← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 1262

المبدع شرح المقنع - ط ركائز

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (6 819 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

وذَكَرَ أبو الخَطَّاب: تُكره (١) مُسارَعَتُه إلى غير (٢) وليمةِ عُرْسٍ، مع أنَّه يَجُوزُ له حضورُها. وفي «التَّرغيب»: يُكرَه، وقدَّم: لا يَلزَمُه حُضورُ وَلِيمَةِ عُرْسٍ. وذكر (٣) القاضي: أنَّه يُستَحَبُّ له حُضورُ غَيرِ وَلِيمةِ عرس (٤). وقِيلَ: يَجِبُ عَلَيهِ حُضورُها. وقِيلَ: إنْ وَجَبَتْ على غَيرِه، وإلَّا فَلَا يَلزَمُه. فرعٌ: لو تَضيَّفَ رجُلاً؛ فظاهر (٥) كلامِهم يَجُوزُ. وفي «الفنون»: له أخْذُ الصَّدقة. (وَيُوصِي الْوَكَلَاءَ وَالْأَعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالْخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ)؛ تنبيهًا لهم على الفِعْل الجميلِ اللاَّئقِ بمَجالِسِ الحُكَّام والقُضاةِ، (وَيَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونُوا شُيُوخًا أَوْ كُهُولاً، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ)؛ لِأنَّ في ضدِّ ذلك ضَرَرًا بالنَّاس، فيَجِبُ أنْ يُوصِيَهم بما يَزُولُ به الضَّرَرُ عنهم، والكُهولُ والشُّيوخُ أَوْلَى مِنْ غَيرِهم؛ لِأنَّ الحاكِمَ تأتيه (٦) النِّساءُ، وفي اجْتِماع الشَّباب بهِنَّ ضرَرٌ. (وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا)؛ أيْ: يُباحُ، والأَشْهَرُ: أنَّه يُسَنُّ؛ «لِأنَّه ﵇ اسْتَكْتَبَ زَيدًا وغَيرَه» (٧)، ولِأنَّ الحاكِمَ تكثُر (٨)

стр. 6337

أشغالُه (١)، فلا يَتَمَكَّنُ من الجَمْع بينها (٢) وبَينَ الكِتابَة، فإنْ أمْكَنَه وِلايَةُ ذلك بنَفْسِه جاز، وَالْأَوْلَى الاِسْتِنابَةُ. وظاهر (٣) كلامِ السَّامَرِّيُّ: أنَّه لا يتَّخذه (٤) إلَّا مع الحاجة. ويُشتَرَطُ فيه أنْ يكُونَ: (مُسْلِمًا)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]. (مُكَلَّفًا)؛ لِأنَّ غَيرَ المكلَّفِ لا يُوثَقُ بقَوله، ولا يُعَوَّلُ عَلَيهِ، فهو كالفاسِقِ. (عَدْلاً)؛ لِأنَّ الكِتابَةَ مَوضِعُ أمانَةٍ. (حَافِظًا عَالِمًا (٥)؛ لِأنَّ في ذلك إعانةً على أَمْرِه. وأنْ يكُونَ عارِفًا، قالَهُ في «الكافي»؛ لِأنَّه إذا لم يكُنْ عارِفًا؛ أَفْسَدَ ما يكتبه (٦) بجَهْلِه. قال في «الفروع»: ويَتَوَجَّهُ فيه ما في عامِلِ الزَّكاة. ويُستَحَبُّ أنْ يكُونَ وَرِعًا، نَزِهًا، جَيِّدَ الخَطِّ، يُجلِسُه (بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ)؛ أيْ: يُستَحَبُّ أنْ يُجلِسَه بحَيثُ يُشاهِدُ ما يكتبه (٧)؛ لأِنَّه أبْعَدُ للتُّهمة، وأمْكَنُ لإمْلائه عَلَيهِ، وإنْ قَعَدَ ناحِيَةً جاز، لِأنَّ ما يَكتُبُه يُعرَضُ على الحاكِمِ.

стр. 6338

مسألةٌ: يُشتَرَطُ في القاسِمِ أنْ يكُونَ حاسِبًا؛ لِأنَّه عَمَلُه، وبه يَقسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتِبِ (١)، والفقه (٢) للحاكِمِ. (وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ)، هو: بكَسْرِ القاف، وفَتْحِ المِيم (٣)، وسُكون الطَّاء، أعْجَمِيٌّ معرَّبُ (٤)، وهو الَّذي يُصانُ فيه الكُتُبُ، (مَخْتُومًا بَينَ يَدَيْهِ)؛ لِأنَّه أحْفَظُ له مِنْ أنْ يُغَيَّرَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَحْكُمَ إِلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ)؛ لِيَسْتَوْفِيَ بهم الحُقوقَ، وتثبُتَ (٥) بهم الحُجَجُ والمَحاضِرُ، ويَحرُمُ تَعْيينُه قَومًا بالقَبول؛ لِأنَّ مَنْ ثبَتَت (٦) عَدَالَتُه؛ وَجَبَ قَبولُ شَهادَتِه. (وَلَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ)؛ أيْ: لا يَنفُذُ حُكْمُه لِنَفْسه؛ لِأنَّه لا يَجُوزُ أنْ يَشهَدَ لها، ويَتَحاكَمَ هو وخَصْمُه إلى قاضٍ آخَرَ، أوْ بعض (٧) خُلَفائه؛ لِأنَّ «عمرَ حاكَمَ أبيًّا إلى زَيدٍ» (٨)، «وحاكَمَ عُثْمانُ طَلْحَةَ إلى جُبير» (٩). (وَلَا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ)، ذَكَرَه بعضُهم إجْماعًا (١٠)؛ كشَهادَتِه له، (وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بَعْضُ خَلَفَائِهِ)؛ لِزَوال التُّهمة. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ ذَلِكَ)، هذا رِوايَةٌ في (١١) «المبهج»، وقاله

стр. 6339

أبو يُوسُفَ وأبو ثَورٍ، واخْتارَهُ ابنُ المنْذِرِ (١)؛ كالأجانِب، وسَواءٌ كان الخَصْمُ مِنهُم أوْ أجْنَبِيًّا، ذَكَرَه في «الرِّعاية». فإنْ كان الحُكْمُ بَينَ والِدَيهِ أوْ وَلَدَيهِ؛ لم يَجُزْ في الأَشْهَر. وقِيلَ: بَلَى؛ لِأنَّهما سَواءٌ عِندَه، فارْتَفَعَتْ تهمة (٢) المَيلِ. وله اسْتِخْلافُ والِدِه ووَلَدِه؛ كحُكمِه لغَيرِه بشَهادَتِهما، ذَكَرَه أبو الخَطَّاب، وابنُ الزَّاغُونِيِّ، وأبو الوَفَاء وزَادَ: إذا لم يَتعلَّقْ عَلَيهِما من (٣) ذلك تُهمةٌ، ولم يُوجِبْ لهما بقَبولِ شَهادَتِهما ريبة (٤)، لم تثبت (٥) بطريقِ التَّزكِيَة. وقِيلَ: لا. فإذا صار وَلِيُّ اليَتِيم حاكِمًا؛ حَكَمَ له على قَولِ أبي بكرٍ. فرعٌ: لا يَحكُمُ، وقيل (٦): ولا يُفْتِي على عَدُوِّه، وجوَّز (٧) المَاوَرْدِيُّ الشافعي (٨) حُكْمَه على عُدُوِّه؛ لِأنَّ أسْبابَ الحُكْمِ ظاهرة (٩)، بخِلافِ الشَّهادة، واسْتَشْكَلَه الرَّافِعِيُّ بالتَّسْوِيَة بَينَهما في عَمُودَيْ نسبه (١٠)، وأنَّ

стр. 6340

المشْهُورَ لا يَحكُمُ على عَدُوِّه كالشهادة (١)، ولا نَقْلَ (٢) عن الحَنَفِيَّة، ومَنَعَه بعضُ مُتأخِّرِيهم كالشَّهادة.

стр. 6341

(فَصْلٌ) (وَأَوَّلُ مَنْ يَنْظُرُ (١) فِيهِ أَمْرُ المُحَبَّسِينَ)؛ لِأنَّ الحَبْسَ عَذابٌ، وربَّما كان فِيهِمْ مَنْ لا يَستَحِقُّ البَقاءَ فِيهِ، فاسْتُحِبَّ البداءة (٢) بهم، (فَيَبْعَثُ ثِقَةً (٣) إِلَى الْحَبْسِ، فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوسٍ، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ (٤)، فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ)؛ لِأنَّ ذلك طريقٌ إلى مَعرِفةِ الحال على ما هِيَ عَلَيهِ، ولِئَلَّا يَتكرَّرَ بكتابته (٥) في رُقْعةٍ واحِدةٍ النَّظَرُ في حالِ الأوَّل مِنها فالأوَّل، بل يُخرِجُ واحدًا (٦) منها بالاِتِّفاق؛ كما في القُرْعةِ. (ثُمَّ يُنَادِي فِي الْبَلَدِ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الْمَحْبُوسِينَ (٧) غَدًا، فَمَنْ لَهُ خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ)، كذا ذَكَرَه في «الكافي» و «المحرَّر» و «المستوعب» و «الرِّعاية»؛ لِأنَّ ذلك إعْلامًا بيَومِ جُلوسِ القاضي. وفي «الشَّرح»: أنَّ القاضِيَ يأمُرُ مُنادِيًا يُنادِي في البلد بذلك ثلاثةَ أيَّامٍ، وأنَّه يَجعَلُ الرِّقاعَ بَينَ يَدَيهِ، فيَمُدُّ يده (٨) إلَيها، فما وقَعَ (٩) في يَدِه منها؛ نَظَرَ إلى اسْمِ المحْبوس. وقِيلَ: يَخُصُّه بقُرْعةٍ.

