآخر (٢)؟ فيه أوْجُهٌ. والاِعْتِبارُ بسَبْقِ المدَّعِي، لكِنْ لو قَدَّمَ المتأخِّر (٣)، أوْ عَكَسَ؛ صحَّ قضاؤه مع الكراهة. (وَيَعْدِلُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ)، لُزُومًا في الأصحِّ، (فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ وَالدُّخُولِ عَلَيْهِ)؛ لمَا رَوَى عمر بنُ شيبة (٤) في كتابِ «قُضاةِ البصرة»، عن أمِّ سَلَمَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ (٥) قال: «مَنْ ابْتُلِيَ بالقضاء بَينَ المسلمين؛ فلْيَعْدِلْ بَينَهم في لَفْظِه، وإشارَتِه، ومَصْعَدِه، ولا يَرْفَعَنَّ أحَدٌ صَوتَه على أحَدِ الخَصْمَينِ ما لا يَرفَعُه على الآخَرِ» (٦)، وكَتَبَ عُمَرُ إلى أبي موسى: «وآسِ بَينَ النَّاس في وَجْهِكَ، ومَجْلِسِكَ، وعَدْلِكَ، حتَّى لا يَيْأَسَ الضَّعيفُ مِنْ عَدْلِكَ، ولا يَطمَعَ الشَّريفُ في حقك (٧)» رَواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ من روايةِ عبدِ الله (٨) بنِ أبي حُمَيدٍ الهُذَلِيِّ، وهو واهٍ (٩)،

стр. 6323

ولأنَّه (١) ربَّما لم يَفهَمْ حُجَّتَه، فيُؤَدِّي إلى ظُلْمه وانْكِسارِ قَلْبِه. وقدَّم في «الرِّعاية»: أنَّ ذلك يُسَنُّ. (إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ المُسْلِمَ عَلَيْهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الْجُلُوسِ)، هذا هو الأَشْهَرُ؛ لمَا رَوَى حَكِيمُ بنُ حِزامٍ، عن الأَعْمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيمِيِّ، قال: وَجَدَ عَلِيٌّ دِرْعَه مع يهوديٍّ، فقال: دِرْعِي سَقَطَتْ وَقْتَ كذا، فقال اليهوديُّ: دِرْعِي في يَدِي، وبَيْنِي وبَينَكَ قاضِي المسْلِمِينَ، فارْتَفَعَا إلى شُرَيحٍ، فَلمَّا رآه شُرَيحٌ قام مِنْ مَجْلِسِه وأجْلَسَه في مَوضِعِه، وجَلَسَ (٢) مع اليهوديِّ بَينَ يَدَيهِ، فقال عليٌّ (٣): لو كان خَصْمِي مُسلِمًا لَجَلَسْتُ معه بَينَ يَدَيكَ، ولكِنْ سمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُساوُوهم (٤) في المجْلِسِ»، وإسْنادُه فيه ضَعْفٌ (٥)، وإظْهارًا لِشَرَفِ الإسْلامِ. (وَقِيلَ: يُسَوِّي بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّ العَدْلَ يَقتَضِي ذلك؛ كالمسْلِمِينَ. قال ابنُ المنَجَّى: والأوَّلُ أَوْلَى؛ لحديثِ عليٍّ، وهو واجب (٦) التَّقديم؛ لِأنَّه خاصٌّ، والخاصُّ يَجِبُ تقديمُه. وفي «المحرَّر»: يُفضَّلُ عَلَيهِ دُخُولاً، وأمَّا جُلوسًا فعلى وَجْهَينِ.

стр. 6324

(وَلَا يُسَارُّ أَحَدَهُمَا)؛ لمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلبِ صاحبه، وربَّما أدَّى إلى ضعْفِه عن إقامةِ حُجَّته. (وَلَا يُلَقِّنُهُ (١) حُجَّتَهُ)؛ لِأنَّ عَلَيهِ أنْ يَعدِلَ بَينَهما، ولمَا فِيهِ من الضَّرَر على (٢) صاحبه. (وَلَا يُضِيفُهُ)؛ لمَا رُوِيَ عن عليٍّ أنَّه نَزَلَ به رجلٌ فقال: ألَكَ خَصْمٌ؟ قال (٣): نَعَمْ، قال: تَحوَّلْ عنَّا، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تُضِيفُوا أحَدَ الخَصْمَينِ إلَّا ومعه خَصْمُه» (٤)، وفي «الكافي»: لا يَنبَغِي ذلك. (وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَدَّعِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ)، وهو المذْهَبُ؛ لما فِيهِ من الإعانة على خَصْمِه، وكَسْرِ قَلْبِه. (وَفِي الآْخَرِ: يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَهَا)؛ لِأنَّه لا ضَرَرَ على خَصْمِه في ذلك، ولأنَّ (٥) في تَرْكِ تعليمه تَسَبُّبًا إلى تأخِيرِ حقِّه، وعَدَمِ الفَصْلِ بَينَه وبَينَ غَريمِه. وفي «مختصر ابنِ رَزِينٍ»: يُسَوِّي بَينَ خَصْمَينِ في مَجلِسِه، ولَحْظِه، ولَفْظِه، ولو ذِمِّيًّا في وَجْهٍ.

стр. 6325

فرعٌ: ما لَزِمَ ذِكْرُه في الدَّعْوَى مِنْ شَرْطٍ أوْ سَبَبٍ أوْ غَيرِهما، إذا لم يَذكُرْه؛ أنَّ الحاكِمَ يَسألُ عنه لِيَذْكُرَه ويُحرِّرَه، ذَكَرَه في «المحرَّر» و «الوجيز» وغيرهما (١). (وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ إِلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أَوْ يَضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَزِنَ عَنْهُ (٢)، كذا في «الكافي» و «الشَّرح» و «الوجيز»؛ لمَا رَوَى سعيدٌ، ثنا ابنُ المبارَكِ، أنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ: «أنَّ مُعاذًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فكَلَّمَه لِيُكَلِّمَ غُرَماءَه، فلو تَرَكُوا الْأَخْذَ لَتَرَكُوا لمُعاذٍ لأِجْلِ رسولِ الله ﷺ »، مرسل (٣) جَيِّدٌ (٤)، ونَقَلَ حَنْبلٌ: أنَّ كَعْبَ بنَ مالِكٍ تَقاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَينًا عَلَيهِ، وأشار إليه (٥) النَّبيُّ ﷺ بيَدِه أنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَينِكَ، قال: قد فَعَلْتُ، قال النَّبيُّ ﷺ : «قُمْ فأعْطِهِ» (٦)، قال أحمد (٧): هذا حكمٌ من النَّبيِّ ﷺ (٨). وقال (٩) ابنُ حَمْدانَ: يَحتَمِلُ مَنْعَ وَزْنِه عَنه. وفي (١٠) سؤال الوَضْعِ عَنْه رِوايَةٌ، ذَكَرَها في «المحرَّر» و «الرِّعاية».

стр. 6326

فرعٌ: إذا سلَّم (١) أحدُهما رَدَّ عَلَيهِ، وفي «التَّرغيب»: يصبر (٢) لِيَرُدَّ عَلَيهِما مَعًا إلَّا أنْ يَتَمادَى عُرْفًا (٣). وقِيلَ: يُكرَهُ قِيامُه لهما، نقل (٤) عبدُ الله: سُنَّةُ القاضِي أنْ يَجلِسَ الخَصْمانِ بَينَ يَدَيهِ؛ لِأَمْرِه ﵇ بذلك (٥). (وَيَنْبَغِي)؛ أيْ: يُسَنُّ (أَنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ إِنْ أَمْكَنَ)، حتَّى إذا حَدَثَتْ حادِثَةٌ سَأَلَهم عنها ليذكروا (٦) أدِلَّتَهم فيها، وجَوابَهم عنها، فإنَّه أسْرَعُ إلى اجْتِهادِه، وأقْرَبُ إلى صوابه (٧)، فإنْ حَكَمَ باجْتِهاده؛ فَلَيسَ لأِحَدٍ الاِعْتراضُ عَلَيهِ؛ لِأنَّ فيه افْتِياتًا عَلَيهِ، إلَّا أنْ يَحكُمَ بما يُخالِفُ نَصًّا أوْ إجْماعًا. (وَيُشَاوِرَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عِمرَان: ١٥٩]، وقد «شاوَرَ النَّبيُّ ﷺ أصْحابَه في أسَارَى بَدْرٍ» (٨)، «وشاوَرَ أبو بكرٍ في مِيراثِ الجَدَّة» (٩)،