стр. 6342

(فَإِذَا كَانَ الْغَدُ، وَحَضَرَ الْقَاضِي؛ أَحْضَرَ رُقْعَةً، فَقَالَ: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟)؛ لِأنَّه لا يُمْكِنُه الحُكْمُ إلَّا بذلك، (فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ؛ نَظَرَ بَيْنَهُمَا)؛ لِأنَّه لذلك وُلِّيَ، ولا يَسأَلُ خَصْمَه لِمَ حَبَسْتَه؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ الحاكِمَ إنَّما حَبَسَه لحقٍّ تَرتَّبَ عَلَيهِ، ولكِنْ يَسألُ المحْبوسَ لِمَ حُبِسْتَ؟ فإن (١) قال: حُبِسْتُ بحقٍّ؛ أَمَرَه بقضائه إنْ طَلَبَه خَصْمُه، فإنْ أبَى، وله مَوجُودٌ؛ قَضَاهُ منه أوْ مِنْ ثَمَنِه إنْ لم يكن (٢) كالمدَّعَى به. وفي «الشَّرح»: قال له القاضِي: اقْضِهِ وإلَّا رَدَدْتُكَ إلى الحَبْس. فإن ادَّعى عَجْزًا وكَذَّبَه خَصْمُه، أوْ عُرِفَ له مالٌ ولا بَيِّنةَ تَشهَدُ بتَلَفِه، أوْ نَفادِه، أوْ عَجْزِه، أوْ عُسْرتِه؛ أُعِيدَ حَبْسُه إنْ طَلَبَه غَرِيمُه، فإنْ لم يَقضِه؛ قَضاهُ الحاكِمُ مِنْ مَوجُودِه أوْ ثمنه (٣)، فإنْ تعذَّر؛ أُعِيدَ حَبْسُه بطَلَبِ غَريمِه. وقِيلَ: إنْ حَلَفَ خَصْمُه أنَّه قادر (٤)؛ حَبَسَه، وإلَّا حَلَفَ المنكِرُ على التَّلَف والإعْسارِ، وخُلِّيَ؛ كَمَنْ لم يُعرَفْ له مالٌ. وإنْ صدَّقَه غَريمُه في عَجْزه وإعْسارِه، أوْ ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ؛ أُطْلِقَ بلا يَمِينٍ، قدَّمه في «المستوعب» و «الرِّعاية». وَقِيلَ: يَحلِفُ مع البيِّنة؛ لِأنَّها تَشْهَدُ بالظَّاهِر، ويَحتَمِلُ أنْ يكُونَ له مالٌ لا تَعلمُه (٥). وإنْ أقام خَصْمُه بَيِّنَةً بأنَّ له ملْكًا مُعَيَّنًا، فقال: هو لِزَيدٍ، فكَذَّبَه زَيدٌ؛ بِيعَ في الدَّين؛ لِأنَّ إقْرارَه سَقَطَ بإكْذابِه.

стр. 6343

وكذا إنْ صدَّقَه زَيدٌ ولم يكن (١) له بَيِّنةٌ، ذَكَرَه القاضي؛ لِأنَّ البيِّنةَ شَهِدَتْ لصاحِبِ اليَدِ بالملك، فتضمَّنَتْ شَهادَتُها وُجوبَ القَضاء منه، فإذا لم تُقْبَل (٢) شهادتُها في حقِّ نفسه؛ قُبِلَتْ فِيما تَضَمَّنَتْه؛ لِأنَّها حقُّ غَيرِه، ولِأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه لِغَيرِه. وفيه وجهٌ: يثبت الإقرار وتسقط (٣) البينة؛ لأنَّها تشهد بالملك لمن لا يدعيه وينكره. فإنْ صدَّقه زَيدٌ وله بَيِّنةٌ؛ فهو له؛ لِأنَّ بَيِّنَتَه قويت (٤) بإقْرارِ صاحِبِ اليَدِ. وإنْ عَلِمَ ربُّ الدَّين عُسْرَتَه؛ حَرُمَ عَلَيهِ حَبْسُه، وَوَجَبَ إنْظارُه إلى يُسْرتِه (٥). (وَإِنْ (٦) كَانَ حُبِسَ فِي تُهَمَةٍ، أَوِ افْتِيَاتٍ (٧) عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ؛ خَلَّى سَبِيلَهُ)، ذَكَرَه في «الشَّرح» و «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّ بقاءَه فِيهِ ظُلْمٌ، ولِأنَّ المقصودَ التأديب (٨)، وقد حَصَلَ. وفي «المحرَّر» و «الرِّعاية» و «الفُروع»: أنَّ الحاكم إنْ شاءَ خلاَّه (٩)، وإنْ شاءَ أبْقاهُ بقَدْرِ ما يَرَى. فإطْلاقُه، وإذنُهُ، ولو في قضاءِ دينٍ ونفقةٍ فيرجع، ووضعِ ميزابٍ وبناءٍ

стр. 6344

وغيره، وأمرُه بإراقةِ نَبِيذٍ - ذَكَرَه في «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّة» -، وقرعتُه، وإطلاقُ محبوس (١) - ذكره في «الرعاية» -: حُكْمٌ يَرفَعُ الخِلافَ إنْ كان، ومِثْلُه: تقديرُ مُدَّةِ حَبْسِه، والمرادُ: إذا لم يأمر (٢) ولم يَأذَنْ بحَبْسِه. تنبيهٌ: إذا قال: حُبِسْتُ لتعديلِ البَيِّنة؛ أُعِيدَ حَبْسُه في الأصحِّ إنْ طلبه (٣) خَصْمُه، وكان الأوَّلُ قد حَكَمَ به، وإلاَّ نَادَى أنَّه (٤) حَكَمَ بإطْلاقه. وكذا إنْ قُلْنا: لا يُحبَسُ في ذلك، وصَدَّقَه خَصْمُه. فإن (٥) قال الخَصْمُ: الحاكِمُ قد عَرَفَ عَدالةَ شُهودِي، وحَكَمَ عَلَيهِ بالحقِّ؛ قُبِلَ قَولُه. وإنْ قال: حُبِسْتُ لِتَكميلِ البيِّنة، فهو كما لو قال: حُبِسْتُ لِتَعْديلها. وإنْ قال: حُبِسْتُ في ثَمَنِ كَلْبٍ، أوْ خَمْرٍ أَرَقْتُه لذِمِّيٍّ، وصَدَّقَه خَصْمُه؛ أطْلَقَه. وفِيهِ وَجْهٌ: أنَّ الثَّانِيَ يُنفِّذُ حُكْمَ الأوَّلِ، ولأنَّه (٦) لَيسَ له نَقْضُ حُكْمِ غَيرِه باجْتِهاده. وفِيهِ وَجْهٌ: يَتَوَقَّفُ ويجتهد (٧) في المصالَحَة بَينَهما بشَيءٍ. وإنْ قال خَصْمُه: حُبِسْتَ بحقٍّ غَيرِ هذا؛ صُدِّق للظَّاهِر. وإنْ قال: خَصْمِي غائبٌ ووكِيلُه، وأنا مَظْلومٌ؛ كَتَبَ إلَيهِ لِيَحضُرَ هو أو

стр. 6345

وكيلُه (١)، وإنْ تأخَّر بلا عُذْرٍ ولم يجد له (٢) مَنْ يُحاكِمُه؛ أُطْلِقَ. ويَحتَمِلُ: أنْ يُطْلَقَ مُطلَقًا؛ كما لو جُهِلَ مَكانُه. والأَوْلَى: أنْ يُضمَنَ عَلَيهِ ويُطلَقَ، فإنْ تعذَّر الكفيلُ؛ أطْلَقَه إذا أيس (٣) مِنْ خَصْمٍ له وكَفِيلٍ. (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ (٤) خَصْمٌ، وَقَالَ: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ، وَلَا خَصْمَ لِي؛ نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَضَرَ لَهُ خَصْمٌ)؛ نَظَرَ بَينَهما، (وَإِلَّا أَحْلَفَهُ (٥) وَخَلَّى سَبِيلَهُ)، ذَكَرَه مُعظَمُ الأَصْحاب؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه لو كان له خَصْمٌ لَظَهَرَ. وفي «الرِّعاية»: وقِيلَ: ثلاثةَ أيَّامٍ. تنبيهٌ: فِعْلُه حُكْمٌ؛ كتزويجِ يَتِيمةٍ، وشِراءِ عَينٍ غائبةٍ، وعَقْدِ نِكاحٍ بِلا وَلِيٍّ، ذَكَرَه المؤلِّفُ في الأخِيرة، وذَكَرَه الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّه أصحُّ الوَجْهَينِ (٦). وذَكَرَ الأَزَجِيُّ فِيمَنْ أقرَّ لِزَيدٍ فلم يُصدِّقْه، وقُلْنا: يَأخُذُه الحاكِمُ، ثُمَّ ادَّعاهُ المُقِرُّ: لم يَصِحَّ؛ لِأنَّ قَبْضَ الحاكم بمَنزِلةِ الحُكْم بِزوالِ ملْكِه. وفي «التَّعليق» و «المحرَّر»: فعله (٧) حُكْمٌ إنْ حَكَمَ به هو أوْ غَيرُه وِفاقًا؛ كفُتْياهُ (٨)، فإذا (٩) قال: حَكَمْتُ بصِحَّتِه؛ نَفَذَ حُكْمُه باتِّفاق الأئمَّة (١٠).