стр. 6327

«وعمرُ في دِيَةِ الجَنِينِ» (١)، «وشاوَرَ في حَدِّ الخَمْر» (٢)، ولا مُخالِفَ في اسْتِحْبابِ ذلك. والمُشاوَرَةُ هنا لاِسْتِخْراجِ الأَدِلَّة ويَعرِفَ الحقَّ بالاِجْتِهاد، قال أحمدُ: ما أحْسَنَه لو فعله (٣) الحُكَّامُ، يُشاوِرُونَ ويَنتَظِرونَ (٤). (فَإِنِ اتَّضَحَ لَهُ (٥)؛ حَكَمَ)، ولا يَحِلُّ له تأخيرُه؛ لما فيه من تأخير الحقِّ عَنْ مَوضِعِه، (وَإِلَّا أَخَّرَهُ) حتَّى يَتَّضِحَ الحقُّ فيَحكُمَ به، لمَا فِيهِ من القَضاء بالجَهْل. (وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ)؛ لِأنَّ المجْتَهِدَ لا يَجُوزُ له التَّقليدُ ولو ضَاقَ الوَقْتُ؛ كالمجتهدين (٦) في القِبْلة، نَقَلَ ابنُ الحَكَم: (عَلَيهِ أنْ يَجتَهِدَ، قال عُمَرُ: «واللهِ ما يَدْرِي عمرُ أصاب الحقَّ أمْ أخْطَأَ» (٧)، ولو كان حَكَمَ بحُكْمٍ عن رسولِ الله ﷺ لم يَقُلْ هذا) (٨). ونَقَلَ أبو الحارِث: لا تُقلِّدْ أمْرَكَ أحْدًا، وعَلَيكَ بالأَثَر (٩)، وقال

стр. 6328

للفضل (١) بنِ زياد (٢): لا تُقلِّدْ دِينَكَ الرِّجالَ، فإنَّهم لن يَسلَمُوا أنْ يَغلَطُوا (٣). وقال ابنُ حَمْدانَ: وإن (٤) كان الخصمُ مُسافِرًا يَخافُ فَوتَ رُفْقَتِه؛ يحتمل (٥) وَجْهَينِ، وإنْ فوَّضه إلى مَنْ اتَّضَحَ له وهو أهْلٌ للقضاء؛ صحَّ. قال أبو الخَطَّاب: وحَكَى أبو إسْحاقَ الشِّيرازِيُّ: أنَّ مَذْهَبَنا جَوازُ تقليد (٦) العالِمِ للعالم (٧)، وهذا لا يُعرَفُ عنهم. واختار (٨) أبو الخَطَّاب: إنْ كانت العبادةُ ممَّا لا يَجُوزُ تأخيرُها كالصَّلاة؛ فَعَلَها بحَسَبِ حالِه ويُعِيدُ إذا قَدَرَ؛ كَمَنْ عَدِمَ الطَّهُورَينِ، فلا ضَرورةَ إلى التَّقليد، ولِأنَّ العامِّيَّ لا (٩) يَسقُطُ عنه فَرضُه - وهو التَّقْليدُ - بخَوفِ فَوتِ وقته (١٠). وقال (١١) أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ (١٢): إذا سُئِلْتُ عن مسألةٍ لا أعْرِفُ فيها خَبَرًا؛ قلتُ فِيهَا بقَولِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأنَّه إمامٌ عالِمٌ من قُرَيشٍ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «عالم (١٣) قُرَيشٍ يَمْلَأُ الأرْضَ عِلْمًا» (١٤).

стр. 6329

فرعٌ: إذا حَكَمَ ولم (١) يَجتَهِدْ، ثُمَّ بان أنَّه حَكَمَ بالحقِّ؛ لم يَصِحَّ، ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. (وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبَانُ) غَضَبًا كثيرًا؛ لِخَبَرِ أبي بَكْرَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا يَقضِيَنَّ حاكِمٌ بَينَ اثْنَينِ وهو غَضْبانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (٢)، لِأنَّه ربَّما حَمَلَه الغَضَبُ على الجَور في الحُكْم، وفيه من الوعيد ما رواهُ ابنُ أبي أَوْفَى مرفوعًا: «إنَّ اللهَ تَعَالَى مع القاضي ما لم يَجُرْ، فإذا جَارَ تَخَلَّى عنه، ولَزِمَه الشَّيطانُ» رواهُ التِّرمذِيُّ (٣). (وَلَا حَاقِنٌ، وَلَا فِي شِدَّةِ العَطَشِ والْجُوعِ (٤)، وَالْهَمِّ، وَالوَجَعِ (٥)، وَالنُّعَاسِ، وَالْبَرْدِ المُؤْلِمِ، وَالْحَرِّ المُزْعِجِ)؛ قِياسًا على المنْصوص عَلَيهِ، ومِثْلُه: شهوةُ (٦) نكاحٍ، وكَسَلٌ، وحُزْنٌ، وخَوفٌ، وفَرَحٌ غالِبٌ؛ لِأنَّها تَمنَعُ حُضورَ القَلْب، واسْتِيفاءَ الفِكْر الَّذي يُتَوَصَّلُ به إلى إصابَةِ الحقِّ في الغالب، فهو في مَعْنَى الغَضَب.

стр. 6330

(فَإِنْ خَالَفَ، وَحَكَمَ، فَوَافَقَ الْحَقَّ؛ نَفَذَ حُكْمُهُ) في الأصحِّ؛ «لِأنَّه ﵇ حَكَمَ للزُّبَيرِ في شِراجِ الحَرَّةِ وهو غَضْبانُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١). (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْفُذُ)؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقتَضِي فسادَ المَنْهِيِّ عنه. (وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ؛ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا)؛ لِأنَّ ذلك إنَّما يَمنَعُ مِنْ الحُكْم معه؛ لمَا فِيهِ مِنْ إشْغالِ الفَهْم، وذلك مَفْقودٌ فِيما إذا عَرَضَ بَعْدَ فَهْمِ الحُكْم، مَوجُودٌ فِيما إذا عَرَضَ قَبْلَه، ولغضبه (٢) ﵇ في قصة (٣) الزُّبَير. قال الشَّيخُ مَجْدُ الدِّين في «أحْكامه»: (بابُ النَّهْيِ عن الحُكْم في حالِ الغَضَب، إلَّا أنْ يكُونَ يَسِيرًا لا يَشغَلُ)، ثُمَّ ذَكَرَ قضية (٤) أبي بكرة (٥) والزُّبَيرِ، لكِنْ ذَكَرَ ابنُ نَصْرِ اللهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له أنْ يَقْضِيَ حال (٦) غَضَبِه. (وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرْتَشِيَ)، الرّشْوةُ: بتَثْلِيثِ الرَّاء، وقد اتَّفَقَ العُلَماء على تحريمها؛ لمَا رَوَى عَبدُ الله بنُ عمرو (٧): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَعْنةُ الله على الرَّاشِي والمرتشي (٨)» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرمذِيُّ وصحَّحَه، وإسْنادُه ثِقاتٌ (٩)، ورَوَى أحمدُ، والتِّرمذِيُّ وحسَّنه مِنْ حديثِ أبي هُرَيرةَ، وزادا: «في