стр. 6346

وسَبَقَ كَلامُ الشَّيخِ تقيِّ الدِّين: الحاكِمُ لَيسَ هو الفاسخ (١)، وإنَّما يَأذَنُ أوْ يَحكُمُ به، فَمَتَى أَذِنَ أَوْ حَكَمَ لِأحَدٍ بِاسْتِحْقاقِ عَقْدٍ أوْ فَسْخٍ؛ لم يَحتَجْ بَعْدَ ذلك إلى حُكْمٍ بصِحَّتِه، لكِنْ لو عَقَدَ هو أوْ فَسَخَ؛ فهو فعله (٢)، وهل فِعْلُه حُكْمٌ؟ فِيهِ الخِلافُ المشْهُورُ (٣). مسائلُ: حُكْمُه بشَيءٍ حُكْمٌ بِلازِمِه، ذَكَرَه الأصْحابُ في أحْكامِ مَفقودٍ، وثُبوتُ شَيءٍ عِندَه لَيسَ حُكمًا به على ما ذَكَرُوهُ في صِفَةِ السِّجل (٤)، وتنفيذُ الحُكْم يَتضَمَّنُ الحُكْمَ بصِحَّةِ الحُكْمِ المنَفَّذ، قاله (٥) شَيخُنا ابنُ نَصْرِ الله، وفي كَلامِ الأصحاب ما يَدُلُّ على أنَّه حكم (٦)، وفي كلامِ بعضهم أنَّه (٧) عَمَلٌ بالحُكْم، وإجازةٌ له وإمْضاءٌ؛ كتنفيذِ الوَصِيَّة. (ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الأَيْتَامِ (٨)، وَالْمَجَانِينِ، وَالْوُقُوفِ (٩)؛ لِأنَّ ذلك لا يُمكِنُه المطالَبَةُ؛ لأِنَّ الصَّغير (١٠) والمجْنونَ لا قَولَ لهما، وأرْبابَ الوُقوف - كالفقراء والمساكِينِ -؛ لا يَتَعَيَّنُونَ. ويَنظُرُ أيْضًا في الوَصايا الَّتي لَيسَ لها ناظِرٌ مُعَيَّنٌ، فلو نَفَّذَ الأوَّلُ وَصِيَّتَه

стр. 6347

لم يَعزِلْه؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ مَعرِفَةُ أهْلِيَّتِه، لكِنْ يُرَاعِيهِ، فدلَّ أنَّ إثْباتَ صِفَةٍ؛ كعدالةٍ، وجَرْحٍ، وأهْلِيَّةِ وَصِيَّةٍ، وغَيرِها؛ حُكْمٌ. (ثُمَّ فِي حَالِ الْقَاضِي قَبْلَهُ)، والأصحُّ: أنَّه لا يَجِبُ؛ لِأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ قَضايَا مَنْ قَبْلَه. وفي «المستوعب»، وقدَّمه (١) في «الرِّعاية»، ورجَّحه ابنُ المنَجَّى: أنَّه (٢) يَجِبُ. وقِيلَ: لا يَجُوزُ. والأصحُّ: أنَّ له النَّظَرَ في حالِ من قَبْلَه. (فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ (٣) يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ؛ لَمْ يُنْقَضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إِلَّا مَا خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ (٤) أَوْ سُنَّةٍ)، مُتواتِرةً كانَتْ أوْ آحادًا؛ كقتل (٥) مُسلِمٍ بكافِرٍ؛ فيلزم (٦) نَقْضُه، نَصَّ عَلَيهِما (٧)، وقِيلَ: مُتواتِرًا. وكذا يُنقَضُ حُكمُ مَنْ جَعَلَ عَينَ مالِه عِنْدَ مَنْ حُجِرَ عَلَيهِ أُسْوَةَ الغُرَماء، نَصَّ عَلَيهِ (٨)، بخِلافِ ما إذا زَوَّجَتْ نَفْسَها في الأصحِّ. (أَوْ إِجْمَاعًا)؛ لِأنَّه يُؤدِّي إلى نَقْضِ الحُكْم بمِثْلِه، ويُؤَدِّي إلى أنَّه لا يَثبُتُ حُكْمٌ أصْلاً، وقِيلَ: ولو ظَنِّيًّا، وقِيلَ: وقِياسًا جَلِيًّا. ومُقتَضاهُ: أنَّه يُنقَضُ إذا خالَفَ ما ذُكِرَ؛ لِأنَّه حُكْمٌ لم يُصادِفْ شَرْطَه (٩)،

стр. 6348

فَوَجَبَ نَقْضُه؛ لأنَّ (١) شَرْطَ الاِجْتِهاد: عَدَمُ مُخالَفَةِ ما ذُكِرَ، ولِأنَّه إذا وُجِدَ ذلك فَقَدْ فَرَّطَ؛ كما لو حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَينِ. ولا فَرْقَ بَينَ حقوق الله تَعالَى وحُقوقِ الآدمي (٢) في ظاهِرِ كلامِه. وفي «المغْنِي»: أنَّ حقَّ الآدَمِيِّ لا يَنقُضُه إلاَّ بمُطالَبَتِه، بخِلافِ حقِّ الله تعالى. وكذا يَنقُضُ حُكْمَه بما لم يَعتَقِدْه وِفاقًا (٣). وفي «الإرشاد»: هَلْ يُنقَضُ بمُخالَفَةِ صحابيٍّ؟ يَتَوَجَّهُ: نَقضُه إنْ قِيلَ بحجيته؛ كالنص (٤). فرعٌ: إذا (٥) حَكَمَ بشاهِدٍ ويَمِينٍ؛ لم يُنقَضْ، ذَكَرَه بعضُهم إجْماعًا (٦)، قال سعيدٌ: ثَنَا هُشَيمٌ، عن داودَ، عن الشَّعبِيِّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْضِي بالقَضاءِ، ويَنزِلُ القرآنُ بغَيرِ ما قَضَى، فيَسْتَقْبِلُ حُكْمَ القُرآنِ، ولا يَرُدُّ قَضاءَه الأوَّلَ»، هذا مُرسَلٌ (٧). وقال محمَّدُ بنُ الحَسَن: يُنقَضُ (٨).

стр. 6349

وإذا (١) تغيَّرتْ صِفَةُ الواقِعَة، فتغيَّر (٢) القَضاء بها؛ لم يكُنْ نَقْضًا للقضاء الأوَّلِ، بل رُدَّتْ للتهمة (٣)؛ لِأنَّه صار خَصْمًا فيها، والمخالَفةُ في قَضِيَّةٍ؛ نَقْضٌ مع العلم. (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ (٤) لَا يَصْلُحُ؛ نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّوَابَ (٥)، في الأَشْهَر في (٦) المذهب؛ لِأنَّ حُكْمَه غَيرُ صحيحٍ، وقضاؤه بمَنزِلَة الْعَدَمِ؛ لِفَقْدِ شَرْطِ القَضاء فيه. (وَيَحْتَمِلُ: أَلَّا يُنْقَضَ الصَّوَابُ مِنْهَا)، قدَّمه في «الكافي» و «المستوعب»، وصحَّحه ابنُ المنَجَّى، وجَزَمَ به في «الوجيز»؛ لِأنَّ الحقَّ وَصَلَ إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَجُزْ نَقْضُه؛ لِعَدَمِ الفائدةِ فِيهِ. فرعٌ: إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه قَبْلَ الحُكْم؛ حَكَمَ بما تغيَّر (٧) اجْتِهادُه إلَيهِ، وكذا إنْ بانَ فِسْقُ الشُّهود قَبْلَ الحُكْم بشَهادَتِهم؛ لم يَحْكُم بها، وإنْ كان بَعدَه؛ لم يَنقُضْه. فائدةٌ: يَنْظُرُ في أُمَناء الحاكِم قَبْلَه، فَمَنْ فَسَقَ (٨)؛ عَزَلَه، ويَضُمُّ إلى الضَّعيف أمِينًا، وله إبْدالُه، ثُمَّ في الضَّوالِّ (٩) واللُّقَطةِ. (وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ أَحَدٌ عَلَى خَصْمٍ لَهُ) حاضِرٍ بما تَتْبَعُه الهِمَّةُ؛ (أَحْضَرَهُ) لُزُومًا

стр. 6350

في الأصحِّ، قال (١) في «المستوعب»: هو (٢) اخْتِيارُ أكْثَرِ شُيُوخنا؛ لِأنَّ ضَرَرَ فَواتِ الحقِّ أعْظَمُ مِنْ حُضُور مَجلِس الحُكْم، وللمستعدى (٣) عَلَيهِ أنْ يُوكِّلَ مَنْ يَقُومُ مَقامَه إنْ كَرِهَ الحُضورَ. ولو (٤) طَلَبَه خَصْمُه أو الحاكم (٥) لِيَحضُرَ مَجلِسَ الحُكْم حَيثُ يَلزَمُ الحاكم (٦) إحْضارُه بطَلَبِه مِنه؛ لَزِمَه الحُضُورُ. (وَعَنْهُ: لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا (٧) ادَّعَاهُ أَصْلاً)، روي (٨) عن عليٍّ (٩)؛ لمَا فِيهِ من تَبْذِيلِ أهْلِ المُرُوءاتِ وإهانةِ ذَوِي الهيئات. وفي «المستوعب»: إنْ كان يَعلَمُ أنَّ مِثْلَه لا يعامِلُه (١٠)؛ لا يُحضِرُه حتَّى يُحرِّرَ دَعْواهُ، وهذا رِوايَةٌ اخْتارَها أبو بكرٍ وأبو الخَطَّاب، وقدَّمها في «الرِّعاية». ومَتَى لم يَحضُرْ؛ لم يُرَخِّصْ له في تخلُّفه (١١)، وإلَّا أَعْلَمَ الواليَ به، فإذا حَضَر (١٢)؛ فله تَأْدِيبُه. (وَإِنِ (١٣) اسْتَعْدَاهُ عَلَى الْقَاضِي قَبْلَهُ؛ سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ)؛ أيْ: يَعتَبِرُ تحريرَ