стр. 6331

الحُكْم»، وفِيهِ عمر (١) بن أبي سَلَمَةَ (٢)، ورواه (٣) أحمدُ مِنْ حديثِ ثَوبانَ، وزاد: «والرَّائِش» (٤)؛ يعني: الَّذي يَمْشِي بَينَهما بها. فإنْ رَشاهُ على واجِبٍ، أوْ لِيَدفَعَ ظُلْمَه؛ فقال عطاءٌ، وجابِرُ بنُ زَيدٍ، والحَسَنُ: (لا بأْسَ أنْ يُصانِعَ عن نفسه) (٥)، ولِأنَّه يستنقذ (٦) ماله، كما

стр. 6332

يستنقذ (١) الرَّجُل أسيره (٢). (وَلَا يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ)؛ لمَا رَوَى أبو حُمَيدٍ السَّاعِدِيُّ، قال رسولُ الله ﷺ : «هَدَايَا الْعُمَّال غُلولٌ» رواهُ أحمدُ، مِنْ رِوايَةِ إسْماعِيلَ بنِ عَيَّاش، عن يحيى بنِ سعيدٍ (٣)، وعنه قال: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ رجُلاً مِنْ الأزْد يُقالُ له: ابنُ اللُّتْبيَّة على الصَّدقة، فقال: هذا لَكُمْ وهذا أُهْدِيَ إليَّ، فَقامَ النَّبيُّ ﷺ فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيهِ، ثم قال (٤): «ما بَالُ العامِلِ نبعثه (٥) فيَجِيءُ فيَقُولُ: هذا لَكُمْ وهذا لي! ألَا جَلَسَ في بَيتِ أَبِيهِ فيَنظُرَ أيهدى (٦) إلَيهِ أمْ لَا؟ والَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه، لا نبعث (٧) أَحَدًا مِنْكُمْ فيَأخُذُ شَيئًا إلَّا جاءَ به يَومَ القِيامَة يَحمِلُه على رَقَبَته، إنْ كان بَعِيرًا له رُغاءٌ، أوْ بَقَرَةً (٨) لها خُوار (٩)، أوْ شاةً تَيعَرُ»، ثُمَّ

стр. 6333

رَفَعَ يَدَيهِ حتَّى رَأيْتُ عُفْرةَ إبْطَيهِ، فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، قال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: (كانَت الهَدِيَّةُ فِيمَا مَضَى هدية (٢)، فأمَّا اليومَ فهي رشْوةٌ) (٣)، وقال كَعْبُ الأحبار: «قرأت (٤) في بعضِ ما أنْزَلَ اللهُ على أنبيائه: الهَدِيَّةُ تَفْقَأُ عَينَ الحَكَم (٥)» (٦). (إِلَّا مِمَّنْ (٧) كَانَ يُهْدِي إِلَيْهِ (٨) قَبْلَ وِلَايَتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكُومَةٌ)؛ لِأنَّ التُّهمةَ مُنتَفِيَةٌ؛ لِأنَّ المنْعَ إنَّما كان مِنْ أجْلِ الاِسْتِمالةِ، أو (٩) مِنْ أجْلِ الحُكومَة، وكِلاهُما مُنْتَفٍ. ويُستَحَبُّ له التَّنَزُّهُ عنها. وفي «الشَّرح» و «الرِّعاية»: أنَّه إنْ أحسَّ (١٠) أنَّه يُقدِّمُها بَينَ يدي (١١) حُكومةٍ، أوْ أنَّه فَعَلَها حالَ الحُكومَةِ؛ أنَّه يَحرُمُ أخْذُها. قال في «الكافي»: والأَوْلَى الوَرَعُ عنها (١٢) في غَيرِ حالِ الحُكومَةِ؛ لِأنَّه