стр. 6351

الدَّعْوَى في حقِّه، (فَإِنْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ رِشْوَةٍ، رَاسَلَهُ)؛ لِأنَّ ذلك طريقٌ إلى اسْتِخْلاص الحقِّ؛ لمَا في إحْضارِه من الاِمْتِهان وتَسْلِيطِ أعْوانِه عَلَيهِ، ولا يُؤمَنُ معه امْتِناعُ وُصولِ الصَّالح للقضاء مِنْ الدُّخول فيه. ولم يَذكُرْ في «المغْنِي» و «الكافي» مُراسَلَةً بل يُحضِرُه. والأوَّلُ أظْهَرُ. (فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ؛ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ)؛ لِأنَّ الحقَّ تَوَجَّهَ عَلَيهِ باعْتِرافِه. (وَإِنْ أَنْكَرَ وَقَالَ: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي، فَإِنْ عَرَفَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلاً؛ أَحْضَرَهُ)؛ لِأنَّ ذلك تعيَّنَ طريقًا إلى اسْتِخْلاصِ حقِّ المستعدي (١)، (وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُهُ) إذا لم يَعلَمْ؟ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢) سبقتا (٣). (وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ عَلَيَّ (٤) بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ) عَمْدًا، (فَأَنْكَرَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ)؛ أيْ: قَولُ الحاكِمِ، (بِغَيْرِ يَمِينٍ)؛ لِأنَّه لو لم يُقبَلْ قَولُه في ذلك؛ لَتَطَرَّقَ المُدَّعَى عَلَيهِم إلى إبْطالِ ما عَلَيهِم من الحقوق بالقول المذكور (٥)، وفي ذلك ضرَرٌ عظيمٌ، واليمينُ تَجِبُ للتُّهمة، والقاضِي لَيسَ مِنْ أهْلِها. وقِيلَ: تَجِبُ يَمينُه لِإنْكاره، لكِنْ إنْ قال: حَكَمْتُ بشهادةِ عَدْلَينِ؛ صُدِّقَ بلا يمينٍ. فرعٌ: إذا قال: حَكَمَ عليَّ بشهادةِ فاسِقَينِ أوْ عَدُوَّينِ، أوْ جار عليَّ في الحكم، وله بيِّنةٌ؛ أحْضَرَه، أوْ وكيلَه، وحَكَمَ بها. وإنْ لم يكن (٦) بيِّنةٌ؛ ففي إحْضارِه قَبْلَ المعرفة وجْهانِ:

стр. 6352

أحدُهما: يُحضِرُه؛ لِجَوازِ أنْ يَعتَرِفَ، وكما لو ادَّعَى عَلَيهِ مالاً. والثَّاني: لَا؛ لِأنَّ فِيهِ امْتِهانًا، وأعْداءُ القاضِي كثيرةٌ. فإنْ أحْضَرَه فاعترف؛ حَكَم (١) عَلَيهِ، وإنْ أنكر (٢)؛ قُبِلَ قَولُه بغَيرِ يَمِينٍ. وإن ادَّعَى أنَّه قَتَلَ ابنه (٣) ظُلْمًا؛ فهل يُحضِرُه مِنْ غَيرِ بيِّنةٍ؟ فِيهِ وَجْهانِ، فإنْ أحْضَرَه فاعْتَرَفَ؛ حَكَمَ عَلَيهِ، وإلَّا قُبِلَ قَولُه بغَيرِ يَمِينٍ. (وَإِنْ قَالَ الْحَاكِمُ المَعْزُولُ: كُنْتُ حَكَمْتُ فِي وِلَايَتِي لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِحَقٍّ (٤)؛ قُبِلَ قَوْلُهُ)، إذا كان ممَّن يَسُوغُ له الحُكْمُ، نَصَّ عَلَيهِ (٥)، زاد في «الرِّعاية»: ما لم يُتَّهَمْ؛ لِأنَّ عَزْلَه لا يَمنَعُ من (٦) قَبُولِ قَولِه، كما لو كَتَبَ كِتابًا إلى قاضٍ آخَرَ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَصَلَ الكِتابُ بَعْدَ عَزْلِه؛ لَزِمَ المكتوبَ إلَيهِ قَبولُ كتابه بَعْدَ عَزْلِ كاتبه (٧)، ولِأنَّه أخْبَرَ بما حَكَمَ به وهو غَيرُ مُتَّهَمٍ، أشْبَهَ حالَ وِلايَتِه. وقال بعضُ المتأخِّرِينَ: يُقبَلُ قَولُه ما لم يَشتَمِلْ على إبْطالِ حُكْمِ حاكِمٍ، وهو حَسَنٌ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يُقْبَلَ)، وهو قَولُ أكْثَرِ الفقهاء، ثُمَّ اخْتَلَفوا: فقال ابنُ أبي لَيلَى والأَوْزاعِيُّ: هو بمَنزِلةِ الشَّاهِد إذا كان معه شاهِدٌ آخَرُ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا يُقبَلُ إلاَّ شاهِدانِ سِواهُ، وهو ظاهِرُ مَذهَبِ الشَّافِعِيِّ (٨).

стр. 6353

وذَكَرَ ابنُ أبي مُوسَى: أنَّه يَتَوَجَّهُ، كقَولِ الأَوْزاعِيِّ وكقَولِ الحَنَفِيَّةِ. فأمَّا إنْ قال في حالِ وِلايَتِهِ؛ قُبِلَ قَولُه؛ لِأنَّ مَنْ مَلَكَ الحُكمَ مَلَك الإقْرارَ به؛ كالزَّوج إذا أقرَّ بالطَّلاق، ولِأنَّه لو أخْبَرَ أنَّه رأى كذا وكذا فحَكَم به؛ قُبِلَ. وعلى الأوَّل: إذا قال: حَكَمْتُ بعِلْمِي، أوْ بالنُّكول، أو (١) شاهِدٍ ويَمِينٍ؛ قُبِل (٢)، وإنْ قال: حَكَمْتُ، ولم يُضِفْه إلى بَيِّنةٍ ولا غَيرِها؛ قُبِلَ. (وَإِنِ (٣) ادَّعَى عَلَى (٤) امْرَأَةٍ غَيْرِ (٥) بَرْزَةٍ)؛ أي (٦): لَيْسَتْ مُعْتادَةً أنْ تخرُجَ (٧) في حَوائجِها؛ (لَمْ يُحْضِرْهَا)؛ لمَا فِيهِ من المشقَّة والضَّرَر، (وَأَمَرَهَا (٨) بِالتَّوْكِيلِ)؛ لِأجْلِ فَصْلِ الخصومَةِ (٩)، ولِأنَّه يَقُومُ مَقامَها، فلا تُبْتَذَلُ مِنْ غير (١٠) حاجةٍ إلى ذلك. (وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْيَمِينُ؛ أَرْسَلَ إِلَيْهَا مَنْ يُحَلِّفُهَا)؛ لِأنَّ إحْضارَها غَيرُ مَشْروعٍ، واليمينُ لا بُدَّ مِنْها، وهذا طريقُه، فيَبعَثُ أمِينًا معه شاهِدانِ، فيستحلفها (١١) بحَضْرَتِهما.

стр. 6354

وذَكَرَ القاضي: أنَّ الحاكِمَ يَبعَثُ مَنْ يَقْضِي بينها (١) وبَينَ غَرِيمها في دارها؛ لقوله ﵇: «واغْدُ يا أُنَيْسُ … » الخبرَ (٢). والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِأنَّه أسْتَرُ، وربَّما مَنَعَها الحياءُ من النُّطق بحُجَّتها، سِيَّما مع (٣) جَهْلِها بالحُجَّة. وذَكَرَ السَّامَرِّيُّ: أنَّه يُخيَّرُ. وأطْلَقَ في «الانتصار» النَّصَّ فيها، واخْتارَه إن (٤) تعذَّرَ الحقُّ بِدُونِ حُضُورها، وإلا (٥) لم يُحضِرْها. وأطْلَقَ ابنُ شِهَابٍ وغَيرُهُ إحْضارَها؛ لِأنَّ حقَّ الآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق، والمدَّةُ يَسِيرةٌ؛ كسَفَرِها مِنْ مَحلَّةٍ إلى مَحلَّةٍ. وحُكْمُ المريض كذلك؛ لِأنَّه يَشُقُّ عَلَيهِ السَّعْيُ والحركةُ. فأمَّا إنْ كانَتْ بَرْزَةً؛ أيْ: تَبرُزُ لحوائِجِها (٦) غَيرَ مُخدَّرةٍ، فإنَّه (٧) يُحضِرُها، ولا يُعتَبَرُ لخروجها مَحرَمٌ، نَصَّ عَلَيهِ (٨)؛ كسَفَرِ الهِجْرة. (وَإِنِ ادَّعَى عَلَى غَائِبٍ عَنِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ لَا حَاكِمَ فِيهِ؛ كَتَبَ إِلَى ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَتَوَسَّطُوا بَيْنَهُمَا)، نَقُولُ: إذا اسْتَعْدَى على غائبٍ في غَيرِ وِلايَةِ القاضي؛ لم يكُنْ له أنْ يُعْدِيَ عليه (٩).

стр. 6355

وإنْ كان في وِلايَتِه وله هناك خليفةٌ؛ فإنْ كانَتْ له بيِّنةٌ ثَبَّتَ له الحقُّ عِندَه، وكَتَبَ إلى خَليفَته ولم يُحضِرْه، وإنْ لم تكن (١) له بيِّنةٌ حاضِرةٌ؛ نَفَذَ إلى خَصْمِه ليحاكمه (٢) عِنْدَ خليفَتِه. فإنْ لم يكُنْ له خليفةٌ وكان (٣) فِيهِ مِنْ يَصلُحُ للقَضاء؛ أَذِنَ له في الحُكْمِ بَينَهُما. وإنْ لم يكُنْ فيه مَنْ يَصْلُحُ؛ بَعثَ إلى ثِقَةٍ يَتَوَسَّطُ بَينَهما؛ لِأنَّ ذلك طريقٌ إلى قَطْعِ الخُصومة، مَعَ عَدَمِ المشَقَّة الحاصِلةِ بالإحْضار. (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا)؛ أيْ: إذا تعذَّر أوْ أَبَى الخصمان قَبُولَ ذلك؛ (قِيلَ (٤) لِلْخَصْمِ: حَرِّرْ مَا تَدَّعِيهِ)؛ لِأنَّه يَجُوزُ أنْ يكُونَ ما يَدَّعِيهِ لَيسَ بحقٍّ عِندَه؛ كالشُّفْعة للجار، وقِيمةِ الكَلْبِ، فلا يُكلَّفُ الحُضورَ لِمَا لا (٥) يُقْضَى عَلَيهِ به مع المشَقَّة فِيهِ، بخِلافِ الحاضر. (ثُمَّ يُحْضِرُهُ، وَإِنْ بَعُدَتِ المَسَافَةُ)، ذَكَرَه الأَصْحابُ، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّه لا بُدَّ مِنْ فَصْلِ الخُصومة، وقد تَعَيَّنَ بذلك. وقيل (٦): لِدُونِ مَسافَةِ القَصْرِ. وعَنْهُ: لِدُونِ يَومٍ، جَزَمَ به في «التَّبصِرة»، وزاد: بلا مُؤْنَةٍ ومَشَقَّةٍ. وفي «التَّرغيب»: لا يُحضِرُه مع البُعْد حتَّى يحرِّر (٧) دَعْواهُ، وفِيهِ: يَتَوَقَّفُ

стр. 6356

إحْضارُه على سِماعِ البَيِّنة إنْ كان ممَّا لا يُقْضَى فِيهِ بالنُّكول، قال: وذَكَرَ بعضُ أصْحابِنا لا يُحضِرُه مع (١) البُعْد حتَّى يَصِحَّ عِندَه ما ادَّعاه. تنبيهٌ: إذا ادَّعَى قِبَلَهُ شَهادةً؛ لم تُسمع (٢) ولم يُعْدَ عَلَيهِ ولم يُحلَّفْ، خِلَافًا للشَّيخ تقيِّ الدِّين، وهو ظاهِرُ نَقْلِ صالِحٍ وحَنْبَلٍ (٣). ولو قال: أنا أعْلَمُها ولا أؤديها (٤) فظاهِرٌ، ولو نَكَلَ لَزِمَه ما ادَّعَى به إنْ قِيلَ: كِتْمانُها مُوجِبٌ لِضَمانِ ما تَلِفَ، ولا يَبعُدُ، كما يَضمَنُ مَنْ تَرَكَ الإطْعامَ الواجِبَ، وكَونُه لا يَحصُلُ المقصودُ لِفِسْقِه بكِتْمانه؛ لا ينفي (٥) ضَمانَه في نَفْسِ الأَمْر، واللهُ أعلم (٦).

стр. 6357

(بَابُ طَرِيقِ الْحُكْمِ وَصِفَتِهِ) طَريقُ كلِّ شَيءٍ: ما تُوُصِّلَ به إلَيهِ، والحُكْمُ: الفَصْلُ. (إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ الخَصْمَانِ (١)، المُسْتَحَبُّ أنْ يَجلِسَ الخَصْمانِ بَينَ يَدَي الحاكِمِ (٢)، أوْ يُجْلِسَهما كذلك؛ لمَا رَوَى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير قال: «قَضَى رسولُ الله ﷺ : أنَّ الخصمين (٣) يَقْعُدانِ بَينَ يَدَي الحاكِمِ» رواه (٤) أحمدُ وأبو داودَ (٥)، لِأنَّ ذلك أمْكَنُ للحاكِمِ مِنْ العَدْل بَينَهما، والإقْبالِ عَلَيهِما، والنَّظَرِ في خُصومَتِهما. وفي «الرِّعاية»: إذا جاءه خَصْمانِ؛ جلسا (٦) بَينَ يَدَيهِ، أوْ أجْلَسَهما حاجِبُه، أوْ أَذِنَ لهما (٧) الحاكِمُ بذلك، أوْ عن جانِبَيهِ إنْ كانا شَريفَينِ أوْ كبيرَينِ. (فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: مَنِ المُدَّعِي مِنْكُمَا؟) هذا هو الأَشْهَرُ؛ لِأنَّ ذلك طريقٌ إلى

стр. 6358

مَعرِفَةِ المُدَّعِي مِنْ المُدَّعَى عَلَيهِ، (وَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا)؛ لِأنَّ كلامَه يَستَدْعِي طالِبًا له، ولم يُوجَدْ. وقِيلَ: بَلْ يَسكُتُ حتَّى يَدَّعِيَ أحدُهما، ويَقُولُ القائِمُ على رأسه: مَنْ المدَّعِي مِنكُما إنْ سَكَتَا جميعًا. ولا يَقُولُ الحاكِمُ ولا حاجبه (١) لِأحَدِهما: تكلَّمْ؛ لِأنَّ في إفْرادِه بذلك تفضيلاً له، وتَرْكًا للإنصاف. (فَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى؛ قَدَّمَهُ)؛ لِأنَّ للسَّابق حقَّ تقدُّمٍ (٢)، فلو قال الخَصْمُ: أنا الخَصْمُ؛ لم يَلتَفتْ إلَيهِ. (وَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا؛ قَدَّمَ أَحَدَهُمَا بِالْقُرْعَةِ)، هذا قِياسُ المذْهَب؛ لِأنَّها مُرجِّحةٌ عِنْدَ الاِزْدِحامِ، بدليلِ الإمامة والأَذانِ. وقِيلَ: مَنْ شاءَ الحاكِمُ قَدَّمَ مِنهُما. واسْتَحْسَنَ ابنُ المنْذِرِ: أنْ يسمع (٣) منهما جميعًا (٤). وقِيلَ: يُؤخِّرُهما حتَّى يَتَبَيَّنَ مَنْ المدَّعِي منهما (٥). (فَإِذَا انْقَضَتْ حُكُومَتُهُ؛ سَمِعَ دَعْوَى الآْخَرِ)؛ لِأنَّ التَّزاحُمَ قد زَالَ، وقال النَّبيُّ ﷺ : «يا عَلِيُّ! إذا جَلَسَ إلَيكَ الخَصْمانِ؛ فلا تَقْضِ بَينَهما حتَّى تَسمَعَ مِنْ الآخَر كما سَمِعْتَ مِنْ الأوَّل، فإنَّك إذا فَعَلْتَ ذلك تَبَيَّنَ لك القَضاءُ» رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمذِيُّ (٦).

стр. 6359

قال في «عُيونِ المسائل»: ولا يَنبَغِي للحاكِم أنْ يَسمَعَ شَكِيَّةَ أحَدٍ إلَّا ومَعَهُ خَصْمُه، هكذا وَرَدَ عن النَّبيِّ ﷺ . (ثُمَّ يَقُولُ لِلْخَصْمِ: مَا تَقُولُ فِيمَا ادَّعَاهُ؟) قدَّمه وصحَّحه أكثرُ الأصحاب، لِأنَّ ظاهِرَ الحال يَقتَضِي ذلك. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ لَا يَمْلِكَ سُؤَالَهُ حَتَّى يَقُولَ المُدَّعِي: اسْأَلْ سُؤَالَهُ عَنْ ذَلِكَ)، هذا وَجْهٌ كالحكم. (فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ)، سَواءٌ كان قَبْلَ السُّؤال أوْ بَعدَه؛ لَزِمَه ما ادَّعَى عَلَيهِ به (١) ولكِنْ (لَمْ يَحْكُمْ لَهُ (٢) حَتَّى يُطَالِبَهُ المُدَّعِي بِالْحُكْمِ)، ذَكَرَه السَّامَرِّيُّ والمجْدُ، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الكافي» و «الشَّرح»؛ لِأنَّ الحُكْمَ عَلَيهِ حقٌّ له، فلا (٣) يَسْتَوْفِيهِ إلَّا بمسألةٍ مُستَحِقَّةٍ. واخْتارَ جَمْعٌ: له الحُكْمُ قَبْلَ مسألةِ المدَّعِي، وهو الظَّاهِرُ؛ لِأنَّ الحالَ يَدُلُّ على إرادته، فاكْتُفِيَ بها؛ كما اكْتُفِيَ في مسألةِ المدَّعَى عَلَيهِ الجواب، ولِأنَّ كثيرًا مِنْ النَّاس لا يَعرِفُ مُطالَبَةَ الحاكِمِ بذلك، فيَتْرُكُ مُطالَبَتَه لِجَهْله، فيضيعُ (٤) حقُّه، ولِأنَّه لم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ ولا عن أحَدٍ مِنْ خُلَفائه، فاشْتِراطُه يُنافِي ظاهِرَ حالهم.

стр. 6360

وفي «التَّرغيب»: إذا أَقَرَّ فقد ثَبَتَ، ولا يَفتَقِرُ إلى قَولِه: قَضَيْتُ في أَحَدِ الوَجْهَينِ، بخِلافِ قِيامِ البَيِّنة؛ لِأنَّه يتعلَّقُ باجْتِهادِه. فرعٌ: إذا قال الحاكِمُ: يَستَحِقُّ عَلَيكَ كذا، فقال: نَعَمْ؛ لَزِمَه، ذَكَرَه في «الواضح». (وَإِنْ أَنْكَرَ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ المُدَّعِي: أَقْرَضْتُهُ أَلْفًا، أَوْ بِعْتُهُ، فَيَقُولَ: مَا أَقْرَضَنِي، وَلَا بَاعَنِي، أَوْ مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ مَا ادَّعَاهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، أَوْ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ؛ صَحَّ الْجَوَابُ)؛ لِنَفْيِه عين (١) ما ادَّعَى عَلَيهِ، ولِأنَّ قَولَه: (لا حقَّ له عَلَيَّ) نكِرَةٌ في سياق (٢) النَّفْي، فتعم (٣)، بمَنزِلَةِ قَولِه: ما يَستَحِقُّ عليَّ ما ادَّعاهُ ولا شَيئًا منه. وهذا ما لم يَعتَرِفْ بِسَبَبِ الحقِّ، فلو ادَّعَتْ على (٤) مَنْ يَعتَرِفُ بأنَّها زَوجَتُه المهرَ (٥)، فقال: لا تستحقُّ (٦) عليَّ شَيئًا؛ لم يَصِحَّ الجَوابُ، ويَلزَمُه المهْرُ إنْ لم يُقِم (٧) بيِّنةً بإسْقاطِه؛ كَجَوابِه في دَعْوَى قَرْضٍ اعْتَرَفَ به: لا يَستَحِقُّ عليَّ شَيئًا، ولهذا لو أقرَّتْ في مَرَضِها: لا مَهْرَ لها عَلَيهِ؛ لم يُقبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أنَّها أخَذَتْه، نَقَلَه مُهَنَّى (٨)، أوْ أنَّها أسْقَطَتْه في الصِّحَّة. تنبيهٌ: لو ادَّعَى بدِينارٍ، فقال: لا يَستَحِقُّ عليَّ حَبَّةً؛ فلَيسَ بجَوابٍ عِنْدَ ابنِ عَقِيلٍ؛ لِأنَّه لا يُكتَفَى في رفع (٩) الدَّعْوَى إلَّا بنَصٍّ لا بظاهِرٍ.