стр. 6334

لا يَأمَنُ أنْ تكون (١) لحكومةٍ مُنتَظَرَةٍ. تنبيهٌ: إذا ارْتَشَى الحاكِمُ، أوْ قَبِلَ هَدِيَّةً؛ فَقِيلَ: يُؤخَذُ لِبَيتِ المالِ؛ لِخَبَرِ ابْنِ اللُّتْبية. وقِيلَ: تردُّ (٢) إلى مالِكِها، قدَّمه في «الشَّرح»؛ كمَقْبوضٍ بِعَقْدٍ فاسِدٍ. وقِيلَ: تُملَكُ (٣) بتَعْجِيلِه المُكافَأةَ. فَعَلَى الأوَّلِ: هَدِيَّةُ العامِلِ للصَّدَقات، ذَكَرَه القاضي، فدلَّ أنَّ في انْتِقالِ الملك في الرّشْوة والهَدِيَّة وجْهَينِ. قال أحمدُ فيمن (٤) وَلِيَ شَيئًا مِنْ أمْرِ السُّلْطان: (لا أُحِبُّ له أنْ يَقبَلَ شَيئًا، يُرْوَى: «هَدايَا العُمَّالِ غُلُولٌ» (٥)، والحاكِمُ خاصَّةً لا أُحِبُّه له، إلَّا مِمَّنْ كان له به (٦) خُلْطَةٌ وَوُصْلَةٌ ومُكافَأَةٌ قَبْلَ أنْ يَلِيَ) (٧). (وَيُكْرَهُ (٨) أَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ)، خُصوصًا بمَجْلِسِ حُكمِه؛ لِأنَّه يُعرَفُ فيُحابَى، فيكون (٩) كالهَدِيَّة، ولِأنَّ ذلك يَشغَلُه عن أمورِ المسلمين. فإنْ تَعذَّرَ ذلك أو شَقَّ؛ جازَ؛ لِقَضِيَّةِ أبي بكر الصدِّيق ﵁ (١٠).

стр. 6335

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُوَكِّلَ فِي ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَكِيلُهُ)؛ لِأنَّه أنْفَى للتُّهمة. وجَعَلَها الشَّريفُ وأبو الخَطَّاب كهَدِيَّةِ الوالي، سَأَلَه حَرْبٌ: هل للقاضِي والوالِي أنْ يَتَّجِرَ؟ قال: لَا، إلَّا أنَّه شَدَّدَ في الوالِي (١). (وَيُسْتَحَبُّ (٢) لَهُ عِيَادَةُ المَرْضَى (٣)، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنِ الْحُكْمِ)؛ لِأنَّ ذلك قُربَةٌ وطاعَةٌ، وقد وَعَدَ الشَّارِعُ على ذلك أجْرًا عظيمًا، فيَدخُلُ القاضِي في ذلك. وله حُضورُ البَعضِ؛ لِأنَّ هذا يَفْعَلُه لِنَفْعِ نَفْسِه، بخِلافِ الوَلائِمِ. وفي «التَّرغيب»: ويُودِّعُ الغَازِيَ والحاجَّ. وظاهِرُه: أنَّه إذا أشْغَلَه حُضُورُ ذلك عن الحُكْم؛ فَلَا؛ لِأنَّ اشْتِغَالَه بالفَصْل بَينَ الخُصوم ومُباشَرَةِ الحُكْم أَوْلَى. (وَلَهُ حُضُورُ الْوَلَائِمِ)؛ كغَيرِه؛ «لِأنَّه ﵇ أمَرَ بحُضورِها» (٤)، (وَإِنْ (٥) كَثُرَتْ؛ تَرَكَهَا كُلَّهَا)؛ لِئَلَّا يَشتَغِلَ عن الحُكْم الَّذي هو (٦) فَرْضُ عَينٍ، لكنَّه يَسأَلُهم التَّحليلَ ويَعتَذِرُ، (وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ (٧) دُونَ بَعْضٍ)؛ أيْ: بلا عُذْرٍ، ذَكَرَه القاضي وغَيرُه؛ لِأنَّ في ذلك كَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ لم يُجِبْه، إلَّا أنْ يَختَصَّ بعُذْرٍ يَمنَعُه مِنْ مُنكَرٍ، أوْ بُعْدٍ، أو اشْتِغالٍ بها زَمَنًا طويلاً، فله الإجابةُ؛ لِأنَّ عُذْرَه طاعةٌ.