стр. 6361

وقال الشَّيخُّ تقيُّ الدِّين (١): يعمُّ (٢) الحَبَّاتِ، وما لم يَندَرِجْ في لَفْظِ حَبَّةٍ مِنْ بابِ الفحوى (٣)، إلَّا أنْ يُقالَ: تَعُمُّ حقيقةً عُرْفِيَّةً. ولو قال: لي عَلَيكَ مِائَةٌ، فقال: لَيسَ لك عليَّ مِائَةٌ؛ اعْتُبِرَ في الأصحِّ قَولُه، ولا شَيءَ منها كاليمين. فإنْ نَكَلَ عمَّا دُونَ المِائَة؛ حُكِمَ عَلَيهِ بمائةٍ إلَّا جُزْءًا. وإنْ قُلْنا بردِّ (٤) اليمين؛ حَلَفَ المدَّعِي على ما دُونَ المِائة إذا لم يُسْنِد المائَة إلى عَقْدٍ؛ لكَونِ اليمين لا تَقَعُ إلَّا مع ذِكْر النِّسبة؛ لِمطابِقِ (٥) الدَّعْوَى، ذَكَرَه في «التَّرغيب». (وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ: لِي بَيِّنَةٌ)؛ لِأنَّ الحقَّ طريقٌ له، والبيِّنةُ طريقٌ إلى تخليصِه (٦). (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ (٧)؛ قَالَ لَهُ (٨) الْحَاكِمُ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) لقوله ﵇ للحَضْرَمِيِّ: «أَلَكَ بَيِّنةٌ؟» قال: لا، رواهُ مُسلِمٌ، وفِيهِ: «فَلَكَ يَمينُه» (٩). فإنْ كان المدَّعِي عارِفًا بأنَّه مَوضِعُ البيِّنة؛ خُيِّرَ الحاكِمُ بَينَ أنْ يَقُولَ ذلك وبَينَ السُّكوت. وظاهِرُ «المحرر»: لا يَقُولُه (١٠).

стр. 6362

(فَإِنْ (١) قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ؛ أَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا)؛ لِأنَّه طَريقٌ إلى تَخْلِيص الحقِّ. وفي «المستوعب» و «الرِّعاية»: يَقُولُ له: أحْضِرْها إنْ شِئْتَ. وفي «المغْنِي»: أنَّ المدَّعِي إذا قال: لي بَيِّنةٌ؛ لم يَقُل له الحاكِمُ: أحْضِرْها؛ لِأنَّ ذلك حقٌّ له، فله أنْ يَفعَلَ ما يَرَى. قال ابنُ المنَجَّى: فيُحْمَلُ أمْرُه بالإحضار على الإذْنِ فيه؛ لِأنَّ حَمْلَ الأمْر على حقيقته ينافي (٢) ما ذَكَرَه في «المغْنِي». (فَإِذَا أَحْضَرَهَا)؛ لم يَسأَلْها الحاكِمُ حتَّى يَسأَلَه المدَّعِي ذلك؛ لِأنَّه حقٌّ له، فإذا سأله (٣) المدَّعِي سؤالها (٤) لم يَقُلْ: اشْهَدا، ولا يُلقِّنُهما، وفي «المستوعب»: لا يَنبَغِي، وفي «الموجز»: يُكرَه كتعَنُّتِهما (٥)، (سَمِعَهَا الْحَاكِمُ)؛ لِأنَّ الإحْضارَ مِنْ أجْلِ السَّماع، فيَقُولُ الحاكِمُ: مَنْ كانَتْ عِندَه شَهادةٌ فلْيَذْكُرْ ما عِندَه، فإذا شَهِدَا، واتَّضَحَ الحقُّ؛ لَزِمَه، ولم يَجُزْ تَردِيدُها. وفي «الرِّعاية»: إنْ ظَنَّ الصُّلْحَ أخَّرَه. وفي «الفُصول»: أحْبَبْنا له أمْرَهُما بالصُّلح؛ أيْ: إذا كان فيها لبْسٌ، فإنْ أَبَيَا؛ أخَّرَهما؛ لِأنَّ الحُكْمَ بالجَهْل حرامٌ، فإنْ عَجَّلَ قَبْلَ البَيانِ؛ لم يَصِحَّ حُكْمُه. قال أبو عُبَيدٍ: إنَّما يسعه (٦) الصُّلْحُ في الأمور المشْكِلةِ، أمَّا إذا (٧)

стр. 6363

اسْتَنارَت الحُجَّةُ؛ فلَيسَ له ذلك (١). ورُوِيَ عن شُرَيحٍ: أنَّه ما أصْلَحَ بَينَ المتحاكِمَينِ إلَّا مَرَّةً واحِدةً (٢). ورُوِيَ عن عمرَ أنَّه قال: «رُدُّوا الخُصومَ حتَّى يَصطَلِحَا، فإنَّ فَصْلَ القَضاء يُحدِثُ بَينَ القَومِ الضَّغائِنَ» (٣). (وَحَكَمَ بِهَا إِذَا سَأَلَهُ المُدَّعِي)؛ بأنْ كانت الشَّهادةُ صحيحةً. وفي «المغْنِي» و «الشَّرح»: يَقُولُ الحاكِمُ للمُدَّعَى عَلَيهِ: قد شَهِدَا عَلَيكَ، فإْن كان لك قادِحٌ فبَيِّنْه عِنْدِي. قال في «الفُروع»: (يَعْنِي: يُستَحَبُّ، وذكره (٤) في «المُذهب» و «المستوعب» فيما إذا ارْتابَ فِيهِما، فدلَّ أنَّ (٥) له الحُكْم مع الرِّيبة). وإن لم يَظهَرْ ما يَقدَحُ فيهما (٦)؛ حُكِمَ عَلَيهِ إذا سَأَلَه المدَّعي الحُكمَ؛ لِأنَّه حقٌّ له، فلا يَستَوفِيهِ إلَّا بمسألةٍ مُستَحِقَّهٍ. (وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فِي مَجْلِسِهِ إِذَا سَمِعَهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ)؛ لِأنَّ التُّهمةَ الموجُودةَ في الحُكم بالعِلْم مُنتَفِيَةٌ هنا.

стр. 6364

فرعٌ: لا يَجُوزُ الاِعْتِراضُ عَلَيهِ لِتَرْكِه تسمية (١) الشُّهود، ذَكَرَه القاضي وابنُ عَقِيلٍ. وذَكَرَ الشَّيخُ تقيُّ الدِّين: أنَّ له عَلَيهِ تَسْمِيَةَ الشُّهود؛ ليتمكَّن (٢) من القَدْح باتِّفاقٍ (٣)، قال في «الفُروع»: ويَتَوَجَّهُ مِثْلُه: حَكَمْتُ بكذا، ولم يَذكُرْ مُستَنَدَهُ. (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ أَحَدٌ، أَوْ (٤) سَمِعَهُ مَعَهُ (٥) شَاهِدٌ وَاحِدٌ؛ فَلَهُ الحُكْمُ بِهِ (٦)، نَصَّ عَلَيْهِ) في رِوايَةِ حَرْبٍ (٧)، وهو المذْهَبُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ إذًا لَيْسَ بِمَحْضِ الحُكْم بالعِلْم، ولا يَضُرُّ رُجُوعُ المُقِر. (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَحْكُمُ بِهِ)، هذا رِوايَةٌ ذَكَرَها ابنُ هُبَيرةَ؛ لِأنَّه حَكَمَ بعِلْمِه، وذلك لا يَجُوزُ. وعنه (٨): لا يَحكُمُ بإقْرارٍ في مَجلِسِه حتَّى يَسمَعَه معه عَدْلانِ، اخْتارَه القاضِي، وجَزَمَ به في «الرَّوضة». فإنْ طَلَبَ منه (٩) الإشْهادَ على إقْرارِه عِندَه لَزِمَه. (وَلَيْسَ لَهُ الْحُكْمُ بِعِلْمِهِ) في غَيرِ ذلك، (مِمَّا رَآهُ (١٠) أَوْ سَمِعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ (١١)، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأَصْحَابِ)، وفي «الكافي» و «الشَّرح»: هو ظاهِرُ

стр. 6365

المذْهَب، وفي «المحرَّر»: هو المشْهورُ عنه، وصحَّحه ابنُ المنَجَّى، ونَصَرَه المؤلِّفُ؛ لقوله ﵇: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم، وإنَّكم تَختَصِمونَ إليَّ، ولعلَّ بعضَكم ألْحَنُ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، فأَقْضِي له على نَحْوِ ما أَسْمَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (١)، فدلَّ أنَّه يَقْضِي بما سمِعَ (٢) لا بما يَعلَمُ، وفي حديثِ الحَضْرَمِيِّ والكِنْدِيِّ: «شاهداك (٣) أوْ يَمِينُه، لَيسَ لك منه إلَّا ذلك» رواهُ مُسلِمٌ (٤)، وقال أبو بكرٍ ﵁: «لو (٥) رأيت رجلاً على حَدٍّ مِنْ حُدودِ الله تعالى ما أَخَذْتُه، ولا دَعَوْتُ له أحدًا (٦) حتَّى يكُونَ مَعِي غَيرِي»، حَكاهُ أحمدُ (٧). (وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ)، وقاله أبو يُوسُفَ والمُزَنِيُّ (٨)؛ لحديثِ هِندٍ: «خُذِي ما يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بالمعروف» (٩)، ولِأنَّه حقٌّ

стр. 6366

عَلَيهِ، فَجَازَ الحُكْمُ به؛ كالجَرْح والتَّعديل، وكما (١) لو قامَتْ به (٢) البَيِّنَةُ. وعن أحمدَ: يَجُوزُ ذلك إلَّا في الحدود. وقال (٣) ابنُ أبي مُوسَى: لا اخْتِلافَ عَنْه أنَّه لا يَحكُمُ بعِلْمِه في الحدود، وهل يَحكُمُ به في غَيرِه؟ على رِوايَتَينِ، نَقَلَ حنبلٌ: إذا رآه على حَدٍّ لم يكُنْ له أنْ يُقِيمَه إلَّا بشهادةِ مَنْ شَهِدَ معه؛ لِأنَّ شَهادَتَه شَهادةُ رَجُلٍ، ونُقِل أيضًا: أنَّهما يَذهَبانِ إلى حاكِمٍ آخَرَ (٤). والأوَّلُ أظْهَرُ، وأجاب في «الشَّرح» عن حديثِ هِند: أنَّه فُتْيَا لا حُكْمٌ، بدليلِ عَدَمِ حُضُورِ أبي سُفْيانَ، ولو كان حُكْمًا لم يَحكُمْ عَلَيهِ في غَيبَتِه، ويُفارِقُ الحُكْمَ بالشَّهادة، فإنَّه لا يُفْضِي إلى تُهمةٍ، بخِلافِ مَسأَلَتِنا. وأمَّا الجَرْحُ والتَّعديلُ: فإنَّه يَحكُمُ فيه بعِلْمِه بغَيرِ خِلافٍ (٥)؛ لِأنَّه لو لم يَحكُمْ بعَلْمِه لَتَسَلْسَلَ، ولِأنَّه لا يَجُوزُ له قَبولُ شهادةِ مَنْ يَعلَمُ فِسْقَه، ولِأنَّ التُّهمةَ لا تَلحَقُه في ذلك؛ لِأنَّ صِفاتِ الشُّهودِ مَعْنًى ظاهِرٌ. وقال القاضِي وجماعةٌ: لَيسَ هذا بحُكْمٍ؛ لِأنَّه يُعدِّلُ هو ويَجرَحُ غَيرُه، ويَجرَحُ هو ويُعدِّلُ غيرُه (٦)، ولو كان حُكْمًا؛ لم يكُنْ لغَيرِه نَقْضُه. وعلى المنْعِ: هل عِلْمُه كشاهِدٍ؟ فيه وَجْهانِ. (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: مَا لِي بَيِّنَةٌ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ)؛ للخَبَر، ولِأنَّ الأصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه، (فَيُعْلِمُهُ أَنَّ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ)؛ لِأنَّه مَوضِعُ حاجَةٍ.

стр. 6367

(وَإِنْ سَأَلَ إِحْلَافَهُ؛ أَحْلَفَهُ (١)؛ لِأنَّ اليمينَ طريقٌ إلى تخليصِ حقِّه، يَلزَمُ الحاكِمَ إجابَةُ المدَّعِي؛ كسَماعِ البَيِّنة. وتكون (٢) على صِفَةِ جَوابِه، نَصَّ عَلَيهِ (٣). وعَنْهُ: بصِفَةِ الدَّعْوَى. وعَنْهُ: يَكْفِي تحليفُه: لا حقَّ لكَ عليَّ. فإذا أحلفه (٤)، (وَخَلَّى (٥) سَبِيلَهُ)؛ لِأنَّه لم يَتَوَجَّهْ عَلَيهِ حقٌّ. وعُلِمَ منه: أنَّه لَيسَ له اسْتِحْلافُه قَبْلَ سُؤاله؛ لِأنَّ اليمينَ حقٌّ له؛ كنَفْسِ الحقِّ، ويَمِينُ المنْكِرِ على الفَور. وله تَحْلِيفُه مع عِلْمِه قُدْرَتَه على حقِّه، نَصَّ عَلَيهِ، نَقَلَ ابنُ هانِئٍ: إنْ عَلِمَ أنَّ عِندَه مالاً يُؤَدِّي إلَيهِ حقَّه: أرجو ألَّا (٦) يَأثَمَ (٧)، وظاهِرُ رِوايَةِ أبي طالِبٍ: يُكرَهُ (٨). مسألةٌ: إذا حَلَفَ يمينًا واحدةً (٩) عِنْدَ حاكم (١٠)؛ لم يَحلِفْ ثانية (١١) عِندَه، ولا عِنْدَ مَنْ عَرَفَ حَلِفَه، وإذا لم يَبطُلْ حقُّه باليمين الأَوَّلَة؛ فله طَلَبُه

стр. 6368

وأخْذُه بكلِّ طريق (١) شَرعِيٍّ، ويَحلِفُه عِنْدَ مَنْ جَهِلَ حَلِفَه؛ لِبَقاءِ الحقِّ مع انْقِطاعِ الخُصُومة عنده (٢)، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الرِّعاية». (وَإِنْ أَحْلَفَهُ، أَوْ حَلَفَ هُوَ (٣) مِنْ غَيْرِ سُؤَالِ المُدَّعِي؛ لَمْ يَعْتَدَّ بِيَمِينِهِ)؛ لِأنَّه أَتَى بها (٤) في غَيرِ وَقْتِها، فإذا سَأَلَه المدَّعي؛ أعادَها له؛ لِأنَّ الأُولَى لم تكُنْ يَمينَه. وإنْ أمْسَكَ المدَّعِي عن إحْلافِ خَصْمِه، ثُمَّ أراد إحِلافَه بالدَّعْوَى المتقدِّمة (٥)؛ جازَ؛ لِأنَّ حقَّه لا يَسقُطُ بالتَّأخِيرِ. وإنْ أَبْرَأَهُ منها؛ فله تجديدُ الدَّعْوَى وطَلَبُها؛ لِأنَّ حقَّه لم يَسقُطْ بالإبْراء من اليمين، وهذه الدَّعْوَى غَيرُ التي أبْرَأَهُ من اليمين فيها. فإن (٦) حَلَفَ؛ سَقَطَت الدَّعْوَى، ولم يكُن للمُدَّعِي أنْ يَحلِفَ يمينًا أخرى، لا (٧) في هذا المجْلِسِ ولا في غَيرِه؛ لحديثِ الحَضْرَمِيِّ (٨). وعَنْهُ: يَبرَأُ بتحْلِيفِ المدَّعِي. وعَنْهُ: ويُحلِّفُه له وإن لم (٩) يُحلِّفْه، ذَكَرَهما الشَّيخُ تقيُّ الدِّين مِنْ رِوايَةِ مُهَنَّى (١٠): أنَّ رجلاً اتَّهَمَ رجلاً بشَيءٍ، فَحَلَفَ له، ثُمَّ قال: لا أَرْضَى إلَّا أنْ

стр. 6369

يَحلِفَ لي عِنْدَ السُّلطان، أله ذلك؟ قال: لا، قد ظَلَمَه وتَعنَّته (١). ولا يَصِلُه باسْتِثْناء، وفي «المغْنِي»: أوْ بما لا يُفْهَم (٢)؛ لِأنَّ الاِسْتِثْناءَ يُزِيلُ حُكْمَ اليمينِ، وفي «التَّرغيب»: هي يمينٌ كاذِبَةٌ. ولا (٣) يَجُوزُ التَّأْوِيلُ والتَّوْريةُ (٤) فِيهَا إلَّا لمظلوم (٥). (وَإِنْ نَكَلَ؛ قَضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، نَصَّ عَلَيْهِ) في رِوايَةِ الميْمُونيِّ، والأَثْرَمِ، وحَرْبٍ (٦)، (وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ شُيُوخِنَا)، وفي «المستوعب»: هو اخْتِيارُ أكثرِ أصْحابِنا، لِأنَّ «عُثْمانَ قَضَى على ابنِ عمرَ بنُكولِه عن اليمين» رواهُ أحمدُ (٧). (فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا قَضَيْتُ عَلَيْكَ، ثَلَاثًا)، ذَكَرَه في «المستوعب» و «الكافي»؛ لِأنَّ النُّكولَ ضعيفٌ، فَوَجَبَ اعتضاده (٨) بالتَّكْرار ثلاثًا. وصرَّح (٩) في «المحرَّر» و «الفُصول»: بأنَّه يُستَحَبُّ أنْ يكُونَ ثلاثًا؛ لِأنَّه لو كان كاذِبًا؛ لحلف (١٠) المُدَّعَى عَلَيهِ على نَفْيِ دَعْواهُ. وقدَّمَ في «الرِّعاية»: أنَّ الحاكِمَ يَقُولُ ذلك مرَّةً. وسواء (١١) كان مَأْذُونًا له، أوْ مَريضًا، أوْ غَيرَهما.