стр. 6336

وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: تُكره (١) مُسارَعَتُه إلى غير (٢) وليمةِ عُرْسٍ، مع أنَّه يَجُوزُ له حضورُها. وفي «التَّرغيب»: يُكرَه، وقدَّم: لا يَلزَمُه حُضورُ وَلِيمَةِ عُرْسٍ. وذكر (٣) القاضي: أنَّه يُستَحَبُّ له حُضورُ غَيرِ وَلِيمةِ عرس (٤). وقِيلَ: يَجِبُ عَلَيهِ حُضورُها. وقِيلَ: إنْ وَجَبَتْ على غَيرِه، وإلَّا فَلَا يَلزَمُه. فرعٌ: لو تَضيَّفَ رجُلاً؛ فظاهر (٥) كلامِهم يَجُوزُ. وفي «الفنون»: له أخْذُ الصَّدقة. (وَيُوصِي الْوَكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ)؛ تنبيهًا لهم على الفِعْل الجميلِ اللاَّئقِ بمَجالِسِ الحُكَّام والقُضاةِ، (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولاً، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ)؛ لِأنَّ في ضدِّ ذلك ضَرَرًا بالنَّاس، فيَجِبُ أنْ يُوصِيَهم بما يَزُولُ به الضَّرَرُ عنهم، والكُهولُ والشُّيوخُ أَوْلَى مِنْ غَيرِهم؛ لِأنَّ الحاكِمَ تأتيه (٦) النِّساءُ، وفي اجْتِماع الشَّباب بهِنَّ ضرَرٌ. (وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا)؛ أيْ: يُباحُ، والأَشْهَرُ: أنَّه يُسَنُّ؛ «لِأنَّه ﵇ اسْتَكْتَبَ زَيدًا وغَيرَه» (٧)، ولِأنَّ الحاكِمَ تكثُر (٨)

стр. 6337

أشغالُه (١)، فلا يَتَمَكَّنُ من الجَمْع بينها (٢) وبَينَ الكِتابَة، فإنْ أمْكَنَه وِلايَةُ ذلك بنَفْسِه جاز، وَالْأَوْلَى الاِسْتِنابَةُ. وظاهر (٣) كلامِ السَّامَرِّيُّ: أنَّه لا يتَّخذه (٤) إلَّا مع الحاجة. ويُشتَرَطُ فيه أنْ يكُونَ: (مُسْلِمًا)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]. (مُكَلَّفًا)؛ لِأنَّ غَيرَ المكلَّفِ لا يُوثَقُ بقَوله، ولا يُعَوَّلُ عَلَيهِ، فهو كالفاسِقِ. (عَدْلاً)؛ لِأنَّ الكِتابَةَ مَوضِعُ أمانَةٍ. (حَافِظًا عَالِمًا (٥)؛ لِأنَّ في ذلك إعانةً على أَمْرِه. وأنْ يكُونَ عارِفًا، قالَهُ في «الكافي»؛ لِأنَّه إذا لم يكُنْ عارِفًا؛ أَفْسَدَ ما يكتبه (٦) بجَهْلِه. قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ فيه ما في عامِلِ الزَّكاة. ويُستَحَبُّ أنْ يكُونَ وَرِعًا، نَزِهًا، جَيِّدَ الخَطِّ، يُجلِسُه (بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ)؛ أيْ: يُستَحَبُّ أنْ يُجلِسَه بحَيثُ يُشاهِدُ ما يكتبه (٧)؛ لأِنَّه أبْعَدُ للتُّهمة، وأمْكَنُ لإمْلائه عَلَيهِ، وإنْ قَعَدَ ناحِيَةً جاز، لِأنَّ ما يَكتُبُه يُعرَضُ على الحاكِمِ.

стр. 6338

مسألةٌ: يُشتَرَطُ في القاسِمِ أنْ يكُونَ حاسِبًا؛ لِأنَّه عَمَلُه، وبه يَقسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتِبِ (١)، والفقه (٢) للحاكِمِ. (وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ)، هو: بكَسْرِ القاف، وفَتْحِ المِيم (٣)، وسُكون الطَّاء، أعْجَمِيٌّ معرَّبُ (٤)، وهو الَّذي يُصانُ فيه الكُتُبُ، (مَخْتُومًا بَينَ يَدَيْهِ)؛ لِأنَّه أحْفَظُ له مِنْ أنْ يُغَيَّرَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ)؛ لِيَسْتَوْفِيَ بهم الحُقوقَ، وتثبُتَ (٥) بهم الحُجَجُ والمَحاضِرُ، ويَحرُمُ تَعْيينُه قَومًا بالقَبول؛ لِأنَّ مَنْ ثبَتَت (٦) عَدَالَتُه؛ وَجَبَ قَبولُ شَهادَتِه. (وَلَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ)؛ أيْ: لا يَنفُذُ حُكْمُه لِنَفْسه؛ لِأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَشهَدَ لها، ويَتَحاكَمَ هو وخَصْمُه إلى قاضٍ آخَرَ، أوْ بعض (٧) خُلَفائه؛ لِأنَّ «عمرَ حاكَمَ أبيًّا إلى زَيدٍ» (٨)، «وحاكَمَ عُثْمانُ طَلْحَةَ إلى جُبير» (٩). (وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ)، ذَكَرَه بعضُهم إجْماعًا (١٠)؛ كشَهادَتِه له، (وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خَلَفَائِهِ)؛ لِزَوال التُّهمة. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ)، هذا رِوايَةٌ في (١١) «المبهج»، وقاله

стр. 6339

أبو يُوسُفَ وأبو ثَورٍ، واخْتارَهُ ابنُ المنْذِرِ (١)؛ كالأجانِب، وسَواءٌ كان الخَصْمُ مِنهُم أوْ أجْنَبِيًّا، ذَكَرَه في «الرِّعاية». فإنْ كان الحُكْمُ بَينَ والِدَيهِ أوْ وَلَدَيهِ؛ لم يَجُزْ في الأَشْهَر. وقِيلَ: بَلَى؛ لِأنَّهما سَواءٌ عِندَه، فارْتَفَعَتْ تهمة (٢) المَيلِ. وله اسْتِخْلافُ والِدِه ووَلَدِه؛ كحُكمِه لغَيرِه بشَهادَتِهما، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وابنُ الزَّاغُونِيِّ، وأبو الوَفَاء وزَادَ: إذا لم يَتعلَّقْ عَلَيهِما من (٣) ذلك تُهمةٌ، ولم يُوجِبْ لهما بقَبولِ شَهادَتِهما ريبة (٤)، لم تثبت (٥) بطريقِ التَّزكِيَة. وقِيلَ: لا. فإذا صار وَلِيُّ اليَتِيم حاكِمًا؛ حَكَمَ له على قَولِ أبي بكرٍ. فرعٌ: لا يَحكُمُ، وقيل (٦): ولا يُفْتِي على عَدُوِّه، وجوَّز (٧) المَاوَرْدِيُّ الشافعي (٨) حُكْمَه على عُدُوِّه؛ لِأنَّ أسْبابَ الحُكْمِ ظاهرة (٩)، بخِلافِ الشَّهادة، واسْتَشْكَلَه الرَّافِعِيُّ بالتَّسْوِيَة بَينَهما في عَمُودَيْ نسبه (١٠)، وأنَّ

стр. 6340

المشْهُورَ لا يَحكُمُ على عَدُوِّه كالشهادة (١)، ولا نَقْلَ (٢) عن الحَنَفِيَّة، ومَنَعَه بعضُ مُتأخِّرِيهم كالشَّهادة.
следующие страницы →