стр. 6370

(فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ؛ قَضَى عَلَيْهِ) بالنُّكول، نَصَّ عَلَيهِ (١)، وهو كإقامةِ بَيِّنةٍ، لا كإقْرارٍ، ولا كبَذْلٍ، (إِذَا سَأَلَهُ (٢) المُدَّعِي (٣) ذَلِكَ)؛ لِأنَّ ذلك حقٌّ للمُدَّعِي، فلم يُفْعَلْ إلَّا بسؤاله. (وَعِنْدَ (٤) أَبُو الْخَطَّابِ)، واخْتارَه جماعةٌ: (تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى المُدَّعِي)؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ردَّ اليَمِينَ على صاحِبِ الحقِّ» رواهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٥)، ورُوِيَ أيضًا مِنْ رِوايَةِ إبراهيمَ بنِ أبي (٦) يحيى، عن عليٍّ، قال: «المدَّعَى عَلَيهِ أَوْلَى باليمين، وإنْ نَكَلَ حَلَفَ (٧) صاحِبَ الحقِّ وأخَذَه» (٨)، وهذا مَذهَبُ عمرَ (٩)،

стр. 6371

وعُثْمانَ (١). (وَقَالَ: قَدْ صَوَّبَهُ أَحْمَدُ) في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، (وَقَالَ: مَا (٢) هُوَ بِبَعِيدٍ (٣)، يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ)؛ لما (٤) ذَكَرْنا، وقِياسُ قَولِ أحمدَ يَقتَضِيهِ، فإنَّه (٥) حُكْمٌ باليمين مع الشَّهادة ابِتْداءً مِنْ غَيرِ رِضَا المنْكِرِ، وكذا في القَسامة، فإذا رَضِيَ المنْكِرُ بيَمِينِه كان أَوْلَى. فعلى ذلك: لا يشترطُ (٦) إذْنُ ناكِلٍ في الرَّدِّ، وشرَطَهُ (٧) أبو الخَطَّاب، وجَزَمَ به السَّامَرِّيُّ. ويمينُه كإقْرارِ مُدَّعًى عَلَيهِ، فلا (٨) تُسمَعُ بينتُهُ (٩) بعدَها بأداءٍ ولا إبْراءٍ. وقِيلَ: كبَيِّنةٍ، فتُسْمع (١٠). وقِيلَ: يُحبَسُ حتَّى يُجِيبَ؛ إمَّا بإقْرارٍ أوْ حَلِفٍ، ذَكَرَه في «التَّرغيب» عن أصْحابِنا.

стр. 6372

(فَيُقَالُ لِلنَّاكِلِ: لَكَ (١) رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى المُدَّعِي)؛ لِأنَّه موضعُ حاجَةٍ، أشْبَهَ قَولَه: لك يمينُه. (فَإِنْ رَدَّهَا؛ حَلَفَ المُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ)؛ لِاسْتِكْمالِ الشُّروط المُعْتَبَرَةِ. (وَإِنْ نَكَلَ أَيضًا (٢) مَنْ رُدَّتْ عَلَيهِ اليمينُ؛ (صَرَفَهُمَا)، وجُمْلَتُه: أنَّه إذا نَكَلَ؛ سُئِلَ عن سببِ نُكوله؛ لِأنَّه لا يَجِبُ بنُكوله حقٌّ لغَيره، بخِلافِ المدَّعَى عَلَيهِ، فإن (٣) قال: امْتَنَعْتُ لِأنَّ لي بيِّنةً أُقِيمُها، أوْ حِسابًا أنْظُرُ فيه؛ فهو على حقِّه من اليمين، ولا يُضَيَّقُ عَلَيهِ في المدَّة؛ لِأنَّه لا يتأخَّرُ إلا حقُّه (٤)، بِخِلافِ المدَّعَى عَلَيهِ. (فَإِنْ عَادَ أَحَدُهُمَا، فَبَذَلَ الْيَمِينَ؛ لَمْ يَسْمَعْهَا فِي ذَلِكَ المجْلِسِ)؛ لِأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها، (حَتَّى يَحْتَكِمَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ)؛ لِأنَّ الدَّعْوَى فيه تَصِيرُ مُحاكَمَةً ثانِيَةً، فإذا اسْتَأْنَفَ الدَّعْوَى أُعْيدَ الحُكْمَ بَينَهما كالأوَّل. وقال ابنُ حَمْدانَ: إنْ بَذَلَها النَّاكِلُ قَبْلَ عَرْضِها (٥) على المدَّعِي، أوْ بَعْدَه بِرِضاهُ؛ سُمِعَتْ، وإلَّا فَلَا. وهذا الَّذي ذَكَرَه المؤلف (٦) شَرْطُه: عَدَمُ الحُكْم بالنُّكول (٧). وإنْ تَعذَّرَ رَدُّ اليمينِ، وقُلْنا به لكَونِ المدَّعِي وَلِيًّا ونحوَه؛ قُضِيَ بالنُّكول. وقِيلَ: يَحلِفُ الوليُّ. وقِيلَ: إنْ باشَرَ ما ادَّعاه.

стр. 6373

وقِيلَ: يَحلِفُ حاكِمٌ. وقَطَعَ المؤلِّفُ: يَحلِفُ إذا عقل (١)، ويَكتُبُ له مَحضَرًا بنُكولِه. تنبيهٌ: الَّذي يُقْضَى فيه بالنُّكول ورَدِّ اليمينِ: المالُ، وما يُقصَدُ به المالُ (٢)، وهل يُقْضَى بالنُّكول في دَعْوَى الوَكالة بالمال؟ على وَجْهَينِ. وقال السَّامَرِّيُّ: اخْتَلَفَ أصْحابُنا في دَعْوَى الكَفالة: هل يُقضَى فِيهَا بالنُّكول؟ فيه وَجْهانِ، أوجهُهما: الحُكْمُ به، قاله ابنُ أبي مُوسَى. (وَإِنْ قَالَ المُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ، بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لِي بَيِّنَةٌ؛ لَمْ تُسْمَعْ (٣)، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ)، نَصَّ عَلَيهِ (٤)، وجَزَمَ به في «الكافي» و «المستوعب» و «الوجيز»؛ لِأنَّ سَماعَ البيِّنةِ قد تُحقِّقَ كَذِبَهُ، فيَعُودُ الأمْرُ على خِلافِ المقْصودِ، وكذا قَولُه: كَذَبَ شُهُودِي، وأَوْلَى، ولا تَبطُلُ دَعْواهُ بذلك في الأصحِّ. (وَيَحْتَمِلُ: أَنْ تُسْمَعَ)، هذا وَجْهٌ، واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ وغَيرُه، قال في «الفروع»: وهو مُتَّجِهٌ، حَلَّفُه أوْ لم يُحلِّفْه؛ لأنَّه (٥) يَجُوزُ أنْ يَنْسَى، أوْ يكون (٦) الشَّاهِدَانِ سَمِعَا منه، وصاحِبُ الحقِّ لا يَعلَمُه، فلا يَثْبُتُ بذلك أنَّه (٧) أكْذَبَ نَفْسَه. فرعٌ: إذا قال: كلُّ بَيِّنةٍ أُقِيمُها فهي زُورٌ، أو: لا (٨) حقَّ لي فِيهَا، ثُمَّ أقام بَيِّنةً؛ لم تُسمَعْ بحالٍ.

стр. 6374

(وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ لِي (١) بَيِّنَةً، ثُمَّ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ لِي بَيِّنَةً؛ سُمِعَتْ)؛ لِأنَّه لم يُكذِّبْ بَيِّنَتَه. (وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ، فَقَالَ: هَذَانِ بَيِّنَتِي؛ سُمِعَتْ (٢)، وهي أَوْلَى من الَّتي قَبْلَها؛ لِأنَّه لا تُهمةَ فيها، لكِنْ لو شَهِدَتْ بغَيرِ ما ادَّعاه فهو مُكذِّبٌ لها، نَصَّ عَلَيهِ (٣). وإنِ ادَّعى شَيئًا، فأقرَّ له بغَيرِه؛ لَزِمَه إذا صدَّقَه المُقَرُّ له، والدَّعْوَى بحالها، نَصَّ عَلَيهِ (٤). (وَإِنْ (٥) قَالَ: مَا أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَا لِي؛ لَمْ يُكَلَّفْ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ)؛ لِأنَّه أسْقَطَ حقَّه منها، وله تحليفُه في ذلك كلِّه. (وَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ)، وأُرِيدُ ملازمةَ (٦) خَصْمِي حتَّى أُقِيمَها؛ لم يكُنْ له ذلك، ذَكَرَه في «الكافي». وفي «الشرح» (٧): إذا قال: لي بَيِّنةٌ غائبةٌ؛ لَيسَ له مُطالَبَتُه بكفيلٍ، ولا مُلازَمَتُه حتَّى تحضُرَ (٨) البَيِّنةُ، نَصَّ عَلَيهِ (٩)؛ لِأنَّه لم يَثبُتْ له قِبَلَه حقٌّ (١٠).

стр. 6375

وذَكَرَ في مَوضِعٍ آخَرَ: أنَّه إن (١) كانَتْ بَيِّنَتُه قريبةً فله مُلازَمَتُه حتَّى يُحضِرَها؛ لِأنَّ ذلك ضرورةُ إقامَتِها، فإنَّه لو لم يَتمَكَّنْ مِنْ مُلازَمَتِه؛ لَذَهَبَ مِنْ مَجلِسِ الحكم، ولا يُمَكَّنُ مِنْ إقامَتِها إلَّا بحضْرَتِه، وتفارق (٢) البيِّنةَ البعيدةَ ومَن لا يُمكِنُ حُضورُها، فإنَّ إلزامه (٣) الإقامةَ إلى حِينِ حُضورِها يَحتاجُ إلى حَبْسٍ (٤)، أو ما (٥) يَقُومُ مَقامَه ولا سبيلَ إلَيهِ. (وَأُرِيدُ يَمِينَهُ، فَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً؛ فَلَهُ إِحْلَافُهُ)، ذَكَرَه في «الكافي» و «الشَّرح»، وقدَّمه في «المحرَّر»؛ لِأنَّ ذلك تَعَيَّنَ طريقًا إلى اسْتِخْلاصِ الحقِّ. وقِيلَ: إنْ كانَتْ غائبةً عن (٦) البلد؛ فله ذلك. وقِيلَ: يَملِكُ إقامَتَها فقطْ. (وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً) في مَجلِسِ الحكم، قال ابنُ حَمدانَ: أوْ قَريبًا منه؛ (فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ): أحدُهما: يَملِكُ إقامَتَها، أوْ تحليفَه مِنْ غَيرِ أنْ يسمع (٧) البيِّنةَ بعده (٨)، ذَكَرَه في «المحرَّر»، وجَزَمَ به في «الوجيز»، وقدَّمه في «الرِّعاية» و «الفُروع»؛
следующие страницы →